Полный текст (1 664 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
أسباب الكبر
وللكبر أسبابٌ كثيرة فقد تكون عن صفة كمال كالعلم والنسب والجاه والسلطان، وربما نشأ عن غرور ووهم؛ بحيث يعتقد أنه أكمل من غيره خطأً وجهلاً، وهذا برهان على نقص عقله، ولذلك يقول بعض العلماء: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخل من ذلك الكبر، قل أو كثر.
стр. 912
العلم
فإن كان الكبر ناشئاً عن العلم كان صاحبه مثالاً سيئاً، وقدوة رديئة، خصوصاً إذا دفعه الكبر إلى صفة ذميمة كالحسد والحقد، أو أفضى به إلى ارتكاب مظلمة من مظالم ارتكبها بيده أو لسانه، فإن ضرر هذا لا يقدر؛ لأن الناس يقتدون بالعلماء في أقوالهم وأفعالهم، فيستسهلون عند ذلك ارتكاب الجرائم وإشباع الصفات الذميمة، كمن يرى بعض العلماء يصلي في بيته، فإنهم يقتدون به ويقولون: الشيخ فلان يصلي في بيته، أو كما يرون بعض العلماء يحلق لحيته ويقولون: ذاك العالم الفلاني يحلق لحيته، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستمع الأغاني، أو يقولون: إن العالم الفلاني يستعمل الربا، فإنه صار في هذا شر قدوة وأسوأها، فإن هذا إذا صدر من العلماء فإن فيه شراً عظيماً، وأيضاً لا ينتفع بعلمهم؛ لأنهم يكونون بعد ذلك ضعفاء الإرادة، ومن كان هذا شأنه فإن علمه وبالٌ عليه، وسوف يسأل عن علمه ماذا عمل به.
أما العلم النافع: فهو الذي يربي الأنفس ويطهرها من الصفات الرديئة، ويعرف العبد بربه وبنفسه وخطر أمرها، وهذا يورث الخشية والتواضع، فيكون صاحبه مثالاً حسناً في الناس، وقدوةً صالحة في الأقوال والأفعال، هذا إذا كان الكبر في العلماء.
стр. 913
النسب
أما إذا كان الكبر ناشئاً عن النسب، فإنه ربما يكون سبباً للطعن في أنساب الآخرين، وقد يؤدي إلى احتقارهم وازدرائهم، وقد فصل المسألة رب العالمين بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وفصلها رسول الهدى: ﴿لا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى﴾.
стр. 914
الجاه والسلطان
وإن كان الكبر ناشئاً عن الجاه والسلطان، فإنه غالباً يفضي إلى شر أنواع الظلم وانتهاك المحارم من حقوق الله وحقوق خلقه، مثل ألا يبالي بهم، ولا يسمع شكواهم وخاصة الضعفاء، ومثل أن يعرض عن النصيحة وعن العلم بالحق، فإنه في هذه الحالة يكون متكبراً مذموماً ممقوتاً.
стр. 915
أعظم أنواع الكبر وعلاجه
والكبر أنواع، وأعظم أنواع الكبر: الكبر على الله وعلى رسله، وهذا من أشر أنواع الكبر، ومن أراد علاج الكبر فقد ذكره العلماء، فقال بعضهم: أولاً أن يعرف الإنسان ربه ويعرف نفسه، فإنه إذا عرف ربه حق المعرفة، علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله جل وعلا، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيفٌ ذليل، لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع لرب العالمين والذلة لله، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢] ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] ففي هذه الآيات إشارة إلى خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسط أمره، أما أوله فإنه لم يكن شيئاً مذكوراً، وقد كان في حيز العدم دهوراً، ثم خلقه العزيز الحكيم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاماً، ثم كسا العظام لحماً، ثم لما استتم الخلق جعله سميعاً بعد أن كان أصمَّ، وبصَّره بعد أن كان فاقد البصر، وقواه بعد أن كان ضعيفاً، وعلمه بعد أن كان جاهلاً، فمن كان هذا أوله، وهذه أحواله فمن أين له البطر والأشر والكبرياء والخيلاء، وهو الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الباري جل وعلا؟!
فليتأمل العاقل -يا عباد الله- هل يليق الكبر بمن هذا أوله؟!
وآخره أنه يسلب روحه! فهذا الإنسان الذي يجول ويصول يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحواسه وإدراكه وحركاته وجماله وجميع أحواله، فيعود جماداً كما كان أولاً، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته، ولا حركة فيه، ثم يوضع في التراب في مثواه الأخير في القبر، فيصير جيفة منتنة كما كان في الأول نطفة قذرة، فتبلى أعضاؤه، وتتفتت أجزاؤها، وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه، ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كان، ثم يحييه الذي خلقه أول مرة، فيقاسي البلاء والشدائد، والأهوال والمزعجات فيخرج من قبره كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] فينظر إلى قيامة قائمة، وسماء منفرجة منشقة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكشفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر.
فيا ويل المجرمين مما أمامهم في ذلك اليوم العظيم!
اللهم اهدنا إلى أحسن الأخلاق والأعمال وأحبها إليك، لا يهدينا لأحسنها وأحبها إليك إلا أنت، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين وأنت راضٍ عنا يا كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 916
بماذا يسعد المسلمون ؟
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله واتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه.
إنما يسعد المسلمون بأن يتبعوا الحق ويدعوا إليه، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقبلوا النصيحة ممن ينصحهم، ويعملوا بها راضيةً نفوسهم، شاكرةً ألسنتهم غير مستكبرين ولا متعنتين، ولم يعمهم الهوى عن اتباع الحق، إذ بذلك تكمل لهم السعادة ويتم لهم النعيم.
رجل يأكل عند الرسول ﷺ بشماله، فقال له: ﴿كل بيمينك، قال: لا أستطيع -وهو متعافِ ولكن منعه الكبر- فدعا عليه ﷺ فقال: لا استطعت! فما رفعها إلى فيه﴾ وقد كثر المتكبرون في وقتنا الحاضر عن قبول الحق، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهدي الجميع إلى صراطه المستقيم.
أمة الإسلام: لا تكون السعادة في من فشا فيه داء الكبر، فاستحكم وتكبر عن قبول النصح من الناصح وإرشاد المرشد، فإن المرء إذا لم يقبل نصيحة الناصح كان راضياً عن نفسه، وإذا رضي عن نفسه عمي عن عيوبها، فلا يؤثر فيها نصحٌ ولا ينفع معها إرشاد؛ لأن الغرور متحكم فيها والشهوات محيطةٌ بها، فإذا أراد الله بعبده خيراً بصره بعيوب نفسه، فأصلحها واتهمها دائماً بالنقص، وطالبها بالكمال، حتى تلتحق بالنفوس الزكية والأرواح الطاهرة، وهكذا كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [[رحم الله امرأ أهدى إلي عيوب نفسي]] هذا دعاء من أمير المؤمنين إلى من يبصره بعيوب نفسه وإلى من يقول له: أخطأت في كذا؟ لماذا عملت كذا؟
﵃ وأرضاهم؛ لأنهم يفرحون إذا نبههم أحد بعيوب أنفسهم، ويعدون ذلك من باب النصيحة ولم يتكبروا.
стр. 917
بعض الآيات والأحاديث التي تدل على ذم التكبر
وقد ورد في ذم التكبر آيات وأحاديث تبين أنه شر، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
في السنة أيضاً مما يحذر من التكبر أحاديث عن رسول الله ﷺ ، فهو يقول: ﴿لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً﴾ ويقول رسول الله ﷺ في حديث قدسي: ﴿العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئاً منهما عذبته﴾ ويقول أيضاً ﷺ : ﴿يقول الله جل وعلا: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار﴾ ويقول ﷺ : ﴿ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلٍ جواظ مستكبر﴾ رواه البخاري ومسلم.
