Полный текст (991 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الأموال العامة وعظم خطرها
وروى الإمام أحمد عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال)، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وهذا إذن من النبي ﷺ لعماله، وهو حد الكفاية بالنسبة لهم، فمن كان ليس له منزل فله أن يتخذ منزلاً، وهذا لا يعني أنه يأخذ من تلقاء نفسه، ولكن النبي ﷺ هو الذي يعطيهم، أو يجعل من يعطيهم، وذلك بأن يخبره من يعمل الأعمال من جمع الأموال أو ولاية الولايات بأنه ليس له منزل أو ليس له زوجة أو ليس له دابة أو ليس له خادم فيأذن له بأخذ ما يحتاج إليه، فإن أصاب شيئاً سوى ذلك فهو غال وخائن للأمانة، وهذا دليل على أن قضية الغلول واسعة، وليست فقط في الغنيمة عندما يغل الإنسان ويسرق من الغنيمة قبل قسمتها، بل يدخل في ذلك كل من ولي ولاية وكان على مال من أموال المسلمين العامة، ووالله إن هذا لبلاء شديد، فكل من ولي على المسلمين من أموالهم شيئاً يمكن أن يتصور فيه الغلول والخيانة بأن يضع الأشياء في غير مواضعها، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من الغلول والخيانة.
وأموال المسلمين العامة هي أكثر الأموال استهانة بها عند الناس، فالناس يستهينون بالأموال العامة، ويقولون: إن مال الحكومة حلال، والواقع أن الحكومة ليس لها مال، بل هذه أموال المسلمين العامة، وهي ملك للمسلمين عموماً، وهي أشد خطراً من الأموال الخاصة، ولذلك تجد التشديد في الأموال العامة، وقد أبى النبي ﷺ أن يأخذ من رجل شراك نعل جاء به بعد أن انصرف الجيش وقال: (تأتي به يوم القيامة) إذ بعد أن انصرف الجيش لا يقدر أن يوصل لكل واحد منهم نصيبه من هذا الشيء اليسير.
فأموال المسلمين العامة أغلظ من الأموال الخاصة، فالشخص الواحد قد ترجع له حقه إذا تبت إلى الله، أما الأموال العامة فهي -في الحقيقة- مملوكة لكل المسلمين، ولكل مسلم حق ونصيب فيها، فكونه يهمل في شيء منها فيدمره ويفسده على المسلمين، أو يستعمله استعمالاً يؤدي به إلى فساده، أو يأخذه بغير حق، أو يحتال بأي وسيلة من الوسائل ليأخذ ما ليس له؛ كل ذلك أمره شديد، ونسأل الله العفو والعافية، ومن ذلك الرشوة، وسيأتي ما يدل على أنها من الغلول، فكل مال يدفع لموظف عام من أجل أن يخون الأمانة أو يؤديها فهو خيانة، إذ واجب عليه أن يؤديها دون أن يأخذ مالاً من المنتفعين بها من المسلمين؛ لأنه يأخذ أجرته من بيت المال، فكيف يأخذ من الناس شيئاً؟! فإذا كانوا يعطونه لكي يؤدي الحق فهو ظالم، وإذا كانوا يعطونه لكي يخون الحق ولكي يخون الأمانة فهذا أشد والعياذ بالله.
وروى أبو داود بسند آخر عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً.
قال أبو بكر -أحد الرواة-: أخبرت أن النبي ﷺ قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق).
قال ابن كثير قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب، وهو حديث صحيح بما قبله.
وهناك حديث آخر رواه ابن جرير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء فينادي يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء فيقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعاً من أدم ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك) لم يروه -أي: عن ابن عباس - أحد من أهل الكتب الستة.
وهو صحيح، ورووا مثله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وهذا دليل على أن من غل شيئاً، أو سرق من أموال المسلمين العامة، أو أخذ ما ليس له منها، أو خان في الأمانة، فإنه يأتي يوم القيامة وعلى رقبته هذا الشيء لا يفارقه، وهو حمل ثقيل لا يستطيع التخلص منه، ويستشفع بالنبي ﷺ فلا يقبل النبي ﷺ أن يشفع له ويقول: (لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك)، فيظل ملازماً له إلى أن يهوي به في النار، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله العافية.
стр. 212
هدايا العمال في الأعمال العامة وعقوبة الغال في عمله للمسلمين
روى الإمام أحمد عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟!) يعني: ما أهدي له لعلاقة كانت قائمة قبل ذلك، وإنما أهدي إليه لأجل الولاية، ولأجل أن يقوم بالحق أو أن يقوم بالباطل، أهدي إليه لكي لا يظلم الناس كما يقع من كثير من العمال، وهذا من الغلول ومن الرشوة المحرمة، أو يهدى إليه لكي يقوم بالباطل فلا يأخذ الحق من أهله، أو لكي يجعله على غيرهم، أو لكي يظلم بعض الناس ويقدم بعض الناس الذين لا يستحقون التقديم على غيرهم، وكل ذلك -سواء سمي هدية أو سمي رشوة أو سمي غير ذلك- من الغلول.
يقول ﷺ : (ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي! أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟! والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر.
ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه -أي: بياض إبطيه- -ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثاً) أي قال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، والحديث رواه البخاري ومسلم.
قال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسأل زيد بن ثابت.
وروى الإمام أحمد عن أبي حميد أن رسول الله ﷺ قال: (هدايا العمال غلول) وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، وهذا يدل على أن هذا داخل في الغلول، فمن كان في وظيفة عامة فلا يجوز أن يعطيه أحد شيئاً من الهدايا، ونسأل الله العافية.
وهناك حديث آخر رواه أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في إثري فرددت، فقال: أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير أذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك).
قال الترمذي: حسن غريب.
وضعفه الشيخ الألباني، لكن له شواهده في المعنى.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: (قام فينا رسول الله ﷺ يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت -والصامت هو الذهب والفضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك) والحديث متفق على صحته.
وروى الإمام أحمد عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس! من عمل لنا منكم عملاً فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة) وسمي الغلول غلولاً لأنه يكون في رقبته يوم القيامة، والغل يكون في الرقبة والعياذ بالله، وقوله: (كتمنا منه مخيطاً) المخيط هو الإبرة.
قال: (فقام رجل من الأنصار أسود -قال مجاهد: هو سعيد بن عبادة - كأني أنظر إليه فقال يا رسول الله! اقبل عني عملك -يعني: أقلني فلا تعيني في وظيفة عامة ولا تعيني في عمل أجمع فيه أموالاً أو أكون أميناً فيه على أموال-؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا.
قال: وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه وما نهي عنه انتهى) كذا رواه مسلم.
وروى الإمام أحمد عن أبي رافع قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب، قال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعاً إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: أف لك! أف لك! مرتين فكبر في ذرعي وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: مالك؟ امش.
قال: قلت: أحدثت حدثاً يا رسول الله.
قال: وما ذاك؟ قال: أففت بي؟ قال: لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعياً على آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار) ونسأل الله العافية، ونعوذ بالله، والحديث ضعفه الشيخ الألباني، لكن له شواهد أخرى.
وقوله: (فدرع) يعني: ألبس درعاً، وهذا دليل على أن من أسباب عذاب القبر، خيانة الأمانة في الأموال العامة.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: (كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول: مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول؛ فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم) وهو صحيح بمجموع طرقه، وقد روى ابن ماجه بعضه.
قوله: (مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم) أي: نصيبي مثل نصيب الواحد منكم.
فالنبي ﷺ كان يستوي في قسم الغنائم مع عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإنما كان يأخذ الخمس الذي جعله الله له ليجعله في مصالح المسلمين، ويأخذ منه نفقته وكفايته وكان لا يكفيه ﵊، مع أنه كان يدخر قوت سنته، لكن سرعان ما ينفقها ويبقى أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد لهم في أبيات رسول الله ﷺ نار، وليس لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء.
قوله: (أدوا الخيط والمخيط) أي: أدوا الخيط والإبرة (وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد) -أي: إذا كانوا ممن شرع الله جهادهم.
فيجاهد الأقارب والأباعد بكل أنواع الجهاد.
وهناك حديث آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (ردوا الخيط والمخيط؛ فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة).
وهناك حديث آخر عن أبي مسعود الأنصاري قال: (بعثني رسول الله ﷺ ساعياً -والساعي جامع الصدقة- ثم قال: انطلق أبا مسعود، لا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته.
قال: إذاً لا أنطلق.
قال: إذاً لا أكرهك) تفرد به أبو داود، وهو حديث صحيح.
أي: أنه خشي على نفسه من أن يأخذ ما ليس له فترك أن يعمل جامعاً للصدقة وطلب من النبي ﷺ أن يقيله فقبل النبي ﷺ منه ذلك وقال: (لا أكرهك).
وهناك حديث آخر رواه أبو بكر بن مردويه عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: (إن الحجر ليرمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفاً ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل: ائت به)، وذلك قوله: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، والحديث ضعيف.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد.
فقال رسول الله ﷺ : كلا؛ إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة، ثم قال رسول الله ﷺ : يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون) رواه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح.
وهذا دليل على إثبات عذاب القبر، وعلى عدم قول: فلان شهيد؛ لأنه ربما يكون على غير ذلك، وأما إذا قصد أنه شهيد في أحكام الدنيا فذاك؛ لأن النبي ﷺ لم يمنعهم من أن يتكلموا في حق من لم يعرف عنه فساد، وإنما سكت، ولما قالوا: فلان شهيد قال: (كلا) وهذا دليل على أنه قد يقتل الإنسان في سبيل الله ويعامل في الدنيا معاملة الشهداء ولكنه لا يكون عند الله شهيداً لوجود مانع من ذلك، وهو أن يكون قد غل من الغنيمة.
وهناك حديث آخر عن عمر، فقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أنيس (أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحملها يوم القيامة؟! قال عبد الله بن أنيس: بلى).
стр. 213
ما يجازى به الغال في الدنيا
ورواه ابن ماجه عن الحسن قال: (عقوبة الغال أن يخرج رحله ويحرق على ما فيه).
وعن عثمان بن عطاء عن أبيه عن علي ﵁ قال: (الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد مملوك -أي: دون خمسين جلدة- ويحرم نصيبه)، وهذا الحديث ضعيف في عقوبة الغال أنه يحرق رحله، فالتحريق للغال لم يثبت عن النبي ﷺ إنما هو من قول الحسن، وقول علي أيضاً ضعيف، فلا يثبت هذا الأمر، وإن نصره بعض العلماء كـ ابن القيم ﵀، فالحديث ضعيف لا يعمل به، وإنما أفتى بعض التابعين بأنه يتصدق بثمنه كما سيأتي.
وأما جلد الغال فهذا للإمام، فإن رأى أن يجلده ويعاقبه بجلد أو حبس أو غير ذلك فإنه يفعل على قدر ما يرى، لكن دون الحد.
وروى ابن جرير عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقاً فقال: إياك -يا سعد- أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء.
فقال: لا آخذه ولا أجيء به -يعني: لا آخذ العمل ولن آتي بشيء- قال: فأعفاه) أي: قبل النبي ﷺ ذلك.
فمن وجد في نفسه ضعفاً عن القيام بالحق فلا يتعين في هذه الوظائف العامة.
وروى الإمام أحمد عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد مسلمة في متاع رجل غلولاً فسأل سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من وجدتم في متاعه غلولاً فحرقوه.
قال: وأحسبه قال: واضربوه، قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفاً فسأل سالماً فقال: بعه وتصدق بثمنه) وهذا الحديث ضعيف، أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية، وقال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر.
وقال الداراقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه، وهو عقوبة الغال بتحريق متاعه.
وروى الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: (عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه).
يقول: وخالفه أي: خالف أحمد بن حنبل - أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله.
أي: يعزر بما يراه الإمام كما يعزر من أخذ مالاً بغير حق.
وقال البخاري: (وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال ولم يحرق متاعه) , والله أعلم.
وهذا الصحيح في هذه المسألة؛ لأن الإحراق فيه إفساد من غير مصلحة.
وروى الإمام أحمد عن جبير بن مالك قال: أمر بالمصاحف أن تغير -والذي أمر بذلك هو عثمان بن عفان؛ لئلا يكتب مصحف إلا على الرسم الذي اتفق عليه ويمحى ما سوى ذلك، وكان المخالف في ذلك عبد الله بن مسعود -قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفاً فليغله، فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة؛ أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ .
وقد كان هذا رأي ابن مسعود، وانقطع هذا القول، وأصبح إجماع الأمة أنه لا يكتب المصحف إلا بهذه الطريقة، حتى ولو كانت هناك قراءات ووجوه أخرى في ترتيب السور، فقد أجمعت الأمة على أن المصاحف لا تكتب إلا هكذا والحمد لله؛ وذلك لحفظ القرآن بفضل الله.
وروى أبو داود عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالاً فينادي في الناس فيجيئون بغنائمهم يخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله! هذا كان مما أصبنا من الغنيمة.
فقال: أسمعت بلالاً ينادي -ثلاثاً؟ - قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كلا، أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله منك)، وكان هذا من أعظم العقوبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله العافية.
وقد ذكر العلماء أن من أخذ أموالاً عامة من غير حق ثم تاب إلى الله فإنه يتصدق بها عن المسلمين الذين يستحقونها، وهذا هو قول أكثر أهل العلم.
стр. 214
الأسئلة
стр. 215
حكم أخذ العامل ما يعطاه في عمله مما يسمى بالإكرامية وحق الشاي
السؤال
هل يجوز للعامل أن يأخذ ما يعطاه في عمله مما يسمى بحق الشاي والإكرامية ونحو ذلك؟
الجواب
هذا في القطاع الخاص جائز بعلم صاحب العمل، فإذا كان المرء يعمل في قطاع خاص فأعطاه بعض الناس إكرامية فإنه يبلغ صاحب العمل ويقول له: إن فلاناً أعطاني كذا، وذلك ليكون بريئاً من هذا الأمر، أما القطاع العام فلا يجوز للعامل فيه أن يأخذ شيئاً.
وهناك تنبيه على أمرهم، وهو أنه في لجان التصحيح أيام الامتحانات تبقى بعض كراسات الإجابة للطلبة المتغيبين عن الامتحان، فيأذن رئيس لجنة التصحيح في أن يأخذ منها العاملون في هذه اللجنة، وهي من الأموال العامة والرسول ﷺ قد شدد في ذلك حتى قال: (أدوا الخيط والمخيط)، فالكراسات هذه إن أخذت فإنه يجب أن تستعمل في مصالح المسلمين العامة كأن تستغل في التدريس بعد ذلك، أما أخذها لأعمال خاصة فلا.
فحق الشاي كما يسمى والإكرامية في القطاع الخاص أمر جائز بإذن صاحب العمل، أما القطاع العام فلا، ومن عمل في شركة وعندهم في الشركة كمبيوتر يسمع منه قرآناً أحياناً ويستفيد منه بعض الأمور التي تنبه -مثلاً- على فضيلة يوم عاشوراء ويوم عرفة ونحو ذلك من الأمور التي فيها مصلحة عامة فلا بأس بعمله هذا، فهذا من المصالح العامة التي فيها دعوة إلى الله وفيها تذكير بالخير، ومثل هذا لا يمنع.
стр. 216
حكم مد لفظ الجلالة في الأذان
السؤال
هل يجوز مد لفظ الجلالة في الأذان؟
الجواب
الصحيح أنه يمد مداً طبيعياً بحركتين فقط، ولكن بعض المشايخ يقولون: إن هذا مد تعظيم، والصحيح أنه يمده مداً طبيعياً، ولكن لا يبطل الأذان بذلك.
стр. 217
حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبة تابعة لقبور أزيلت منه
السؤال
ما حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبة ليس فيها قبور، حيث إنه تم إزالة القبور، لكن القبة تابعة للقبور؟
الجواب
تجوز الصلاة فيه إذا أزيلت القبور؛ لأنها هي العلة.
стр. 218
حكم الصلاة في مسجد فيه مقام كرسي من خشب
السؤال
مسجد فيه مقام كرسي خشب ليس فيه قبر، فما حكم الصلاة فيه؟
الجواب
إن كان هذا الكرسي الخشب يعبد وثناً من دون الله بحيث يعظم وينذر له فالعلة قائمة في النهي عن الصلاة في هذا المكان، وإن لم يكن يعظم ولا يفعل فيه شيء من العبادات فلا حرج؛ لعدم وجود العلة، نعم ليس هناك نص في النهي عن الصلاة في المساجد التي فيها مقامات، لكن -كما ذكرنا- إن كان هذا الأمر مما يعبد من دون الله فهذا هو سبب النهي عن الصلاة في هذا المكان.
فالمشكلة أن بعض الناس قد يعظم المخلوق تعظيماً يخرج به عن حده، وقد سمعنا أن أحد هؤلاء يقول: إنه يجوز أن يقال: عيسى ابن الله على سبيل التشريف، وهذا كلام باطل، فلا يجوز أن يقال: عيسى ابن الله، ولا أحد من الخلق يقال له: ابن الله أبداً، ولا على سبيل التشريف، فقد رد الله على من قال ذلك فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨]، ولا يجوز قول ذلك على سبيل المجاز، قال : ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر:٤] فنزه الله نفسه عن أن يكون له ولد مخلوق.
لكن عيسى ﵇ هو روح الله على سبيل التشريف، فهذه الروح هي المشرفة المنسوبة إلى الله وليست هي صفة من صفاته.
стр. 219
ما يقرأ من القرآن على النصراني، وبيان انحراف أهل الكتاب وضلالهم
السؤال
إذا طلب مني بعض النصارى أن أقرأ عليه بعضاً من القرآن فمن أي القرآن أقرأ؟
الجواب
اقرأ عليه سورة مريم، كما فعل جعفر ﵁ مع النجاشي، واقرأ سورة آل عمران.
وإنَّ أبرز الحجج في عموم رسالة النبي ﷺ قول الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].
وقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار).
فعموم رسالة النبي ﷺ مأخوذ من تصديقه ﷺ ، وتصديقه مبني على معرفة المعجزات التي أعظمها القرآن العظيم، ووجوه الإعجاز المختلفة في القرآن الكريم مذكورة في كتب التفسير، وفي مقدمة تفسير القرطبي شيء صالح من ذلك، وكثير من كتب علوم القرآن موجود فيها وجوه الإعجاز أيضاً.
وأما المعجزات الحسية فأحيلك على كتاب (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) لشيخ الإسلام ابن تيمية ففيه معجزات بالأسانيد الصحيحة عن النبي ﷺ التي تبلغ مئات المعجزات الحسية، والتي ينقلون عن الأنبياء السابقين أقل من عشرها بلا أسانيد ومع ذلك يقبلونها، فمن كذب محمداً ﷺ فقد كذب كل الأنبياء، لزاماً، فمن الواجب علينا أن نبين لهم فساد الاعتقاد بتعدد الآلهة والتثليث، وأن المسيح إله يعبد من دون الله أو مع الله أو هو الله، وبيان كفر من قال ذلك مما لا يحتمل تأويلاً، فهؤلاء يخدعون الناس مستدلين بآيات من القرآن لبيان عقائدهم الباطلة، فإذا كان القرآن حقاً فلابد من أن يقبلوه كله؛ والكثير من الشبهات الآن تلقى في قنوات تبشيرية، ولا أدري لماذا يستمع الناس لها؟! ويحاولون فيها أن يأتوا بآيات من القرآن لإثبات ما هم عليه، فإذا كان القرآن حقاً فقد قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وهذه لا يستطيعون لها تحريفاً ولا تأويلاً على الإطلاق، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وهذه كلها نصوص قطعية، فإن كانوا يصدقون بالقرآن فالقرآن حجة عليهم، والواقع أنهم لا يصدقون بالقرآن ولا بالنبي ﵊.
وأما قوله : ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة:٤٧] فهم يحتجون به على بقاء الإنجيل، ونحن نقول: قد أنزل الله في الإنجيل ذكر بعثة النبي ﷺ ، وأن المسيح بشر مثلهم، فليحكموا بهذا، وليس في هذا إلغاء بالكلية، وإنما هناك عقائد واحدة قالها المسيح ﵇ كما قالها من قبله الرسل، وجاء بها كل الأنبياء وخاتمهم محمد ﷺ ، فيجب عليهم أن يحكموا بذلك.
وهناك شرائع متفق عليها كذلك، مثل: تحريم الزنا، وإقامة الحدود، أعني القطع -مثلاً- في السرقة، والرجم في الزنا، فهذا مما اتفقت عليه كلمة الكتب الثلاثة، واتفقت عليه الشرائع الثلاث: شريعة موسى، وشريعة عيسى، وشريعة محمد ﷺ ، وهم لا يطبقون شيئاً من ذلك، فقد نزل القرآن في هذا خصوصاً فيما لم يتغير ولم ينسخ، وليس المعنى أن هذا ينفي النسخ، فإننا نعمل بالقرآن ونعرف أن فيه ناسخاً ومنسوخاً، فما وجه الاعتراض؟ فقد أنزل الله المنسوخ لمدة من الزمن وهو يعلم أنه سيغيره لمصلحة الناس، وأما ما لم ينسخ فيجب العمل به، فمن ترك العمل بالمنسوخ من القرآن فهل يقال عنه: ترك العمل بالقرآن؟ لا، فكذلك إذا ترك المنسوخ من الإنجيل لو ثبت، وهذا الكلام هو في حق الإنجيل الذي جاء به المسيح، لا الأناجيل التي كتبها الحواريون وأتباعهم على صيغة المسيح، فنحن نعتقد أن الإنجيل كتاب أنزله الله على عيسى ﷺ ، والنصارى يعتقدون أن الإنجيل الذي بين أيديهم هو صيغة المسيح التي كتبها الحواريون وتلامذتهم وليس هناك كتاب أنزله الله على المسيح.
فنقول: الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح ﷺ يحكم به -كما ذكرنا- في العقائد الواجب اتباعها، وفي الأحكام المتفق عليها بين الشرائع والأخلاق الواجب اتباعها كذلك، وترك الأخلاق المحرمة، كل هذا مما اتفقت عليه كل الشرائع، فليحكموا بذلك، وأعظم ذلك وأهمه الإيمان بمحمد ﵌، وتوحيد الله قبل ذلك، فليس لأحد من النصارى ولا اليهود أن يحتج بشيء من القرآن؛ لأنهم لا يصدقون القرآن، ولا يصدقون بنبوة محمد ﷺ ، وعليه فليس لهم أن يحتجوا بالقرآن، ولا أن يقولوا: إن الله قد أخبر بذلك؛ لأن الله هو الذي أمر باتباع محمد ﷺ ، فإن كان اعتقادكم في القرآن أنه حق فاقبلوا كل القرآن، وأما إذا لم يكن ذلك فلا تضربوا بعض القرآن ببعض، ولا يجوز لكم أن تأخذوا بعضاً وتتركوا بعضاً، إنما هذا حال الكفار -والعياذ بالله- وهم كذلك، فيجب أن لا يقبل منهم احتجاج بالآيات؛ لأنهم غير مصدقين بها، وهذه الآيات يفسرونها على غير وجهها ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وأهل العلم يردون المتشابه إلى المحكم، فيتفق الكتاب كله، ومثال ذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء:١٦٢] فيقول صاحب الشبهة: كيف جاءت ((وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ))؟ وهذه من شبهات المنصرين، وهذه الجملة من الآية منصوبة على الاختصاص، أي: وأخص المقيمين الصلاة، ولها وجوه أخرى في الإعراب من أراد أن يرجع إليها فليرجع إلى تفسير القرطبي وتفسير أبي السعود، لكن أظهرها ما ذكرنا، وهو تخصيص المقيمين الصلاة، وذلك لأهمية الصلاة.
стр. 220
عدة من يتأخر نزول حيضها
السؤال
امرأة كانت تستعمل علاجاً خاصاً بالدورة أدى إلى عدم انتظامها، حتى إنها كانت تأتيها كل ثلاثة أشهر فقط، فطلقت وهي غير حامل، فكيف تكون عدتها؟
الجواب
طالما كانت تحيض ولو كل ثلاثة أشهر أو تسعة أشهر فعدتها ثلاث حيض، وإذا انقضت الفصول الثلاثة ولم تحض وغلب على الظن انقطاع الدورة بالكلية فحينئذٍ تعتد بالأشهر، لكن إن جاءت الدورة ولو بعد عدة أشهر فعدتها بالحيض.
