Полный текст (991 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
حكم الأجرة على تحفيظ القرآن
السؤال
هل يجوز أخذ أجر على تحفيظ القرآن الكريم؟
الجواب
الراجح جوازه، والأفضل والأحوط عدم أخذ أجرة، لكن من جهة الجواز فالراجح جواز ذلك والله أعلى وأعلم، والإمام أحمد يقول: بغير اشتراط.
стр. 282
حكم البعد عن الرفقة الصالحة خوفاً من الأذى
السؤال
هل يجوز البعد عن الإخوة الصالحين الملتحين خوفاً من السجن مثلاً؟
الجواب
هذه أوهام كبيرة جداً وحواجز وهمية، فالناس يظنون أن أي واحد يلتحي يدخل السجن، والأمر ليس كذلك، وعندما يكون هناك فعلاً أن كل واحد يلتحي يدخل السجن، نقول عندها: أنتم مجبورون على حلق اللحية، لكن هذا ليس حاصلاً، ولا أن كل واحد يلتزم يدخل السجن، والكلام هذا ليس حقيقياً، وهذا الكلام إنما هو من الشيطان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فأنا متأكد أن هذه أوهام الشياطين، فالبعد عن الإخوة مهلكة، ولذلك فالشيطان يأتي بخطوات فيقول له: ابعد عنهم فقط وهكذا، والذئب إذا أراد أخذ شاة فما دامت محمية في القطيع فليس قادراً على أن يهجم على القطيع كله، لكن ينظر الشاة البعيدة عن القطيع فيأكلها، (وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والشيطان ذئب الإنسان).
стр. 283
شروط قبول التوبة
السؤال
ما هي شروط قبول التوبة؟
الجواب
أركانها: الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود، وإذا كان في حق آدمي: أن يرد الحقوق إلى أصحابها.
стр. 284
نصيحة لمن يتحدث مع الأجنبيات
السؤال
نصيحة لشاب له علاقات مع الفتيات يكلمهن ويتحدث معهن لفترة طويلة، فماذا تقول له؟
الجواب
أقول له: إن الرسول ﷺ في أشرف مواقف الحج وهو (بعد أن رمى الجمرة ووقف بعرفة هو وأصحابه ومعه الفضل بن عباس وقفوا بعرفة، ونزل من مزدلفة، وذكر الله عند المشعر الحرام ورمى الجمرة، فجاءت المرأة الخثعمية وهي في ثياب متسترة، وتسأل عن فتوى شرعية، وجعل الفضل ينظر إليها فلوى النبي ﵌ عنقه، فقال له عمه: لويت عنق ابن أخيك، فقال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهما الفتنة)، وأنت أتأمن على نفسك الفتنة؟ وأنت بعيد عن هذه العبادات وصلاتنا تكاد تكون مجرد أداء روتيني، والإنسان لو أدرك عشرها وتدبرها لكان ذلك خيراً، فما بالك إذا كان ربما لا يحافظ عليها في الجماعة.
فنصيحتي الأكيدة أنه لا يشعر بالسهام القاتلة التي تصيب قلبه من خلال هذه النظرات، فليتب إلى الله حتى يفيق قلبه من هذا السكر الذي هو فيه، فسكر الشهوة يعمي ويصم -والعياذ بالله- أشد من سكر الخمر، كما أن امرأة العزيز لم تشعر بما تصنع بيوسف حتى تمزق قميصه لأجل الشهوة المحرمة، فأنت لا تدري ما يصيب قلبك، وأنت مقتول بهذه النظرات، فتب إلى الله واقطع علاقتك بهن، ونسأل الله لنا ولك العافية.
стр. 285
حكم قتل النفس
السؤال
هل القاتل نفسه مخلد في النار؟
الجواب
لا يخلد في النار إلا إذا مات على الكفر، والنبي ﷺ قال فيمن قتل نفساً بقطع براجمة: (اللهم! وليديه فاغفر).
стр. 286
ما ينبغي أن يكون عليه الدعاء
السؤال
عندما يسأل الإنسان الله تحقيق أمر معين فهل من المشروع زيادة الأعمال الصالحة في هذا الوقت فضلاً عن زيادة النوافل؟
الجواب
نعم، وليكن سؤاله لتحقيق هذا الأمر المعين أمراً أخروياً، وسبيل المداومة على هذه الطاعات أن تجعل الآخرة أكبر الهم، ومبلغ العلم، وليس ذلك للدنيا.