التقى عبد الله بن عمر بـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، التقيا على المروة، فتحدثا ثم مضى عبد الله بن عمرو بن العاص، وبقي عبد الله بن عمر يبكي ﵁، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن، قال: هذا -يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص -زعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كبه الله على وجهه في النار﴾.
وورد أيضاً في الحديث أنه: ﴿يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجنٍ في جهنم يقال له: بولس، تعلوه نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجلٍ: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾.
عباد الله: الخير والهدي في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أدر عليهم دائرة السوء، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم دمر اليهود والنصارى المبشرين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، اللهم أبعدهم عن بلدان المسلمين يا رب العالمين، اللهم قاتل الشيوعيين، وانصر المجاهدين عليهم يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في برك وبحرك، اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلهم سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك يا رب العالمين، اللهم أظهر بهم الحق ودينك، اللهم أظهر بهم الدين والحق الذي رضيته يا رب العالمين، اللهم أصلح إمام المسلمين وارزقه الجلساء الصالحين الناصحين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٍ لنا، واجعلهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 918
تذكر يا بني
إن من عظيم حق الوالدين على أولادهما أن قرن الله حقهما بحقه، وجعل رضاه تبعاً لرضاهما، ورفع مكانتهما، وأوصى بهما حتى لو كانا كافرين، فكيف بالمسلمين؟! وقد تحدث الشيخ عن هذه المسألة، وأتى بأدلتها من الكتاب والسنة، وعن سبب رفع الإسلام للوالدين ولحقهما، وبين المشاق والآلام التي يلاقيها الوالدان في تربية الأبناء، وما هي النتيجة السيئة التي يحصلها كل عاق لوالديه.
стр. 919
عظم حق الوالدين في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين، فصلوات الله وسلامه عليه حيث بلغ البلاغ المبين، ورضي الله عن صحابته أجمعين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله.
أيها المسلمون: أطيعوا الله، وإن من طاعة الله الإحسان إلى الوالدين، فإن الله عظَّم حق الوالدين، فقرن حقهما بحقه وشكرهما بشكره، فيا له من أمرٍ عظيم! ويا له من حقٍ كبيرٍ! فاسمعوا إلى المولى جل وعلا وهو يقرر ذلك في محكم البيان فيقول:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
الله أكبر! هذا كلام الله جل وعلا ويقول الله : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] ويروى عن الرسول ﷺ أنه قال: ﴿رضا الله من رضا الوالدين، وسخط الله من سخط الوالدين﴾ وسأل ابن مسعود ﵁ وأرضاه رسول الله ﷺ : ﴿أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها.
قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾ وقال ابن عباس ﵁ وأرضاه: [[ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها.
إحداها قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:٣٢] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، والثانية: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن صلى ولم يزكِ لم يقبل منه، ومن زكى ولم يصل لم يقبل منه، والثالثة: قول الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه، لم يقبل منه]].
أيها المسلمون: لنعرف حق الوالدين؛ لأن حقهما عظيم، وأمره خطير، فإن من حقوقهما: الحنو والشفقة عليهما، والتلطف لهما، ومعاملتهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه على أن الفضل للمتقدم.
أيها المسلم: يا من تحب أن تجزى بالإحسان إحساناً! عامل والديك بالإحسان والتلطف بهما، ولا تتأفف من أي شيء تراه أو تشمه من الوالدين مما يتأذى منه الناس، واحذر الضجر والملل، ولا تنغص ولا تكدر عليهما بكلام تزجرهما به، وقل لهما -امتثالاً لأمر الله- قولاً كريماً حسناً طيباً مقروناً بالاحترام والتقدير، ولا ترفع صوتك عليهما، وتذكر -يا عبد الله- عندما كنت طفلاً صغيراً ماذا حصل لك من الرعاية والعطف والحنان واسمع هذا الحديث: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد في سبيل الله معه، فقال النبي ﷺ : ﴿أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد﴾ رواه البخاري ومسلم.
فياله من حق عظيم للوالدين! ومما ورد في الحث على بر الوالدين: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد في سبيل الله ولا أقدر عليه.
فقال له ﷺ : هل بقي من والديك أحدٌ؟ قال: أمي، قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاجٌ ومعتمرٌ ومجاهدٌ﴾ وقال طلحة بن معاوية السلمي ﵁ وأرضاه: ﴿أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال: الزم رجليها فثم الجنة﴾.
стр. 920
سبب الإحسان إلى الوالدين
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾.
ولعل البعض قد يقول: لماذا للأم ثلاثة حقوق؟ ولماذا يوصي لها رسول الله ﷺ بثلاثة حقوق؟
أقول لك يا عبد الله! -وأنت تعرف ذلك إذا أنصفت نفسك-: إنها تنفرد بأشياء كثيرة من المشاق والمتاعب والمصائب والأمراض والهموم والغموم، ومنها الحمل والوضع والرضاع، وكثرة الشفقة والخدمة والحنو فهذه أمك عندما كنت في بطنها إذا تحرك الجنين آذاها في أحشائها، وإذا سكن ذلك الجنين جعلت تضع يدها على بطنها لماذا لا يتحرك؟ ما الذي حصل له؟ فهل نقدر ذلك يا عباد الله؟
فيا لها من حقوق تحتاج إلى مجازاة، ووالله ثم والله مهما بالغ البار بالوالدين لم يؤد من الحقوق إلا القليل.
فيا أيها العاق: يا أيها المضيع لأعظم الحقوق! يا من استعاض من بر الوالدين بالعقوق! -وما أكثر من عق الوالدين في هذه الأزمنة المظلمة! - يا من نسي ما يجب عليه من الحقوق! يا من غفل عما في يديه! ألم تعلم أن بر الوالدين ديَّنٌ عليك، فهل وفيت بهذا الدين؟ فإنك سوف تجد غب ذلك من أولادك يا أيها العاق: يا من نسي الجميل! هل نسيت حملك في بطن أمك تسعة أشهر وكأنها تسع حجج؟
هل نسيت ما حصل للأم من الكرب حين وضعك؟ فقد حصل والله ما يذيب المهج.
هل نسيت الرضاع؟
هل نسيت غسلها منك القاذورات بيدها؟
هل نسيت ذلك السرير الذي في وسط حجرها؟
هل نسيت عندما تفز في الليل المظلم، في الليل البارد، في الليل الشاتي، ثم تضفي عليك الغطاء؟
هل نسيت الأم يا عبد الله؟
إنها تتعب لراحتك، فإن أصابك مرض أو شكاية أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والبكاء، وبذلت ما في وسعها لترتاح، ولو خُيرت بين حياتك وموتها، لاختارت حياتك بأعلى صوتها وكم حرمتها لذيذ المنام، فسهرت والناس نيام، وكم تلذذت برائحة ملابسك عند فقدك فيا لها من حقوق قابلها بعض الناس بالعقوق والنسيان عندما احتاجت إليه هذه الأم المسكينة، جعلها من أهون الأشياء عليه، نسيها وقدم عليها الأهل والأولاد بالإحسان، وقابل يديها بالنسيان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
إنها أمك صَعُب عليك أمرها وهو يسير، فكم طلبت منك حاجة فقابلتها بالامتناع والاعتذار، وربما قلت بكل شناعة: اللهم أرحنا من هذه العجوز! أنسيت يا هذا زمن الطفولة؟! وربما دعتك لتنقذك من النار، ربما أيقظتك للصلاة، أو لطلب المعاش، فتقابلها بكل وقاحة: اللهم أرحنا من هذه العجوز! الله أكبر يا عباد الله! كيف قابل العاق هذا الإحسان بالتقصير وهجرها، وما لها بعد الله سواه من مصير، هل نسي فزعها عندما يصيبه خوفٌ أو مرض؟!
