Полный текст (991 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
العاقبة الأخيرة في صراع الحق والباطل وشرط استحقاقها
قال : ((فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)) وهذا قسم من الله ، فلام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة تدلان على وجود القسم، أقسم الله أن يهلك الظالمين، وهو -والله- لابد من أن يقع.
قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]، فالأرض له ، وقد وعد بأن يرثها عباده المؤمنون، كما قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧].
وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، ولكن لمن يكون ذلك؟ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، فلابد من أن نخاف الله وحده، وخوف مقام الله فسر بمعنيين: الأول: خوف مقام الرب بالاطلاع على عبده ثم بالحساب يوم القيامة، فالله قائم على كل نفس بما كسبت، ويحاسبهم على ذلك، فإذا خاف العبد مقام الله بالاطلاع عليه والمراقبة والمحاسبة استقام وعمل بطاعته.
والثاني: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي)) أي: مقام العبد بين يدي ربه يوم القيامة.
والتفسيران متلازمان؛ فإن الاطلاع والمراقبة والمحاسبة تقتضي أن يقف بين يدي الله ، وهذا هو الذي ينبغي أن نخاف منه.
وكلا الخوفين واجب، خوف مقام الله وهيبته ورهبته، وخوف وعيده وعقابه وعذابه، ولسنا نقول كما يقول الزنادقة: اللهم إن كنت أعبدك خوفاً من النار فأدخلني فيها.
نعوذ بالله، ولكننا نخاف وعيد الله، ولذلك نعمل ليوم لقاء الله ، ونسأل الله أن يرزقنا الخوف منه وحده لا شريك له.
стр. 142
أهمية الدعاء في مراحل الصراع وذكر لوازمه
قال تعالى: ((وَاسْتَفْتَحُوا)) أي: استفتحت الرسل فطلبت الفتح، وطلبت الفصل والحكم، ودعت أن يفصل الله بينهم وبين قومهم، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، والدعاء من أمضى الأسلحة إن لم يكن هو أمضاها وأقواها، وأعظم سبيل للنصر بإذن الله، قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، فالنصر بالدعاء، ويكون فتح الأبواب المغلقة بالاستفتاح، فنستفتح الله ، وندعوه أن يفتح وأن يحكم وأن يفصل في هذه الخصومة التي وقعت، والخلاف بين منهج الحق ومنهج الباطل، والله يفصل، وفصله وحكمه الحق والعدل، فعند الاستفتاح يخيب كل جبار عنيد، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، وإن كان الأمر قد يتأخر قليلاً لكن لابد من أن يقع، قال : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩]، وقد أجيبت الدعوة، ولكن متى وقعت الإجابة؟ لقد وقعت بعد مدة، ولكن الواجب أن تستقيم، فلا تبتعد عن الطريق الحق إلى سبيل الظلال فضلاً عن أن تكون ممن لا يعلم، فلابد من العلم، ولابد من الاستقامة والعمل بهذا العلم، ولابد من عدم الركون إلى من ظلم، وعدم متابعة سبيل الذين لا يعلمون، فبعد الاستعانة والصبر والاستقامة والإيمان والعمل الصالح وعبادة الله وحده لا شريك له يكون الفرج.
стр. 143
خيبة الجبارين في الدنيا والآخرة
قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، والجبار هو الذي يجبر الناس على إرادته دون التزامه بشرع الله ، ودون أن ينظر في أمره هذا الذي يأمر الناس به، فهو يريد أن يجبرهم عليه سواء كان موافقاً لدين الله أم لا.
فهذا هو الذي يسمى جباراً، وإذا امتنع منه أحد قتله، فالجبار هو الذي يسفك الدماء وينتهك الحرمات ليجبر الناس على إرادته الباطلة المحرمة المخالفة لشرع الله، فهذا يخيب دائماً؛ لأنه عاند شرع الله بعد أن وضح له الحق وعلم أن ما جاءت به الرسل هو الحق، ومع ذلك فهو يحاربه ويعانده.
قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦] قوله: (من ورائه) أي: أمامه تنتظره جهنم والعياذ بالله، ((وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ))، وهو عصارة أهل النار، وصديد أهل النار.
قال تعالى: ((يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ))، فإذا قرب ذلك الإناء الذي فيه صديد من وجهه فإنه يشوي وجهه والعياذ بالله، وتسقط فروة وجهه فيه، ومع ذلك يسقاه بغير إرادته، فيتجرعه ولا يكاد يمر من حلقه، ويتألم بكل قطرة منه، ويعذب بكل أنواع العذاب، فالناس تشرب لكي تبرد مما تجده من حرارة، وهذا يسقى ليزداد عذاباً.
قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، واللحظات الشديدة على الإنسان هي لحظات الانتقال من الحياة إلى الموت، فيأتيه الموت على الدوام والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]، نعوذ بالله من ذلك.
ثم بين حبوط أعمال الكفار يوم القيامة والعياذ بالله، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وهذا يعني حبوط العمل وذهابه وضياعه وانتهاءه بالكلية والعياذ بالله، ففي الدنيا لم يحققوا أغراضهم، وفي الآخرة كان العذاب الأبدي والعياذ بالله، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨].
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة والسوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وعقولنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، لك مطواعين، لك رهابين، إليك منيبين مخبتين، اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وسل سخائم صدورنا، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم إنا نعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، نعوذ بك من شر كل شيء آنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اللهم اقض عنا الدين واغننا من الحق، آمين.
стр. 144
العبودية وظيفة العمر
إنَّ العقل يحكم على أنَّ الباب له صانع، وأن لكل فعل فاعل، وأن لكل فاعل غاية يريد أن يصل إليها من خلال فعله، ولله المثل الأعلى في ذلك، فهو قد خلق الإنسان وسخر له ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة لغاية منشودة وهي عبادته والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه، والإنسان يحتاج إلى عبادة ربه بمفهومها الواسع أكثر من حاجته إلى طعامه وشرابه ونفسه؛ ليعيش مطمئناً سعيداً في الدنيا الفانية، والآخرة الباقية.
стр. 145
الغاية من خلق المخلوقات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد فطر الله خلقه على أن يعلموا أن لكل فعل فاعل، فإذا وجد الإنسان مثلاً بناء محكماً لم ير بانيه، أو وجد جرة يوضع فيها طعام أو شراب، حفر بعد قرون فوجدها، فقد فطره الله على أن يقول: لابد أن هذا البناء أو هذه الجرة قد صنعها صانع، وإذا وجدها محكمة متقنة فقد فطره كذلك على أن يعلم أنه لابد من غاية في صنعها، بل لو أن إنساناً دخل قرية مهجورة أو بيتاً مهجوراً منذ آلاف السنين فوجد في الحائط مسماراً قد دق فيه لأيقن من غير اضطراب عنده ولا شك ولا تردد أن هذا المسمار قد وضعه واضع، وقد صنعه صانع، وقد دقه في هذا المكان إنسان يريد شيئاً من وراء ذلك.
فهذه فطرة فطر الله العباد عليها، ولو أنك من وراء طفل صغير ضربت بإصبعك على رأسه لالتفت ينظر من فعل هذا! ثم يقول لك: لماذا فعلت هذا؟! فلابد أن يكون لهذا الفعل من سبب، وإذا كان الفعل محكماً متقناً فلابد أن يكون الصانع له غاية من وراء ذلك، حتى المشركون قد أقروا بذلك رغماً عنهم.
انظر في قصة إبراهيم عليه وعلى نبينا ﵊ عندما كسر الأصنام، فرجع القوم من عيدهم، فوجدوا الأصنام مكسرة، فلم يقع بخاطرهم أن معركة قامت بين الأصنام، وأن الكبير مثلاً قد غضب ثم قام فكسر الصغار، فإن إبراهيم قد ترك كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون، ما صنعوا ذلك ولا ذهبوا للكبير وقالوا: من الذي كسر زملاءك وأندادك من الأصنام؟ بل قالوا لبعضهم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩].
إذاً: أقروا رغماً عنهم بأن هذا الفعل له فاعل، وما سألوا الأصنام ولكن سألوا العقلاء، فقالوا: من سمع من يذكرهم؟ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠].
هذه فطرة في الإنسان أن كل فعل لابد له من فاعل، وأنه إذا كان الفعل محكماً متقناً فلابد للفاعل من غاية، والإنسان ينظر فيرى نفسه والكون من حوله والسموات والأرض كلها مخلوقات قد وجدت، وعلامات الحاجة والفقر بادية عليه، وهو نفسه يقر أنه ما أوجد نفسه ولا صنع شيئاً من نفسه، ولو تأمل فقط طرف أصبعه كيف رسمت هذه الدوائر المحكمة العجيبة التي يختلف كل إنسان منا عن أخيه وعن كل البشر، ويتميز بهذه البصمة، ويتفكر، هل رسمتها أنت يا أحمد ويا محمد ويا عبد الله؟! هل رسمها أبوك لك؟! هل رسمتها أمك وأنت في بطنها جنين؟! هل رسمها أحد ممن يسمون علماء الطبيعة والطب ونحو ذلك؟! قطعاً الإجابة يقينية عند الجميع أن أحداً منا لم يفعل ذلك، وأن الخلق جميعاً وجدوا أنفسهم مخلوقين كذلك، وهذا الفعل لابد له من فاعل، ولابد بهذا الإتقان وهذا الإحكام أن لهذا الفاعل غاية من وراء إيجاد هذا الخلق، وهذه فطرة في الإنسان وأسئلة ضرورية يفكر فيها كل إنسان عاقل أوجده الله على ظهر الأرض، من خلقنا؟ لماذا خلقنا؟ ثم يفكر فيرى الناس أجيالاً تلو أجيال، يأتي قوم ثم يذهبون، يولدون ثم يعيشون مدة ثم يموتون، ثم يأتي دور طائفة أخرى ثم يأتي دوره هو ويجد نفسه ينمو، من الذي كبرك من صغرك؟! ولدت وأنت ثلاثة كيلو جرامات ونصف، أو أربعة على الأكثر، ولدت بلا عقل يفكر، بلا يد تبطش، بلا رجل تمشي، بلا لسان يتكلم، بلا قدرة، بلا إرادة، لا تعي إلا ثدي الأم، تريده ولا تدري لماذا تريده في تلك السن، بل فطرت على أن تميل إليه، وعلى أن تلقمه، وعلى أن تمص منه اللبن، فالله فطر العباد على ذلك لمصلحتهم لكي تقوم حياتهم وتستمر، فالله فعل ذلك بنا، وجعلنا في حياتنا هذه نمر بمراحل تنتهي جزماً إلى الموت، فيسأل الإنسان نفسه ماذا بعد الموت؟ ما معنى هذه الحياة؟ إذاً لماذا وجدنا؟ لا شك أن كل عاقل سوف يقول: صاحب الصنعة أدرى بصنعته، فالله خلق هذا الكون بهذا الإحكام والإتقان، فهذه الشمس الهائلة، والنجوم والمجرات والأرض الواسعة، كل ذلك لإحكام وإتقان بالغ، وكذلك جريان الدم في عروقك وفي شعيراتك التي لو فردت وضم بعضها إلى بعض للفت الكرة الأرضية عدة مرات، وفي كل واحد منا من الشعيرات الدموية ما شأنه كذلك، وفي كل ملمتر واحد من دم الإنسان ملايين الخلايا، خمسة ملايين، أو ستة ملايين، أو أربعة ملايين، وفي كل بقعة منها تجد شأناً عجيباً ووظائف محكمة متقنة.
كل ذلك لابد أن يكون لغاية، وأكثر الناس عندما وجدوا أنفسهم قالوا: نعيش لنأكل ونشرب، نعيش لتناكح ونتناسب، نعيش لكي يكون بعضنا رؤساء وبعضنا مرءوسين، بعضنا ملوكاً وبعضنا مملوكين، ولكي يتنافس الناس قتلاً وذبحاً على هذه الدنيا العجيبة، وهم على يقين من أنهم عنها راحلون، ومع ذلك نقطع أن هذه إجابة فاشلة، ولكن انظر إلى حياة الناس فستعرف أن هذه هي الغاية، لماذا يكدح الناس؟ لماذا يتعبون؟ لكي يجمعوا الأموال، لكي تكون لهم الأرصدة، لكي تكون لهم الأرضين، لكي يكون هناك اللذات والشهوات، ثم أليس بعد هذا موت؟ الكل يقول: نعم، لماذا لا يفكرون فيما بعد ذلك؟ لأنهم لم يسألوا من يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة: من خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين المصير؟ هناك من يقول: خلقنا صدفة بلا خالق، والكل يجمع على أن هذا غير مقبول في مسمار دق على الحائط، وكل إنسان الساعة التي يلبسها في يده لو قال له آخر: إن الحديد الذي فيها، والتروس التي تديرها قد جاءت من قمم الجبال، ونزلت إلى الأرض، وصبت نفسها في انضباط تام، وجاء بعضها وركب على بعض بالصدفة؛ لضحك الناس منه وقالوا: هراء وجنون أن يتصور الإنسان ذلك، مع أن هذا إجابة الكثيرين، وكثير منهم أو الأكثر في الحقيقة يقولون: خلقنا خالقنا وربنا الذي خلق الكون كله، أكثر الخلق يقولون ذلك، ولكنهم لم يسألوا: لماذا خلقنا؟ أو أجابوا بإجابة بلهاء فقالوا: خلقنا لنأكل ونشرب، ونعيش حياتنا، ونتمتع، نسأل الله العفو والعافية.
