Полный текст (991 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أنواع الظلمات
стр. 247
ظلمة الكفر والشرك
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الله مقلب القلوب، يقلب قلوب عباده كيف يشاء، ويجعل في قلب من شاء ما شاء من النور، ويجعل في قلب من شاء ما شاء من الظلمات.
وأعظم الظلمات التي تمنع القلب من رؤية النور ظلمات الشرك والكفر بالله، وبأنبيائه، ورسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والكفر بواحد من هذه الأصول ظلمة عظيمة تمنع وصول النور بالكلية.
стр. 248
ظلمة البدع
ثم بعد ذلك ظلمات البدع، وخاصة بدع الاعتقاد الفاسد، والشبهات المضلة التي تتعلق بأسماء الله وصفاته، أو بوعده ووعيده، أو بقضائه وقدره، أو بأي أصل من أصول الاعتقاد، فالبدع المضلة المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة ظلمات متعددة؛ ولذا تجد في كلام أهل البدع الظلمة والفساد، وإذا قرأت كلامهم تعجب كيف خرج هذا الكلام من أناس ينتسبون إلى الإسلام، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! ولكن إذا علمت أنهم أعرضوا عن مقتضى هذه الكلمة، وأعرضوا عن كتاب ربهم وعن سنة نبيهم ﷺ ، وانشغلوا بقيل وقالوا، وانشغلوا بآراء الرجال، وانشغلوا بما وضعه الناس من المذاهب والأفكار المنحرفة؛ علمت لماذا وقعت في قلوبهم الظلمة.
стр. 249
ظلمة الكبائر الباطنة
ومن الأسباب المؤدية للظلمة في القلب الكبائر الباطنة، وهي أمراض إبليس من: العجب، والكبر، والحسد، والنظر إلى كمال النفس، وازدراء الخلق واحتقارهم، نعوذ بالله من ذلك! وهذه الكبائر الباطنة قد يتلبس بها كثير ممن يظهر الصلاح، ويظن به التقوى والإيمان، وهذه الكبائر الباطنة أخطر من الكبائر الظاهرة، فذرة من الكبر تمنع المرء من دخول الجنة كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، وكذلك الرياء قال عنه النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: هو الرياء).
وأخبر ﵌ عن خطر هذه الكبائر الباطنة ببيان عقوبتها فقال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صورة الناس يطأهم الناس بأقدامهم، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، نعوذ بالله من ذلك! فالناس المتكبرون يحشرون يوم القيامة في حجم النمل في صورة البشر، يطؤهم الناس بأقدامهم ذلاً وصغاراً، فلما تكبروا صغروا، ولما تعالوا عن أمر الله اهبطوا، تبعاً لزعيمهم ومقدمهم إبليس عليه لعنة الله سبحانه إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١٣].
стр. 250
ظلمة الكبائر الظاهرة
ثم بعد ذلك الكبائر الظاهرة، فكل منها حجاب يمنع وصول النور إلى القلب، ويؤدي إلى وجود ظلمة فيه كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وهذه الكبائر الظاهرة هي التي تهلك أكثر الخلق، ويستعبدهم الشيطان بها، نعوذ بالله من ذلك!
стр. 251
ظلمة المعاصي
ثم بعد ذلك المعاصي التي هي من الصغائر، فكل منها له ظلمة في القلب، وكلما ارتكب الإنسان شيئاً من المعاصي أظلم قلبه، وذهب شيء من النور الذي كان فيه حين كان تاركاً لهذه المعصية.
стр. 252
ظلمة الوقوع في المكروهات
ثم بعد ذلك فعل المكروهات، فإنها تؤدي إلى ظلمة أيضاً ولكن بقدرها، ولا يكون ذلك كظلمة المعاصي، بل إن كثرة انشغال الإنسان بفضول المباحات يؤدي إلى فوات نصيب عظيم من النور، ويفوته به الربح عند الله الذي هو هادي أهل السماوات والأرض، ومنور السماوات والأرض .
فالعبد المؤمن يبتعد عن أسباب الظلمة، ويسلك سبل النور، ويسأل الله أن يجعل في قلبه نوراً، وأن يجعل له نوراً حتى يعيش في نور بدلاً من الظلمات التي يعيش فيها أكثر الخلق، فإذا قال العبد في دعائه: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) كان ذلك متضمناً بسؤال الحال سؤال الرب أن يجعل له نوراً، وأن يكثر له منه، فأنت تعترف أنه ليس لك من نفسك هداية ولا نور ولا حياة، فكما وهبك الله حياة البدن فاسأله أن يهب لك حياة القلب، وكما وهبك نور العينين، فاسأله أن يهب لك نور البصيرة في القلب، وهو يمن على من يشاء من عباده، ويبسط الخير للمؤمنين، ويجعلهم في النور في الدنيا ويوم القيامة، والجنة مليئة بالنور، ويرفع فيها حجابه فينظر المؤمنون إلى ربهم، فإذا رأوا ربهم وجدوا من النعيم واللذة ما لا يجدون مثله في الجنة، (فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم) كما قال النبي ﵌.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، اللهم لا تجعل لهم على أحد من المسلمين سبيلاً.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، وانصر الدعاة إليك في كل مكان، ونج المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل في قلوبنا نوراً، وفي أبصارنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، ومن فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، وأمامنا نوراً، وخلفنا نوراً، اللهم اجعل لنا نوراً.
اللهم عليكم باليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، وأصحاب الضلال ودعاة السوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في كل مكان.
اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فدمره تدميراً، اللهم اجعل بأس الظالمين عليهم، وكف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا.
стр. 253
أنوار الرجاء تبدد ظلمات اليأس
إن الله جعل الابتلاء سنة كونية مقدرة على أنبيائه وأوليائه لحكمة بالغة اقتضاها، ولذا تجد الصراع بين الحق والباطل على مدار الأيام والأزمان والعصور، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، فالسعداء هم الصابرون على البلاء، الشاكرون للنعماء، العالمون عاقبة البلاء، الطالبون النصر على الأعداء، الذين يريدون الظفر بما عند رب الأرض والسماء، فالرجاء هو أصل النصر، وأساس الإيمان، وعلامة الثبات على دين الله.
стр. 254
حكمة الابتلاء للمؤمنين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن طريق الدعوة إلى الله والعمل للإسلام، والعمل من أجل نصرة الإسلام طريق مملوء بالآلام والمحن، وكلما ازدادت المحن وكثرت الجراح، وعظمت الآلام؛ ظهر من آثار أنوار الإيمان في قلوب عباد الله المؤمنين ما لم يكن موجوداً قبل ذلك، وإن من العلم بالله -وهو حقيقة الإيمان أو أصل الإيمان- أن يعلم العبد أسماء الله وصفاته، وأن يعلم سنته في خلقه، لماذا خلق الله الخلق؟ ولماذا أوجد في الأرض الخير والشر، والإيمان والكفر مع قدرته على جعل الناس أمة واحدة على الإيمان لو شاء كما قال تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]؟.
إن العلم بالله ، وتحقيق الإيمان بأسمائه وصفاته، ومعرفة سنة الله التي مضت في الأولين وتمضي كذلك في الآخرين؛ لهي من أعظم الفوائد التي تحصل للمؤمنين في سيرهم في هذا الطريق عندما تصيبهم الجراح والآلام والمحن، وقد قدر الله وجود الحياة أصلاً لكي يرى من عباده المؤمنين ما يحب.
من أجلك أيها المؤمن! من أجل أن تؤمن وترجو وتخاف وتحب وتبذل وتضحي، من أجل أن تعبد الله أوجد الله إبليس والشياطين والكفرة والملحدين والمنافقين، وكان في قدرته -ولم يزل- أن يجعل: ﴿مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف:٦٠]، بدلاً من هؤلاء، لكنه هو العليم الحكيم، وهو القدير، يحب ظهور عبوديته في وسط أنواع الكفر والضلال، وهذه عبودية خاصة، عبودية تختلف عن عبودية الرخاء، وعن عبودية سائر الكائنات، نعلم أن كل الكائنات تسبح لله وتعبده، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد:١]، وقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١]، وغير ذلك من الآيات التي تؤكد عبودية الكائنات كلها.
والملائكة تعبد الله ليل نهار كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، ومع أن الله خلق الخلق أصلاً لعبادته فإنه أوجد النوع الإنساني وكذلك الجن، وخلقهم لتوجد منهم عبودية أخرى، وهي عبودية الضراء والشدة، عبودية الخوف من الله دون من سواه، والتوكل على الله دون من سواه، عبودية الرجاء في وسط أجواء اليأس فيما يبدو للناس، هذه العبودية من أجلها قدر الله ما يكرهه؛ لأن هذه العبودية أحب إليه مما يكره، ومما لو قدر الله عدم وجود الكفر والنفاق والظلم والفساد، فيكون الناس كلهم أمة واحدة، ولكن ظهور هذه العبودية التي فيها مقاومة ومنازعة ومجاهدة، وفيها هجرة وبذل وتضحية، وغير ذلك من أنواع العبودية التي تحصل لأهل الإيمان؛ أحب إلى الله مما لو كانوا جميعاً على طاعته، دون أن يكون بعضهم على معصيته، فافهم حكمة العزيز الحكيم الذي له الملك وله الحمد، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:٢]، فهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وهو غالب على أمره، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
وليس لنقص العزة هزم أولياؤه في المعارك، ولا لعجزه -تعالى الله عن ذلك- قتل من قتل من أوليائه ورسله، وجرح من جرح منهم، واستضعفوا في الأرض، ونيل منهم أنواع النيل، وابتلوا وسجنوا وعذبوا، ليس هذا لعجزه ، فهو العزيز ، وهو القدير، له ملك السماوات والأرض، وهو الذي بيده الموت والحياة، قال تعالى: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:٢]، ومع ذلك كله بحكمته قدر أن يوجد هذا البلاء وهذه المحن التي تجعل من لا يعلم صفات ربه ييئس ويبتئس، وربما يترك الطريق والالتزام بدين الله ، أو ربما يترك العمل من أجل نصرة الدين فيأثم من ترك هذه النصرة، ويقول: ماذا نصنع والأمور كلها ضدنا والعالم كله ضدنا؟! نقول: لابد أن تعلم أن الله هو العليم الحكيم، وهو العزيز الحكيم، وأن حكمته اقتضت ذلك؛ لأنه يحب أن يرى منك كما رأى قبل ذلك من أنبيائه ما يحب، فانظر هل يرى الله منك ما يحب؟! قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، (ولنبلونكم حتى نعلم) قال ابن عباس: حتى نرى، حتى يعلم الله هذه الأمور علماً يحاسب العباد عليه، يعلم الجهاد والصبر من عباده المؤمنين علماً يحاسبهم عليه، ويثيبهم على ما صدر منهم بفضله وتوفيقه وإعانته .
стр. 255
أسباب حصول الرجاء
стр. 256
الإيمان بالله ومعرفة أسمائه وصفاته
إن تحصيل الرجاء -الذي هو من أجلِّ أنواع العبودية- يكون بثلاثة أمور ذكرها الله : الإيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته، ومعرفة سنته سبحانه فيما يفعله بأوليائه وأعدائه، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، فمن يرجو رحمة الله أولاً؟ المؤمنون، وهذا يظهر جلياً كما سنذكر في مواقف أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقد كانوا في غاية الرجاء في لحظات الشدة، وذلك مبني على علمهم بالله وبأسمائه وصفاته، وباستحضارهم هذه الأسماء والصفات ومعانيها وآثارها في الوجود، فهم يرون مالا يرى الناس من آثار أسماء الله وصفاته وأفعاله في خلقه، يشهدون ما أشهدهم الله بالوحي المنزل، وما قذف في قلوبهم من أنواع العلم به ، فيشهدون بذلك مالا يشهده الناس.