ثم تذكر يا من نسي الجميل! ويا من عق والده وأبعده! يا من اجتمع مع من اجتمع ليطلب مركزاً ليضم العجائز والشيوخ وكبار السن! أنسيت أباك؟! أنسيت والدك؟! ألم تتذكر تلك اللحظة -والله إنك لا تتذكرها- تلك اللحظة عندما بشر الأب بمجيئك، امتلأ فرحاً وسروراً، ثم بدأ يفكر بأي اسمٍ يسميك تذكر تلك الساعة، وتلك اللحظات، تذكر كدَّ والدك عليك فلا يهدأ على مدى الليالي والأيام يقتحم الشدائد، ويهيم على وجهه لطلب الرزق لأجلك، وتذكر فرحه عندما يراك وأنت في خير وعافية، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك في أوقات الإجابة، وتذكر كيف يكون حاله إذا تأخرت عن وقت المجيء، فهو يتململ كأنه على الجمر حتى تحضر وحتى تدخل البيت، لا يقر له قرار، ولا يهنأ بعيش حتى يراك.
فيا أيها العاق! اعرف حق الوالدين هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فحذار من العقوق، فقد قال رسول الهدى ونبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة عاق﴾ وقال ﷺ : ﴿لعن الله العاق لوالديه﴾ وقال ﷺ : ﴿لعن الله من سب أباه، لعن الله من سب أمه﴾.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم أصلحنا وأصلح نياتنا وذرياتنا، واجعلنا من البارين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 921
عقوبة عقوق الوالدين
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتدبروا ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وتمسكوا بهما؛ فإن الإعراض عنهما يوحي بوخامة العاقبة.
عباد الله: لقد ظهرت في هذه الأزمان المظلمة موجةٌ قويةٌ من العنف والسخط من بعض الأبناء والبنات للآباء والأمهات، وظهر من عدم الاحترام والتوقير، وما ذلك -يا عباد الله- إلا لأننا أعرضنا عن الكتاب والسنة، ففي القرآن والسنة نبأ عظيم، وفيه أن بر الوالدين فريضة لازمة، وواجب محتم، وعقوقهما حرام وذنب عظيم، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته.
فيا إخواني في الله: ألا يكفي بهذا الوعيد؟! يقول ﷺ : ﴿ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث﴾ والديوث: هو الذي يقر الخبث في أهله.
فالشاهد من هذا الحديث: أن العاق لا يدخل الجنة، ومن عق والده ووالدته فسوف يقيض الله له من يعقه عند الكبر.
ولقد سمعتم بقصة الشاب الذي طلبت منه والدته أن يوصلها إلى بعض أقاربها، ووقف في وجهها، وهو يعطيها من الشروط، ويتوعدها إن تأخرت عن نصف ساعة، فلبت طلبه، وقال: إذا أتيت إلى الباب، وسمعت بوق السيارة ولم تخرجي فسأذهب وأتركك، فلما أتى بعد نصف ساعة، وأعلن بوق السيارة ولم تخرج الأم، ذهب غاضباً مغضباً على أمه، وارتطم بحجرة كبيرة وهو الآن لا يستطيع أن يجلس، ولا يستطيع أن يمشي ولا يتحرك إلا بلسانه، وهذا -والله ثم والله- بعض من العقوبة بسبب عقوقه والدته.
وهذه قصة أخرى: كان شابٌ شريرٌ مدمنٌ للخمور، وكانت أمه تعظه وتنهاه عن هذه الطرق السيئة، ولكن كلما وقفت تنصحه، أشهر السكين في وجهها، فاستدعت رجال الأمن ليأخذوه، فأتوا وقالوا: نسجنه؟ قالت: لا، عالجوه انظروا إلى رحمة هذه الأم وحنانها فأدخل تحت العلاج، ولما مكث شهراً تحت العلاج، وخرج واتصل به قرناء السوء التي كانت تحذره منهم، اتصلوا به وأخذوه وبات عندهم ليلة، فاتصلت برجال الأمن: أين ابني؟ فبحثوا عنه، ووجدوه مرمياً في برميل القمامة!
فإنه لما اتصل به جلساء السوء الذين كانت تنهاه الوالدة الحنون عن مرافقتهم ومصاحبتهم، اتصل بهم تلك الليلة، وأعطوه إبرة الهروين المدمر للمجتمعات وللشعوب، وهو نوع من المخدرات، دخل علينا عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين حسداً وحقداً على الإسلام وأهله، فلما أعطوه تلك الإبرة مات بين أيديهم، وأصبح جثةً هامدةً، وصاروا يبحثون عن الخلاص، ولكن ما هو الخلاص؟ وما هي النهاية؟! لقد حملوه وألقوه في برميل الزبالة: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
انظروا -أيها الإخوة في الله- ماذا حصل من أثر العقوق وعواقبه وأصبحت هذه الأم في حالة حزنٍ شديدٍ عندما فقدت هذا الابن، وربما أهدت إليه الدعوات، وهي طالما أسدت إليه النصائح، ولكن لما عصى نصيحتها، مات شر ميتة، وحمل شر حمل، ووضع في برميل الزبالة، فتذكروا ذلك، وتفطنوا له.
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم اجعلنا بارين يا رب العالمين.
ولكن إلى هذه الشفقة من هذه الأمة الحنون تقول عائشة أم المؤمنين ﵂: ﴿جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتيها -شقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بين ابنتيها- فأعجب شأنها ذلك عائشة ﵂، فذكرت الذي صنعت المرأة لرسول الله ﷺ ؛ أنها لما رفعت تلك التمرة وهي محتاجة إليها، استطعمتها تلك البنتين وشقتها بينهما، فأعطت كل واحدة نصف تمرة، فقال ﷺ : إن الله قد أوجب لها الجنة، أو أعتقها بها من النار﴾ أي بهذه التمرة، فانظروا إلى هذا الجزاء العظيم من الله! فيا للأسف الشديد لما يصنع بعض أهل هذا الزمان مع الوالدين من التقصير الشديد والعقوق!
أيها الإخوة: علينا أن نتقرب إلى الله، ونطيع الله جل وعلا حتى لا يسلط علينا أولادنا أو أهلنا، يقول بعض السلف: [[إني لأعصي الله وأرى ذلك في خلق دابتي وولدي وزوجتي]] فالله الله في التوبة النصوح والرجوع إلى الله .
اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، الله أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغيث قلوبنا بالإيمان.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم يا رب العالمين.
اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين وأهله، اللهم انصر من أراد إعلاء كلمة (لا إله إلا الله) يا رب العالمين، اللهم اخذل من خذل الدين وأهله، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.
اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والشيوعيين والملحدين والعلمانيين والبعثيين يا رب العالمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم دمرهم تدميراً يا سميع الدعاء، يا قريب الإجابة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، سحاً غدقاً، نافعاً غير ضار اللهم أغثنا، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، سحاً غدقاً، مجللاً طبقاً عاماً يا رب العالمين، نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة، اللهم إنا نستسقيك يا رب العالمين سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرقٍ، اللهم أحي بلدك الميت، اللهم أحي بلدك الميت يا رب العالمين، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة، يا من لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 922
تارك الصلاة
اعتنى الإسلام بالغذاء الروحي للمسلمين، ومن هذا الغذاء الصلاة، فقد فرضها الله على كل مسلم بالغ عاقل، وقد تحدث الشيخ عن أهميتها وترغيب الله ورسوله فيها والحث عليها والتحذير من التهاون بها، وأورد الشيخ حكم تاركها بالكلية، وما يتبع هذا الحكم من لوازم تجري عليه في حياته وبعد مماته.