стр. 221
اليهود قتلة الأنبياء
لقد ذكر الله تعالى عباده المؤمنين بحقيقة الصراع الكائن بين الإسلام والكفر؛ ليعرفوا حقيقة أعدائهم من الكافرين بآيات الله وقتلة الأنبياء وحملة الدعوة الإسلامية، والمعرضين عن تحكيم شريعة الله تعالى، وبين أن هؤلاء ليس لهم ناصر حقيقي يقيهم غضب الله تعالى ومكره، وإذا كان الأمر كذلك فللمؤمنين جناب عظيم يلوذون به حين تشد بهم الأزمات في مواجهة أولئك الكافرين، ولذا كان عليهم أن يقووا إيمانهم بربهم مالك الملك، والمتصرف في الكون؛ ليجدوا منه العون والتأييد.
стр. 222
حقيقة الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فقد قضى الله بعدله وحكمته بوجود العداوة بين أولياء الرحمن بني الإنسان وأولياء الشيطان، فأولياء الرحمن من بني آدم ﵇ هم الذين اتبعوه على معرفة الله وتوحيده ومحبته، والتوبة والإنابة إليه ، والاعتراف بالذنب، والرجوع إلى أمره ، والاستغفار.
وأولياء الشيطان، وإن كان بعضهم أو كثير منهم ممن انتسبوا إلى آدم، إلا أنهم والوا عدوهم إبليس اللعين، وساروا على طريقته في الإباء والاستكبار والكفر والعناد، والعياذ بالله، فصارت هذه العداوة مستمرة تجري حلقاتها جيلاً بعد جيل على ظهر هذه الأرض.
والله قد بين لنا حقيقة هذا الصراع منذ أمر آدم بالهبوط إلى الأرض هو وإبليس، فقال : ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف:٢٤]، فهذه العداوة لابد من أن نعرف قواعدها وموازينها؛ لنختار لأنفسنا الفريق الذي ننتمي إليه، حتى لا يخدعنا مخادع عن حقيقة الصراع الذي يجري على وجه هذه الأرض، مما يخدع الشيطان به أولياءه فيظنون أن الصراع ينبغي أن يكون على الملك أو على المال أو على الشهوات أو على الطعام والشراب، فكثير من الناس إنما يصارع من أجل ذلك، فيقع في الفخ الذي نصبه الشيطان، فيكون من جنده، والشيطان وإن أوقع العداوة بينهم إلا أنه لا يرضى لبني آدم إلا الخسران في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.
стр. 223
بيان الله لعباده مكر عدوهم وكشفه لحقيقته
والله بين لأوليائه وأتباع أنبيائه على ألسنة الأنبياء حقيقة أعدائهم وصفاتهم، فجلاهم وكشف ما في بواطنهم، من إرادتهم العلو والفساد في الأرض، وإرادتهم إطفاء نور الله ، فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣].
ويملي لهم؛ وذلك لمتانة كيده، ولأنه خير الماكرين، قال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣].
وقال : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠].
والله يكيد بأعدائه الكافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
وبين لعباده المؤمنين حقيقة الصراع الذي يجري بينهم وبين عدوهم، خاصة من تستمر عداوتهم إلى قبيل قيام الساعة، وهم كفرة أهل الكتاب، كما بين النبي ﵌ في شأن الملاحم الكبرى أنه: (قبيل الدجال تقع ملحمتهم مع الروم، مع كفار النصارى الذين كذبوا رسول الله ﷺ ، ويغدرون حتى يأتون تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً، وينتصر عليهم المسلمون بفضل الله بأرض الشام)، ثم ذكر ﷺ أمر الدجال، وذكر ﷺ الملحمة الكبرى مع اليهود بعد ذلك، فقال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود فيقتل المسلمون اليهود حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
ولقد بين ﷺ أيضاً أن الدجال يتبعه اليهود، فقد قال ﵊: (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة).
فدلت هذه الأدلة على بقاء هذا الصراع إلى الأشراط الكبرى قبيل القيامة، فهذه مسألة عظيمة الأهمية في حياة المسلمين، فلابد من أن يعوا أن الصراع لن ينتهي وإن تفاوتت القوى في المراحل المختلفة والأزمنة والعصور المتفاوتة، فإن الله يداول الأيام بين الناس امتحاناً لعباده المؤمنين للعلة التي تذكرها سبحانه بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١].
ولقد بين لعباده وأوليائه صفة الكفرة، وحقيقة طريقتهم حتى لا يخدع المؤمنين مخادع، ممن ينتسب إلى الإسلام بلسانه وهو في الحقيقة من أعداء الله المنافقين، الذين يلبسون ويصدون عن سبيل إله ويبغونها عوجاً.
стр. 224
حقائق أعداء الله
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢١ - ٢٨].
ما أحوجنا إلى أن نتدبر هذه الآيات التي تجلي لنا حقيقة عدونا وطريقته في الحياة، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١].
هؤلاء الذين يكذبون آيات الله ويأبون الانقياد، وهم الكفار من كل نوع، وهؤلاء ينطبق وصفهم على بني إسرائيل كثيراً؛ لأن الله ذكرهم فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فهذه صفتهم الممتدة عبر التاريخ، يكفرون بآيات الله ، وباءوا بكفر عظيم غليظ بتكذيبهم لأنبياء الله واحداً بعد واحد، وباءوا بأشد من ذلك، وهو تكذيبهم لمحمد ﷺ بعد تكذيبهم لعيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهؤلاء هم الذين يكفرون بآيات الله، وإن كانوا يزعمون الانتساب إلى أنبيائه، فإن سبيلهم سبيل التكذيب والكفر والعياذ بالله، هذا وصفهم وحقيقتهم التي لابد أن تجلى وتبين للمسلمين.
стр. 225
الكفر بآيات الله تعالى
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٢١].
هذا هو أول وأعظم أسباب عداوتهم، فإنما يعاديهم أهل الإيمان؛ لكفرهم بآيات الله وتكذيبهم رسله، ومن ثم وقعوا في الشرك والكفر والعياذ بالله، فإن من كذب الرسل وكذب بالكتب المنزلة على رسله فقد عبد الشيطان الذي أمر بهذا الكفر، فهو مشرك كافر والعياذ بالله، فتبدو العداوة والبغضاء بين المؤمنين وبينهم أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده، كما قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
وهي عداوة لا تتوقف، وبغضاء لا تنتهي حتى يؤمنوا بالله وحده بنص القرآن القاطع الذي لا يحتمل تأويلاً ولا تحريفاً بفضل الله وإن رأى أهل الزندقة والنفاق والكفر أن يزيلوا هذه الآيات، ولزوال السموات والأرض ممكن دون أن تزول آيات الله ، فقد وعد بحفظها، فلا تزال في القلوب، ولا تزال كذلك في السطور في الصحف التي حفظها الله .
стр. 226
قتل الأنبياء وحملة الدعوة الإسلامية
إن الله بين أن الصراع بيننا وبينهم قائم؛ لأنهم يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، وكل من قتل نبياً فقد قتله بغير حق، فهذا وصف للواقع الذي وقع منهم، وهذا أمر ذُمَّ الحاضرون عليه رغم أنه تركة أجدادهم ومن خلفهم على طريقتهم، وقد علمنا أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فكيف يذم الله الحاضرين على جريمة ارتكبها الآباء؟ وهو أخبر في كتابه أنه لا يعاقب أحداً بجريمة غيره فقال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]؟
و
الجواب
إنما ذمهم الله لأنهم وافقوهم على طريقتهم، حيث حرصوا على قتل النبي ﷺ ، فوافقوا من قبلهم في النية والمقصد وفي السلوك والمنهج، وكذلك من يأتي بعد زمن النبي ﷺ إلى يوم القيامة، فهناك من يحاول قتل دينه ودعوته، فيحاول إزالة هذا الدين من على وجه الأرض، ويحاول أن يميت صوت الحق الذي بعث به النبي ﵊، ويحاول إزهاق دعوة التوحيد التي جاء بها الأنبياء، فلذلك يكون من الذين يقتلون النبيين بغير حق؛ لأنه وافقهم على طريقتهم، فكل من أراد إيقاف دعوة الحق وأراد قتل الدعاة إلى الله ؛ لأنهم يدعون إلى الله ، فهو من الذين ((يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)) فهذه سبيلهم وطريقتهم.
ولقد ذكر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن بني إسرائيل قتلوا جماً غفيراً من الأنبياء بكرة نهارهم ثم أقاموا سوق بقلهم في آخر النهار! فهذه عادتهم والعياذ بالله، ولقد كادوا أن يقتلوا رسولاً من أشرف رسلهم وهو هارون ﵇، وهو حي بين أظهرهم في حياة موسى، كما قال حكاية عن هارون ﵇: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥٠]، فهذا فيمن نجوا على يديه، وأخرجهم الله به من ظلمات البلاء الذي كانوا فيه على يديه مع أخيه، ولما غاب أخوه أربعين ليلة كادوا أن يقتلوه ﵇ مستضعفين له، فإذا كان هذا فيمن صحب الأنبياء منهم فكيف بمن أتى بعدهم؟! فهم يسيرون على النهج والطريق نفسه، والعياذ بالله وهذا الأمر لا يصلح مع أمة الإسلام بحمد الله ﵎؛ إذ دعوة النبي ﷺ قائمة لا تزول بفضل الله، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، فالله يبقي بهؤلاء القوم ما يسوءهم بفضله ورحمته .
وأما قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس فهي صفة ملازمة لهم كذلك، وهي تابعة لقتل الأنبياء، وذلك أن الأنبياء ما ورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فلكراهيتهم لدعوة الأنبياء أرادوا قتل من يدعو إليها، وأرادوا قتل من يأمر بالقسط من الناس، بل قتلوهم بالفعل، ولا يزال هذا الأمر يقع، ولا يزال الذين يأمرون بالقسط من الناس يتعرضون للبلاء؛ لأن الله يحب أن يرى صبرهم وتضحيتهم وثباتهم على دينهم، رغم ما يتعرضون له من البلاء، وهو قد جعل تضحية الذين يأمرون بالقسط من الناس بأنفسهم وأموالهم وكل ما لديهم سبباً لانتشار الحق، وسبباً لانتصاره كذلك، فالله عليم حكيم، وهو مالك الملك، وهو الذي يدبر الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده أن ينزع أرواح هؤلاء الذين يقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وأن يوقف نبض قلوبهم، وأن يجفف الدم في عروقهم، وأن يزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأن يرسل عليهم حاصباً من السماء، هو قادر سبحانه على ذلك كله، وقادر على أن ينزع ما أعطاهم من الملك، وهو الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، وتلحظ هذا في كل يوم ولحظة من اللحظات، ولا ينازع في ذلك أحد، وهو أمر مشهود محسوس؛ ومع كل ذلك أمكنهم وأقدرهم على أن يقتلوا أنبياءه ورسله، وهو ينتصر لأوليائه، ويغضب على من آذاهم، فكيف بمن قتل نبياً؟! أو رسولاً؟! وكيف بمن قتل أولياءهم وأتباعهم الذين يأمرون بالقسط من الناس؟! فالله سبحانه العليم الحكيم الحليم، قضى ذلك وقدره؛ ليرى ما يحب من عباده المؤمنين من ثباتهم، ومن توريثهم الحق جيلاً بعد جيل، وطائفة بعد طائفة رغم التضحيات، وليظهر قدرته وقوته، وأنه ناصرٌ دينه وأولياءه وإن قتل من قتل من الأنبياء والرسل والذين يأمرون بالقسط من الناس.
والله لم يجعل دعوة الحق التي أنزلها في كتبه وعلى ألسنة رسله مرتبطة بأشخاص، وإنما هي دعوة مستمرة بفضل الله ، وليست مرتبطة بموازين المادة على ظهر هذه الأرض، فموازين القوى الظاهرة لا ترتبط بها أبداً، وإنما هي حبل موصول كما قال : ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فالوحي المنزل حبل موصول طرفه بيد البشر ونهايته توصل إلى الله ، فمن استمسك به واعتصم نجا، ووصل إلى مرضاة ربه، ودخل الجنان بفضل الله ، ومن تركه وقع في الهاوية والعياذ بالله! وهذا الحبل الواصل بين السماء والأرض أراد الله أن يمتحن به عباده في التمسك به والثبات عليه، فقدر ما قدر من وجود هؤلاء الأعداء ﴿الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:٢١]، وهو سبحانه يري الناس آياته، ومنها تمكن الظالمين ومسارعتهم في الكفر، وكأن الأمور بأيديهم، ثم بعد ذلك يحقق الله وعده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
стр. 227
حبوط أعمال الكافرين في الدنيا والآخرة
قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٢١ - ٢٢]، فكل ما يخططونه ويريدونه يضمحل، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٣٧].
