Полный текст (991 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
التوسل إلى الله بهزيمته للأحزاب
وقوله: (هازم الأحزاب)، هذا توسل ثالث أو رابع إذا عددنا لفظ (اللهم) توسلاً إلى الله بألوهيته، ففيه التوسل إلى الله بأنه هازم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ؛ فإنه قد هزم كل الأحزاب الذين تحزبوا على الأنبياء ليأخذوا الأنبياء، وليوقفوا دعوتهم، كما قال : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥].
فالجزاء من جنس العمل، وذلك أنهم أرادوا أخذ الرسل، وإيقاف دعوتهم وإهلاكهم، وأرادوا أن يضمحل هذا الدين، واستعملوا في ذلك وسائل البطش ووسائل الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق، ووسائل الإعلام الفاسد بالإضافة إلى القوة والبأس، فاستعملوا ذلك حتى أوشكوا أن يأخذوا الرسل، وأن يقتلوهم، قال : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
ويكادون يصلون إلى غايتهم التي يظنون أنهم واصلون إليها، وفي اللحظة الأخيرة تتغير الأمور، ويظل الأمر يسير رويداً رويداً كما سار فرعون رويداً رويداً خلف موسى ومن معه، إلى أن تراءى الجمعان، وكما دبر إبليس مع المشركين خطة قتل رسول الله ﷺ قبيل الهجرة مباشرة، وأحاطوا بالبيت فعلاً، وخرج النبي ﷺ يتلو قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، فكما لم تبصر قلوبهم الحق الذي بعث به، كذلك لم تبصر أبصارهم جسم رسول الله ﷺ وهو خارج وهم يستعدون للفتك به، قال : ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥].
فالله يأخذ من أراد أخذ ما جاء به الأنبياء؛ فإنه هازم الأحزاب.
ولنتأمل هذه الغزوة العظيمة التي جعل الله فيها من آياته ما يتوسل به المؤمنون في مواطن مختلفة من دعائهم، فقد كان النبي ﷺ يكثر من استعمال ذكر هزيمة الأحزاب، ويتوسل إلى الله بذلك، كما كان يقول في هذا الدعاء: (هازم الأحزاب)، وكان ﷺ يقول في دعائه على الصفا والمروة: (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، فهو لم يهزمهم من خلال المؤمنين، وإنما هزمهم وحده بآياته .
فكل من تحزب على الأنبياء وعلى دعوة الحق فهو من الأحزاب، كما قال عن قوم ثمود وفرعون وعاد ولوط: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٣ - ١٤]، فالله جعل من تحزبوا ضد الإسلام واجتمعوا عليه رغم تفرقهم في غير ذلك مهزومين بقدرته ، فغزوة الأحزاب غزوة مليئة بآيات الله سبحانه، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٩ - ٢٧].
فاللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزم أعداء الإسلام وزلزلهم وانصرنا عليهم.
اللهم انصرنا على القوم المفسدين، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين.
اللهم انصر الدعاة إليك والمجاهدين في سبيلك في كل مكان.
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا.
اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هداة مهتدين.
ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغوا علينا.
اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك أوابين، لك مخبتين، إليك أواهين، وتقبل توبتنا، واغسل خبثنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وسل سخائم صدورنا.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 107
الرحمة
الرحمة في قلوب الخلائق عطية من الله الرحيم، ولولاها لفسدت حياة الناس؛ لأن كل إنسان يريد أن يكون وحده ذا ملك ومال وما إلى ذلك، ولولا الرحمة لما استعدت الدجاجة الضعيفة للموت دون صغارها! ولذلك من لا يرحم الناس، فلا يحرص على هدايتهم، وجلب المنافع لهم، يكون بغيضاً عندهم، ولو كان من أقواهم بدناً، وأكثرهم مالاً، وأفصحهم لساناً.
стр. 108
تحقيق العبودية
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد: قال ابن القيم ﵀: غنى القلب: ما يناسبه من تحققه بالعبودية المحضة، التي هي أعظم خلعة تخلع عليه، وأعظم هبة توهب له، وأعظم عطية تعطى للعبد: وهي أن يتحقق قلبه بالعبودية المحضة لله ، فيستغني حينئذٍ بما توجبه له هذه العبودية من المعرفة الخاصة -أي: بالله عن علمه بالله وأسمائه وصفاته، والمحبة الناصحة الخالصة: أن يكون محباً صادق المحبة، ناصحاً في محبته، مخلصاً لها من كل شوائبها، يحب الله من كل قلبه.
وفي حديث ضعيف: أن النبي ﷺ أول ما أتى المدينة قال: (أحبوا الله من كل قلوبكم)، وهذا المعنى ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، فأول وصية في التوراة، وأول وصية قالها المسيح ﵇: الرب إلهنا، رب واحد، رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك.
يقول ابن القيم: تستغني حينئذٍ بما توجبه هذه العبودية من المعرفة الخاصة، والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل من آثار الصفات المقدسة الإلهية، فإذا استحضر -مثلاً- اسمه السميع، وصفة السمع، واستحضر استماع الأصوات كلها له كصوت واحد وأنه يسمعها جميعها من أدناها إلى أقصاها على اختلاف اللغات، وتباين الألسنة، وتفاوت الحاجات، وهو يسمع ما خفي منها وما ظهر، وما أسر وما أعلن فإن ذلك يجعله معظماً لربه ، ويجعله مراقباً له في كلامه، ويلتفت إلى كل كلمة يقولها؛ لأنه يستحضر أن الله يسمعها، ويستحضر كذلك أنه سميع الدعاء، كما قال إبراهيم ﵇ منكراً على قومه عبادة من لا يسمع الدعاء: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢].
فيستحضر في نفسه كم مرة دعا الله فسمع الله دعاءه، واستجاب له، وفرج كربه، وقضى حاجته؟ ويوقن بأنه إن لم ير له إجابة فهو إما قد صرف عنه من السوء مثلها، وإما قد ادخر له عنده من الفضل ما يتمنى يوم القيامة أنه لم يكن استجيب له شيء من الدعاء في الدنيا؛ لما يرى من الفضل، وهكذا في كل الصفات يحصل له من آثار شهود ملكوت السماوات والأرض، فإن الله هو المليك المقتدر، فيشهد القدرة والعزة، وأنه هو الذي أقدر العباد على ما بأيديهم، وأنهم لا يقدرون على شيء، وأنه على كل شيء قدير، فهو قدير على ذوات العباد وقلوبهم وأحوالهم وأفعالهم الاضطرارية والاختيارية، وهو قادر على الإحياء والإماتة، والإسعاد والإشقاء، وتفريج الكربات، فهو يفعل ما يشاء.
стр. 109
تأملات في آثار صفة الرحمة
ومن يتدبر آثار الصفات في الكون، ويتأمل صفة الرحمة، وأن رحمته قد وسعت كل شيء، ويتدبر الرحمة المخلوقة التي يرى آثارها في هذا الوجود، فمثلاً: يرى رحمة الدابة التي ترفع حافرها عن ولدها، ويتدبر رحمة الأم لأولادها، فمثلاً: تجد البقرة في حنان عجيب على ولدها بعد ولادتها، وتأمل كل أم آخذة ابنها تحضنه وتحميه، بل ومستعدة أن تعمل كل ما تستطيع عمله لأجل وليدها، وتأمل كيف أن كل أب أيضاً عنده رحمة عجيبة بأبنائه، ثم تخيل أن كل الرحمات هذه التي بين الوحش والحيوانات الأليفة وغير الأليفة، وبين البشر منذ خلق آدم إلى يوم القيامة، وما سوف يأتي من رحمة في هذه الأرض كلها، كل ذلك أجزاء من الرحمة الواحدة التي أنزلها الله!! فالله جعل هذه الرحمة المخلوقة بين الخلق في هذه الحياة ليتراحموا بها، قال النبي ﷺ : (إن الله جعل الرحمة مائة جزء، فأنزل منها جزءاً، فبها تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وادخر تسعة وتسعين ليوم القيامة)، فكم من الرحمة مدخرةً! بل كيف بالرحمة التي هي صفته ، أما هذه الرحمة المخلوقة فهي من آثار اسمه الرحمن، وتصور الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين، وكيف أنه رحمهم حتى أخذ بقلوبهم إليه، وجعلهم يحبونه، وجعل في قلوبهم من المعرفة والأنس به والشوق إليه ما لا يدركون معه فضلاً أعلى من ذلك؟ وانظر إلى رحمة الله بإرسال الرسل، وما أنعم به عليهم من الصفات الطيبة، وجعلهم رحمة للعالمين.
وتأمل في قول جبريل ﵇ لمريم وهو يتكلم عن عيسى ﵇ كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، فالمسيح ﵇ رحمة عظيمة جداً رحم الله بها أهل زمانه من القساوة التي كانوا فيها، ومن الغلظة والغضب الذي حل على بني إسرائيل، وعدم استجابتهم ليحيى ﵇ وقتلهم إياه، فهم الذين تسببوا في قتل يحيى -كما يذكرون في قصصهم- من أجل امرأة زانية.
وتأمل كيف أن سيدنا يحيى ﵇ صاحب الحنان والتقوى والنقاء يلقى في السجن مدة طويلة -وهو العبد الحصور التقي البر- من أجل امرأة بغي، ويقتل من أجلها بعد ذلك! فكان سيدنا عيسى ﵇ رحمة للعالمين، ورحمة للأرض مدة طويلة جداً، وقروناً متعددة، ولم يزل ﵇ رحمة؛ وذلك بسبب بركة دعوته إلى الإسلام عندما ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويخلص الأرض من شر المسيح الدجال، ويخلص الأرض من شر أتباعه اليهود، ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فمن لم يسلم في زمنه قتل، ولا يقبل الجزية، وترد البركة إلى الأرض، ويهلك الله بدعوته يأجوج ومأجوج، ويقال للأرض: ردي بركتك، وأنبتي ثمرتك، وهذا الخير العميم يكون بتطبيقه لشرع الله في زمنه.
стр. 110
رحمة الله للمسلم والكافر بإرسال رسول الله ﷺ
وتأمل رحمة الله بأهل الأرض بإرسال الرسول ﷺ الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فهو ﷺ رحمة للمؤمن وللكافر، فهو رحمة للمؤمن لأنه يجد ما لا يمكن أن يوصف بالقرب من الله ، والعبودية له ، وهذه الشريعة العظيمة هي أعظم نعمة ينعم بها على مخلوق، ورحمة للكافر لأن الكفرة يتعذبون بمخالفتهم الشرع، ولذلك فهم يشقون أعظم شقاء في دنياهم لعدم اختيارهم الإسلام، لكنهم عاشوا في ظله في عدالة وإنصاف، وانظر إلى البشر يوم أن تسلط عليهم أهل الإسلام، وكيف حصل لهم الخير العميم؛ ولهذا أسلم أكثر هؤلاء الكفرة، ودخلوا في دين الله أفواجاً، ولم تقهر هذه الأمم التي غلبت على الإسلام، وإنما كان هذا الدين زوالاً للحجب عنها، ولذلك فقد أسلمت عامة هذه الشعوب، وظلت مئات السنين مسلمة، فلما كان يومنا هذا بدأ الكفار يزعزعونهم عن الإسلام بكل وسيلة، حتى إنه يقتل الملايين منهم والناس لا تتزعزع عن الإسلام ولله الحمد إلا ما ندر، فالذي حصل مثلاً في الدول الشيوعية من مذابح بالملايين قتل فيها المسلمون وبعد كل هذا نجد المسلمين اليوم في هذه الدول ما زالوا على دينهم آية من آيات الله، ولذا نقول: إن الرسول رحمة للعالم كله.