هكذا يرون الحياة، يرون أن الحياة معناها: تأكل وتشرب، وتأتي النساء، وتأتي الملذات من أجل ذلك خلقنا، إجابتهم إجابة فظيعة، مستحيل أن يكون هذا الإحكام وهذا الإتقان من ورائه هذه الغاية، بل لو تتأمل أن هذه الأمور خلقت فيك، ووجدت فيك كما ذكرنا منذ ولادتك، الحاجة إلى الطعام والشراب لكي تعيش، أنت عندما ولدت جنيناً لم تكن تدري أن حياتك لا تقوم إلا باللبن، ولكن وجدت فيك الرغبة إلى اللبن، والتقام الثدي ومصه وتناول هذا الغذاء والشراب، وعندما أدركت بعد ذلك تجد في نفسك الحاجة إلى الطعام والشراب فتأكل وتشرب، ثم بعد ذلك تعمل لتأتي بالمال لتأكل وتشرب، كل ذلك لكي تعيش، وكذلك النكاح وشهوة النساء، هذه الشهوة لكي يحفظ النوع الإنساني كما تحفظ سائر الأنواع.
إذاً: هذه الشهوات خلقت فينا لكي نحيا فلماذا نحيا إذاً؟ لابد من إجابة أخرى غير أننا نحيا لنأكل ونشرب ونتنافس، أو لتناكح، أو لنأتي هذه الشهوات، فلا يمكن أننا نعيش من أجل ذلك، وإن كان الواقع يثبت أن هذه الإجابة للأسف هي إجابة أكثر الناس على هذا الامتحان.
والله أخبرنا لماذا خلق الخلق فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك:٢]، فإجابة معظم الناس لعب ولهو، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٢٩]، والعياذ بالله، وهذه الحياة الدنيا عندهم لهو ولعب كما أخبر الله أنهم يلهون ويلعبون؛ ولذلك كانت إجابتهم فاشلة، وخسرانهم في الامتحان ورسوبهم فيه أكيد، إلا قلة من أهل الإيمان فهموا وأدركوا أنهم لابد أن يرجعوا إلى خالق الخلق، لابد أن يرجعوا إلى صانع الصنعة، لابد أن يرجعوا إلى الذي أحكم كل شيء وأتقن كل شيء، ولا يمكن أن يكون قد خلق هذا الكون بهذا الإحكام والإتقان ثم يتركه سدى بلا حكمة، وبلا غاية، وبلا حساب، وبلا بعث، وبلا نشور، مستحيل ذلك، لابد أن هناك إرشاداً وهداية، وبالفعل نظروا فوجدوا أن الله برحمته أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب، وضمن هذه الكتب الحكمة من خلقنا، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فجعل لهم وظيفة، وكل الوظائف لابد أن تصب فيها، ولابد أن تجتمع عليها، وجعل هذه الوظيفة طيلة أعمارهم، ليست في جانب من جوانب حياتهم فقط، وليست ديكوراً كما يريد البعض أن يجعله، يجعل هناك لوحة متكاملة، ويجعل في جانب منها عبادة الله، يجعل حياته كلها على ما يشتهي ويريد، ومن أراد من الناس أن يجعل لحياته جانباً من العبادة فهو حر، ومن أراد أن يعبد غير الله فهو حر أيضاً، والعياذ بالله.
هذا ميزان أقوام يملئون الدنيا صياحاً، الناس أحرار فيما يعبدون، وفيما يأتون ويذرون، يكفيهم أن يقروا بأن الله هو الخالق، وبعضهم يقول: ولو قال بعضهم: إن الثعابين والشمس والقمر آلهة تعبد من دون الله لكان حقاً له أن يقول ذلك، ولكان ذلك تراثاً حضارياً، ولكان ذلك ميراثاً إنسانياً يدل على الرفعة والكمال الذي يجب أن يحافظ عليه! نعوذ بالله، فقد وجد في الخلق من يعبد الفئران ومن يعبد البقر، وإلى يومنا هذا لا يزال من هو كذلك، هناك في شعوب الأرض من يعبد فرج الرجل، وهناك من يعبد فرج المرأة، وهناك من ينحت التمثال بنفسه ثم يصير عبداً له، ولم يزل هذا عند الناس كما قال الخليل ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِن
стр. 146
الآخرة خير وأبقى
إن وظيفة العبادة جعلت في القلب حاجة شديدة لها؛ لأنه إذا كانت حياة البدن ستين سنة أو سبعين أو مائة، فقد فقدَ هذه الحياة بضياع لذات متقطعة خلال ستين أو سبعين سنة، ثلثها نائم، وخمسة عشر سنة منها وهو صغير لا يفهم شيئاً، ومن خمسين إلى سبعين أو ثمانين أمراض كثيرة بدأت تدب إلى الجسد، وفيما بين ذلك لذات في لذات، أكل في اليوم لمدة نصف ساعة ثلاث مرات، هذا إذا كان يأكل لحماً ودجاجاً وكل شيء لذيذ، فتراه مع هذا يضيق منه مرة، فينتقل إلى أكل يحبه مرة، وساعات يقضيها في أكلة شهية، هذه هي لذة الطعام ولذة الشراب، ومع هذا لا يشرب دائماً أشياء باردة وجميلة وحلوة وعصائر وكل ما يشتهي.
كذلك لذة الجنس ثوان معدودة، وبعدها يجد رغبة إلى هذا الأمر كل يوم أو يومين أو ثلاثة أو كل أسبوع، حتى يفقد الإنسان حياته الدنيوية، فتنقطع حياة البدن ولذاته، وإذا فقد حياة قلبه وحياة روحه فقد النعيم إلى الأبد، فيفقد لذات الروح والبدن معاً، ويفقد القرب من الله ، ويحصل له عذاب أبدي غير متصور، قال رسول الله ﷺ : (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم قالوا: يا رسول الله! إن كانت لكافية، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)، نعوذ بالله من النار، هكذا أخبر النبي ﵊.
فلو تأمل الإنسان أن موت القلب أخطر من موت البدن بما لا وجه للمقارنة سوف يهتم بحياة القلب، ولو مرض القلب لاهتم بإصلاحه وعلاجه، والبحث عن الطبيب، وأخذ الدواء بانتظام؛ لأن هناك خطورة بالغة على حياة قلبه، فالإنسان حين يفكر في حياته يفكر في الستين والسبعين، وما يلقاه في قبره أعظم، والناس من أيام سيدنا نوح ﵇ سكنى في القبور سنين لا يعلمها إلا الله، فمن أيام النبي ﵊ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، والله أعلم كم سيكون بعد ذلك؟ وربما يبقى الإنسان في قبره أضعاف أضعاف أضعاف ما عاشه على ظهر الأرض، وبعدما يقوم من القبر يقوم إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يا سبحان الله! إن يوم القيامة يوم الحساب خمسون ألف سنة، يقف الناس فيه شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء، ومنهم من يقف أربعمائة سنة، ومنهم أربعين، وهناك من يشعر بهذا اليوم كأنه نصف يوم، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، والمقيل: هو وقت القيلولة الذي يكون في نصف النهار أو قبل نصف النهار، يعني: أهل الجنة قبل نصف نهار يكونون قد دخلوا الجنة واستراحوا في أحسن مقيل، واستراحوا من الهموم، والناس الآخرون في حر شمس تدنو من الرءوس قدر ميل، يعرقون عرقاً شديداً، منهم من يأخذه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه وإلى نصفه، ومنهم من يبلغ ترقوته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً كما قال النبي ﷺ ، ونسأل الله العافية.
هذا الأمر لخمسين ألف سنة في يوم القيامة فقط، ثم بعد ذلك يكون هناك نعيم أبدي أو عذاب أبدي.
إذاً: العقل يقتضي ويوجب على الإنسان أن يهتم بحياة قلبه؛ لأن ضياع حياة القلب معناه: ضياع كل الخير في هذه المدة، وحصول كل الشر في هذه المدة الهائلة التي بلا نهاية، وأي شيء بالنسبة إلى النهاية تساوي صفراً، مهما كانت الدنيا من أولها إلى آخرها لذات، ثم يكون مصير الإنسان إلى النار أبد الآبدين يقسم بالله صادقاً فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط، فعندما يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيغمس في النار غمسة واحدة فيقال: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط، ونعوذ بالله من ذلك، ويغمس أبأس أهل الدنيا من أهل الجنة في الجنة غمسة واحدة فيقال له: هل مر بك بؤس قط؟ هل مر بك شقاء قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي شقاء قط.
فالعقل يقتضي أن يبحث الإنسان عن سبب حياة قلبه، والقلب يحيا ويموت ويمرض وهذا في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، وقال : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢].
قوله: (من في القبور) أي: الكفار، قبورهم هي أجسادهم دفنت فيها القلوب، وماتت القلوب.
стр. 147
فطر الله الناس على عبوديته
جعل الله في الإنسان فطرة في الميل إلى حياة القلب، وفي البحث والسؤال عنها، والحرص عليها، فحاجته إلى ذلك أشد من حاجته إلى الهواء الذي يتنفسه، فالإنسان يجد حاجة إلى الهواء؛ لأنه لا يحيا بضع دقائق بدون الهواء، فيجد راحة في أخذ النفس تلقائياً، فكذلك حياة القلب جعل الله فطرة في الإنسان أنه يميل إلى أن يعبد الله ، ويبحث عن هذه العبودية، ولا يستقر له قرار إلا بأن يكون عبداً لله ، قال الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، الحنيف: المائل إلى الله، والمشتاق إليه، والمريد له المعرض عن غيره، والعابد له؛ ولذا قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي رواية في الصحيح: (يولد على هذه الملة).
إذاً: ملة التوحيد والإيمان بالله والعبودية الكاملة لله هي فطرة في كل إنسان، قال رسول الله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، كان العرب يشقون آذان البهائم، وعندما تلد البهيمة لا تلد بهيمة مشقوقة الأذن بل تلدها بهيمة كاملة، كذلك اليهود والنصارى والمجوس والهندوس وكل الملل المشركة يولدون على الحنيفية، ويبحثون عن عبادة الله، ثم يصرف تدريجياً بأنواع الصرف عن عبادة الله ، ولو ترك وشأنه لاختار هذا الدين، واختار هذه الملة، واختار أن يعبد الله، ولما كانت الشهوات حاجزاً له عن الله ، لكن يظلون يقذفون في قلبه هذه النجاسات والقذارات وزبالة أفكارهم حتى إذا عقل هذا الإنسان وجد في نفسه الأسئلة الثلاث تطرح عليه: من خلقك؟ لماذا خلقك؟ إلى أين المصير؟ ولكنه يسكت عن الجواب لوجود الزبالة والخزعبلات والنجاسات في قلبه، فيقول: لا أريد أن أبحث في هذه المسألة، وإذا قال له إنسان: أين المصير؟ الموت، الجزاء، الحساب، لم تخلق سدى، يقول لك: اتركنا وشأننا ونعيش حياتنا، والعياذ بالله، نريد أن نستمتع بالحياة.
وكثير من إخواننا ممن يعيشون في بلاد الكفر خالطوا الكفار وسألوهم عن ذلك، وعندهم إتقان في كل شيء، لكن إذا سئل أحدهم في مسألة هذه يقول: أنا لا أدري، ولا أريد أن أبحث في هذه المسألة، لأنني أعيا حين أفكر فيها، وكل شيء عنده في حياته اليومية يمر بانتظام إلا هذه النقطة فلا يفكر فيها، مع أن عنده حاجة ضرورية يحس بها، وأنه لابد أن يتوجه، ولابد أن يعبد، فقد خلقه الله كذلك، كما قال الله في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء)، مفردها حنيف، والحنيف هو: المائل إلى الله، فقد فطر الله العباد على ذلك، وهكذا أمر الله أن نكون، قال الله في الحديث القدسي: (فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) أي: أبعدتهم عن دينهم الذي فطر الله العباد عليه؛ ولذلك فإن دعوة الرسل للإنسان تجدها مختلفة تماماً عن أي دعوة أرضية، وعن أي دعوة جاهلية، ويجد الإنسان في نفسه رغبة موجودة من دعوة الرسل، فيه فطرة موجودة من أثر ذلك الميثاق البعيد الذي أخذ عليه وهو لا يدري كيف أخذ، لكنه بالقطع قد أخذ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، فالله أرسل الرسل لتحذير الناس من هذا النفاق، وليذكروهم بهذه الفطرة التي هي نسخة أصلية من دعوة الرسل، ومطابقة لها تماماً، ولذلك عندما يأتي نور الوحي على نور الفطرة يكون نوراً على نور، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
فالعباد خلقوا مائلين إلى الله، محتاجين إلى عبادته أشد من حاجتهم إلى الهواء والماء والطعام، ولذلك جعل الله أدلة التوحيد، وأدلة صدق الرسل كالماء والهواء، يجدها كل طالب للهواء، والهواء لا يباع، والماء غالباً لا يباع؛ لأنه ينزل عن طريق المطر من السماء فتجري به الأنهار والعيون، والأصل أن الماء لا يباع، فالناس في حاجة إليه على الدوام أكثر من حاجتهم إلى الطعام؛ لأن المجاعات هذه حالة استثنائية.