стр. 287
حقيقة الصراع بين الحق والباطل
خلق الله الخلق ولم يتركهم سدى، بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة، فكان الصراع بين الرسل وكفرة أقوامهم، وكانت الشبه الباطلة تتوارد تجاه الرسل، فأمر الله رسله بالصبر والاستعانة والتوكل عليه لمواجهة الظالمين من أقوامهم، وأعلمهم أن مآل هؤلاء الظالمين إلى جهنم وبئس المهاد.
стр. 288
آثار تحقيق معاني العبودية في القلوب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١ - ١٤٢].
فإن الله جعل الأيام دولاً بين الناس، بين الذلة والتمكين، بين القوة والضعف، بين الفقر والغنى، كما جعل ذلك في الكائنات، بين الليل والنهار، بين الحياة والموت، وهو بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فاعبده وتوكل عليه، قال تعالى: ((وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)).
وقال : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣].
فعندما تشتد الظلمات بأهل الإيمان فإنهم دائماً يلجئون إلى الله ، وينادونه في وسطها: أن لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين؛ لأن كل مؤمن يعلم أن ما أصاب الناس من مصيبة فبما كسبت أيديهم ويعفو الله عن كثير، ويعلم أن الله هو الإله وحده المعبود بالحق لا شريك له، ولا يتوجه المؤمن إلى أحد سواه، وهو الإله الذي تفزع إليه الخلائق في حوائجها.
وإذا اشتدت الظلمات علم الإنسان حقيقة التوحيد، وأقر بها حتى يكون ذلك سبباً للفرج بإذن الله، فينادي: (لا إله إلا أنت) فينزه الله عن كل نقص، وينزه الله عن الظلم والعبث، وعدم الحكمة، وينزهه عن الضعف؛ لأن مواطن الشدة كثيراً ما يضل فيها الناس، ويظنون أن الله ما قدر ذلك بحكمته جل وعلا يظنون ظن الجاهلية، ويظنون بالله ظن السوء، ومنهم من يظن أن ذلك خارج عن قضائه وقدره، ومنهم من يظن بالله الظلم، وأنه لا يستحق أن يفعل الله به ذلك، وأنه ينبغي أن يكون غير ذلك، والله سبحانه منزه عن ذلك كله.
فينادي المؤمن من قلبه وبلسانه: (سبحانك) فهو ينزه الله عن الظلم، وعن أن يكون في هذا الوجود ما يخرج عن قضائه وقدره وقدرته وعلمه وحكمته؛ فلا يظن أنه لا يستحق أن يفعل الله به ذلك، وأنه ينبغي أن يكون غير ذلك، فالله سبحانه منزه عن ذلك كله؛ لأنه قدر المقادير بالحكمة.
فينادي المؤمن: (لا إله إلا أنت سبحانك)، فالمؤمن يعلم أن ما أصابه كان بسبب ظلمه لنفسه، وأنه لابد أن يعترف بالظلم لنفسه؛ وأن يبوء بذنبه ليغفره الله له، وأن يعترف كما اعترف الأبوان -من قبله- بظلمهما لأنفسهما، قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فعندما يعترف الإنسان بالظلم، وبنعمة الله عليه؛ يكون ذلك من أسباب الفرج، فيقول: ((سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)).
إذا حقق العبد هذه العقائد في قلبه كما ينطق بها لسانه، وتضرع إلى الله بصوت ضعيف منكسر لا يجبره إلا الله وحده لا شريك له، ويعلم أن الله سبحانه هو الجبار، ولا يجبر الكسير سواه، ويجبر القلوب على فطرتها وشقيها وسعيدها، فينكسر حينها للجبار سبحانه ولا يتجبر، ويعلم أن عاقبة كل جبار هي الخيبة قال تعالى: ((وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ))، والله إذا وجد من عبده المؤمن ذلك فإنه يسخر ملائكته تشفع له وتدعو له، وتقول: صوت ضعيف في بلاد غريبة، هذا وهو فيها غريب لا يزال يصعد إلى الله منه عمل صالح، ودعوة متقبلة، فتشفع له الملائكة عند الله سبحانه، وهو الذي يسخرها، فيستجيب الله دعوة عبده، ويفرج كربه، كما قال عن يونس ﵇ وهو في بطن الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٨٨].
فليست هذه خاصة بيونس عليه وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والتسليم، وليست خاصة بالأنبياء، بل هي لكل مؤمن تيقن بهذه الحقائق، وعلم هذا العلم، وأيقن هذا اليقين، فاستجاب الله له، ويستجيب لكل مؤمن مكروب في أي موضع دعاه، فدعوة ذي النون لا يقولها مكروب إلا فرج الله كربه.