стр. 111
أمثلة لجرائم الغرب في حق البشرية
ولما تسلط الكفرة من اليهود والنصارى والمشركين على البشر قتلوا الكثير منهم، ودمروا الأرض وأبادوا خيراتها، ففي الحرب العالمية الثانية قتل خمسة وخمسون مليون إنسان، وهذه قضية فوق الطاقة، وفوق التخيل، ألا ترى أن المسلمين في كل حروبهم التي خاضوها عبر التاريخ لم يبلغ عدد الذين قتلوا من الكفرة في كل الفتوحات العظيمة التي سببت الخير للأرض إلا بضعة مئات من الألوف عبر كل العصور، فأكثر المعارك قتل فيها قرابة ثلاثين ألف كافر فيما فر الباقي واكتب بعد ذلك المواقع التي هي أقل من ذلك، بضعة مئات من الألوف لا أكثر، فلما سيطر الغرب قتل في خمس سنين فقط خمسة وخمسون مليون إنسان، ففي يوم واحد قتلوا مئات من الألوف في هيروشيما ونجازاكي، وكل هذا حتى يكون الملك للأمريكان، والعياذ بالله.
وقد كان يراد قبل هذا الملك لـ هتلر، ثم للأمريكان، والروس لما أرادوا أن يعملوا الثورة البلشفية قتلوا ملايين البشر في كل البلدان التي أخذوها الإسلامية منها والآسيوية والأوربية، سبحانك ربي! فهذا شقاء عجيب! وانظروا إلى اليهود اليوم فبسيطرتهم على العالم سببوا شقاءً لشعوب الأرض إلى حدٍ لا يتصور، هذا حتى تعلم أن ربنا جعل محمداً ﷺ رحمة للعالمين، فيجب أن تتأمل آثار هذه الرحمة، وتستشعر اسم الله الرحيم.
وتأمل أيضاً صفة الرحمة الخاصة بالخلق، فلا تكاد تذكر بجوار صفة الرحمن سبحانه، وما يعطي خلقه من رزق ومطر ونبات وغيرها من آثار اسمه الرحمن .
وكذا تأمل اسم الرحمن في ضوء قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤] وفكر معي، فلو أننا لا نستطيع الكلام والتعبير عما بداخلنا فكيف سيكون حالنا؟ هل كنا سنعرف كيف نقضي مصالحنا؟ أبداً، وانظروا إلى مركز عيوب الكلام في المستشفى الجامعي حتى تعرفوا حجم الصدمة التي نزلت بالأمهات والآباء الذين أولادهم لا يستطيعون الكلام وكم يقاسون في سبيل ذلك بلاءً عظيماً، فلنوقن بأن آباءنا هم من علمونا الكلام، نعم فقد كانوا يتكلمون أمامنا لكن كل الناس البكم أيضاً أمهاتهم وآباؤهم يتكلمون أمامهم، لكننا الذين منّ علينا ربنا بالقدرة على الكلام، فهل نستطيع أن نغير ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٤]، من الرحمة العامة لكل الخلق إلى رحمة الله الخاصة ببعض عباده بتعليم القرآن أو ما تيسر منه؟ لا؛ لأن انتشار القرآن رحمة للخلق جميعاً مؤمنهم وكافرهم، لذا قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١ - ٢]، فاسم الرحمن دال على الرحمة العامة، واسم الرحيم دال على الرحمة الخاصة الدينية المتعلقة بالرحمة الأخروية، فكل ما يحصل للقلب جراء تدبره آثار الصفات، وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات لكل صفة على الانفراد، ومجموعها قائمة بالذات الإلهية، يساعد على استغناء هذا القلب.
стр. 112
القلب الحي والقلب الميت
قال الله سبحانه: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧]، فقد شبه الله الوحي النازل من عنده بالماء النازل على الأودية فيتسع كل وادٍ على قدر حجمه من المطر النازل، فالقلب كهذه الأودية، والماء النازل من السماء كالوحي الداخل إلى القلوب، فالقلوب الكبيرة بكبرها والصغيرة بصغرها، ومعنى بقدرها؟ يعني: أن كل واحد له نصيب بحسب حجمه، فهناك قلوب كبيرة امتلأت إيماناً وعلماً وحكمة، وهناك قلوب صغيرة لا تتسع لشيء من ذلك، وهناك أراضٍ هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فلا تنتفع بالقرآن العظيم، فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره إلى مولاه استغنت النفس غنىً يناسبها، وذهبت عنها البرودة التي توجب ثقلها وكسلها، فتصبح باردة ضعيفة الانفعال، أو عديمة الانفعال، كشيء جاف ناشف متثلج، وهذا مثال جيد يعني: أن الناس الذين لا يتحركون ولا ينفعلون من أجل الإسلام، ولا من أجل نصرته، ولا العمل له، فهؤلاء يعيشون في ثلاجة غرق الدنيا، فهم في برودة لعدم الحركة، تائهون في ظلمات الكسل، وعدم الحركة توجب العجز المذموم، وتوجب الثقل، وتوجب الإخلاد إلى الأرض، وتذهب الطمأنينة عن النفس، فلا توفر لها حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر والنواهي، أي: في اجتناب الزواجر، وفي فعل الأوامر، فالنفس التي هي عديمة الحركة دائماً تطلب صحبة عباد الشهوات، وصاحبها يفكر دوماً في كسب المال، أو مضاجعة الشهوات الأخرى، كالرياسة والملك والنساء، فلا يفكر أن يصحب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يستحضر صحبة الملأ الأعلى والملائكة وصفاتهم الجميلة، وكمالهم الذي جعله ربنا فيهم ليكونوا قدوة للبشر.
ولو سمعت سيرة من تقدم لارتحت وتنعمت في الدنيا إن عملت بعملهم، فكيف وقد صحبهم الرسول ﷺ وهو الأفضل منهم جميعاً، ولذا كان يقول: (اللهم في الرفيق الأعلى)، فقد صارت لهذه النفس المؤمنة حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى، أما النفس التي هي عديمة الحركة فقد صارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها، بعد أن كانت برودتها في الأوامر الشرعية، فهي لا تتحرك، فليس الشرع هو الدافع والمحرك الحقيقي لها، وإنما الدافع لحركتها هو الشهوات؛ لأنها بحاجةٍ إليها كحاجة السيارة إلى البنزين، فهذه النفس مقصودها من حركتها قضاء حاجتها من المطعم والمشرب ونحوه لكي تستمر في الحياة؛ لأنها أصلاً لا تعيش إلا لأجلها في نظرها، فلذا صارت البرودة في الشهوات، وفي الحظوظ النفسية التي هي الكلام وسط الناس بالرعونة التي تأتي بالقرارات الغبية، فمرة مشرقة، ومرة مغربة لا يعرف الصواب منها من الخطأ، ولو أنه يفكر ويتدبر في الذي دعاه لاختيار كذا، وهل أريدها لنفسي أم لربي؟ فأكثر الناس يتخذون قراراتهم بدون تركيز، وحياتهم كلها على هذا المنوال، وفي الحقيقة فكثير منا في حياته على هذا النحو، فلا نفكر في نفوسنا ولا نفتش الدوافع التي جعلتنا نفعل هذا؟ فتتخذ قرارات رعناء، فتكون سبباً مؤثراً في رعونة النفس وبرودتها، وبهذه القرارات أيضاً تكون النفس حاملة لليبوسة والجفاف والقسوة والغلظة المضادة للينها وسرعة انفعالها لأجل دينها، وقبولها له، فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال، لا تتأثر، وليس عندها قابلية للتأثر والانفعال لأوامر الله وللمواعظ التي توعظ بها، والقرآن يعظنا فهل نتأثر به أم لا؟ وعذرنا القسوة والغفلة.
стр. 113
قسوة القلوب
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣]، فمن ضمن آثار القسوة واليبوسة الطارئةِ على القلوب: تحريف الكلم عن مواضعه، وهل أنه يحرف الدين كما يريد؟ لا، إذاً: فهل المعنى أن يأخذ مصحفاً ويحذف آيةً ويضع غيرها؟ لا، وإنما يقول: هذا من الدين ولا يكون جاهلاً، كالطواف حول القبور، والموالد، بل إن عندهم من الدين أن تسمع كلاماً ولو كان باطلاً مخالفاً لشرع الله، فالدين عندهم أننا نحب اليهود والنصارى، وهم يذبحون إخواننا في كل مكان، فهل هذا هو الدين والعياذ بالله؟! أليس يوم القيامة يعادي الخليل خليله، والصديق صديقه بسبب إجرامهم؟ يقول الله تعالى مصوراً حالهم يومئذ: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فهذا حالهم والعياذ بالله.
فنقول: ليس الدين أن يستدل مستدل بالآية على أن فلاناً أو علاناً يكون حبيبه يوم القيامة، وآخر يقول: فلان صديقي يوم القيامة وهو من طواغيت الكفار، فهذا كله من تحريف الكلم عن مواضعه.
إن القسوة تحصل للإنسان حين يسمع آيات الله ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها.
فنقول: إن سرعة الانفعال والقبول للحق بأن يقبل ويتأثر، تجد إنساناً تنصحه مرةً فيتعظ ويتأثر، وآخر تنصحه عدة مرات فلا يتأثر لقسوة قلبه، فتصبح عنده برودة، وعدم حركة في الأوامر والنواهي، ولا يقبل النصيحة لقسوة وغلظة في قلبه، ومثل هذا من تجده قاسٍ على المؤمنين لا يرحمهم، وهذا نتيجة لقسوة القلب، والعياذ بالله.
ولو أن إنساناً يعذب حيواناً لأصبحت عنده قسوة قلب، قال النبي ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، فالله يكره القلب القاسي، ويعذب أصحاب القلوب القاسية، فكيف بمن لا يعبأ بآلام ملايين المسلمين؟!
стр. 114
أمثلة للرحمة وآثار القسوة
وقد علم الرسول ﷺ الصحابة الرحمة في امرأة كافرة! جعلت تبكي وتبحث عن صبيٍ لها حتى وجدته فألصقته ببطنها وألقمته ثديها، فقال: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا: لا، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
وقال النبي ﷺ في الطائر التي فصلت عن ولدها، فقال: (من فجع هذه بولدها؟! ردوا عليها ولدها)، ولذا حرم ﷺ التفرقة في بيع الإماء وأولادهن حتى لو كانوا كفرة؛ لأن هناك رحمة عامة، فكل هذه المشاهد هي ثمرات الرقة والرفق واللين لزوال القسوة، ولذلك لو أن بعض الناس ينتسبون للدين وكل همهم الطعن في الآخرين، ويصبح هذا هو الالتزام عندهم، لكانوا بعيدين عن الدين، فليست هذه هي الطاعة لربنا، تحت اسم محاربة أهل البدع من غير مراعاة لخطأ، ولا لتأويل، ولا لجهل، ولا لأي عذرٍ، كالخوارج، فإنك تجد عندهم قسوة عجيبة، فالغلاة في التكفير تجد عندهم قسوة ليست بقليلة، وكل نقطة تكفير فأصلها القسوة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، يعني بذلك: الخوارج.