فالله جعل أدلة التوحيد وأدلة معرفته وتعظيمه وربوبيته وإلهيته كالهواء، وجعل أدلة صدق الرسل كالماء، وهو أدنى مجهود يبذله الإنسان، وجعل معجزات الرسول ﷺ مثل الشمس نوراً وضياء، وأدنى بحث فيها سوف يجزم به كل عاقل أن هذا الدين أوضح دين، وأظهر دين، وأحق دين، ولا يوجد حق سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
стр. 148
العبودية سعادة وطمأنينة
العبودية وكون الإنسان عبداً لله ليست فقط مجرد تكليف بأمور شاقة تجد فيها مشقة، بل الحقيقة أنها للإنسان كالهواء الذي يتنفسه ويستريح به، كما قال النبي ﷺ : (أرحنا بها يا بلال)؛ لأنه يستريح في أثناء العبادة، قال ﷺ : (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرت عيني في الصلاة)، ولا شك أن من جرب لحظات من العبودية الحقيقة الكاملة لله؛ لأيقن وحلف بالله العظيم صادقاً من غير حنث ولا خداع للناس أن أعظم لذة في هذه الدنيا قبل الآخرة هي لذة عبادة الله ، والقرب منه، والتقرب إليه، والشعور بالانكسار والذل والحب له ، وأعظم ما يجده الإنسان من لذة هي لذة الشوق إلى لقاء الله، كما كان النبي صلى الله عليه يقول: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك).
فالعبودية فعلاً لذة عظيمة، قال عنها بعض الصالحين: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، ويقول بعضهم: يأتي على القلب أوقات أقول فيها: لو كان أهل الجنة فيما نحن فيه، لكانوا في عيش طيب، مع أنه لا وجه للمقارنة بين قرب أهل الجنة من ربهم وبين قرب العباد في هذه الدنيا، وإنما أعطاهم الله ما يعرفون به حقيقة النعيم في الجنة، كما أن الله أعطانا من الطعام ما ندرك به أن هناك في الجنة أنواعاً من اللذات من الطعام والشراب لا تخطر على قلب بشر، قال النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وما أخبرنا به إنما هو أسماء، وحقيقة اللذة أعظم، فأعظم من نعيم العباد في الدنيا نعيم قربهم من الله في الآخرة، وكيف لا وهم ينظرون إلى الله ، فيذوقون لذة النظر إلى وجه الله كما قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فالنظرة التي تجري فيها من النظر إلى وجه الله لا توصف، وهم إنما خلقوا للبقاء، ويأتيهم من نظرهم إلى وجه الله ما لا يمكن أن يدركه إنسان، فتنحني المخلوقات تعظيماً لله في هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: انحنى الجبل تعظيماً لله ، قال: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فكيف بهم حين يبقيهم الله ليدركوا شيئاً من عظمته، وهم باقون مع ذلك لا يفنون؟ وهذا البقاء الذي هو أعظم من الفناء هو أعظم نعيم عجزت عن إدراكه العقول، فأعطاهم الله ذرةً منه في الدنيا؛ ليقول قائلهم: لو كان أهل الجنة فيما نحن فيه لهم في عيش طيب، وما أفظع أن يحرم الإنسان من ذلك، وما أبشع أن يبعد الإنسان عن ذلك بالخمر المسكرة والمخدرات، لست فقط أعني الخمر التي يشربها الناس والمخدرات التي يشربونها، بل أعني: كل الشهوات، فإنها تعمي القلب، وتجعله تعيساً تعاسة فظيعة لا يدرك لهذه الدنيا طعماً، ولا يدرك لذة العبودية لله، ولذة حبه والانكسار له، ولذة الذل والخضوع له ، ولذة الشوق إليه، ولذة الخوف منه وحده لا شريك له، فيزول من قلبه خوف كل أحد سواه، فخوفه من الله نعيم، والخوف من غيره شقاء، والتوكل على الله نعيم، والتوكل على غيره شقاء، وقلق واضطراب وحيرة وشك، ولا تدري هل يقضي لك مصلحتك أم لا؟ وأما إذا توكلت على الله كفاك ما أهمك، وكذلك لذة شكر نعمة الله نعيم، ونسبة الفضل للنفس وللخلق، والانكسار لهم ذل وهوان وغباء وجهل، والعياذ بالله أن يقول الإنسان: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، كذلك لذة التواضع لله نعيم، والكبر شقاء للإنسان وعذاب حين يعجب بنفسه ويتفاخر ويتكبر، فإبليس عذب بحاله قبل طرده من رحمة الله؛ لأن في قلبه العجب والكبر والغرور والعياذ بالله، فتجد فعلاً كل هذه اللذات الدنيوية المسكرة المحرمة من مخدرات وغيرها تؤدي إلى تنويم للإنسان حتى يصاب فيها بفشل تنفسي؛ لأنها تجعل مركز المخ لا يحس بأنه يريد أكسجين، فيتوقف الإنسان عن التنفس فيموت؛ ولذا فإن أصحاب المخدرات والخمر يريدون العيش على هذه الحال؛ حتى يحسوا بأن خيالاتهم حقيقة، فيخلطوا ما بين الحقيقة والخيال.
فالذي يتعاطى المخدرات يتخيل نفسه أنه أعظم رجل في الدنيا، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] أي: في سكر أصلاً أشد من سكر الخمر والعياذ بالله.
كذلك الذي أهدر حياته كلها أمام التلفاز والفيديو، فتارة ينظر إلى ممثلة، وتارة يسمع المغنية هذه، ولا يعرف إلا لعب الكرة فقط، ولا يعرف في الدنيا إلا اللذات، فيخرج من الدنيا مفلساً لم يعرف منها إلا هذا، ونسأل الله العفو والعافية.
إنها لمصيبة عظيمة أن يعيش الإنسان حياته بهذه الطريقة والعياذ بالله، فالإنسان إذا تعود على شهوة معينة فإنه لا يستطيع أن يحيا إلا بهذه الطريقة، ومن الناس من جعل شهوته في النساء كشهوة قوم لوط في الرجال، فإن شهوة امرأة العزيز في يوسف جعلتها لا تحس بما يحدث، فقد فتحت الأبواب ودخل عليها زوجها وهي لا تحس بذلك، فقد كانت مشغولة بشد قميص يوسف ﵇، وزوجها كان عزيز مصر، قال : ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥].
وقد كان يوسف ينفر منها، فلم تمنعها كرامتها من الإبعاد عنه وتركه؛ لأنه هو الذي يبعد عنها، فقد أصبحت الشهوة مسيطرة عليها وقد شغفها حباً، فمثل هؤلاء لم يعرفوا حباً سوى هذا الحب في الدنيا، ولم يذوقوا حب الله ولا حقيقته.
стр. 149
دعوة الرسل إلى عبادة الله
إن أول الوصايا العشر التي أوصى الله بها موسى هي عبادة رب واحد هو رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك.
والمسيح ﵊ في الإنجيل قال لربه: أيها المعلم! ولم يقل: أنا ابن الله، أو أنا ثالث ثلاثة، بل قال لهم: ارجعوا للتوراة فقد كتب فيها أن الرب واحد رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك.
فهذه المسألة أعظم المسائل، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وأول ما بعث به النبي ﷺ قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له)، ولذلك شرع الجهاد بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وهو تحرير للإنسانية بل إنقاذ للبشرية، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فمن رحمة الله بالبشر أن أرسل إليهم رسوله ﷺ ؛ ليعبدوا الله وحده، وكلفه بالجهاد من أجل مصلحتهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (أنتم خير الناس للناس تدخلونهم الجنة بالسلاسل)، فيجدون مصلحتهم بالرغم عن أنفسهم، يدخلون الجنة مقيدين بالسلاسل، يقاتلون فيؤسرون ويسلسلون بالسلاسل فلا يمضي عليهم وقت إلا وقد دخل الإسلام في قلوبهم، وصار الإسلام أحب إليهم من كل شيء.
стр. 150
قصة إسلام ثمامة بن أثال
إن ثمامة بن أثال كان سيد بني حنيفة، كانت كلمته مسموعة، كان ذاهباً إلى العمرة مشركاً، وقد كان يبغض النبي ﷺ ، فما من وجه أبغض إليه من وجهه، وما من بلد أبغض إليه من بلده، وما من دين أبغض إليه من دينه كما قال ثمامة، فلما أسرته خيل المسلمين أتي به إلى رسول الله ﷺ ، فربطه في سارية من سواري المسجد، والرسول ﷺ يعرف قدر ثمامة وربطه عمداً؛ وجعله على ذلك ثلاثة أيام لكي يرى الإسلام في مجتمع ومسجد النبي ﵊، هذا المكان المبارك المشرف المعظم الذي هو بيت التقوى، قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، فأراد النبي ﷺ أن يرى مجتمع المسلمين؛ ليعرف حقيقة الإسلام، فربطه في المسجد في سارية، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت) أي: إذا قتلتني سوف تقتل رجلاً تفرح بقتله، وإن مننت علي فأطلقتني فأنا أشكر ذلك، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﵊ وجاءه في اليوم الثاني فقال: (ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك يا محمد)، لكنه بدأ بقوله: إن تمنن تمنن على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، وكأنه وجد أن المن أقرب، وفي اليوم الثالث قال له النبي ﷺ مثل ذلك وأجابه ثمامة مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : (أطلقوا ثمامة)، ثلاثة أيام غيرت حياة ثمامة بالكلية، وانطلق حراً إلى أقرب بستان فيه ماء فاغتسل ورجع وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله! والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح أحب الدين إلي، وما كان من وجه أبغض إلي من وجهك فأصبح أحب الوجوه إلي، وما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح أحب البلاد إلي، وإن خيلك أسرتني وأنا أريد العمرة، فأمره النبي ﷺ أن يعتمر، فلما كان يطوف بالبيت قال له المشركون: صبأت يا ثمامة؟ قال: بل آمنت مع محمد ﷺ ، ووالله لا تأتيكم حبة من اليمامة من القمح حتى يأذن رسول الله ﷺ ، وهكذا تغير ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه تغيراً تاماً لما رأى حياة المسلمين في المسجد حياة عبودية لله ، وبالتأكيد كان لا يدري بذلك؛ ولذلك فعلاً دخل الجنة من خلال الأسر ومن خلال السلاسل التي ربط بها في مسجد النبي ﵊.
إذاً: العبودية لله الإنسان يحتاج إليها، ويجد اللذة فيها أكثر من حاجته إلى الهواء وأشد من لذته للطعام والشراب لو قام بها على الوجه السليم.
стр. 151
سبب التكاسل في العبادة
نحن نجد المشقة في العبادة، فنصلي ونحن على إعياء، ونصوم ونحن نريد وقت الإفطار يأتي بسرعة؛ لأن هناك نوعاً من النقص في القلوب أو في الأعمال الظاهرة، فسيدنا موسى ﵊ طلب لقاء الرجل الصالح العالم؛ ليتعلم منه مسائل، وأخبره الله أنه يلقاه بمجمع البحرين، ولما جاوز موسى مجمع البحرين من حيث لا يشعر؛ لأنه كلف فتاه أن يحفظ السمكة المملحة في مكتل وقال له: متى وجدت هذا الحوت قد أصبح حياً فهناك الملتقى، لا أكلفك غير ذلك؟ قال: ما كلفتني كثيراً، وبالفعل نام موسى ﵊، وأحيا الله الحوت عند مجمع البحرين، وانطلق في البحر كما وصف الله ، ونسي الفتى أن يبلغ موسى ومشى وجاوز، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، قال النبي ﷺ : (وما وجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به)، سبحان الله! ومع أنه كان عن اجتهاد، وطلب للخير، ونسيان من الفتى بغير قصد قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، ومع كل ذلك كان النصب بسبب مجاوزة الحد، فما بالك إذا كانت المجاوزة عمداً فلابد أن يكون هناك نصب، أو كان هناك تقصير وتوان لابد أن هناك مشقة، ولو كانت العبادة على ما أمر الله لما وجد الإنسان أي تعب فيها، فقد ورد في الحديث أن: (النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه) وفي رواية: (حتى تتشقق قدماه) أي: تتفطر قدماه (فيقال له في ذلك فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، ﷺ ، وهو ﷺ لا يجد تعباً في ذلك، بل يقوم ليلة يقرأ فيها البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وصلى معه مرة عبد الله بن مسعود فقال: هممت بأمر سوء، هممت أن أجلس وأتركه؛ من طول قيام النبي ﷺ ، وصلى الله عليه وسلم لم يشعر بذلك، فقد جعلت قرة عينه في الصلاة ﵌، وهذا يجد الإنسان منه بقدر إخلاصه وبقدر حبه لله ، وبقدر إتقانه للعبادة، وبقدر أدائه لهذه العبادات على الوجه المشروع، فالبدعة أو التقصير في اتباع السنة أو عدم حضور القلب فيها هو الذي يجعلها عبادة جافة شاقة على النفس، مع أن الإنسان لن يجد الراحة والسكون في العبادة إلا بعد مجهود؛ لأن نفسه ما زالت ظالمة جاهلة حتى تكسى تدريجياً، فالإنسان يولد عارياً ثم يكسى، والإنسان ظلوم جهول، ثم يعلم ويرزق العقل وكلما علم ورزق الإرادة السليمة الصحيحة والعدل وجد حقيقة العبودية، ووجد كيف يؤدي هذه الوظيفة في عمره كله مع الراحة والسكون، واللذة والسعادة في هذه الدنيا قبل القبر وقبل يوم القيامة، وقبل الجنة التي عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.