فنقولها جميعاً: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، والله جعل في قصص أنبيائه ورسله النور والهدى، واليقين والصبر، والموعظة والعبرة، والتثبيت لقلوب المؤمنين قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠].
стр. 289
السنن الإلهية في قصص المرسلين
стр. 290
الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية
هناك سنة عامة سنة ماضية في كل زمان ومكان لا تجد لها تحويلاً، سنة الله التي تمضي في خلقه، من يقرأ التاريخ والقصص ويعتبر، يجدها سنة ماضية لا تتخلف أبداً قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٤١].
جعل الله في كتابه النور والهدى، وجعل في قصص أنبيائه ما يرشد المؤمنين إلى طريق الحق، وما يجب عليهم فعله في كل وقت وفي كل مرحلة من مراحل حياتهم ودعوتهم، فطالما ساروا على طريق الأنبياء فلا بد وأن تسير دعوتهم بنفس المراحل، ولابد أن تواجه نفس المواجهات؛ فإن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الإنسان على ظهر الأرض، بل منذ كفر إبليس حقداً وحسداً لآدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وحين أبى واستكبر وكان من الكافرين، وبدأ يكيد للأبوين ولجنس الإنسان كراهية وبغضاً وحقداً وضغينة، وورثها لمن تبعه من ذرية آدم، فضلاً عن ذريته التي تكون على طريقته وشاكلته -والعياذ بالله- نستلهم ذلك من القرآن العظيم، ومن نوره الذي جعله الله يهدي به من يشاء، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
لكي نبصر أين نضع أقدامنا، وماذا نصنع فيما يواجهنا، فإنا إذا حكمنا غير كتاب الله في هذا الموضع، سواء حكمنا العقول بغير نور، أو حكمنا العواطف بغير ضوابط، أو حكمنا آراء الرجال ومقاييسهم؛ فإننا سوف نضيع حتماً، إذ ليس لنا في الأرض من ولي ولا نصير إلا الله .
فوالله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا إن الله جعل في قصص أنبيائه ورسله ما يرشد عباده المؤمنين إلى ما يلزمهم العمل به عندما تشتد عليهم الأمور، وقد ذكر الله في ذلك قصصاً مجملة ذكرها في سورة إبراهيم ﷺ لا تتغير فيها طبيعة المواجهة بين الحق والباطل، سنة واحدة وطريقة ماضية، فنتلمس من آيات الله ، ما يلزمنا أن نعمله عندما تشتد الأمور.
قال الله : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:٨ - ١٨].
стр. 291
استمرار سنة الصراع بين الرسل وأقوامهم
يخبر الله عن غناه وحمده الذي ذكر موسى به قومه والناس جميعاً، فقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ * أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [إبراهيم:٨ - ٩].
وهذا إما خطاب من موسى ﵊ لقومه، أو كلام مستأنف وهو خطاب من الله لمن كان معاصراً للنبي ﷺ ولمن بعده: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ))، كم من الأجيال والقرون مضت؟! وكم من العقوبات نزلت؟! وكم من الناس تصارعوا؟! وكل ذلك أين هو الآن؟! كما رحلوا هم سنرحل نحن أيضاً وسيرحل أعداؤنا، وسنقف جميعاً بين يدي الله ، نحن وإياكم سنموت؛ فما أفلح عند القيامة من ندم.
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ))، أي: النسابون يعلمون من بعد هؤلاء على وجه اليقين؛ ولذلك نفوض علمهم إلى الله ، ولكن الفائدة ليست في الأشخاص والأمكنة والأزمنة، ولا عدد القرون، ولكن الفائدة هي في طبيعة هذا الصراع الذي دار وحصل ويحدث مثله في كل عصر وفي كل حين.
стр. 292
وضوح بينات الرسل وعمى المبصرين لها
قال تعالى: ((جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)).
فالرسل جاءوا بالحجج الواضحات البينة التي هي أوضح من الشمس، وكل من دعا بدعوتهم فهو كذلك يأتي بالبينات، ولكن ليست المشكلة في مدى وضوح البينة، ولكن في الأعين التي تبصر، وفي القلوب التي تعي، فكم من أناس لهم ﴿قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، وكم من أناس لا يرون البينات؟ مع أن الطريق واضح، والحجة بينة قائمة، ومع ذلك لا تقبل، ويكون الفرق بين العدل والظلم كما بين الليل والنهار، ومع ذلك يفضل أكثر الناس الظلم والظلام، والعياذ بالله من ذلك! قال تعالى: ((جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ))، إما أشاروا لهم بالسكوت ووضعوا أيديهم على أيدي الرسل أنفسهم حتى يسكت الرسل؛ لتتوقف الدعوة إلى الله ، وذلك يكون -غالباً- على سبيل التهديد والوعيد.