انظر مثلاً إلى ما أمرنا الله أن نشهده، أشهدنا أنه هو الذي أخرج فرعون وجنده من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، وأشهدنا أنه هو الذي أزلف هناك في اليم فرعون وقومه ومن معه، فسبحان الله! والله أشهدنا أنه أرسل الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً.
والله أشهدنا أنه جعل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون! والله جعلنا نشهد في كتابه بوحيه أن ما يجري من عداوة الشياطين لدعوة الأنبياء إنه هو الذي جعلها قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢].
الله أشهدنا أنه جعل لكل نبي عدواً من المجرمين، وأشهدنا هدايته لمن شاء له الهداية، وإضلاله لمن شاء له الإضلال.
وأشهدنا أنه النصير لمن شاء نصره ولو اجتمعت الأرض ومن فيها على هزيمته ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١].
فشهود هذه المعاني يجعل العبد يعيش في جو آخر، يعيش في دنيا غير دنيا الناس، الناس لا يشهدون من وراء الأحداث التي تقع إلا مظاهرها الحاضرة أمام أعينهم، ولكن لابد أن ترى ما وراء ذلك وما قبل ذلك وما معه من أوامر الله النازلة، ترى ما قبله من الكتب في اللوح المحفوظ، وما سبق ذلك من علم الله ، وما مضى من إرادته النافذة، وتشهد كما ذكرنا نزول الأوامر من عنده نافذة كما أمر في إحياء هذا وإماتة ذاك؛ لإعزاز هذا وإذلال ذاك، أن تشهد أن مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كما أن له الملك فله الحمد، له الملك يدبره كيف يريد ، وهو محمود على ذلك، وكم ممن أعطاه الله ملكاً عالياً يبتليه بذلك فإذا به يتصرف تصرف السفهاء فلا يحمد على ذلك، وكم من حكيم له حكمة ومعرفة ولكنه لا يملك، لكن الله له كمال الملك والحمد، له الملك وله الحمد، وتفرد بكمال القدرة.
هذا الذكر العظيم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) يأخذ قلب العبد إلى آفاق بعيدة عما يرى من حياة الناس من صراعاتهم، وليس أنه يبتعد عن الصراع بل هو في أتون هذا الصراع كما يقولون، هو غير معتزل في حقيقة الأمر، أو مجرد متفرج على الصراع الذي يجري، إنه وسط هذا الصراع بالفعل، ينصر دين الله، ويبذل ويضحي، لكنه يرى دائماً ما وراء أفعال الناس، الناس يتصورون أن أفعالهم هي الموجبة، وأن إرادتهم هي النافذة، وهو يرى وراء ذلك أمراً آخر، وفوقه أمر آخر يرى أوامر الله بكن فيكون، ومشيئته النافذة، وقدرته الشاملة لأفعال العباد الاضطرارية والاختيارية، ويرى في النهاية العاقبة التي أرادها الله لكلا الفريقين، لأهل التقوى والإيمان، ولأهل الكفر والفسوق والعصيان.
وهذا إنما يشهده من نظر في التاريخ، ولا نعني بالتاريخ مجرد الحكايات، لكن نعني بالتاريخ سيرة الأمم مع أنبيائها، سنة الله التي مضت، إن القرآن قص علينا من مواقف الأنبياء وأفعالهم ومن معاني الإيمان التي شهدوها مالا يوجد في كتاب، ولا يوجد فيما يتلوه الناس من أخبار، وما يتناقلونه من تواريخ، لا نظير لكتاب الله ، يقطع من تذوق حلاوة الإيمان بهذا الكتاب إنه كلام الله الذي لا نظير له ولا مثيل له ولا شبيه لهذا الكلام أبداً، وخصوصاً إذا قرأ الإنسان غيره من الكتب التي دخلت فيها أيدي الناس مما أصله نزل من السماء من عند الله ، ولكن دخلت فيها أيديهم بالكتابة والزيادة والنقصان، والتبديل والتحريف، أو فيما خطه الناس من تلقاء أنفسهم من حكايات التواريخ.
نقول: إن نظرة في تاريخ الأمم والشعوب، وتاريخ الصراع الذي يجري؛ لهي مما يضيء لأهل الإيمان طريقهم، ويحقق معاني الإيمان في قلوبهم؛ فيحصل لهم نور الرجاء في قلوبهم، كما ذكرنا أن الأمر الأول الذي يحصل الرجاء هو تحقيق الإيمان، وشهود صفات الرب التي هي موجبة لكمال الملك والحمد، ويشهد أفعال الرب فيما يقع من هذا الصراع وهذا الوجود، وكما ذكرنا يعيش ببدنه مع الناس ولكنه يعيش بقلبه في جو آخر، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، وهل كان أبناؤه كفرة؟ لا، ولكن لم يستحضروا ما يستحضره من أن الله هو الذي يفعل، وهو الذي يدبر، وهو الذي يعطي، وهو الذي يجتبي، وهو الذي يعلم، وهو العليم الحكيم، وهو الذي يأتي بالخير، وهو الذي يمن بفضله على من يشاء كما من على من سبق، وهو يشهد هذه المعاني، ويعلم من الله ؛ من عواقب ونهايات الأمور، ومن فعله بالناس ما لا يعلمون، ولذا وقفوا على حد التصرفات الظاهرة.
стр. 257
الهجرة في سبيل الله
الأمر الثاني الذي يحصل به الرجاء بعد تحقيق الإيمان: أن يكون الإنسان مهاجراً في سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة:٢١٨]، والهجرة بالبدن فرع عن الهجرة بالقلب، بل لا تحصل الهجرة بالبدن إلا بهجرة القلب أولاً، وهجرة القلب إلى الله فرض، وهجرة البدن تختلف باختلاف الأحوال.
إن الذي أوجب أن يهاجر المؤمن من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأوجب هجرة المؤمنين من مكة ومن سائر البلاد إلى المدينة، وهكذا الهجرة الباقية إلى يوم القيامة التي لا تنقطع ما دام الجهاد باقياً؛ إنما أوجبها اختلاف المنهج، إنما أوجبها هجرة المؤمن لعادات الناس وتقاليدهم ومعتقداتهم وأخلاقهم الفاسدة، وتصوراتهم الرديئة، يهجر كل ذلك وهم لا يوافقونه ولا يقبلون أن يعيش وسطهم بتصورات أخر غير سخافات عقولهم وأباطيل عقائدهم، فهاجر بقلبه من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده لا شريك له، ومن الخوف من غير الله إلى الخوف من الله وحده، ومن رجاء غير الله إلى رجاء الله وحده، ومن التوكل على غير الله إلى التوكل على الله وحده، ومن نصرة الباطل والعصبية والجاهلية إلى نصرة دين الله وحده، فهي التي أوجبت المخالفة والمفارقة واختلاف الطريق فاستوجب ذلك الصدام، ودائماً تبدأ بذرة الطائفة المؤمنة ضعيفة في وسط صخور عاتية تحاول قتلها وتحجيمها ومنعها من الظهور، فلابد أن يقع صدام غير متكافئ القوة في الظاهر مع أنه لمن يرى ما وراء الأمور وما وراء ستر العادة والبدايات يعلم أن موازين القوة الحقيقية في صالح أهل الإيمان ولو بدءوا ضعافاً، إنما ابتلاهم الله بأن وضعهم في وسط صفوف العدو لينظر ماذا يفعلون؟ وماذا يبذلون؟ وكيف يهاجرون؟ كما ذكر الله : ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٤]، المؤمنون ليسوا أقل عدداً إلا بالنسبة إلى عدوهم في الأرض، أما بالنسبة لجنود الله فجنود الله أكثر قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فهذه الآيات نزلت ورسول الله ﷺ بمكة، والمسلمون يعدون على أصابع اليد، فهذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، في سورة المدثر وهي من أوائل ما نزل قبل أن تنتشر الدعوة، وقبل أن يوجد الأجناد، ولو تأملت الكون كله لأيقنت هذه الحقيقة، كم من عباد لله في السماوات والأرض مسبحون لله؟ الكائنات كلها تسبح الله، أيعجز الله أن يأمر الأرض أن تبتلع هؤلاء الكفرة وقد ابتلعت بالفعل من قبلهم؟ أيعجز الله أن يأمر السماء أن تحصبهم وقد حصبت بالفعل أمثالهم؟ ألم نر الزلازل والصواعق وما ينزل من الأعاصير المدمرة؟! الله لا يعجزه أن يأمر البحار أن تغرق هؤلاء وقد أغرقت قبل ذلك من أغرقت، ولو تأملت السماء أو البحر أو الأرض لوجدت الإنسان فعلاً من أصغر ما يكون، وهذه القنابل الهائلة والأسلحة الفتاكة ماذا تصنع وسط هذه الأرض الهائلة؟ إنها كأعواد الكبريت في وسط مدينة هائلة، كطفل يلعب بعلبة كبريت ماذا يصنع؟ هل يمكن أن يهد الجبال؟ حتى ولو هد الجبال ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]، فهناك آلاف الملايين من المخلوقات التي هي مستعدة للإطباق عليه وإنهائه في لحظة، وهو يوقن أنه لا يملك منها شيئاً, أيملك أحد من الناس ما في باطن الأرض من القوة الهائلة؟ لو انشقت هذه الأرض ماذا سيقع؟ إن الطاقة الموجودة في باطن الأرض، والطاقة في البحار، والطاقة الموجودة في نجم صغير في الكون أو في شهاب فقط كافية لتدمير أمم بأسرها، بل بتدمير الأرض ومن عليها! الله جنده أكثر، ولكن ابتلي العباد لكي يهاجروا في سبيل الله، وقد بدأ الصراع لأجل هذا الاختلاف بين المنهج والمنهج، بين الحق والباطل، فهجر المؤمنون العادات والتقاليد وما وجدوا عليه الآباء والأجداد وما وجدوا عليه المجتمعات المنحرفة، وأرادوا أن يعيشوا بإسلامهم، أرادوا أن يعيشوا بنظام حياة مختلف عن نظام الحياة التي يحياها من يعيشون لبطونهم وفروجهم، ومن يعيشون لكبريائهم وجبروتهم وغرورهم، ومن يعيشون لأجل أمراض إبليسية وأخرى أرضية شهوانية حيوانية، لا يعيشون إلا من أجل ذلك، وأهل الإيمان يريدون أن يستنقذوا العالم من شر هذه الأمراض، وأهل هذه الأمراض يريدون فرض باطلهم على الناس، ويخدعونهم أعظم الخداع، فحصل الصراع، وهو صراع غير متكافئ القوة فيما يبدو للناس، أهل الباطل أقوى والحقيقة العكس تماماً، لكن هذا ابتلاء لأهل الإيمان لينظر الله كيف يعملون، فبدأت الهجرة البدنية فكانت أثراً من آثار هجرة القلب أولاً، فمن هاجر لابد وأن يجد الرجاء، من هاجر سوف يصطدم، فما الذي يفتح له الأبواب؟ وما الذي يسهل له الصعاب؟ وما الذي يجعله يتخطى تلك العقبات؟ إنه الرجاء، فإيمانه ومعرفته بالله هو أصل المعرفة، ثم هجرته إلى الله بقلبه وإن احتاج ذلك إلى أن يهاجر ببدنه فذلك الذي يفتح له باب الرجاء.