فمناهج الانحراف كلها التي ليس فيها رقة على المؤمنين، ولا رفق بهم، ولا التماس الأعذار لهم ما أمكن، تشكل حالة من علامات القسوة.
стр. 115
التكفير والتبديع وضوابط كلٍ منهما
والتحذير من المنكر والبدع واجب، أولاً: لابد من وجود الموازنة بضوابط شرعية منها: التماس الأعذار في التعييب، فهناك فرق بين أن أقول فلان الفلاني مبتدع، وبين قولي: كلامه بدعة، أما صاحبها فنقول: هل استوفت الشروط فيه أم لا؟ وهل أقيمت عليه الحجة؟ هل وصله العلم؟ هل عنده خطأ؟ هل عنده تأويل؟ هل عنده إقرار؟ فننظر فيه من حيث شروط وموانع التبديع والتكفير.
والقضية هذه مذكورة في كلام السلف رضوان الله عليهم، من حيث الطعن في الآخرين بما فيهم أهل البدع، وسنجد الكلام كثير جداً في تعليم الناس الكتاب والسنة، وانظر المنقول عن الأئمة الأربعة، فالإمام أحمد من أئمة الجرح والتعديل، فهل الجرح والتعديل لم ينقل عنه أم أن مذهبه كامل وكذلك العقيدة الصحيحة؟ كل هذا نقل عنه، حتى لا نأخذ طرفاً من هديهم ونترك بقيته.
فالموازنة مهمة جداً، فمن كان عنده خير وشر، فإننا نكره الشر الذي عنده، ونحب الخير الذي فيه، فلا ننظر له من وجه واحد، فهذه المناهج التي فيها رعونة في التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل، وشغل الناس بهذه الأمور دون غيرها، وعدم تحقيق التوازن في العطاء، علامة من علامات القسوة الشديدة، فإن القلوب إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال، بعيدة القبول، لا تكاد تنقاد.
стр. 116
حياة القلوب بسقايتها من معين الوحي
فإذا سقيت القلوب بماء الحياة الذي أنزله الله على قلوب أنبيائه، وجعلها قراراً ومعيناً له؛ لأن قلوب الأنبياء مستقر فيها النور، ومستقر فيها ماء الحياة: وهو الوحي، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فجعلها معيناً ينبع منها الخير، فقلوب الأنبياء مدرسة لمن أراد أن يأخذ منها خيراً وحكمةً وهدياً، فاقترب منهم قليلاً حتى تنال منها معاني الإيمان التي فيها، ففاض منها -أي: من هذه العيون التي هي قلوب الأنبياء- على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم، فانقادت حينئذ قلوب الأولياء أتباع الأنبياء بزمام المحبة إلى مولاها الحق، أو انقادت النفس بزمام المحبة إلى مولاها الحق، مؤدية لحقوقه، قائمة بأوامره، راضية عنه مرضية له؛ لكمال طمأنينتها، أو مرضية له بكمال طمأنينتها قال سبحانه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
стр. 117
غنى القلوب باعتمادها على ربها
قال ابن القيم: فقوله أي الإمام الهروي في الدرجة الأولى وهي غنى القلب: إن سلامته من السبب أي: من الفقر إلى السبب وشهوده، والاعتماد عليه، والركون إليه، والثقة به.
فمثلاً لو أن أحدهم كان عنده رصيد في البنك، فصار مطمئناً لذلك ومعتمداً على ماله الذي في البنك فهل سيكون في نفس الدرجة من الطمأنينة إن لم تتوفر له هذه الأسباب؟ يقول النبي ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصاً وتروح بطاناً)، فلماذا اختار الطيور؟ فهذا المثال مهم جداً؛ لأن الطيور لا تدخر أبداً بعكس النمل وغيره، لكن الطيور تنام قريرة العين كل ليلة، وليس عندها ثلاجة أو مخزن تخزن فيه شيئاً من الطعام، ومع ذلك تنام مطمئنة تمام الطمأنينة.
تخيل أنت لو أن عندك في البيت ثلاجة فارغة، ولا يوجد لديك مخزون رز أو سكر، فهل تستطيع النوم وأنت مرتاح هكذا، ولا تعلم ماذا في الغد؟ فالطيور ليست مخبئة شيئاً لغدٍ، ومع ذلك فستصحو الصبح، وستسبح الله، وستنطلق إلى الذي يرزقها كل يوم، فالسلامة ليست موضوعاً سهلاً والله على صغرها، فلماذا يبقى المرء أحياناً مطمئناً؟ لأنه ترك لأولاده شيئاً مثل كل واحد يريد أن يطمئن على مستقبل أولاده، ونحن نقول: ليس الادخار حراماً، لكن المشكلة كلها في أننا لا نسلم من الاعتماد على الأسباب حين نأخذ بها؟ فمن كان معتمداً على سبب غناه، واثقاً به، لم يطلق عليه اسم الغني؛ لأنه فقير إلى الوسائط، بل لا يسمى صاحبه غنياً إلا إذا سلم من علة الاعتماد على السبب واعتمد على المسبب استغناء بعد الوقوف على رحمته وحكمته، وبعد مشاهدة أنه الرحمن الرحيم، وتصرفه وحسن تدبيره ، فبذلك يصير صاحبه غنياً بتدبير الله سبحانه، فمن كملت له السلامة من علة الأسباب والمنازعة للحكم بالاستسلام له، والمسالمة أي: بالانقياد لحكمه؛ حصل الغنى لقلبه، فإذا وقف العبد على حسن تدبيره ورحمته وحكمته واستغنى القلب به، لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف، وإن لم تنضم إليه المسالمة للحكم: وهي الانقياد له، فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار، يعني: أنك الآن ما فوضت وتركت الأمور لربنا، بل تقول: أنا سأدبر لنفسي! وأختار هذا، ولا اختار هذا، أنا أريد هذه ولا أريد هذه، أريدها كذا ولا أريدها كذا، هذا لا بأس به في الأمور الدنيوية، لكن المفروض في الأمر الشرعي أن تريد ما شرعه ربنا ، كما قال : ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]، فرعونة الاختيار أن الإنسان يختار لنفسه أشياء عميقة جداً، فيتخير من أوامر الله ما يوافق هواه، ويقول: هذا الذي يريده ربنا، ويتشكك في دين الله قائلاً: لماذا الله يريد هذه ولا يريد هذه؟ فطالما أنه يتضايق من أمر ربنا وقدره فسيكون الله قد أوجب عليه أن يضيق صدره بالمحرمات والمعاصي، أليس كذلك؟
стр. 118
أوجه المحرمات والمعاصي
إن المحرمات والمعاصي لها وجهان ننظر إليها منهما: الكفر والمكر، فوجه يضيق بالمنهي عنه؛ لأن الله حرمه، ووجه آخر ينظر إليه بأنه حكمه وقدره، وأنه كله في خوض الأمر الرباني، أما أصحاب الوجه الأول فقد أمر الله رسوله ألا يحزن عليهم: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، وهذه الآية عجيبة الشأن، فقد كان الرسول ﷺ بلا شك يضيق صدره بالإيذاء، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧ - ٩٩]، لكن ربنا نهاه عن هذا الضيق، وفطرة الإنسان بأنه يضيق وتأتيه الخواطر، والأنبياء بشر من البشر، فليسوا منزهين عن هذه الخواطر، مثلما حدث لسيدنا موسى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧]، ثم بعدها جاء التثبيت من الله ، وزال ذلك الخوف، وتكلم بعد ذلك بالكلام العظيم الرائع، وهنا أخبر ربنا أن النبي ﷺ كان يضيق صدره بما يقولون حرصاً على إيمانهم، لكن ربنا يقول: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]، فمن الذي يستطيع أن يسمع إذاً تخطيطات الأعداء، وإعداداتهم، ومكرهم، ويصبح فعلاً يمتثل: ((وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ))، ويعلم أن الكفار إنما هم في لعب، كما قال سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف:٨٣]؟ فتأمل هذه اللطيفة وتخيل هذا العالم الذي لا يزال يمكر بالإسلام وأهله، ويخططون في الشرق وفي الغرب للفتك بأهل الإسلام، فقال الله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف:٨٣]، وكل هذا بسبب الاستسلام للحكم وهو: أن تشهد أن الله أمرك أن تحب ما شرع، وتكره ما يخالف الشرع، ولكن في نفس الوقت تشهد قضاءه وقدره فترضى بتدبيره ، وتعلم أن ما يقدره على بعض العباد من المخالفة للشرع فإنه يجعل من ورائه خيراً كثيراً، فترضى عن الله في كل ما فعل، حتى خلقه للشر وليس بشر، فالخير كله في يديه، والشر ليس إليه، فليس الشر من صفته، ولا من فعله، نعم خلق الله الشر ولكنه قدر من وراء وجود الشر من أنواع الخير ما لم يكن محتملاً وجوده إلا بوجود هذا الشر، فلأجل ذلك قدر الله هذا الأمر المكروه له ، والمكروه لعباد الله المؤمنين، ولكنه يعطيهم من أنواع العبودية ومن أنواع الخيرات ما لا يمكن أن تحصل لهم إلا بواسطة هذا الأمر المؤلم من الشر، كالمنازعة بالحكم إلى حكم آخر، فأحياناً تجد الواحد قد لا يعمل حساباً لمثل هذا، وأنت إن ابتليت قد لا تطمئن لهذا، لكن لا تعترض على هذا القدر من المرض الذي حصل لك ونحوه من البلاء، فالذي حصل فيه خير كثير لك، ولا تطلب البلاء؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (سلوا الله العافية)، وقال: (اللهم إني أسألك اليقين والعافية).
فهل تتصور أنه لن يأتيك بلاء؟ لا، فسوف يأتيك بلاء لا تطلبه أنت، لكنه سوف يأتيك لوحده بإرادة الله وبتقديره، فاصبر، وقبل هذا لا تطلبه، لكن لا تقل إن نزل بك بلاء: أنا متضايق من هذا، وكأنك تريد أن يجعل لك الاختيار وتقول: أنا أريد هذه ولا أريد هذه، فيصبح عند الإنسان سخط وجزع بدرجة ما، وهذا هو المذموم، وهذا سبب شقاء الإنسان، فلو أن الإنسان ما غضب أن الله قدر هذا لرأى من وراء الألم هذا أنواع خير كثيرة جداً، كما قال ابن مسعود: حبذا المكروهان: الموت والفقر والغنى.
وما أظنه يعني إلا هذين الأمرين المطلوبين عنده: الموت والفقر والله أعلم؛ لأن الموت يستريح به من هم الدنيا، وهو لا يريد أصلاً؛ لأنه فوض أمره لربنا ، (اللهم أحييني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خير لي)، ويعوذ بالله من الفقر إلى العباد، ولو لم يكن معه إلا قليل من المال يستفيد منه لكان أحب إليه من أن يحتاج إلى أحد فلا يلبى.
стр. 119
تسليم الأمر لله من كمال الإيمان
يقول: ومن كان فقيراً إلى شيء لم يرده الله ولم يشرعه لم يطلق عليه اسم الغني.