وقال : ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١]، فعملهم وكيدهم في ضلال، كما قال الله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، وكما قال: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧]، فالله جعل كيدهم إلى بوار، وجعل مكرهم السيئ يحيق بهم، فكلما أرادوا أمراً حصل عكسه حتى يأذن الله بإحباط خططهم ومكرهم، إحباطاً تاماً إذا أذن وأمر سبحانه، قال الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وأما في الآخرة فلا ثواب لهم عند الله، فعملهم كله حابط؛ إذ إن من أشرك بالله وكفر بأنبيائه ورسله -فضلاً عن أن يقاتلهم ويقتلهم- عمله حابط كله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
فالمشرك حابط العمل لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، فكل من كذب محمداً ﷺ فهو مشرك حابط العمل كما قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار).
стр. 228
خذلان الله للكافرين
قال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢]، فليس لهم من ناصرين رغم كثرة من ينصرهم؛ وذلك لأن قوة البشر لا تساوي شيئاً في ميزان القوة في هذا الوجود، فكم تساوي من القوة المودعة في الأرض؟ وكم تساوي بالنسبة إلى القوة المودعة في البحر؟ وكم تساوي بالنسبة إلى القوة المودعة في السماء؟ وكم تساوي بالنسبة إلى قوة ملك من الملائكة؟ فإن كنا نؤمن بذلك فلندرك هذه الحقيقة اليقينية، فكيف بالنسبة إلى قوة القوي العزيز الرحيم، العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه ؟! فينبغي أن يكون ظاهراً لكل أحد أن قوة الكفرة والظلمة لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى القوة المودعة في الأرض، فلو تزلزلت الأرض زلزالاً يسيراً بدرجات معدودة لدمرت ما فوقها، فكيف بما في باطنها من أهوال، ولو أمرها الله أن تخرجها لخسفت بهؤلاء، ولو شاء لأغرقتهم البحار، أو حصدتهم السماء بأمره ؟! إن جبريل ﵇ صاح بقوم لوط صيحة واحدة فأهلكهم عن بكرة أبيهم، وذلك بقدرة الله ، وصاح بقوم ثمود كذلك صيحة واحدة فأهلكهم الله ، كما قال في قصة الذين كذبوا الرسل وقتلوا مؤمن آل ياسين ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٩].
فالله جعل في الكون المشهود المخلوق من أنواع القوة والقدرة ما يدلنا على عجز البشر وضعفهم، فكيف يكون لهم ناصر من دون الله إن أرادهم بسوء أو بإهلاك، ولو اجتمعوا جميعاً على تناصر بينهم فو الله لن يساووا عنده شيئاً، ولا أدنى من جناح بعوضة، فالدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، قال : ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١].
ويمكن للمؤمنين بفضل الله أن يستخرجوا من أنواع القوة التي يدمر الله بها أعداءهم، وذلك بأن يستعينوا بقوة العزيز القوي الجبار، قاهر الخلق ما فوقهم وما تحتهم .
فإذا استعان المؤمنون بالله وأخلصوا دينهم له، دعوه بصدق، فقد نزلزل لهم الجبال وتحرك لهم البحار والسموات والأرض، فقد آذى النبي ﷺ يوماً قومُه فأرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، فلم يرد ذلك وقال: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله)، فالله جعل الكفار بلا ناصر، فلا ناصر لهم، ولا ينصر بعضهم بعضاً إذا جاء أمر الله .
стр. 229
ذكر أهل الكتاب المعرضين عن الحق
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:٢٣]، فهؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، فما تمسكوا بكتبهم التي أنزلها الله عليهم، بل ما رعوها حق رعايتها ولا حفظوها حق حفظها، فاستحفظهم الله كتابه فضيعوه، ولذلك ما أوتوا الكتاب كاملاً، وإنما أوتوا نصيباً منه، والله أعلى وأعلم.
والمعنى: أن آباءهم وأجدادهم قد أوتوا الكتاب، ولكن هؤلاء قد ضيعوه، حتى إن ما بقي بأيديهم من الحق ما التزموا به، وما قبلوه أو طبقوه، فأخبرونا -عباد الله- عن حقيقة هؤلاء القوم في سلوكهم، هل يمتثلون توراة أو إنجيلاً؟ وهل يمتثلون توحيد الله الذي أنزله في كتبه كلها؟! فكل كتب الله السابقة -حتى بعدما وقع فيها تضييع وتحريف وتبديل- لا يزال يوجد فيها دعوة التوحيد والحق وتصديق الأنبياء، فالرب رب واحد، هو رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهذه أول الوصايا في التوراة، وأولها على لسان المسيح ﵊، فهي أول الوصايا في التوراة والإنجيل الموجودين الآن، ومع ذلك هل يطبق (لا إله إلا الله) ويدعو إليها في الأرض أحد غير أهل الإسلام؟! ثم تجد اليوم عداوة عجيبة لهذه الكلمة ولأهلها ومحاولة لإذلالهم، فهم لا يمتثلون كتاب الله، ويُدَعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيأبو ذلك، لا إلى الكتب التي بين أيديهم رغم ما فيها من تبديل وتضييع ولا إلى كتاب الله المنزل على محمد ﷺ ، ووافقهم في ذلك المنافقون، وتابعوهم على رفض التحاكم إلى كتاب الله، قال تعالى عنهم: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [آل عمران:٢٣] أي: يتولون عن الإيمان، وعن الكتاب، ويتولون عن الانكسار والانقياد لأمر الله كما قال الله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أعرضوا عن آيات الله بعد إذ أنزلت وبعد إذ بينت.
فهذه سبيلهم وطريقتهم وطريقة أوليائهم، طريقة تتكرر عبر العصور، وذلك أنهم متابعون لإبليس اللعين في إيذائه واستكباره والعياذ بالله، وهذا أبلغ الذم لهم على ما صنعوا، وذلك لفساد اعتقادهم، وعدم إيمانهم باليوم الآخر إيماناً صحيحاً، وإن أقروا بوجود البعث فإبليس يقر به، وإن أقروا بوجود النار فإن إبليس يقر ويعترف بذلك، فلن ينفعهم ذلك.
стр. 230
دعواهم خروجهم من النار بعد أيام معدودة
واعتقادهم الفاسد الذي اخترعوه هو الذي قال عنه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران:٢٤]، وفي كل هذا تحذير لأهل الإسلام من أن يوافقوهم على ذلك الكفر والباطل، ومع ذلك وجد فيمن ينتسب إلى الإسلام من يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولى بعد ذلك فريق منهم وهم معرضون، ويوجد كذلك من يقول: ﴿لََنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران:٢٤]، فيرتكب المحرمات ويستهين بها، ويستخف بالعذاب والعياذ بالله، وربما استهزأ أو استكبر وزعم أنه سيدخل النار أياماً معدودات، ووافق اليهود فيما فعلوا والعياذ بالله، وذلك أنهم قالوا للمؤمنين: نبقى في النار مدة ثم تخلفونا فيها.
فأكذبهم الله ، وقال النبي ﷺ : (والذي لا إله غيره لا نخلفكم فيها أبداً)، فإنما هم في النار مخلدون بكفرهم وشركهم وتكذيبهم بآيات الله، وكفرهم بأنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
مع أن مس النار في ثوانٍ معدودة لا يحتمله الإنسان في الدنيا، وربما بقي سنين معذباً بسبب ثوان معدودة من نار الدنيا، فكيف بنار جهنم التي أخبر النبي ﷺ أنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين ضعفاً، فنار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم.
стр. 231
كفرة أهل الكتاب يوم القيامة
قال : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٢٥]، فكيف يكون حالهم عندما يبعث الخلق وقد افتروا على الله الكذب، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون على الله من الكذب والزور والبهتان، وهذا كله يجب الحذر منه، فمن نسب إلى دين الله ما ليس فيه فقد افترى على الله الكذب، وذلك يغره ويخدع به نفسه بعد حين، وإن كان في أول أمره يعلم أنه افترى وكذب، لكنه يضل فيظن أن هذا من الدين، ويدافع من أجله بعد ذلك، ويقاتل عليه حتى يموت كافراً أو فاسقاً أو ظالماً، على حسب أحواله في إعراضه واقترائه وفي إفترائه على الله الكذب، وفي وضوح ذلك وبيانه من عدمه، فالله يجمع الناس ليوم لا ريب فيه، ويوفي كل نفس ما كسبت، ويحاسب الناس على مثاقيل الذر من الأعمال، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
стр. 232
أعظم أسباب الثبات
قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦].
هذا الأمر إذا استحضره أهل الإيمان كان ذلك من أعظم أسباب ثباتهم على دينهم رغم ما يرون من القوة المادية لأعداء الله التي تكاد في الظاهر تملأ السهل والوادي، بل الآن -فيما يبدو للناس- تملأ الأرض والسماء القريبة من الأرض، ومع ذلك فالله مالك الملك، وهو سبحانه يؤتي الملك من يشاء، فقد كان هؤلاء قبل سنوات معدودة لا وزن لهم، وكانوا مشردين في العالم، وكان من يوالونهم من النصارى كذلك لا قيمة لهم، بل كان مجتمعهم يتصارع ويتقاتل ولم يكن لهم من القوة ما لهم، كانت القوة عند غيرهم فنزع الله منهم تلك القوة والملك وأعطاهما هؤلاء امتحاناً لعباده.
فالله يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير ، فالأمر كله بيده سبحانه، يخلق ما يشاء، وأفعاله كلها خير، فلا يرجى الخير إلا منه، وهو يخلق الخير والشر، وخلقه للشر وجعله الكفار يفسدون في الأرض ذلك -والله- من الخير، من حيث لا يدري الناس إلا النزر فالله قد يملك بعض الناس ملكاً يعزه به في ظاهر الأمر وقد يذله في باطنه، لأن العزة الحقيقية هي في طاعة الله، والذل الحقيقي في طاعة الشيطان، وإن بان للناس غير ذلك، أي: يخيل إلى بعضهم أن العز هو أن يكون الإنسان مطاعاً في الناس، أو أن يكون له من الجنود والأتباع والقوة التي يقتل بها ويسفك الدماء ويفسد في الأرض ما له، مع أن الله قد جعل الإهانة فيمن لم يسجد له، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
فالذي أهانه الله هو من أبى أن يسجد، وهو جعله الله عبداً لعدوه، وهو عبداً للشيطان، وهو الذي يفعل الكفر والفواحش ويفسد في الأرض، وهل يختلف اثنان في أن اليهود والنصارى في زماننا يفسدون في الأرض أعظم الفساد، وأنهم ينشرون الفواحش في الأرض، ويريدون أسوأ مما كان يفعل قوم لوط، حتى شرعوا زواج الأمثال والعياذ بالله، ورضوا بذلك، ويريدون أن يفرضوه على العالم، أبهذا أمر المسيح ﵇؟! أبهذا أمر موسى ﷺ ؟! أبهذا نزلت التوراة والإنجيل؟! فهذه الفواحش المنتشرة والغل والفساد الذي يجري في العالم كله هو من ورائهم وبلائهم، ألا يدل ذلك كله على ذلهم؟! وأن الله أهانهم أعظم إهانة؟! وذلك لأن العز الحقيقي هو عند الله عز جل وبيده، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، وسائر الأمم غير المسلمين كذلك في ضلال وهوان أشد؛ لأنهم أبوا أن يوحدوا الله، فمن أعزه الله ظاهراً وأذله باطناً فذلك امتحان من الله لعباده، وذلك نافذ بمشيئته، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً من أنواع العبودية من أهل الإيمان والإسلام، الذين يصدقون في عبادتهم لربهم عندما يحيط بهم الأعداء، وعندما تشتد عليهم الأمور، وعند ذلك يزدادون طاعة وعبودية، فالله يحب أن يرى ذلك، وهذا من الخير الذي بيده .
يقول الله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦]-ظاهراً وباطناً- ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
стр. 233
الدليل الظاهر على كون الملك لله ﷻ
ومن أدلة هذا الأمر الظاهر -وهو أن الله مالك الملك- ما قد يغفل عنه كثير من الناس، فيظنون أن الملك بيد الناس، وأنه يورثه بعضهم لبعض وسيبقون في هذا الملك ما لهم من زوال.
