← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

البشارة بخسارة حزب الشيطان وقد بين في بشارة أخرى مستقلة أن حزب الشيطان هم الخاسرون، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٤ - ١٥]. قال : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٨ - ١٩]. فالكفرة والمنافقون فريق واحد، والذين تولوا قوماً غضب الله عليهم هم المنافقون الذين تولوا اليهود، فـ عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين هو الذي والى اليهود ضد رسول الله ﷺ والمسلمين، فبشر الله المؤمنين بأن حزب الشيطان خاسرون، وقال في ذلك أيضاً: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، أقسم الله لأغلبن أنا ورسلي، وذلك -كما ذكرنا- ليس للرسل فقط، بل غلبة الرسل إنما تكون كذلك بغلبة أتباعهم بأن ينتصر أتباعهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وليس ذلك فقط في الآخرة، ولكن في الدنيا والآخرة ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].

стр. 177

البشارة بهزيمة اليهود والمنافقين والله بشر المؤمنين ببشارات متعددة، قال : ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١١ - ١٢]. وهذه بشارة مستقلة، وهي قوله تعالى: ((ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)) وتأمل (ثم) في هذا الموضع، فهي تقتضي نوعاً من التراخي، وذلك لنزول الابتلاء، وأن الله يبتلي عباده، وقد أرسل رسوله ﷺ للابتلاء، كما في الحديث: (وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك). فالله بعثه ليبتليه ويبتلي به، فجعله فرقاناً بين الحق والباطل، وبناءً على ذلك الابتلاء فالله يفرق بين أهل الحق المتابعين لرسول الله ﷺ الذين تكتب لهم الرحمة، والذين يكتب لهم الرضوان، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. فالفلاح في اتباع النور الذي أنزل مع رسول الله ﷺ ، وهو الكتاب والحكمة القرآن والسنة، ففي هذا يكون الفلاح، وفي غيره يكون الخسران، فالله جعل محمداً ﷺ فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، فمن اتبعه كان محقاً ومن خالفه كان مبطلاً ذليلاً عند الله، ولا بد من أن يذل الله من عصاه، قال النبي ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

стр. 178

البشارة بعزة المؤمنين وعذاب المنافقين وضلال سعي المجرمين قال الله : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا * أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩]. وكل هذه مبشرات؛ لأن الله له العزة، وقد جعلها لعباده المؤمنين، قال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. ولذلك فإن الاعتزاز والتعزز إنما يكون بهذا الدين بطاعة الله كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فإن كنت تريد العزة فعليك بالكلم الطيب، وعليك بالعمل الصالح، وأما مكر السيئات فقد قال الله تعالى عن أهله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، وكل هذه المبشرات قد تكررت عشرات المرات في كتاب الله بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله وأنه يبور ويبطل، ويضل سعي أهله ويبطل مكرهم وكيدهم، ويتحلل ويزول، ولا يتحقق غرضهم، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٤٧] فالله جعلهم في ضلال فلا بد من أن يضلوا، ولا بد من أن يشقوا وأن يعذبوا، فقلوبهم فيها من أنواع السعير والنار ما يجعلهم يوم القيامة في النار. وقال : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]. ولا بد من أن نوقن بذلك، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينََ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٩]. وهذه كلها مبشرات عظيمة ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ َ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]، فلا بد من أن يمحق الله الكافرين، وإنما يمحص المؤمنون مدة ثم تكون لهم العاقبة، وهكذا الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، كما قال هرقل عندما سأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ ، فالله أعلى وأجل، وكلمة الله هي العليا.

стр. 179

علو كلمة الله ورجوع الكافرين بالحسرة والبوار والله قد وعد بأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠]. ومقتضى عزته وحكمته أن يسفل كلمة الكافرين، وأن يعلي كلمته بفضله وبرحمته وبعدله ، ويمحق الكافرين ويذلهم لخلافهم رسوله ﷺ ، كما قال تعالى ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١]. وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٤٠]، نعم المولى يتولى أمر المسلمين، فإذا قيل: من للمسلمين يتولى أمرهم وقد تخلى عنهم القريب والبعيد ولا يوجد من يحميهم ولا يوجد من يؤيدهم؟ قلنا: يتولاهم ربهم ((نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ))، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. وكم تبلغ الكرة الأرضية في هذا الكون الواسع؟! وكم حجمها في هذا الوجود؟! فأمر الله فيها نافذ وهي كذرة، كما قال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] فالسموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدكم، هكذا أخبرنا رسول الله ﷺ . فالذين كفروا ينفقون أموالاً كثيرة، وما أنفقوا في أمر من الأمور مثلما أنفقوا في الحرب ضد الإسلام وأهله والإعداد للإسلام وأهله، ومع ذلك فإنهم سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة؛ لأنهم يجدون غير ما يريدون، ويتحقق عكس مقصدهم، فهم يريدون إضلال الناس والله يهديهم ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، فهم يريدون إضلال الناس فيهديهم الله، ويريدون هزيمة الإسلام فينصره الله، ويريدون إذلال المسلمين فيعزهم الله، وكفى بربك هادياً ونصيراً، ولذا يتحسرون، كما قال تعالى: ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ))، وكل ذلك فيه بشارة، فإن حسرتهم هي في عدم تحقق مقاصدهم، ثم يغلبون في النهاية، وتأمل (ثم) هنا، فسوف يتحقق الأمر وإن طال المدى.

стр. 180

الحكمة في ابتلاء المؤمنين وإن قتل من قتل من المسلمين فذلك لكي ينالوا المنازل العالية الرفيعة، ولينالوا الشهادة عند الله، فالله يريد أن يتخذ شهداء يضحون بأنفسهم في سبيل الله، وهو يريد تمحيص المؤمنين، ويريد إظهار النفاق، يريد أن ينجم ويظهر لكيلا يبقى عند الناس شبهة، ويظهر في الناس معسكر إيمان لا نفاق فيه، ومعسكر نفاق لا إيمان فيه، لكي يقدم من يقدم على نصرة الكفر وأهله على بينة، ولكي يحيا من حي بالإسلام على بينة، ويهلك من هلك عن بينة، فالله عليم حكيم له الحمد، وما يقدره من أمور تكرهها النفوس فإنه يجعل من ورائها خيراً كثيراً، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]. وقال : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]. إنَّ الله سبحانه جعل عاقبة الكفار أن يُغلبوا ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)) فلماذا قدر الله ذلك؟ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ [الأنفال:٣٧ - ٣٨] أي: إلى الكفر والظلم والعدوان ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨].

стр. 181

سنة الله في المتجبرين والمستضعفين لله سنن ماضية في عاقبة الظلم والطغيان والجبروت والعدوان، وإرادة الله كسر الجبارين وأن يمكن للمستضعفين ماضية، كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٤ - ٦]. وعندما ولى عمر ﵁ عماراً على بعض البلاد ثم عزله سئل: لماذا فعل ذلك؟ فقال: أردت أن يتحقق قول الله: ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ)). فهذه الآية ليست خاصة ببني إسرائيل، بل إن إرادته تعالى في المن على المؤمنين المستضعفين ماضية، وهي ليست خاصة بزمن دون زمن، ولذلك قال سبحانه: ((وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ)). ثم قال تعالى: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) أي: حتى لا يبقى شرك يظهر ((وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)) أي: يبقى دين الإسلام فقط هو الظاهر العالي، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ومن كان عندهم استعداد لأن يهبطوا فليسوا ممن يحملون راية الإسلام، فالله جعل هذا الدين ظاهراً حتى في أشد فترات الانكسار، فعندما قال أبو سفيان: اعل هبل اعل هبل، قال النبي ﷺ : (ألا تجيبوه؟! فقالوا: وبم نجيبه؟! فقال: قولوا: الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ : قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).

стр. 182

أهمية الزاد الإيماني في زمن المواجهة قال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. وهذه آيات بينات من الله، والمسلمون يحتاجون إلى أن يسمعوها ويحفظوها ويوقنوا بما تضمنته، فالله تعالى يقول: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) ولا بد من أن نزداد إيماناً ونزداد عملاً صالحاً، وليس ذلك في أرض يمكن أن تقع فيها مواجهة أو قتال، بل في كل أجزاء الأرض، فإن المواجهة -في الحقيقة- قائمة، فنحن نحتاج إلى أن نقرأ القرآن، وأن نصلي بالليل، وأن ندعو الله بالأسحار، وبين الأذان والإقامة، ونزداد عملاً صالحاً ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وندعو إلى الله، ونبين الحق، ونتعلم العلم، ونعمل بما علمنا؛ لأن ذلك هو الذي يقربنا إلى الله، وكلما ازددنا إيماناً ازدادت دعواتنا أثراً، فيغير الله بها وجه الأرض، ويغير الله بها موازين القوى، وإن اليقين بلقاء الله والشوق إلى لقائه مما يغير الله به الموازين، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، فاليقين بلقاء الله يجعل الموازين عند الناس تختلف، ويجعل شعورهم بقرب النصر أعظم، ولو كانت الفئة المسلمة قليلة؛ لأن ذلك لا يكون بعدد وعدة، وإنما بإذن الله .

стр. 183

عجائب التمكين للإسلام وآيات الله في السابق واللاحق موجودة ظاهرة، فكم من قوى عاتية تحطمت على صخرة الإسلام! وكم حاول الصليبيون وكم حاول التتار هدم الإسلام! وما حققوا شيئاً إلا علواً مدة من الزمن، ثم بعد ذلك هزمهم الله ، وقهرهم وأذلهم بفضله وعدله وحكمته ، قال : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) كما استخلف بعض رسله ومكن لهم بالدعوة والبيان وبالوحي الذي أنزله عليهم فآمن به الناس، كما آمن ليونس مائة ألف أو يزيدون، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٧ - ١٤٨]، وإنك لتجد كفاراً في لحظات تحولوا إلى مناصرين للمؤمنين في مواقف كانوا يريدون عكسها، ولو تأملت ما جرى في أول الإسلام من تأييد الله لمن أراد إكرامه بهذا الدين لوجدت عجباً، فهذا أبو جهل يسب النبي ﷺ ، فإذا بـ حمزة ﵁ يتغير في تلك اللحظة، فقد كان على دين قومه، فسمع أن ابن أخيه قد شتم، فيأتي إلى أبي جهل ويقول: أتسبه وأنا على دينه؟! ويضربه على رأسه، وأسلم من ساعته. فانظر إلى هذا الموقف العجيب! لقد كان سب النبي ﷺ الذي وقع من أبي جهل سبباً لإسلام حمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، وأعزه الله. وكان عمر منطلقاً بسيفه يريد قتل النبي ﷺ ، فيلقاه من يقول له: أختك وختنك قد صبأا، فينطلق وهو ممتلئ غيظاً إلى أخته وختنه زوج أخته لينظر ما عندهما، وكان عندهما من يقرئهما القرآن رضي الله تعالى عنهم، وإذا به في لحظات يجلس فيستمع ويتغير في نفس اللحظة، فانظر كيف يقلب الله القلوب، ويؤيد الله الدين بمن شاء، وإذا بالإسلام يكتسب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في لحظات، مع أنه كان يريد قتل رسول الله ﷺ ، ويقصد بعد ذلك دار الأرقم ليعلن إسلامه هناك رضي الله تعالى عنه. وعندما كان أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه يسمع أن مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة ﵄ يقرئان الناس القرآن انطلق وقد أخذ رمحه يريد أن يفتك بهذين اللذين قد سفها أحلامهم وعابا آلهتهم وآباءهم، فيقول له مصعب ﵁: اجلس فاستمع، فإن رضيته فذاك، وإن لم ترضه كففنا عنك ما تكره، فغرز رمحه وجلس يستمع القرآن، وكان أسعد بن زرارة قد قال لـ مصعب: أتاك سيد قومه، لو أسلم لأسلم من وراءه، فاصدق الله معه. فانظر إلى قوله (فاصدق الله معه) فعندما يكون الداعية صادقاً في دعوته مع الله يعامل الله في الدعوة، ويراقب الله في كلامه ولا يلتفت إلى الناس، يجعل الله التأثير في دعوته، فغير الله قلب أسيد بن حضير أحد أولياء الله الصالحين وأحد فضلاء الأنصار رضي الله تعالى عنه. فقال له مصعب هذه الكلمات، وقرأ عليه القرآن، فعرف الإسلام في وجهه قبل أن يسلم؛ لما فيه من البشر والسرور والانشراح، ذلك أن النور إذا دخل القلب انشرح ففاض على الوجه سعادة وسروراً وفرحاً بدلاً من الشقاء الذي كان عليه بالكفر. ويتحول أسيد بن حضير إلى الإسلام، والقوم ينتظرونه في النادي، فيرجع وهو يفكر ويحتال لكي يسلم سعد بن معاذ الذي كان عنده من الغضب كذلك على أسعد بن زرارة ابن خالته وعلى مصعب بن عمير أشد مما عند أسيد بن حضير، فيرجع ويقول: إن أسعد بن زرارة هو ابن خالتك فاذهب أنت وقل لهما بأن ينصرفا أو يكفا عنك، فإنهما قالا: إن كرهت ما نقول كففنا عنك ما تكره، فذهب سعد بن معاذ ومعه حربته أيضاً، فقال له مصعب تلك الكلمات، وجلس واستمع القرآن فانشرح قلبه للإسلام في لحظات. فالله يمكن لدينه بمن شاء، ويستخلف الأمة الإسلامية كما استخلف من قبلها، وبتلك الدعوة دخل الإسلام بيوت المدينة كلها بفضل الله ، وفتحت المدينة بالقرآن، لقد أسلم سعد بن معاذ ورجع إلى قومه وقد عرفوا في وجهه تغيراً، فقالوا: والله لقد جاءكم بوجه غير الذي ذهب به، فقال لقومه: إن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تدخلوا في الإسلام، فأسلموا في ساعتهم. هكذا ينصر الله الدين بقدرته ، فلا تعجب ولا تستغرب من أن يتغير بقدرة الله من في قلبه كراهية الدين إلى أن يكون ناصراً للدين، ويقذف الله في قلب من يحارب الإسلام -فضلاً عمن الخير في قلبه ضعيف- خيراً، ويجعل القوة التي كان يريد استخدامها ضد الحق في سبيله لنصرة الحق. وقد استخلف الله رسلاً من رسله بالقتال، كما مكن لـ يوشع بن نون بعد أن خرج ببني إسرائيل من التيه وأمر بالقتال فقاتل ونصره الله وفتح بيت المقدس على يديه، ومكن لداود كذلك، قال : ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥١]، ومكن لسليمان بتلك القوة الهائلة العظيمة حتى خضعت له بلقيس مستسلمة لأمر الله وأسلمت هي وقومها لله رب العالمين مع سليمان لما رأوا من عظيم القوة التي أعطاه الله إياها.