стр. 152
تعريف العبادة ومفهومها الواسع
العبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، ونحتاج فعلاً إلى إدراك هذا التعريف الجميل، فالعبادة هي الطاعة بأنواعها المختلفة، لكنه يضع يدك على الحروف التي ربما لا ترى كل جزء من أجزائها، فالعبادة ليست فقط الشعائر العظيمة التي هي أركان الدين، بل في الحقيقة هي الأوعية التي يفرض لك فيها نصيبك من المحبة والود، والخوف من الله، ورجائه، والشوق إليه وشكر نعمه، فأنت لن تجد أفضل من الصلاة والصيام والزكاة والحج لكي تنال فضل الله عليك في حال قلبك، هذه هي الأوعية التي تنال فيها الغذاء، فأنت عندما تحتاج إلى الغذاء لابد أن يكون لك وعاء، فإن لم يكن معك وعاء لن تأخذ غذاء، فلابد أن تأخذ الوعاء وتقف على الباب وتدقه مرات، وتقول: يا رب! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فيرزقك الله ما لم يكن يخطر ببالك من أنواع الراحة واللذة والسكون، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]، طوبى لك إن رزقك الله عبادته، ووفقك في عبادتك له ، ولكن كما ذكرنا هذه هي أوعية العبودية، ولابد أن تستحضر أن العبادة أوسع وأشمل من ذلك، بل هي الأركان التي يقوم عليها البناء، قال النبي عليه وعلى آله وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، هذه الأركان هي العبادة لكن توجد جوانب أخرى؛ ولذلك أصل هذه العبودية صلاح القلب، قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
إذاً: من العبادة الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، وقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
إذاً: المطلوب هو أن تذكر الله؛ ولذا قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فالصلاة فيهما أمران كلاهما عظيم، وأحدهما أكبر وأعظم، الصلاة فيها نهي عن الفحشاء، وإبعاد لك عن مواطن الهلاك، وفيها ما هو أعظم، فيها ذكر الله، وذكر الله أعظم من النهي عن الفحشاء؛ لأن ذكر الله هو حياة الإنسان وحياة قلبه؛ ولذلك قال لنبيه وكليمه موسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وقال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، إذاً: الآية هذه تضمنت نفس ما تضمنته الآية الثانية، حيث قال الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وقال هنا: ((إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)) [هود:١١٤] وشيء أعظم من ذلك كله، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
فالإنسان محتاج إلى حاجتين: محتاج إلى وقاية من الشر، ومحتاج إلى غذاء، والغذاء أهم، يعني: الغذاء بالنسبة له لو لم يأكل يموت، وإن أخذ بعض المضار فمن الممكن لجسمه أن يتغلب عليها، فإما أن يأكل وإن كان فيه مكروبات، وإما أن يجوع فيموت، وإما أن يشرب ماء معكراً ليس نظيفاً، أو أنه لا يشرب أبداً كذلك الذي اقترف القليل من المعاصي ولكنه يعبد ربه خير من الذي لا يعبد ربه أبداً.
ولذلك نقول: الصلاة لذكر الله ، والصيام للتقوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فالصيام يقرب إلى الله أكثر حتى تتقيه، فأيام رمضان أيام عظيمة البركة، وأيام مليئة بالخير، والصيام جنة، ووقاية من المعاصي، وهو سبب للتقوى وسبب لصلاح القلب، أما الزكاة فقد قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ﴾ [التوبة:١٠٣]، فهي طهارة للقلب وزكاة للإنسان، وأما الحج فقد قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، فهذه العبادات كلها لصلاح القلوب؛ ولذلك القلب هو أساس العبادة، قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وقال النبي ﷺ : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، وعبودية القلب تدور بين العلم والعمل، فالعلم: هو المعرفة والتصديق واليقين بأسماء الله وصفاته، ومعرفة ربوبيته وألوهيته، ومعرفة ما يضاد ذلك للحذر منه، ومعرفة الشرك بالله وأنواعه التي يكثر وقوعها في الناس لكي يحذر الإنسان على نفسه منها، ومعرفة ما جاء به النبي ﷺ من تفاصيل لأصول الإيمان كلها: الملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصديق ما جاء به الكتاب والسنة في ذلك وتعلمه تفصيلياً، فكلما تعلمت من ذلك مسألة فهذا في حد ذاته أمر مطلوب، ثم تصديق كل ما جاء به النبي ﷺ من أنواع العبادات من الإيمان والإسلام والإحسان، وتصديق الأخبار، وامتثال الأوامر والنواهي، وتصديق أنها حق من عند الله، وأن الله أمر بكذا، وأن الله نهى عن كذا، فكل مسألة من مسائل الدين تتعلمها، ويكون عندك الدليل الصحيح عليها من الكتاب والسنة، فتصدق بأن الله أمر بكذا، وأن رسول الله ﷺ أمر بكذا، فهذا من عبودية القلب في جانب العلم واليقين والتصديق، وكلما ازداد الإنسان معرفة بالأدلة ازداد تصديقه ارتفاعاً، ويزداد من ذلك علماً حتى يصل إلى علم اليقين، وربما من الله عليه بأشياء تكون من عين اليقين يراها، فيفتح الله عليه من أنواع العلوم والمكاشفات ما لا يدركه غيره من الناس، وأعظم ذلك أن يعلمه الحق الذي اختلف فيه الناس، ويرشده الله ويهديه إلى الصراط المستقيم فيما اختلف فيه من الحق، قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣].
وأما جانب العمل القلبي فهو عبادات القلب المختلفة، وأصلها: الحب والخوف والرجاء، وهذه أجنحة العبادة الثلاثة، فمن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد، وأما من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، كما يزعم بعض من لا يفهم حقيقة العبادة فيقول: إن كنت أعبدك طمعاً في الجنة فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك خوفاً من النار فأدخلني فيها، قال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، وكاذب لم يعرف حقيقة العبودية، إن الله يقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وهذا يقول: إن عبدتك رهبة فأدخلني النار! نعوذ بالله من ذلك، أليس الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]؟ فكيف تقول: لا أرجو الله والعياذ بالله؟! المؤمن يعبد الله حباً وخوفاً ورجاء، فمن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد.
ومن العمل القلبي الإخلاص والانقياد، ونية المتابعة الصادقة لشرع الله ، ولما أتى به النبي ﷺ ، والإخلاص والاتباع والإيمان هي شروط صحة العبادة، ولا تصح عبادة من العبادات إلا بالإيمان والإخلاص وإرادة وجه الله دون ما سواه، من إرادة النفس وحظوظها وشوائب الرياء، وحب مدح الناس، والخوف من ذمهم وغير ذلك.
ومن شروط صحة العبادة الاتباع لرسول الله ﷺ فيما جاء به، وأصل الاتباع: قلبي، وكماله: باللسان والجوارح.
وكذلك عبادة الصبر والشكر والرضا، وعبادة التوكل على الله ، والرغبة فيما عنده ، وكذا عبادة الزهد في الدنيا، وتعظيم أمر الآخرة، وتعظيم الرب ، وتعظيم أوامره، وتعظيم حرماته، والورع عن محارمه ، وغير ذلك من عبادات القلب، وذكر الله أصله في القلب، ثم يعبر عنه باللسان.
والتوبة إلى الله أصلها عقد العزم ألا يعود إلى الذنب مع ترك الإصرار والإقلاع عن الذنب، فهذه كلها من عبادات القلب المهمة العظيمة.
والمراقبة لله ، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومحاسبة النفس لله، والتفكر والاعتبار بآيات الله ، وكل عبادة ذكرها الله في كتابه، وذكرها النبي ﷺ في سنته من عبادات القلب فهي من أعمال القلوب.
ومنها الاعتقاد واليقين وتصديق الله فيما
стр. 153
اللهم بك آمنت وعليك توكلت
يعتبر الإيمان بالله تعالى أصلاً لسائر أركان الإيمان، ويلزم معه الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، ولكونه تصديقاً تكنه الضمائر وجب على العبد أن يظهره على لسانه بالنطق بكلمة التوحيد، وحرم عليه أن يتفوه بما يضادها، ووجب عليه أيضاً أن يظهره بعمل الجوارح، خاصة الأركان الأربعة من أركان الإسلام، كما وجب عليه أيضاً أن يظهر أثر إيمانه على أعمال قلبه، ومن أهمها التوكل على الله، ولذا فإنه ينبغي للعبد أن يدرك حقيقة التوكل وأهميته، ومنزلته من الإيمان، وعلامات صدقه، وغير ذلك مما يحقق هذا المعنى العظيم.
стр. 154
مكانة الإيمان في حياة المؤمن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن الإيمان بالله هو حجر الزاوية في قلب المؤمن، وهو الذي تدور عليه رحى حياته، كما أخبر الله في غير موضع من كتابه، أخبر بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الناجون والفائزون والمفلحون، وأنهم الذين كتب الله لهم الجنان، ولذا كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فا غفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك).
стр. 155
أركان الإيمان وأصله ولوازمه
والإيمان إذا ذكر مع الإسلام فالمراد به ما بينه النبي ﷺ بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، كما أجاب جبريل ﵇ عن سؤاله عن الإسلام والإيمان.
وهذا الإيمان الذي أخبر به النبي ﷺ أصله الإيمان بالله، وأما باقي أركان الإيمان فهي لوازمه أو من أجزائه، فالإيمان برسل الله صلوات الله وسلامه عليهم لازم من لوازم الإيمان به سبحانه، فلا يقبل الله إيماناً به دون إيمان بالرسل، فإنه لا يكون مؤمناً من كذب الرسل؛ لأن الله قد صدقهم وأرسلهم بالصدق والحق، فمن كذبهم فقد كذب الله ، ولا يكون مؤمناً أبداً من كذب الله.
فليس الإيمان مجرد المعرفة بوجود الله ، وإن كان ذلك -بلا شك- من أصوله، لكنه لا يكون إيماناً نافعاً، فلقد كان المشركون يقرون بوجود الله ، وبخلقه للسماوات والأرض وبخلقهم، كما قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وقال : ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨ - ٨٩].
فهم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق المالك، وأنه هو الذي يدبر الأمر، كما قال : ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١].
فليس الإيمان بالله مجرد المعرفة بوجوده، فلقد كان المشركون يقرون بذلك، ولقد كان اليهود والنصارى أشد معرفة بوجود الله ، وبكثير من أسمائه وصفاته من غيرهم، بل ويقرون بالبعث بعد الموت، ومع ذلك قال الله عنهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
فتبين بذلك أن الإيمان ليس مجرد المعرفة، بل يلزم الإيمان بسائر أركانه، كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، والإيمان بالكتب ضمن الإيمان بالله؛ لأنه إيمان بكلامه، والإيمان بالقدر جزء من الإيمان بالله، ولعل هذا -والله أعلى وأعلم- هو السبب في أنه لم يذكر الإيمان بالقدر في قوله : ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥].
وفي قوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، فلم يذكر الإيمان بالقدر في هذين الموضعين؛ لأنه داخل ضمن الإيمان بصفات الله ؛ ولأن الإيمان بالقدر إيمان بعلم الله، وبكتابة المقادير، وإيمان بإرادته وقدرته وخلقه لأفعال العباد، فكلها صفات له ، فهو ضمن الإيمان بالله، وأما الإيمان باليوم الآخر فهو من لوازم الإيمان بالله.
إذاً: فلا يكون الإنسان مؤمناً إن أنكر بعثه سبحانه للناس ومحاسبتهم على أعمالهم؛ فإن ذلك -في الحقيقة- إنكار لحكمته، وإنكار لعدله، وإنكار لرحمته، وإنكار لفضله، كما قال : ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢].
