← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

النهي عن حديث الدنيا في المساجد ورد الذم لمن كان حديثهم الدنيوي في المساجد، الذين يتكلمون: ما هي الأخبار اليوم؟ ماذا بعت يا فلان؟ ماذا حصل في المساهمة؟ إن شاء الله طلعت المساهمة، ماذا بعت؟ وكم بعت؟ أين فلان؟ وماذا قالت الإذاعة الفلانية؟ أعطونا الأخبار، هذه أحاديث دنيوية تتنافى مع بيوت الله. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سيكون في آخر الزمان قومٌ يكون حديثهم في مساجدهم ليس لله فيه الحاجة﴾ الله أكبر! علم من أعلام نبوته ﷺ .

стр. 947

مما لا ينبغي في المساجد ويحرم في المسجد البيع والشراء، فإن فعل فالبيع باطل ولا ينعقد، ويسن أن يقال لمن باع، أو اشترى في المسجد: لا أربح الله تجارتك، وكذلك يقال لمن أنشد ضالةً في المسجد: لا ردها الله عليك. وينبغي أن تصان المساجد عن الصغير الذي لا يميز، وعن المجنون حال جنونه، وتصان المساجد عن رفع الأصوات بمكروه، فتصان المساجد عن إقامة الحدود، وعن سل السيوف، وكذلك ينبغي أن تصان المساجد عن الكتب التي فيها الصور ذوات الأرواح، كالمناهج الدراسية وغيرها. وينبغي للمسلم أن يحافظ على نظافة بيوت الله، فلا يدخل إلا بعد أن يتفقد نعليه حتى لا يكون فيها وسخ ولا قذر، هذا إذا كان المسجد غير مفروش، أما إذا كان مفروشاً، فكيف تسمح له أنانيته أن يدخل المسجد بنعلين قذرين؟! كيف تأذن له نفسه أن يدخل إلى بيت الله في نعلين وسخين وابنه الصغير إذا دخل المجلس بنعليه مسكه بيده وأخرجه! وهذا بيت الله يجب أن يعتني المسلمون ببيوت الله، وجزى الله حكومتنا خيراً على أن اعتنت في بيوت الله حيث فرشتها، وأعطتها من العناية التامة، فبمناسبة أسبوع المساجد نذكر أئمة المساجد ومؤذنيها أن يدعوا الأبواب مفتوحة في هذه الأيام حتى يعتنى بها أشد، فجزى الله القائمين على ذلك أحسن الجزاء، ووفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه. اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار، وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك، وارزقنا ووفقنا للتعاون في طاعتك، والمبادرة إلى خدمتك، وحسن الآداب في معاملتك، والتسليم لأمرك، والرضا بقضائك، والصبر على بلائك، والشكر لنعمائك يا رب العالمين. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 948

فضل السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له من بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من قام بالواجبات والمسنونات، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله ، واتبعوا الهدى والنور الذي جاء به سيد المرسلين ﷺ ، فقد سن سول الله ﷺ لأمته سنن أفعال وأقوال، وحثهم على أدائها، ورغبهم فيها.

стр. 949

فضل السنن الفعلية قبل الفريضة وبعدها من السنن الفعلية التي حثنا عليها الرسول الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، فقد رُوي عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبدٍ مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ أو ﴿إلا بني له بيتاً في الجنة﴾ حديث صحيح رواه إمام المحدثين مسلم ﵀. وهذه الرواتب هي أربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، وقد ورد في الحديث الصحيح: ﴿ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها﴾ والعلماء ﵏ يسمون هذه الركعات الاثني عشر بالرواتب؛ لأن نبيكم ﷺ كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر، فكان يتركها إلا سنة الفجر والوتر، فكان ﷺ يحافظ عليهما حضراً وسفراً. والأفضل أن تصلى الرواتب في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس لقول النبي ﷺ : ﴿أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة﴾ إلا الفريضة فإنه لا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة الفريضة ويصليها في البيت، فقد ورد الأثر المرفوع عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: [[لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد]] وجار المسجد هو الذي يسمع النداء، وليس الجار هو الملاصق الجدار بالجدار، لا. إنما الجار الذي يسمع النداء، الجفاء كل الجفاء، والنفاق كل النفاق من سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب. عباد الله: في الحديث: ﴿من صلى أربعاً قبل العصر﴾ لأنه قال في الحديث: ﴿رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربع ركعات﴾ وليست من الرواتب، واثنتين قبل المغرب واثنتين قبل العشاء، إذا صلى هؤلاء الركعات، فحسن، لأنه ورد عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، هذه سنن الأفعال.

стр. 950

فضل السنن القولية بعد الصلوات ومن سنن الأقوال: إذا سلم عن يمينه وعن يساره قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله ثلاث مرات، ثم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم بعد ذلك يقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وعلى حسن عبادتك، ويسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره ثلاثاً وثلاثين، فهذه تسع وتسعون، ثم يكمل المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال نبينا ﷺ : ﴿من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر﴾ رواه مسلم. ثم بعد ذلك يقرأ آية الكرسي وقل هو الله أحد، لأنه ورد في الحديث: ﴿من قرأ دبر كل صلاة آية الكرسي وقل هو الله أحد، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت﴾ ويقرأ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وفي صلاة الفجر والمغرب يقول بعد السلام عشر مرات ما ورد عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: ﴿من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل﴾ متفق عليه. فيا عباد الله! حافظوا على هذه الفضائل، ولا يفوتنكم إياها الشيطان، بإشغالكم عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين من اليهود والمبشرين والشيوعيين، وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اقض الدين عن المدينين من المسلمين يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 951

تفسير سورة الواقعة سورة الواقعة سورة عظيمة، فيها من الزواجر والمواعظ ما يهز القلوب، وقد قسم الله فيها الناس إلى أصناف، وبين جزاء كل صنف، وفي هذه الخطبة تجد بيان هذه الأصناف.

стр. 952

آيات سورة الواقعة وما تتحدث عنه الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين ومنبراً منيراً للمهتدين يهتدون بنوره؛ فكان شفاءً لما في الصدور ومصلحاً لجميع الأمور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وهو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على جميع النبيين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله ، وتدبروا كتاب ربكم الذي أنزله الله رحمة بكم وموعظة لكم وإصلاحاً لدينكم ودنياكم، ولا تعرضوا عنه فتبوءوا بالخسارة وقسوة القلوب, والبعد عن خشية علام الغيوب. أمة الإسلام: إن القرآن موعظة من ربكم وشفاءٌ لما في صدوركم.

стр. 953

عرض الآيات من السورة أيها المسلمون! إنه لا شيء أبلغ موعظة من القرآن العظيم لمن تدبره وتفكر في معانيه، وإليكم طرفاً من سورة الواقعة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً * وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً * وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنْ الآخِرِينَ * وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ * وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:١ - ٥٦].