стр. 184

صور من التمكين لدين الله تعالى إن الله يمكن لرسله بما شاء، وقد جمع الله لهذه الأمة أنواع التمكين كلها، فقد مكن لرسوله ﷺ ولهذا الدين في المدينة بالقرآن، وفي اليمن، وفي البحرين، وفي بقاع عديدة، ومكن الله بعد ذلك بأزمنة طويلة في أكبر بلاد الإسلام، فأندونيسيا ما دخلها الإسلام بالحرب والقتال، وإنما دخلها الإسلام بالسلوك الطيب والدعوة إلى الله ، وهناك تمكين بالسنان والقوة كما فتح الله مكة على نبيه ﷺ ، وفتح على أصحابه ﵃ مصر، والشام، وفلسطين، والعراق، وبلاد ما وراء النهر، والمشارق والمغارب، وبلاد إفريقيا كلها إلى الأندلس فتحت بفضل الله ، وغلب المسلمون أضعافهم المضاعفة من الكفار في مواقع شريفة عظيمة جعلها الله آيات ومكن لعباده المؤمنين بذلك، ودخل الإسلام هذه البلاد، وما استطاع الكفار أن يقتلعوه منها إلى يومنا هذا، ومهما فعلوا فلن يضيع الإسلام بفضل الله ، فهذه أمة لا تموت ودين لا ينهزم: فقد قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، وقال: (حتى يقاتل آخرهم الدجال). وقال: (لا تزال عصابة من أمتي تقاتل عن هذا الدين لا يضرهم من خالفهم وخذلهم)، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم وخذلهم). وفي رواية: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها)، فعندما تجتمع كل القوى على الإسلام وأهله فذلك لن يغير من الأمر الذي قضاه الله في التمكين لدينه بما شاء. وقد مكن الله لرسله بآيات من عنده، كما أغرق فرعون بآية من عنده، ودمر قوم نوح بالطوفان، ودمر عاداً بالريح، ودمر ثمود بالصيحة، ودمر قوم لوط بأن جعل أرضهم عاليها سافلها، وجعل الله تأييده لرسوله ﷺ بأنواع من القدرة والقوة عجيبة، وهو القائل ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر). فيلقي الله في قلوب الأعداء الرعب بقدر عداوتهم لرسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].

стр. 185

والعاقبة للمتقين قال الله : ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]، فمن شنأ النبي ﷺ وأبغضه فلا بد من أن يقطع، ولا بد من أن ينقطع هو وأثره، ولا بد من أن يضمحل ويدمر، ذلك أن الله رفع ذكره ﷺ ، كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:١ - ٦]. فلا بد من أن يأتي اليسر قال النبي ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). فلا بد من أن يأتي بعد العسر يسر، ولن يغلب عسر يسرين، وفضل الله عظيم، والله بعث نبيه ﷺ ليملأ الأرض عدلاً بهذا الدين، قال النبي ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر). اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. اللهم اكتب لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، اللهم لا تجعل لهم على أحد من المسلمين سبيلاً. اللهم انصر المسلمين في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم احفظ دماء المسلمين وأعراضهم وبلادهم، اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصرنا على من عادانا، ولا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.

стр. 186

المفصل من السور كان الصحابة ﵃ يحزبون المصحف ثلاثاً وخمساً وسبعاً وتسعاً وإحدى عشرة وثلاث عشرة والمفصل، فإن عدوا الفاتحة ضمن التحزيب بدأ المفصل بسورة الحجرات، وإن لم يعدوها بدأ المفصل بسورة (ق)، وقد سمي المفصل مفصلاً لكثرة الفصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 187

كيفية تحزيب الصحابة ﵃ للمصحف وبيان المفصل منه الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي وائل قال: (جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله -يعني: عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف: ألفاً ترده أم ياء: ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] أو: (من ماء غير ياسن)؟ قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذه؟!) ففهم من هذا الرجل أنه متكلف، ولذلك زجره، ليس لأن السؤال عن القراءات مذموم، ولكن لأن هذا فيه تكلف، ثم قال: (إني لأقرأ المفصل في ركعة). والمفصل من أول (ق) إلى آخر المصحف، أو من الحجرات إلى آخر المصحف على قولين؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يحزبون القرآن ثلاثاً، وخمساً، وسبعاًً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، والمفصل، فكانوا يحزبون القرآن على سبعة أيام على طول السنة، فأكثر الصحابة كانوا يختمون القرآن كل سبعة أيام متواصلة، كما ذكر ذلك النووي في التبيان، فالصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك على الدوام، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص كان من أجل أن يخف عليه بالليل يراجعه في الصباح، أي: كان يقرؤه في النهار ليخف عليه في الليل؛ من أجل ألا يغلط. فكانوا يحزبون القرآن كالآتي: الفاتحة والبقرة وآل عمران، أو البقرة وآل عمران والنساء، فإذا عدوا الفاتحة فتكون سورة (الحجرات) هي أول المفصل، وإذا لم يعدوا الفاتحة من ضمن التحزيب فتكون (ق) هي أول المفصل، الأكثر على أن أوله (ق) والحزب الثاني يشمل سور: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، والذي يليه يشمل سبع سور، وهي: يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، والذي بعده يشمل تسع سور أولها الإسراء وآخرها الفرقان، والذي بعده يشمل إحدى عشرة: أولها الفرقان وآخرها (يس)، والذي بعده يشمل ثلاث عشرة من الصافات إلى المفصل، والحزب الأخير المفصل. ذفالرجل قال لـ عبد الله: إني لأقر المفصل في ركعة، فقال عبد الله: (هذاً كهذ الشعر! إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) أي: أنك تقرؤها كأنك تقرأ شعراً أي: أنها قراءة سريعة. وقوله: (إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) التراقي: جمع ترقوة وهي العظم الذي في الرقبة، يعني: التي هي أصول الحنجرة، أي: أنه لم يتجاوز الحناجر، فالقرآن لم يجاوز حناجرهم، وهؤلاء هم الخوارج وكل من لم يتدبر، كما جاء في الرواية الأخرى. قال: (ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع) وهذا هو المقصود: أن يقع القرآن في القلب، وأن أفضل الصلاة طول الركوع والسجود. هذا مذهب عبد الله رضي الله تعالى عنه. والصحيح: أن النبي ﷺ فضل طول القيام على السجود، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أفضل الصلاة طول القنوت)، وقال : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فطول القنوت هو طول القيام. وينبغي أن يكون الركوع والسجود قريباً من القيام، قال النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). قال: (وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، وإني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره، ثم خرج فقال: قد أخبرني بها). وفي الرواية الأخرى قال: (ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله)؛ لأنه في بعض السور التي ستأتي ليست من المفصل في تأليف عثمان ﵁ الذي هو المصحف العثماني الذي هو المصحف الموجود اليوم، أما في تأليف عبد الله في زمن عبد الله فكان يدخل بعض السور في المفصل. وفي الروايات الأخرى قال: (إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ ، اثنتين في ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات).

стр. 188

حكم الإسراع بقراءة القرآن عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: غدونا على عبد الله بن مسعود يوماً بعدما صلينا الغداة -أي: الصبح-فسلمنا بالباب، فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هنية، قال: فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ قال: فدخلنا فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذن لكم؟ فقلنا: لا، إلا أننا ظننا أن بعض أهل البيت نائم. قال: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة، أنى ينامون في هذا الوقت؟ -ولذلك كره العلماء النوم بعد الفجر إلى الشروق- قال: ثم أقبل يسبح حتى ظن أن الشمس قد طلعت، فقال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ قال: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح، حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، قال مهدي: وأحسبه قال: ولم يهلكنا بذنوبنا). وهذا من أدب التابعين ﵃؛ فإنهم دخلوا على عبد الله بن مسعود فتركوه يسبح، ولم يقطعوا عليه التسبيح، بل تركوه حتى أذن لهم بالكلام. وهذا دليل على فضل التسبيح والذكر في هذا الوقت -حتى على قراءة القرآن- حتى تطلع الشمس، فالذي لا يجلس في المسجد يجلس في البيت؛ لأن عبد الله بن مسعود كان في بيته. قال: (فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة كله، وهو نفس الرجل الذي قال: قرأته، قال: فقال عبد الله: هذاً كهذ الشعر؟! إنا لقد سمعنا القرائن، وإني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله ﷺ ، ثمانية عشر من المفصل، وسورتين من آل حاميم)، وهذا على تأليف ابن مسعود. وسمي المفصل من أجل كثرة الفصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام النووي ﵀ معلقاً على هذا الحديث: باب ترتيب القراءة، والقراءة بتمهل، واجتناب الهذ وهو الإفراط في السرعة، فتجنب الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة، أي: استحباب هذه النظائر؛ لأن النبي ﷺ رغب فيها. وقال في قول ابن مسعود لمن سأله: (آسن أو ياسن): هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله؛ إذ لو كان مسترشداً لوجب جوابه، وهذا ليس بجواب. يعني: أنه كان يريد أن يمتحن عبد الله بن مسعود، فيريد أن ينظر كيف علمه، ولم يسأل ليتعلم. وقال في قوله: (هذاً كهذ الشعر): معناه: أن الرجل أخبر بكثرة حفظه وإتقانه، فقال ابن مسعود: تهذه هذاً، وهو شدة الإسراع، والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذ، والحث على الترتيل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء. قال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذ، وقالت: ليس هناك مانع أن يقرأ بسرعة، وهذا خلاف أمر الله في القرآن، وخلاف طريقة الرسول ﵊.