стр. 156
حكم من أنكر ركناً من أركان الإيمان
من أنكر البعث والجمع بين الخلائق لينال كل عامل جزاء عمله، لينتصر للمظلوم من الظالم، وليثاب المؤمن ويعذب العاصي المكذب للرسل، فإنه منكر لحكمة الله، ولعدله ورحمته، وذلك يعود إلى التكذيب بالله ، فدل ذلك على أن الإيمان أشمل مما يظنه كثير من الناس حين يقولون: نحن آمنا بالله، ولذلك كان كل من أقر بوجود الله مؤمناً عندهم، فيصفون أهل الملل المخالفة لملة الإسلام بالإيمان، ويقولون: هم مؤمنون وليسوا بكافرين.
نعوذ بالله من ذلك! ومن ادعى أن أحداً من الخلق له أن يخالف ملة الإسلام التي بعث بها النبي ﵊، ويكون مع ذلك مقبولاً عند الله مؤمناً يدخل الجنان، فقد كذب القرآن وكفر بالله العظيم، وبرسله جميعاً عليهم الصلاة والسلام، وذلك لأن الله قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح:١٣].
فمن كذب رسول الله ﷺ لا يكون مؤمناً، وأما إقراره بوجود الله فهو إيمان قد حبط، وإيمان غير نافع؛ لأنه اقترن بالشرك وعبادة الشيطان الذي أمر بتكذيب الرسل، كما هو حال المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهذا الشرك قد أحبط القدر الموجود في قلوبهم من الإيمان، والجاري على ألسنتهم، والكائن في بعض أفعالهم، فإن الشرك محبط للعمل، كما قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
стр. 157
حكم النطق بكلمة التوحيد
إن مما يحبطه الشرك عمل القلب، فإذا زالت أعمال القلوب زال الإيمان؛ لأن الإيمان ليس مجرد معرفة، بل هو تصديق وتعظيم ومحبة وخوف ورجاء وتوكل على الله ، كما أنه يلزم منه -بل هو جزء من أجزائه- أن ينطق بلسانه كلمة التوحيد، ولا يكون مؤمناً عند الله ولا في أحكام الدنيا من كان قادراً على نطق كلمة التوحيد -أي: لا إله إلا الله- ثم يأبى ويرفض، كـ أبي طالب الذي أبى أن يقولها، مع أنه كان مصدقاً بها في باطنه، ويعلم أنه لن تغني عنه الآلهة شيئاً، وإنما حمله على عدم النطق بها مراعاة الناس والعادات والتقاليد، ومجاملة كبراء قومه، حتى لا يقولوا: حمله على نطقها الجزع من الموت، ولقد كان يقول للنبي ﷺ ذلك، وهو القائل: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً فلم ينطق بكلمة التوحيد مع أنه كان جازماً موقناً بصدق الرسول ﷺ في نفسه، فإنه لما أخبره النبي ﷺ بأن الأرضة قد أكلت الصحيفة التي علقت في جوف الكعبة ظلماً وعدواناً لحصار بني هاشم لمناصرتهم رسول الله ﷺ ، خرج دون أن يتثبت بنفسه أو يرسل من يتثبت، وأخبرهم بأن الله قد أبطل هذه الصحيفة وهو على يقين غير متردد من أنها قد نقضت بالفعل دون أن يراها، وإنما ذلك لأنه يعلم صدق ابن أخيه جزماً ويقيناً، ومع ذلك حمله الجزع على عدم النطق بـ: (لا إله إلا الله) عند الموت، فقال: لولا أن يقول الناس لأقررت بها عينك، وأبى أن يقول: (لا إله إلا الله)، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
فتألم النبي ﷺ لذلك ألماً شديداً، وقال: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
وقال النبي ﵌: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أصابه قبل هذا اليوم ما أصابه) أو كما قال ﵊، وقال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)، وقال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، فدلت هذه النصوص على لزوم النطق في حق القادر عليها.
стр. 158
حكم النطق بما يناقض كلمة التوحيد
من نطق بخلاف كلمة التوحيد -كمن قال عن نفسه معانداً لغيره إنه كافر، حين يأمره بالطاعة ويذكره بالإيمان كأن يقول له: ألا تؤمن بالله حتى تفعل كذا؟ فقال: لست مؤمناً، أو قال -والعياذ بالله- إنه كافر- فهذا لا يكون مؤمناً فعلاً، ونطقه بهذه الكلمة يخرجه من ملة الإسلام، حتى ولو قالها استهزاءً أو عناداً أو إغاظة لصاحبه.
وكثير من الناس يقول ذلك ويفعله وهو لا يدري مدى خطر هذه الكلمة، فيقول لمن يجادله ويناقشه إنه قد كفر -والعياذ بالله- ليقطع باب المناقشة، أو يقول ذلك لمن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر؛ ليتخلص من حرج مخالفته لهذا الأمر، فيقال له: ألست بمسلم؟ فيقول إنه ليس بمسلم -والعياذ بالله- أو يقول إنه يهودي أو نصراني؛ ليتخلص -مثلاً- من حرج مخالفته بالفطر في رمضان، أو مصاحبة النساء أو غير ذلك.
فهذا يخرج بذلك من الملة؛ لنقضه النطق بكلمة التوحيد الذي هو جزء لا يتجزأ من الإيمان، ولا يوجد الإيمان بدونه إلا مع العجز، كالحال في الأخرس، أو من وافته المنية فعجز عن النطق ساعة إرادته ذلك، فهذا يكون مقبولاً عند الله عذره، والأخرس إذا كان يستطيع الإشارة أو يعمل أعمال الإسلام ويشير بما تفهم به إشارته حكم بإسلامه في الدنيا.
فأحكام الإسلام في الدنيا والآخرة لابد فيها من النطق؛ لأن النطق بكلمة التوحيد جزء من الإيمان، والرسول ﵌ قد بين أنه لا يقبل الاعتقاد مجرداً عن عمل القلب وعن نطق اللسان بكلمة التوحيد، حيث قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، وقال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
стр. 159
حكم الاستهزاء بالدين وسب ما يتعلق به
لابد في الإيمان من عمل القلب، كالإخلاص وإرادة وجه الله والدار الآخرة، وحب الله سبحانه وتعظيمه، وإذا كان الاستهزاء بالله وبآياته ورسله وكتبه والسخرية من ذلك قادحاً في أصل الدين مذهباً له فإنه يحكم على صاحبه في الدنيا بالكفر، وفي الآخرة بالخلود في النار والعياذ بالله، حتى ولو زعم أنه ما قصد؛ فإنه قد زال من قلبه التعظيم لله الذي يمنعه من الاستهزاء والسخرية والسب نعوذ بالله من ذلك، قال الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
وقد نزلت هذه الآيات في قوم من المنافقين كفرهم الله بهذه الكلمة، والظاهر أنه كان عندهم نفاق أصغر قادهم إلى الاستهزاء برسول الله ﷺ وبما يعد به عن الله، فقالوا: لئن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير.
والعياذ بالله! وقالوا: ما رأينا مثل أصحابنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ والقراء من أصحابه- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء.
نعوذ بالله، فهم يتهمون الرسول ﷺ بأنه إنما يحب الأكل ويتهمونه أيضاً بالجبن، نعوذ بالله من ذلك، مع أنهم ذكروا ذلك في شأن الصحابة مع النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآيات، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥]، وذلك أنهم لما ووجهوا بتلك الكلمات قالوا: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق، أي: يتسلون بهذا الاستهزاء، فقال النبي ﷺ -وكان يتلو عليهم هذه الآية-: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، وتسمية ما كانوا عليه إيماناً هو باعتبار أصل الإيمان الذي كان عندهم، ولكن قادهم النفاق الأصغر إلى أن وقعوا في النفاق الأكبر والكفر، والعياذ بالله.
وهذا الاستهزاء منهم يسمى نفاقاً، رغم تصريح القرآن بكفرهم؛ لأنهم ما زالوا يزعمون الانتساب إلى الإسلام مع نطقهم بكلمة الكفر، ففاعل هذا منافق أظهر نفاقه فخرج من الملة بذلك، وإنما يبقى على أحكام الإسلام ظاهراً طالما كتم النفاق في باطنه، وأما إذا أظهره على لسانه، وأظهر الكفر الأكبر في أعماله فهو منافق قد أظهر نفاقه، والعياذ بالله، ولا ينفعه الانتساب إلى الإسلام بقاؤه على هذا الانتساب، وإنما لابد من أن يجدد إسلامه بالتوبة الصادقة مما وقع فيه، وإنما امتنع النبي ﷺ عن قتل هؤلاء الذين قالوا مثل هذه الكلمات؛ لأنهم كانوا يظهرون الرجوع والتوبة إلى الله ، ولذا قال : ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٦] فدل ذلك على أنهم أظهروا الرجوع، ولكن ليس كل واحد منهم صادقاً في الرجوع والتوبة، وإنما بعضهم قد صدق وبعضهم لم يصدق، ولأن الأحكام في الدنيا تبنى على الظاهر، فقبل النبي ﷺ توبتهم الظاهرة وامتنع عن قتلهم، وإلا فلو أصروا على ما كانوا عليه من الاستهزاء والسخرية من القرآن ومن وعد الله على لسان رسوله ﷺ ، ومن الالتزام بالدين فذلك الإصرار لا يبقى معه شيء من أحكام الإسلام، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والسب أعظم من ذلك أفظع، والعياذ بالله، وهو أشد من السخرية والاستهزاء، لأن الاستهزاء والسخرية تعريض بالسب، وأما السب فصريح، فهو أغلظ، وهو كالضرب للوالدين بالنسبة إلى كلمة (أفٍ)، فإذا منع من قولها للأبوين فلا يتصور أن يباح الضرب، أو يكون في منزلتها، فهو أشد وأغلظ، فمن سب الله ، أو رسوله ﷺ ، أو كتابه، أو نبياً من الأنبياء، أو دينه فقد نقض إيمانه بالكلية، فإن الإيمان -كما ذكرنا- ليس مجرد المعرفة، لكنه تصديق مقرون بحب وتعظيم، وانقياد وخضوع، وخوف من الله ورجاء له، وشكر، وتوكل عليه.
стр. 160
ذكر بعض الأعمال الكفرية
هناك من أعمال القلوب ما قد تضعف في قلب الإنسان ولا تزول إلا بزوال الإيمان بالكلية، وإنما يعرف ذلك بتصريح صاحبها بما يدل على زوالها، أو بأعمال لا تحتمل تأويلاً غير الكفر، كمن يقتل نبياً من الأنبياء أو يقاتله ويسعى في قتله، أو من يصرح بأنه يحارب أهل الإسلام؛ لأجل التزامهم بطاعة الله ، كما ذكرنا عن هؤلاء المنافقين؛ فإنهم ذموا أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأجل امتثالهم لأوامره، فكذلك من عادى مصلياً لصلاته، أو عادى صائماً لصيامه، أو عادى قارئاً للقرآن وأبغضه لأجل قراءته وصرح بذلك، أو أنه جعل ذلك لنفسه سنة مستمرة ماضية على الدوام، بحيث يكون كل من أطاع الله يعاقب عنده، فإن ذلك -والعياذ بالله- محاربة لله ، وبغض لما أنزله، ومن أبغض ما أنزله الله وكرهه فقد حبط عمله وزال إيمانه، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
فكل من أبغض ما جاء به النبي ﷺ ، وأبغض من فعله لأجل أنه فعله، فإنه لا يكون مؤمناً؛ لزوال عمل القلب الذي هو ركن من أركان الإيمان، ولا يتحقق الإيمان إلا به، وقد قال النبي ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، فأما من قالها رياء وسمعةً فهو من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، فما تنفعهم شهادة التوحيد، قال : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
стр. 161
حكم ترك أعمال الجوارح
لابد في الإيمان من التصديق بالله ، وأسمائه وصفاته، وربوبيته وإلاهيته، وهذا مما يتضمنه الإيمان بالله ، فيلزم أن يصدق المرء بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، ثم لابد مع هذا من نطق اللسان بشهادة التوحيد، والشهادة للرسل بالرسالة، خاصة خاتمهم محمداً ﷺ ، ثم لابد مع عمل القلب من الانقياد والحب والخضوع، ثم يستكمل الإنسان الإيمان الواجب عليه بأن يؤدي أعمال الجوارح الواجبة، ويترك ما حرم الله عليه، وهذه الأعمال الواجبة -خاصة الأركان الأربعة- من أعظم ما يثبت الإيمان في القلب، وهي -بلا نزاع- عند أهل السنة جزء من الإيمان، وهي عند طائفة منهم من أركانه التي إذا تركها الإنسان حتى يموت تاركاً لها رغم إقراره بوجوبها يكون كافراً.
وإن كان جمهور أهل العلم على أن التكاسل عنها مع الإقرار على النفس بالذنب لا يخرج من الملة، وهذا في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وأما ما سوى ذلك من الأعمال فإنه لا نزاع بين أهل العلم في أن ترك الواجب منها أو فعل المحرم مع وجود أصل الانقياد والحب والخوف والرجاء والإخلاص في كلمة التوحيد والشهادة لا يخرج من الملة، وهذا موضع النزاع بينهم وبين الخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة وتارك الواجب، وحكموا بخلوده في النار، والمعتزلة وافقوهم في ذلك، فكانوا من الفرق الضالة المضلة، والعياذ بالله.