стр. 954

الواقعة وما يقع فيها أيها المؤمنون بالله وبكتاب الله! إن من أعظم المواعظ ما جاء في هذه السورة، تلك السورة العظيمة التي تحدث عن أحوال الناس يوم القيامة، وعن حالتهم عند مفارقتهم الدنيا. ابتدأ الله هذه السورة بجملة شرطية عن وقوع الساعة، حذف جوابها ليذهب الذهن في تقديره كل مذهب، فيسلك في تفخيمه كل طريق، يقول الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٢]. والواقعة: هي يوم القيامة، وإذا وقعت رأيتم الأحوال العظيمة والمتباينة، عند ذلك ترج الأرض رجاً عظيماً, وتبس الجبال بساً، أي: بعد أن كانت متماسكة صلبة تتفتت دقيقاً فتكون هباءً منبثاً كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] وكما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج:٨ - ١٠].

стр. 955

أقسام الناس يوم الواقعة في هذا اليوم الذي تحصل فيه تلك الأهوال والشدائد والكربات ينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: سابقون، وأصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة.

стр. 956

السابقون القسم الأول هم السابقون: السابقون في هذه الدنيا إلى طاعة الله هم السابقون يوم القيامة إلى الكرامة والجنات، وهم المقربون إلى فاطر الأرض والسماوات، يُنعمون في دار لا يفنى نعيمها ولا يبلى جديدها، ولا يتكدر صفوها، نعيمها دائم، وسرورها قائم، تخدمهم الولدان، يسقون الشراب بالأكواب والأباريق والكئوس، شراب لا فيه غول ولا تصديع، ولا لغو ولا تأثيم، بل يجدون شراباً طهوراً. أما طعامهم ففاكهة مما يتخيرون, ولحم طير مما يشتهون، وأما نساؤهم فحور ذو بياض حسن صاف، عين: حسنات العيون، منظر وخلقة كأمثال اللؤلؤ المكنون, في غاية الصفاء، ومع ذلك هم في مجتمع كامل قد نزع الله ما في صدورهم من الغل إخواناً على سرر متقابلين، لا يسمعون في ذلك المكان الطاهر لغواً من القول، ولا كلاماً لا فائدة فيه ولا تأثيماً، بل كلامهم ذكر الله وتسبيحه، ويتحدثون بما أنعم الله عليهم به فهم يقولون ما قال الله عنهم في محكم البيان: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥] هؤلاء هم السابقون إلى طاعة الله ورسوله، يقومون بالواجبات والمستحبات ويتركون المحرمات والمكروهات، وكان نعيمهم أكمل النعيم، وأحوالهم أكمل الأحوال.

стр. 957

أصحاب اليمين القسم الثاني هم أصحاب اليمين: وهم من أهل الجنة ولكنهم أقل حالاً من السابقين، فهم في سدر مخضود, أي مخضود شوكه فليس فيه شوك بل بدل الشوك ثمار من أسفله إلى أعلاه ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩] وهذا السدر والطلح ليس مشبهاً لما في الدنيا؛ إنما الاسم هو الاسم ولكن الحقيقة غير الحقيقة، لأن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴾ فأصحاب اليمين في نعيم دائم، عندهم فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فهي لا تنقطع في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا، ولا ممنوعة عن مبتغيها كما تمنع فواكه الدنيا. أما جلوسهم ففي فرش مرفوعة، وأما نساؤهم فقد أنشأ الله الحور منهن إنشاءً بدون ولادة، وأنشأ نساء الدنيا من أهل الدنيا إنشاءً جديداً فجعلهن أبكاراً لا يرجعن ثيبات أبداً، كلما عاد إليها زوجها وجدها بكراً، ومن تمام النعيم أن جعلهن الله عرباً يتحببن إلى أزواجهن بالتلطف والمداراة، أتراباً على سن واحدة حتى لا تفخر واحدة على الأخرى أو ترى نفسها خيراً من الثانية.

стр. 958

أصحاب الشمال القسم الثالث هم أصحاب الشمال: اللهم لا تجعلنا منهم، اللهم لا تجعلنا منهم، اللهم لا تجعلنا منهم يا واسع الفضل والإحسان. أصحاب الشمال ولا تسأل عن أحوالهم، إنها حال البؤس والشقاء والعناء، حال التعذيب والتحريق بالنار، إنهم في سموم: هواء حار يلفح وجوههم ويدخل في مسام جلودهم، وليس عندهم ما يبرد هذا السموم سوى ماء حميم شديد الحرارة كما قال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠]. كما أنهم ليس لهم ما يحجب هذا السموم سوى ظل من يحموم، واليحموم: هو الدخان الأسود الحالك، لا بارد ولا كريم، أي: ليس فيه وقاية ولا نفح، فهذا مكانهم وموضع إقامتهم. وأما طعامهم وشرابهم فهو الزقوم: وهو شجر خبيث الطعم، خبيث المنظر، منتن الريح، ليس فيه ما يحب الأكل منه؛ ولذلك فهم يتزقمونه تزقماً، لا يسمن ولا يغني من جوع، ويبتلعونه بشدة ومشقة فيملئون بطونهم منه، وحينئذ يحترقون عطشاً فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا دنى من الوجوه شواها، ويقطع أمعاءهم إذا حل فيها, هذا نزلهم يوم الدين. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من السابقين، ومن التالين لكتابك ومن المنتفعين به يا رب العالمين، اللهم اجعلنا ممن اتبعوا القرآن فقادهم إلى رضوان الجنة، ولا تجعلنا ممن اتبعهم القرآن فزخهم في قفاهم إلى النار. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 959

التوبة إلى الله الحمد لله أحمده وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, على رغم أنف من جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله .

стр. 960

الأمر بالتوبة والمسارعة إلى الطاعة أمة الإسلام: عليكم بتقوى الله، سارعوا إلى طاعة مولاكم فإن عاقبتها الرضا وحلول دار الكرامة في الجنة، وإياكم والمعاصي، إياكم والمعاصي، إياكم والمعاصي! فإنها تعقبكم سخط الجبار وتورث دخول النار لمن أصر عليها ومات ولم يتب. فيا عباد الله: توبوا إلى الله واعملوا الأعمال الصالحة التي تقربكم من الله وتحل عليكم رضوانه. أمة الإسلام: لقد سمعتم في بعض السورة التي تليت عليكم الأقسام الثلاثة الذين سوف نكون من ضمنهم، ولكن لا ندري من أي الأقسام نكون، أمن السابقون أم من أصحاب اليمين أم من أصحاب الشمال؟ فهذا علمه عند الله : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] فمن عمل الصالحات واتقى الله فليبشر بما يسره، وأما من عمل السيئات وعصى الله فليبشر بما يسوؤه، قال الله تعالى في سورة الواقعة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٦]. عباد الله إن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار. وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم، ومزقهم كل ممزق، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم لا تبق ولا تذر منهم أحداً يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة وعن جميع بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم، لا إله إلا الله مفرج الكربات ومغيث اللهفات ومحل الشدائد والبليات، لا إله إلا أنت ربنا ورب كل شيء ومليكه. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل المفسدون، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل الظالمون، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل المعتدون، لا إله إلا أنت، أنت أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين. اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع بذنوبنا فضلك, لا إله إلا أنت سبحانك، على الله توكلنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا يا رب العالمين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق يا رب العالمين. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 961

تفسير سورة (ق) سورة ق من أعظم السور القرآنية وقعاً وتأثيراً، وموعظة وتذكيراً، لما تتضمنه من التذكير بالبعث والجنة والنار، وقد جمعت من أصول الإيمان ما يكفي ويشفي فإنها تضمنت المبدأ والمعاد والتوحيد والإيمان بالله وملائكته ورسله، واليوم الآخر، وانقسام الناس إلى هالك وفائز وأوصاف هؤلاء وهؤلاء.