стр. 189

معنى الحديث الوارد في الهذ والجمع بينه وبين قول ابن مسعود أما الحديث الوارد في الهذ المقصود به: ليس شدة الإسراع، ولكنه أسرع قليلاً مع الترتيل، ومع التدبر، فهو محمول على ذلك، أما القدر الذي يزيد على هذا القدر كالذي يقرأ المفصل في ركعة فإنه يكون مذموماً، فهناك هذ أقل سرعة، أما الهذ السريع فهو الذي أنكره ابن مسعود ﵁، بل وأنكره الرسول ﷺ أيضاً حيث قال: (لا يفقه من قرأ القرآن دون ثلاث ليالٍ) فيكون مكروهاً وهو أن يقرأ عشرة أجزاء أو أكثر من عشرة أجزاء في اليوم ومن باب أولى أن يقرأ القرآن كله في ليلة؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا بسرعة شديدة. هذا وإن كان منقولاً عن بعض الصحابة إلا أن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، على أن بعض الأسانيد عن بعض الصحابة غير ثابتة، لكن إذا صح عنهم ذلك فيحمل على أنه لم يبلغهم نهي النبي ﷺ في النهي أن يقرأ القرآن دون ثلاث ليالٍ، وحتى في الأيام الفاضلة يقرأ قليلاً من أجل أن يشغل الليلة بالقراءة، ولكن بترتيل، كما كان يفعل النبي ﵊، فقد كان يطول السورة أحياناً حتى تكون أطول من أطول منها، فهذا الاختلاف في السرعة. قال النووي: (هذاً كهذ الشعر)، معناه: في تحفظه، وروايته، لا في إنشاده وترنمه؛ لأنه يرتل في الإنشاد، والترنم في العادة لا يكون مؤثراً في القلب؛ لأن الشعر لا يؤثر كما يؤثر القرآن. أما قوله: (إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن سورتين في ركعة) وفسرها أنها عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله، فقد قال القاضي: هذا صحيح، وموافق لرواية عائشة وابن عباس أن قيام النبي ﷺ كان إحدى عشرة ركعة، وأن هذا كان قدر قراءته غالباً. وقد ورد في بعض الروايات: إحدى عشرة، وفي بعضها ثلاث عشرة، والصحيح أنه كان يفعل هكذا أحياناً وهكذا أحياناً، فأحياناً يصلي إحدى عشرة وأحياناً يصلي ثلاث عشرة. قال: وأن تطويله الوارد إنما كان في التدبر والترتيل، وما ورد غير ذلك في قراءته البقرة والنساء وآل عمران كان في نادر من الأوقات. أي: أن المعتاد هو هذا القدر. والله أعلى وأعلم. قال: وقد جاء بيان هذه السور العشرين في رواية في سنن أبي داود: الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة و (ن) في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة. وسمي مفصلاً لقصر سوره وقرب انفصال بعضهن من بعض.

стр. 190

الوقت المختار لختم القرآن الكريم وهنا مسألة أخرى: الرسول ﷺ عندما أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بالقراءة قال له: (اقرأ القرآن في كل شهر). فلنواظب إن استطعنا على قراءة القرآن في كل شهر، ونجعل هذا الحد الذي أمر به رسول الله ﷺ عبد الله بن عمرو بن العاص هو الحد الذي نجتهد في المواظبة عليه، فإن الرسول ﷺ قال: (اقرأ القرآن في كل شهر، قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: اقرأه في كل عشرين. قال: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: اقرأه في كل عشر. قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اقرأه في كل سبع، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك). وهذا دليل على أن القراءة كل سبع أفضل من القراءة كل ثلاث، وينهى عن القراءة دون ثلاث؛ فإن عبد الله كان يقول: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ التي رخصها)، فينبغي علينا أن نجتهد في هذا الأمر، فإن كان لأحد طاقة فليجرب أن يقوم بسبع القرآن في ليلة، فإن قدر فبفضل الله ، وإلا فلا أقل من أن نقرأ في كل شهر. ونسأل الله الإعانة والتوفيق.

стр. 191

فضل الاعتكاف في رمضان وبيان بدايته ونهايته روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر التي في وسط الشهر). فقبل أن يوحى إليه ﷺ أن ليلة القدر في العشر الأخير كان ﷺ أولاً يجاور -يعني: يعتكف- في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين تمضي عشرون ليلة ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، ثم إنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: (إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها - أي: رأى في المنام ليلة القدر ثم نسيها -فالتمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد الخدري: فمطرنا ليلة إحدى وعشرين فوكف المسجد في مصلى رسول الله ﷺ ، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير) أي: أغلقها بحصير حتى لا يدخل عليه أحد، قال: (فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف. فاعتكف الناس معه. قال: وإني أريتها ليلتي وإني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح في ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر). وعن يحيى عن أبي سلمة قال: (تذاكرنا ليلة القدر فأتيت أبا سعيد الخدري ﵁، وكان لي صديقاً، فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل، فخرج وعليه خميصة، فقلت له: سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم، اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الوسطى من رمضان، فخرجنا صبيحة عشرين) يعني: يوم عشرين صباحاً، أي: أنهم لا يخرجون من المعتكف إلا صباح الليلة التي يكملون فيها العشر، والعشر الأواخر مثل العشر الوسطى، وهكذا فالرسول لما اعتكف العشر الأول كان سيخرج يوم عشرة صباحاً، ثم اعتكف العشر الأوسط الذي أوله ليلة إحدى عشرة، وينتهي صبيحة عشرين، ثم أمرهم ﷺ أن يعتكفوا العشر الأواخر، التي يبدأ الاعتكاف فيها قبل غروب شمس يوم عشرين؛ لأنه سيبدأ يستقبل أول ليلة منه، وهي ليلة واحد وعشرين. فإذا اكتملت العشر الأواخر يخرجون، وكثير من العلماء يقول: يخرج بعد غروب الشمس من يوم الثلاثين. وهناك آثار عن بعض التابعين: أنهم كانوا يخرجون بعد صلاة العيد، أي: أن أحدهم كان يعتكف ليلة العيد. فمن أحب أن يفعل ذلك فلا حرج عليه، وإن كان ذلك لا يصح؛ لأن العشر الأواخر قد اكتملت، فيخرج في صبيحة يوم الثلاثين كما في العشر الأوسط يخرج في صبيحة يوم العشرين. والله أعلم.

стр. 192

ليلة القدر وفي هذا الحديث دليل على أن ليلة القدر تنتقل؛ لأنه هنا أخبر أنها كانت في ليلة إحدى وعشرين، وفي رواية ثانية: أنها كانت ليلة الثالث والعشرين. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس! إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان)، يعني: كل منهما يقول: لي حق على الآخر. قال: (معهما الشيطان فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. قلت: يا أبا سعيد! إنكم أعلم بالعدد منا؟ قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالذي تليها التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة). ففي هذا الحديث الترغيب في الأشفاع، والحديث الذي قبله فيه الترغيب في الأوتار. وعن عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ قال: (أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، وصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرفت وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) فكان عبد الله بن أنيس يقول: هي ليلة ثلاث وعشرين، وهذا دليل على أنها تنتقل. فهذا الحديث غير الحديث الأول، وهذا هو الوجه الذي يجمع بينهما؛ لأن الحديثين فيهما الماء والطين. قال زر بن حبيش: سألت أبي بن كعب ﵁ فقلت: (إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر-أي: الذي يقوم السنة كلها يصيب ليلة القدر -فقال: ﵀، أراد ألا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟! فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها). وفي الرواية الأخرى: (هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين) وهذا تصريح بأنها ليلة سبع وعشرين، فالرسول ﷺ أمرهم بعدة أوامر وبين لهم عدة ليال. وهناك حديث في الترمذي: (أنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان). وهذا تصريح بأن ليلة القدر في السنة التي نزل فيها القرآن كانت ليلة أربع وعشرين. إذاً هي تنتقل في ليالي العشر الأواخر كلها، وهذا أصح الأقوال. والله أعلى وأعلم. والمقصود بأن الشمس تطلع وليس لها شعاع أي: تطلع بيضاء نقية لا شعاع لها، سواء كانت حمراء، أو بيضاء، وذلك في أول طلوعها.

стр. 193

هدي النبي ﷺ في قيام الليل عن ابن عباس قال: (بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ من الليل فأتى حاجته، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القربة فأطلق، ثم توضأ وضوءاً بين الوضوءين ولم يكثر) يعني: بين الوضوء المسبغ جداً وبين الوضوء الخفيف. (وقد أبلغ) يعني: أوصل الماء إلى المواضع. قال (ثم قام فصلى، فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أنتبه له) تمطى أي: كأنه قام في ذلك الوقت، وقد فعل هذا تأدباً مع النبي ﵊، من أجل أن يتركه على راحته، ولا يكون مراقباً له؛ لأن الواحد إذا حس أن أحداً يراقبه قد لا يأخذ راحته. قال: (فقمت فتوضأت، فقام فصلى، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدراني عن يمينه، فتتامت صلاة رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وعظم لي نوراً). وفي الرواية الأخرى قال: (استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة) وفي الرواية الثانية: (أنه نظر إلى السماء وقرأ هذه الآيات)، فيستحب أن ينظر المسلم إلى السماء، ويقرأ آخر عشر آيات من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] الآيات. قال: (ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها، فأحسن الوضوء) إلى أن قال ابن عباس: (فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها)، يعني: يخاف أن ينام. قال: (فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعيتن، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى). ويجمع بين هذا الحديث وبين حديث عائشة: أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة مع ركعتي الفجر، أو نقول: كان أحياناً يصلي إحدى عشرة وأحياناً ثلاث عشرة.

стр. 194

النصر الموعود إن الله خلق الموت والحياة للابتلاء والامتحان، وليرى سبحانه ثمرة هذا الابتلاء في عباده، وليعلم المؤمنين منهم، فما خلق الله البشر إلا ليرى الخير، وما فرض الجهاد على المؤمنين إلا ليرى صبرهم وثباتهم في الدفاع عن الدين، فإذا صبروا وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الحق أبطل الله الباطل وجنوده، وأعز المؤمنين وأصلح بالهم. إن فريضة الجهاد لن تنتهي مشروعيتها إلا في آخر الزمان عندما يقاتل الدجال وتخمد الفتن، ويكون الدين كله لله، وبعدها تملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.

стр. 195

غاية الابتلاء وثماره إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فلقد بين النبي ﷺ أن (لا حول ولا قوة إلا بالله) كنز من كنوز الجنة، وهذا الأمر من أعظم ما يلزم المؤمن اعتقاده خصوصاً عندما تختل موازين القوى في ظاهر الأمور، ويشتد الصراع مع أهل الكفر والنفاق على ظهر هذه الأرض، ويبتلي الله عباده المؤمنين بأنواع الابتلاء وبشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ويتسلط الكفرة على بلاد المسلمين وحرماتهم ومقدساتهم، ويظن كثير من الناس أن موازين القوى في هذه الأرض في صالح الكفرة، وأن القوة لهم جميعاً، وأن مفاتيح القضايا بأيديهم، وبالتالي يسيرون في مناهج حياتهم على وفق هذا المعتقد، فهم يوافقون أهل الكفر والنفاق والظلم والباطل؛ لأجل ما يتصورونه من أن القوة والسلطة والتمكين لهم، وأن الأمور بأيديهم. وأما أهل الإيمان فإذا استحضروا أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله لمتانة كيده يملي لهم، كما قال : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]، إذا استحضر أهل الإيمان ذلك علموا أنهم جند الله الذين ألقاهم في وسط الصراع مع أهل الباطل من غير كثرة عدد ولا قوة عتاد، بل مع ضعف إمكانيات، مع أن جنوده لا يحصيهم سواه، فالأرض والسماوات وما بينهما مسخرات بأمره، ولو شاء لأمر الأرض فانخسفت بالكفرة، والسماء لحصدتهم، والبحار لأغرقتهم، وكل عاقل يقر بأن ذلك ليس في يد أحد من الناس، فالأرض والسماء والبحار وسائر ما يحيط بالناس في حياتهم لا يملكونه. إذا استحضر المؤمن أن أهل الإيمان قد ألقاهم في الابتلاء ليظهر منهم صدق الإيمان، وقوة اليقين، وصدق الاعتقاد بأنه لا قوة إلا به ، وأنه لا حول إلا به ، وأن الأمور بيده، وأنه مالك الملك، فإذا ظهر منهم ذلك على ما يحب سبحانه عندها يغير الله موازين القوى لصالحهم في لحظة كلمح بالبصر، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، وتضل أعمال الكفرة وتبطل، ويزهق الباطل كما أخبر : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوااتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:١ - ٧]، فالله يبتلي عباده المؤمنين ليرى إيمانهم، وليرى نصرتهم للدين، وليرى ما يحب من أنواع عبوديته التي لا تظهر إلا في المحن والشدائد، ولا تحصل إلا بوجود أضدادها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان. وإذا طال الأمر على أهل الإيمان فبسبب ما يحبه الله منهم لم يصل إلى ما يريد من الكمال، فلا بد أن يستكملوا معاني الإيمان، وحقائق العبودية؛ لكي يحصل ما أخبر الله به. ولعلهم في هذه المرحلة -عندما يشتد بهم الحال- يكونون في أحسن أحوالهم، وهذا أفضل مما لو مكنوا على حال فيها نقص وتقصير وشهوات ورغبات دنيوية، فيحصل من ذلك ما لا يعلمه إلا الله من الفساد، فلا بد أن ينتبه المسلم لحقيقة الصراع الذي يجري بين أهل الإسلام وبين أعدائهم من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين في مشارق الأرض ومغاربها، وبلا شك أن قلب كل مؤمن يتألم لما يجري مما يكرهه الله من أذية للمسلمين ومخالفة لشرع الله، وصدٍ عن سبيله، وانتشار لأنواع الفساد من الكفر والفسوق والعصيان في مشارق الأرض ومغاربها، ولا شك أن ذلك يؤلم كل قلب حي بالإيمان، عالم بحقيقة الحياة قرباً من الله وعبودية له، فيتألم إذا وجد حال المسلمين في تباعد عما أوجبه الله عليهم من الجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتثال لشرعه، كما يؤلمه تفرقهم واختلافهم وتنازعهم، وما هم فيه من ضعف وهوان، ولكنه في نفس الوقت إذا لاحظ عاقبة الأمور، وعلم لماذا قدر الله كل ذلك مما يكرهه سبحانه، وعلم الحكمة من وراء تقدير الشر والمكروه؛ عند ذلك يستفيد أعظم الاستفادة من الواقع الذي يعيشه، ويكون ذلك الألم نافعاً لتحقيق ما أراد الله منه شرعاً، وسبيلاً لتحقيق مزيد من الإيمان والعبودية والأعمال الصالحة؛ التي إذا وجدت تغيرت موازين القوى، وأصل ذلك معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومشاهدة آثار هذه الأسماء والصفات في الواقع المشهود الذي يراه الناس.