أما أهل السنة فإنهم يقولون: إن الفاسق من أهل القبلة الذي يشهد الشهادتين، ويحرص على أركان الإسلام، ويحافظ عليها، هو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
وجمهور أهل العلم يرون أن ذلك أيضاً حكم من تكاسل عن بعض الأركان أو عن كلها، وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج، وذلك أنها حق (لا إله إلا الله)، ويلزم من قال: (لا إله إلا الله) أن يؤديها، ولكن لا يزول الإيمان بالكلية من القلب بزوالها، إلا أن تاركها على حافة الكفر، فيوشك أن يكفر بأيسر شيء، كما قال النبي ﷺ : (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)، ولكن هذا عند جمهور أهل العلم محمول على الكفر الأصغر الذي لا يخرج عن الملة، لكنه الذريعة والسبب الذي يوصل إلى الكفر الأكبر، ويقود إليه بأسرع طريق، كما ذكرنا أن النفاق الأصغر يقود ويؤدي إلى النفاق الأكبر، وربما يقود صاحبه إلى الاستهزاء والسخرية فيزول إيمانه، وكذلك ترك هذه الواجبات العظيمة -خاصة هذه الأركان- هو ذريعة إلى الشرك الأكبر والكفر الأكبر، فلا يستهينن إنسان بترك ذلك.
فإن ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج عند أهل العلم أغلظ وأشد من الزنا وشرب الخمر، فصلاة واحدة يتركها الإنسان حتى يضيع وقتها بالكلية أعظم ذنباً من أن يزني ولو مرات، وأعظم من أن يقتل النفس، وأعظم من أن يشرب الخمر ويسرق باتفاق العلماء؛ لأنهم -والعياذ بالله- يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال.
وكذا من أفطر عامداً في رمضان من غير عذر ولا مرض فإنه -والعياذ بالله- يشك في إسلامه أيضاً، ويظن به الزندقة والانحلال من الدين، وجريمته أغلظ من الزنا والقتل والسرقة وغيرها، وكثير من الناس يستهين بذلك، وما دروا أن النبي ﷺ قد قال: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله)، وليس ذلك خاصاً بالعصر وحدها، ولكنها الصلاة الوسطى المؤكد على أهميتها، والذي يظهر أن من فاتته صلاة مكتوبة حتى يأتي وقت التي تليها فقد حبط عمله كذلك، كما ثبت ذلك في حق من ترك صلاة حتى يخرج وقتها في بعض الروايات، وقد صححها غير واحد من أهل العلم، وهي (من ترك صلاة حتى يخرج وقتها فقد حبط عمله)، نسأل الله العافية.
стр. 162
الإيمان بين الدعوى والحقيقة
كثير من الناس يستهين بالصلاة فلا يصليها في وقتها، ويظن ذلك غير قادح في إيمانه.
ولا شك أن الإيمان بالله يقتضي طاعته، وطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ جزء من الإيمان به سبحانه، فالإيمان قول وعمل، فحين يقول المؤمن: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت) فلا بد من أن يعلم أنه قد دخل في ذلك ما ذكرنا، وهو يجدد إيمانه، ويزيل ما علق به من صدأ ونقص، والمؤمن يصدأ إيمانه وقلبه، ويحتاج إلى جلاء، ومن أعظم ما يجليه ذكر الله بالقلب واللسان، قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].
فدل ذلك على أن من الإيمان ما هو إيمان حقاً، ومنه ما هو دعوى غير صحيحة لا يكون صاحبها مؤمناً إيماناً حقاً، وإنما هو مقصر أصلاً، فدل على أنه لا يكون مؤمناً إلا من جمع هذه الخصال.
ومنها أنه إذا ذكر الله وجل قلبه، واضطرب خوفاً من الله وشوقاً إليه وحباً وتعظيماً له ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢] فهم يزدادون تصديقاً، وتدبراً وتفكراً، ومعرفة بالله وبأسمائه وصفاته، وحباً لله الذي أنزل هذه الآيات، وخوفاً منه الذي يحذرهم عقوبته، ويرغبهم في جنته وثوابه والقرب منه، فيخافون فوق ذلك، ويخشون سوء الحساب، فالقرآن يذكرهم وآيات الله توقظهم، فهم يزدادون به إيماناً كلما تليت عليهم آيات القرآن، وتنفعهم الذكرى كلما ذكروا، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وهكذا.
стр. 163
منزلة التوكل وثمراته
من صفات المؤمنين ما ذكره الله بقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، فالتوكل من الإيمان، كالرأس للجسد بالنسبة إليه، فلا تحصل عبادة الله إلا بالتوكل عليه والاستعانة به، ولذا جاء في دعاء النبي ﵊: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت)، مع أن التوكل داخل في الإسلام والإيمان، ولكن ذكر مستقلاً تأكيداً على أهميته، كما قال ربنا : ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٤ - ٨٦].
فدل ذلك على أن الإيمان والإسلام لابد فيهما من التوكل، فلا يكون الإنسان مسلماً مؤمناً إلا بالتوكل على الله، فالإسلام والإيمان يتضمنان التوكل، ومع ذلك خص بجملة مستقلة تنبيهاً على شرفه وتعظيماً لقدره، وذلك أنه لا ينال العبد حقيقة العبودية وحقيقة الإيمان والإسلام إلا بأن يستعين بالله ويتوكل عليه، ويعلم أنه لن ينال الخير إلا به، ولا قوة له إلا به سبحانه، وأن ما به من نعمة -وأعظم نعمة هي نعمة الإيمان والإسلام- فمن الله، ولذا يتوكل عليه في تحصيلها، وفي زيادتها وتثبيتها، وفي لقاءه الله بها، فبهذا يصح له
السؤال
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وبتحقيق التوكل يصح له قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
وإذا زال التوكل على الله زالت العبادة والإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالتوكل وإن كان من أعمال القلوب إلا أن له أثراً في سلوك الإنسان وفي كل شئون حياته.
فالتوكل يثمر للإنسان الخوف من الله وحده، ورجاؤه دون من سواه، والرغبة فيما عنده، فلا يرغب فيما عند الناس ولا يعبأ بهم، بل يصغرون في عينيه، وبه يعرف حقيقة قدرهم، ويوقن بأنه لا قوة إلا بالله، فتعمل الأعمال خالصة لوجه الله لا للناس، فلا يرجوهم المتوكل على الله ولا يخافهم ولا يتوكل عليهم، ولا يعتمد على أحد منهم، ويأخذ بالأسباب غير معتمد عليها، إنما مستعيناً بالله، كما قال النبي ﷺ : (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)، فهو يحرص على ما ينفعه غير مستعين بأحد سوى الله، فلا يتوكل إلا عليه، وقد قال النبي ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وكل هذا من التوكل على الله ، ويعلم المتوكل عليه سبحانه أن الأسباب لا تضر ولا تنفع، وإنما ينفع ويضر ربها وخالقها ومدبر الأمر ، فعند ذلك لا يثق قلبه إلا بربه .
стр. 164
ميادين التوكل
ولا يتوكل العبد إلا على ربه في جلب مصالح آخرته أولاً، كما قال النبي ﷺ : (واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
ويتوكل على الله في جلب مصالح دنياه ثانياً، فهو يتوكل على الله في صلاح نفسه، وصلاح أهله وأولاده، وفي أمر رزقه، وفي دفع أعدائه، وفي شفاء أمراضه، وفي تحقيق مصالحه، وأعظم من ذلك التوكل على الله في صلاح دين الخلق ونصرة الإسلام، وهو توكل الرسل وأتباعهم، فهم يتوكلون على الله في نصرة الدين، وصلاح العباد حتى يحققوا له العبودية في الأرض، فينجوا عنده .
فالمؤمن الصادق يتوكل على الله في صلاح نفسه وصلاح غيره من الخلق، ويتوكل على الله في نصرة الإسلام حتى يظهره الله ، كما قال الرسل لأقوامهم الذين آذوهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢]، وحكى الله عنهم قولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم:١٢].
فالله جعل توكل الرسل في ثباتهم على الحق، وصبرهم على أذى قومهم حتى ينصرهم الله ، ويستخلفهم في الأرض، ويمكنهم من الذين ظلموا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٥] أي: دعت الرسل ربها بالفتح، أي: بالحكم بينهم وبين قومهم، وهذا من كمال التوكل على الله، فهم يعلمون أن الله يقص الحق وهو خير الفاصلين، وأنه الذي يؤيد رسله وأتباعهم بما شاء من أنواع القوة، فهم لا يعتمدون على قوتهم ولا عددهم ولا عدتهم، وإن كانوا يأخذون بما أمروا به من ذلك شرعاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠].
لكن يعلمون أن الأمر ليس بأيديهم ولا بأيدي من خلفهم، وإنما الأمر لله، والغيب له وإليه يرجع الأمر كله، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣].
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
стр. 165
علامات صدق التوكل
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فإن من علامات صدق التوكل على الله: أن لا يفرح الإنسان بإقبال الأسباب، وأن لا يضطرب عند فقدها، بل يكون ساكناً، أي: قد نزلت عليه السكينة من الله لإيمانه وتوكله، كما كان النبي ﷺ حين أتاه المشركون وهو في الغار، حيث قال : ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
وحين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، قال الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
ومع أن مواقف الشدة واجتماع الأحزاب وتكالب الأعداء تجعل أكثر القلوب في خوف وهلع، إلا أن رسول الله ﷺ وطائفة المؤمنين الكمل معه الذين أنزل الله سكينته عليهم كانوا في حالة أخرى، كما قال الله عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
وهذا الذي كان عليه النبي ﷺ ، فقد كان قمة شامخة، وفاض من قلبه من السكينة التي أنزلها الله عليه وعلى قلوب أصحابه ما سكنهم وثبتهم الله به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وذلك في مرات عديدة في مواطن الشدة، وهذا أمر عجيب، حيث يكون اجتماع الأعداء، إحداق الخطر، وتجد الأسباب كلها تقتضي هلاك العبد، ومع ذلك ينزل عليه من السكينة ما يجعله لا يعبأ بالخلق، فالنبي ﷺ في يوم أحد، وفي ليلة الأحزاب، وفي فرار الناس عنه يوم حنين، وفي يوم الحديبية يوم البيعة حين بلغه أنه قد قتل عثمان، في ذلك كله نزلت عليه سكينة، وأفاضها الله تعالى على قلوب أصحابه، بل تفيض على قلوب المؤمنين في كل زمان ومكان، فإن من سمع هذه المواقف وتدبرها نزلت عليه سكينة من الله ، فينزل الله السكينة في قلوب المؤمنين بمعرفة مواقف الرسل الكرام، وانظر وتأمل في مواقف موسى في مواجهة فرعون، فإن فعلت تنزلت عليك السكينة؛ لأن موسى ﷺ أيده الله بقوله: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وهو مع المؤمنين أيضاً عند كمال التوكل عليه، واستحضار معيته ، وأنه ناصر عباده، ومعل كلمته، فهذا كله يجعل الإيمان يستقر في القلب، ويجعل السكينة تتنزل، فلا يحصل اضطراب عند إدبار الأسباب المحبوبة، ولا يحصل فرح عند إقبالها، ولا يحصل خوف ولا قلق عند وجود الأسباب المكروهة، بل يوقن العبد أن الله آخذ بنواصي العباد، وبذا يغري أعداءه بأن يفعلوا ما يريدون، كما قال هود ﵇ ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٤ - ٥٦].
стр. 166
حقيقة التوكل
إن التوكل ليس مجرد كلمة تقال، وإنما هو إحياء وتذكير باللسان للمعنى الذي لابد أن يكون مستقراً في القلب.
وإذا أردت أن تعرف صدق التوكل فانظر إلى مسألة السكينة، وانظر إلى الطمأنينة في ذكر الله، واستشعار ضعف العباد وعجزهم عند قدوم الأقدار، فإذا وجدت هذا الأمر حاصلاً فستسعد سعادة الدنيا والآخرة، وستجد نفسك مطمئناً ساكناً، والدنيا حولك تموج وتضطرب ولا قلق عليك، فإذا كنت لا تقلق من هذا فأنى يصيبك ضرر مما دونه؟! وقد كان أصحاب النبي ﷺ لا يعبئون بما يصيبهم وهم يجدون روائح الجنة، ويجدون لذة العبادة، ولا يشعرون بما يقع حولهم من أهوال تشيب لها الولدان، ويفر من يفر بسببها وهم في فلكهم.
كحال أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه الذي قتل وبه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وجعفر بين أبي طالب الذي قتل وما به جرح في ظهره، بل كل جروحه في مقدمته رضي الله تعالى عنه، وقد قطعت يداه ولم يعبأ بذلك، تقطع يده فيمسك الراية بيده الأخرى، فتقطع فيمسكها بعضديه حتى يقتل شهيداً رضي الله تعالى عنه.