стр. 962

سنية الخطبة بسورة (ق) الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ سورة (ق) على المنبر يوم الجمعة؛ لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيامة والحساب, والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترهيب والترغيب، فاستمعوا لها وأنصتوا، وأقرؤها اقتداءً برسول الله ﷺ .

стр. 963

التذكير بالبعث بعد الموت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١ - ٢٢].

стр. 964

جزاء المتقين وجزاء الكافرين وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٢٣ - ٤٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 965

عرض عام لسورة (ق) الحمد لله الذي قال وقوله الحق: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] أحمده سبحانه وأشكره الذي جعل القرآن شفاءً ورحمةً للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فصَّل في سورة (ق) من العبر والمواعظ والوعد والوعيد ما يدل على كمال قدرته ووحدانيته، فله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، لا يُسئل عن ما يفعل وهم يسألون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق على الإطلاق وأتقاهم لله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، وقد سمعتم ما في سورة (ق) السورة التي كان رسول الله ﷺ يقرؤها على المنبر يوم الجمعة، فإن هذه السورة تعالج أصول العقيدة الإسلامية: الوحدانية, والرسالة, والبعث والنشور.

стр. 966

الموضوعات التي طرقتها السورة إن هذه السورة رهيبة شديدة الوقع على الحس بما فيها وما دلَّت عليه، تهز القلوب هزاً، وترج النفوس رجاً، وتثير فيها روعة الإعجاب ورعشة الخوف. ابتدأت هذه السورة بالقضية الأساسية التي أنكرها الكفار وتعجبوا منها غاية العجب، وهي قضية الحياة والبعث بعد الممات، ولكن هذه السورة لفتت أنظار المشركين المنكرين للبعث إلى قدرة الله العظيمة المتجلية في صفحات هذا الكون المنظور في السماء والأرض, والماء والنبات, والثمر والطلع, والنخيل والزروع، وكل هذه براهين قاطعة دالة على قدرة العلي الكبير. ثم انتقلت هذه السورة الكريمة تخبر عن المكذبين للرسل من الأمم السالفة, وما حلَّ بهم من الكوارث والمصائب وأنواع العذاب، وفي هذا تحذير لمن بعدهم أن يحلَّ بهم ما حل بالسابقين. ثم بينت السورة خلق الإنسان، وما وكِّل به من الملائكة عن اليمين وعن الشمال، ثم نهاية الأجل وما يحصل فيه من سكرات الموت وهول الحشر والحساب، ثم ما يلقاه المجرم في ذلك اليوم العصيب من أهوال وشدائد تنتهي بإلقائه في الجحيم. ثم بينت ما أُعدَّ للمتقين من النعيم المقيم, الذي لا يزول ولا يحول، وذلك جزاء من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، فإنهم يلاقون بالتحية والإكرام، يقال لهم: ادخلوا الجنة بسلامة من العذاب، بسلامة من الهموم والأكدار، ذلك هو يوم البقاء الذي لا نهاية له أبداً، لأنه لا موت في الجنة ولا فناء، وكذلك في النار؛ يقال لهؤلاء وهؤلاء: يا أهل الجنة ويا أهل النار! إنها حياة لا موت بعدها، فأهل النار يعذَّبون بما يصلونه من الجحيم، وأهل الجنة يتنعمون بما فيها من النعيم. وفي الجنة من كل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم، ولهم كذلك -مزيداً على ذلك الإنعام والإكرام- النظر إلى وجه الله الكريم ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] فالزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. واختتمت السورة الكريمة بالإخبار عن صيحة الحق، وهي الصحية التي يخرج الناس بها من القبور كأنهم جراد منتشر، ويساقون إلى الحساب والجزاء لا يخفى على الله منهم أحد، فيجازي كلاً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها, وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، فعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذ في النار، وصلوا على رسول الله كما أمركم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك, ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء أحزاننا, وذهاب همومنا، وكاشف همومنا وغمومنا، وسائقنا ودليلنا إلى جناتك جنات النعيم اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين اللهم املأ قلوبنا بمحبتك، وبالإيمان بك وبملائكتك وكتبك ورسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خُذْ بنواصينا إلى كل خير، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما لا تحبه ولا ترضاه. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين, واشدد وطأتك عليهم يا رب العالمين، وارفع عنهم عافيتك، اللهم مزّقهم كل ممزق، اللهم دمّرهم تدميراً، اللهم اجعلهم غنيمةً للمسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم أقر عيوننا بصلاحهم يا رب العالمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم دعوة من قلب مخلصٍ لك يا رب أن تصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم ردّ عنهم كيد الكائدين، اللهم من أراد الإسلام وأهل الإسلام بكيد فاجعل كيده في نحره يا رب العالمين. اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بك يا علي يا عظيم، يا مغيث المستغيثين، ويا ناصر المستنصرين، ويا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأجودين، يا من يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير؛ اهد شباب الإسلام والمسلمين لما تحبه وترضاه يا رب العالمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين اللهم حبّب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين، اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين، ولوالدينا ولوالد والدينا، ولمن أوصانا بالدعاء، ولمن أوصيناه بالدعاء، ولمن أحببناه فيك، ولمن أحبنا فيك يا رب العالمين. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 967

تفكروا إن المتفكر في آيات الله ومخلوقاته من أرض وسماء، وشمس وقمر، وليل ونهار، يرى كمال قدرة الباري وعظيم صنعته، مما يزيد في إيمانه وتعظيمه لله ﵎، وإن من أعظم ذلك ما قصه الله علينا من إحيائه الموتى كما في سورة البقرة؛ فعلى المسلم أن يتدبر كتاب الله تعالى ليزداد إيمانه ويقوى يقينه.

стр. 968

التفكر سبب لزيادة الإيمان الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٩] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه على بصيرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها المؤمنون! يا من تؤمنون بالله حقاً! تفكَّروا في آيات الله الدالة على كمال قدرته؛ لتزدادوا بذلك تعظيماً لله تعالى وعبادة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. إن الله تعالى قد خلق السماوات والأرض وما بينهما، بما في ذلك الشمس والقمر والنجوم، والجبال والشجر والدواب، والبحار والأنهار، خلق الله تلك المخلوقات في ستة أيام، خلقها على أكمل وجهٍ وأتم نظام، ولو شاء لخلقها في لحظة واحدة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] وقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] ولكنه تعالى خلقها في ستة أيام لحكمةٍ اقتضت ذلك، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].