فلا يتم الغنى إلا بتدبير الله سبحانه لعبده، وبالمسالمة لحكمه، والوقوف على حسن تدبيره، فاشهد فضل الله عليك، وأن الله يمكر لك، فهو يدبر لعبده المؤمن ما لا يحسن العبد، ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر: وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الرب ، فمسالمة الحكم تأتي بترك المنازعة لله والخلاص من الخصومة مع الخلق، فإن منازعة الخلق على الحظوظ الدنيوية والتقاتل معهم عليها دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة، وهي: الحظوظ العاجلة، ومن كان فقيراً إلى حظ من الحظوظ العاجلة يسخط ويخاصم الخلق عليه فإنه لا يطلق عليه اسم الغريب في الدنيا حتى يسلم الخلق من خصومته؛ لكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولي تدبيره، فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علة منازعته لأحكام الله سبحانه، ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظه، استحق أن يكون غنياً بتدبير مولاه، مفوضاً إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئاً من أحكامه، ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه، فتكون مخاصمته لله وبالله، كما في الحديث: (بك خاصمت وإليك حاكمت)، فتكون محاكمته إلى الله، كما كان النبي ﷺ يقول في استفتاح صلاة الليل: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت)، فتكون مخاصمة هذا العبد لله لا لهواه وحظه، فيرد خصمه في المحاكمة إلى أمر الله وشرعه لا إلى شيء سواه؛ فمن خاصم لنفسه فهو ممن اتبع هواه، وانتصر لنفسه، ولقد قالت عائشة ﵂: [ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط]، وهذا لكمال عبوديته، ومن حاكم خصمه إلى غير الله ورسوله ﷺ فقد حاكم إلى الطاغوت، وقد أمر شرعاً أن يكفر بالطاغوت، ولا يكفر العبد بالطاغوت حتى يجعل الحكم لله وحده، يعني: في الواقع الموجود إذا حكم الله بأمر فاجعل لهذا الأمر في قلبك مكاناً، فأنت إذا ابتليت بأنك تريد أن تختار فهل تتحاكم للشرع أو لغيره؟ فالأمر نافذ وأمر الله واحد ولا تحتاج معه إلى تكرار، فإذا أمر فنفذ أمره وحسب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠]، أي: مرة واحدة ليست تتكرر، ويمكنك أن تقول: افعلوا القضية الفلانية أو لا تفعلوها، فإن لم تعمل أتيت أنت وعملتها بيدك فلا تصلح معك، فتحتاج إلى أن تعملها وتجرب مرة ثانية، وتعيد المحاولة، لكن أمر الله مرة واحدة، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، ولذلك إذا أخر حاجة معينة فإنما هو لحكمته وإمهاله للكفرة والظلمة، ولحلمه ولعدله، ولأن ﴿يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج:٤٧]، وقد تأتي لحظة تنظر وفي طرفة عين ينتهي كل شيء كلمح بالبصر، لكننا ننسى تلك اللحظات، وننسى الطريق الطويل لهلاك الأمم، فعندما جاءت لحظة قوم فرعون غرقوا فيها، وما نفعه ما قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، لكن هذه الأحداث دائماً تنسى! فكل ملوك الأرض قبل هؤلاء الموجودين أين ذهبوا؟ كل واحد له لحظه يموت فيها، فإذا أمر الله بأمر إذا بأمم بأكملها تزول، وحضارات كاملة تختفي، والله يفعل ما يشاء.
стр. 120
الفرق بين حسن الظن بالله والغرور المذموم
ويجب أن نفرق بين حسن الظن بالله والغرور به، فالغرور: أن تسير في طريق الباطل والمنكر ثم ترى نفسك من أهل الجنة، وأن هذا من العدل، فهذا لا يستحق دخول الجنة، تراه في الطريق مطروحاً يقول: سأصل إن شاء الله، فهذا ليس حسن ظن، لكن حسن الظن أن السائر يمشي ويركب المواصلات ويقول: يا رب! وصلني، فهذا يحسن الظن بربه، فالذي يريد أن يدخل الجنة فلابد له أن يسير في طريق الجنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، أي: يسير في طريق الطاعة، ويعمل الصالحات، ويرجو الله أن يغفر له ذنبه وتقصيره، وأن يقبل عمله الناقص بفضله، فهذا يحق له إحسان الظن بربه، ولكن أن يسير في طريق المعاصي والفساد، ويحدث نفسه بالمغفرة والقرب التام، وهو لم يعمل شيئاً أبداً، ولا ضحى أي تضحية في سبيل الله، لا بشهوات، ولا بلذات، ولا براحة، ولا بذل جهداً لا في العلم، ولا في العمل، ولا في الدعوة، ولا في الجهاد، ولا في أي شيء، ويقول: أنا أريد أن أُصبح من المقربين لا أن يصبح مسلماً محافظاً بعض الشيء، نسأل الله العافية، ولذلك لما سمع ابن مسعود ﵁ رجلاً يقول: أنا أريد أن أكون من المقربين، ولا أريد أن أكون من أصحاب اليمين، فقال: ههنا رجل يود أنه لو مات لم يبعث، يقصد نفسه ﵁.
مثلاً: إذا لم تمتحن طالبة امتحانات شهرية في ثلاث مواد، وقالت لها المدرسة: إذا أحضرت شهادة مرضية فسوف تضاعف الدرجة الخاصة بك، فهل يجوز أن تصدر شهادة مرضية كذباً وزوراً؟ وقد قال النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، فكم ستأخذين بغشك هذا؟ وماذا سيكون لك في الآخر؟ فلا يجوز أن تكذب، بل إذا كانت مريضة فستأتي بالشهادة المرضية إذا كان سبب تغيبها هو هذا.
стр. 121
الأسئلة
стр. 122
حكم صوم التطوع عن الميت
السؤال
هل يصح صوم التطوع للميت؟
الجواب
نعم يصح ذلك؛ لقول النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه)، فإذا جاز في الفرض جاز في النفل بالأولى.
стр. 123
حكم صلاة المتنفل بالمفترض
السؤال
هل يجوز أن يأتم مفترض بمتنفل؟
الجواب
كان معاذ يصلي نافلة بقومه وهم يصلون العشاء، وكانت الصلاة يؤذن لها ويقام في مسجدهم.
стр. 124
حكم قراءة كل كلمة من القرآن بقراءة غير الأولى
السؤال
أحد الدارسين لعلم القراءات يقول بعدم جواز قراءة كلمة برواية داخل الرواية التي يقرأ بها، فما دليل عدم الجواز؟
الجواب
عندما يعلم الناس رواية، فيقول لهم: هذه رواية حفص عن عاصم فلا يقول لهم في الصلاة: إني سوف أقرأ لكم بقراءة حفص عن عاصم لا، فالقرآن عندما نزل على الرسول ﷺ أخذ يقرأ بهذه القراءات كلها، وأصلاً عاصم عمن أخذ؟ إذاً: فالصحابة ﵃ هم المرجع في اختيارات هؤلاء القراء فهو الذي اختار من كل هذه القراءات.
وقد حصل خلط عند الذين يدرسون علم القراءات من غير أن يرجعوا لفقه الأحاديث ما هو الفقه في ذلك، وما هو الذي لا يجوز؟ فالذي لا يجوز: هو أن يدخل قراءة في قراءة في تعليم هذه القراءة وفي الرواية بها، بل يقول لهم هذه رواية فلان.
أما التعبد سواء في التلاوة في الصلاة أو في غيرها فلا مانع بأن يقرأ بكل ما نزل من عند الله ، وكلها كاف وشاف.
ولو قال قائل: وما المانع من ذلك؟ فنقول: لأنها ليست من السنة؛ لأن الرسول ﷺ أقرأ هذا على هذا الحرف، وأقرأ هذا على هذا الحرف، فما كان يجمع للواحد في نفس الموطن بحرفين، ففعل هذا بدعة إلا للتعليم، يعني: أنا عندما أعلم رجلاً فأقول له: ورش يقرأ هكذا؟ وحفص يقرأ هكذا مثلاً، لكن في العبادة الواحدة لا يقرأ لهما الاثنين.
стр. 125
حكم خروج المسلم للحج من غير أن يترك قوتاً لأهله
السؤال
في كتب الفقه أنه لا يجب الخروج إلى الحج إلا لمن قدر أن يترك لأهله قوتهم حتى يرجع، فمن لم يفعل هل يجب عليه الحج؟
الجواب
لا، فيجب أن يترك لهم نفقتهم الواجبة، وإنما يجب عليه الحج إذا كان تاركاً لقوت أهله وعياله حتى يرجع، والله أعلم.
стр. 126
الأخذ بالأسباب المشروعة لا ينافي التوكل
السؤال
هل هناك تعارض بين هذا وبين التوكل؟
الجواب
هذه من أعمال القلوب، ونحن نقول: إن الرسول كان يدخر، لكن حال القلب مهم، فهل قلبه مطمئن إلى السبب؟ أم مطمئن إلى خالق السبب؟ وهل حالك عند عدم ادخارك كحالك حالة الادخار سواء أكان من حرام أم من حلال؟ أحياناً تكون الأمور غير متيسرة، فهل يصبح قلبه متعلق بها بنفس الدرجة أم لا؟ أما الادخار فقد كان النبي ﷺ يدخر لأهله قوت سنته ﷺ ، لكن تأتي له نفقات فينفق، ولذلك ما كانت تمر عليه السنة والقوت موجود، بل مات ودرعه مرهونة عند يهودي في صاعين من شعير، وقوم نبي الله يونس عندما لم يستجيبوا لدعوة نبيهم دعا عليهم سيدنا يونس، حتى إذا اقترب عذابهم عادوا إلى الله ، وتابوا، وأنابوا، فرفع عنهم العذاب، وكان ذلك رداً لعذاب الله، وقد كان مكتوباً في اللوح المحفوظ أنهم سيؤمنون فيرفع الله عنهم العذاب، لكن لو لم يتوبوا لنزل بهم العذاب، (والدعاء يرد القضاء)، كما قال النبي ﵊، أي: القضاء الذي قدر الله ألا ينزل؛ لأن القضاء نوعان: النوع الأول: قضاء قضى الله أن يقع.
النوع الثاني: قضاء قضى الله أن يرد.
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
стр. 127
الصبر على البلاء
البلاء في الحياة سنة إلهية، ومنه بلاء الرسل بتكذيب المرسل إليهم، وبلاء الدعاة بإعراض المدعوين، ولكي تخف وطأة البلاء بالتكذيب والإعراض ذكر الله تعالى في القرآن الكريم جملة من القصص المتعرضة لمواقف الرسل مع أقوامهم إجمالاً وتفصيلاً، وذكر الله تعالى فيها ما وجه به المرسلين، وما كان منهم حال التكذيب، وقد بين الله تعالى في كل قصة منها العاقبة الأخيرة في الدنيا لهذا الصراع، وهذا كله تثبيت وسلوى لكل داعية حال صراعه وجداله مع الباطل.
стр. 128
البلاء سنة إلهية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن الله يبتلي العباد بالخير والشر، امتحاناً لهم وفتنة، يختبرهم بهما وهو الذي يقلب الليل والنهار، وهو الذي جعل الأيام بين الناس دولاً، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤٢].
فالله جعل الأيام دولاً بين الناس، بين الذلة والتمكين، بين القوة والضعف، بين الفقر والغنى، كما جعل ذلك في الكائنات، حيث جعل الدولة بين الليل والنهار، وبين الحياة والموت، وهو بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣].