стр. 196

أعمال الكافرين يبطلها الله يقول الله : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، فهذه هي نهاية أمرهم، وقد ذكر الله ذلك بصيغة الفعل الماضي فقال: ((أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)) لتأكيد حصول هذا الأمر، وإن كان في وقت نزول الآية وبعدها لم يزل للباطل أعمال، ولم يزل هناك كفر وصد عن سبيل الله؛ فإبطال الأعمال يتم في هذه الدنيا قبيل نهاية هذه الحياة، وفي الآخرة كذلك سيبطل الله أعمالهم. إذاً: فإبطال أعمال الكفرة الصادين عن سبيل الله يكون في الدنيا وفي الآخرة كما أطلقه الله . فأما في الدنيا فإنهم أرادوا صرف الناس عن دين الله، ومكروا بالليل والنهار ليبعدوا الناس عن الالتزام بالدين، وليرغبوهم بأنواع الشهوات، وليجعلوا أنواع التخويف والإرهاب حواجز تحجب الناس عن الالتزام، فهم يغرقون الناس في أنواع الشهوات، وفي نفس الوقت يستعملون أقسى أنواع التهديد بل والعقوبات لمن التزم بالدين وسار في طريق الحق؛ لكي يصرف هو -إن استجاب- أو غيره ممن يرى ما يفعل به عن دين الله ، ومع ذلك فلا بد أن يضل الله ذلك العمل، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، فأيما قلب يريد أن يقيمه أقامه، وأيما قلب يريد أن يزيغه أزاغه، وهذا المكر السيئ لا بد أن يحدث ولا بد أن يبطل، ولا بد أن يهتدي الناس بمشيئة الله ، فيأخذ الله بنواصي من شاء منهم إلى سبيل الهدى والرشاد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٣٧]، وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]. فهم يريدون هزيمة الإسلام ولا بد أن ينتصر، ويريدون إضلال الناس ولا بد أن يهدي الله طائفة من عباده إلى الحق، ولا بد أن تتغير الموازين في يوم من الأيام. وأما في الآخرة فأعمالهم كما وصف الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]، فأعمال الكفار يضلها الله ويبطلها ويزهقها، ويجعل مكرهم السيئ يحيق بهم، كما أخبر : ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، وكما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]. وبقي الشق الآخر من القضية وهو: أن الله يتولى إحباط وإبطال أعمال الكفار في الدنيا فلا تظهر نتائجها، والعبرة بنهاية الأمر وخاتمة المطاف، وما يبدو للناس عندما يشتد المكر والكيد فإنما هو تمرد صغير جداً في المملكة الواسعة لا بد وأن ينتهي، وقد تركه الله لحكمة يعلمها سبحانه، فالملك ملكه في السموات والأرض، ترك بقعة من هذه المملكة -وهي الأرض- يقع فيها ذلك التمرد، وما هي إلا كذرة في هذا الوجود من ملك الله ، وهي في قبضته : ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، فأنى يعجزه سبحانه أن يمحق ذلك التمرد الذي وقع في هذه الأرض؟ ولكنه تركه؛ لأنه أراد من طائفة من خواص جنده، وخلاصة من عباده أن يظهر منهم مدى إيمانهم والتزامهم بطاعته، ولذلك ترك هذا التمرد يقع، وأمر طائفة من جنده أن يكونوا محاربين بلا عدد ولا عدة، أو بأقل العدد والعدة دفاعاً عن دينه، وملايين الملايين من جنده تنتظر الأمر لتأييدهم في اللحظة التي يريد ويأذن: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].

стр. 197

اتباع الحق سبب لصلاح الأمور يقول الله عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢]، فهذا هو الأمر الذي علينا، أي: مجيء الحق في سلوكنا وأعمالنا وعقائدنا أولاً، فإذا جاء الحق على قلوب وألسنة وجوارح الطائفة المؤمنة عندها يزهق الباطل؛ لأن هذه هي طبيعته، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، فالباطل يضمحل تدريجياً، ويذوب كما يذوب الملح في الماء إذا جاء الحق وظهر. يقول الله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، وهناك سؤال يكرره كثير من الناس وهو: إلى متى ونحن ندعوا ونتضرع، ومع دعائنا فالأمر يزداد كرباً؟ و الجواب إلى أن يتحقق ما أراد الله منا شرعاً، وتتم العبودية لله من طائفة صادقة لا تشرك بالله شيئاً، ولن يقع ذلك من أهل الأرض كلهم، فلا يزال الناس مختلفين إلا من رحم ربك، فالكثرة على الاختلاف ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنعام:١١٦]، لكن لا بد أن توجد طائفة صادقة مؤمنة تؤمن وتعمل الصالحات، وتحقق الإيمان برسول الله ﷺ ، وبما أنزل الله عليه، ((وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))، وذلك بصدق المتابعة للسنة في العقيدة والعمل، والسلوك والمنهج، والأخلاق والمعاملة، وليس في جانب دون آخر، فالحقيقة في نفس الأمر مطابقة لاعتقادهم ولسلوكهم، فعند ذلك يكفر الله السيئات، ويغفر الزلات، ويرفع الدرجات: ((كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)) أي: أصلح أمرهم، فإذا أردنا أن تصلح أمورنا فلنكثر مما أمرنا الله به، وأهم ذلك أعمال القلوب وأحوالها، كحب الله ، والخوف منه ورجائه، وصدق التوكل عليه، وتحقيق الإيمان بالرسول ﷺ يكون بالمحبة له، والتصديق لخبره، والاتباع لأمره، والاجتناب لنهيه، ونصرة سنته، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ [محمد:٣]، فهذه النتيجة قضى الله بها لأن: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:٣]، فبتباع الحق يحبط الله أعمال الكفار، ويصلح أحوال المؤمنين، ولا شك أن التفريط في اتباع الحق هو الذي أدى إلى أن تقف القضية على ما هي عليه الآن. إن القضية موازينها -فيما يبدو للناس- في صالح اليهود وأعوانهم من الأمريكان، وسائر فرق الملحدين من النصارى وغيرهم من المشركين والمنافقين ومن والاهم على ما يريدون من هدم الإسلام، ولكن قطعاً ويقيناً أن مزيد الاتباع للحق، أو حتى تحقيق القدر الواجب من هذا الاتباع سوف يغير موازين القضية. وأما إذا ظل الأمر على ما هو عليه فستظل القضية على ما هي عليه الآن، ولكن لن يضمحل الحق بإذن الله من أمة الإسلام أبداً؛ لأنه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة).

стр. 198

ما يجب على المسلمين تجاه عدوهم بين ما يجب على المسلمين في مواجهة عدوهم فقال: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ)) أي: أكثرتم فيهم القتل، ((فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)) أي: حسب ما يرى المسلمون وخليفتهم من المصلحة، فإما أن يمن، وإما أن يفدي بمال أو بأسرى من أسرى المسلمين، وهناك اختيارات أخرى وردت في أدلة من الكتاب والسنة يخير الإمام فيها تخيير مصلحة كأن يقتلهم، كما قال سبحانه في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) [الأنفال:٦٧]، وقد قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط، وابن خطل وبعض أسرى المشركين، ومنَّ النبي ﷺ على من رأى أن المصلحة في المن عليه كـ ثمامة بن أثال ﵁، وكان ذلك سبباً في إسلامه، ومنَّ على أهل مكة وأطلقهم وحسن إسلام أكثرهم، ومن لم يحسن إسلامه عند الإطلاق حسن إسلامه بعد ذلك لما رأى من الآيات، ولذا فإنهم استمروا على الإسلام والتوحيد بعد أن ارتد عامة أهل جزيرة العرب، أو منعوا الزكاة، ولم يبق من يعبد الله إلا في مكة والمدينة، وفي مسجد عبد القيس في البحرين، فكان ذلك الذي وقع من المن من رسول الله ﷺ عليهم في موضع الخير. ويجوز للإمام أن يضرب عليهم الجزية ويجعلهم أهل ذمة، أو يسترقهم، وهذا مذكور بأدلته في مواضعه، هذا في الرجال، وأما النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم، وكذا إذا أسلم أحد من الرجال سقط خيار القتل، وبقيت بقية الخيارات، والله جعل ذلك للإمام ينظر فيه بالتشاور مع أهل الحل والعقد؛ ليفعل فيه بالمصلحة.

стр. 199

الملاحم والفتن وواجب المؤمنين في ذلك الزمان قال الله : ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)) أي: حتى ينتهي الجهاد، ولا ينتهي الجهاد حتى ينزل المسيح ﷺ كما وصف النبي ﷺ : (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية)، وعندها لا تبقى ملة في الأرض غير ملة الإسلام؛ ذلك أن عيسى ﷺ يميت الكفار بنَفَسِه كما قال النبي ﷺ : (فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه -ريح نفس عيسى ﷺ إلا مات، ونَفَسه ينتهي حيث ينتهي طرفه) أي: أن رائحة المسيح تبيد الكفار حتى مد بصره، قال: (فيطلب عدو الله -أي: الدجال - فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، قال: فلو تركه لذاب، ولكن يقتله بحربته، ويريهم دمه بحربته). والأحاديث قاطبة تدل على أن الملاحم الكبرى هي حول بيت المقدس بالشام، فملحمة قبل الدجال مع نصارى الغرب، وذلك بالأعماق أو بدابق كما وصف النبي ﷺ ، وملحمة عقب الدجال زعيم اليهود وملكهم، وإلههم المنتظر، فالأمم الثلاث تنتظر المسيح: اليهود، والنصارى، والمسلمون، فأما اليهود فقد كذبوا المسيح وكذبوا محمداً ﷺ ، فمسيحهم الذي ينتظرونه هو مسيح الضلالة، وكذا النصارى فإنهم ينتظرون مقْدَماً ثانياً للمسيح لكنهم يعتقدون ألوهيته، فإذا ادعى الدجال الألوهية اعتقدوه كذلك، فتابعوه أو تابعه بعضهم؛ لأن المقتلة العظيمة ستكون قبل ذلك. وأما أهل الإسلام فهم الذين شهدوا أن المسيح عبد الله ورسوله، فكذبوا الدجال، وصدقوا المسيح ابن مريم. وعندما يقتل الدجال يقتل معه اليهود، وهذا دليل على أن نهاية هذا الصراع لن تتم أبداً بالمفاوضات والمساومات ورحلات السلام وغيرها قطعاً، فلا بد أن نصدق بما نزل على محمد ﷺ ، ومما نزل عليه ﵊: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، ويدخل مع الذين أشركوا الذين ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، والذين قالوا: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]. وأما الموحدون من النصارى الذين بلغهم خبر رسول الله ﷺ وآيات القرآن فصدقوا وآمنوا به، وبكوا مما عرفوا من الحق، فهم الأقرب مودة للذين آمنوا كما وصف الله . ومما نزل على محمد ﷺ قوله: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود، فيقتل المسلمون اليهود حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود). وقال ﷺ : (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة)، وهذا دليل على وجود قوة وشوكة وجنود تبلغ الآلاف من اليهود قبيل الدجال، ولو نظرنا في تاريخ اليهود لما وجدنا جنودهم تبلغ سبعين ألفاً في أي عصر من العصور، منذ بعثة النبي ﷺ وإلى يومنا هذا، والله أعلم متى يكون ذلك. ونحن لا نجزم بتوقيت معين لوجود هذه المعارك، ولا ندعي علم الغيب، ولكن أشراط الساعة التي أخبر بها النبي ﷺ قد كثرت، فلا بد إذاً أن نعد لزمان الفتن عدته، وأن نبادر بالأعمال، كما أمر النبي ﵊: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). فالواجب المبادرة إلى الأعمال الصالحة حتى يقع ما أراد الله شرعاً، وحتى يرى الله الإيمان من أهل الإيمان: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠] قال ابن عباس: ليرى، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]. أقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 200