стр. 923
ترغيب الله ورسوله في الصلاة
الحمد لله الذي جعل الصلاة عماد الدين، وصلة قوية بين العبد وبين رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في العبادة، له الركوع والسجود والخضوع والإنابة، وتفويض الأمور إليه والتوكل عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفقه المصلين، وإمام الخاشعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا على صلاتهم يحافظون، ويسارعون إلى الخيرات، وهم لها سابقون، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيقول ربكم جل وعلا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
عباد الله! يا من تؤمنون بكتاب الله حق الإيمان، إنه في كثير من سور القرآن الأمر بإقامة الصلاة والمحافظة عليها وعلى الخشوع فيها، وقد رغب الله في ذلك ووعد بالفردوس من امتلأت قلوبهم من حب الصلاة والشوق إليها والإقبال عليها؛ لأنها الصلة بين العبد وبين الله، يقول جل وعلا وقوله حق لا يخالف ولا يمانع: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١] هكذا جزاء من أقام الصلاة على الوجه الذي يتطلب منه.
وكذلك يأتي الترغيب في السنة المطهرة عن رسولنا ﷺ ويقول: ﴿أرأيتم لو أن نهراً في باب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات؛ هل يبقى من درنه شيء؟ قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا﴾ لا إله إلا الله! فضل عظيم من الله لمن يسر له أداء الصلوات في أوقاتها، رواه البخاري ومسلم.
ويقول ﷺ : ﴿الصلوات الخمس﴾ انتبه يا من تختصر الحديث، وتب في نفسك، فهي أمارة للسوء، بعض الناس يأخذ بجملة من هذا الحديث، ويترك الباقي، فالحديث يقول: ﴿الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تؤت الكبائر﴾ رواه مسلم والترمذي، وهذا الحديث صحيح، ولكن بعض الذين قصرت معرفتهم عن سنة رسول الله ﷺ يقول: لا تصلي إلا يوم الجمعة، وينفي عن باقي الأسبوع، فنقول لهم: احذروا ولا تكونوا مثل اليهود عليهم لعنة الله، فإنهم لا يؤمنون بكل ما أمروا به، بل قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء:١٥٠] عياذاً بالله من أقوالهم.
عباد الله! إن كنتم آمنتم بالله وبرسوله، فخذوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، قولوا كما قال أسلافكم بالله حقاً: سمعنا وأطعنا.
стр. 924
عقوبة المتهاونين بالصلاة
عباد الله! إن ترك الصلاة بالكلية كفر يخرج عن ملة الإسلام والعياذ بالله! وسوف يكون مسكن تارك الصلاة في سقر، وسقر طبقة من طباق جهنم، أما المتهاونون عن الصلاة والمتأخرون عنها، ولا يبالون أصلوها في أوقاتها أو أخروها عن أوقاتها، فسوف يلقون غياً، وهو واد في جهنم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] كم وقت من أوقات الصلاة تذهب وتمضي ونحن في انتظار الشوط الأول والأخير! كم وقت يمضي ونحن ننتظر متى نقضي لعبة البلوت والكنكان! كم من أوقات تنقضي ونحن أمام شاشة التلفاز وما يبثه لنا من برامج وأفلام! ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
وأما الذين يصلون، ولكن لا يصلون الصلاة إلا بعد خروج وقتها، فأولئك موعدهم ويل، وويل واد في جهنم لو صيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره أجارنا الله من ذلك!
عباد الله! حافظوا على الصلوات في جميع أوقاتها، وأقيموها وصلوها بخشوع وطمأنينة، وأدوها كاملة بأركانها وواجباتها وسننها تحوزوا الأجر العظيم، والبعض من الناس الذين لا يأتون إلى الصلاة إلا وهم كسالى يتمايلون من الكسل، وكأن النوم في أعينهم، وكأنهم مغصوبون على أداء الصلاة، ولو زادت الصلاة دقيقتين لخرج من المسجد؛ لأنه لم يأت إلى الصلاة عبادة، وإنما أتى عادة.
عباد الله! حافظوا على الصلوات بجميع أوقاتها، وأقيموها وصلوها بخشوع وطمأنينة، أدوها كاملة بأركانها وواجباتها وسننها، تحوزوا الأجر العظيم، والرضا من رب العالمين، ففي الحديث: ﴿من حافظ على الصلوات الخمس، ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حقاً من عند الله﴾ أي: علم أن الصلاة حق من عند الله، فرضها الله على عبادة، وليست عادة ﴿وجبت له الجنة أو قال: حرم على النار﴾.
ولما سأل عبد الله بن مسعود ﵁ رسول الله ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله، قال: ﴿الصلاة على وقتها، الصلاة على وقتها، الصلاة على وقتها﴾ كذلك يروي لنا عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ﴿من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف﴾ وبئس القرناء!
يا عباد الله! من اشتغل بأمواله وتجاراته ووزارته وولده وملاذِّه عن الصلاة؛ فإنه يكون مع هؤلاء: قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف، كذلك الذين يسهرون على الملاهي ولعب القمار والميسر والورق وغيرها، ويقضون الصلاة ويؤخرونها عن أوقاتها، وذلك لانتظار الشوط الأول والأخير؛ هم كذلك إذا لم يتوبوا فسيحشرون مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف، إذا جاءت الصلاة ناموا عنها، ثم يقولون: نحن لم نستيقظ، يقضون ست ساعات مع السهر، ثم يقولون: لم نستيقظ، محال يا عباد الله! السهر والقيام مبكراً، ولكن نم مبكراً تقم مبكراً، اقتدوا برسول الله ﷺ فإنه ﴿كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها﴾.
نعم يا عباد الله! الخير كل الخير، والسعادة والنجاة والفلاح في اتباع هدي رسول الله ﷺ والاقتداء به في جميع شئون الحياة، إن كنا مؤمنين ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
اللهم اهدينا في من هديت، وعافينا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وأجرنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن أبداً ما أبقيتنا، اللهم اجعلنا ممن حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتهن وأداهن على الوجه الذي يرضيك يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 925
حكم تارك الصلاة
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأشكره، وبه أستعين على أمور الدين والدنيا، فإنه خير معين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، أفضل من صلى وصام وقام، وتهجد لله رب العالمين، جاهد في الله حق جهاده، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله ، وامتثلوا أمره واجتنبوا نواهيه، وأدوا الصلاة في أوقاتها المفروضة التي أوضحها الشارع الحكيم، واعلموا أن تأخير الصلاة عن وقتها حرام وكبيرة من كبائر الذنوب، وترك الصلاة بالكلية كفرٌ محض مخرج عن الإسلام، واعلموا وتيقنوا حق اليقين أن تارك الصلاة كافر، ولا يجوز للمسلم أن يزوجه من امرأة مؤمنة، وإذا مات تارك الصلاة لا يُورث ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا تجوز مؤاكلته ولا مجالسته ولا مصاحبته ما دام تاركاً للصلاة؛ لأنه كافر يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وأقام الصلاة؛ وإلا قتل حداً بالسيف مرتداً كافراً، هكذا يقول علماء المسلمين عليهم رحمة الله.