стр. 258
الجهاد في سبيل الله
ثم الجهاد في سبيل الله، وأصله بذل الجهد في مرضاة الله كما قال النبي ﷺ : (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في الله وقمة ذلك بلا شك بذل الجهد في جهاد الكفار، وهذا القتال هو ذروة سنام الإسلام؛ لأنه تتمة لذلك الجهاد الباطن، وذلك الجهاد الباطن هو أصله، وهذا كجبل الثلج يبدو منه قمته وتحت السطح تسعة أعشاره، وحقيقة الأمر أن الخاسر من لم يجاهد نفسه في الله حتى يعلمها الحق، وحتى تعمل به، وحتى تأمر به وتدعو إليه وتصبر على مخالفة الناس على ما أصابها في مخالفتهم، ويجاهدها بدفع الشبهات والشهوات التي يبثها الشيطان في النفوس، ويجاهدها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب واللسان واليد، ويجاهدها لتبذل في سبيل الله ما استطاع أن يجاهد، ولا شك أنها منة من الله أن يقيم الرب عبده ليبذل نفسه وماله في سبيل الله، إن هذه منة من الله ينبغي أن يظل من حرم منها باكياً على نفسه والله، ينبغي أن يظل باكياً وهو يرى في الأرض في زمنه من يبذل لله نفسه وماله ووطنه وأرضه وأهله، يبذل كل ذلك لله ، ينبغي أن يبكي على نفسه كما بكى البكاءون، قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]، مع أنهم غير مقصرين ولكنهم يخافون أن يكون قد فاتهم الخير، والله علم منهم عذرهم الذي أقعدهم عن شهود هذه المواطن، وقد نزلت الآيات فيهم تشهد لهم بالإيمان والصدق والإخلاص لله ، ومع ذلك كانوا يبكون، ونحن ما شأننا؟! أنحن فعلاً نحب الهجرة والجهاد في سبيل الله بأنواعهما المختلفة، ونحب أن نكتب مع المجاهدين في سبيله وإن كنا لسنا معهم في أرض المعركة أم أن الله قد علم منا ما يكرهه فثبط الهمم والعياذ بالله من ذلك؟! ثبط همم أقوام وكره انبعاثهم فأمرهم بالقعود كما قال : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، نعوذ بالله أن نكون من هذا الصنف! فأيهما أولى أن يبكي على نفسه: الذي نزل القرآن ببيان إيمانه وصدقه ونصيحته لله وللرسول ﷺ أم من لا يدري ما شأنه؟ فإذا كان الإنسان قد أقامه الله على ثغرة من ثغرات الدين، فكيف يفرط فيها؟ وكيف يتنازل عنها؟ وكيف ينسحب منها وقد من الله عليه بذلك، وهو في الحقيقة إنما ينتظر مناً آخر وفضلاً آخر ليحصل له عظيم الرجاء؟! الله جعل الرجاء لمن أتى بهذه الثلاث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، وإلا كان الرجاء أماني، وفرق بين الرجاء وبين أماني الغرور كما قال : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤]، نعوذ بالله من ذلك! غرتهم أماني مغفرة ظنوها قطعية؛ لأنهم أهل دنيا كما قال قائل من هذه النوعية: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، كما يقول القائل إذا أكرمه الله بشيء من الدنيا ونعمه: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥]، يرى الكرامة إنما هي في العطاء الدنيوي، ويجزم لنفسه بالآخرة والمغفرة عند الله من شدة الغرور والجهل، وكم من أناس خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، وكذبوا! لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، وما أروع هذه الكلمة وهي من الحسن البصري ﵀! نعم، كثير من الناس يغتر بأمان باطلة، لكن الذي يرجو يجد فعلاً نور الرجاء وشموس الرجاء في قلبه، هذا الذي حقق الإيمان بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وشهد سنته الماضية في خلقه في أنبيائه ورسله، وفي أعدائه، وعلم عواقب الأمور ونهايتها، ولم يقف عند بداياتها، فهاجر وتحمل مفارقة الناس والآراء ومفارقة الجهالات والأخلاق الفاسدة والضلالات والمنكرات، وتحمل كل ذلك في سبيل الله ، ثم بذل جهده لإعلاء كلمة الدين ونصرة الإسلام، وسعى لكي يبذل ويضحي في سبيل الله ، وهو مستعد أن يضحي بكل شيء في سبيل الله ، فهذا هو الذي يرجو رحمة الله .
إن النظر فيما ذكر الله من قصص أنبيائه ورسله من أعظم ما يوقد أنوار الرجاء في قلب العبد المؤمن؛ لأنه يرى كيف كانت سنة الله، وكيف كان فضل الأنبياء، وكيف كان يقينهم مع من معهم من المؤمنين، وكيف كان رجاؤهم في فضل الله! رغم أن كل المعطيات الظاهرة كانت تدعو إلى اليأس كما هذا كثير من المسلمين اليوم، فالكثيرون يشعرون باليأس والحزن العميق؛ لأجل ما أصاب المسلمين وما زال يصيبهم من أنواع البلايا والمحن على أيدي شر خلق الله، على أعدى أعداء الدين من اليهود والنصارى والمشركين والعياذ بالله! ممن يبذل جهده كله في إهانة المسلمين وأذيتهم، ولكن كل هذا في حقيقة الأمر لمن حقق الإيمان مبشرات النصر، وهذه كلها مما يسبب له مزيد الرجاء في قرب الفرج والنصر والتمكين بإذن الله ﵎، وإنما هي فترة تمحيص وهداية من هدى الله، وفترة تراكم الظلم والباطل بعضه على بعض، فأنت ترى في كل يوم تميزاً حتى من كان عنده مسألة واحدة من الدين، ربما تجد إنساناً عنده مئات المسائل والمواقف من الباطل، وعنده مسألة واحدة من الدين، فيريد أهل الباطل أن يفارقوه، ويقولون له: إما أن تفارق هذه المسألة وتكون معنا وإما فأنت عدونا وضدنا! والله إن الإنسان ليعجب! أنواع الباطل كثيرة جداً، وكثير جداً من الناس يوافق على الباطل، لكن المحنة تكون حتى على مسألة واحدة يكون الإنسان عليها فضلاً عمن كان عنده أكثر من ذلك، كمن عنده مسائل بفضل الله وقف فيها في صف الحق؛ فعودي، ومن يقف في صف الحق كاملاً، يقوله كله ويلتزم به كله، فلا شك أنه سوف يعادى أتم معاداة، أما ترى ما كان من معارك هائلة من أجل فتوى مثلاً بمنع مصافحة الأجنبية وتحريم ذلك! وما ترى من معارك من أجل الدعوة مثلاً إلى تحريم السجائر أو تحريم التبرج أو نحو ذلك! ترى عجباً! مجرد فتوى تحارب مع مئات الفتاوى الموافقة للباطل، لكن الحق لا يرضي أكثر الناس، فيسعى هؤلاء في المفاصلة، فأهل الباطل هم الذين يفاصلون، أما ترى غطرسة اليهود وكفرهم وعنادهم؟! لو قدم لهم أعظم التنازلات وأكبر التراجعات لا يقبلون ذلك، كما وصفهم الله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فالقضية واضحة جداً، والغرض المقصود: أن شهود سنة الله في أنبيائه ورسله يفتح للقلب أنوار الرجاء، وينير القلوب ويمنعها من حصول اليأس الذي هو من الكفر.
стр. 259
قبسات من مواقف نبي الله يوسف ﵇
стр. 260
الشكوى إلى الله سبحانه
نريد أن نقتبس قبسات من هذه الأنوار من مواقف أنبياء الله متفرقة عبر التاريخ، لكنها تلتقي في هدف واحد، وطريق واحد، وهي أن هذا الرجاء يعظم عندما تكون الأسباب مخالفة، وعندما تنعدم الأسباب الموافقة، وعندما تكون ظواهر الأمور كلها في صالح الأعداء.
فلنتأمل في قصة يوسف ويعقوب صلى الله عليهما وسلم، قال الله : ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٤ - ٨٧]، ففي هذه الآيات عدة فوائد ولن نحصيها، أولها: أنه لما ازداد الكرب على يعقوب ﵇ بعد فقد ابنه الحبيب الذي علم ابتلاء الله له، وعلم صفاته المتميزة التي تؤهله لوراثة النبوة، فقده وهو أحب الناس إليه، يحبه لجميع الأوصاف التي فيه، فهو أكرم الناس، وأجمل الناس، والصفات الإيمانية قبل ذلك وبعده متضمنة لكل محبة، وفقده في أشد سن يتعلق فيه الأب بابنه خصوصاً وهو يرى ضعف باقي الأبناء وعجزهم، فتأتيه مصيبة أخرى! فقد بنيامين وفقد كبيرهم الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف:٨٠]، ثلاثة من أبنائه يبتعدون عن أبيهم، فما تذكر بهذه المصيبة عندما نزلت به إلا أمر يوسف، تذكر المصيبة فكانت الشكوى إلى الله؛ لذلك الشكوى إلى الله وبث الحزن إلى الله من أعظم أسباب تفريج الكروب، الشكوى إلى الله تسمعها في نداء نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٦]، دعاء فيه شكوى إلى الله، وتضرع إلى الله ، والنبي ﵌ (يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وفي الحديث الآخر: (جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، الشكوى إلى الله من أعظم العبادات في فترة المحنة، تشكو إلى الله وتقول: يا رب! فعلوا كذا وكذا يا رب! ظلموا وفجروا وكفروا ونافقوا.
ويعقوب ﵇ يشكو إلى الله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، وهذا الرصيد الهائل في قلب العبد المؤمن يجعله يرجو دائماً ولا يصل أبداً إلى اليأس، بل يزداد رجاءً وإيماناً، (أعلم من الله) أي: من صفاته ومن أسمائه الحسنى، يعلم من أفعاله وسنته الماضية مالا يعلمون، يظنون الأمور تعقدت تعقداً هائلاً لا مخرج منه، أصبح بنيامين عبداً، وذاك الآخر لن يرجع لأنه لن يتمكن من أخذ أخيه، ويوسف قد ضاع من زمن بعيد، فمن أين الحصول على يوسف؟ ولكن يعقوب يشكو إلى الله.
فلنكثر من الدعاء والشكوى إلى الله، وهو يعلم ما يفعله الكفرة ولسنا بالذين نعلم الله في دعائنا وشكوانا ما الذي يقع، فإن الله أعلم منا ولكن نشكو له تضرعاً وتذللاً، والله يحب أن يسمع منا الشكوى والتضرع إليه ، ويجب أن نظهر حزننا على ما يجري للمسلمين.
ثم قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]، ففيه الأخذ بالأسباب، وقبل أن ننتقل من نقطة الشكوى نقول: الشكوى تكون إلى الله، فمن تشكو؟ أولاً: تشكو إلى الله نفسك الأمارة بالسوء، تشكو إلى الله أنها لا تطاوعك على ما تريد من طاعة الله حتى يصلحها الله لك، وحتى يهيئها لكي تتقبل الخير وتستجيب له وتنتفع به.
وتشكو إلى الله غيرك ممن ظلم وفجر.