انتهاء الفتن ونزول البركات الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . يقول الله سبحانه: ((فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا))، هذه الآية فسرها غير واحد من السلف بنزول المسيح ﷺ ، وذلك أنه إذا نزل زالت الملل الأخرى وانمحت، وعند ذلك تنتهي مشروعية الجهاد. وأما يأجوج ومأجوج فمع كفرهم إلا أنه لا يدان لأحد بقتالهم، كما قال النبي ﷺ : (فبينما هم كذلك إذ أوحى الله لنبي الله عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم) أي: لا قدرة لأحد بقتالهم، (فحرز عبادي إلى الطور، وعندها يخرج يأجوج ومأجوج). فالواجب عند عدم القدرة على القتال تحريز عباد الله المؤمنين، وهذا التعليل واضح وبين؛ لأنه لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج فتحريز عباد الله المؤمنين، والتضرع إلى الله بالدعاء، والدعاء سلاح عظيم يهلك الله به الأمتين الكافرتين المتكبرتين: يأجوج ومأجوج. قال النبي ﷺ : (فيحصر نبي الله عيسى وأصحابه بجبل الطور، حتى يكون رأس الثور لأحدهم أفضل من مائة دينار لأحدكم -لقلة الطعام-، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله -أي: بعد شدة الحصار- فيرسل الله النغف -الدود- في رقابهم -في رقاب يأجوج ومأجوج- فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ويصبحون قتلى كموت نفس واحدة) أي: في لحظة واحدة يموت يأجوج ومأجوج، (فينزل نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون شبراً من الأرض إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم) أي: أنفسهم المتناثرة في كل مكان، (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت -أي: الإبل- فتطرحهم حيث شاء الله ، ثم يرسل الله مطراً فيغسل الأرض فتصير كالزلقة)، فهذه هي نهاية المطاف، وعندها يتوقف تشريع الجهاد، وتخرج الأرض بركاتها؛ بسبب تطبيق شريعة الله . (عند ذلك يقال للأرض: ردي بركتك، وأخرجي ثمرتكِ، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها -بقشرتها-، ويبارك في الرسل -أي: في اللبن- حتى تكفي اللقحة من الإبل الفئام من الناس، وتكفي اللقحة من البقر القبيلة من الناس، وتكفي اللقحة من الغنم الفخذ من الناس)، وهذه بركة تطبيق شرع الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وقد بين الله أن هذا هو زمن انتهاء الفتنة، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٣٩] أي: حتى لا يبقى شرك، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، وعند ذلك تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها. وقال : ((حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ))، أي: أن الله ابتلانا بهم وابتلاهم بنا، ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠] وهو كان ولم يزل بصيراً بما في قلوب العباد، ولكن يحب أن يرى الصبر والجهاد واليقين والإيمان والعمل الصالح من عباده المؤمنين واقعاًً مشهوداًًًًً، ومن أجل ذلك أوجد الكفرة، وأوجد إبليس، وأوجد الظالمين؛ ليرى ما يحب، وهو يعلم ما لا يعلم الناس، فقد أوجد الفساد وسفك الدماء في الأرض؛ لأنه يعلم أن من بني البشر أنبياء وصديقين وشهداء وصالحين: ((إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ))، قالها للملائكة لما قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]. فمن أجل ذلك أوجد الله هذا الشر، وهذه الأمور المؤلمة التي يألم لها قلب المؤمن يوجد من ورائها خير لعباده المؤمنين، وهذا من لطفه بعباده المؤمنين، حيث ظن الناس أنه شر وإذا به في حقيقة الأمر خير، كما قال سبحانه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]. وقال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، ولا شك أن وجود البلاء والمحنة على المسلمين تدفع قلوب الكثيرين من المنهمكين في المعاصي إلى التوبة، كما كانت الهزائم قبل ذلك تحيي الأمة بقدرة الله . فلا بد إذاً من مضاعفة الجهد والعمل في هذه الفترات من الدعوة إلى الله ، والعبادة والسلوك الطيب، وحسن معاملة الخلق بالإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه وقت يحدث فيه بإذن الله مزيد من الإقبال على الله إذا وجد الناس طريقاً مفتوحة ممهدة من خلال سلوك الملتزمين، ومن خلال دعوتهم ومشاركتهم الصادقة في العمل لأجل إعلاء دين الله ونصرته. قال الله تعالى: ((ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ))، وقرئت: ﴿وَالَّذِينَ قاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:٤]، فالذين قتلوا لن يضيع جهدهم؛ لأنهم سينالوا أعظم الجزاء، وسوف تتحقق النتائج التي أرادوها حين تعلو كلمة الإسلامن وأما المقاتلون فهم أحياءٌ يهديهم الله إلى طريق الجنان، ويعرفهم بمنازلهم فيها، كما يهدي من قاتل لطاعته في هذه الدنيا، قال سبحانه: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٥ - ٦]، فهم أهدى إلى منازلهم من أحدكم بمنزله إذا انصرف من الجمعة، وعرفها الله لهم مع أنهم لم يدخلوا تلك المنازل قبل ذلك، وفي التفسير الآخر: (عرفها لهم) جعلها لهم ذات عرف ورائحة طيبة، وإن عرف الجنة ليوجد من مسيرة خمسمائة عام، فلو كانت الجنة في أبعد مكان في الأرض، بل لو كانت الجنة عند القمر لوجد الناس رائحتها في الأرض، ولا يدخلها الظالمون الذين يضربون بسياطهم الناس، ولا المتبرجات؛ فإنهن لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. ثم أمر الله المؤمنين بنصرة دينه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. فنسأل الله أن يثبت أقدامنا على الحق والهدى، وأن ينصرنا وأن ينصر بنا الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين. اللهم انصر المسلمين في فلسطين، وفي الشيشان، اللهم احفظ المسجد الأقصى ورده إلى المسلمين، اللهم طهر البيت المقدس من دنس اليهود، اللهم دمرهم تدميراً، والعنهم لعناً كبيراً، واحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 201

النصر والغلول إن الله تعالى بين للمؤمنين في القرآن أنَّ النصر لا بد له من أسباب عليهم أن يعوها وأن يعملوا بها، فإن نصرهم الله فلن يغلبهم أحد، وحينئذٍ تتبدل موازين القوى العالمية. ولن ينصر الله العباد إلا بالتأدب بآداب الشريعة في مواحهة عدوهم، ومن هذه الآداب: اجتناب الغلول والخيانة، وذلك لأنهما من أسباب فساد الأمة وتأخر نصرها، ومعنى الغلول عام واسع وهو يعني: أخذ شيءٍ من الغنيمة قبل قسمتها، ويتناول أيضاً: التفريق بين الرعية بعدم العدل الواجب بينهم، ويتناول أيضاً: أخذ العامل الرشوة في عمله للمسلمين، وكذا يتناول ترك إبلاغ بعض الدين من قبل العلماء ونحوهم.

стр. 202

أسباب نصر الله للمؤمنين وبيان نتائجه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩ - ١٦٨]. يقول : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]. ذكر الله تعالى هذه الآية بعد أن ذكر منته على المؤمنين بما وضع في قلبه ﵊ من الرحمة واللين والشفقة على المؤمنين وعدم الفظاظة والغلظة، وهذه -في الحقيقة- أوامر لكل إمام وقائد وكبير ومعلم وصفات لازمة له، وأمره بالعفو والاستغفار للمؤمنين، وبالمشاورة في الأمر، فبين بهذا ما يلزم أن تكون عليه الجماعة المؤمنة، وما يلزم أن يكون عليها قادتها، وهذا من أعظم أسباب نصرها، فالله ينصرها إذا وفت مقامات العبودية حقها، وهو وعد وبين أن نصره لهم الذي إذا حدث لم يغلبهم أحد إنما يقع إذا نصر الله، فقال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وهنا قال: ((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ)) فمهما اجتمع على هذه الأمة من أحزاب الأرض كلها فإنه إذا نصرها الله فلن يقدروا على هزيمتها، فهذه الأمة لها في معاركها مع أعدائها صفات وموازين خاصة، وأمة الإسلام عموماً والطائفة المؤمنة في صراعها مع طوائف الكفر والباطل لها قواعد وموازين خاصة، فليست تعتمد على كثرة العدد والعُدَد، فإن الله إذا نصر قوماً فلا غالب لهم، وهو ينصر أهل الإيمان بنصرهم لله وإقامتهم لأمره، وبنصرهم لدينه ، وذلك أن نصرتهم له -وهو الغني الحميد، وهو الغني عن العباد- إنما المقصود بها أن يُنصر دينه، وأن يُنصر رسوله ﷺ ، فإذا نصروا دين الله نصرهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة). وكما جاء في الحديث (وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً). فقد أعطاه الله لأمته ألا يهلكهم بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطار وجوانب الأرض ونواحيها كلها، لكن إذا سبى بعضهم بعضاً وقتل بعضهم بعضاً فعند ذلك يسلط الله عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ويأخذ بعض ما في أيديهم. والمقصود: أن الله إذا نصر أهل الإيمان فإنه لا يغلبهم أحد؛ لأنه هو نعم المولى ونعم النصير، والأمور بيده .

стр. 203

عوامل النصر والهزيمة وقضية النصر والهزيمة وموازين القوة والضعف لها عوامل مختلفة كثيرة لابد أن ننتبه إليها، لا إلى الموازين الأرضية، ولكن ننتبه إلى أثر أفعال العباد في تحقيق هذه الهزيمة أو النصر أو في تغيير موازين القوة، وأن الله هو الذي يقدر النصر والهزيمة على العباد، وهذا الأمر متكرر في القرآن في ذكر السنن الماضية والآتية فيما مضى من سنن الأنبياء وفيما ذكر الله من سنة نبيه ﷺ ، وفيما بين من أمور عامة دائمة تتكرر وتقع، فلا بد من أن ننتبه إلى أثر أفعال العباد في القوة والضعف طاعة ومعصية، وخيراً وشراً، وقرباً من الله وبعداً، وأن نعلم أن الله هو الذي يقدر الهزيمة والنصر، وأنه إذا نصر قوماً فإنه لا يغلبهم أحد، وإذا خذلهم فمن ذا الذي ينصرهم من بعده، والله خذل الكافرين وإن بقوا مدة من الزمن يعلو سلطانهم الزائف، ويظهر للناس قوتهم التي يخوف الشيطان بها أولياءه، فالشيطان يخوف الناس بأوليائه امتحاناً من الله للعباد، ولكي يرد أهل الإيمان إلى التوبة والإنابة وتكميل مراتب العبودية التي من أجلها قدر الله عليهم تسلط العدو، وإنما قدر ذلك لمصلحة أهل الإيمان، ولتكمل عبوديتهم لله ، وإنما أوجد الكفرة وكفرهم -وهو يبغض ذلك لكي تستكمل الطائفة المؤمنة أنواع النصرة لدينه، وأنواع العبودية له على الأحوال المحبوبة والمكروهة، وعلى العسر واليسر، والمنشط والمكره، فمن أجل أن يعبدوه بأنواع العبودية المختلفة أوجد من هانوا عليه، وسلطهم عليهم، وأقدرهم على أنواع الظلم والفساد في الأرض الذي يبغضه لكي يعبد المؤمنون ربهم.