стр. 129
إجابة الله تعالى دعوات المتضرعين إليه
إذا تحقق العبد بالعقيدة في قلبه كما ينطق بها لسانه، وتضرع إلى الله بصوت ضعيف منكسر لا يجبره إلا الله وحده لا شريك له، وعلم أن الله سبحانه هو الجبار الذي لا يجبر الكسير سواه، والجبار الذي جبر القلوب شقيها وسعيدها، وانكسر للجبار سبحانه ولم يتجبر، وعلم أن عاقبة كل جبار هي الخيبة ولابد، كما قال تعالى: ((وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ))، فإذا وجد الله تعالى من عبده المؤمن ذلك فإنه يسخر ملائكته لتشفع له وتدعوا له، فتقول: صوت ضعيف من بلاد غريبة، فلا يزال يرفع منه إلى الله عمل صالح ودعوة متقبلة، فتشفع له الملائكة عند الله سبحانه، وهو الذي يسخرها، فيستجيب الله دعوة عبده، ويفرج كربه، كما قال عن يونس وهو في بطن الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]، فليست هذه الإجابة خاصة بيونس صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وليست خاصة بالأنبياء، بل لكل مؤمن تحقق بهذه الحقائق، وعلم هذا العلم وأيقن هذا اليقين.
فالله يستجيب لكل مؤمن في أي موضع كرب، ودعوة ذي النون لا يقولها مكروب إلا فرج الله كربه، فلنقولها جميعاً: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
стр. 130
العظة والعبرة في قصص المرسلين المبثوثة في القرآن الكريم
الله جعل في قصص أنبيائه ورسله النور والهدى، وجعل فيها اليقين والصبر، وجعل فيها الموعظة والعبرة، وجعل فيها التثبيت لقلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠]، وهذه سنة عامة ماضية في كل زمان وفي كل مكان، لا تجد لها تحويلاً، وهي سنة الله التي تمضي في خلقه، ومن يقرأ التاريخ، ويقرأ القصص فيه ويعتبر يجدها سنة ماضية لا تتخلف، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٤١]، فجعل الله في كتابه النور والهدى، وجعل في قصص أنبيائه ما يرشد المؤمنين إلى طريق الحق، وما يجب عليهم فعله في كل وقت وفي كل مرحلة من مراحل حياتهم ودعوتهم، فإنهم طالما صاروا على طريق الأنبياء فلابد أن تسير دعوتهم بنفس المراحل، ولابد أن يواجهوا نفس المواجهات؛ فإن الصراع بين الحق والباطل قديم منذ وجد الإنسان على ظهر الأرض، بل قبل ذلك، منذ كفر إبليس حقداً وحسداً لآدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأبى أن يسجد له واستكبر وكان من الكافرين، وبدأ يكيد للأبوين، كراهية وبغضاً وحقداً وضغينة، ففيه كل الصفات المذمومة، وورثها لمن تبعه من ذرية آدم فضلاً عن ذريته التي هي على طريقته وشاكلته والعياذ بالله! لذلك نقول: علينا أن نستلهم هدينا من القرآن العظيم، ومن نوره الذي يهدي به الله من يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]، وذلك لكي نبصر أين نضع أقدامنا؟ وما نصنع فيما يواجهنا؟ فإنا إذا حكمنا غير كتاب الله في هذا الموضع -سواء حكمنا العقول بغير نور، أو حكمنا العواطف بغير ضوابط، أو حكمنا آراء الرجال ومقاييسهم- فإننا سوف نضيع حتماً؛ إذ ليس لنا في الأرض من ولي ولا نصير، وحالنا هو الضعف والعجز والفقر، فعلينا أن نكثر من التضرع إلى الله ، فبذلك نقوى، وبذلك نبصر، وبذلك نرى الحق بفضله .
وقد صدق عبد الله بن رواحة حين قال: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا فالله جعل في قصص أنبيائه ورسله ما يرشد عباده المؤمنين إلى ما يلزمهم العمل به عندما تشتد عليهم الأمور.
стр. 131
وقفات دعوية بين الرسل وأقوامهم في سورة إبراهيم
ذكر الله قصصاً مجملة في سورة إبراهيم ﷺ ، وجعلها لكل الرسل، وهي كذلك كما ذكرنا؛ لأنها سنة واحدة، وطريقة ماضية، ولن تتغير طبيعة المواجهة بين الحق والباطل، فنتلمس من آيات الله ما يلزمنا أن نعمله عندما تشتد الأمور، ونتلو الآيات من سورة إبراهيم: قال الله : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:٨ - ١٨].
يذكر الله هنا غناه وحمده اللذين ذكر بهما موسى ﵇ قومه والناس جميعاً، فقال: ((إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ))، ثم قال تعالى: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ))، وهذا إما خطاب من موسى ﵊ لقومه، وإما كلام مستأنف، خاطب الله به من كان معاصراً للنبي ﷺ ولمن بعده.
стр. 132
بينات الرسل ورد المرسل إليهم لها
قال تعالى: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ)) فكم من الأجيال مرت؟ وكم من القرون مضت؟ وكم من العقوبات نزلت؟ وكم من الناس الذين تصارعوا؟ وكل ذلك أين هو الآن؟! فكما رحلوا هم سنرحل نحن أيضاً، وسيرحل أعداؤنا، وسنقف جميعاً بين يدي الله .
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ))، وكذب النسابون، فلا يُعرف من بعد هؤلاء على وجه اليقين، ولذلك نفوض علمهم إلى الله ، والفائدة ليست في الأشخاص والأمكنة والأزمنة، ولا في عدد القرون، وإنما الفائدة هي فيما كان من طبيعة هذا الصراع الذي دار وحصل، ويحدث مثله في كل عصر وفي كل حين.
قال تعالى: ((جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ))، فالرسل تأتي بالحجج الواضحة البينة التي هي أوضح من الشمس، وكل من دعا بدعوتهم كذلك يأتي بالبينات، ولكن ليست المشكلة في مدى وضوح البينة، ولكن في الأعين التي تبصر، وفي القلوب التي تعي، فكم من أناس لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها! وكم من أناس لا يرون البينات في حين يكون الطريق أوضح ما يكون، وتكون الحجة بينة قائمة، ومع ذلك فلا تقبل، ويكون الفرق بين العدل والظلم كما بين الليل والنهار، ومع ذلك يفضل أكثر الناس الظلم والظلام، والعياذ بالله من ذلك.
يقول تعالى: ((جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)) فهم إما أشاروا لهم بالسكوت، بحيث وضعوا أيديهم على أفواه أنفسهم حتى يسكت الرسل، وتتوقف الدعوة إلى الله ، وذلك يكون غالباً على سبيل التهديد والوعيد، وإما وضعوا أيديهم على أفواه الرسل لإسكات صوتهم ودعوتهم، ظانين أن دعوة الرسل يمكن إسكاتها بذلك.
ولذا فإن الدعوة قد تواجه بمثل ذلك، أي: محاولة الإسكات لها، إما بالتهديد والوعيد، وإما بالإسكات المباشر، بتكميم الأفواه بالفعل حتى لا يخرج للداعي إلى الله صوت، ومع ذلك فإن الدعوة ستبقى كما قص الله علينا، فلم تتوقف دعوة الرسل أبداً بمثل هذه المحاولات، وبقدر ما يكون الإنسان متمسكاً بدعوة الرسل -على وضوح منهجها، وعلى معالمها الأساسية، وعلى تفاصيلها، يلتمسها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ تبقى دعوته عبر الأجيال والعصور، وعبر الأزمنة والأمكنة بفضله ؛ لأنها دعوة الرسل التي لا تموت، وإنما يموت أعداؤها.
стр. 133
إعلان المكذبين الكفر والشك قبل البحث عن الحقيقة
فالله ذكر لنا أنهم أعلنوا كفرهم بقولهم: ((إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ))، والأصل أن الذي هو في شك من قضية ما، يدعوه ذلك في تصور العقل السليم إلى أن يبحث، لا أن يعلن الرد والكفر مبدئياً، وإنما يقول: أرونا الأدلة.
فقبل أن يقدم الكفر لا بد من أن يقدم البحث والنظر؛ لأنه في شك وهو مرتاب، فليبحث ولينظر، أما أن يسعى في إسكات صوت الحق، أو أن يعلن أنه قد كفر بالحق لمجرد أنه في شك، فهذا هو العجب.
إن الكفر أنواع متعددة، والشك واحد منها، ولكنهم قدموا ذكر الكفر على ذكر شكهم، وكان الواجب عليهم أن يقولوا: اعرضوا علينا هذا الحق لننظر فيه، فإننا نبحث عنه، اعرضوا علينا ما جئتم به لننظر فيه أهو من الحق أم من الباطل إذا كانوا في شك؟ وهنا سنعلم سبب كفرهم وشكهم، فسبب ذلك يظهر لنا أمراضاً في النفوس سوف تظهر جلياً بعد حين، فقد حاولوا الطعن في الدعوة أولاً، بأن شككوا فيها، وأن الدعوة ليست ببينة ولا واضحة، مع أنه قد جاءت الرسل بالبينات، ولكنهم لا يرون هذه البينات بينات، فعند ذلك حاولوا الطعن فيها، وقد واجهت الرسل هذه المحاولة من التشكيك في رصيد هائل في الفطرة من وحدانية الله، فهذه القضية رصيد موجود في داخل نفس كل إنسان؛ لأن كل امرئٍ قد أخذ عليه العهد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، فكل واحد عنده هذا الأمر، وقد أشهده الله على نفسه، فشهد أنه لا يستحق الإلهية إلا الله، وأخذ عليه العهد وهو في ظهر آدم، كما في حديث أنس عن النبي ﷺ قال: (يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقول الله : قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا أن تشرك بي)، وهذا العهد والميثاق ظهر أثره في فطرة كل إنسان، ففيه ميل إلى تحقيق التوحيد، ويلقى شقاءً في البعد عنه، ويشعر بالراحة والسكون إذا ذكر الله، ويشعر بالتعاسة والتعب والنكد إذا توجه إلى غيره.
وقد أخبر النبي ﷺ بهذه الفطرة، فقال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي رواية: (يولد على هذه الملة).
стр. 134
الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية
لقد واجهت الرسل تلك المحاولة من التشكيك في الدعوة ذاتها لهذه الحقيقة اليقينية، فقالت: ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ))، وفي تفسيرها قولان: الأول: أفي وجود الله شك؟ وهذا وجه ليس بظاهر؛ إذ عامة الأمم كانت تقر بوجود الله، وإنما تنازع في إلهيته وحده لا شريك له، وتنازع في أنه وحده الإله المعبود، فكانوا يجعلون آلهة معه، ومنكرو الربوبية قليل.
الثاني: أفي وحدانية الله في الربوبية والإلهية شك؟ وهذا أظهر، وهو متضمن للأول؛ لأنه إذا قررنا وحدانية الله رباً وإلهاً فهذا يتضمن إثبات وجوده بالأولى والقطع واليقين، وهذه الحقيقة هي أكبر اليقينيات، ولا يمكن أن يستريب فيها عاقل؛ لأن كل عاقل يوقن أن كل فعل لابد له من فاعل، وإذا رأى آثار الإحكام والإتقان على الصنعة فلا بد من أن يسلم بكون الصانع عالماً حكيماً قادراً، قد أتقن كل شيء صنعه، ولا بد من أن يكون له كل صفات الكمال، ومن ثم فهو وحده الذي يستحق أن يعبد، وهذه هي كبرى اليقينيات التي استقرت في نفوس البشر، ويحتاجون إليها أكثر من الماء والهواء، ويجدونها كالماء والهواء، فكل من أخذ نفساً وجدها كما يجد الهواء، كما قال موسى ﷺ لفرعون: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤]، فهذه أعظم اليقينيات، فمن كان موقناً بشيء فليوقن بوحدانية الله، وأنه رب السموات والأرض وما بينهما، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد.