من أدلة ذلك: إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وهذا أمر به تقوم الأرض والسماء، وبه تقوم الحياة، فهل ينازع في ذلك أحد؟ وهل يستطيع أحد أن يقول: أنا الذي أؤخر الشمس اليوم حتى يتقدم شروقها أو يطول النهار أو يقصر الليل؟! فنحن نلحظ أن الظهر قد يتقدم قليلاً وكذلك العصر والمغرب والعشاء والفجر، وفي كل لحظة يولج الله الليل في النهار والعكس، فيزيد من هذا ويقصر من ذاك، ويدخل من هذا في هذا حتى يطول النهار ويقصر الليل، والعكس يكون في فصل الشتاء، حيث يقصر النهار ويطول الليل، كما قال تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران:٢٧].
يقول تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧] وهذه آية أخرى تراها أمام عينيك كل لحظة، فهذه النباتات التي تخرج من الأرض الميتة من الذي أخرجها؟! ومن الذي أحيا هذه المادة بعد أن كانت ماء وتراباً ميتاً، فإذا بها تصبح حية منتعشة منتشرة فيأكلها البشر والبهائم فتنتقل إلى حياة أخرى؟! ومن الأدلة على عظم ملكه سبحانه: أنه يخرج الحي من الميت فيخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وترى أمماً وشعوباً كانت على ضلال فهداها الله ، وكان أجدادهم على الكفر، فأخرج الله من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً، وهناك أمم أخرى كان أجدادهم قمماً في الطاعة والعبودية، وإذا بأبنائهم وذريتهم يخالفون آباءهم، ويكفرون بما كانوا عليه، ويموتون على الكفر والعياذ بالله، وكلا التفسيرين صحيح.
قال تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧].
стр. 234
نهي المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وبيان عقوبة ذلك
يقول : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران:٢٨] أي: من يتولهم ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨] أي: قد برئ من الله والله بريء منه ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨] بأن تكونوا في سلطانهم، أما خارج سلطانهم فلا تجوز التقاة، ولابد من وجود الخوف المعتبر في الإكراه، فتوافقونهم باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان، من غير أن تعينوهم على مسلم بفعل، ولا تدلوهم على عورات المسلمين، فإعانة الكفرة على المسلمين موالاة محرمة بلا شك، وإذا كانت بالقتال معهم في صفوفهم فذلك من الكفر والعياذ بالله.
ثم إن التقاة أمر يلتبس على كثير من الناس، ويستعملونه في غير موضعه، ويتولون الكفار بغير لوازم التقاة، فحذرهم الله بأنه يعلم ما في قلوبهم ونفوسهم، وأنه ينتقم ممن خادع المؤمنين، وزعم أنه يستعمل التقاة وهي في غير موضعها، فقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] ثم الحساب بين يدي الله غداً ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران:٢٨]، وما أفلح عند الحساب من ندم وهذا أمر لا مفر منه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم انصر الدعاة إليك والمجاهدين في سبيلك في كل مكان، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.
стр. 235
إن الدين عند الله الإسلام
لقد أمرنا الله بالاستسلام لدينه وشرعه، وأن لا نموت إلا على ملة الإسلام، فهذا هو الدين الذي شرعه وارتضاه لكل الأمم، فخالف من خالف فيه، وأعرض من أعرض، فعبدوا الشهوات والملذات، واتبعوا الأهواء فكانت العاقبة الخسارة والبوار في الدنيا والآخرة.
стр. 236
وجوب الاستسلام لله وحده
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد أوجب الله على جميع خلقه أن يسلموا له ، قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، وجعل الله دين الإسلام دين الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، وجعل هذا الاسم الشريف المكرم عنده علماً على الدين المقبول الذي لا يقبل الله ديناً سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) [آل عمران:١٩].
وقال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال النبي ﵌ في دعائه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).
وقال في دعاء استفتاح صلاة الليل: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك).
ولحاجة الإنسان أن يتذكر هذا المعنى دائماً -معنى أن يسلم لله كان النبي ﷺ وهو أول المسلمين يكرره في أدعيته المختلفة، وهذا امتثال لأمر الله لإبراهيم ﵇ حيث قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١].
وأنت أيها المسلم! حين تقول: اللهم لك أسلمت، تتذكر أولاً نعمة الله عليك بهذا الدين، فأنت أسلمت فقد دخلت في الإسلام، وأنعم الله عليك بشهادة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، فأنت أسلمت قلبك ونفسك لله ، وهذا إسلام القلب والوجه لله، بأن يجعله خالصاً في توجهه وتألهه وعبادته لله ، وهذا أصل معنى الدين، قال : ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ * وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) [لقمان:٢٢ - ٢٣]، فليس ثم إلا مسلم وكافر، فمن أسلم وجهه -أي: وجهته وتوجهه وإرادته ونيته لله فهو الذي استمسك بلا إله إلا الله، وهي العروة الوثقى، ((وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان:٢٣].
إذاً: ليس هناك إلا دين الإسلام الذي يقبله الله ، أن يسلم الإنسان وجهته وعبادته لله وحده لا شريك له، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، الذي دعا الناس إلى هذه الكلمة مجدداً دعوة الأنبياء جميعاً، فإنهم دعوا إلى هذه الكلمة كلهم، قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وهذا من أعظم ما يدل عليه ما جاءت به الرسل جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأنهم بدءوا بالدعوة إلى توحيد الله ، كما قال عن أنبيائه جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ومن أحسن ما جاء في دعاء النبي ﷺ في استفتاح صلاة الليل أن قال: (اللهم لك أسلمت) بعد قوله: (والنبيون حق، ومحمد ﵌ حق)، فإن الشهادة بأنهم حق شهادة بأنهم جاءوا بدعوة التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد خلافه، بل من أشرك بالله حبط عمله، قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، فالضلال والافتراء العظيم البين في الشرك بالله ، وهو ينافي أصل دين الإسلام، فحين تقول: اللهم لك أسلمت، تسلم وجهك وقلبك كما قال مادحاً إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤]، أي: قد سلم قلبه لله، فصار لله توجه هذا القلب، وإراداته ورغبته، وقال إبراهيم ﵇ في دعائه: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]، أي بمعنى: بقلب قد سلم لله ، فالمسلم هو الذي أسلم لله .
стр. 237
معنى الاستسلام لله تعالى
الإسلام يحمل معنى الخضوع والانقياد والاستسلام لأوامر الله ، كما قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وهذا الضلال في ترك الاستسلام والانقياد لأوامر الله مناف لدين الإسلام، نعوذ بالله من ذلك.
إن معنى (اللهم لك أسلمت) يقتضي استسلاماً وانقياداً وخضوعاً وذلاً ومتابعة لأمر الله ، ولذا كان من أبى أن يقبل ما جاء به النبي ﵊ عن الله كان راداً لأوامر الله، متكبراً على شرع الله ، وكان ذلك مناقضة للإسلام، ولذا نجد أن العبد المؤمن يرى نفسه مملوكاً لله ، تحت شرعه وأمره، له عليه الأمر كما له الخلق، كما أنه تفرد بالخلق فله عليه الأمر: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
والدعوات الباطلة التي تنادي بأن الإنسان حر في أن يأتي ما يشتهي، ويترك ما يشتهي، ويفعل ما يريد، ويترك ما يريد دون التزام بالشرع، حتى لو أقر بوجود الله، هذه الدعوة منافية لأصل التوحيد والإيمان، لا يقبل الله من العباد إلا أن يسلموا له ، ويستسلموا لأوامره الشرعية، ولا يقابلوها بشبهات ولا بشهوات، ولا يعارضوها بتقليد أعمى أو بمصلحة أو سياسة أو غير ذلك، إنما الأمر أن يقبل الإنسان شرع الله كاملاً، ورفضه لأي أمر من أوامر الله إباءً واستكباراً قدح في أصل الدين، وما كان كفر إبليس إلا بترك هذا الاستسلام، فقد أبى واستكبر وكان من الكافرين، ولا تنفعه طاعاته السابقة كما لم تنفع إبليس عبادته قبل ذلك؛ لأنه إذا رد أمر الله في أمر واحد فقد نفض يديه من معنى العبودية، ولا يبقى للإسلام معنى، ولا يبقى للدين معنى مع انتقاض معنى العبودية لله ، ولذا كانت دعوة أهل الإسلام دائماً إلى الانقياد لله ، وتوجيه القلوب إلى وجهة واحدة إلى مرضاة الله .
وأما من قبل أمر الله ولكنه خالف وعصى، وهو مقر على نفسه بالذنب والمعصية، وهو يقر أنه مستحق للعقاب لمخالفته أمر الله ، فهذا نقص إسلامه وإيمانه ولم ينتف بالكلية؛ وذلك لأن أصل معنى الإسلام من الانقياد والقبول بشرع الله موجود في قلبه، وأما الكفر والردة عن الدين فبالإباء أو الاستكبار بترك القبول والانقياد القلبي الذي لا يقبل الله من أحد سواه.
стр. 238
الفرق بين الشرك وما دونه
لقد بين الفرق بين الشرك وبين ما دونه في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقال النبي ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فبين بذلك أن العبد ربما تقع منه الذنوب، وربما وقعت منه أيضاً الكبائر كما دلت عليه الآية الكريمة، فإنها قسمت المخالفة لما أمر الله به إلى شرك وإلى ما دون ذلك، فلا بد من أن نفرق بينهما كذلك، فإن الله لا يغفر لمن أشرك به بعد قيام الحجة، أي: لمن لقي الله مشركاً وقد بلغته دعوة الرسل بتوحيد الله ، فكذبها أو أبى أن يقبلها، وكلاهما ناقض لما فطر عليه الإنسان من التوحيد، وما شرع الله لجميع الرسل من الإسلام والانقياد لله .
فإن الإباء والاستكبار غالباً متلازمان، نعوذ بالله من الكفر والنفاق، والله بين أنه يغفر ما دون الشرك ويشمل ذلك الكبائر والصغائر لمن شاء، وإن كان العاصي في خطر هذه المشيئة، فإنه قد دلت الأدلة القطعية على أن هناك من عصاة الموحدين من يدخل النار فيبقى فيها مدة يحترق فيها، حتى إذا صاروا فحماً أذن لهم بالشفاعة، فأتي بهم ضبائر ضبائر - أي: جماعات جماعات- فيلقون في نهر الحياة -نهر من أنهار الجنة- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يأذن الله لهم في دخول الجنة، ولا يبقى في النار إلا من حبسه القرآن، أي: وجب عليه الخلود لموته على الشرك بعد بلوغ الحجة، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﵌.
ولذلك نقول: إن من يعصي الله في خطر عظيم، فإن غمسة في النار تعدل كل نعيم الدنيا، بل تزيله بالكلية، فإنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيغمس فيها غمسة واحدة، فيقال له: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط.
وما أكثر من يستهين بلحظات البقاء في النار! بل يقول: لا بد أن ندخلها ونحترق فيها أياماً، وهذا والعياذ بالله من التهاون بخطرها! وهذا من أسباب النفاق، وربما أدى بالعبد إلى الكفر، وهذا هو الخطر الأشد للمعاصي والكبائر والبدع خصوصاً، وذلك أنها من أسباب سوء الخاتمة، وإنما قلنا: إنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، ولا بد أن يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ولكن ما أدراك أيها العاصي المصر على معصيتك أنك تلقى الله بهذه الكلمة؟! ألا تخشى أن يحبط الله عملك وقولك بسبب الذنوب ويختم لك بخاتمة السوء؟! فإن المعاصي بريد الكفر، وسميت كثير من المعاصي كفراً لأنها تودي وتقود إليه، وما أكثر من يستهين بالمعاصي، ثم يستهين بالإيمان كله! وربما قاده فعل المعاصي والمداومة عليها إلى أن يستحلها أو أن يأبى شرع الله فيها، فإن الإنسان لا يتحمل طويلاً ذلك الصراع الذي في نفسه بين داعي الإيمان وبين دواعي الكفر والشيطان، إنه يتحدث في نفسه أنه مخطئ مذنب، وأنه يستحق العقاب، فهذا داعي الإيمان يذكره بالتوبة إلى الله، وداعي الشيطان يرغبه في دنياه، ويرغبه في مزيد من الشهوات المحرمة، وأن ينال منها حتى ولو كان على حساب آخرته.