أيها السلمون! إن السكوت عن تارك الصلاة لا يسمح به الإسلام، وإنما نتج ذلك من نقص الإيمان وعدم المبالاة بأداء هذا الفرض العظيم الذي هو أحد أركان الإسلام بعد الشهادتين، الصلاة الصلاة يا عباد الله! الصلاة الصلاة يا أمة الإسلام! فإنها الركن العظيم بعد الشهادتين، فكيف يليق بالمسلمين أن يهملوا هذا الركن العظيم؟! وذلك بعدم التآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك يوجد كثير من أهل المحلات في محلاتهم لا يشهدون الصلاة مع المسلمين، بل يرخون الأبواب عليهم، ويحسبون أن الله لا يعلم بهم، ويحسبون أن الله لا يطلع عليهم وهم في محلاتهم، بل الله يعلم ما تخفي الصدور، وكيف لا يعلمك به في وسط محلك أيها الآثم وهو الله العليم الحكيم؟
وبعض الموظفين في دوائرهم والعمال في أعمالهم لا يشهدون الصلاة، وكذلك المجاورون للمساجد لا يشهدون الصلاة إلا القليل، ولو قلت لأحدهم: إنك كافر بتركك للصلاة لأوقفك -عند الحد الأقصى- وأخرج لك الهوية، وقال: انظر أنا مسلم ولا أصلي إلا إذا ذهبت إلى البيت، الله أكبر يا أمة الإسلام! إسلامٌ باللسان والهوية ومعاندة لرب العالمين بالفعل.
أيها المسلمون! إن خلو المساجد من كثير من الشباب يحزن القلب، ويندي الجبين، ويحز في النفس، ويرجع ذلك لمصلحة أعداء الإسلام الذين يحاولون ليل نهار إبعاد المسلمين عن دينهم الحنيف وعن تعاليم الإسلام وعن أخلاق الإسلام الفاضلة المؤهلة للنصر والتمكين في الأرض.
فيا عباد الله! حافظوا على صلواتكم وتآمروا بها، ومروا أهليكم وأولادكم بها؛ فإنهم أمانة في أعناقكم، فالصلاة آخر وصية محمد ﷺ ، إذ كان في آخر نفس يلفظه وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت إيمانكم﴾ فجدير بكل مؤمن أن يحافظ على وصيته ﷺ ، فأدوا الصلاة جماعة في بيوت الله، ولا تغتروا بمن عميت بصائرهم، وتحجرت قلوبهم، واشتد الران عليهم، فأصبحت أنفسهم الأمارة بالسوء تزين لهم فعلها في البيوت، كأنهم لم يسمعوا بما صح عن رسول الله ﷺ : أنه همَّ بإحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في المساجد بالنار؛ لأنهم تخلفوا عن أداء فرض من فروض الله في بيت من بيوت الله، ولم يمنعه من ذلك ﷺ إلا ما في البيوت من النساء والصبيان الذين لم تجب عليهم الصلاة.
عباد الله! إن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذَّ شذَّ في النار.
وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله ﷺ حيث أمركم الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد بالإسلام والمؤمنين سوءاً فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
اللهم مزق أعداء الإسلام والمسلمين تمزيقاً، اللهم ألق عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم انصر المسلمين عليهم في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم ردنا وإياهم إليك رداً جميلاً، اللهم من أراد إفساد شباب الإسلام والمسلمين، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العلمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 926
تصوروا
يتحدث الشيخ في هذه الخطبة عن بعض الصحابة حين احتضروا وكيف كان احتضارهم، وحالة الاحتضار سوف يمر بها الجميع، ومن وقت الاحتضار تبدأ رحلة الانتقال إلى الدار الآخرة، فإذا مات غسل، ودفن في قبره، وسأله منكر ونكير، وفتح له باب من الجنة أو من النار، ثم هو في يوم القيامة حاله كما كان في قبره من يسر أو عسر في الحساب، وكل هذا يبشر به من حين الاحتضار إذا رأى ملائكة بيض الوجوه أو سود الوجوه.
стр. 927
حسن الخاتمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله.
عباد الله: لقد سمعتم في الخطبة الماضية الحث على التوبة النصوح، وسمعتم في الخطبة التي قبلها آثار الذنوب والمعاصي على البلاد وعلى العباد وعلى المجتمع، نسأل الله أن يرزقنا توبةً نصوحاً، ونسأله حسن الخاتمة.
عباد الله: إن العبد إذا تاب وأناب وأقبل على الله بالأعمال الصالحة؛ فإنه يرجى له حسن الخاتمة -بإذن الله تعالى- وبالعكس من ذلك إذا كان من الذين عصوا الله، وذهبت حياتهم في غير طاعة الله ، وأطاعوا الشيطان في جميع ما يأمرهم به من المخالفة والعصيان، فتعدوا الحدود وارتكبوا المحرمات؛ فإنه لا يؤمن عليهم من سوء الخاتمة، والعياذ بالله.
стр. 928
صور من حسن الخاتمة
عباد الله: قد أزعج خوف سوء الخاتمة قلوب الخائفين، وأسهر عيون العابدين، فهذا أبو هريرة ﵁ وأرضاه صاحب رسول الله ﷺ ، ومن المكثرين لرواية الحديث، لمّا حضرته الوفاة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: [[بعد السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، وخوف الوقوع من الصراط في النار]] الله أكبر! هؤلاء الرجال الذين خافوا الله ، وعظمت محبة الله في قلوبهم.
وهذا أبو الدرداء ﵁ وأرضاه لما حضرته الوفاة، جعل يجود بنفسه وقال: [[ألا رجلٌُ يعمل لمثل مصرعي هذا؟ ألا رجلٌ يعمل لمثل يومي هذا؟ ألا رجلٌ يعمل لمثل ساعتي هذه؟]].
وهذا علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لمّا حضرته الوفاة شهق، ثم أغمي عليه ثم أفاق، وقال: [[مرحباً مرحباً، الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنة فقيل له: ماذا ترى؟ قال: هذا رسول الله وأخي جعفر، وعمي حمزة، وأبواب السماء مفتحة، والملائكة ينزلون يسلمون علي ويبشرونني، وهذه فاطمة قد طاف بها وصائفها من الحور العين، وهذه منازلي في الجنة، لمثل هذا فليعمل العاملون]] ثم توفي ﵁ وأرضاه.
عباد الله: أمة الإسلام! إن حالة الاحتضار سوف تمر بكل إنسان، فالموفق من وفقه الله وألهمه وثبته على القول الثابت، فإن المؤمن الذي قد عاش على طاعة الله وذكره عندما يقال له: قل لا إله إلا الله؛ يبادر بها ويرفع بها صوته، ومع ذلك هو فرحٌ بالموت مشتاق؛ لأن الله جل وعلا اشتاق للقائه، والبشرى تزف إليه، وملائكة الرحمة تنزل إليه لقبض روحه.
стр. 929
مواقف من بداية الانتقال إلى الآخرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ -استقاموا على طاعة الله- ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] هكذا المؤمن -يا عباد الله- تبشره ملائكة الرحمة بهذه البشرى التي تقرءونها في كتاب الله ويقول الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨ - ٣٠].
وأما الصنف الآخر من الناس الذين عاشوا على غير طاعة الله، وغفلوا عن ذكره سبحانه، فحالة احتضارهم مخيفة، حتى جلساؤهم من أقاربهم يفرون منهم، فإنه يقال لأحدهم: قل لا إله إلا الله وإذا به يلهج بما كان عليه من الاشتغال بغير طاعة الله.