стр. 969

وفي أنفسكم أفلا تبصرون عبد الله: تفكَّر في خلقك! لقد خلق الله تعالى الإنسان من سلالة من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. أيها المسلمون: تفكروا في خلقكم، فقد خلقكم الله من ماء مهين، من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، ثم يستقر ذلك المني في قرار مكين، لا تعتريه شمسٌ ولا هواء، ولا حرٌ ولا برد، ثم يطوِّر الله هذه النطفة في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة الغشاء يظل أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، فإذا تمت هذه الأيام وهي الأربعة الأشهر، أرسل الله تعالى إليه الملك الموكل بالأجنة، فينفخ فيه الروح ويصبح إنساناً بعد أن كان جماداً، فتبارك الله أحسن الخالقين. هذا خلقك يا عبد الله! فارجع إلى نفسك، وتفكَّر في خلق الله لك ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. ولقد أرى الله عباده من آيات قدرته ما يكون آية للموقنين، وعبرة للمعتبرين، فقد خلق الله تعالى عيسى ابن مريم من أمٍ بلا أب، وأقدره على النطق في المهد، فتكلم بكلامٍ من أفصح كلام البشرية وأبينه، قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم:٣٠ - ٣٣] فما أبلغ هذا الكلام وأفصحه من صبيٍ في المهد! ولقد أخبر الله تعالى عن عيسى أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيراً، وأخبر أنه يبرئ الأكمه -وهو الذي يولد مطموس العين- ويبرئ الأبرص، وأخبر أنه يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم؛ كل ذلك بإذن الله تعالى.

стр. 970

إحياء الله للموتى في الدنيا لقد قصَّ الله علينا في القرآن الكريم في سورة البقرة خمس حوادث، كلها تتضمن إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفيها عظة وعبرة: فأول هذه القصص: قصة بني إسرائيل حين قالوا لنبيهم موسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] فعاقبهم الله تعالى؛ فأخذتهم الصاعقة فماتوا، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، وفي هذا يقول الله تعالى يخاطب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦]. والقصة الثانية: في شأن القتيل من بني إسرائيل الذي قتله ابن عمه؛ من أجل أخذ ماله، فاتهم به قبيلةً أخرى، فاختصموا في أمره إلى موسى ﵇، فأمرهم موسى -بوحيٍ من الله تعالى- أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزءٍ منها، ففعلوا -بعد التعنت والمراجعات التي تقرءونها في سورة البقرة: ادع لنا ربك ادع لنا ربك إلى آخر ما قالوا- وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وضربوه ببعضها، فأحياه الله تعالى القادر على كل شيء، فأخبر عن قاتله: أنه ابن عمه، قتله لأخذ ماله فتلكم من آيات الله العظام لمن تدبر القرآن، وعرف معاني القرآن. القصة الثالثة: في قومٍ نزل في ديارهم وباء، فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذراً من الموت، فأراهم الله تعالى أنه لا مفر من أقدار الله تعالى، فأماتهم الله؛ ليعلم العباد قوة سلطانه ونفوذ قدرته، ثم أحياهم ليستكملوا آجالهم، وفي ذلك تعليم لهذه الأمة حتى لا تتطير، ولا تفر من أقدار الله، بل تصبر وتحتسب الأجر على الله. القصة الرابعة قصة الرجل الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، قد تهدم بناؤها ويبست أشجارها، فاستبعد هذا الرجل أن تعود إلى ما كانت عليه من العمران والسكان، فأراه الله تعالى آية في نفسه تدل على قدرة الله تعالى؛ أماته الله مائة سنة، وكان معه حمارٌ وطعامٌ وشرابٌ، فمات الحمار وتمزقت أوصاله، ولاحت عظامه، وبقي الطعام والشراب لم يتغير واحدٌ منهما بنقص ولا طعم ولا لون ولا رائحة مدة مائة سنة، والشمس تصهره والرياح تتعاقب عليه، وبعد هذه المدة بعث الله تعالى ذلك الرجل، وأراه طعامه وشرابه لم يتغير مع طول هذه المدة، وأراه الحمار، فنظر إلى عظامه المتفرقة في الأرض يركب بعضها بعضاً كل عظم في محله، ويكسوها الله تعالى لحماً وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]. عباد الله! تلكم من أنباء الغيب التي قصها ربنا جلَّ وعلا في هذا القرآن العظيم على سيد البشرية، ونبي الرحمة محمد صلوات الله وسلامه عليه، وقصها عليكم في كتابه المبين؛ ليزداد المؤمن إيماناً بالله العظيم الذي له القدرة التامة على كل شيء. القصة الخامسة: في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة من الطير، فيقطِّعهن أجزاءً ثم يفرقها على الجبال التي حوله، على كل جبل جزءاً من هذه الطيور الأربعة، ثم يناديهن فقطع إبراهيم ﵇ هذه الطيور وخلط لحمهن، وجعل على كل جبل منهنَّ جزءاً، ثم ناداهنّ إبراهيم، فعند ذلك التأمت تلك الأجزاء المفرقة في الجبال؛ بعضها على بعض، وأتين إلى إبراهيم مشياً لا طيراناً. وفي هذا يقول ربنا جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠].

стр. 971

إحياء الموتى في الدنيا دليل على البعث والنشور أيها المسلمون: هذه نماذج من إحياء الله تعالى للموتى في الدنيا تدل على البعث والنشور يوم القيامة، وما أهون ذلك على الله ، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] الإعادة أهون عليه من البداية ويقول جلَّ وعلا: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨] ويقول جلَّ وعلا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] فسبحانه من إلهٍ عظيم! وسبحانه من إله عليم قادر! عباد الله: إنها زجرةٌ واحدةٌ يخرج بها الناس أحياءً من قبورهم، ذكوراً وإناثاً كباراً وصغاراً، لا يتخلف منهم واحد، في مثل لمح البصر أو هو أقرب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤]. عباد الله: ارجعوا إلى كتاب الله ، وارجعوا إلى سنة رسول الله ﷺ ؛ ليزداد إيمانكم، ولتعلموا قدرة الله. اللهم ارزقنا التفكر في آياتك وارزقنا الاتعاظ بذلك، وارزقنا الانتفاع بما أنزلت من وحيك، وما قدرته من قضائك، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 972