فهذا الصراع الداخلي في نفس الإنسان لا بد أن يحسم، ولا بد أن ينتهي إلى صالح أحد الطرفين، أما أن يضل على حاله فغالباً ما لا يستمر طويلاً، فإن الأمر قد يبدأ برغبة وشهوة، لكنه قد يصل إلى أمر الإباء والعياذ بالله، فهؤلاء قوم لوط بدأ أمرهم بالشهوة المحرمة -شهوة فعل الفاحشة وإتيان الذكور في مجالسهم- ولكن آل بهم الأمر والعياذ بالله إلى أن ردوا ما جاء به رسولهم لوط ﵇، فكفروا وأشركوا بالله حين ردوا شرع الله ، وما ذكر الله عنهم في كتابه أنهم عبدوا أوثاناً، وما ذكر أنهم اتخذوا أصناماً، وإنما ذكر عنهم هذه الفاحشة، ومع ذلك فهم بإجماع أهل الإسلام كفار مخلدون في النار، والله أعلى وأعلم، وما ذكر الله إلا إباءهم وردهم لما جاءهم به لوط ﵇، واستهزاءهم به ﵇، وما حاولوا معه من أنواع المنكر والعياذ بالله، وعدم استجابتهم لدعوته، فهكذا تكون الذنوب والمعاصي سبباً وبريداً يوصل الإنسان إلى الإباء وإلى نقض أصل الإسلام والاستسلام لأمر الله ، فالعبد يبدأ بشهوة وتتبعها شبهة وعقيدة فاسدة، يتبع ذلك كله إباء ورد لشرع الله ، وأنت ترى العالم إلا من رحم الله من أهل الإسلام عبيد شهواتهم.
стр. 239
عبودية الشهوات وعواقبها
لقد ذكر النبي ﷺ عبودية الشهوات كما بينها الله في كتابه، قال : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) [الجاثية:٢٣]، فالله بين أنه يختم ويطبع على قلب من اتبع هواه: ((مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ))، وهو الذي كلما هوى شيئاً ركبه، فاتباع الهوى مردٍ ومهلك يقود الإنسان إلى الشرك بعد أن فعل المعصية، وقال النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، فهذه عبودية منها ما يكون شركاً أكبر كما هو ظاهر الحديث، وذلك حين يستعد أن يبيع دينه بالدرهم والدينار، ويبيع دينه بالقطيفة والخميصة، يبيعه بعرض من الدنيا كما قال النبي ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فكثير من الناس يبيع دينه وهو مستعد لذلك نتيجة استجابته للشهوات حين تتحكم فيه تحكماً تاماً، فتكون عبوديته للدرهم والدينار والقطيفة والخميصة شركاً أكبر والعياذ بالله، ولا يريد إلا الحياة الدنيا، وهؤلاء الذين قال الله فيهم وفي أمثالهم من أهل الرياء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، فهذه الآيات توضح أن هناك عبودية كاملة للدنيا بمعناها التام، عبودية الدرهم والدينار؛ لأنه قال: ((لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ)).
والمسلمون الذين بقي معهم أصل الإيمان والإسلام لهم بعد دخول النار إن دخلوها الجنة، وأما من ليس لهم في الآخرة إلا النار فلا يكونون إلا الكفار، فهذه الإرادة إرادة الدنيا وزينتها قال تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا))، وهذا الأمر الذي أخبر الله به مقيد بمشيئته، قال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، فهم لا يأخذون كل ما يشتهون ولا ينالون كل ما يريدون، وإنما ما كتب الله لهم من الدنيا مع نغصها وكدرها وشقائها وألمها، فإنها لا بد أن تنال كل من كان على ظهر الأرض بشيء من الشقاء قدراً من الله ، قال تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، فلا سعادة كاملة على وجه الأرض، لا بد من نوع من الألم، ولا بد من نوع من التعب، وأما السعادة الكاملة الحقيقية فهي في الجنة بإذن الله، وفي الدنيا منها بالقرب من الله ، وذوق طعم الإيمان، وحلاوة الإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، وبالرضا به رباً، وبالرسول ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالشعور بالشوق إلى الله ومحبته، فهذه ينالها أهل الإيمان من نعيم أهل الجنة الذي نالوه بقربهم، ومرضاة الرب عنهم لقربهم منه.
إذاً: هناك عبودية للدنيا وهي اليوم منتشرة انتشاراً خطيراً وعنيفاً، بل يروج لها في المشارق والمغارب، بل هذه عمدة حضارة الغرب، بل سفالته وانحطاطه، فإنهم لا يريدون إلا الدنيا، ولا يعملون إلا من أجلها، ولو أقروا بوجود الله وبوجود الأنبياء أو بالكتب فهم يقرون في حياتهم قولاً وفعلاً بأنهم لا دخل لهم بالشرائع التي جاءت بها الأنبياء، ولا دخل لهم بما أمرت به الرسل، وإنما حياتهم ينظمونها كما يريدون؛ تحقيقاً لمصالحهم الوهمية التي توهموا سعادتهم فيها، وإنما قيمهم قيم المادة فقط، وقيم الحياة فقط والرفاهية فيها، ولا يعملون ولا يسعون إلى آخرة، ولا إلى إقامة شريعة ما جاءت بها الرسل، وإلا فأخبرونا: هل أمر المسيح بهذا السلوك الذي عليه الغرب والذي عليه أكثر الأمم؟! وهل أمر موسى ﷺ بالظلم والعدوان والقتل والطغيان الذي عليه اليهود؟! وهل أمر كل منهما أو غيرهما من أنبياء الله بالشرك بالله ودعاء غير الله وقبول تشبيه غيره به ؟! وهذه أمم الأرض كلها إلا من منّ الله عليه بدين الإسلام، الحق تقبل شريعة غير شريعة الله وترتضيها، وتقاتل من أجلها، وتسعى إلى فرضها، والحقيقة أنها نابعة من عدم الاستسلام والانقياد لله ، فهم لا ينفعهم الإقرار بوجود الله ولا بوجود الرسل، فإن الإقرار بوجود الله إنما يكون إيماناً مع عبادته، وإنما يكون الإقرار بوجود الرسل وصدقهم مع متابعتهم فيما جاءوا به، وكلهم قد جاءوا بوجوب متابعة بعضهم بعضاً، وبوجوب متابعة وتصديق محمد ﷺ : ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
فلا يكون إسلام إلا باتباع محمد ﵊ كما قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار) متفق على صحته، وهذا أمر لا يختلف فيه أهل الإسلام والإيمان، في أنه لا يقبل صرف ولا عدل ممن كذب النبي ﷺ ، أو ممن أبى متابعته ورضي بدين غير ما جاء به من دين الإسلام.
ولذلك نقول: إن هذه العبودية للشهوات ربما كانت تامة، وربما كانت جزئية إذا باع جزءاً من دينه بالدرهم والدينار والقطيفة والخميصة، فهذا يكون شركاً أصغر، وإذا باع شيئاً من الدين ولم يبع أصله، إذا ضحى بالطاعة ولكنه لم يضح بالتوحيد، ولكنه على شفا الشرك، اقترب منه وحاذاه نسأل الله العافية، وتوشك قدمه أن تنزلق.
وقد ذكرنا أن خطر سوء الخاتمة هو أعظم ما يخاف على المبتدع وعلى المصر على الكبائر والمعاصي عموماً، فإن ذلك من أخطر ما يهدده، وإنما المؤمن الكامل الإيمان يخاف على نفسه من سوء الخاتمة، فكيف بالعاصي؟! وإذا كان المؤمن يسأل الله أن يتوفاه مسلماً حذراً من سوء الخاتمة فكيف بمن يلاقي ربه كل يوم بأنواع المحادة والمخالفة لشرعه ؟! فنقص الإسلام يقرب الإنسان من الكفر والعياذ بالله، هذا هو خطر المعاصي الأشد على الإنسان، وإلا فمن وافى الله موحداً فله يوم يخرج فيه من النار أصابه قبل هذا اليوم ما أصابه وإن كانت -كما ذكرنا غمسة- في النار أشد من كل عذاب في الدنيا، وغمسة في النار تنسي الإنسان نعيمه في الدنيا بأسرها لو كانت له.
نسأل الله أن ينجينا من النار، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 240
الاستسلام للأقدار الكونية والشرعية
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
إن العبد بحاجة إلى أن يؤكد معنى الاستسلام لله في نفسه كل يوم مرات ومرات، كما أمر الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] تسلم لله ، فحاجتك إلى ذلك مثل حاجتك إلى الطعام والشراب، وحاجتك إلى أن تجدد هذا المعنى في نفسك حاجة شديدة؛ لأن الإنسان تأخذه شهوات الدنيا بعيداً عن القضية الأولى في حياته، وهي أن يسلم الله وينقاد له.
ومعنى ثان من معاني الإسلام في قول المؤمن متابعاً للنبي ﵊: (أسلمت لرب العالمين) (اللهم لك أسلمت) فهذا معنى الاستسلام لأوامره الكونية القدرية التي لا يقدر على دفعها، فهو يفوض أمره إلى الله ، ويسلم ما قدر الله عليه مما لا دخل له به.
وما يقدره الله على الإنسان فمنه ما يكون له تعلق من خلال قدرته وإرادته، فهو الذي أقدره عليها، وهو الذي جعل له مشيئة فيها، وهذه لا بد أن يمتثل فيها شرع الله ناظراً إلى إعانته وتوفيقه ومستعيناً به ، مستحضراً أن لا قوة إلا به، كما قال معلماً عباده أن يقولوا في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فهو يعبد الله، وهذا معنى الاستسلام لأمره الشرعي : ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) يستحضر فيه العبد أنه لن يوفق إلى ذلك إلا بإعانة الله، وإلا بتوفيقه ، ولا يهتدي إلا أن يهديه الله كما يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
فهذا المعنى لا بد أن يكون مستحضراً، وذلك أن ما يتعلق بقدرة الإنسان وإرادته فالله على كل شيء قدير، ومن ضمن هذه الأشياء ما يتعلق بقدرة العباد وإرادتهم، فهو الذي يشاء، ولا يشاء العباد إلا أن يشاء كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، وهنا تدفع القدر بالقدر، تدفع قدر المعصية بقدر التوبة، وتدفع قدر المخالفة بقدر الموافقة، تفر من قدر الله إلى قدر الله، وتدفع قدر الله بقدر الله مستعيناً به على طاعته فاراً من معصيته، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]، تفر إلى الله منه، وتتعوذ بالله منه، كما قال النبي ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، فالعبد يستعيذ بالله منه؛ لأنه يستحضر أن أمر الله الكوني نافذ فيه، ولن يوفق لطاعة الله وترك مخالفته إلا بإعانته .
стр. 241
الأخذ بالأسباب لا ينافي الاستسلام للأقدار
وهناك من أوامر الله القدرية الكونية التي تقع في العباد بغير إرادة منهم، ولكن لهم قدرة على أخذ أسباب يسرها الله لهم، كما أن قدر الجوع يقع في أنفسهم من غير إرادة منهم، وكذا قدر العطش، وكذا قدر المرض، وهكذا أقدار كثيرة تقع فيهم، ولكن يسر الله لهم أسباباً لدفعها، والخلق مجبولون مفطورون على أن يأخذوا بالأسباب، فلا يجد أحد منهم جوعاً في نفسه إلا بحث عن الطعام، ولا عطشاً إلا بحث عن الشراب، وكذلك في المرض وغير ذلك يبحث الإنسان عن أسباب نجاته، فطروا على ذلك، فلو أن إنساناً لمس مثلاً شيئاً ساخناً لوجد يده تبتعد تلقائياً؛ وذلك لأنه مجبول مفطور على الحرص على الحياة، والحرص على أسباب النجاة والبعد عن أسباب الخطر، ولا تجد عاقلاً إلا يفعل ذلك.
وهذه الأسباب منها المشروع ومنها غير المشروع، فهذا تفعل فيه ما أمرك الله، وتترك ما حرم الله ، فإن الله قد قدر الأسباب والأرزاق، وهو أمرك بأن تكسب الحلال وتترك الحرام، قال النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، خذوا ما أحل، ودعوا ما حرم، فأنت مأمور بأن تأخذ بالأسباب، لكن تأخذ ما أحل وتترك ما حرم، فتطلب طلباً جميلاً.