стр. 204

تغير أحوال الأمم وفي هذه المحن والفترات التي يتسلط فيها الأعداء لابد لكل منا أن يستحضر هذه المعاني؛ لأن الله هو الذي بيده النصر، وهو الذي يخذل من يشاء، قال تعالى: ((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ))، والناس إذا التفتت قلوبهم إلى الموازين المادية فقط ظنوا أن الأمور لا تتغير، وظنوا أن موازين القوة في الأرض سوف تستمر؛ ذلك لأنهم لا يتأملون العواقب، ولو تأملنا عبر التاريخ كيف سقطت الأمم والحضارات، وكيف أن الله أبدل الناس بعضهم مكان بعض، وجعل بعضهم خلائف لبعض، وكيف أن أمماً في حياتنا رأيناها تنهار ويقوى غيرها ليتسلط بعد ذلك، فلو نظرنا إلى الأسباب التي يقدرها الله لعلمنا أن الأمور ليست بيد البشر قطعاً، وهذا أمر محسوس مشهود، فالأمم في عنفوان قوتها، وكثير من الناس يظن أنها لن تبيد حضارتها ولا سلطانها، وأقسم الكفرة في كل زمان بذلك، كما قال : ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٤] وهذا أمر عجيب، وهو أن كل الظلمة يقسمون ليقينهم التام بأنه لا يزول سلطانهم ولا يزول ملكهم، والناس في هذه الفترات يظنون هذا الأمر، ولذا فإن كثيراً منهم يبيع دينه بعرض من الدنيا، لكن إذا استحضرنا قول الله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]. وإذا نظرنا في التاريخ فسنعرف كيف انهارت أمم، وكيف تسلط عليها عدوها بعد أن كانت حضارتهم في عنفوانها، وكان سلطانهم قوياً شديداً، فما زالت آثار قوم عاد وثمود باقية تحكي كيف كان تسلطهم، وكيف كان بطشهم بالناس، وكيف كان عنفوان قوتهم، ومع ذلك فقد زال كل ذلك وأصبحوا خبراً، وجعلهم الله أحاديث، وفي زماننا رأينا دولاً تنهار في سنوات معدودة، بل هذا -والله- من أعجب آيات الله، لأنه في آخر الزمان تتابع الآيات، فالدولة الفرعونية بأسرها المختلفة استغرقت مدة طويلة وبعدها انهارت، ومكث نوح ﵇ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وضل عنفوانهم مدة طويلة، والرومان كذلك. فلو نظرت إلى قوة الاتحاد السوفييتي السابق في زماننا، وكيف كان في عنفوان القوة ثم انهار ليصبح الناس فيه يتكففون أرزاقهم بأنواع الذل والهوان لعلمت أن هذا الذي وقع في سنوات معدودة كان يقع في الأزمنة الماضية بالنسبة للقوة التي وصلوا إليها في أضعاف هذه المدة من السنين، ولذلك لا تستبعد ولا تستغرب أن تتغير موازين القوى في آخر الزمن في لحظات الآيات فهي أسرع وقوعاً، ففي الماضي كان الزلزال يذكر عبر التاريخ، والآن ترى الزلازل تتكرر في كل يوم, والأعاصير كذلك، وصغر العالم بكثرة وسائل الاتصال يجعل آيات الله أمام الناظر مرئية، وفي كل يوم يقع شيء يذكر الناس بأن الأرض والسماء ليست بأيدي البشر، وأن قلوب العباد تتقلب في محبتهم وكراهتهم، وفي اجتماعهم وافتراقهم، وقد تجد طوائف من المجتمع انهار بعضها على بعض بالصراع، وتمزق المجتمع بأسره بعد أن كانوا ساكنين ساكتين مقرين بالأوضاع المختلفة، ثم تنفجر الاختلافات بينهم حتى تتمزق هذه الأمة التي كانت قوية. ومن ينظر إلى أسباب ضعف وتدهور أحوال الأمم يعلم أنها موجودة في ظلمة الكفرة المتسلطين على العالم في زماننا، والذين يظنون أنهم القوة الوحيدة أو نحو ذلك، فأسباب ضعفهم وهلاكهم قائمة وموجودة، ويمكن أن تشتعل في لحظة إذا أذن الله تعالى بنصر المؤمنين، فإنه إذا نصرهم فلن يغلبهم أحد، ولن يقف في وجوههم أحد بإذن الله ﵎، ونعوذ بالله من الخذلان.

стр. 205

التوكل على الله وبيان أعلى مقاماته قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وهذا التوكل المأمور به بعد الترغيب فيه بأن الله يحب المتوكلين: هو التوكل على الله في إصلاح النفوس ونصرة الدين وابتغاء الآخرة، وهو أعلى أنواع التوكل، فإن كثيراً من الناس يظن التوكل على الله مقتصر على أمر الأرزاق، فأكثر من يتوكلون يتوكلون على الله في حياتهم الدنيا، وإلا فإن أكثر الناس لا يتوكلون، ولكن توكل الرسل والأنبياء والأولياء إنما هو في نصرة الدين، وفي إعلاء كلمة الله، وفي إصلاح نفوسهم ليتمكنوا من نصرة الله ونصرة دينه، وتحقيق العبودية له، فهم يستعينون بالله على عبادته، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ويتوكلون على الله في أمر الآخرة، وفي دخول الجنة، ويتوكلون على الله في صلاح الدين، وفي صلاح الدنيا والآخرة، وفيما يحتاجون إليه من توفيق الله لإقامة شرعه ودينه، وهذا أعلى أنواع التوكل كما ذكرنا، وهو توكل الرسل وأتباعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 206

الغلول والخيانة وأثرهما في دمار الأمم قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١]. وهذا المعنى له ارتباط بما قبله، فيما يتعلق بصفات الإمام والقائد، فبعد أن بين صفات النبي ﷺ من الرحمة واللين، وعدم الفظاظة والغلظة، وأمره بالعفو والاستغفار والمشاورة في الأمر والتوكل على الله عند العزم، والاجتهاد في نصرة الدين، والتوكل على الله في هذه النصرة بين أنه يستحيل على أي نبي من الأنبياء أن تقع منه الخيانة والغلول، وهذا دليل على أن هذه الصفة -صفة الخيانة والغلول- صفة مدمرة ومهلكة للطائفة التي يكون قائدها كذلك، فإذا كان قائد طائفة من الطوائف أو أمة من الأمم بهذه الصفة فهذا أمر لا يمكن أن يكون معه بقاؤها، ولذا استحال وجود هذه الصفة في أي نبي من الأنبياء؛ لأن الله أهلهم للمقامات العالية، وأهلهم لقيادة الأمم، فيستحيل أن توجد فيهم الصفات المنكرة المذمومة التي تسبب دمار الأمم وهلاكها وضياعها، فإن ذلك من أعظم أسباب خراب الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. فقيل: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) فخراب الدنيا وانتهاؤها بالكلية ودمار الكرة الأرضية بما فيها، وزوال ما عليها من وجود بشري مرتبط بتضييع الأمانة، ولذا يستحيل أن توجد هذه الصفة الخبيثة في نبي من الأنبياء، أو أن تتصور في نبي من الأنبياء. ولقد كان هذا الخبر علاجاً لما تكلم به البعض ممن كان يجهل هذا الأمر كما ذكر ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١] قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) أي: يخون. وروى ابن جرير عن مقسم قال: حدثني ابن عباس أن هذه الآية - ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) - نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأكثروا في ذلك فأنزل الله: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ورواه بعضهم عن خصيف عن مقسم مرسلاً، ورواه ابن مردويه عن ابن عباس قال: (اتهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فقد فأنزل الله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ))). وقد روي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذه تبرئة له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك. وهذه قضية عظيمة الأهمية، حيث تصور بعض الناس أن الرسول ﷺ أخذها لنفسه، وهذا التصور -كما دلت عليه الروايات الأخرى- إنما صدر ممن يسيء الظن برسول الله ﷺ من المنافقين، وهذا مناف لما عليه أهل الإيمان ولعقيدتهم في النبوة، وهو أنه لا يجوز على النبي ذلك، وهذا الأمر ربما يكون قد وقع فيه البعض بناء على عادتهم في الجاهلية التي كانوا فيها قبل ذلك، وهو أن الرئيس والكبير دائماً قد يأخذ لنفسه شيئاً خفية من الغنائم أو من الأموال العامة التي تحت يده، وهذا أمر تجده في أهل الدنيا كأنه قاعدة مستقرة وكأنه حق مكتسب إلا من رحم الله، وإن كانوا دائماً لا يظهرون ذلك، ولكن هذا الأمر لا يجوز أن يظن بالنبي ﵌ أبداً، وكذلك لا يظن بأي نبي من الأنبياء؛ لأن الأنبياء معصومون من الخيانة، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم؛ لأن هذا الأمر ينافي مقام التبليغ بالكلية، وينافي مقام قيادة الأمة كما ذكرنا، بل كان لا يجوز لكل من اتصف بالخيانة أن يولى أمور المسلمين، سواء الإمامة الكبرى -الخلافة- أو ما دون ذلك من الولايات، فإن تولية الخائنين الذين لا يصلح الله كيدهم من أسباب فساد العالم -نسأل الله العافية- ومن أسباب فساد الأرض، وانتشار المنكرات، وأسباب ضعف الأمم وهزيمتها وخذلانها، فكل أمة تنتشر فيها الخيانة -خاصة من يتولى الولايات ويؤتمن على الأمانات- فإنها أمة مخذولة بلا شك، ولابد من أن يقع فيها الفساد وأن يسلط عليها عدوها، ولابد من ألا يتحقق لها أمر ولا نصر ولا تمكين في الأرض، نسأل الله العافية. وإذا كان هذا الأمر لو حدث من قائد في قطيفة سبباً لخذلان الأمة فما الظن بما هو أكثر من ذلك؟!

стр. 207

فساد ترك العدل في الرعية قال ابن كثير ﵀: وقال العوفي عن ابن عباس: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضاً. وهذا وجه آخر في تفسير الآية، وهو عدم العدل في قسمة الغنائم، بأن يعطي البعض ويترك البعض، وهذا -أيضاً- من الخيانة وإن لم يأخذها لنفسه، لكن يخص بعض الناس بما ليس من حقهم ويحرم طائفة أخرى، وهذا من شيم المفسدين في الأرض، أن يخص طائفة من المقربين، كما فعل فرعون عندما قال للسحرة: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٤]، فطائفة المقربين طائفة يباح لها أضعاف أضعاف الأجرة المطلوبة، ولذلك كان ترغيبه للسحرة إذا انتصروا أكبر مما طلبوه من الأجر، قال تعالى: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢]، فطائفة المقربين تأخذ أضعاف أضعاف الأجور، وهي لا تحتاج إلى أن تعطى أجراً؛ لأنه يباح لها -والعياذ بالله- من أموال الناس وأعراضهم وحقوقهم ما لا يسألون عنه والعياذ بالله، فهم يعرفون جيداً ما عليه المقربون، وما للمقربين من فرعون، ولذلك كان هذا أعظم الترغيب لهم، كما أنه جعل طائفة أخرى مستضعفة مستباحة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، وجعل المجتمع شيعاً، فطائفة يباح لها ما لا يباح لغيرها، وتنتهك حرمات طائفة دون أن يسأل أحد عنها، ودون أن يجازى على انتهاك حقوقها، وهذا من الفساد في الأرض. ولذلك كان هذا من وجوه الخيانة؛ لأن الإمام إنما أعطي السلطات والقوة لأجل أن يقيم العدل في الناس وما شرعه الله ، وألا يميز بين الناس إلا بما ميز الله به وخص وفرق من الحق والباطل، فالله جعل الذي يفرق بين الناس هو إقامة الحق أو الوقوع في الباطل، فمن أقام الحق أعلى الله شأنه ورفعه، ومن وقع في الباطل وعمل به وضعه الله وأذلة وأهانه، وجعل الذلة والصغار على من خالف رسوله ﷺ ، فأما أن يجعل الأمير الناس شيعاً فيقسم المجتمع إلى طبقات وطوائف بحيث تعطى طبقة من الطبقات حقوقاً ويمنع الآخرون فهذا من خيانة الأمانة؛ لأن ما أعطاه الله من القوة والمكانة والأمر النافذ هو أمانة من الأمانات، فإذا وضعها في غير موضعها فأعطى بعض الناس ومنع الآخرين فذلك خيانة وإن لم يأخذ لنفسه، نعوذ بالله من ذلك. قال العوفي عن ابن عباس: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضاً، وكذا قال الضحاك.