وقولهم: ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) هو دليل توحيد الإلوهية، فقد استدلوا عليه بتوحيد الربوبية، فهو وحده الذي فطر السموات والأرض، أي: خلقهن على غير مثال سابق، ولا يمكن أن يقبل عقل إنسان أن السموات والأرض خلقن من غير خالق، ولا يقبل عقله بعد ذلك أن تصرف العبادة لغير خالقهن ولغير خالق العباد، فإذا قبلت أن هذه المخلوقات لابد لها من خالق، وقررت أن له صفة الكمال فلا بد من أن تقرر وتعتقد أنه لا يعبد سواه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، وتوحيد الرب في أفعاله التي آثارها ظاهرة جلية في الكون -من هذه المخلوقات، وهذه الصنعة المتقنة المحكمة وكل ما في السموات والأرض من آيات- أعظم دليل على أنه وحده الذي يستحق أن يركع له ويسجد، وأنه وحده الذي يرجى ويخاف، ويحب ويتوكل عليه، ويخضع له ويذل، ويرجى فضله وترهب عقوبته، ويتحاكم إلى شرعه.
ثم قال تعالى حكاية عن الرسل: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ))، وهذا هو الدليل الثاني، وهو: الرحمة والمغفرة والمحبة، وهذا دليل قد جربه الرسل، فذاقوا أعظم ما في الدنيا من لذة، حيث جربوا أنهم إذا تابوا إلى الله وقبلوا دعوته غفر لهم ذنوبهم، تلك الذنوب التي كانت ظلمات على القلوب، فلا تجعلها ترى حقائق هذا الوجود، ولا تجعلها تدرك صغر الدنيا وحقارة الأرض وما فيها، وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وكانت هذه الذنوب تحول بين القلوب وبين خالقها وبارئها، وبين من فطرت على محبته والشوق إليه، فلما زالت الذنوب بالمغفرة من عند الله ازداد أثرها، فوجدت القلوب أعظم ما يمكن أن يوجد في هذا الكون، وهو الشوق إلى الله ومحبته والرضى به رباً وإلهاً، كما قال ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً)، هكذا قال النبي ﵊، وهو دليل -كما ذكرنا- جربه الرسل، فقد جربوا طريق المحبة؛ لأن الذنوب حواجز تحجز القلوب، وران عليها، فلا ترى الحقائق ولا تشعر بها، فلما غفرت الذنوب واستجابت القلوب لدعوة الله -التي يدعوا بها عباده- وجدت عند ذلك شيئاً جديداً لم تكن ذاقته من قبل، وعرفت الطريق إلى الله، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]، فذكره سبحانه عند طلب الاستغفار منهم بذكر اسمه (الرب) مضافاً إلى ضمير المخاطبين، فقال: (ربكم)، وأما عند ذكر وده ورحمته فنسبه إلى ضمير المتكلم، فقال: ((إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)) وهكذا قالها صالح ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١] فقد جرب الطريق، وعرف حب الله ، ولذلك دعت الرسل أقوامهم إلى أن يستجيبوا لدعوة الله فقالت: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ))، وهذا يرقق القلب، فالله يريد بك الخير، ويريد لك أن تغفر ذنوبك، وأن تستجاب دعوتك، والله لا يريد لك الشقاء، والعجب أن فئة من الناس تظن أنها سوف تحرم -إذا التزمت- من لذة الدنيا، ونقول: لا، بل سوف تضاعف هذه اللذات، فهم ما جربوا الطريق، لذلك يرفضونه ويبتعدون عنه، ولو جربوه لذاقوا حلاوته، وعندما تخالط بشاشة الإيمان القلوب فإنها لا ترضى عنه بديلاً.
ثم قال تعالى: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى))، فلو آمنتم فإنه سيمتعكم متاعاً حسناً، والله علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله : ﴿َإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]؛ لأن الذي لا يتأخر ولا يتقدم هو الأجل الذي في علم الله، وهو في اللوح المحفوظ، وأما ما لم يكن فهذا أجل مسمىً آخر، فعند الله علم أنهم لو آمنوا لمتعهم الله، كما قال عن قوم يونس ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، وكان هذا أمراً مقدراً أيضاً، والله كل شيء عنده بمقدار، وقد علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فلو أنهم آمنوا لكان لهم مصير آخر، وهو المتاع إلى أجل مسمى عنده .
стр. 135
الحقيقة الكامنة وراء تكذيب الأمم لرسلها
ثم قال تعالى: ((قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا))، وهو ذلك الداء العضال، وهنا بدأت تظهر حقيقة المرض، فلماذا يرفضون الدعوة إلى الله؟ إنهم يرفضون الدعوة إلى الله للحسد الذي في قلوبهم، فقالوا: ((إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا))، وإنك لتلمح من وراء ذلك حقيقة المرض، فهم لم يصرحوا بقولهم: لماذا أنتم الذين اصطفيتم واختصصتم بالوحي دوننا؟! لقد كان ينبغي أن يكون الوحي لنا وليس لكم، وليس لكم علينا فضل.
وكل هذه كلمات تدور حول الحقد والحسد؛ لأنهم في حقيقة الأمر يرون أنفسهم أولى بالوحي، وأولى بأن يكونوا هم الرسل، ألم تسمع لقول المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، ألا ترى قول فرعون وهو يقارن بين نفسه وبين موسى ليدلك على حسده لموسى، حيث قال عنه ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٤]، فهو يحسد في الحقيقة موسى، وهذه المقارنة التي عملها فرعون يدعي فيها بأنه ليس مع موسى مال كثير، وفي لسانه لثغة فلا يستطيع أن يبين، والحال أنه قد بين موسى، فما المشكلة؟ إن المشكلة الأخرى أن موسى ليس عنده ملك مصر، والأنهار لا تجري من تحته، ففرعون يشعر بأن الناس لم يعطوه حقه، مع أنه ليل نهار كان يقول: ((أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ))، ثم يقول: ((أَفَلا تُبْصِرُونَ))، فكان يراهم أنهم لا يرون ما ينبغي له من التعظيم، ويرى قلوب المؤمنين قد التفت حول موسى وهو لا يقبل ذلك، فوجدت طائفة من قومه تقبل هذا الاستخفاف وتطيعه على ذلك فأهلكهم الله .
وهنا يحكي عن هؤلاء قولهم: ((قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا))، فالذي يدلنا على حقيقة المرض هو أنهم يحسدون الرسل على ما آتاهم الله من فضله، ويريدون أن يكونوا هم أهل الوحي والرسالة، كما هو شأن الكفرة مع الرسل دائماً، ويقولون أيضاً للمؤمنين: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣].
وهذه مسألة ثانية يحاولون بها الطعن في الرسل بعد أن فشلوا في الطعن في دعوتهم، فقد قالوا: ((وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ))، وقد بينت الرسل أن توحيد الله أعظم اليقينيات، فحاولوا الطعن في الدعاة إلى الله فقالوا: إن أنتم إلا بشر مثلنا فيكيف تتفضلون علينا؟! فالشبهة الثانية التي طرحوها هي أن الرسل خالفوا العادات والتقاليد، ويريدون أن يغيروا دين الآباء، وتغيير العادات والتقاليد هو أعظم جريمة عند الناس.
فهذه الشبهة الباطلة هي أعظم ما يكفر به كثير من الناس، وهي الشبهة التي بها كفر أبو طالب وظل على كفره مراعاة لها، ورسول الله ﷺ يدعوه ويقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، وأبو جهل وعبد الله بن أمية على رأسه يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
مع أنه يعلم صدق رسول الله ﷺ ، ويعلم أن دينه خير دين، ويقول: لولا أن يقول الناس: حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك.
فالنظم الموروثة والتقاليد التي نشئوا عليها يصعب عليهم فراقها، ومن ذلك قول فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] فكل طاغية لا يقبل أن يكون هناك تغيير ولا تعديل لما نشأ عليه، مع أنه ليس عنده دليل عليه ولا حجة، وإنما هو مجرد التقليد الأعمى، والعياذ بالله.
стр. 136
اقتراح المكذبين حصول المعجزات وتكذيبهم لها بعد حصولها
ثم أخبر تعالى عن تلك الأمم أنهم قالوا لرسلهم: ((فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ))، يريدون المعجزات المقترحة، يقترحون أن يجعل الصفا ذهباً، ويقترحون ناقة تخرج من بطن الجبل، ويقترحون أنواعاً من المعجزات على قدر عقولهم السخيفة، مع أن البينات قد أتت، والرسل قد وضحت، ولو أتى الرسل بآلاف المعجزات فإنهم لن يؤمنوا، فقد أتت الناقة لقوم صالح فهل آمنوا؟ وقد رأى الناس معجزات موسى وعيسى، ورأى فرعون بعينه السحرة يسلموا؛ مما شاهدوه من معجزة العصا، فهل آمن؟ ورأى الآيات تلو الآيات، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، ورأى البحر ينشق أمام عينيه بضربة من عصا موسى، فهل آمن؟ إنهم لا يؤمنون مع وجود السلطان المبين الذي يزعمون أنه إن حصل قبلوا وآمنوا، فهؤلاء لا يؤمنون أبداً، وهذا مرض في القلوب.
стр. 137
بيان الرسل حقيقة بشريتهم
قال تعالى: ((قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)) وهذا محاولة علاج لذلك الحسد، وهو أن ينظر الإنسان إلى منِّ الله وفضله عليه، فهو الذي قسم ، وهو الذي أعطى ، فإذا منَّ الله على عبد، فلماذا تعترض على منِّ الله؟! فالله يمن على من يشاء من عباده، كما قال : ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢]،
و
الجواب
أنها رحمة من الله، فهو الذي خص برحمته من شاء ، فلماذا يكون الحسد والحقد.
ثم قال عن الرسل: ((وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)) ما كان لنا أن نأتي بآية ومعجزة إلا بأن يأذن الله بذلك.
стр. 138
التوكل في حياة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) [آل عمران:١٢٢]، فأعظم سلاح يستعمله أهل الإيمان أنهم يتوكلون على الله ، فهذا هو الواجب الذي لا ينفك عنه وقت، ويتأكد عندما تشتد الأمور، ويتأكد عندما تزداد المحن، كما قال في شأن موسى وفرعون: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٧ - ١٢٨]، فالاستعانة بالله أعظم ما يواجه به أهل الإيمان من المحن ومن الكربات.