وهذا أمر غاية في الأهمية فيما يتعلق بحياة الإنسان، وذلك أن الأسباب أصبحت طاغية على أكثر البشر، وأصبح الأخذ بها عنوان اعتقادهم لا يبالون بأي سبب كان من حلال أو حرام، ما لاح لهم أخذوه، ويقولون: نأخذ بالأسباب! وهذا في الحقيقة دليل على ضعف اليقين أو انعدامه، وضعف التوكل على الله أو انعدامه، فإنما تأخذ ما أحل الله لك، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وتترك ما حرم الله عليك، وهو قد أذن للمضطر فيما حرم عليه في ظروف الاضطرار، وليس عندما يشتهي أو مجرد الحاجة وإنما: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، وليست الضرورة هي التي يتصورها الناس أن كل ما يشتهون ضرورة، فقد أصبحت كماليات الحياة عند الناس ضرورة، وإنما الضرورة ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]، وهذه المخمصة هي الجوع الشديد، وهي التي يخشى منها الهلاك، فما يهلك الإنسان وما يفوت عليه حياته ومصالحه هو المعتبر، وأما مجرد الحاجات والتحسينات فليست تبيح ما حرم الله على العباد، وأكثر الناس عندهم تحسيناتهم ضرورة، فحاجته إلى التجارة مثلاً أصبحت ضرورة، وحاجته إلى كماليات المنزل أصبحت ضرورة تبيح له الربا والرشوة والغش والخداع والسرقة، والعياذ بالله من ذلك! وذلك كله من الوهم الذي يخدعهم به الشيطان، فإنما الضرورات: ضرورة الدين، وضرورة النفس، وضرورة العرض، وضرورة العقل، وضرورة المال، إذا كان يزول بالكلية شيء من ذلك بحيث تتعسر حياة الإنسان فهي الضرورة، وأما مجرد الحاجات والتحسينات فليست بالضرورات التي تبيح المحظورات.
بقي قسم ثالث من أقسام الأحكام الكونية القدرية: وهو القسم الذي لا يقدر العباد على دفعه، من مرض لا علاج له، أو من موت قريب أو حبيب، أو أمر يجري على الإنسان رغماً عنه، أو قد أخذ بالأسباب فما أنتجت، فكم من إنسان يأخذ بالأسباب ولا تحصل النتائج المرجوة التي يريدها، فعند ذلك لا بد من الاستسلام، فإذا قلت: (اللهم لك أسلمت) فأنت تستسلم لهذا النوع من الأحكام دون سخط وجزع، ودون اعتراض على أمر الله ، فتسلم نفسك لله ، وتفوض أمرك إليه، وترضى بما قسم، ولا تختر خلاف ما اختار : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، هو الذي يصطفي من شاء، ويختص من شاء برحمته، وهو سبحانه يبتلي من شاء بعدله، وهو سبحانه يفعل ما يشاء في ملكه، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] كما قيل لـ أبي بكر ﵁ في مرض موته، وقد علم أنه ميت، قالوا: نأتي لك بطبيب؟ قال: الطبيب رآني، فظنوا أنه يقصد الطبيب المعلوم، فقالوا: ما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.
فهو الفعال لما يريد، لا يملك العباد إلا أن يخضعوا لأمره ، فإن خضعت له وأنت راض بقضائه وقسمه قد استسلمت له دون منازعة ومخاصمة له ، فأنت يجري عليك القدر، وأنت مرضي عنك، وأنت مثاب، وأنت مجزي بالإحسان إحساناً، وإذا أبيت إلا المعاندة والمخاصمة والسخط والجزع فسوف يجري عليك القدر، وأنت مذموم معاقب مستحق للعقاب في الدنيا والآخرة، تجلب لنفسك أنواع البلايا بالإضافة إلى البلية التي أنت فيها، فلا تجزع ولا تسخط، وارض بما قسم الله لك، واصبر على ما أصابك، فإن هذا هو الذي شرعه الله : (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت)، هكذا كان النبي ﷺ يقول، ونقول متابعين له: اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت إلهنا لا إله إلا أنت.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، أصحاب الضلالة ودعاة السوء! اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين! اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا! اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا! اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر! اللهم إنا نسألك الغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار! ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك طائعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، ونج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وانصر الدعاة إليك في كل مكان.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 242
أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن
الله نور السماوات والأرض، وكل ما في هذا الوجود من الأنوار فهو منه سبحانه، ويمن على من يشاء بنور الإيمان بفضله، ويحرم من يشاء بعدله، جعل النور في كتبه، وفي أنبيائه، وفي أوليائه، وعلى المسلم أن يحذر من أمور تحجب عنه النور فيقع في الظلمات، ومن هذه الظلمات: ظلمة الشرك والكفر، وظلمة البدع، وظلمة الكبائر، وظلمة الصغائر، وظلمة المكروهات، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور.
стр. 243
الله نور السماوات والأرض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فلقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جوامع الكلم، وفضل على النبيين بذلك، وجعل الله كلماته المباركات سراجاً ونوراً للأمم، تهتدي بها إلى صراط الله المستقيم، وأدعيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعظم معجزاته وأظهر دلالات نبوته؛ لما جمعته من معاني الإيمان، وأرشدت إليه من معاني الإحسان، التي تزكو بها النفوس، وترتقي بها القلوب.
ومن أدعيته ﷺ ما كان يدعو به في استفتاح صلاة الليل: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك).
ابتدأ النبي ﷺ هذا الدعاء بالحمد وهو أفضل الدعاء كما قال ﵊: (أفضل الدعاء: الحمد لله، وأفضل الذكر: لا إله إلا الله)، ثم شرع في الثناء على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا فقال: (أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن)، وقال مبيناً ذلك: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]، فهذه الآية من أعظم ما يبين معنى قوله ﷺ : (أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) وقد فسره السلف رضوان الله ﵎ عليهم بمعنى أن الله منور السماوات والأرض، وجاعل النور فيهما.
فهذه الآية الكريمة في ضرب مثل نور الإيمان بالله في قلب العبد المؤمن ((مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ))، فالمشكاة هي: الكوة في الجدار، أو التجويف في الجدار، وذلك يكون أبعد عن الريح حتى لا ينطفئ السراج الذي بداخلها، فقلب المؤمن مثل ذلك لا تطفئ نور الإيمان فيه رياح الفتن، فالمشكاة صدره، والمصباح هو الفتيلة المضيئة، وهي: نور الإيمان والمعرفة بالله ، المصباح في زجاجة، والزجاجة قلبه بشفافيته وصلابته، فهو شفاف يدخل إليه النور، ويخرج منه النور، فالمؤمن في كل حال يتعظ بمواعظ الحق ويستجيب لها، ويلين قلبه لها ويتأثر بها، وهو في نفس الوقت يشع النور فيمن حوله ممن يخالطه ويعاشره من أهله وجيرانه وقرابته، فهو ينشر فيهم نور الإيمان، ومعرفة الله وشرعه، والإيمان برسله وكتبه، وهو في نفس الوقت صلب لا ينثني عن الحق، ولا يتأثر بما حوله من الباطل، فالزجاج ينكسر ولا يتغير شكله، فكذا المؤمن ثابت على الحق ولو أصابه ما أصابه في الله.
وقد بين الله أنه نور السماوات والأرض أي: منورهما، ولذا قال ابن عباس وغيره من السلف: هادي أهل السماوات والأرض.
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: نور السماوات والأرض من نور وجهه.
فالله جعل النور في السماوات والأرض، النور الحسي والنور المعنوي، وهو خالق هذه الأنوار التي يراها الناس ويدركونها، وهذا في حقيقة الأمر أثر من آثار اتصافه بالنور، كما قال : ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩].
وقال النبي ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: خلقه جميعاً، (حجابه النور) هذا هو الحجاب الذي يحجب الخلق في هذه الدنيا عن رؤيته ، ودونه حجب أخرى، وآخرها نور مخلوق لو كشفه الله لأحرقت أنوار وجهه جميع الخلق؛ لأنهم لم يهيئوا في هذه الدنيا للنظر إلى وجه الله ، وهذا الحجاب هو الذي حجب رسول الله ﷺ عن الرؤية ليلة المعراج، قال النبي ﷺ لما سأله أبو ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفي الرواية الأخرى: (رأيت نوراً)، فقد رأى نور الحجاب ﷺ ، فكيف يراه وقد حجبه هذا النور الهائل الذي هو نور الحجاب؟!
стр. 244
الله سبحانه منور السماوات والأرض
الله هو منور السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، إن الذي يعرفه الناس من هذا الوجود المحسوس إنما هو بالنور الذي خلقه الله فيه، وقد ذكر الفلكيون أن الظلام في هذا الكون المشهود يبلغ أكثر من ٩٩%، وأما النور الموجود فيه فهو ١% أو أقل من ذلك، فما الظن -عباد الله- بما نجهله ولا ندري عنه؟! فانظروا إلى هذه الأنوار كلها: نور الشمس، ونور القمر، ونور النجوم وسائر الكواكب، وغير ذلك، فهو شيء يسير في هذه السماء الدنيا، وما لا نراه ولا نعلم عنه أضعاف مضاعفة؛ وذلك لنتعظ، ولنعلم محدودية علم البشر، ومحدودية قدرتهم، وأنهم في هذا الكون الواسع لا يدركون ولا يحيطون من علم الله إلا بما علمهم.
وهكذا أيضاً في النور المعنوي (نور القلوب)، فإن كثيراً من الخلق يعبدون غير الله ، قد أظلمت قلوبهم، ولم تستنر بنور الوحي الذي أنزله ليضيء للناس طريقهم، وليفهمهم حقيقة هذا الوجود، فلينظروا في ملكوت السماوات والأرض، وليعلموا أن الله أنزل الكتاب المبين الذي هو النور كما قال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥].
وكذلك أرسل الله رسله وهم أنوار، وخصوصاً خاتمهم محمداً ﷺ السراج المنير، وليس معنى ذلك أنه مخلوق من مادة غير الطين فهو بشر ﷺ ، خلق من آدم، وآدم مخلوق من تراب، وكل الأنبياء كذلك، فهم نور القلوب الذي تستضيء بها، وتعرف حقيقة هذا الكون الواسع الهائل المترامي الأطراف الذي لو تأمل الإنسان نفسه فيه لعلم أنه كالذر والهباءة الصغيرة أو أقل من ذلك، فإن الإنسان بالمقارنة إلى هذا الكون الواسع الكبير حجماً كأنه لا شيء على الإطلاق، فما أضعفه! وما أصغره! وما أذله! وما أحقره! وما أقل قدراته وعلمه! وهكذا إذا نظر إلى الزمان الذي قبله والذي بعده، فلو قورن بما مضى من بداية الخلق فقط لكان كالهباءة أو أقل، ولو قورن بما سوف لكان مثل ذلك، فكم يكون الإنسان؟ وما هي حقيقة حجمه زماناً ومكاناً؟ فإذا قورن ذلك بالأزل وبالأبد، علم الإنسان حقيقة أمره، وأدرك ضعفه وعجزه، وفقره وحاجته إلى ربه .
فعلى الإنسان أن ينظر إلى حقيقة وجوده، لماذا أوجده الله على تلك الصورة وعلى هذا الحال؟ ولماذا خلق السماوات والأرض؟ هذا السؤال الفطري هو الذي عميت عنه قلوب أكثر البشر، وامتلأت بالظلمات بسبب إعراضها عما جاءت به الأنبياء.