الاعتناء بالقرآن تدبراً وعملاً الحمد لله الذي خلق فسوى وقدَّر فهدى ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٤ - ١٥] فسبحانه من إله خلق فسوى! ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وله الحمد في السماوات والأرض، وله الكبرياء والعظمة، وأشهد أن لا إله إلا الله إيماناً به وتوحيداً، لا رب لنا سواه، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يحيي ويميت، بيده الخير ومنه الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات التي بهرت العقول، ودلت على نبوته وصدق رسالته، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، وتدبروا آيات القرآن العظيم التي فيها من الأخبار ما يملأ القلوب؛ من الإيمان والتصديق والزيادة في معرفة الله العظيم لا تشغلوا أنفسكم بما يضركم في الآخرة والأولى. عباد الله: إن الإكباب على الملاهي، وعلى المجلات والجرائد، والقصص المختلقة؛ إنما هي دسائس من أعداء الإسلام؛ ليشوشوا أفكاركم، وحتى لا تعتبروا بما في كتاب الله، ولا بما في سنة رسول الله ﷺ ، وحتى لا تعتبروا ولا تتعظوا بما في هذا الكون العظيم من مخلوقات الله. عباد الله: ارجعوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله إلى الدستور العظيم إلى القرآن الكريم إلى المنهج القويم إلى الينبوع الصافي إلى حبل الله المتين إلى الصراط المستقيم إلى كتاب الله العظيم، الذي من حكم به عدل، ومن تمسك به نجا، ومن دعا إليه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه تجبراً وتكبراً قصمه الله. فكتاب الله العظيم في تلاوته الأجر الكثير؛ فمن قرأ حرفاً من القرآن؛ فله به عشر حسنات، فيا له من خير فضيل لو كانت القلوب تعقل؛ كما قال عثمان ﵁ وأرضاه: [[لو طهرت قلوبكم لما شبعت من كلام ربكم]] فإنه أصدق الكلام. وارجعوا إلى خير الهدي هدي محمد ﷺ ، واحذوا محدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، واحذروا التفرق يا عباد الله. وصلوا وسلموا على رسول الله، امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اشف مرض قلوبنا اللهم اشف مرض قلوبنا اللهم اشف مرض قلوبنا اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وعيوننا من الخيانة، واجعلنا متحابين فيك يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم قيض لهم جلساء صالحين ناصحين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم أصلحنا وأصلح ولاة أمورنا، وأصلح أولادنا وأهلينا وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين والمسلمات. اللهم اجعلنا هداة مهتدين نأمر بالمعروف ونفعله، وننهى عن المنكر ونجتنبه إنك على كل شيء قدير، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الكريم المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، اللهم يا حي يا قيوم، اللهم أمد إخواننا المجاهدين بعونك، اللهم أمدهم بقوة من عندك، اللهم انصرهم نصراً مؤزراً، اللهم انصرهم على أعدائك وعلى أعداء الإسلام والمسلمين يا رب العالمين! اللهم اجعل أعداء الإسلام والمسلمين غنيمةً لأوليائك الصالحين، اللهم مكن المجاهدين منهم يا رب العالمين، اللهم اجعلهم يأسرونهم ويسبون نساءهم وذراريهم، اللهم اجعل أعداء الإسلام والمسلمين غنيمةً لعبادك المؤمنين يا رب العالمين! اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان من بلدان العالم الإسلامي يا رب العالمين! اللهم انصرهم بنصرك، وأيدهم بتأييدك إنك على كل شيء قدير ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، أكثروا من ذكر الله؛ فإن ذكر الله يقربكم من الله، وأكثروا من شكر نعم الله؛ فإن الشكر يزيد النعم، وإياكم وكفران النعمة، حافظوا على هذه النعم يا عباد الله! فإن بشكرها تقر، وبكفرها تفر، وفقني الله وإياكم لشكر النعمة إنه على كل شيءٍ قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 973

توجيه الشباب إن شباب الصحابة رضوان الله عليهم حين تربوا في مدرسة محمد ﷺ ، وتوجهوا التوجيه الصحيح؛ رفع الله بهم الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وكان همهم الوحيد هو نصرة الدين وإرضاء رب العالمين ؛ والناظر إلى شباب المسلمين اليوم وما صاروا إليه يتعجب أشد العجب، فقد تغيرت اهتماماتهم، وتحطمت أخلاقهم، وكل ذلك لأنهم لم يجدوا من يوجههم التوجيه الصحيح الذي سار عليه رسول الله ﷺ .

стр. 974

الفرق بين شباب السلف وشباب الخلف الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريكٌ في الملك، ولم يكن له وليٌ من الذل وكبره تكبيراً، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, يهدي من يشاء ويضل من يشاء. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، وخذوا بأسباب النجاة والسعادة، واحذروا من أسباب الشقاوة والهلاك. عباد الله: أرأيتم لو كان لكم أشجارٌ تتعاهدون سقياها، وتتعاهدونها بما يصلح لها، وتختارون لها التربة الطيبة, والمزارعين الفنيين في فن الزراعة، إذا حصل ذلك فسوف تؤتي الثمار اليانعة، ويعظم خيرها، ويكثر جناها. أجل -يا أمة الإسلام- هذا مثال لفلذات أكبادكم، مثال للشباب في عنفوانه ونضرة أيامه، إذا وجد له راعياً أميناً، وموجهاً مرشداً صالحاً ناصحاً، فسوف يثمر أطيب الثمار، ويكون عضواً صالحاً في المجتمع، وعنصراً هاماً لحماية الدين، ورعاية الأخلاق، ورفع راية الفضيلة. أمة الإسلام: إن مدرسة محمد ﷺ لما كانت تتمشى مع التعاليم السماوية والتوجيهات الربانية، خرجت شباباً كان لهم في أزهى عصور الإسلام جولات عظيمة، ومغامرات كريمة، كان فيها عز للإسلام، ونصر لشريعة سيد الأنام، ورفع لعلم الدين خفاقاً يحكي العزة، ويصور المجد، ويشعر بالقوة، إنهم تعلموا العلم لوجه الله، فنالوا به رفعةً ومجداً وسؤدداً، أولئك الشباب الناشئ في مدرسة الإسلام، غذاهم الإسلام بمبادئه وروضهم على تعاليمه، وقومهم برفيع توجيهاته، وجعل منهم في ميدان البطولة الفدائي, الذي لا يشق له غبار يخوض معركة الشرف لا يريد بذلك وطنية، ولا يريد قومية، ولا جاهلية، ولكن لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. ولقد كانوا ﵃ في ميدان العلم والمعرفة أئمة في الدين، وأعلاماً في الفقه, وفي مجالات العبادة والإخبات، فهم رهبان بالليل، أسود بالنهار: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] في ميادين البذل والبر والإحسان يبذلون الفضل لوجه الله طلباً للمثوبة والأجر، فهذه أوصاف أولئك الرجال، فإنها حميدة، لم تغلب عليهم السطوة، فكانوا ﵃ قدوة للشباب المسلم الصالح الذي رفع الله درجته، وأمن مخاوفه، ووعده أن يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ولقد أخبر إمام الأمة وقدوتها ﷺ بقوله: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله﴾ وعدّ منهم: الشاب الناشئ في عبادة ربه : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ولكن مع الأسف الشديد والحزن المرير أين تلك الأوصاف؟ أين تلك الأشباح؟ رحمة الله على تلك الأرواح، لقد تغيرت الأحوال، وانعكست الأفعال، وعمي الكثير عن الهدى واتباع الحق، وغرق البعض في التقليد الأعمى، ومالت به نفسه الأمارة بالسوء عن الصراط المستقيم، وقلد الكفرة في باطلهم، وقلّد الغرب في الانحلال والميوعة والإلحاد والرذائل، وأطلق لنفسه العنان في الشهوات المحرمة والنزوات الطائشة والرذائل، ونسي الله , ولم يراقب الجزاء، ولم يحذر من بطشته وسطوته وأخذه الأليم الشديد، فهو ممن قال الله فيهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وممن وصفهم الله بقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].