أو وضعوا أيديهم على أيدي الرسل في محاولة مباشرة لإسكات صوتهم، وإسكات دعوتهم، فهم يظنون أن دعوة الرسل يمكن إسكاتها بذلك، ولا بد أن تواجه الدعوة إلى الله محاولة الإسكات إما بالتهديد والوعيد، وإما بالإسكات المباشر بتكميم الأفواه بالفعل حتى لا يخرج للداعي إلى الله صوتاً، ومع ذلك فسوف تبقى الدعوة، وسوف تستمر كما قص الله علينا، ولم تتوقف دعوة الرسل أبداً بمثل هذه المحاولات، وبقدر ما يكون الإنسان متمسكاً بدعوة الرسل على وضوح منهجها على معالمها الأساسية وتفاصيلها يلتمسها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، بقدر ما يتمسك بذلك كله بقدر ما لا يمكن أن تموت دعوته.
стр. 293
رد الرسل على المشككين في دعوتهم
إن هذه الدعوة ستبقى عبر الأجيال والعصور، وعبر الأزمنة والأمكنة بفضله ؛ لأنها دعوة الرسل، وهي التي لا تموت، وإنما يموت أعداؤها؛ فالله ذكر لنا أنهم أعلنوا كفرهم بقولهم: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٩]، فالذي هو في شك، ما الذي يقتضيه عقله السليم أن يفعله؟ يقتضي أن يبحث لا، أن يعلن الرد والكفر مبدئياً، وإنما يقول: أرونا الأدلة، فقبل أن يقدم الكفر لابد أن يقدم البحث والنظر؛ لأنه في شك، وهو مرتاب؛ فليبحث ولينظر: إما أن يسعى في إسكات صوت الحق، وإما أن يعلن أنه قد كفر بالحق لمجرد أنه في شك، فالعجب من هؤلاء! فالكفر أنواع متعددة، والشك واحد، ولكنهم قدموا ذكر الكفر على ذكر شكهم.
وكان يقتضي العقول السليمة أن تقول: اعرضوا علينا هذا الحق لننظر فيه فإننا نبحث عن الحق، اعرضوا علينا ما جئتم به لننظر فيه أهو من الحق أم من الباطل؟ هذا إذا كانوا في شك حقاً، لكن سوف يظهر لنا حالاً لماذا كفروا ولماذا شكوا؟ الحقيقة: أنها أمراض في النفوس وسوف تظهر جلياً بعد حين.
فهم حاولوا الطعن في الدعوة أولاً، فقالوا: إن الدعوة مشكوك فيها، ثم قالوا: إن الدعوة ليست بينة ولا واضحة، مع أن الرسل جاءت بالبينات؛ ولكنهم لا يرون هذه البينات، فعند ذلك حاولوا الطعن فيها.
وواجهت الرسل هذه المحاولة في التشكيك برصيد هائل في الفطرة، من وحدانية الله، وأنه لا إله إلا هو، وهو رصيد موجود في داخل نفس كل إنسان؛ لأن كل واحد مؤمن أو كافر قد أخذ عليه العهد ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].
إذاً: كل واحدٍ قد أشهده الله على نفسه، وشهد أنه لا يستحق الألوهية إلا الله، وأخذ عليه العهد وهو في ظهر أبيه آدم، كما في حديث أنس عن النبي ﵌ قال: (يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقول الله : لقد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي؛ فأبيت إلا أن تشرك بي).
فهذا العهد والميثاق ظهر أثره في فطرة كل إنسان: إما ميله إلى تحقيق التوحيد، أو الشقاء في البعد عنه، فالإنسان يشعر بالراحة والسكون إذا ذكر الله، ويشعر بالتعاسة والتعب والنكد إذا توجه لغيره، ولكن أكثر الناس يسكتون هذه الفطرة التي أخبر النبي ﷺ بوجودها بقوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي رواية: (يولد على هذه الملة)، وهذا أثر من آثار الميثاق الأول، وهي الفطرة الإنسانية في توحيد الله ، لذا واجهت الرسل هذه المحاولة في التشكيك في الدعوة ذاتها بهذه الحقيقة اليقينية.
стр. 294
دعوة الرسل للتوحيد
قال تعالى: ((قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ))، أي: أفي وحدانية الله شك؟ وفي تفسيرها قولان: القول الأول: أفي وجود الله شك، وهذا وجه ليس بظاهر، إذ عامة الأمم كانت تقر بوجود الله، وإنما تنازع في ألوهية الله وحده لا شريك له، وتنازع في أنه وحده الإله المعبود، فيجعلون آلهة معه، ومنكرو الألوهية قليل.