عباد الله: اعلموا أن سكرات الموت عظيمة، وأن الألم المصيب للبدن إنما يدرك بواسطة الروح، وإذا وصل الألم إلى نفس الروح فلا تسألوا عن كربه وألمه، حتى قالوا: إنه أشدُ من ضرب بالسيوف، ونشرٍ بالمناشير، وقرضٍ بالمقاريض، ومع ذلك فإنه لا يقدر على الصياح مع شدة الألم تجدونه في سكرات الموت يود أن يصيح بكل ما في وسعه، ولكن الموت وسكراته قد أو هنته إلى الأرض، حتى إذا نزل به هادم اللذات قهر كل قوة، وضعَّف كل جارحة، فلم يبق له قوة -في الاستغاثة - أما العقل فقد غشيته وشوشة، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد خدرها وضعفها، فإن بقيت فيه قوة، سمعت له خوراً وغرغرةً من صدره وحلقه يريد أن يتكلم ولكن لا يستطيع ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] أين الأطباء؟ أين الممرضون؟ لا يفيدونه بشيء ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] وعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وتغلق أبواب التوبة.
стр. 930
موقف نزع فيه الروح
تصور -يا أخي- صرعة الموت بنفسك! وتصور نزعه لروحك! وتصور كربه وسكراته وغمه وقلقه! وتصور ظهور الملك لجذب روحك من قدميك، ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك حتى إذا بلغ منك الكرب والوجع منتهاه، وقلبك وجلٌ محزونٌ، منتظر إما البشرى من الله بالرضا، وإما بالغضب، ثم تخرج الروح ويتبعها البصر.
стр. 931
موقف الغسل والتكفين
وتصور -يا أخي- تجريدك من الثياب بين يدي المغسلين ليغسلوك، وأنت قبل ذلك لا ترضى أن تُرى عورتك، ثم هم بعد ذلك يقلبونك على المغتسل، ثم تلف عليك الأكفان، وتقدم ويصلون عليك صلاةً لا ركوع لها ولا سجود، ثم يحتملونك إلى قبرك وحيداً فريداً لا تلفاز، ولا فيديو، ولا تلفون، ولا عمال، ولا مؤسسة، ولا شركة، ولا مليار ولا مليون، إلا عملك إن كان صالحاً.
فكر يا عبد الله! وأطل التفكير، وأكثر من العمل الصالح، فإن رزقك مضمون، وأما الخلاص يوم القيامة فليس لك بمضمون ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [الجاثية:١٥].
стр. 932
أهوال القبر وظلمته
ثم يحتملونك إلى قبرك وحيداً فريداً، ويصفون عليك اللبنات، ويا ليتهم يجلسون عندك ثانيةً أو دقيقةً في قبرك، ليروا ما أنت فيه من الظلمات ولكن يضعونك في صدعٍ من الأرض ثم يهلِّون عليك التراب، ثم بعد فراقهم -وأنت تسمع قرع نعالهم- يأتيك منكر ونكير، ويجدَّا في سؤالهما لك: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فتصور أصواتهما يا عبد الله! تصور أصواتهما عند ذلك السؤال! فإنه ليس سؤالاً من مدرس أو معلم في الدنيا، إنهم ملائكة لا يقبلون رشوة، ولا يقبلون واسطة تصور قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] والله إنه سوف يقع بنا ذلك، فيا ليت شعري ماذا سيكون الجواب؟
فيا عبد الله: إن كنت مؤمناً فسوف تقول: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الإسلام وهنيئاً لمن أجاب، وويلٌ لمن تلجلج في الجواب، والويل لمن قال: هاه هاه لا أدري فمن ثبته الله وأحسن الجواب قالوا له: انظر إلى مقعدك من النار، فقد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، وعنده عمله الصالح في صورة شاب حسن الثياب طيب الريح، يقول له: أبشر بالذي يسرك، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح.
وأما من تلجلج في الجواب، ولم يقل: ربي الله، وديني الإسلام، وونبيي محمد، بل قال: هاه هاه قالوا له: كذبت، ويضربانه بمرزبةٍ من حديد، ويفتح له باب إلى النار، ويأتيه من حرها وسمومها، وعنده عمله الخبيث بصورةٍ بشعةٍ، رائحته منتنة، ومنظره مزعج، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث.
فيا لها من حسرة! ويا لها من ندامة! ويا لها من عثرة لا تقال! وإذا أذن الله بانقضاء الدنيا وزوالها، وماتت كل نفس، ولم يبق إلا الجبار ﷻ منفرداً بعظمته وجلاله وكبريائه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
стр. 933
موقف البعث والنشور
ثم يحيي المولى ﷻ إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصورة نفخة البعث، ويأمر الله ملكاً ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية! والأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢] يوم الخروج من القبور، فتأمل -يا أخي- الوقوف في ذلك اليوم، وأنت منفرد عريان خائف، وقد أُدنيت الشمس من رءوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش الرحمن لأوليائه وعباده الصالحين.
ثم ازدحمت الخلائق وتدافعت وتضايقت، واختلفت الأقدام، ومالت الأعناق، وتقطعت من شدة العطش والخوف، وحشرت الوحوش منكسةً رءوسها لهول يوم القيامة.
стр. 934
مجيء جهنم
تأمل -يا عبد الله- مجيء جهنم وهي تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] الله أكبر! تصوروا -يا عباد الله- وقوفنا في ذلك اليوم، فسوف نقف فيه جميعاً اعتبر يا مسكين! ارجع يا مغرور فسوف نقف جميعاً، وليس هذا الكلام خاصاً للصحابة ﵃، بل لكل من خلق الله على وجه البسيطة حتى الوحوش تحشر ويفصل بينها، يؤخذ للشاة الجماء من القرناء ثم يقال لها: كوني تراباً، وعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر يوم القيامة، يوم لا تنفع الندامة، يوم لا تنفع الذكرى، وأين هذا التذكار يا عبد الله؟! أين هذا التذكار في الدنيا وأنت تسرح وتمرح وتقضي أوقاتك فيما يغضب رب العالمين؟! أين هذه الذكرى يا غافل؟! أين هذه الذكرى يا ميت القلب؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] مستحيل يا عبد الله! وأنى له الذكرى؟ لا يستفيد من ذلك شيئاً.
عند ذلك إذا جيء بجهنم، فلا يبقى ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيه يقول: يا ربِ! نفسي نفسي فتصور ذلك الموقف المهيب المفزع الذي تشيب من هوله الولدان! تصور نفسك عندما يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب! قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧].
стр. 935
تطاير الصحف
عباد الله: تأملوا الصراط والميزان، وتقسيم صحائف الأعمال، إما باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩] هذا هو الأكبر يا عبد الله: ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] لأنه ما درس على شيوعي، ولا على ملحد، ولا على نصراني، بل درس على مؤمن تقي، علَّمه ما ينفعه في دينه ودنياه، أما الذين درسوا على الشيوعيين فقد علموهم علوم الطبيعة، فأنكروا وجود الله، وأنكروا قيام القيامة، وأنكروا الجنة والنار، فقلوبهم ممسوخة -والعياذ بالله- ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٣] ثم يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] هل ذلك في الفندق؟ أم في قصر الأفراح؟ في موضع ينتهي وقته وينتهي زمانه؟ لا.
بل في جنة الخلد لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، نعيمهم دائمٌ سرمدي ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] أي: بما أسلفتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا.
ثم يأتي الصنف الثاني الذي يعطى كتابه بشماله، قد رسب في الامتحان الأكبر يوم القيام بين يدي رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٨] المليار الذي يحارب به رب العالمين في كل مكان باستعمال الربا والقمار ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] ثم يقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] تصور -يا عبد الله- هذه السلسة! وما ظنك بهذه السلسلة وهي سبعون ذراعاً بذراع الملك، لو وضعت حلقة من هذه السلسلة على جبلٍ من جبال الدنيا؛ لتركته تراباً!!