стр. 975

العامل الأساس للأخذ بأيدي الشباب إن العامل الوحيد للأخذ بأيدي الشباب وقيادتهم إلى الخير ليكونوا كما كان أسلافهم في عصر النور هو التوجيه الصالح الرشيد الذي يتظافر عليه البيت والمدرسة والإذاعة والصحافة والعلماء والقادة, كل أولئك يجب عليهم أن تتظافر فيهم جهود التوجيه، توجيه الشباب إلى الخير, وقيادتهم إلى أقوم السبل في الأقوال والأفعال والعزائم الصادقة. أما مجرد التوجيه بالأقوال بدون التصديق بالأفعال فلا كأن يقال: إليكم هذا الحديث، إليكم هذه التلاوة المرتلة، ثم يقال: تغني فلانة، ويغني فلان، ثم يأتي في الصحافة، ويقول: مجلة الفن تحل الأغاني وتحل الموسيقى، وهي حرام في الإسلام، فأين هذا التوجيه من التوجيه الإسلامي الصحيح؟! إذا لم تصدق بالأفعال، فذلك مما ينقضه الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. ومثل مدرس يشرح حديث ﴿لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء﴾ فيقول له الطالب: كيف ذلك يا أستاذ؟ فيقول: في حلق اللحية، إذا حلق لحيته، فإنه يتشبه بالنساء، ومع الأسف الشديد كان الأستاذ الجليل حالق للحيته، فيقول له الطالب: فلماذا تحلق لحيتك يا أستاذ؟ فيقول: (هذا جَريٌ للمجتمع، وخوف من المعزبة) أو كما قال قولته الشنعاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. كذلك الأستاذ يشرح الدرس، وثوبه يجر خلفه شبراً في الأرض، وهو يقول: إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء، الله أكبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. إن من شروط الداعي إلى الخير أن يكون قدوةً فيما يأمر به، أما الذي ينهى الأولاد عن شرب المسكرات والدخان، وهو مدمن عليها، فإنهم يهزءون به، لأنه بصفة المختل للعقل، لأنه لم ينه نفسه قبل ذلك. لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم كذلك المعلم إذا كان في أثناء الشرح فهو مرآة، فلينظر ماذا يلقي على أولئك النشء، فإنهم أمانة في عنقه. أما الذين يعلَّمون ولا يعملون فليسمعوا إلى هذا الوعيد الشديد، يقول رسول الله ﷺ : ﴿يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه -أي: أمعائه- فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان! ما شأنك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر، وآتيه﴾. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك. فاتقوا الله عباد الله، وكونوا مع الصادقين في التوجيه وفي النصح والإرشاد وفي الدعوة إلى الله , حتى يصلح بكم أولادكم، ويرتفع بكم المجتمع، وتكونوا قدوةً صالحة. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا يا رب العالمين، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن أبداً ما أبقيتنا يا أرحم الراحمين. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 976

إهمال تربية الأولاد الحمد لله ذي الكبرياء والعظمة والسلطان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود، وسيد ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله كما أمركم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] اتقوا الله في أولادكم، وفي أهليكم، وفي معاملاتكم، وفيمن تحت أيديكم. إنه ليحزن ويمرض أننا نرى الكثير من الآباء قد أهمل الأولاد، وترك لهم الحبل على الغارب! حتى صاروا شراً مستطيراً على المجتمع, وداءً عضالاً وعضواً لا خير فيه, كل ذلك بسبب الإهمال, حتى إن البعض من الآباء تحمل أوزاراً، وهو يعرف أنه فيها ظالم لنفسه ولأولاده، وهو أنه يعينهم على الأسفار إلى بلاد الكفر والفساد، ويدفع لهم الأموال، ويفتح لهم الاعتمادات حتى يفسدوا بها، وينفقونها في سبيل الشيطان، ويقول: نريد لهم الترفه، بل ظلمهم، وأعانهم على إغضاب الرب جلَّ وعلا، فسوف يسأل عن هذا كله إذا وقف بين يدي الله يوم ترتعد الفرائص من الخوف والوجل. أمة الإسلام: إنه من أكبر المنكرات أن يخرج الرجل من بيته إلى المسجد والأولاد في بيته إما يمارسون لعب الورقة، أو جالسون عند التلفاز، أو نائمون في فرشهم، وهو يأتي إلى المسجد، إنه من أكبر المنكرات -والعياذ بالله- من عمى البصيرة: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. أمة الإسلام: لننتبه من رقدتنا ونستيقظ ونستعد قبل أن نقف بين يدي الله ثم نسأل، فمن أين لنا الجواب؟ من أين لنا الجواب؟ وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين السابقين إلى الخيرات، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمّر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك وعافيتك ومزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمةً للمسلمين، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه, إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واهدنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه يا رب العالمين. اللهم ارفع عنا الغلاء والربا والوباء والزنا واللواط، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن, عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامةً يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوفٌ رحيم. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 977

توحيد الله تعالى التوحيد هو الهدف من إرسال الرسل، ولا يصح للإنسان إسلامه إلا إذا وحد الله جل وعلا في جميع عباداته وأعماله؛ ولا يمكن أن تكون هناك وحدة إلا في ظل التوحيد، والعرب ما اجتمعوا في عهد النبي ﷺ إلا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله). والشيخ قد تحدث في هذه الخطبة عن كمال الدين والتميز في أحكامه، وشكا متألماً حال الكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهم يتنكرون لأحكامه، والإسلام منهم براء، كما ذكر أن الإسلام هو سبب الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 978

كمال الدين الإسلامي وشموليته الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، نحمده حمداً متعدٍ يفوق العدَّ والحسبان على نعمه وآلائه العظام، ونستغفره ونشكره، ونسأله العز والعفو وحسن الختام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الذي لم يأل جهداً ولم يدخر وسعاً في تبليغ الرسالة، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين طهرتهم من كل تعصب إقليمي أو قبلي، وعلى كل من تمسك بهديه ومن دعا بدعوته وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله سبحانه، فقد حباكم بدين كله مكارم ومحاسن إنه دين أكرم الله أهله وفضلهم على سائر من خلق تفضيلاً دين حمى مصالح من تمسك به بسياج حديدي وإن كان أعجمياً لا أصل له، أو مولى أو لم يكن له نسب دين احترم النفوس؛ فقد أوجب القتل على من قتل نفساً عمداً، أو سعى في الأرض فساداً أن يقتل أو يصلب دين احترم الأموال؛ فقد أوجب قطع اليد على من سرق ثلاثة دراهم فأكثر دين احترم الأعراض، فقد أوجب ثمانين جلدة على من قال لأمرأة: يا زانية، أو غير ذلك من قواذف اللسان الخبيثة التي يقذف بها من تعاليم الشيطان، فمن قذف بهذه الكلمات أوجب عليه الشارع الحكيم ثمانين جلدة. إنه دين احترم أنسابكم؛ فأوجب القتل على الزاني رجماً بالحجارة -الزاني المحصن وهو الذي تزوج- وإبعاد من لم يكن محصناً مع جلده مائة جلدة دين احترم العقول فحرم كل ما فيه خطر على تغطية العقل من خمر أو حشيش أو حبوب مخدرة أو غيرها دين لم يفرق بين عربي ولا أعجمي، ولا أسود ولا أبيض، وإنما جعل الرابط الوحيد والعلاقة الحقة هي الإيمان بالله. وبالجملة فهو دين أودع الله فيه من الحكم ما هو كفيل بخلوده، وأودع الله فيه ما جعله صالحاً لكل زمان ومكان، صالحاً لمسايرة الإنسانية في تقدمها، ورقيها، وحضارتها الحقيقية. ولا غرابة -يا أمة الإسلام- فهو دين البشرية جمعاء، الدين الذي جاء إليها وهي ترزح تحت أغلال ظلمات الجهل، فأقام سياستها على مبدأ واحد، وإذا أرادت شمسه أن تغيب فلا حول ولا قوة إلا بالله! ولا غرابة؛ فقد أخبرنا رسول الله ﷺ : ﴿أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً﴾ ولكن نأمل من الله واسع الفضل والإحسان أن يجعلنا من الأمة الباقية على دين ربها، لا يضرها من خالفها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 979