وتشكو إلى الله ما تجد من حولك من فقد المعين على الخير، والمعاون على البر والتقوى، وجلد من ليس بثقة ولا بأمين، تلا عمر ﵁ هذه الآية: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، فسمع نشيجه من آخر المسجد، بكى بكاءً عظيماً، وعمر كان يحمل هم أمة الإسلام، مع أنه ﵁ فتح الأمصار، وفتح الفتوح، ولكن كان يتمنى حجرة مليئة بمثل أبي عبيدة بن الجراح يستعملهم، كان لا يجد من يستعملهم، تخيلوا وضع الصحابة ﵁ ونوعية هؤلاء وعمر يشكو إلى الله يقول: اللهم إليك أشكو ذنب الفاجر، وعجز الثقة! لا يدري من يستعملهم على أمة محمد ﷺ ، وكان يتمنى بيتاً مليئاً بالرجال يكفونه تعليم الناس وقيادتهم إلى الخير والجهاد في سبيل الله، ووزن الأمور بالموازين الشرعية، والإفتاء والقضاء والحكم وسائر أنواع الوظائف، عمر في زمنه يشكو، وكيف لا يشكو ورسول الله ﷺ يقول: (الناس كالإبل المائة تكاد لا تجد فيها راحلة)؟! فإذا كان هذا في زمن الأنبياء وزمن الخلافة الراشدة فما الظن بزمننا عباد الله؟! فنشكو إلى الله أنفسنا أولاً؛ لأنها نفوس فيها ضعف وعجز وتقصير شديد، تحتاج إلى أن يصلحها الله ، ونشكو إلى الله من حولنا ممن معنا وممن علينا، ونشكو إلى الله ونتضرع إليه سبحانه عسى الله أن يغيثنا وأن يزيل شكوانا، ومع شدة هذه العبادة ومع الإكثار منها بإذن الله يكون الفرج، وأنت تلمس ذلك.
стр. 261
الأخذ بالأسباب المقدورة
النقطة الثانية: الأخذ بالأسباب المقدورة، قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]، والتحسس: هو البحث في الخير، (فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ)، بدأ بيوسف أولاً؛ لأنه الذي شعر بمدى فقده عندما عجز هؤلاء العشرة أن يحفظوا أخاً لهم، وعجزوا أن يعيدوه له رغم الوعود والمواثيق فضلاً عن عجزهم أولاً عن حفظ أخيهم بسبب حسدهم وما كان منهم من خلف الوعد، ومن الغدر وعدم الأمانة وغير ذلك، لكنه ترفق بهم ونصحهم بأن يتحسسوا من يوسف وأخيه، فالأخذ بالأسباب المقدورة أمر عظيم الأهمية في حياتنا، قد تكون الأسباب في أيدينا محدودة، والأسباب في أيدي أعدائنا كبيرة جداً وكثيرة، ولكن لنأخذ بالأسباب المقدورة لنا، فإن هذا بإذن الله ﵎ يكون من أعظم أسباب الرجاء والبعد عن اليأس، ومن أعظم أسباب الفرج بإذن الله ﵎، فالتحسس: البحث عن الخير، أن تبحث وتجتهد فيما تحت يدك.
وبالفعل انطلق هؤلاء الأبناء، وجعل الله الفرج كاملاً في لحظة بفضله ، قال: ((وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ)) لا تيئسوا من إراحته ورحمته ، فالله يرحم من يشاء، ويجعل الروح والراحة والإراحة من عنده في أي وقت يشاء، قال تعالى: ((إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ))، إن اليأس والقنوط من رحمة الله من الكفر، ولذا قال صاحب الطحاوية: والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام يعني الأمن من مكر الله، واليأس من رحمة الله، فالمؤمن موقن بصفات الله، ويوقن أنه الرحمن الرحيم، فكيف ييئس من رحمته وقد علم أن الله ادخر عنده تسعة وتسعين رحمة ليوم القيامة، وأنزل رحمة وزعها على الخلق، فبها تتراحم الخلائق، وبها ترفع الدابة حافرها عن ولدها، فكيف ييئسو من هذه الرحمة الواسعة؟! الله أرحم الراحمين، فاليأس من رحمة الله ، والإلقاء باليد يأساً من الفرج؛ هو من الكفر والعياذ بالله، ومن أعظم أسباب الخذلان، قال تعالى: ((وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ)).
ذهبوا إلى يوسف وقد أصابهم نوع من الذل، وانكسروا له وهم لا يدرون، قال الله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨]، انظر كيف كانوا يهينونه عندما ألقوه في البئر، واليوم يقفون منكسرين يقولون: ((يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ))، إنها عزة والله، أعزه الله، وليس هذا مجرد اسم فقط، لكن أعزه الله فوقهم، يقولون: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:٨٨]، حصل فقر شديد، وحاجة شديدة، وجاءوا ببضاعة بائرة، بضاعة لا تستحق أن تشترى، يعلمون أن بضاعتهم مزجاة، ومع ذلك يرجون الفضل، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨]، لسنا بالذين نجزيك، فنحن لا نستطيع أن نجزيك، وهنا ظهر الكرم الحقيقي، وظهرت الرحمة والشفقة، وظهرت الخصال الحميدة التي كانت مقتضية بتفضيله عليهم فعلاً، والتي لمحها يعقوب قديماً، وأخبر يوسف أنه مجتبا ًمن عند الله، ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف:٨٩ - ٩٠]، كشف يوسف عن نفسه، وبين لهم أنه يوسف؛ فكان الفرج من جميع الجهات، ظهر يوسف، وظهر بنيامين، وظهر الثالث، وعادوا جميعاً، وعاد ليعقوب بصره، واجتمع شمل هذه الأسرة بفضل الله ، جاء فضل الله وفرجه بالصبر وعدم اليأس من رحمته، وكلما ازداد الضيق اقترب الفرج، أول ما سمع يعقوب بأخذ بنيامين قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣]، وذلك لماذا؟ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣]، وهكذا كان فعلاً ما توقعه يعقوب، وعسى من الله واجبة، وهو رجاها بفضل الله، فهذا نبي رجا من الله ، وحصل له الرجاء عندما اشتد الكرب، فعندما يشتد الكرب يعظم الرجاء عند أهل الإيمان؛ لأنهم يعلمون أن الله هو العليم الحكيم.
وهذا من تحقيق الإيمان بأسماء الله وصفاته، فشهود آثار هذه الأسماء والصفات وأفعال الرب التي يرى العبد آثارها وتأثيرها في هذا الكون؛ يجعله يعظم الرجاء عند الله .
قال تعالى: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٠ - ٩٢]، أي كرم هذا؟! ونحن نرجو من الله أكرم الأكرمين أكثر مما رجاه إخوة يوسف من أخيهم عندما استكانوا له وذلوا، ونحن قد أصابنا وأمتنا الضر، وجئنا بأعمال وصفات مزجاة، أعمالنا مزجاة لا تستحق أن تقبل، دعواتنا وعبادتنا وصفاتنا لا تؤهلنا لشيء، أعمالنا مزجاة، وجئنا بأعمال مزجاة، بضاعتنا لا تصلح أن يشتريها الرب إلا بكرمه، فنسأله أن يقبل منا ما لا يستحق القبول، وأن يمن علينا بفضله وهو أكرم الأكرمين ، وإنما كرم الكرماء في الدنيا أثر من كرمه ، ولولا أنه الكريم لما وجد كرم في الدنيا، الكرم المخلوق في قلوب العباد إنما هو أثر من آثار اتصاف الرب بالكرم الذي هو صفته ، فالكريم هو الله ؛ لذا نرجو الله أن يمن علينا بفضله، وأن يتكرم علينا بأن يقبلنا رغم أننا لا نستحق القبول، وأن ينصرنا رغم أننا لا نستحق النصر.
стр. 262
قبسات من مواقف نبي الله موسى ﵇
موقف آخر نستحضره جيداً ونحن في هذه الأيام المباركة من شهر الله المحرم حول عاشوراء، ذكر الله سبحانه في قصة موسى في سورة الأعراف تقتيل فرعون للسحرة ظلماً وعدواناً وتجبراً وطغياناً، ومعاندة للحق بعدما ظهرت الآيات الحسية بعد الآيات الفطرية العقلية، وأقر السحرة بعجزهم، بل وأعلنوا إيمانهم، وإذا بفرعون يلفق لهم تهمة يخترعها على الفور، فهو أستاذ في الاختراع، اخترع التهمة في مجلسه مع أنه الذي جمع السحرة على عينه وأتوه ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٣٧]، أتى بكل السحرة، فهو الذي جمعهم ومع ذلك قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣]، كان الجزاء هو التقتيل والتقطيع، تقطيع الأيدي والأرجل، والصلب على جذوع النخل، وكان من السحرة الرضا بالله والتضحية بما كان أغلى شيء عندهم، التضحية بالأنفس وبالأموال وبالمنزلة، ضحوا بكل شيء، ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٥ - ١٢٦]، كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة، قال الله في سورة الأعراف بعد أن ذكر هذا الأمر الفظيع من فرعون ومن قومه الذين رأوا بأنفسهم الآية ومع ذلك قتلوا السحرة: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧ - ١٢٩].
стр. 263
إمهال الله لفرعون وجنوده
أولاً: ننظر إلى إمهال الله لفرعون وجنده، كم أمهلهم مع الظلم والطغيان؟! ما أكثر ما نستعجل! نقول: قد ظلموا قد قتلوا قد سفكوا الدماء قد كفروا قد فجروا قد نافقوا فلماذا يتركهم الله؟ وأين المصائب والأيام السوداء التي تنزل عليهم؟! قد يقول كثير منا ذلك، تأمل قصة فرعون لتعلم سنة الله ، لتعلم كيف يمهل الله الأمم رغم طغيانها، والله إن موقف فرعون وجنوده في قتل السحرة أمر عظيم خطير جداً، أمر في منتهى الظلم، ويبقى موسى ﵇ لا يصنع شيئاً إلا الدعوة إلى الله، فيقول الملأ السادة والكبراء من قوم فرعون يحثونه على الاستمرار في الأذى: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ [الأعراف:١٢٧] يعني: أتتركهم؟! ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، يسمون فعل موسى فساداً في الأرض، وهم من سفك الدماء وقتل الأولاد الرضع واستحيا النساء بالظلم والعدوان لمجرد أنهم من طائفة أخرى غير الطائفة التي ينتمي إليها فرعون والعياذ بالله! ظلم بين، فساد فظيع، ولكن: (رمتني بدائها وانسلت) كما يفعل فراعنة الزمان من اليهود والأمريكان وغيرهم ممن يرمون المسلمين بأنهم الذين يفسدون في الأرض، وبأنهم أهل الباطل والإرهاب وغير ذلك، مع أنهم والله يفعلون بشعوب الأرض جميعاً أنواعاً من الإفساد لا تتصور، فضلاً عن المسلمين، لو خدش واحد منهم قامت الدنيا ولم تقعد، وأما إذا ذبح أولاد المسلمين، وقتل أطفالهم، ورملت نساؤهم، بل وانتهكت أعراض نسائهم؛ فهذا عندهم أمر عادي! يحرق مئات المسلمين في غداة واحدة والعالم كله لا يحرك ساكناً، ما المشكلة؟! بعض المسلمين احترقوا أحياءً فما عندهم إلا مجرد آهات التأسف! والحقيقة مزيد من التمكين لعباد الأبقار والعياذ بالله لكي يتمكنوا من رقاب المسلمين، سبحان الله! لكن لو تأملت هذه المواقف بالنسبة إلى ما فعله فرعون، وأن الله أمهله مدة بعد هذه الواقعة، لو كان الواحد منا في مثل ذلك الموقف سيقول: الآن ينزل به العذاب بعد أن فعل بالسحرة ما فعل، وبعد أن أعرض عن الآيات، وبعد أن أقيمت عليه الحجة من كل وجه، ومع ذلك فهو مستمر على المعاندة، بل ومستمر على زيادة الأذى، وقومه لا يتعظون، قوم في منتهى العجب! قوم مستخفون فهم الذين يحثونه، له أعوان ومرغبون في مزيد من سفك الدماء، ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٢٧]، فما هو الفساد الذي يقوم به موسى وقومه؟! إنه الدعوة إلى الله ، فهم يقولون: لابد أن توقفهم عند حدهم، لكن فرعون واضح جداً أنه لا يقدر على مواجهة المسلمين، لكنه اتهمهم بأنه يوجد انقلاب ومكر مكروه في المدينة، وزعيم الانقلاب موسى ﵇، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١]، وكان المفروض أو أول من ينزل به البأس زعيم الانقلاب، فكان هو أول من يقتل ويصلب، لكنه كان يخاف من موسى فعلاً بشيء قذفه الله في قلبه وليس من عند أحد، ولا بالأسباب، ولذلك تجده يتحاشى موسى دائماً قالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ [الأعراف:١٢٧] ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:١٢٧]، لماذا لا تبدأ بموسى أولاً؟ هم يقولون له: موسى، قال لهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، فأمر بقتل الأبناء، وهو لا يقدر إلا على هؤلاء، وكان لا يقدر على موسى؛ لأن الله عصمه؛ لأن الله كف يده ، ولابد أن تلحظ أن موسى اعتصم بالله قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]، هو قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، هم يقولون له: اقتله! لابد أن تعمل لهم شيئاً، ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر:٢٦]، ومن كان يمنعه؟! إنه الله ؛ لأنه استجار بالله، فلتكن استجارتنا بالله، اللهم إنا نعوذ بك، يا ربنا ورب كل شيء ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧].