وهكذا مصعب بن عمير يقتل دون اللواء، ولا يسقط اللواء إلا بعد موته فيرفعه غيره.
كانوا لا يعبئون بما يقع حولهم، متوكلين على الله لنزول السكينة والطمأنينة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وإذا وجدت اضطراباً وفزعاً فعند ذلك اعلم أن التوكل يحتاج إلى تجديد، وأن الإيمان يحتاج إلى جلاء، ويحتاج إلى إزالة الأمراض من القلب بشهود ملك الله وتدبيره وعزته وقهره، وأنه هو الآخذ بناصية كل شيء، وأنه ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
وأن العباد لا يملكون دقات قلوبهم، ولا نبض عروقهم، ولا يملكون جريان الدم في هذه العروق، ولا يملكون حركة ولا سكوناً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فكيف يهبون ذلك لغيرهم؟! كما قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣]، فإذا وقع الاضطراب والفزع فإن التوكل يحتاج إلى تجديد الشهود لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، أي: تحقيق الإيمان والإسلام، وهو ما يشير إليه قوله ﷺ : (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت) فهنا يصح التوكل على الله ، وتحقيق الإيمان يكون بالإنابة والرجوع إلى الله ؛ لأن جلاء القلوب بترك الذنوب؛ فالذنوب هي التي تغشي القلب وتعميه وتصمه حتى لا يرى ولا يسمع الحقائق الإيمانية ولا يشعر بها، ولا يجد طعمها ولذتها، فلكثرة الذنوب لا نجد لهذه الحقائق الإيمانية تطبيقاً في الواقع، بل نجد رعباً وهلعاً وخوفاً وفزعاً، نسأل الله العافية، فإذا كان الأمر كذلك احتاج الأمر إلى الإنابة، فنسأل الله أن يجعلنا منيبين إليه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر الدعاة إليك في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، إنك أنت الغفور الرحيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 167
المستقبل لهذا الدين
يواجه المسلمون اليوم حرباً شعواء على دينهم في أطراف الأرض، وهذه هي سنة الله تعالى في هذا الوجود، إلا أنه تعالى قد جعل للمسلمين ما يخفف عنهم وطأة هذه البلوى، فهناك نصوص عظيمة تحمل البشارات إليهم بتحقيق موعود الله في التمكين لدينه، وهي كثيرة متنوعة، تجمع كلها على أن العاقبة للمتقين، وفي ثناياها شروط هذه العاقبة المباركة، وهي الإيمان والعمل الصالح وتحقيق الولاء والبراء، وبغير ذلك لن يجني أهل الإسلام ثمرة هذا النصر المرتقب العظيم.
стр. 168
بشارة الله بنصر المؤمنين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌، أما بعد: فامتثالاً لأمر الله الذي أمر به موسى صلى الله وعليه وآله وسلم حين كثر أذى فرعون وقومه لموسى ومن معه فقال : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧] هذا الأمر من الله وهو قوله تعالى (وبشر المؤمنين) وبشر المؤمنين امتثالاً له نذكر ما وعد الله به هذه الأمة من الرفعة والسناء والتمكين في هذه الأرض، وأن الله سيورثها هذه الأرض بقدرته وهو العزيز الحكيم، وهو العزيز الرحيم، وهو القوي المتين، ولا حول ولا قوة إلا به، فهو العزيز المقتدر يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، بيده الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أمره في ملكه نافذ، لا يحتاج إلى تثنية وتكرار ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] فهو أسرع مما يتصور الناس وإنه قد وعد هذه الأمة وعوداً وبشرها ببشارات لم تكن لأمة قبلها، فرسولها هو البشير النذير محمد ﷺ أرسله ربه ﴿َمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦].
فعندما تشتد الظلمات، وعندما تجتمع القوات، وعندما تحيط بالمسلمين الأحزاب والأجناس نستبشر بأمر الله ونستيقن بوعده، فإن ذلك من أعظم أسباب النصر والفرج والتمكين بإذن الله، قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، وأمر الله بتبشير المؤمنين نابع من اليقين بوعده حتى تستيقن القلوب وتستبشر، إذ إن أشد ظلمات الليل ما يكون قبل الفجر، والله جعل المبشرات من كلامه سبحانه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
وهو سبحانه جعل المبشرات كذلك بأن المستقبل لهذا الدين من كلام نبيه الكريم صلى الله وعليه وآله وسلم، وجعل الله أكثر هذه المبشرات عندما يزداد الظلم على أمة الإسلام، وعندما يطغى العدو الطغيان البالغ، كما قال : ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧ - ١٢٩].
فالله عندما جعل هذه البشارة من موسى ﵊ لقومه في صيغة العموم لم يجعلها قاصرة على زمنه ومكانه وقومه، بل قال: ((إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)) [الأعراف:١٢٨].
وهذا عموم لا يقبل التخصيص لزمن أو لأمة من الأمم، لا يمكن أن يكون خاصاً بوقت دون وقت، بل في كل اللحظات في كل العصور الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعبرة بمشيئته وأمره النافذ.
(والعاقبة للمتقين)، وهي إشارة من موسى ﷺ بل وأمر لكي يحققوا التقوى، وأن يكثروا من القرب من الله ، وأن يتقوا مساخطه وما يغضبه، ومن أعظم ما يغضبه موالاة الكافرين، والدوران في فلكهم، والرضا بكفرهم، والخضوع لما يطلبونه من الباطل والعياذ بالله.
стр. 169
محاولة الكفار القضاء على دين الإسلام
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٥ - ٢٨].
فهذا موجب لحبوط العمل، وهو طاعة الكافرين الذين يكرهون ما أنزل الله في بعض الأمر ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
وصدق الله ، فقد بدت البغضاء من أفواه القوم للإسلام بدت في فلتات ألسنتهم، وهم يحاولون إزالتها بكل طريق، ولكن ما تخفي صدورهم أكبر، ولو حلفوا ألف يمين أنهم يحبون الإسلام، وأنهم لا يريدون به بأساً لكفانا ما في كتاب الله سبحانه وتعالى عما في قلوبهم، وهو العليم الحكيم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، يعلم ما تكنه صدورهم وما يعلنون.
فهو الذي أخبرنا عما في إرادتهم من إطفاء نور الله ، قال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣٣].
فالله بين ما في قلوبهم من إرادة فاسدة نجسة خبيثة لإطفاء نور الله، ولكنه بين عجزهم التام عن ذلك؛ فإنه كما لا يمكن أن تطفئ الأفواه نور الشمس فأولى بها ألا تطفئ نور الله ، فهذا الدين يحتاجه الناس أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل أشد من الهواء والماء والنفس الذي يتنفسونه، فهم يحتاجون إلى الدين لحياة قلوبهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وإن الشقاء الذي في العالم اليوم إنما حدث بسبب الفساد الذي ظهر في البر والبحر لما ظهر أهل الكفر والنفاق على المشارق والمغارب، فملئوا الدنيا فساداً وطاعة للشيطان تخالف ما جاءت به رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام، ولو انتسب بعضهم إلى بعض الرسل، فهم في حقيقة الأمر مكذبون بهم، وهم أعداء لهم، إذ خالفوا ما جاءوا به من توحيد الله وتصديق كل رسول يأتي بعدهم خاصة خاتم النبيين محمد ﵌، فهم يكذبونه ويعادونه، ويعادون أولياءه.
وقد جعل الله من المبشرات أنه أبى أن ينطفئ هذا النور، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]، وهذا من أعظم البشارات، فالكافرون يكرهون ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وهذه صفة فعلية، حيث يأبى الله إلا أن يتم نوره، ومن يقف بإرادته أمام إرادة الله؟! والله نافذ أمره وحده لا شريك له، ولا قوة إلا به ، قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣] أي: والدين الحق، لا هدى خلاف هذا الدين، ولا حق سواه، فالإسلام هو الحق، لا دين عند الله غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
стр. 170
دين الله منصور لا محالة
دين الله الذي جاء به محمد ﷺ هو المنصور، ولا يمكن أن يظهر في نهاية المطاف وفي عاقبة الأمر دين غيره، فالذي يظهر هو ما جاء به النبي ﷺ ، وهو منهج الجماعة، وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فأي بدعة أو انحراف أو تبديل للدين لن يكون له الظهور بإذن الله، وأي محاولة لتشويه صورة الإسلام، أو لإقناع المسلمين بترك بعض هذا الدين، أو أن يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض لكي يوافقوا أغراض الكفرة والمنافقين، ويتركوا التزامهم بما جاء به نبيهم ﷺ ؛ أي محاولة لذلك لن تفلح، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] فعملهم في ضلال، وهذه مبشرة من المبشرات، فلا بد من أن يخطئ الهدف ذلك الذي ضل وتصور تصوراً باطلاً مخالفاً للحقيقة ومخالفاً لما يوجبه الله ، فالله أضل أعمالهم، وجعل سعيهم في ضلال، وجعلهم يقصدون أهدافاً فلا تحقق، ويتصورون موازين معينة بالقوة والبقاء فلا تقوم هذه الموازين ولا تنطبق، وتتغير بقدرة الله .
стр. 171
محاربة الكفار للمسلمين لانتسابهم للإسلام
لقد جرب أعداء الإسلام مرات عديدة وحاولوا أن يمحوا اسم الإسلام بالكلية، وكم من مرات قتلوا فيها من المسلمين، الملايين لمجرد انتسابهم فقط إلى هذا الدين، وربما كان بعضهم لا يعلمون منه إلا كلمة (لا إله إلا الله)، ولقد صدق النبي ﷺ في قوله: (يأتي على الناس زمان لا يدرون ما صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أقوام يقولون: لا إله إلا الله، وجدنا آباءنا على هذه الكلمة فنحن نقولها).
ولقد أخبرني بعض إخواننا الذين ذهبوا إلى كثير من الشعوب المسلمة التي رزحت تحت الاحتلال الشيوعي الكافر سنيناً طوالاً أنه سأل صبيان المسلمين الذين لا يعرفون إلا اسم الإسلام، ولا يعرفون إلا كلمة التوحيد، سألهم: من نبيكم؟ فقالوا: المسيح! فهم لا يعرفون نبيهم محمداً رسول الله ﷺ ! وأخبرني رجل ذهب إلى هناك أن امرأة عرفت أن اسمه محمد فقالت له: أأنت مسلم؟ فقال: نعم، وأنت مسلمة؟ فقالت: نعم.
قال: كيف ذلك؟ قالت: آباؤنا وأجدادنا كانوا يقولون: (لا إله إلا الله)! لا يعرفون غير هذه الكلمة، ومع هذا قتل منهم الملايين! وتأمل بعض ما نقل من أخبار في غمرة أحداث المسلمين المؤلمة، فقد قتل الصينيون الشيوعيون كثيراً من المسلمين في التركستان الشرقية، ذلك الإقليم الرازح تحت الاحتلال منذ أكثر من مائة سنة، احتله الصينيون بالمذابح، وقتلوا إرضاءً لأسيادهم بعض هؤلاء المسلمين بعد أن سقوهم الخمر وأطعموهم الخنازير والعياذ بالله، وطافوا بهم في الطرقات من أجل إرضاء الغرب كما يزعمون.
لقد أصبح المسلمون قرابين يضحى بها من أجل مجرد الاسم فقط، ومع ذلك وجدوا أن الإسلام لا يمكن أن يموت، بل ينبت من جديد من تحت تلك الأرض التي أحرقوها، وإذا به ضارب بجذوره في كل بقاع الأرض.
ولذلك هم يحاولون محاولة أخرى لأن يتغير هذا الدين على ما يوافقون، فيقولون: دعوهم على اسمهم، فسوف يقاتلون بكل ما يملكون من قوة دفاعاً عن هذا الاسم، فلا تحاولوا إثارة ذلك، ولكن غيروا تصورهم عن هذا الدين حتى يوافق ما يريده الكفار! والله تعالى ما وعد بظهور اسم الإسلام فقط، بل وعد سبحانه بظهور الهدى ودين الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
стр. 172
أهمية العلم بالدين والعمل به في مواجهة الحرب على الإسلام
ولذا يجب على المسلمين أن ينتهزوا الفرصة فيتعلموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما جاء بها، فما هو الذي يمنع شباب المسلمين من أن يحفظوا القرآن كله؟! وما يمنعهم من أن يتعلموا حديث رسول الله ﷺ وأن يتعلموا التوحيد والفقه والتفسير؟! فهذه كلها علوم موفرة بحمد الله لمن كان عنده همة وعزيمة لحفظ هذا الدين وبقائه نقياً كما جاء به النبي ﵊، وذلك من أعظم ما يكون غصة في حلوق الأعداء لا يمكن أن تبتلع، وكالحجر الأصم الصلب الذي لا تمضغه الأضراس مهما أوتيت من قوة، بل هو الذي يكسر الأضراس التي تريد أن تمضغه، وهو الذي يرغمها على أن تلفظه.