اجتماع الأمة على التوحيد لقد جمع الدين الإسلامي الأمة تحت لواء التوحيد، تحت راية (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ففي الجملة الأولى (لا إله إلا الله) التخلص من كل عبودية إلا لله وحده، وفي الثانية (محمد رسول الله): أنه لا عبودية صحيحة إلا بما شرع رسول الله ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين. إنه دين أدرك أمتنا العربية في حياتها الوحشية التي نطق بها القرآن الكريم، حياة العبودية للجمادات والأموات أموات لا يسمعون ولو سمعواما استجابوا وكما هو واقع بعض المسلمين في بعض الدول التي تدّعي الإسلام للأسف الشديد! فقد انتشرت عبادة القبور في أكثر أنحاء بلاد المسلمين! فيجلسون عند قبر الميت، ويسألونه الحوائج ونسو القادر المقتدر، الله الذي لا إله إلا هو، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. أما الأموات فقد صاروا رفاتاً وعظاماً وتراباً، ولكن الله سيجمعهم بقدرته إذا نفخ في الصور. أمة الإسلام: لقد جاء الإسلام والعرب الأقدمون الجاهليون في جاهليتهم الجهلاء، وعاميتهم الظلماء، يعبدون الحجارة من دون الله لقد عجب من ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فضحك ثم بكى، فقال له أحد الحاضرين: لماذا بكيت يا أمير المؤمنين ثم ضحكت؟ قال: [[بكيت لأني وأدت ابنة لي وهي حية، وضحكت لأني أعبد صنماً من تمر، فإذا جعت أكلته، وإذا شبعت عبدته]] فهو يضحك ﵁ تعجباً؛ لأن الله أخرجه من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام والإيمان. إنها حياة عبادة الجمادات والأموات ولو سمعوا ما استجابوا لهم حياة وأد البنات حياة شظف العيش وقد حياها أولئك الجاهلون حياة الذئاب المعتمدة في معايشها على النهب والسلب حياة معاقرة الخمور فجاء الإسلام، وجاء النور الساطع، وجاءت الشمس المشرقة جاء الإسلام فسما بها من هذه الأخلاق -وأقبح منها- إلى أوج العزة والكرامة إلى الألفة وصادق الأخلاق؛ فأصبحوا -بعد أن كانوا رعاة للشاة والإبل، وكانوا كالوحوش- أصبحوا قادة عظماء، وخضعت لهم الدنيا، وأطاحوا بعروش الفرس والروم وكان ذلك بفضل الله ثم بفضل إسلامهم الذي لمَّ شعثهم ووحد كلمتهم وقضى على كل ما في نفوسهم من عوامل تفرقة بين عربي وغيره. إن ديننا هذا قبس من نور، ومن محاسنه: آثاره على المتمسكين به في الدنيا والآخرة، فإن الله يعطيهم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].

стр. 980

تنكر الناس لدينهم أيها المسلمون: لقد تنكر كثير من الناس لكثير من مبادئ الإسلام السامية، بالقول أو بالفعل أو بالاستهزاء أو بالمحاربة فقد دعاهم إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام فقعدوا عنها، إما تركاً أو تهاوناً أو كسلاً، فهل أولئك بمسلمين؟ فهل أولئك بمسلمين؟!! ولو سمح الوقت لكررتها في اليوم خمس مرات: فهل أولئك بمسلمين؟! فإن من ترك الصلاة فقد كفر، كما قال ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾. ودعاهم إلى أداء الزكاة فبخلوا ودعاهم إلى النصح فغشوا ودعاهم إلى الصدق فكذبوا ودعاهم إلى البر فعقوا ودعاهم إلى الوصل فقطعوا ودعاهم إلى نفع إخوانهم فضروا ودعاهم إلى الإحسان فأساءوا ودعاهم إلى الإخلاص فبادروا بالرياء والشرك والعياذ بالله. ودعاهم إلى الاحتشام والعفاف فأبوا إلا أن يلوثوا أخلاقهم، ويدسوا على تعاليم دينهم بما يسديه إليهم التلفاز والفيديو من تعاليم خليعة اكتسبنها نساء المسلمين وبناتهم للأسف الشديد! ويقولون: نحن أهل الإسلام، لا. إن الإسلام بريء من هذا كله فاتقوا الله وارجعوا إلى دين الإسلام يا أهل الإسلام، وخافوا عاقبة ما أنتم عليه من تفريط وإهمال، وتمسكوا به، فإن التمسك به هو الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال. وإذا ترك المسلمون الإسلام وتعاليمه؛ فقد ضلوا واحتاجوا إلى أعداء الإسلام. عباد الله: لقد غزي هذا الدين العظيم من كل حدب وصوب، ومن أراد أن ينظر إلى الغزو فلينظر إلى أسواق المدن وما فيها من الأجنبيات الخبيثات اللاتي أتين ليغرين أولاد المسلمين وشباب المسلمين، ويبثوا الشهوات التي نهى عنها القرآن قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]. أمة الإسلام: الله الله في التمسك بدينكم، والذود عنه والمحاربة دونه كما فعل أسلافكم. اللهم اجعلنا من أهل الإسلام الصادقين، وأمتنا تحت ظلاله يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 981