قال عن فرعون: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:١٢٧]، هل عند المجرمين طريق آخر غير البطش؟ ليس عندهم إلا ذلك، كم استمر فرعون يقتل الأبناء ويستحيي النساء؟ استمر على الأقل أربعين سنة؛ لأن تقتيل الأبناء واستحياء النساء كان قبل ولادة موسى ﷺ ، وموسى بلغ أشده، ووقعت الواقعة التي جعلته يهاجر إلى مدين وبقي هناك عشر سنين، وعاد، ووقعت المحاورات مدة طويلة من الزمن، وكل ذلك وتذبيح الأولاد مستمر ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، وهذا من غرور فرعون فليس للطغاة سبيل إلا البطش والتنكيل، ولكنها وسيلة لا تفلح، يقيناً أنها لا تفلح، ولا تحسم مسائل صراع المناهج والملل والأديان مسألة سفك الدماء وقتل الأولاد واستحياء النساء للإهانة والإذلال، فهذه وسائل لا تفلح.
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، لك رهابين، لك مطواعين، إليك منيبين مخبتين.
اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وثبت ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين والشيشان، وفي كشمير وأفغانستان، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزمهم وانصرنا عليهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 264
توبة صادقة
إن فضل العلم على العبادة كبير، بل إن العبادة لا تكون صحيحة ومقبولة إلا بشيء من العلم.
فكم من عابد جاهل جر على نفسه الويلات، كما وقع لهذا العابد الذي أفتى هذا القاتل بعدم قبول توبته.
وكم من عابد عبد الله على جهل فكانت عبادته تعب ونصب بلا أرب، فلابد من العلم حتى يكون الإنسان على بصيرة فيما يأتي ويذر.
стр. 265
عظم القتل وجعله من الكبائر
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: قال رسول الله ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل راهب، فأتاه فسأله فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ قال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فأتاه فسأله فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، فانطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله ، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأرسل الله إليهم ملكاً في صورة آدمي فجعلوه بينهم -أي: حكماً- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهن كان أقرب فاجعلوه من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى الأرض التي أراد -وهي القرية الصالحة- بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة).
وفي رواية: (فأوحى الله إلى هذه -أي: القرية الفاسدة- أن تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي، فقاسوه فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة، فقبضته ملائكة الرحمة)، وفي رواية أيضاً في الصحيح: (أنه لما أتاه الموت ناء بصدره -أي: مال بصدره- جهة القرية الصالحة)، مال مقدار الشبر.
هذه القصة عظيمة فيها من العظات والعبر ما نحتاج إلى أن نقف معها للتدبر والتأمل، فقول رسول الله ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً)، والنفس الواحدة قتلها ذنب عظيم، قال : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢].
فهذا الذنب العظيم الذي هو قتل الناس جميعاً وقع هنا مضاعفاً تسعة وتسعين مرة نعوذ بالله، وقال النبي ﷺ : (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، أي: لا يزال في سعة ولا يزال الطريق واسعاً أمامه ما لم يصب دماً حراماً والعياذ بالله.
стр. 266
توجيه كلام ابن عباس في عدم توبة القاتل
وعن ابن عباس ﵁ قال: (إن الله لم يجعل لقاتل المؤمن عمداً من توبة) يعني: بذلك أن تلغي عليه جميع التبعات، وتلغي عنه كل الحقوق، فإن قاتل النفس بغير حق عليه حق لله، وعليه حق للقتيل، وعليه حق لأولياء القتيل، وكل حق لابد أن يؤدى، ولا شك أن التوبة كما دل عليه هذا الحديث تجب الحق الذي بينه وبين الله، وأما أولياء القتيل فحقهم في شرعنا أن يسلم إليهم نفسه ويمكنهم، فإما أن يقتصوا، وإما أن يقبلوا الدية، وإما أن يعفو، وأما حق القتيل نفسه فهذا يجب أن يقتص منه يوم القيامة.
وجعل الله حقوق العباد لابد فيها من أن يقتص من أهلها أو ممن أتى عليها يوم القيامة، إلا أن يشاء الله أن يعفو عن هذا القاتل فيرضي القتيل من عنده حتى يعفو عنه في الآخرة، وربما عفا عنه أهل القتيل في الدنيا فتظل توبة القاتل معلقة بما شاء الله أن يفعله.
وحقوق العباد أعظم الحقوق؛ ولذلك فتوبة الظالم، وتوبة المغتصب، وتوبة آخذ المال بغير حق، وتوبة الضارب وسافك الدم كل هؤلاء لا تتم توبتهم إلا بمسامحة المظلوم؛ لأن حقوق العباد مبناها على المشاحة ولابد أن تؤدى الحقوق إلى أهلها قال النبي ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى إنه ليقاد للشاة القرناء من الشاة الجلحاء)، فإذا كان بين البهائم قصاص فلابد أن يكون هناك بين البشر كذلك إلا ما شاء الله أن يعفو المظلوم عن الظالم.
стр. 267
الأعمال بخواتيمها
فهذا الرجل قتل تسعة وتسعين نفساً إلا أن الله أراد له خاتمة السعادة فقذف في قلبه حب التوبة، وكان ذلك قبيل موته، وبدون مقدمات يعلمها فقد كان في كامل قوته وفي عنفوان شدته، وهو ما زال على عادته من الاستهتار بسفك الدماء، وربما غاضه الإنسان بكلمة فقتله، ولكن حسن الخاتمة كانت له عند الله ، وهذا يدفعنا دائماً إلى ألا نُيئس أحداً من رحمة الله، وأن نعلم أن الأعمال بالخواتيم، وأنها بيد الله ، فأنت لا تدري هذا الذي يفعل كل هذه المعاصي، أو كل هذه الفواحش ما تكون خاتمته فلعله كتبت له خاتمة السعادة، ويختم له بعمل صالح حتى ولو كان بقلبه دون جوارحه، فيموت عليه فيقبل الله منه، ولذا لا تحكم على الناس بجنة ولا بنار، وإياك أن تقول لأحد: لا يغفر الله لك، وإياك أن تقول: هلك الناس، فالله أعلم، وبهم هو الشكور الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
فهذه بغي من بغايا بني إسرائيل سقت كلباً فشكر الله لها فغفر لها، وهذا رجل نحى غصناً من شوك عن طريق المسلمين فدخل به الجنة، فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة.
ورحمة الله واسعة فتسعة وتسعين رحمة مدخرة ليوم القيامة، وأنزل رحمة واحدة بها تتراحم الخلائق، وبها ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فادخر سبحانه تسعة وتسعين رحمة إلى يوم القيامة، فأنت لا تدري ماذا يكون حال الناس! ولذا لا تحتقر أحداً وأنت تدعوه إلى التوبة، بل تدعوه وأنت محب مشفق ناصح أمين، ولا تنظر إليه بعين الاستعلاء؛ لأنك لا تدري بما يختم لك وبما يختم له، فالله هو الذي يجب أن يتعلق برجائه قلبك، وهو الذي تجعله أملك، وهو الذي ترجوه ليوم فاقتك وحاجتك، فلا تعتمد على عملك بل عليك أن تتوكل على الله ، فالله قذف في قلب هذا العبد البحث عن التوبة، وكان السؤال في موضعه فقد سأل عن أعلم أهل الأرض.
стр. 268
الواجب على الشخص إذا أراد السؤال عن دينه
فالواجب أن يسأل الإنسان عن العلماء؛ ليرشدوه إلى طريق الصواب، والأفضل أن يسأل عن الأعلم، وهذا عند الناس ربما يكون بناء على الشهرة بالعبادة أو الوعظ أو غير ذلك، فأفتاه الناس بأن أعلم أهل الأرض هذا الرجل الراهب المتعبد الذي بلغ من صيته في الزهد والعبادة ما بلغ، حتى قال الناس عنه: إنه أعلم أهل الأرض، وهذا يدل على أن كلمة أعلم أهل الأرض يخطئ فيها كثير من الناس، ولا يدرون كيف يزنون العلم والعبادة والزهد والورع ونحو ذلك.
ولذلك أفتوه أن هذا الرجل هو أعلم أهل الأرض، وإذا كان الأمر في ذلك الزمان والناس قلة ففي زماننا أولى بألا ندري من هو أعلم أهل الأرض، فالله أعلم بعباده، وهو مطلع على قلوبهم وعلومهم وأعمالهم.
فدله الناس على الراهب؛ لأنهم كما ذكرنا يخلطون بين العلم والعبادة ولا يميزون بين موضع كل منهما، وفضل العالم على العابد كفضل الرسول ﷺ على أدنى أصحابه، وفضل العلم أفضل من فضل العبادة كما دلت عليه هذه القصة العظيمة، قال: (فدل على الرجل الراهب فأتاه فسأله فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا)، فهذا الرجل قتال شديد الغضب، شديد البطش، والرجل الراهب يظن أن الجرأة والشجاعة في أن يواجه هذا الرجل بأنه ليست له توبة، وهذا من قلة علمه أو من جهله؛ لأنه أولاً أفتاه فتوى باطلة، وكم من عابد أو زاهد يظن بنفسه لكلام الناس عليه أنه من أهل العلم، وهذا خطر عظيم، فليس بمجرد أن يكون الإنسان زاهداً في الدنيا، أو متعبداً، أو حتى واعظاً ومذكراً، أو أن يكون خطيباً مفوهاً، أو أن يكون داعياً إلى طريق الحق أن ذلك يقتضي أن يكون عالماً يفتي الناس.