أيها الإخوة في الله: أوصيكم ونفسي المقصرة الظالمة بتقوى الله ، والرجوع إليه، فلنرجع -يا عباد الله- إلى أرحم الراحمين، ولنتب إلى أكرم الأكرمين، ولنجدد صلتنا مع الله، لعل الله أن يرحمنا وأن يعطينا كتابنا باليمين إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 936
يوم القيامة وأهواله
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وما أدراك ما يوم الدين، يوم القيام لرب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله
عباد الله: يقول الله : ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٧ - ٥٢].
عباد الله: سيأتي يومٌ يتغير فيه هذا العالم، فتنفطر فيه السماء، وتنتثر فيه الكواكب، وتطوى السماء كطي الصحيفة، يزيلها الله ويطويها كما بناها بقدرته التامة، وتبدل الأرض غير الأرض، وينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم أحياءً كما كانوا في هذه الدنيا، يقومون حفاةً عراةً غرلاً، قالت عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشدُّ من أن يهمهم ذلك﴾ الله أكبر يا عباد الله! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك.
стр. 937
حال الكافر يوم القيامة
وفي ذلك الموقف يحشر الكافر أعمى لا يرى، أصم لا يسمع، أخرس لا يتكلم، وإن كان قبل في الدنيا يتكلم ويؤذي المسلمين يتكلم بالكلمات البذيئة، وينشر في الصحف ما يغضب الله ورسوله، فإنه يوم القيامة أخرس أصم لا يتكلم، يمشي على وجهه في غاية الإهانة أسود الوجه، أزرق العينين، في منتهى العطش، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ليس بينهم في ذلك الموقف وبين الشمس إلا مقدار ميل في ذلك الموقف العقول ذاهلة، والأبصار شاخصة للحي القيوم، ثم يؤمر بهذا الكافر ويسحب إلى جهنم والعياذ بالله.
وأما المؤمنون -أسأل الله أن يجعلنا منهم بمنَّه وكرمه وإحسانه- فإنهم ينعمون في جنات عالية قطوفها دانية، ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩] اللهم اجعلنا منهم ومعهم بجودك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي الناصح الأمين محمد بن عبد الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، فاحذروا من محدثات الأمور يا عباد الله، احذروا من المحدثات التي يروجها أعداء الإسلام والعقيدة، وأعداء الأخلاق والآداب، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، صلوا على رسول الهدى الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، امتثالاً لأمر الرءوف الرحيم حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 938
تعظيم بيوت الله
إن الله خلق الخلق جنهم وإنسهم من أجل غاية واحدة، وهي: عبادته ، وشرع لهم أوقاتاً للعبادة والطاعة وأماكن يعبدون الله فيها، وهي أحب البقاع إلى الله ، وهذه هي المساجد المباركة، ولذلك لابد من تعظيمها واحترامها قولاً وفعلاً، وعمارتها بطاعة الله جل وعلا، وقد تطرق الشيخ في هذه الرسالة إلى الكلام حول تعظيم بيوت الله وما يجب على المؤمنين نحوها من كل الجوانب.
стр. 939
عمارة المساجد بذكر الله والصلاة
الحمد لله أذن في بيوت أن ترفع ويذكر فيها اسمه، أحمده وأشكره أن هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أمة الإسلام! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
عباد الله: لقد فرض الله على الأمة الإسلامية خمس صلوات في اليوم والليلة، وصح في الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في الصلوات الخمس وتفصيل أوقاتها وشروطها ومكملاتها، وفي فضلها وكثرة ثوابها.
فمن فضائل الصلاة أنها عمود الإسلام، وأنها أعظم عبادة يحصل فيها الخضوع والذل لله رب العالمين وامتلاء القلب من الإيمان بالله وتعظيمه.
عباد الله: لما كانت الصلاة بتلك المنزلة، أمر جلَّ وعلا أن تبنى لها المساجد، وتشاد على اسمه الخاص، وأن تعظم ويرفع شأنها، لتكون منارات للهدى، ومراكز للإشعاع الروحي، يعبد الله فيها بتوحيده، ويذكر وتتلى آياته، يقول جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] أولئك المؤمنون كانوا إذا سمعوا النداء تركوا كل شغلٍ وبادروا لطاعة الله ، وفيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عماراً للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه.
стр. 940
تقدير الإسلام للمساجد وتطهيرها
تلكم المساجد يا عباد الله! التي يجب على كل مؤمن أن يعرف قدرها، ويتعاهدها، ويطهرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق بالمساجد.
قال ابن عباس ﵄: [[نهى الله سبحانه عن اللغو في المساجد]].
وقال قتادة ﵀: [[المساجد أمر الله ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها]] وقد ذكر لنا أن كعباً كان يقول: [[مكتوبٌ في التوراة إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر]] أخرجه ابن أبي حاتم.
стр. 941
النهي عن زخرفة المساجد
لقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها، وتوقيرها وتطيبها وتطهيرها، واقتصرنا على حديث منها في الصحيحين: عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة﴾ أخرجاه في الصحيحين.
فهذا فضل عظيم لمن أخلص النية فيما يبذله في بناء المساجد، من غير مبالغة ولا إسراف في ذلك، فإنه يحرم زخرفة المساجد بذهب أو فضة، وكذلك تكره زخرفة المساجد بنقشٍ وصبغٍ وكتابة، وغير ذلك مما يلهي المصلين.
رُوي عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما أمرت بتشييد المساجد﴾ قال ابن عباس ﵄: [[لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى]] علم من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ ؛ لأن هذا الحبر أخذ الخبر عن رسول الله، ابن عباس ﵄ ابن عم رسول الله يقول: [[لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى]] تجعلونها مثل الكنائس في الزخرفة بالأصباغ وبالألوان.
وعن أنس ﵁ أن نبينا ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد﴾ رواه الخمسة إلا الترمذي، هذا علم من أعلام نبوة محمد ﷺ ، وقد اتضح لنا في القرن الرابع عشر زخرفة المساجد وتشييدها وتحميرها وتصفيرها والكتابة عليها.
يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لما أمر ببناء المسجد، قال: [[أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس]].
стр. 942
المساجد أحب البقاع إلى الله
عباد الله: ورد في حديث أن المساجد أحب البقاع إلى الله عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: ﴿أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها﴾ لأن الأسواق يركز الشيطان فيها راياته.
стр. 943
وجوب صيانة المسجد من القذر والروائح الكريهة
أمة الإسلام: إن المساجد هي بيوت الله، أشرف الأماكن في الأرض، يسن صيانتها عن كل وسخٍ وقذرٍ، ومخاطٍ وبصاق، ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ قال: ﴿عرضت عليَّ أجور أعمال أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد﴾ تكتب له من الأعمال الصالحة، يخرج العود من المسجد، تكتب له من الأعمال الصالحة، بخلاف الذين يتمخطون في منديل الفاين، ثم يضعونه وراء أعمدة المسجد، يا لها من إهانة! أو يضع باكت الدخان في المسجد، ثم يخرج ويتركه، يا لها من إهانة! ﴿عرضت عليَّ أجور أعمال أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد﴾ ورد في حديث: ﴿إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين﴾.
وورد أيضاً عن رسول الله ﷺ قال: ﴿البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها﴾ هذا إذا لم يكن المسجد مفروش، أما إذا كان مفروشاً وبصق في المسجد، فيا له من تشويه!