وتأمل أن الله جعل النور في قلوب أوليائه التي فاض عليها من قلوب أنبيائه، فأنبياء الله هم السرج المنيرة التي تنير بكتب الله التي هي النور المبين، الذي يبين لمن سمعه وقرأه أنه الحق، ويبين الطريق لمن التزم به، وآمن به وصدقه، وعمل به، فهو قد من على عباده المؤمنين بأعظم نعمة حين جعل في قلوبهم النور فأدركوا أن الله خلقهم لغاية حكيمة، وأنه جعل لهم مهمة عظيمة، اصطفاهم بها واجتباهم على خلقه وهي: أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن يعرفوه ويحبوه، ويخافوه ويرجوه، ويتوكلوا عليه، ويلجئوا إليه، ويسندوا ظهورهم إليه ، متوكلين عليه، متحصنين به، مستعيذين به، مستعينين به ، وكذلك في كل أنواع العبادات الأخرى، خلقهم الله لذلك، فعرفوا لماذا وجدوا، وما هو الهدف من خلقهم، ثم عرفوا ما هم مقبلون عليه من القيامة والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وهذا كله من آثار نور الإيمان، وهم كذلك يرون بنور الله سبحانه الذي جعله في قلوبهم المثل العليا في صفات الأنبياء، ويرون الأعمال الصالحة من كتب الله ، ويؤمنون بوجود الملائكة الذين يعبدون الله ويسبحونه بالليل والنهار وهم لا يفترون، ويؤمنون بالقدر، وأن الله خالق كل شيء بقدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
стр. 245
حال الناس مع هذا النور
حقائق الإيمان التي جاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام لتبينها للناس هي التي تملأ القلب بالنور، فيهتدي الإنسان، ويعرف هدفه وغايته وبدايته ونهايته بدلاً من أن يكون أعمى لا يدرك شيئاً ولا يعقل شيئاً إلا ما تدركه البهائم من الطعام والشراب، فقارن -يا عبد الله- بين من امتلأ قلبه بالنور ففهم حقيقة هذا الوجود، فهم غايته، وحكمة وجوده، وفهم ما ينبغي له أن يعمله، وما بدأ منه، وما ينتهي إليه، وبين آخر لا يعرف من الدنيا إلا طعاماً وشراباً، وشهوة جنسية، لا يعرف من الدنيا إلا ما تعرفه البهائم.
وتأمل في العالم لتدرك أن الله قد امتن بأعظم النعمة على عباده المؤمنين، تجد أن أكثر العالم يعيشون فعلاً لأجل شهوات البطون والفروج، والقطيفة والخميصة، والدرهم والدينار، يعبدونها من دون الله ، وتصور أن هذا هو الذي تقام من أجله الحروب، وتسفك من أجله الدماء، وتحتل من أجله الأراضي، ليفرض على الناس نمط حياة عجيب، وأشقى حياة يمكن أن يتصورها الإنسان أن يعيش كالبهيمة والعياذ بالله، ويقاد كالأنعام، ويفرض عليهم أن يعيشوا من أجل البطون والفروج، لا يعرفون معبودهم، ولا يدركون كماله وجماله، ولا يعرفون شيئاً عن أسمائه وصفاته، يعملون بالنهار كالحمير، وينامون كالجيفة في الليل، وقبل ذلك وأثنائه ينظرون إلى مشاهد الفسق والفجور، الذي هو استسلام للشهوات المهينة الحقيرة، ينظرون إليها ليل نهار من خلال وسائل الإفساد التي تفسد عليهم حياتهم، وتظلم قلوبهم، فوالله إن الظلام ليحل بوجود هذه الأمور ولكن أكثر الناس غافلون، ويزدادون طلباً لها في عناية وجهالة وسفاهة عجيبة إلى أن يأتي الموت بغتة، ويرحلون عن هذه الحياة، وإذا بهم وقد نزلت بهم ملائكة سود الوجوه يقبضون أرواحهم، ويضربون وجوههم وأدبارهم والعياذ بالله، فينزعونهم عن أهليهم وأموالهم وسلطانهم وملكهم.
وطائفة أخرى من الخلق تعيش حياة الشياطين، ليست فقط كالبهائم بل أسوأ من البهائم، هم أضل من الأنعام؛ وذلك أنهم يعيشون من أجل الشهوات الشيطانية، التي هي أمراض إبليس من الكبر والعجب وإرادة العلو والفساد، لا لمجرد تحصيل الشهوات فقط، بل يريدون بذلك محادة الله ومعاندته، تأمل هؤلاء الذين يسعون في الأرض فساداً، الذين يريدون العلو فيها والفساد، وهم معجبون بأنفسهم، غايتهم الملك والرئاسة والعلو على الناس، ومن أجل هذه الشهوات الإبليسية -التي هي أشد خطراً من الشهوات الحيوانية- يعيش الناس، وتنفق الكثير من الساعات بل من الأيام والشهور والسنوات، وتنفق الأموال والأعمار لأجل تأصيل معاني عبادة غير الله ، حتى تستقر في النفوس تلك الأمراض الإبليسية التي هي أخطر من الشهوات الأرضية، فالشهوات الأرضية جعل الله لها منفذاً ومخرجاً، بمعنى أن الإنسان ينال منها شيئاً مباحاً، وجعل الله للعبد فيها دائرة من المباح، بحيث يطعم حلالاً ويشرب حلالاً وينكح حلالاً ويلبس حلالاً، وجعل دائرة أخرى من المحرمات التي تضره إذا أتى بها، وربما استعبدته إذا غرق فيها والعياذ بالله! أما الشهوات الإبليسية فهي محرمة بالكلية، لا يجوز للإنسان أن ينال منها شيئاً، قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وقال ﵊: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، فبطر الحق أي: رده وعدم قبوله، مثل إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، وغمط الناس أي: احتقارهم وازدراؤهم.
تأمل شعوباً بأكملها مريضة بهذه الأمراض، تحاول إذلال غيرها، وتحاول فرض إرادتها الجبارة الكافرة على الأمم في المشارق والمغارب، والجبار هو كل من يجبر الناس على ما يريد دون رجوع إلى شرع الله ، وهو خائب قطعاً، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥].
فتأمل هذه الظلمات التي تمتلئ بها قلوب أكثر الخلق، طوائف من البشر تعيش حياتها من بدايتها إلى نهايتها لا تعرف من الدنيا إلا حياة البهائم أو حياة الشياطين والعياذ بالله من ذلك، وأما أن ترتفع نفوسهم عن الأرض لتدرك صغرها وقصر الدنيا وقصر نصيبنا منها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا تساوي جدياً أسك ميتاً كما قال النبي ﷺ حين مر على جدي أسك ميت، أسك أي: صغير الأذنين فقال: (أيكم يود أن له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله! لو كان حياً لكان عيباً فيه، إنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).
إن الإنسان بحاجة إلى أن يرى حقائق هذا الوجود، ويرى صغر الدنيا فلا يعمل لها، بل يعد العدة للقاء الله ، ولا يقتصر على اللذة فيها، وإنما يعلم أن اللذات التي فيها إنما هي بلغة يسير بها لتستقر حياته ليتفرغ إلى ما هو أهم من النعيم الحقيقي بمعرفة الله ، وأسمائه وصفاته وجلاله وجماله ، إن حاجة العبد إلى هذا النور المذكور في كتاب الله هو الذي جمع الله فيه الأنوار التي وردت في الكتب الأخرى، والتي جعلها في الكتب السابقة، وحاجتنا إلى هذا أمس من حاجتنا إلى ضوء النهار، وأمس من حاجتنا إلى ضوء المصابيح، وأمس من حاجتنا إلى أي نور حسي تراه الأعين، وتأمل عمل البشر، واشكر نعمة الله عليك أن جعل في قلبك النور إن كان لك نصيب منه وإلا فأدرك نفسك.
وتأمل كذلك في هداية الله للمخلوقات كلها؛ لتعلم أنه هادي أهل السماوات والأرض جميعاً.
وتأمل ما جعل الله في قلوب الملائكة أهل السماوات من الأنوار العظيمة التي هي مادة خلقهم فضلاً عن معرفتهم بربهم وعبادتهم له، قال النبي ﷺ في بيان كثرة من في السماء: (أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك قائم أو راكع أو ساجد)، فهو سبحانه منور السماوات والأرض بالنور الحسي والنور المعنوي، ومنور من فيهن، هدى من شاء ، وجعل في قلوب بعض خلقه من النور ما يضيء البلاد الكثيرة، فمن الناس من يكون نوره كالشمس، ويظهر هذا النور نفسه يوم القيامة، ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٢ - ١٥].
فيا عباد الله! التمسوا النور، التمسوا نور الكتاب، والتمسوا نور السنة، فالله جعل الكتاب نوراً وجعل النبي ﷺ سراجاً منيراً، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
فالله جعل النور يلتمس في الدنيا لتدرك فائدته يوم القيامة، وفي ساعة المرور على الصراط، واحرص على أن يكون نصيبك من النور كثيراً كبيراً، فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل الله أن يجعل له نوراً، فالسراج المنير يحتاج إلى مزيد من النور، وهذا أمر لا ينتهي إلى حد، ولا يتوقف إلى غاية، بل لا يزال أهل الإيمان في الجنة يزدادون نوراً كلما رأوا ربهم إلى ما لا نهاية، وذلك أن الله لا يحاط به علماً، ولا نهاية لكماله ، هو له المثل الأعلى، وله صفات الكمال، وله الأسماء الحسنى، فإذا كان النبي ﷺ يقول وهو ذاهب إلى المسجد: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم اجعل لي نوراً)، وفي رواية: (اللهم اجعلني نوراً)، إذا كان هو ﷺ يسأل ذلك وهو الذي ينير للناس صراط الله المستقيم فحاجتنا إلى سؤال الرب أن ينور قلوبنا لحبه ومعرفته أشد، وإن القلب إذا دخل فيه نور الإيمان انشرح وصار فسيحاً واسعاً، وصار لا يؤثر فيه زبالات الخلق إذا ألقيت على الإنسان، فقلب المؤمن واسع منشرح، وهي منة الله على أنبيائه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]، وقال موسى ﵇ فيما حكاه الله عنه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ * ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦]، وقال : ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، ولأهل الإيمان نصيب بقدر اتباعهم لأنبيائهم: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ
стр. 246
أنواع الظلمات
стр. 247
ظلمة الكفر والشرك
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الله مقلب القلوب، يقلب قلوب عباده كيف يشاء، ويجعل في قلب من شاء ما شاء من النور، ويجعل في قلب من شاء ما شاء من الظلمات.
وأعظم الظلمات التي تمنع القلب من رؤية النور ظلمات الشرك والكفر بالله، وبأنبيائه، ورسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والكفر بواحد من هذه الأصول ظلمة عظيمة تمنع وصول النور بالكلية.
стр. 248
ظلمة البدع
ثم بعد ذلك ظلمات البدع، وخاصة بدع الاعتقاد الفاسد، والشبهات المضلة التي تتعلق بأسماء الله وصفاته، أو بوعده ووعيده، أو بقضائه وقدره، أو بأي أصل من أصول الاعتقاد، فالبدع المضلة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة ظلمات متعددة؛ ولذا تجد في كلام أهل البدع الظلمة والفساد، وإذا قرأت كلامهم تعجب كيف خرج هذا الكلام من أناس ينتسبون إلى الإسلام، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! ولكن إذا علمت أنهم أعرضوا عن مقتضى هذه الكلمة، وأعرضوا عن كتاب ربهم وعن سنة نبيهم ﷺ ، وانشغلوا بقيل وقالوا، وانشغلوا بآراء الرجال، وانشغلوا بما وضعه الناس من المذاهب والأفكار المنحرفة؛ علمت لماذا وقعت في قلوبهم الظلمة.
стр. 249
ظلمة الكبائر الباطنة
ومن الأسباب المؤدية للظلمة في القلب الكبائر الباطنة، وهي أمراض إبليس من: العجب، والكبر، والحسد، والنظر إلى كمال النفس، وازدراء الخلق واحتقارهم، نعوذ بالله من ذلك! وهذه الكبائر الباطنة قد يتلبس بها كثير ممن يظهر الصلاح، ويظن به التقوى والإيمان، وهذه الكبائر الباطنة أخطر من الكبائر الظاهرة، فذرة من الكبر تمنع المرء من دخول الجنة كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وكذلك الرياء قال عنه النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: هو الرياء).
وأخبر ﵌ عن خطر هذه الكبائر الباطنة ببيان عقوبتها فقال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صورة الناس يطأهم الناس بأقدامهم، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، نعوذ بالله من ذلك! فالناس المتكبرون يحشرون يوم القيامة في حجم النمل في صورة البشر، يطؤهم الناس بأقدامهم ذلاً وصغاراً، فلما تكبروا صغروا، ولما تعالوا عن أمر الله اهبطوا، تبعاً لزعيمهم ومقدمهم إبليس عليه لعنة الله سبحانه إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣].
стр. 250
ظلمة الكبائر الظاهرة
ثم بعد ذلك الكبائر الظاهرة، فكل منها حجاب يمنع وصول النور إلى القلب، ويؤدي إلى وجود ظلمة فيه كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وهذه الكبائر الظاهرة هي التي تهلك أكثر الخلق، ويستعبدهم الشيطان بها، نعوذ بالله من ذلك!
следующие страницы →