стр. 269
التحذير من التجرؤ على الفتوى بغير علم
وأكثر الناس يختلط عليهم الأمر ومن ضمن من اختلط عليهم الأمر هذا الراهب نفسه، فقد صدق مقولة الناس عنه: أنه أعلم أهل الأرض، وخدعوه بقولهم: إنه أعلم أهل الأرض، فتجرأ على الفتوى بغير علم، ولم يكن ذلك في شريعتهم ولكنها الجرأة على الفتوى، وهذا أمر منكر حذر منه أهل العلم، وحذر النبي ﷺ من الفتوى بغير علم فقال: (إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينزعه بقبض العلماء، فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
ولابد أن تكون منتبهاً فإياك أن تظن نفسك حين تعظ الناس وتذكرهم أنك بذلك بلغت منازل العلماء، أو أنك تتجرأ على الفتوى بمجرد ذلك، ولربما سألك الناس وأحرجوك في السؤال، فإياك أن تترك: لا أدري، وإياك أن تخجل منها، وإياك أن تستحي أن تقول: لا أدري، فأكابر العلماء كانوا إذا سئلوا عما لا يعلمون قال أحدهم: لا أدري، وكانوا يقولون: إن نصف العلم (لا أدري)، وكانوا يلقنون أبناءهم وتلامذتهم (لا أدري)، وجاء رجل إلى الإمام مالك فسأله عن مسائل فأجابه عن أربعة من نحو بضع وثلاثين مسألة والباقي قال: لا أدري، فقال: إذا كنت أنت لا تدري فماذا أقول للناس؟ قال: أبلغ من وراءك أني لا أدري، اذهب وانشر في المشارق والمغارب أن مالك بن أنس عالم دار الهجرة لا يدري، أيدخل الناس الجنة على أجسادنا التي تذهب إلى النار؟! فإياك أن تظن أنك إذا وعظت الناس أو ذكرتهم، أو أنك قرأت بعض المسائل أو حتى أتقنتها أنك صرت بذلك -كما يخدع الناس به الكثيرين- عالماً، فالعلم لابد أن يكون بالبينة من الكتاب والسنة في كل مسألة تتكلم فيها، وتعلم أنك قد أحطت بما ورد في هذا الباب من كتاب الله، وتعلم عامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومجمله ومبينه، وناسخه ومنسوخه في هذا الباب الذي تتكلم فيه، وتفهم تفسير الآيات ومعانيها وما تكلم السلف فيها من الأحكام، ثم تعرف ما ثبت عن رسول الله ﵌ من الأحاديث الثابتة الصحيحة، وتعرف ما تثبت به صحة الحديث، ووجوه الجمع بينها، وكذلك معرفة القواعد التي يستدل بها على خاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، وناسخها ومنسوخها كما في القرآن، ثم تعلم هل أجمع العلماء في هذه المسألة أم اختلفوا؟ وإذا كانوا قد اختلفوا فعلى أي شيء يكون الترجيح فيما بينهم؟ ولابد من معرفة طرق القياس الصحيح وما ينقض به وما يرد به عليه؛ حتى لا تقيس قياساً فاسداً وأنت تظنه قياساً صحيحاً، فهذا لابد منه للعالم فضلاً عن مصادر الاستدلال الأخرى التي قد تحوجه الفتوى إلى استعمالها.
стр. 270
الحرص على ألا تكون التضحية في غير موضعها
والمقصود أن هذا الرجل كان قليل العلم، وكان يظن أن الجرأة في الحق هي أن يواجه هذا الرجل القاتل بمثل هذه الفتوى التي سوف تزيده غضباً، وكم من الناس له هذه الصفة! فيتجرأ على ما لا ينبغي أن يتجرأ عليه، ويضحي بنفسه ويظن أنه يضحي بها في سبيل الله، وهو إنما هو رجل جاهل يقود غيره إلى الجهل والضلال أيضاً، فليحذر على نفسه من ذلك، وليحذر كل امرئ منا على نفسه من أن تكون تضحياته في غير موضعها، ولا شك أن هذا الرجل الراهب علم أن هذا الرجل قد قتل تسعة وتسعين نفساً، ولا شك أنه يعلم صفة مثل هؤلاء الناس الذين كثر منهم القتل، ومع ذلك ما استعمل معه تقية، وما استعمل معه مداراة، ولا استعمل معه حسن الحديث، وإنما واجهه وظن أن ذلك هو الحق، وهذا كان من الباطل، فلما قال له: لا، غاظه بلا شك فقتله فكمل به المائة كما هو متوقع، فهذا رجل قتال للنفوس وهذا يقول له: ليست لك توبة، إذاً: فلتكن مائة بدلاً من تسعة وتسعين، وسبحان الله! ما زال في قلبه حب التوبة، وما زال الأمر يقذف في قلبه مرة بعد مرة، ولم ييئس هذا الرجل، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض وكأنه شعر أن هذا الرجل ليس بعالم، فسبحان الله! رجل بهذه المثابة والله يقذف في قلبه ما شاء من التوجه إليه.
وأما هذا الذي أفتاه فليس بعالم فعلاً، فسبحان الله مقلب القلوب وخالق الإرادات! وهو يوجه وجهة قلوب العباد إليه.
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل هذه المرة على رجل عالم، فأتاه.
إذاً: ينبغي أن يتحرى الإنسان وأن يأتي العلماء ويجالسهم ويسألهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فقال له: إنه قتل مائة نفس، وكلها قتلها بالظلم، وحتى هذا الرجل الأخير وإن أفتى بالباطل فليس عقابه أن يقتل؛ لأنه أفتى فتوى باطلة، فلا يقتل، ومع أنه رجل راهب عابد لكن انظر إلى فضل العلم على العبادة، قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟! واستدل به العلماء على قبول توبة القاتل.
وذلك أن أمتنا أشرف عند الله من أمة بني إسرائيل، فإذا كان ذنبهم عظيماً وعليهم الآصار والأغلال، ومن قتل مائة نفس لم يحل بينه وبين التوبة، فكذلك في أمتنا، ولذلك قلنا أن التأويل الصحيح لكلام ابن عباس على عدم قبول توبة القاتل: أن الله لم يجعل لقاتل المؤمن عمداً توبة مستدلاً بآية سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣].
فهذا في التوبة التي تعفيه من جميع المسئوليات، بل يبقى حق القتيل وإذا شاء الله أن يرضيه يوم القيامة من عنده أرضاه.
стр. 271
ما يحتاج إليه المفتي عند إفتائه
قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، وهذا يدل أنه رجل فقيه فعلاً، فلم يرشده فقط أن التوبة تقبل ثم يتركه في البيئة المجرمة التي تركته يسفك الدماء بهذه الطريقة، وسكتت عنه طيلة هذه المدة، بل ينقله إلى بيئة جديدة، فإنه لابد من تغيير، ولابد من صحبة أخرى، ولابد من قرناء آخرين، بل لابد من بلد ودار أخرى حتى يتغير سلوك هذا الرجل، فدل كلامه على أنه رجل فقيه ليس فقط بالأحكام الشرعية الظاهرة، بل بأحوال القلوب أيضاً، فمن علامات قبول التوبة -وبعض العلماء يجعلها ضمن الشروط والصحيح أنها من علامات قبولها-: أن تبدل السيئات حسنات، وأن يعمل بعد توبته بالحسنات والعبادات والخيرات بدلاً من السيئات التي كان يعملها.
стр. 272
فضل الصحبة الصالحة في التثبيت على الطاعة
فقد أرشده إلى أن يغير صحبته، وهذا من أعظم ما يحتاج إليه التائب والسالك إلى الله ، فعليه أن يبحث عن قوم يعبدون الله فيعبد الله معهم، ولا يرجع إلى أصحابه أصحاب السوء، فإن ذلك من أعظم ما يعينه على التخلص مما كان فيه من الذنوب ومن العودة إليها مرة ثانية، فأرض سوء تلك التي تتركك تعمل السيئات وتعينك عليها وتحثك عليها، وكم من ملتزم أعلمه ترك الالتزام بسبب العودة إلى قرناء السوء، وأن أصحابه الذين كان معهم في جهله وظلمه وذنوبه ومعاصيه عادوا إلى صداقته مرة أخرى، فحثوه على المعاصي والفساد فرجع مرة أخرى إلى الذنوب، وكم من أخ ملتزم كريم كان سبب التزامه رفقة صالحة وأصحاب أعانوه على طاعة الله وعبادة الله معهم، وهذا ليس بالرياء بل هو من التعاون على البر والتقوى، فإن النفوس تتشجع لوجودها مع بعضها، وإن من عادة الإنسان أنه مدني يقلد من حوله فأكثر الناس يقلدون في الشر، وقلة منهم من تقلد في الخير، وأما أفذاذ العالم فهم الذين لا يحتاجون ولا يعنيهم أمر الرفقة اكتفاء بمن كان قبلهم، وربما اكتفاء بمن هو دونهم، ونحن نعلم أن أمر الرفقة أمر مهم عظيم الأهمية.
فالرسول ﵌ وهو خير خلق الله على الإطلاق، يأمره الله بأن يلزم أصحابه قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، والرسول ﵌ هو أستاذ هؤلاء الصحابة فهو الذي علمهم، وهو الذي هداهم الله به، وهو الذي أرشدهم إلى طريق الصواب ومع ذلك فهو يحتاج إلى أن يصبر نفسه معهم، ولا يعني ذلك أنه لا يلتزم بدونهم، ولكن رفقة الصالحين مطلوبة ولو كانوا دونك في المنزلة، فأنت تحتاج إلى أصحابك في الخير وإخوانك في الله ولو كنت أفضل منهم والرسول ﵌ يقول في مرض موته آخر ما قاله ﵊: (اللهم! في الرفيق الأعلى).
ويقول الخليل ﵊ كما حكى الله عنه بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣]، ويقول يوسف ﵇ كما قال الله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وذلك أن صحبة الصالحين نعيم في الدنيا والآخرة، وصحبة الظالمين والفاسقين والكافرين عذاب في الدنيا والآخرة، فصحبة أهل الفساد عذاب للإنسان، ومجرد النظر في وجوه الظلمة أو سماع كلامهم، أو النظر في وجوه الفسقة والفجرة يصيب الإنسان بالهم والكرب، ويصيبه بالضيق ولا يدري من أين يأتيه الضيق، بل لولا الضرورة من صحبة هؤلاء لمحاولة أداء فرض الله بإصلاح وجه الأرض وملئه بالخير لما استطاع المؤمن أن ينظر في وجوه الظالمين، ولا أن ينظر في وجوه الفاسقين ولا أن يصحبهم فضلاً عن الكافرين، ولذلك بلاء أن يعيش الإنسان في وسط قوم كافرين.
وانظر إلى قول الله عن بلقيس: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣]، ولذلك أقول لكثير من إخواننا الذين أملهم في الدنيا أن يسافروا إلى بلاد الكفار لكي ينالوا شيئاً من الدنيا إن ذلك لعذاب، فلا تظن أن هذه الدنيا التي تحصلها سوف تسعدك بل النظر في وجوه هؤلاء القوم خصوصاً الذين جمعوا بين الكفر والفاحشة -والعياذ بالله- وعدم عفة الفروج من أعظم أسباب البلاء، وأم جريج دعت على ابنها عندما لم يجبها ثلاث مرات عندما أتته وكان يصلي النافلة فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأكمل صلاته حتى ملت وانصرفت، فكرر ذلك ثلاث مرات، وكان الذي ينبغي عليه أن يخرج من صلاة النافلة لكي لا يؤذي أمه حيث لم يرد عليها.
والمقصود أنها دعت عليه فقالت: (اللهم! لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات)، وكانت رحيمة به فلم تقل حتى يواقع المومسات مثلاً ولا حتى يعاشرهن، وإنما ينظر في وجوههن فقط، وكان نظر جريج في وجوه المومسات كنظر مضطر مكروب يريد أن يتخلص من المصيبة التي أتته به هذه المومسة، وكانت امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل سمعت الناس يذكرون عن عبادة جريج، فتعهدت بإغوائه، فعرضت نفسها عليه وتصنعت له فلم يلتفت إليها، فإذا كان لم يلتفت إلى أمه فهو لم يلتفت إلى البغي، فأتت راعي غنم فمكنته من نفسها فحملت منه زناً -والعياذ بالله- ثم وضعت مولودها وأتت به بني إسرائيل وقالت: هذا من جريج، فأتوا صومعته يضربونه ويشتمونه وهدموا الصومعة التي كان يعبد الله فيها، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه المرأة -وهم فرحون فقد كانوا يتمنون هذه الزلة له كما يتمنى أهل الفواحش دائماً للإخوة الزلات- فقالوا: زنيت بهذه المرأة، فقال: دعوني أصلي، وكان في كرب عظيم؛ فقد كانت المصيبة التي أصيب بها أنه متهم بالزنا وأن هذا الولد ابنه من الزنا، فصلى ثم طعن في بطن الصبي الرضيع وقال: يا غلام! من أبوك؟ فأنطق الله الصبي فقال: أبي الراعي فلان، فجعلوا يقبلون يديه ورجليه وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، فقال: أعيدوها من طين كما كانت.