الإسلام سبب للسعادة والفلاح الحمد لله الذي نسخ بالإسلام جميع الأديان، وميزه بالخلود والصلاح لكل زمان ومكان، أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المنان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي جاء بالنور الصادع والبرهان، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وتمسكوا بتعاليم الدين، فإن سعادتكم في أن تكونوا به عاملين، وشقاؤكم في أن تكونوا عنه منحرفين. أمة الإسلام: الله الله في التمسك بدين الإسلام، فخليق بكل من له نسبة من عقل أن يعيش في كنف الدين، ويلقي بنفسه بين أحضان هذا الدين، فهو الدين الكامل دين العدالة والمساواة دين من استضاء به اهتدى، ومن تمسك به نجا، ومن عض عليه وصل إلى الدرجات العلا دين من اعتز به فقد عزه، ومن ابتغى العزة من غيره فقد ضل سواء السبيل دين أساسه التوحيد (لا إله إلا الله) وروحه الإخلاص، وشعاره التسامح والإحسان دين ضمن لمعتنقيه السيادة والسيطرة والكرامة دين قام به سلفنا الصالح منذ أن طلع فجر محمد بن عبد الله، وقام به خلفاؤه وأتباعه، وكان لهم ما كان من عز وطيد، ومجد مشيد، وكلمة نافذة؛ فأصبحوا ملوك الدنيا بعد أن كانوا أمة مبعثرة مغلوبة على أمرها ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]. دين لا تطلب السعادة إلا وجدت فيه، ولا خير إلا وجد فيه، ولا يكشف عن مخبوء في الكون إلا وجد فيه دين شرع لنا من العبادات والمعاملات ما يهدم النفوس، ويبعث فيها روح التعاون والإخاء إن نحن تمسكنا بدين الإسلام. أمة الإسلام: والله ثم والله لا دين إلا دين الإسلام، كما قرره ربنا في محكم الكتاب فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] فلا يهودية، ولا نصرانية، ولا مجوسية، ولا وثنية كلها محاها الإسلام، وسوف يظل الإسلام على رغم أنوف أعداء الإسلام، اللهم ارزقنا التمسك بدين الإسلام. عباد الله: اعلموا أن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وعليكم بجماعة الإسلام والمسلمين، فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذَّ عنه أو ابتغى العزة من غير دين الله وعن نهج رسول الله وعن نهج سلفنا الصالح فقد شذَّ في النار، واعلموا أنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. وصلوا على من أرشدنا إلى نور الهداية، ومن أنار الله به قلوب المسلمين بالإيمان صلوا على سيد البشر محمد بن عبد الله الذي أخرجكم الله بدينه من الظلمات إلى النور، صلوا على من بعثه الله بالحنيفية السمحة، كما صلى الله عليه وملائكته ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد ما أظلم الليل وما أضاء النهار، وما طلعت شمس وما غابت، وما طلع قمر ونجم وأفل، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وزده صلاة وسلاماً إلى قيام الأبدان من القبور، واجعلنا من الواردين على حوضه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. اللهم ارضَ عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا رب العالمين، وارزقنا الاقتداء بهم. اللهم املأ قلوبنا بالإخلاص حتى لا تضرنا شعارات رفعها الدعاة المدعون لأعداء الإسلام، ممثلون وغيرهم، اللهم اكفنا واكف المسلمين شرهم يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الدين اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك ومزقهم كل ممزق اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أغثنا بعز الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين اللهم أصلح أولادنا ونساءنا اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط ومضلات الفتن والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن وعن جميع بلاد المسلمين يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم إنا نسألك أنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الحي القيوم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ أن تملأ قلوبنا من محبتك ومن خشيتك ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمة وعلماً، اللهم املأ قلوبنا من الإيمان. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 982

حادثة الإفك المنافقون خطرهم على الإسلام أكبر من خطر اليهود والنصارى، ولقد بلغ جرمهم ووقاحتهم أنهم اتهموا زوج النبي ﷺ العفيفة الطاهرة بما يصان اللسان عن التحدث به. وعائشة ﵂ في هذه الخطبة تحكي قصتها بنفسها، وكيف هجرها رسول الله ﷺ ، وكيف كان نزول براءتها من السماء في قرآن يتلى إلى يوم القيامة؛ فلذلك وجب الحذر من النفاق والمنافقين.

стр. 983

المنافقون وخطرهم على الإسلام الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله واحذروا من عقابه. عباد الله: أحبوا رسول الله ﷺ من صميم قلوبكم, فإن الله أخرجكم بدعوته من الظلمات إلى النور, فكم لاقى في سبيل دعوته من المعارضات والمنازعات من قبل خصومه من المشركين والمنافقين وأضرابهم, فلقد شجوا رسول الله ﷺ وكسروا رباعيته, وتآمروا على قتله ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه, ويأتيه ملك الجبال بأمر الله القوي العزيز الحميد بهلاك أولئك, وهو أن يطبق عليهم الجبال, ويدمرهم تدميراً عن بكرة أبيهم, ولكن ماذا يقول الرءوف بأمته ﷺ ؟ يقول: ﴿لا. لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً﴾. هكذا يصمد رسول الله ﷺ أمام تحديات المشركين، حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة , ولكن أعداء الرسالة المحمدية أصناف متعددة, وتبين منهم في المدينة المنافقون الذين يضمرون الكفر ويعلنون الإسلام. ولكن القرآن فضحهم وبين عداوتهم لله ولرسوله في آيات تتلى؛ ليكون ذلك درساً وعبرة للأمة, لتعرف فيه خطر النفاق والمنافقين وضررهم على الأمة الإسلامية؛ فيحذروهم لا كثرهم الله ولا حياهم ولا بياهم, وزلزلهم الله وأخرجهم عن ديار المسلمين.

стр. 984

حادثة الإفك نعم! أمة الإسلام! نعم يا أمة القرآن-وأنتم ترتلون كلام الله ، وتقرءون سنة المصطفى ﷺ ، مرّ بكم حادث عظيم حدث في الإسلام, حادث بشع يتناول بيت النبوة الطاهر، وعرض رسول الله ﷺ , أكرم إنسان على الله ، وعرض صديقه الأول أبي بكر الصديق ﵁, وهو أكرم إنسان على رسول الله ﷺ ، وعرض رجل من خيرة الصحابة ﵃ صفوان بن المعطل الذي يشهد له رسول الله ﷺ بأنه لم يعرف عليه إلا خيراً. إن هذا الحادث حادث الإفك قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية آلاماً لا تطاق, وزرع في بعض النفوس الشك والريبة والقلق، وحدث لرسول الله ﷺ ولـ عائشة ﵂ وصفوان ﵁ ما لا يطاق من الألم والهم, حتى نزل القرآن ببراءة زوج الرسول الطاهرة العفيفة عائشة أم المؤمنين ﵂, وببراءة ذلك المؤمن المجاهد صفوان , وإدانة أهل النفاق وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول بالتآمر على بيت النبوة، وترويج الدعايات المغرضة ضد صاحب الرسالة عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم، واختلاق الإفك والبهتان ضد المحصنات الغافلات المؤمنات.

стр. 985

قصة حادثة الإفك ترويها عائشة تقول عائشة أم المؤمنين ﵂، وهي الصديقة بنت الصديق: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه, فأقرع بيننا في غزوة غزاها, فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب, فأُحمل في الهودج وأُنزل فيه, فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقد دنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقدٌ لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت ألتمس عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه, وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام, فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن, فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس به منهم داع ولا مجيب, فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سوف يفقدوني فيرجعون إليّ, فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ من وراء الجيش؛ فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني, وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فخمرت وجهي بجلبابي, ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه إنا لله وإنا إليه راجعون! وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول فهلك فيّ من هلك، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً -أي: مرضت شهراً- والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك, وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي, إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف, فذلك يريبني ولا أشعر بالشر, حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا, وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا﴾.
следующие страницы →