стр. 208

الغلول في البلاغ وأثره على الدين وقال محمد بن إسحاق: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أمته. وهذا وجه ثالث في تفسير الآية، وهو الخيانة في البلاغ، وقد يدل عليه قول ابن مسعود: غلوا مصاحفكم! فإنه من يغلل يأت بما غل يوم القيامة. والمقصود: أن الغلول ليس فقط في الأمور المادية، ولكن هناك -أيضاً- خيانة في الأمور المعنوية، وذلك في حق الأنبياء مستحيل كما ذكرنا؛ فإن الأنبياء معصومون، وأصح الأقوال لأهل العلم: أنهم معصومون من الصغائر والكبائر، ولا نزاع في العصمة من الكبائر والصغائر المزرية وكتمان البلاغ فضلاً عما زاد على ذلك من الشرك والكفر، فهذا مما لا نزاع فيه بين العلماء، وإنما النزاع في الصغائر غير المزرية، والصحيح: أن الأنبياء معصومون مطلقاً من كل الذنوب التي هي ذنوب في حق البشر الآخرين، بمعنى أنهم لا يتعمدون المعصية، وإن وقع منهم خطأ أو نسيان أو فتور أو خطأ في الاجتهاد أو نحو ذلك من الأمور أو فعل خلاف الأولى فهذا الذي يسمى ذنباً في حقهم، والله أعلى وأعلم. أما أمر الخيانة بصفة عامة فلا خلاف بين العلماء في أنه لا يقع من الأنبياء؛ لأن ذلك من أعظم المنفرات عنهم وعن تصديقهم واتباع أمرهم. فهذا الأمر -وهو الخيانة في الأمور المعنوية بترك بعض ما أنزل الله- إذا وقع من القائد والإمام والمسئول عن غيره وكذلك أهل العلم كان -أيضاً- من أعظم أسباب الفساد، فمن أعظم أسباب الفساد أن يكتم العلماء بعض الدين فلا يبلغوه للناس ولا يقوموا به، فذلك من أعظم أسباب الفساد، وأعظم أسباب انحراف الناس عن الدين الحق، وأعظم أسباب تحريف الملل عما كان عليه دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالرسل كلهم جاءوا بدعوة واحدة ودين واحد وهو دين الإسلام، فكيف حدث الانحراف؟ لقد وقع التحريف حين ترك بعض من كان عليه أمانة التبليغ وإقامة الدين من أهل العلم ومن أهل القوة والسلطان بعض ما أمرهم الله به، وهذا من أعظم الأمور خطراً في تحريف الدعوة إلى الله وإبلاغ دينه، فلابد من أن يكون البلاغ شاملاً كاملاً، لا أن يبلغ ما يوافق آراء الناس وأهواءهم، ولا ما يوافق أهل القوة والسلطان، بل لابد من أن يبلغ الدين كاملاً، كما أمر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وهذا الأمر للنبي ﷺ ورثته أمته، فلابد من أن تبلغ الأمة ممثلة في أهل العلم منها ما أنزل الله إلى نبيه ﷺ ، ولا يجوز أن يكتفوا بالبعض دون البعض، فإن ذلك أول أسباب الانحراف، فضلاً عن أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وفضلاً عن أن يقولوا الباطل وينسبوه إلى الدين. فترك بعض الحق لا يبلغ هو سبب من أسباب الانحراف، وأشد منه أن يقال على الله ما لا يعلم أنه من الدين، وأشد منه أن يقول المرء على الله وعن رسوله ﷺ ما يعلم أنه خلاف الدين، ولذلك كان عالم السوء وإمام السوء من أعظم الناس خطراً على الأمة، وكان الدعاة على أبواب جهنم هم سبب الفساد الأشد، كما قال النبي ﷺ حين سأله حذيفة: (فهل بعد هذا الخير -أي: الذي فيه دخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) فعندهم كلام بالإسلام، وعندهم إظهار للإسلام، لكن قلوبهم قلوب شياطين في جثمان الإنس، فهم يتكلمون بالحق ليروجوا به الباطل لا لينصروا به الدين، وإنما يتكلمون به ليتمكنوا من الصد عن الدين، والعياذ بالله، وهذا أمر معلوم، فإن الباطل لا تقبله الفطر والنفوس؛ لأنه مر خبيث لا يمر إلا بشيء من الحق، كخدعة إبليس الأولى ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، فقد علم أن هذا الباطل لن يروج إلا بشيء من الحق فعظم الله بالقسم، وظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، والله أعلى وأعلم، فقاسمهما ليظهر أنه يعظم اسم الله، ويعظم الحلف به، وأنه ناصح، وهكذا الباطل دائماً فهو لا يروج على الناس إلا بشيء من الحق، فلذلك كان المنافقون أشد خطراً على الأمة، ولذلك كان كتمان بعض الدين الذي لا يوافق الأهواء الباطلة من أعظم أسباب انحراف الأمم، ومن أعظم أسباب فساد الأرض، والعياذ بالله، فلابد من أن يبلغ الحق كاملاً دون أن يكتم منه شيء، والله المستعان، ولو كان هذا الأمر سائغاً -وهو أن يبلغ بعض الحق دون البعض الآخر- لساغ أن يقال عن إبليس: إن عنده من التوحيد والإيمان: المعرفة بالله، والمعرفة باليوم الآخر، وإنه يدعو الله مباشرة بلا وسائط، فإنه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، وقال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:٧٩] وهذه طريقة بعض المفترين على الله الكذب -والعياذ بالله- الذين يستعملون هذا الأسلوب، فيلزمهم أن يكون إبليس من الكمل؛ لأن هذه الأمور عنده من الحق، فهل هذا إيمان وهل هذا حق؟! لا، بل لابد من أن يبلغ الأمر والدين كاملاً. ويستحيل على النبي أن يكتم بعض ما أنزل الله إليه، ولهذا قال تعالى: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)) بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه، فهذا أحد وجوه الخيانة. وكل هذه الوجوه التي ذكرت يستفيد منها أهل الإيمان كما ذكرنا، كما أنهم استفادوا من الصفات الطيبة التي ذكرها الله لنبيه ﷺ ، وينبغي أن يتصف بها صغيرهم وكبيرهم، وأن يتصف بها القادة والمقودون، وكذلك أن يتجنبوا ما نزه الله أنبياءه ورسله عنه من الغلول والخيانة ونحو ذلك؛ لأنها صفات قبيحة، فلابد من أن يتنزه عنها القادة والعلماء والأئمة وكل من له ولاية على غيره، فليس للأب ولا للزوج أن يخون بأن يأخذ لنفسه ما لا يحل له أن يأخذه، أو أن يترك إبلاغ أهله وأولاده وأمرهم وتربيتهم ببعض أمور الدين، والواجب عليه أن يبلغهم، وأن يقيمه فيهم، وإذا خص بعض رعيته دون بعض وقع الفساد في الأسرة بلا شك، فإن أعظم أسباب الفساد في الأسر أن من أهل الولاية فيها كالأب والكبير -مثلاً- من يخص بعض الأولاد بالعطية دون البعض، فيقسم للبعض دون البعض، ويعطي البعض دون البعض، أو يترك إصلاح الخلل الموجود، أو يتمسك ببعض الأمور ويترك أموراً أخرى لا يسعى في إصلاحها. فكل هذه الوجوه لابد من الاستفادة من الطيب منها والحذر من الخبيث، والصحيح أن كل هذه الوجوه المذكورة داخلة في عموم قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ))؛ لأنه فعل في سياق النفي فهو مثل النكرة في سياق النفي، فكل أنواع الغلول الحسية والمعنوية منفية عن الأنبياء، ويجب أن يتركها أهل الإيمان، خاصة قادتهم وأهل العلم منهم كما ذكرنا، وكل من له ولاية على غيره.

стр. 209

جريمة اتهام الأنبياء بالخيانة قال ابن كثير: وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ)) بضم الياء، أي: يخان، يعني: ما كان لكم أن تخونوا النبي. وهذه القراءة سبعية كالأولى. قال: وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر وقد غل بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما. أي: لما غل بعض أصحابه نزل قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ)) أي: يخان؛ لأنه سوف يطلعه الله، والغلول من ورائه والخيانة للنبي نوع من عدم تحقيق الإيمان به. قال: ثم حكى -أي ابن جرير - عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى: يتهم بالخيانة. فقوله تعالى: (يغل) أي: ينسب إلى الغلول، وهذا وجه آخر في تفسير قراءة ((يُغَلَّ)).

стр. 210

عقوبة جريمة الغلول ثم قال تعالى: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ))، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة. فروى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي عن النبي ﵌ قال: (أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة)، نسأل الله العافية. وقد ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث، إلا أنه ثابت في الصحيحين بمعناه، ففي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين) وقوله: (طوقه) يعني: جعل طوقاً في عنقه، فالتراب الذي يكون في هذا الشبر إلى الأرضين السبع كل ذلك يجعل طوقاً في عنقه، نسأل الله العافية. وقد احتج بهذا الحديث الصحيح من يقول: إن الأرضين السبع هي في هذه الأرض، وقيل: بل هذه الأرض كلها هي أرض واحدة، فيقول: إن ما يساوي هذا الشبر من الأرضين الأخرى المنفصلة عن هذه الأرض المستقلة عنها يؤتى به ويجعل طوقاً في عنق الغال أو الظالم لشبر من الأرض، نسأل الله العافية.

стр. 211

الأموال العامة وعظم خطرها وروى الإمام أحمد عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال)، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وهذا إذن من النبي ﷺ لعماله، وهو حد الكفاية بالنسبة لهم، فمن كان ليس له منزل فله أن يتخذ منزلاً، وهذا لا يعني أنه يأخذ من تلقاء نفسه، ولكن النبي ﷺ هو الذي يعطيهم، أو يجعل من يعطيهم، وذلك بأن يخبره من يعمل الأعمال من جمع الأموال أو ولاية الولايات بأنه ليس له منزل أو ليس له زوجة أو ليس له دابة أو ليس له خادم فيأذن له بأخذ ما يحتاج إليه، فإن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال وخائن للأمانة، وهذا دليل على أن قضية الغلول واسعة، وليست فقط في الغنيمة عندما يغل الإنسان ويسرق من الغنيمة قبل قسمتها، بل يدخل في ذلك كل من ولي ولاية وكان على مال من أموال المسلمين العامة، ووالله إن هذا لبلاء شديد، فكل من ولي على المسلمين من أموالهم شيئاً يمكن أن يتصور فيه الغلول والخيانة بأن يضع الأشياء في غير مواضعها، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من الغلول والخيانة. وأموال المسلمين العامة هي أكثر الأموال استهانة بها عند الناس، فالناس يستهينون بالأموال العامة، ويقولون: إن مال الحكومة حلال، والواقع أن الحكومة ليس لها مال، بل هذه أموال المسلمين العامة، وهي ملك للمسلمين عموماً، وهي أشد خطراً من الأموال الخاصة، ولذلك تجد التشديد في الأموال العامة، وقد أبى النبي ﷺ أن يأخذ من رجل شراك نعل جاء به بعد أن انصرف الجيش وقال: (تأتي به يوم القيامة) إذ بعد أن انصرف الجيش لا يقدر أن يوصل لكل واحد منهم نصيبه من هذا الشيء اليسير. فأموال المسلمين العامة أغلظ من الأموال الخاصة، فالشخص الواحد قد ترجع له حقه إذا تبت إلى الله، أما الأموال العامة فهي -في الحقيقة- مملوكة لكل المسلمين، ولكل مسلم حق ونصيب فيها، فكونه يهمل في شيء منها فيدمره ويفسده على المسلمين، أو يستعمله استعمالاً يؤدي به إلى فساده، أو يأخذه بغير حق، أو يحتال بأي وسيلة من الوسائل ليأخذ ما ليس له؛ كل ذلك أمره شديد، ونسأل الله العفو والعافية، ومن ذلك الرشوة، وسيأتي ما يدل على أنها من الغلول، فكل مال يدفع لموظف عام من أجل أن يخون الأمانة أو يؤديها فهو خيانة، إذ واجب عليه أن يؤديها دون أن يأخذ مالاً من المنتفعين بها من المسلمين؛ لأنه يأخذ أجرته من بيت المال، فكيف يأخذ من الناس شيئاً؟! فإذا كانوا يعطونه لكي يؤدي الحق فهو ظالم، وإذا كانوا يعطونه لكي يخون الحق ولكي يخون الأمانة فهذا أشد والعياذ بالله. وروى أبو داود بسند آخر عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً. قال أبو بكر -أحد الرواة-: أخبرت أن النبي ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق). قال ابن كثير قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب، وهو حديث صحيح بما قبله. وهناك حديث آخر رواه ابن جرير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء فينادي يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء فيقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعاً من أدم ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك) لم يروه -أي: عن ابن عباس - أحد من أهل الكتب الستة. وهو صحيح، ورووا مثله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا دليل على أن من غل شيئاً، أو سرق من أموال المسلمين العامة، أو أخذ ما ليس له منها، أو خان في الأمانة، فإنه يأتي يوم القيامة وعلى رقبته هذا الشيء لا يفارقه، وهو حمل ثقيل لا يستطيع التخلص منه، ويستشفع بالنبي ﷺ فلا يقبل النبي ﷺ أن يشفع له ويقول: (لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك)، فيظل ملازماً له إلى أن يهوي به في النار، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله العافية.