فانظر إلى هذه الدعوة التي دعتها عليه أمه: أن ينظر في وجوه المومسات، فنظر إليها مضطر لكي يبرأ نفسه، فسبحان الله! وقعت الدعوة واستجيب النداء، وهذا عذاب على الإنسان فما بالكم بمن ينظر إلى وجوه المومسات مسروراً مبتهجاً ينتظر الصورة الآتية، وينتظر أن تزداد عرياً وفحشاً -والعياذ بالله- ويبحث في القنوات المختلفة والأطباق التي تأتي بهذه الصور من المشارق والمغارب، والمصيبة أن هذه الفواحش تؤتى علانية كما قال الله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل:٥٤]-والعياذ بالله-.
فهذا حال من ينظر إلى المومسات، بل إلى الوجه فقط مما يجوز كشفه عند كثير من أهل العلم، فما بال من ينظر إلى ما هو أسوأ من ذلك من أبدانهن، فما بال من ينظر إلى الفروج -والعياذ بالله- نظر تحريم، فما بال من يأتي الفواحش فهذه مصيبة، وكما قلنا: مجرد صحبة أهل الفساد، والنظر في وجوه أهل الظلم تقسي القلب، إلا أن يكون ذلك لغرض شرعي صحيح كالدعوة إلى الله، وهذا لن يكون بتلذذ مثلاً في النظر أو نحو ذلك، فلن يكون إلا لمصلحة شرعية ويكون لغرض الدين.
وأما صحبة أهل الخير فنعمة من الله ، وإنما تستطيع أن تدرك أهمية هذه النعمة عندما تختلط بغيرهم وأنت قد ذقت معنى مخالطة الصالحين الذين يريدونك على طاعة الله، ولذلك تجد عمر بن الخطاب ﵁ عندما طعن ﵁ كان أكبر شيء يهتم به هو الرفقة مع النبي ﷺ وأبي بكر في القبر، فهذا أهم شيء كان عنده، ويستأذن عائشة ويأمر بأن يستأذن بغير اسم أمير المؤمنين، وقال: قولوا: يستأذن عمر بن الخطاب ولا تقولوا أمير المؤمنين؛ فإني لست لهم اليوم بأمير، قولوا: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه لمجرد الرفقة في القبر؛ لكي يكون مع صاحبيه، ولذلك يقول علي إني كنت أظن أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر)، رضي الله تعالى عنهما.
والنبي ﷺ يقول في دعاء النوم: (باسم الله وضعت جنبي، اللهم! اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني، وثقل ميزاني، وفك رهاني، واجعلني في الندي الأعلى)، ومعنى (الندي الأعلى) أي: اجعل روحي مع النسم الطيب، فهذه لحظات النوم التي لا يحس فيها الإنسان، فالرسول ﷺ يدرك ما لا ندركه، والروح في هذه اللحظات تكون في أحوال، ونحن -نسأل الله العفو والعافية- الواحد منا ينام ولا يعرف ماذا يحصل! لكن النبي ﷺ يقول: (واجعلني في الندي الأعلى) فمجرد ساعات محدودة فقط يريد أن الروح تكون مع أرواح المؤمنين.
وكذلك في البرزخ، ففي الحديث الصحيح عن روح المؤمن (وتجعل روحه في النسم الطيب)؛ لأن صحبة الصالحين نعيم فعلاً، ولأن ذلك من آثار الحب في الله وأوثق عرى الإيمان، والبعد عن الظالمين من لوازم البغض في الله ، ولذلك كان الرجل فقيهاً حين قال له: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء.
وهكذا نوصي كل أخ أقبل إلى الله بقلبه أن يبحث عن قوم يعبدون الله، ويخلصون في عبادتهم لله، ويتبعون سنة رسول الله ﷺ ، فيعبد الله معهم، فهو والله يحتاج إلى ذلك احتياجاً أكيداً، ولذلك عندما يستفتي البعض أن الآباء والأمهات أو الأهلين والأقارب يمنعون الأخ من الذهاب إلى مجتمع الإخوة الصالحين، فأنا لا أتردد في أنه لا يجوز أن يترك مجتمع الإخوة ولا يجوز أن يبتعد عن مسجدهم ومجتمعهم ولقاءاتهم؛ لأن ذلك من أسباب فتنته، وكم من شخص أعلمه كان ملتزماً في المسجد ثم بعد ذلك كان بداية الأمر أن يصلي في مسجد آخر غير مسجد الإخوة، ثم بعد ذلك يصلي بعض الصلوات في المسجد وبعض الصلوات في البيت؛ لأنه لم يجد من يسأل عنه، ولم يجد من يقول له: أين كنت؟ ولم يجد من يقول له تأخرت عن صلاة الفجر، ولا يجد من يقول له: تخلفت عن الدرس، ولم يجد من يقول له: هل قرأت القرآن أم لا؟ فلم يسأل عنه أحد، وكثير من الناس يظن أن المسجد إنما جعل لمجرد أن يصلى فيه ثم يغلق، وهكذا يريدونه أن يصلى فيه ثم يغلق، ثم بعد ذلك ترك الصلاة في المسجد، ثم جمع الصلاة بعضها مع بعض، وأعلم بعضهم وصل ربما -والعياذ بالل
стр. 273
النية الحسنة تساعد في قبول التوبة
قال: (فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه الموت)، أي: ختم الله له بما أراد قال: (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) أي: من أعوان ملك الموت، فإن ملك الموت له أعوان: ملائكة بيض الوجوه؛ لقبض أرواح المؤمنين، وملائكة سود الوجوه؛ لقبض أرواح الفاجرين والمنافقين والكافرين، قال: (فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله ولم يذكروا عبادة؛ فإنه لم يعمل بعد عبادة من العبادات، وإنما ذكروا حال القلب، فذكروا إقباله بقلبه إلى الله ، وكان سيره في الحقيقة طلباً للخير ولم يبدأ بعد فعل الخير.
قال ﷺ : (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) يعني: من العبادة، فإنه لم يعمل شيئاً من العبادات؛ لأنه لم يصل إلى القرية الصالحة قال: (فأرسل الله إليهم ملكاً في صورة آدمي) وهذا فيه تشريف للإنسان؛ فقد علمه الله كما قال : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، وفيه تشريف لصورة الآدمي، فهي صورة شرفها الله فلا تهنها أنت بإذلالها لعدوها اللدود وهو الشيطان، وذلك بأن تجعل هذه الصورة المكرمة تنطلق في وجوه المعاصي والفجور، وتذل لذلك العدو اللدود وتجعل هذا الوجه الذي جعل الله فيه المحاسن، وجعل فيه السمع والبصر، وجعل من ورائه العقل الذي يفكر، وجعل فيه اللسان الذي ينطق وسائر الحواس فلا تجعله يتمرغ في الوحل والذنوب بدلاً من أن يخر ساجداً لله .
فالله كرمك بهذه الصورة فاعرف تكريم الله لك، فالملك الذي يحكم بين الملائكة يأتي في صورة آدمي وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠]، وهذا تكريم للإنسان فهي صورة خلقها الله بيده، وهذا يقتضي منك شكر نعمة الله عليك بألا تعبّد هذه النفس لغير خالقها، وأن تصون هذا الوجه عن السجود والمسألة لغير خالقه.
وكان الإمام أحمد يقول: اللهم! كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.
قال ﷺ : (فجعلوه بينهم -أي: حكماً- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهن كان أقرب فاجعلوه من أهلها).
والحقيقة أن الرجل كان أقرب إلى الأرض السيئة، والقرية الخبيثة، ولكن الله لأجل صدق توبته وإقباله عليه حرك الأرضين، فغير سكون الأرض، فالأرض ساكنة لا تتحرك، والأماكن الأصل فيها الثبات، ولكن الله غير وجه الأرض من أجل هذا الرجل، قال رسول الله ﷺ : (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقاربي، وكان الرجل باذلاً كل وسعه في الوصول إلى الأرض الطيبة، فناء بصدره -أي: مال بصدره-)، وميل الإنسان على جنبه من ظهره تجعل مقدار شبر، فهو عمل والله عمل عملاً آخر بالإضافة إلى عمله فقربه إلى الأرض الطيبة؛ لأنه أراد التقرب إلى الله ، فجعل هذه القرية الصالحة تتقرب، والقرية الفاسدة تتباعد، وقاسوا المسافة بينهما فوجدوه أقرب إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة.
نسأل الله حسن الخاتمة، ونسأله أن يجعلنا من التائبين، وأن يجعلنا من المتطهرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 274
الأسئلة
стр. 275
حكم تكسير طالبان للتماثيل
السؤال
لقد أثار موقف حركة طالبان بتكسير التماثيل جدلاً وفتاوى كثيرة تجعل الحليم حيران، فما هو الصواب؟
الجواب
لا شك أن الحكم الشرعي المجرد هو وجوب طمس التماثيل، سواء كانت تعبد أو لا تعبد، فإن علياً ﵁ كما في الحديث الذي رواه مسلم قال لأمير سرية أرسله: (ألا أرسلك على ما أرسلني به رسول الله ﷺ قال: لا تجد قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته)، وفي رواية: (ولا صورة إلا طمستها)، وهذا أيضاً لم يخصص منه بما يعبد أو لا يعبد، وقد امتنع جبريل ﵊ من الدخول إلى بيت النبي ﷺ ؛ لأنه كان في البيت تمثال وكان تحت السرير جرو للحسن أو الحسين، فقال: (إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة فمر بالكلب فليخرج، ومر بالتمثال فليقطع رأسه يصير كهيئة الشجرة)، وعندما دخل النبي ﷺ ووجد عائشة قد سترت سهوة لها بقرام فيه تصاوير فقال: (يا عائشة! إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، فأمر ﷺ بقطع هذه النمرقة، وقطع الستارة وجعلها وسادتين توطآن)، وجعلها ممتهنة.
فهذا يدلنا على عدم جواز اتخاذ الصور ووجوب إزالتها سواء كانت تعبد أو لا تعبد، والنبي ﷺ دخل الكعبة ووجد فيها حمامة من عيدان، ووجد فيها صورة إسماعيل وإبراهيم يستقسمان بالأزلام، وكانت صورتهم الحقيقية فعلاً؛ لأنه ذكر ذلك فقال: (قاتلهم الله، والله! لقد علموا ما استقسما بها قط)، وأمر بمحو الصور ﷺ ، مع أنها صور أنبياء وهذه كانت أشياء تاريخية عظيمة ولو كانت طبق الصورة طبق الوجه مثلاً لمحاها ﷺ ، وكسر ﷺ حمامة العيدان بيده، (وعندما كان ﷺ يطوف بالبيت في فتح مكة كان يشير للأوثان وهي ثلاثمائة وستون صنماً حول الكعبة ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، والأصنام تتساقط على وجوهها).