وأما انحراف الناس في فهم الدين فهو أيسر طريق إلى أن يمضغ الدين فيكون مثل اللبان الطري الذي يشكل على ما تريده الأضراس ثم يبتلع بعد ذلك، ويكون لقمة سائغة إذا لم يكن أهل الحق ثابتين عليه، كما وصف النبي ﷺ القلوب في آخر الزمان فقال: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء) أي: مثل الصخر نقياً جداً، في صفاء ونقاء الزجاج وفي صلابة الصخر (لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، وأسود كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه).
فالهوى يحركه بحيث يرى الحق اليوم شيئاً ويراه غداً عكسه بالكلية، وهذه الظلمة في القلوب يجلبها الظلم، وكلما اشتد الظلم زادت الظلمة حتى يكون المرء أشد عمىً من الأعمى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فيقول القول اليوم ويرجع عنه غداً، ويرى الأمر اليوم منكراً وغداً يصبح معروفاً، وبالأمس كان باطلاً فأصبح اليوم حقاً، وكان ظلماً وصار اليوم عدلاً، وهكذا دائماً يكون من كان في قلبه ظلمات الجهل والضلال والعياذ بالله، وهو قلب أسود مرباد قذر نجس فيه الإرادات الفاسدة، وهذه صفة اليهود والنصارى، فاليهود عندهم الإرادات الفاسدة، والنصارى عندهم الضلالات الفاسدة والعياذ بالله، كما قال النبي ﷺ : (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون).
وكل منهم يجمع الغضب والضلال، ذلك أن اليهود علموا الحق وأعرضوا عنه، والنصارى لم يعلموا الحق أصلاً، فالذي قلبه أسود مرباد جمع الصفتين: أسود فهو بظلمات الضلال مرباد قذر، وذلك بفساد الإرادة، فعنده الغي والضلال المنزه عنه أهل الإيمان أتباع رسول الله ﷺ الذي مدحه الله فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]، فليس هناك ضلال ولا غي، وإنما هو اعتقاد صحيح وعلم ظاهر نافع حقيقي، وإرادة فيها الإخلاص لله ، يقول ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فأمر بالمبادرة بالأعمال قبل فتن كقطع الليل المظلم يحتار فيها كثير من الناس، إلا من سبق بالعمل الصالح حتى يتضح له الحق، ويظهر له النور بإذن الله ﵎ من وسط ظلمات الجهل.
стр. 173
مبشرات قرآنية بأن المستقبل لهذا الدين
стр. 174
البشارة بنصر الله تعالى لرسله والذين آمنوا
المبشرات تملأ كتاب الله ، قال : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] فليس هذا وعداً خاصاً بالرسل، فقد نصر الله رسوله ﷺ ، وأنتم -يا أهل الإسلام- موعودون بالنصر مثلما نصرت الرسل إذا حققتم الإيمان، والإيمان قول وعمل ونية واعتقاد وسلوك وخلق، تحقيق لما جاء به النبي ﵌ والتزام صادق، وهذا الذي يجب أن نقدمه للإسلام، فإذا كنا نعجز عن أن نقدم للإسلام أنفساً أو أموالاً فإننا لا نعجز عن أن نقدم قلوباً سليمة بتوفيق الله، فنحن نستطيع أن نقدم الشخصية المسلمة في كل واحد منا يحقق التزامه الصادق بالإسلام، ويكون داعياً إلى الله بسلوكه وعمله وقوله ودعوته، فيبلغ الحق للناس، وإذا رأوه ملتزماً التزاماً صحيحاً، فإن ذلك من أعظم ما يجذبهم إلى الدين.
وإن الظلم والطغيان والعدوان مما يغير الله به القلوب تغييراً عجيباً إلى الالتزام بالدين خاصة إذا كان الظلم من أجل أنه مسلم، أو من أجل أن المسلمين أعلنوا كلمة الحق والتوحيد والدين ورايتهم الإسلامية وما نقم منهم غير ذلك، وما أخذ عليهم غير ذلك في الحقيقة، وإن زعم الظالمون بغير دليل ولا بينة أنهم نالوا منهم شيئاً، وليس عندهم أدنى دليل، والناس يقولون في العالم كله: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، إلا في موازين القوم المجرمين الظالمين، فإن عندهم أن المتهم يستحق الإحضار حياً أو ميتاً بدون أن يثبت أي دليل للإدانة، وإنا لنعجب من هذا الظلم الذي صارت قلوب الملايين تقبله وتقر بمشروعيته، وتسمي ذلك إقامة للعدالة، وبالغوا هم في ذلك فنسبوا لأنفسهم صفة الربوبية فقالوا: هذه هي العدالة المطلقة نعوذ بالله! فالظلم المطلق الأكبر يسمى العدالة المطلقة! عجباً للقوم! لكنها موازين الأرض الفانية، فالقوة عندهم هي الحق وهي العدل، والذل هو الذي يجعل الإنسان مقهوراًً مغلوباً، والمنتصر هو صاحب الحق مهما كان مبطلاً وظالماً وطاغياً، ولو كان مثل قاطع الطريق بل أسوأ فإنه صاحب الحق عند القوم، هذه موازينهم.
أما أن يكون الحق بميزان شرع الله الذي لا حق سواه فهذا عندهم لا يصح، وكم من راض في المشارق والمغارب بالظلم والعدوان وهو جالس في بيته! وإن لم يشارك إلا بهمته فإنه محصور مع الظالمين وهو تابع لهم، والعياذ بالله.
فما يفعله الظالمون والطغاة والكفار عند هؤلاء القوم هو من العدل والحق ومما ينبغي أن يعان عليه، نعوذ بالله من ذلك، فالإعانة على الظلم ظلم، وربما كان الإنسان معيناً للظالم بهمته دون أن يكون معيناً بماله أو نفسه، فإذا كان معيناً بماله ونفسه وأمره وقوله وفعله فهذا -والعياذ بالله- حكمه حكم الظالم ومصيره عند الله كمصيره، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢].
وهذه من البشارات، فإن (عسى) من الله واجبة.
стр. 175
البشارة بغلبة حزب الله تعالى
وعندما يخشى المنافقون أن تصيبهم دائرة لأجل ذلك يوالون اليهود والنصارى ويصرحون بذلك بألسنتهم، فعند ذلك يتحقق وعد الله إذا حققنا نحن الإيمان وكنا من حزب الله الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ َ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
فإذا حققنا ما أمر الله به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٤ - ٥٦] فإذا حققنا ذلك سنكون حزب الله الغالب.
وهذه بشارة مستقلة، فإن حزب الله هم الغالبون، كما قال : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
стр. 176
البشارة بخسارة حزب الشيطان
وقد بين في بشارة أخرى مستقلة أن حزب الشيطان هم الخاسرون، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٥].
قال : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٨ - ١٩].
فالكفرة والمنافقون فريق واحد، والذين تولوا قوماً غضب الله عليهم هم المنافقون الذين تولوا اليهود، فـ عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين هو الذي والى اليهود ضد رسول الله ﷺ والمسلمين، فبشر الله المؤمنين بأن حزب الشيطان خاسرون، وقال في ذلك أيضاً: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، أقسم الله لأغلبن أنا ورسلي، وذلك -كما ذكرنا- ليس للرسل فقط، بل غلبة الرسل إنما تكون كذلك بغلبة أتباعهم بأن ينتصر أتباعهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وليس ذلك فقط في الآخرة، ولكن في الدنيا والآخرة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
стр. 177
البشارة بهزيمة اليهود والمنافقين
والله بشر المؤمنين ببشارات متعددة، قال : ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢].
وهذه بشارة مستقلة، وهي قوله تعالى: ((ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)) وتأمل (ثم) في هذا الموضع، فهي تقتضي نوعاً من التراخي، وذلك لنزول الابتلاء، وأن الله يبتلي عباده، وقد أرسل رسوله ﷺ للابتلاء، كما في الحديث: (وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).
فالله بعثه ليبتليه ويبتلي به، فجعله فرقاناً بين الحق والباطل، وبناءً على ذلك الابتلاء فالله يفرق بين أهل الحق المتابعين لرسول الله ﷺ الذين تكتب لهم الرحمة، والذين يكتب لهم الرضوان، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فالفلاح في اتباع النور الذي أنزل مع رسول الله ﷺ ، وهو الكتاب والحكمة القرآن والسنة، ففي هذا يكون الفلاح، وفي غيره يكون الخسران، فالله جعل محمداً ﷺ فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، فمن اتبعه كان محقاً ومن خالفه كان مبطلاً ذليلاً عند الله، ولا بد من أن يذل الله من عصاه، قال النبي ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
стр. 178
البشارة بعزة المؤمنين وعذاب المنافقين وضلال سعي المجرمين
قال الله : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا * أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩].
وكل هذه مبشرات؛ لأن الله له العزة، وقد جعلها لعباده المؤمنين، قال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
ولذلك فإن الاعتزاز والتعزز إنما يكون بهذا الدين بطاعة الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فإن كنت تريد العزة فعليك بالكلم الطيب، وعليك بالعمل الصالح، وأما مكر السيئات فقد قال الله تعالى عن أهله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، وكل هذه المبشرات قد تكررت عشرات المرات في كتاب الله بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله وأنه يبور ويبطل، ويضل سعي أهله ويبطل مكرهم وكيدهم، ويتحلل ويزول، ولا يتحقق غرضهم، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٤٧] فالله جعلهم في ضلال فلا بد من أن يضلوا، ولا بد من أن يشقوا وأن يعذبوا، فقلوبهم فيها من أنواع السعير والنار ما يجعلهم يوم القيامة في النار.
وقال : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
ولا بد من أن نوقن بذلك، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينََ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٩].
وهذه كلها مبشرات عظيمة ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ َ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]، فلا بد من أن يمحق الله الكافرين، وإنما يمحص المؤمنون مدة ثم تكون لهم العاقبة، وهكذا الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، كما قال هرقل عندما سأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ ، فالله أعلى وأجل، وكلمة الله هي العليا.
стр. 179
علو كلمة الله ورجوع الكافرين بالحسرة والبوار
والله قد وعد بأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
ومقتضى عزته وحكمته أن يسفل كلمة الكافرين، وأن يعلي كلمته بفضله وبرحمته وبعدله ، ويمحق الكافرين ويذلهم لخلافهم رسوله ﷺ ، كما قال تعالى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٤٠]، نعم المولى يتولى أمر المسلمين، فإذا قيل: من للمسلمين يتولى أمرهم وقد تخلى عنهم القريب والبعيد ولا يوجد من يحميهم ولا يوجد من يؤيدهم؟ قلنا: يتولاهم ربهم ((نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ))، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
وكم تبلغ الكرة الأرضية في هذا الكون الواسع؟! وكم حجمها في هذا الوجود؟! فأمر الله فيها نافذ وهي كذرة، كما قال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] فالسموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدكم، هكذا أخبرنا رسول الله ﷺ .
فالذين كفروا ينفقون أموالاً كثيرة، وما أنفقوا في أمر من الأمور مثلما أنفقوا في الحرب ضد الإسلام وأهله والإعداد للإسلام وأهله، ومع ذلك فإنهم سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة؛ لأنهم يجدون غير ما يريدون، ويتحقق عكس مقصدهم، فهم يريدون إضلال الناس والله يهديهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، فهم يريدون إضلال الناس فيهديهم الله، ويريدون هزيمة الإسلام فينصره الله، ويريدون إذلال المسلمين فيعزهم الله، وكفى بربك هادياً ونصيراً، ولذا يتحسرون، كما قال تعالى: ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ))، وكل ذلك فيه بشارة، فإن حسرتهم هي في عدم تحقق مقاصدهم، ثم يغلبون في النهاية، وتأمل (ثم) هنا، فسوف يتحقق الأمر وإن طال المدى.
стр. 180
الحكمة في ابتلاء المؤمنين
وإن قتل من قتل من المسلمين فذلك لكي ينالوا المنازل العالية الرفيعة، ولينالوا الشهادة عند الله، فالله يريد أن يتخذ شهداء يضحون بأنفسهم في سبيل الله، وهو يريد تمحيص المؤمنين، ويريد إظهار النفاق، يريد أن ينجم ويظهر لكيلا يبقى عند الناس شبهة، ويظهر في الناس معسكر إيمان لا نفاق فيه، ومعسكر نفاق لا إيمان فيه، لكي يقدم من يقدم على نصرة الكفر وأهله على بينة، ولكي يحيا من حي بالإسلام على بينة، ويهلك من هلك عن بينة، فالله عليم حكيم له الحمد، وما يقدره من أمور تكرهها النفوس فإنه يجعل من ورائها خيراً كثيراً، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩].
وقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
إنَّ الله سبحانه جعل عاقبة الكفار أن يُغلبوا ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)) فلماذا قدر الله ذلك؟ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ [الأنفال:٣٧ - ٣٨] أي: إلى الكفر والظلم والعدوان ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨].
следующие страницы →