стр. 212

هدايا العمال في الأعمال العامة وعقوبة الغال في عمله للمسلمين روى الإمام أحمد عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟!) يعني: ما أهدي له لعلاقة كانت قائمة قبل ذلك، وإنما أهدي إليه لأجل الولاية، ولأجل أن يقوم بالحق أو أن يقوم بالباطل، أهدي إليه لكي لا يظلم الناس كما يقع من كثير من العمال، وهذا من الغلول ومن الرشوة المحرمة، أو يهدى إليه لكي يقوم بالباطل فلا يأخذ الحق من أهله، أو لكي يجعله على غيرهم، أو لكي يظلم بعض الناس ويقدم بعض الناس الذين لا يستحقون التقديم على غيرهم، وكل ذلك -سواء سمي هدية أو سمي رشوة أو سمي غير ذلك- من الغلول. يقول ﷺ : (ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه -أي: بياض إبطيه- -ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثاً) أي قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، والحديث رواه البخاري ومسلم. قال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسأل زيد بن ثابت. وروى الإمام أحمد عن أبي حميد أن رسول الله ﷺ قال: (هدايا العمال غلول) وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، وهذا يدل على أن هذا داخل في الغلول، فمن كان في وظيفة عامة فلا يجوز أن يعطيه أحد شيئاً من الهدايا، ونسأل الله العافية. وهناك حديث آخر رواه أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في إثري فرددت، فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير أذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك). قال الترمذي: حسن غريب. وضعفه الشيخ الألباني، لكن له شواهده في المعنى. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: (قام فينا رسول الله ﷺ يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت -والصامت هو الذهب والفضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك) والحديث متفق على صحته. وروى الإمام أحمد عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس! من عمل لنا منكم عملاً فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة) وسمي الغلول غلولاً لأنه يكون في رقبته يوم القيامة، والغل يكون في الرقبة والعياذ بالله، وقوله: (كتمنا منه مخيطاً) المخيط هو الإبرة. قال: (فقام رجل من الأنصار أسود -قال مجاهد: هو سعيد بن عبادة - كأني أنظر إليه فقال يا رسول الله! اقبل عني عملك -يعني: أقلني فلا تعيني في وظيفة عامة ولا تعيني في عمل أجمع فيه أموالاً أو أكون أميناً فيه على أموال-؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه وما نهي عنه انتهى) كذا رواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن أبي رافع قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب، قال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعاً إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: أف لك! أف لك! مرتين فكبر في ذرعي وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: مالك؟ امش. قال: قلت: أحدثت حدثاً يا رسول الله. قال: وما ذاك؟ قال: أففت بي؟ قال: لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعياً على آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار) ونسأل الله العافية، ونعوذ بالله، والحديث ضعفه الشيخ الألباني، لكن له شواهد أخرى. وقوله: (فدرع) يعني: ألبس درعاً، وهذا دليل على أن من أسباب عذاب القبر، خيانة الأمانة في الأموال العامة. وروى عبد الله بن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: (كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول: مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول؛ فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم) وهو صحيح بمجموع طرقه، وقد روى ابن ماجه بعضه. قوله: (مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم) أي: نصيبي مثل نصيب الواحد منكم. فالنبي ﷺ كان يستوي في قسم الغنائم مع عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كان يأخذ الخمس الذي جعله الله له ليجعله في مصالح المسلمين، ويأخذ منه نفقته وكفايته وكان لا يكفيه ﵊، مع أنه كان يدخر قوت سنته، لكن سرعان ما ينفقها ويبقى أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد لهم في أبيات رسول الله ﷺ نار، وليس لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء. قوله: (أدوا الخيط والمخيط) أي: أدوا الخيط والإبرة (وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد) -أي: إذا كانوا ممن شرع الله جهادهم. فيجاهد الأقارب والأباعد بكل أنواع الجهاد. وهناك حديث آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (ردوا الخيط والمخيط؛ فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة). وهناك حديث آخر عن أبي مسعود الأنصاري قال: (بعثني رسول الله ﷺ ساعياً -والساعي جامع الصدقة- ثم قال: انطلق أبا مسعود، لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته. قال: إذاً لا أنطلق. قال: إذاً لا أكرهك) تفرد به أبو داود، وهو حديث صحيح. أي: أنه خشي على نفسه من أن يأخذ ما ليس له فترك أن يعمل جامعاً للصدقة وطلب من النبي ﷺ أن يقيله فقبل النبي ﷺ منه ذلك وقال: (لا أكرهك). وهناك حديث آخر رواه أبو بكر بن مردويه عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: (إن الحجر ليرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفاً ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل: ائت به)، وذلك قوله: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، والحديث ضعيف. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ : كلا؛ إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، ثم قال رسول الله ﷺ : يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) رواه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح. وهذا دليل على إثبات عذاب القبر، وعلى عدم قول: فلان شهيد؛ لأنه ربما يكون على غير ذلك، وأما إذا قصد أنه شهيد في أحكام الدنيا فذاك؛ لأن النبي ﷺ لم يمنعهم من أن يتكلموا في حق من لم يعرف عنه فساد، وإنما سكت، ولما قالوا: فلان شهيد قال: (كلا) وهذا دليل على أنه قد يقتل الإنسان في سبيل الله ويعامل في الدنيا معاملة الشهداء ولكنه لا يكون عند الله شهيداً لوجود مانع من ذلك، وهو أن يكون قد غل من الغنيمة. وهناك حديث آخر عن عمر، فقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أنيس (أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحملها يوم القيامة؟! قال عبد الله بن أنيس: بلى).

стр. 213

ما يجازى به الغال في الدنيا ورواه ابن ماجه عن الحسن قال: (عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه). وعن عثمان بن عطاء عن أبيه عن علي ﵁ قال: (الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد مملوك -أي: دون خمسين جلدة- ويحرم نصيبه)، وهذا الحديث ضعيف في عقوبة الغال أنه يحرق رحله، فالتحريق للغال لم يثبت عن النبي ﷺ إنما هو من قول الحسن، وقول علي أيضاً ضعيف، فلا يثبت هذا الأمر، وإن نصره بعض العلماء كـ ابن القيم ﵀، فالحديث ضعيف لا يعمل به، وإنما أفتى بعض التابعين بأنه يتصدق بثمنه كما سيأتي. وأما جلد الغال فهذا للإمام، فإن رأى أن يجلده ويعاقبه بجلد أو حبس أو غير ذلك فإنه يفعل على قدر ما يرى، لكن دون الحد. وروى ابن جرير عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقاً فقال: إياك -يا سعد- أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء. فقال: لا آخذه ولا أجيء به -يعني: لا آخذ العمل ولن آتي بشيء- قال: فأعفاه) أي: قبل النبي ﷺ ذلك. فمن وجد في نفسه ضعفاً عن القيام بالحق فلا يتعين في هذه الوظائف العامة. وروى الإمام أحمد عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد مسلمة في متاع رجل غلولاً فسأل سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من وجدتم في متاعه غلولاً فحرقوه. قال: وأحسبه قال: واضربوه، قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفاً فسأل سالماً فقال: بعه وتصدق بثمنه) وهذا الحديث ضعيف، أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية، وقال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر. وقال الداراقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه، وهو عقوبة الغال بتحريق متاعه. وروى الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: (عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه). يقول: وخالفه أي: خالف أحمد بن حنبل - أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله. أي: يعزر بما يراه الإمام كما يعزر من أخذ مالاً بغير حق. وقال البخاري: (وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال ولم يحرق متاعه) , والله أعلم. وهذا الصحيح في هذه المسألة؛ لأن الإحراق فيه إفساد من غير مصلحة. وروى الإمام أحمد عن جبير بن مالك قال: أمر بالمصاحف أن تغير -والذي أمر بذلك هو عثمان بن عفان؛ لئلا يكتب مصحف إلا على الرسم الذي اتفق عليه ويمحى ما سوى ذلك، وكان المخالف في ذلك عبد الله بن مسعود -قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفاً فليغله، فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة؛ أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ . وقد كان هذا رأي ابن مسعود، وانقطع هذا القول، وأصبح إجماع الأمة أنه لا يكتب المصحف إلا بهذه الطريقة، حتى ولو كانت هناك قراءات ووجوه أخرى في ترتيب السور، فقد أجمعت الأمة على أن المصاحف لا تكتب إلا هكذا والحمد لله؛ وذلك لحفظ القرآن بفضل الله. وروى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالاً فينادي في الناس فيجيئون بغنائمهم يخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله! هذا كان مما أصبنا من الغنيمة. فقال: أسمعت بلالاً ينادي -ثلاثاً؟ - قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كلا، أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله منك)، وكان هذا من أعظم العقوبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله العافية. وقد ذكر العلماء أن من أخذ أموالاً عامة من غير حق ثم تاب إلى الله فإنه يتصدق بها عن المسلمين الذين يستحقونها، وهذا هو قول أكثر أهل العلم.

стр. 214

الأسئلة

стр. 215

حكم أخذ العامل ما يعطاه في عمله مما يسمى بالإكرامية وحق الشاي السؤال هل يجوز للعامل أن يأخذ ما يعطاه في عمله مما يسمى بحق الشاي والإكرامية ونحو ذلك؟ الجواب هذا في القطاع الخاص جائز بعلم صاحب العمل، فإذا كان المرء يعمل في قطاع خاص فأعطاه بعض الناس إكرامية فإنه يبلغ صاحب العمل ويقول له: إن فلاناً أعطاني كذا، وذلك ليكون بريئاً من هذا الأمر، أما القطاع العام فلا يجوز للعامل فيه أن يأخذ شيئاً. وهناك تنبيه على أمرهم، وهو أنه في لجان التصحيح أيام الامتحانات تبقى بعض كراسات الإجابة للطلبة المتغيبين عن الامتحان، فيأذن رئيس لجنة التصحيح في أن يأخذ منها العاملون في هذه اللجنة، وهي من الأموال العامة والرسول ﷺ قد شدد في ذلك حتى قال: (أدوا الخيط والمخيط)، فالكراسات هذه إن أخذت فإنه يجب أن تستعمل في مصالح المسلمين العامة كأن تستغل في التدريس بعد ذلك، أما أخذها لأعمال خاصة فلا. فحق الشاي كما يسمى والإكرامية في القطاع الخاص أمر جائز بإذن صاحب العمل، أما القطاع العام فلا، ومن عمل في شركة وعندهم في الشركة كمبيوتر يسمع منه قرآناً أحياناً ويستفيد منه بعض الأمور التي تنبه -مثلاً- على فضيلة يوم عاشوراء ويوم عرفة ونحو ذلك من الأمور التي فيها مصلحة عامة فلا بأس بعمله هذا، فهذا من المصالح العامة التي فيها دعوة إلى الله وفيها تذكير بالخير، ومثل هذا لا يمنع.
следующие страницы →