وأرسل من يكسر في القبائل الأصنام، وقد كانت بعضها أصناماً تاريخية جداً وتراثاً إنسانياً قديماً لكنها تخلف وانحطاط، وتراث البهيمية بل أسوأ من البهيمية كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وكان التراث من عهد قوم نوح فهو أقدم من بوذا ومن غيره، فكان هناك ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر في قبائل العرب، وكان الذي أوحى بالتنقيب عنها الشيطان إلى عمرو بن لحي الذي رآه النبي ﷺ يجر قصبه في النار، وذلك أنه هو الذي أوحى إليه الشيطان أن يحفر في مكان كذا وكذا ليجد تماثيل معدة، فأخرجها وأمر الناس بعبادتها وفرقها في قبائل العرب، وكسرت كل هذه الأصنام بمجيء الإسلام، ولم يبق منها بحمد الله ﵎ شيء.
ولذلك نجد بالفعل أن الأمم كلها تماثيل آلهتها في الجاهلية موجودة في الغالب، وأما أمة العرب فلا يعرف وجود تماثيل هذه الآلهة الجاهلية -والعياذ بالله- رغم أنها زالت عبادتها بحمد الله بمجيء الإسلام، والذين يقولون: كان هذا في أول الإسلام لخوف العبادة، نقول لهم: أتظنون أن التوحيد كان أقوى مع رسول الله ﷺ أو معكم؟! أنتم تظنون على كلامكم الفاسد هذا أن التوحيد الذي معكم أقوى من التوحيد أيام النبي ﷺ والصحابة، وأي اعتقاد أسخف من هذا؟! وأي بناء باطل للفتاوى أسخف من هذا؟! وفي الحقيقة أنها الآن تعبد حتى تماثيل الفراعنة فهناك من يأتي من المشارق والمغارب، وهناك من يأتي من الغرب خصوصاً ويعبد آلهة الفراعنة في الهرم الأكبر، وتوفر لهم كل الوسائل المهيئة بذلك.
والمقصود أن الحكم الشرعي في كسر الأصنام معلوم ولا ينازع في ذلك عالم، ومسألة أنها تعبد أو لا تعبد وأنها تراث إنساني هذا كلام لا يصح أن يعتبر، وما ذكر من ذلك مما يصح اعتباره هو قضية أذية المسلمين وقضية المصلحة والمفسدة، وهذا جدير بالاعتبار وجدير بالنظر، ولذلك نقول: إن الحكم هكذا، وأما الفتوى زماناً ومكاناً متى يتم؟ وأين يتم تكسير هذه الأوثان؟ فعلى حسب المصالح والمفاسد، وينبغي أن تقدر من قبل علماء المسلمين في المحلة التي هم فيها، وإذا كان يتعرض المسلمون في غيرها لأذى فينبغي أن ينظر في هذا الأمر أيضاً، وأن يقدرها علماء المسلمين المعتبرين من أهل السنة والجماعة لا الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ويقولون مثل هذه الخرافات والخزعبلات المذكورة، لذلك نقول: القضية قضية المصلحة والمفسدة؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضية والأصنام مبسوطة حول الكعبة، ولكن مصلحة الوفاء بالعهد كانت مرجحة على مصلحة كسر الأصنام، وكذلك إبراهيم ﵊ لمصلحة إقامة الحجة والبينة على قومه ترك الصنم الكبير مع أنه كسر الأصنام الأخرى، وهذا دليل على أن المصالح والمفاسد معتبرة في هذا الباب، والله أعلى وأعلم.
فلا شك أن حركة طالبان لها مواقف إيجابية كثيرة في إقامة كثير من الشعائر الدينية وإن كنا نحن لا نعلم حقيقة التفاصيل أكثر مما ينشر في الجرائد عنهم، وينبغي حتى يتم الحكم عليهم النظر في واقع الحال هناك أكثر، ونحن لا نحيط به علماً حالياً إلا ما يأتينا من أخبار، وبلا شك أن فيها الخير الكثير في إقامة الشريعة وإقامة الدين، والله أعلى وأعلم.
стр. 276
حكم قراءة القرآن ولمسه لغير المتوضئ
السؤال
هل يجوز قراءة القرآن ولمسه وأنا غير متوضئ خاصة عند المذاكرة؛ حيث تكثر الحاجة إلى قراءته؟
الجواب
قراءته جائزة، وأما لمس المصحف من غير وضوء فلقد قال النبي ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر).
стр. 277
حكم الأخذ بالأيسر من آراء المذاهب الأربعة
السؤال
هل لي أن آخذ بأيسر آراء الأئمة الأربعة عملاً بأن الرسول ﷺ : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)؟
الجواب
هذا كلام فاسد، فالرسول ﷺ كان يخير بين أمور مباحة في الشرع، وليست أقوال الأئمة الأربعة شرع، بل كل منهم يجتهد في الوصول إلى الشرع، وليس كل قول من أقوالهم يعد شرعاً فأنت تختار الأيسر منها، بل يجب عليك أن تسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم، فالله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإن كنت لا تدري الراجح من الأقوال فاسأل العالم الذي في زمنك أو في بلدك عن الراجح من هذه الأقوال وخذ بكلامه، وإذا اختلفوا عليك فخذ بالأعلم منهما في نفسك، وهذا هو الواجب عليك ولا يجوز لك غير ذلك.
ومسألة اختيار الأيسر هو في الحقيقة قول ضعيف جداً، فأضعف الأقوال في مسألة الأئمة الأربعة أيسرها، ومن عمل برخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، ولذلك أقول: الملاهي الليلية جائزة على هذه الطريقة؛ لأن الحنفية يجيزون شرب المسكر من غير عصير العنب، ويقولون: الخمر هو عصير العنب فقط -يعني: النبيذ فقط- وأما الويسكي والبيرة وغيرها فليست حراماً؛ لأن هذه عصير تفاح وعصير بصل وعصير شعير، إذاً نأخذ بقول الحنفية في ذلك، وعلى مذهب سفيان الثوري أن النظر إلى عورات نساء أهل الذمة لا يحرم إلا خشية الفتنة، فرؤية مومسة أجنبية ترقص عريانة ليس فيه مشكلة على مذهب سفيان الثوري، وعلى قول ابن حزم في المعازف وإباحتها نقول: أحضروا الفرق واعملوا موسيقة إلى الصبح فما أحد عنده مشكلة، إذاً: فالملاهي الليلية بهذه الطريقة ليست خطأ، والواحد منا لا يستبعد من الاتجاهات الإسلامية المنحرفة هذه أن تخرج بالطريقة هذه فتاوى اعتماداً على هذه الطريقة نعوذ بالله، وهم يقولون أكثر من هذا.
стр. 278
حكم صلاة التسبيح
السؤال
حكم صلاة التسبيح؟
الجواب
صلاة التسبيح صححها بشواهدها الشيخ الألباني وجماعة من العلماء، ولذلك نقول: إن صلاة التسبيح مشروعة ولكن غيرها أفضل منها، فالصلاة التي فيها إطالة قراءة القرآن أفضل من صلاة التسبيح، والرسول ﵊ علمها عمه العباس، والعباس تأخر إسلامه فلم يأخذ كثيراً من القرآن، فالحافظ للقرآن يصلي الصلاة بالقرآن أفضل.
стр. 279
حكم الجلوس مع من يسمعون الأغاني ويمتنعون من الصلوات
السؤال
أخ مغترب يسكن مع زملائه وهم لا يصلون، ودائماً يسمعون الأغاني بصوت عالٍ، ودائماً ينصحهم بالتوبة والصلاة وعدم سماع الأغاني، فهل على هذا من شيءٍ إن سكت عنهم؟
الجواب
جزاك الله خيراً على نصيحتهم، لكن لو لم يستجيبوا لك فابحث عن غيرهم، فمن الصعب جداً أن يجلس الشخص في السكن مع هذه النوعية من الناس، فسماع قليل من الموسيقا على طوال الأيام يؤدي إلى قسوة القلب.
стр. 280
حكم تفضيل أحد الأبوين
السؤال
هل يجوز تفضيل أحد الأبوين على الآخر؟
الجواب
لابد من تفضيل الأم؛ لقول رسول الله ﷺ : (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك).
стр. 281
حكم الأجرة على تحفيظ القرآن
السؤال
هل يجوز أخذ أجر على تحفيظ القرآن الكريم؟
الجواب
الراجح جوازه، والأفضل والأحوط عدم أخذ أجرة، لكن من جهة الجواز فالراجح جواز ذلك والله أعلى وأعلم، والإمام أحمد يقول: بغير اشتراط.
стр. 282
حكم البعد عن الرفقة الصالحة خوفاً من الأذى
السؤال
هل يجوز البعد عن الإخوة الصالحين الملتحين خوفاً من السجن مثلاً؟
الجواب
هذه أوهام كبيرة جداً وحواجز وهمية، فالناس يظنون أن أي واحد يلتحي يدخل السجن، والأمر ليس كذلك، وعندما يكون هناك فعلاً أن كل واحد يلتحي يدخل السجن، نقول عندها: أنتم مجبورون على حلق اللحية، لكن هذا ليس حاصلاً، ولا أن كل واحد يلتزم يدخل السجن، والكلام هذا ليس حقيقياً، وهذا الكلام إنما هو من الشيطان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فأنا متأكد أن هذه أوهام الشياطين، فالبعد عن الإخوة مهلكة، ولذلك فالشيطان يأتي بخطوات فيقول له: ابعد عنهم فقط وهكذا، والذئب إذا أراد أخذ شاة فما دامت محمية في القطيع فليس قادراً على أن يهجم على القطيع كله، لكن ينظر الشاة البعيدة عن القطيع فيأكلها، (وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والشيطان ذئب الإنسان).
стр. 283
شروط قبول التوبة
السؤال
ما هي شروط قبول التوبة؟
الجواب
أركانها: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود، وإذا كان في حق آدمي: أن يرد الحقوق إلى أصحابها.
стр. 284
نصيحة لمن يتحدث مع الأجنبيات
السؤال
نصيحة لشاب له علاقات مع الفتيات يكلمهن ويتحدث معهن لفترة طويلة، فماذا تقول له؟
الجواب
أقول له: إن الرسول ﷺ في أشرف مواقف الحج وهو (بعد أن رمى الجمرة ووقف بعرفة هو وأصحابه ومعه الفضل بن عباس وقفوا بعرفة، ونزل من مزدلفة، وذكر الله عند المشعر الحرام ورمى الجمرة، فجاءت المرأة الخثعمية وهي في ثياب متسترة، وتسأل عن فتوى شرعية، وجعل الفضل ينظر إليها فلوى النبي ﵌ عنقه، فقال له عمه: لويت عنق ابن أخيك، فقال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهما الفتنة)، وأنت أتأمن على نفسك الفتنة؟ وأنت بعيد عن هذه العبادات وصلاتنا تكاد تكون مجرد أداء روتيني، والإنسان لو أدرك عشرها وتدبرها لكان ذلك خيراً، فما بالك إذا كان ربما لا يحافظ عليها في الجماعة.
فنصيحتي الأكيدة أنه لا يشعر بالسهام القاتلة التي تصيب قلبه من خلال هذه النظرات، فليتب إلى الله حتى يفيق قلبه من هذا السكر الذي هو فيه، فسكر الشهوة يعمي ويصم -والعياذ بالله- أشد من سكر الخمر، كما أن امرأة العزيز لم تشعر بما تصنع بيوسف حتى تمزق قميصه لأجل الشهوة المحرمة، فأنت لا تدري ما يصيب قلبك، وأنت مقتول بهذه النظرات، فتب إلى الله واقطع علاقتك بهن، ونسأل الله لنا ولك العافية.
стр. 285
حكم قتل النفس
السؤال
هل القاتل نفسه مخلد في النار؟
الجواب
لا يخلد في النار إلا إذا مات على الكفر، والنبي ﷺ قال فيمن قتل نفساً بقطع براجمة: (اللهم! وليديه فاغفر).
следующие страницы →