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) وقدم الجار والمجرور ((وَعَلَى اللَّهِ)) للاختصاص والاهتمام، أي: على الله وحده، كما قدم المفعول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] للاختصاص والاهتمام، أي: نعبد الله وحده ونستعين به وحده، ولأننا نهتم بهذا الأمر أعظم اهتمام، وكما قال مؤمن آل فرعون عندما دعا قومه صراحة إلى الله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦]، والتوكل على الله درجات، فمنه التوكل على الله في أمر الرزق، وهذا توكل الطيور والبهائم والكائنات، ولو توكل بنو آدم على الله حق توكله لرزقهم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً، وهذا توكل ربما يكون من الكفرة والعصاة والفسقة، وتوكل المؤمنين أعظم، فهم يتوكلون على الله في طاعته، ويتوكلون على الله في توفيقه لهم، وأن يعينهم على مرضاته، وأن يبعدهم عن معصيته، ويوقنون بأنهم لا يهتدون إلا أن يهديهم الله، ويتوكلون عليه في أن يصلوا بسلام إلى دار السلام، ويتوكلون على الله في أن ييسر لهم دخول الجنة، وتوكل الرسل عليهم الصلاة والسلام وخاصة أتباعهم على الله في نصرة الدين، وهداية الأمم، واستخراج من يعبده لا يشرك به شيئاً من بين ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، والله جعل هذا أعلى التوكل، وهو التوكل على الله لأجل نشر عبادته في الأرض كلها، وليس أن تتوكل على الله في خاصة نفسك فحسب لكي تعبد الله في نفسك، بل تتوكل على الله لكي يُعبدَ الله في الأرض، فالله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والله هو الذي نتوكل عليه في ذلك لتبقى دعوة الحق قائمة.
قال تعالى: ((وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا))، فكيف لا نتوكل عليه وقد جربنا طريق الهداية؟! فقد هدانا الله إلى توحيده ومعرفته ومحبته، فكيف بعد ذلك لا نتوكل عليه؟! وكيف لا نتوكل عليه وقد علمنا فائدة التوكل وثمرته، وحتى ولو انغلقت الأسباب كلها؟! بل الحقيقة هي أن التوكل أكمل وأتم ما يكون عندما تنعدم الأسباب.
وتأمل توكل موسى ﷺ الذي هداه الله إلى ما أراد عندما تراءى الجمعان، وقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فهو توكل عظيم حيث لا أسباب، والعدو قد حضر، وأكد أصحاب موسى أنهم مدركون، فقال: (كلا) يقيناً بالله، وتوكلاً عليه سبحانه، وثقة به ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٢ - ٦٣].
وأعلى منه توكل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يلقى في النار ويقول: ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))، فـ (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها النبي ﷺ وأصحابه حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وفي أثر إسرائيلي: أن جبريل لقي إبراهيم في الهواء، وهو في الطريق إلى النار، فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم.
ولذا كان الجزاء من عنده ، وليس بسبب مخلوق من المخلوقات، ولا بسبب ريح هبت فأطفأت النار، ولا ملك أخذ إبراهيم فأنقذه، أو ماء نزل من السماء فأطفأ النار، بل بأمر منه ، قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فالله بكلامه أنقذ إبراهيم.
وأعظم منه توكل النبي ﵊ الذي قال له صاحبه وهو في الغار: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، فقال له: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!)، وقال له: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] فهذا توكل عظيم.
فالتوكل على الله عندما تنعدم الأسباب من الناس ومن النفوس، وحين تكون نفوسنا عاجزة ضعيفة لا أسباب فيها، كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، فاليأس كان من الناس ومن الأسباب، ولا ييأس المؤمن من رحمة الله أبداً، بل يبقى التعلق برحمة الله ، فإذا حصل هذا التوكل العظيم جاء الفرج بإذن الله ﵎.
стр. 139
إعلان الصبر دفعاً لمرحلة الأذى
ثم قال تعالى عنهم: ((وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا))، فالصبر واجب الوقت، وهذه عبادات لا ينفك عنها المؤمن، وهذا هو الواجب، كما قال موسى لقومه، ((اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا))، وبهذا تنال الإمامة في الدين، لا بالعواطف غير المنضبطة، ولا بحسابات عقول قاصرة ضعيفة تدرك الأسباب المادية، ودون أن تطلب النصر من الإله الذي يمن به على من يشاء، ويفتح به أبواب الخير للناس.
وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فلابد من اليقين الذي هو ثمرة التوكل على الله ، وثمرة الإيمان الصادق، بأن وعد الله لا يخلف، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
والأذى لابد أن يجده من يسير في طريق الدعوة إلى الله سبحانه، فلا من الصبر، ولا يجوز أن ينفك الداعية عن الصبر والثبات في أي حال من الأحوال.
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ))، وهذا تأكيد على أهمية الجمع بين الصبر والتوكل على الله، وسوف يكون من ذلك أوسع الفرج بفضله .
стр. 140
تهديد الأمم المكذبة لرسلها
ثم انتقلت الأمم المكذبة إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة التهجير، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣]، فلابد من أن تقولوا مثل ما نقول، ولا تخرجوا عنه قيد أنملة، ولابد من أن ترددوا ما نردد، ولا تقولوا غير ذلك ولو كان من عند الله، ولو أتيتم عليه بآلاف الأدلة، ولا تتكلموا بغير ما نتكلم، ولا تدينوا بغير ما ندين، وإلا فهي أرضنا وسوف نخرجكم منها.
والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، لكن هؤلاء لا يدركون هذه الحقيقة، مع أنهم لو فكروا فيما كان عليه أجدادهم، وفيما يكون عليه أبناؤهم من بعدهم لعلموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فالله الأمر أمره والأرض أرضه والعباد عباده، والله سبحانه هو القاهر فوق عباده، وليس العباد بعضهم بقاهر فوق بعض.
قال : ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)) وهذه كلمة فيها الغرور، والإعجاب بالنفس، والكبر والبغي والعياذ بالله.
стр. 141
العاقبة الأخيرة في صراع الحق والباطل وشرط استحقاقها
قال : ((فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)) وهذا قسم من الله ، فلام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة تدلان على وجود القسم، أقسم الله أن يهلك الظالمين، وهو -والله- لابد من أن يقع.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]، فالأرض له ، وقد وعد بأن يرثها عباده المؤمنون، كما قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧].
وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، ولكن لمن يكون ذلك؟ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، فلابد من أن نخاف الله وحده، وخوف مقام الله فسر بمعنيين: الأول: خوف مقام الرب بالاطلاع على عبده ثم بالحساب يوم القيامة، فالله قائم على كل نفس بما كسبت، ويحاسبهم على ذلك، فإذا خاف العبد مقام الله بالاطلاع عليه والمراقبة والمحاسبة استقام وعمل بطاعته.
والثاني: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي)) أي: مقام العبد بين يدي ربه يوم القيامة.
والتفسيران متلازمان؛ فإن الاطلاع والمراقبة والمحاسبة تقتضي أن يقف بين يدي الله ، وهذا هو الذي ينبغي أن نخاف منه.
وكلا الخوفين واجب، خوف مقام الله وهيبته ورهبته، وخوف وعيده وعقابه وعذابه، ولسنا نقول كما يقول الزنادقة: اللهم إن كنت أعبدك خوفاً من النار فأدخلني فيها.
نعوذ بالله، ولكننا نخاف وعيد الله، ولذلك نعمل ليوم لقاء الله ، ونسأل الله أن يرزقنا الخوف منه وحده لا شريك له.
стр. 142
أهمية الدعاء في مراحل الصراع وذكر لوازمه
قال تعالى: ((وَاسْتَفْتَحُوا)) أي: استفتحت الرسل فطلبت الفتح، وطلبت الفصل والحكم، ودعت أن يفصل الله بينهم وبين قومهم، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، والدعاء من أمضى الأسلحة إن لم يكن هو أمضاها وأقواها، وأعظم سبيل للنصر بإذن الله، قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، فالنصر بالدعاء، ويكون فتح الأبواب المغلقة بالاستفتاح، فنستفتح الله ، وندعوه أن يفتح وأن يحكم وأن يفصل في هذه الخصومة التي وقعت، والخلاف بين منهج الحق ومنهج الباطل، والله يفصل، وفصله وحكمه الحق والعدل، فعند الاستفتاح يخيب كل جبار عنيد، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، وإن كان الأمر قد يتأخر قليلاً لكن لابد من أن يقع، قال : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩]، وقد أجيبت الدعوة، ولكن متى وقعت الإجابة؟ لقد وقعت بعد مدة، ولكن الواجب أن تستقيم، فلا تبتعد عن الطريق الحق إلى سبيل الظلال فضلاً عن أن تكون ممن لا يعلم، فلابد من العلم، ولابد من الاستقامة والعمل بهذا العلم، ولابد من عدم الركون إلى من ظلم، وعدم متابعة سبيل الذين لا يعلمون، فبعد الاستعانة والصبر والاستقامة والإيمان والعمل الصالح وعبادة الله وحده لا شريك له يكون الفرج.
стр. 143
خيبة الجبارين في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، والجبار هو الذي يجبر الناس على إرادته دون التزامه بشرع الله ، ودون أن ينظر في أمره هذا الذي يأمر الناس به، فهو يريد أن يجبرهم عليه سواء كان موافقاً لدين الله أم لا.
فهذا هو الذي يسمى جباراً، وإذا امتنع منه أحد قتله، فالجبار هو الذي يسفك الدماء وينتهك الحرمات ليجبر الناس على إرادته الباطلة المحرمة المخالفة لشرع الله، فهذا يخيب دائماً؛ لأنه عاند شرع الله بعد أن وضح له الحق وعلم أن ما جاءت به الرسل هو الحق، ومع ذلك فهو يحاربه ويعانده.
قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قوله: (من ورائه) أي: أمامه تنتظره جهنم والعياذ بالله، ((وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ))، وهو عصارة أهل النار، وصديد أهل النار.
قال تعالى: ((يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ))، فإذا قرب ذلك الإناء الذي فيه صديد من وجهه فإنه يشوي وجهه والعياذ بالله، وتسقط فروة وجهه فيه، ومع ذلك يسقاه بغير إرادته، فيتجرعه ولا يكاد يمر من حلقه، ويتألم بكل قطرة منه، ويعذب بكل أنواع العذاب، فالناس تشرب لكي تبرد مما تجده من حرارة، وهذا يسقى ليزداد عذاباً.
قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، واللحظات الشديدة على الإنسان هي لحظات الانتقال من الحياة إلى الموت، فيأتيه الموت على الدوام والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]، نعوذ بالله من ذلك.
ثم بين حبوط أعمال الكفار يوم القيامة والعياذ بالله، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وهذا يعني حبوط العمل وذهابه وضياعه وانتهاءه بالكلية والعياذ بالله، ففي الدنيا لم يحققوا أغراضهم، وفي الآخرة كان العذاب الأبدي والعياذ بالله، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨].
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة والسوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وعقولنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، لك مطواعين، لك رهابين، إليك منيبين مخبتين، اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وسل سخائم صدورنا، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم إنا نعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، نعوذ بك من شر كل شيء آنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اللهم اقض عنا الدين واغننا من الحق، آمين.
стр. 144
العبودية وظيفة العمر
إنَّ العقل يحكم على أنَّ الباب له صانع، وأن لكل فعل فاعل، وأن لكل فاعل غاية يريد أن يصل إليها من خلال فعله، ولله المثل الأعلى في ذلك، فهو قد خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة لغاية منشودة وهي عبادته والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه، والإنسان يحتاج إلى عبادة ربه بمفهومها الواسع أكثر من حاجته إلى طعامه وشرابه ونفسه؛ ليعيش مطمئناً سعيداً في الدنيا الفانية، والآخرة الباقية.