أمة الإسلام: يسن أن تصان المساجد عن كل رائحة كريهة، من بصلٍ وثومٍ وكراثٍ ودخانٍ ونحوها، لما ورد عن أنس ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ﴿من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلين معنا﴾ أي: الثوم والبصل.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أكل ثوماً أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا﴾ وفي رواية لـ مسلم: ﴿من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم﴾.
стр. 944
أخذ الزينة عند كل صلاة
يا عباد الله! إذا عرفنا هذا وتحققناه، فإنه ينبغي للمسلم أن يأتي إلى المسجد بأحسن هيئة، وأطيب ريح، أختم بقول الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي: خذوا زينتكم عند كل صلاة، البسوا الملابس الطيبة الطاهرة، لا تأتِ بملابس الورشة، لا تأتِ بملابس الإسمنت والجص، لا تأتِ بملابس الفران تؤذي عباد الله.
стр. 945
فضل الذهاب إلى المساجد وعمارتها بذكر الله
أمة الإسلام: يجب على الإنسان إذا وقف بين يدي الله، أن يحسن وقوفه ويتطهر ويحسن الوضوء، فإنه إذا توضأ للصلاة، ذهبت ذنوب أعضائه مع آخر قطر الماء، ثم إذا تشهد بعد الوضوء، فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء.
فقد ورد في صحيح مسلم ورواه الإمام أحمد ورواه الترمذي، قال: ﴿ما منكم من أحدٍ يتوضأ، فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء﴾ وفي رواية الترمذي زاد هذه الكلمات بعد أن يتشهد قال: ﴿اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين﴾ فإذا مشى إلى المسجد، وإلى بيت الله، إذا ذهب يزور الله في بيته، كان له بكل خطوةٍ يخطوها تحط عنه خطيئة، وترفع له بها درجة، فإذا انتظر الصلاة، فإنه لا يزال في صلاته، وإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ما لم يؤذِ أو يحدث.
стр. 946
النهي عن حديث الدنيا في المساجد
ورد الذم لمن كان حديثهم الدنيوي في المساجد، الذين يتكلمون: ما هي الأخبار اليوم؟
ماذا بعت يا فلان؟ ماذا حصل في المساهمة؟ إن شاء الله طلعت المساهمة، ماذا بعت؟ وكم بعت؟
أين فلان؟ وماذا قالت الإذاعة الفلانية؟
أعطونا الأخبار، هذه أحاديث دنيوية تتنافى مع بيوت الله.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سيكون في آخر الزمان قومٌ يكون حديثهم في مساجدهم ليس لله فيه الحاجة﴾ الله أكبر! علم من أعلام نبوته ﷺ .
стр. 947
مما لا ينبغي في المساجد
ويحرم في المسجد البيع والشراء، فإن فعل فالبيع باطل ولا ينعقد، ويسن أن يقال لمن باع، أو اشترى في المسجد: لا أربح الله تجارتك، وكذلك يقال لمن أنشد ضالةً في المسجد: لا ردها الله عليك.
وينبغي أن تصان المساجد عن الصغير الذي لا يميز، وعن المجنون حال جنونه، وتصان المساجد عن رفع الأصوات بمكروه، فتصان المساجد عن إقامة الحدود، وعن سل السيوف، وكذلك ينبغي أن تصان المساجد عن الكتب التي فيها الصور ذوات الأرواح، كالمناهج الدراسية وغيرها.
وينبغي للمسلم أن يحافظ على نظافة بيوت الله، فلا يدخل إلا بعد أن يتفقد نعليه حتى لا يكون فيها وسخ ولا قذر، هذا إذا كان المسجد غير مفروش، أما إذا كان مفروشاً، فكيف تسمح له أنانيته أن يدخل المسجد بنعلين قذرين؟! كيف تأذن له نفسه أن يدخل إلى بيت الله في نعلين وسخين وابنه الصغير إذا دخل المجلس بنعليه مسكه بيده وأخرجه! وهذا بيت الله يجب أن يعتني المسلمون ببيوت الله، وجزى الله حكومتنا خيراً على أن اعتنت في بيوت الله حيث فرشتها، وأعطتها من العناية التامة، فبمناسبة أسبوع المساجد نذكر أئمة المساجد ومؤذنيها أن يدعوا الأبواب مفتوحة في هذه الأيام حتى يعتنى بها أشد، فجزى الله القائمين على ذلك أحسن الجزاء، ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه.
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار، وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك، وارزقنا ووفقنا للتعاون في طاعتك، والمبادرة إلى خدمتك، وحسن الآداب في معاملتك، والتسليم لأمرك، والرضا بقضائك، والصبر على بلائك، والشكر لنعمائك يا رب العالمين.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 948
فضل السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له من بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من قام بالواجبات والمسنونات، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله ، واتبعوا الهدى والنور الذي جاء به سيد المرسلين ﷺ ، فقد سن سول الله ﷺ لأمته سنن أفعال وأقوال، وحثهم على أدائها، ورغبهم فيها.
стр. 949
فضل السنن الفعلية قبل الفريضة وبعدها
من السنن الفعلية التي حثنا عليها الرسول الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، فقد رُوي عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبدٍ مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ أو ﴿إلا بني له بيتاً في الجنة﴾ حديث صحيح رواه إمام المحدثين مسلم ﵀.
وهذه الرواتب هي أربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، وقد ورد في الحديث الصحيح: ﴿ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها﴾ والعلماء ﵏ يسمون هذه الركعات الاثني عشر بالرواتب؛ لأن نبيكم ﷺ كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر، فكان يتركها إلا سنة الفجر والوتر، فكان ﷺ يحافظ عليهما حضراً وسفراً.
والأفضل أن تصلى الرواتب في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس لقول النبي ﷺ : ﴿أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة﴾ إلا الفريضة فإنه لا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة الفريضة ويصليها في البيت، فقد ورد الأثر المرفوع عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: [[لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد]] وجار المسجد هو الذي يسمع النداء، وليس الجار هو الملاصق الجدار بالجدار، لا.
إنما الجار الذي يسمع النداء، الجفاء كل الجفاء، والنفاق كل النفاق من سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب.
عباد الله: في الحديث: ﴿من صلى أربعاً قبل العصر﴾ لأنه قال في الحديث: ﴿رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربع ركعات﴾ وليست من الرواتب، واثنتين قبل المغرب واثنتين قبل العشاء، إذا صلى هؤلاء الركعات، فحسن، لأنه ورد عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، هذه سنن الأفعال.
стр. 950
فضل السنن القولية بعد الصلوات
ومن سنن الأقوال: إذا سلم عن يمينه وعن يساره قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله ثلاث مرات، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم بعد ذلك يقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وعلى حسن عبادتك، ويسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره ثلاثاً وثلاثين، فهذه تسع وتسعون، ثم يكمل المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال نبينا ﷺ : ﴿من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر﴾ رواه مسلم.
ثم بعد ذلك يقرأ آية الكرسي وقل هو الله أحد، لأنه ورد في الحديث: ﴿من قرأ دبر كل صلاة آية الكرسي وقل هو الله أحد، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت﴾ ويقرأ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وفي صلاة الفجر والمغرب يقول بعد السلام عشر مرات ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: ﴿من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل﴾ متفق عليه.
فيا عباد الله! حافظوا على هذه الفضائل، ولا يفوتنكم إياها الشيطان، بإشغالكم عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والمبشرين والشيوعيين، وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اقض الدين عن المدينين من المسلمين يا رب العالمين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
следующие страницы →