стр. 145
الغاية من خلق المخلوقات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد فطر الله خلقه على أن يعلموا أن لكل فعل فاعل، فإذا وجد الإنسان مثلاً بناء محكماً لم ير بانيه، أو وجد جرة يوضع فيها طعام أو شراب، حفر بعد قرون فوجدها، فقد فطره الله على أن يقول: لابد أن هذا البناء أو هذه الجرة قد صنعها صانع، وإذا وجدها محكمة متقنة فقد فطره كذلك على أن يعلم أنه لابد من غاية في صنعها، بل لو أن إنساناً دخل قرية مهجورة أو بيتاً مهجوراً منذ آلاف السنين فوجد في الحائط مسماراً قد دق فيه لأيقن من غير اضطراب عنده ولا شك ولا تردد أن هذا المسمار قد وضعه واضع، وقد صنعه صانع، وقد دقه في هذا المكان إنسان يريد شيئاً من وراء ذلك.
فهذه فطرة فطر الله العباد عليها، ولو أنك من وراء طفل صغير ضربت بإصبعك على رأسه لالتفت ينظر من فعل هذا! ثم يقول لك: لماذا فعلت هذا؟! فلابد أن يكون لهذا الفعل من سبب، وإذا كان الفعل محكماً متقناً فلابد أن يكون الصانع له غاية من وراء ذلك، حتى المشركون قد أقروا بذلك رغماً عنهم.
انظر في قصة إبراهيم عليه وعلى نبينا ﵊ عندما كسر الأصنام، فرجع القوم من عيدهم، فوجدوا الأصنام مكسرة، فلم يقع بخاطرهم أن معركة قامت بين الأصنام، وأن الكبير مثلاً قد غضب ثم قام فكسر الصغار، فإن إبراهيم قد ترك كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، ما صنعوا ذلك ولا ذهبوا للكبير وقالوا: من الذي كسر زملاءك وأندادك من الأصنام؟ بل قالوا لبعضهم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩].
إذاً: أقروا رغماً عنهم بأن هذا الفعل له فاعل، وما سألوا الأصنام ولكن سألوا العقلاء، فقالوا: من سمع من يذكرهم؟ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠].
هذه فطرة في الإنسان أن كل فعل لابد له من فاعل، وأنه إذا كان الفعل محكماً متقناً فلابد للفاعل من غاية، والإنسان ينظر فيرى نفسه والكون من حوله والسموات والأرض كلها مخلوقات قد وجدت، وعلامات الحاجة والفقر بادية عليه، وهو نفسه يقر أنه ما أوجد نفسه ولا صنع شيئاً من نفسه، ولو تأمل فقط طرف أصبعه كيف رسمت هذه الدوائر المحكمة العجيبة التي يختلف كل إنسان منا عن أخيه وعن كل البشر، ويتميز بهذه البصمة، ويتفكر، هل رسمتها أنت يا أحمد ويا محمد ويا عبد الله؟! هل رسمها أبوك لك؟! هل رسمتها أمك وأنت في بطنها جنين؟! هل رسمها أحد ممن يسمون علماء الطبيعة والطب ونحو ذلك؟! قطعاً الإجابة يقينية عند الجميع أن أحداً منا لم يفعل ذلك، وأن الخلق جميعاً وجدوا أنفسهم مخلوقين كذلك، وهذا الفعل لابد له من فاعل، ولابد بهذا الإتقان وهذا الإحكام أن لهذا الفاعل غاية من وراء إيجاد هذا الخلق، وهذه فطرة في الإنسان وأسئلة ضرورية يفكر فيها كل إنسان عاقل أوجده الله على ظهر الأرض، من خلقنا؟ لماذا خلقنا؟ ثم يفكر فيرى الناس أجيالاً تلو أجيال، يأتي قوم ثم يذهبون، يولدون ثم يعيشون مدة ثم يموتون، ثم يأتي دور طائفة أخرى ثم يأتي دوره هو ويجد نفسه ينمو، من الذي كبرك من صغرك؟! ولدت وأنت ثلاثة كيلو جرامات ونصف، أو أربعة على الأكثر، ولدت بلا عقل يفكر، بلا يد تبطش، بلا رجل تمشي، بلا لسان يتكلم، بلا قدرة، بلا إرادة، لا تعي إلا ثدي الأم، تريده ولا تدري لماذا تريده في تلك السن، بل فطرت على أن تميل إليه، وعلى أن تلقمه، وعلى أن تمص منه اللبن، فالله فطر العباد على ذلك لمصلحتهم لكي تقوم حياتهم وتستمر، فالله فعل ذلك بنا، وجعلنا في حياتنا هذه نمر بمراحل تنتهي جزماً إلى الموت، فيسأل الإنسان نفسه ماذا بعد الموت؟ ما معنى هذه الحياة؟ إذاً لماذا وجدنا؟ لا شك أن كل عاقل سوف يقول: صاحب الصنعة أدرى بصنعته، فالله خلق هذا الكون بهذا الإحكام والإتقان، فهذه الشمس الهائلة، والنجوم والمجرات والأرض الواسعة، كل ذلك لإحكام وإتقان بالغ، وكذلك جريان الدم في عروقك وفي شعيراتك التي لو فردت وضم بعضها إلى بعض للفت الكرة الأرضية عدة مرات، وفي كل واحد منا من الشعيرات الدموية ما شأنه كذلك، وفي كل ملمتر واحد من دم الإنسان ملايين الخلايا، خمسة ملايين، أو ستة ملايين، أو أربعة ملايين، وفي كل بقعة منها تجد شأناً عجيباً ووظائف محكمة متقنة.
كل ذلك لابد أن يكون لغاية، وأكثر الناس عندما وجدوا أنفسهم قالوا: نعيش لنأكل ونشرب، نعيش لتناكح ونتناسب، نعيش لكي يكون بعضنا رؤساء وبعضنا مرءوسين، بعضنا ملوكاً وبعضنا مملوكين، ولكي يتنافس الناس قتلاً وذبحاً على هذه الدنيا العجيبة، وهم على يقين من أنهم عنها راحلون، ومع ذلك نقطع أن هذه إجابة فاشلة، ولكن انظر إلى حياة الناس فستعرف أن هذه هي الغاية، لماذا يكدح الناس؟ لماذا يتعبون؟ لكي يجمعوا الأموال، لكي تكون لهم الأرصدة، لكي تكون لهم الأرضين، لكي يكون هناك اللذات والشهوات، ثم أليس بعد هذا موت؟ الكل يقول: نعم، لماذا لا يفكرون فيما بعد ذلك؟ لأنهم لم يسألوا من يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة: من خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين المصير؟ هناك من يقول: خلقنا صدفة بلا خالق، والكل يجمع على أن هذا غير مقبول في مسمار دق على الحائط، وكل إنسان الساعة التي يلبسها في يده لو قال له آخر: إن الحديد الذي فيها، والتروس التي تديرها قد جاءت من قمم الجبال، ونزلت إلى الأرض، وصبت نفسها في انضباط تام، وجاء بعضها وركب على بعض بالصدفة؛ لضحك الناس منه وقالوا: هراء وجنون أن يتصور الإنسان ذلك، مع أن هذا إجابة الكثيرين، وكثير منهم أو الأكثر في الحقيقة يقولون: خلقنا خالقنا وربنا الذي خلق الكون كله، أكثر الخلق يقولون ذلك، ولكنهم لم يسألوا: لماذا خلقنا؟ أو أجابوا بإجابة بلهاء فقالوا: خلقنا لنأكل ونشرب، ونعيش حياتنا، ونتمتع، نسأل الله العفو والعافية.
هكذا يرون الحياة، يرون أن الحياة معناها: تأكل وتشرب، وتأتي النساء، وتأتي الملذات من أجل ذلك خلقنا، إجابتهم إجابة فظيعة، مستحيل أن يكون هذا الإحكام وهذا الإتقان من ورائه هذه الغاية، بل لو تتأمل أن هذه الأمور خلقت فيك، ووجدت فيك كما ذكرنا منذ ولادتك، الحاجة إلى الطعام والشراب لكي تعيش، أنت عندما ولدت جنيناً لم تكن تدري أن حياتك لا تقوم إلا باللبن، ولكن وجدت فيك الرغبة إلى اللبن، والتقام الثدي ومصه وتناول هذا الغذاء والشراب، وعندما أدركت بعد ذلك تجد في نفسك الحاجة إلى الطعام والشراب فتأكل وتشرب، ثم بعد ذلك تعمل لتأتي بالمال لتأكل وتشرب، كل ذلك لكي تعيش، وكذلك النكاح وشهوة النساء، هذه الشهوة لكي يحفظ النوع الإنساني كما تحفظ سائر الأنواع.
إذاً: هذه الشهوات خلقت فينا لكي نحيا فلماذا نحيا إذاً؟ لابد من إجابة أخرى غير أننا نحيا لنأكل ونشرب ونتنافس، أو لتناكح، أو لنأتي هذه الشهوات، فلا يمكن أننا نعيش من أجل ذلك، وإن كان الواقع يثبت أن هذه الإجابة للأسف هي إجابة أكثر الناس على هذا الامتحان.
والله أخبرنا لماذا خلق الخلق فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:٢]، فإجابة معظم الناس لعب ولهو، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٢٩]، والعياذ بالله، وهذه الحياة الدنيا عندهم لهو ولعب كما أخبر الله أنهم يلهون ويلعبون؛ ولذلك كانت إجابتهم فاشلة، وخسرانهم في الامتحان ورسوبهم فيه أكيد، إلا قلة من أهل الإيمان فهموا وأدركوا أنهم لابد أن يرجعوا إلى خالق الخلق، لابد أن يرجعوا إلى صانع الصنعة، لابد أن يرجعوا إلى الذي أحكم كل شيء وأتقن كل شيء، ولا يمكن أن يكون قد خلق هذا الكون بهذا الإحكام والإتقان ثم يتركه سدى بلا حكمة، وبلا غاية، وبلا حساب، وبلا بعث، وبلا نشور، مستحيل ذلك، لابد أن هناك إرشاداً وهداية، وبالفعل نظروا فوجدوا أن الله برحمته أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، وضمن هذه الكتب الحكمة من خلقنا، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فجعل لهم وظيفة، وكل الوظائف لابد أن تصب فيها، ولابد أن تجتمع عليها، وجعل هذه الوظيفة طيلة أعمارهم، ليست في جانب من جوانب حياتهم فقط، وليست ديكوراً كما يريد البعض أن يجعله، يجعل هناك لوحة متكاملة، ويجعل في جانب منها عبادة الله، يجعل حياته كلها على ما يشتهي ويريد، ومن أراد من الناس أن يجعل لحياته جانباً من العبادة فهو حر، ومن أراد أن يعبد غير الله فهو حر أيضاً، والعياذ بالله.
هذا ميزان أقوام يملئون الدنيا صياحاً، الناس أحرار فيما يعبدون، وفيما يأتون ويذرون، يكفيهم أن يقروا بأن الله هو الخالق، وبعضهم يقول: ولو قال بعضهم: إن الثعابين والشمس والقمر آلهة تعبد من دون الله لكان حقاً له أن يقول ذلك، ولكان ذلك تراثاً حضارياً، ولكان ذلك ميراثاً إنسانياً يدل على الرفعة والكمال الذي يجب أن يحافظ عليه! نعوذ بالله، فقد وجد في الخلق من يعبد الفئران ومن يعبد البقر، وإلى يومنا هذا لا يزال من هو كذلك، هناك في شعوب الأرض من يعبد فرج الرجل، وهناك من يعبد فرج المرأة، وهناك من ينحت التمثال بنفسه ثم يصير عبداً له، ولم يزل هذا عند الناس كما قال الخليل ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِن
следующие страницы →