القول الثاني: أفي وحدانيته في الربوبية والألوهية شك؟! وهذا أظهر من القول الأول وهو متضمن له؛ لأننا إذا أقررنا بوحدانية الله ، ورضينا به رباً وإلهاً هذا إثبات وجوده بالأولى والقطع واليقين.
وهذه الحقيقة هي أكبر اليقينيات؛ إذ لا يمكن أن يرتاب فيها عاقل؛ لأن كل عاقل يوقن أن كل فعل لابد له من فاعل، وإذا رأى آثار الإحكام والإتقان على الصنعة، فلابد أن يكون الصانع عليماً حكيماً قادراً، له كل صفات الكمال، وبالتالي فهو وحده الذي يستحق أن يعبد.
فهذه كبرى اليقينيات التي استقرت في نفوس البشر، والتي يحتاجونها أكثر من الماء والهواء، ويردونها كالماء والهواء، كما قال موسى ﷺ لـ فرعون: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤].
فهذه أعظم اليقينيات، فمن كان موقناً بشيء فليوقن بوحدانية الله، وأنه رب السماوات والأرض وما بينهما، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد، وهذه هي قضية التوحيد.
стр. 295
الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية
قال تعالى: ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، هذا هو دليل توحيد الألوهية، والاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فهو وحده الذي فطر السموات والأرض، وخلقهما على غير مثال سابق، ((فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)).
فلا يمكن أن يقبل عقل إنسان أن هذه السماوات والأرض خلقت من غير شيء، ولا يقبل عقله بعد ذلك أن تصرف العبادة لغير خالقهما، ولغير خالق العباد.
إذا قررت وقبلت بأنها لابد لهما من خالق، وقررت أن له صفات الكمال، فلا بد وأن تعتقد أنه لا يعبد سواه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الألوهية، وهو توحيد الرب بأفعاله، وهذه الأفعال آثارها ظاهرة جلية في الكون من المخلوقات والصنعة المتقنة المحكمة، وكل ما في السماوات والأرض من آيات هو أعظم دليل على أنه وحده الذي يستحق أن يركع له ويسجد ويرجى ويخاف ويحب، ويتوكل عليه، ويخضع له ويذل، ويرجى فضله، وترهب عقوبته، ويتحاكم إلى شرعه.
فهذا توحيد الربوبية وهو الدليل الأول على توحيد الألوهية.
قال تعالى: ((قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)).
هذا هو الدليل الثاني على توحيد الألوهية وهو: الرحمة والمغفرة والمحبة.
وهذا الدليل قد جربه الرسل، جربوه إذ ساروا إلى الله، وقبلوا دعوته؛ فغفر لهم ذنوبهم، وهي تلك الذنوب التي كانت كالظلمات على القلوب، فلا تجعلها ترى حقائق هذا الوجود، ولا تجعلها تدرك صغر الدنيا، وحقارة الأرض وما فيها، وأنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه.
كأن هذه الذنوب تحول بين القلوب وبين خالقها وبارئها، وبين من قصرت في محبته والشوق إليه، فلما زال أثرها بالمغفرة من الله ، ذاقوا أعظم ما في الدنيا من لذة، ووجدت القلوب أعظم ما يمكن أن يوجد في هذه الدنيا وهو الشوق إلى الله ومحبته، والرضا به رباً وإلهاً، كما قال ﵊: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً).
وطريق المحبة طريق جربه الرسل؛ لأن الذنوب حواجز القلوب، فهي ران يرين عليها فلا ترى الحقائق، ولا تشعر بها، فلما غفرت الذنوب، واستجابت القلوب لدعوة الله، وجدت القلوب شيئاً جديداً لم تكن ذاقته من قبل، وعرفت الطريق إلى الله، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]، عندما قال: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ))، وجاء باسمه (الرب) مضافاً إلى ضمير المخاطبين: (ربكم) وعندما ذكر وده ورحمته نسبه إلى ضمير المتكلم (إن ربي رحيم ودود).
وهكذا قال صالح ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١]، فقد جرب الطريق، وعرف حب الله ، ولذلك دعت الرسل أقوامها إلى أن يستجيبوا لدعوة الله.
قال تعالى: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ))، وهذا يرقق القلب فالله يريد بكم الخير، وأن تغفر لكم الذنوب؛ فاستجيبوا لدعوته، إن الله لا يريد لكم الشقاء، الناس تظن أنها سوف تحرم من لذة الدنيا إذا التزمت، وفي الحقيقة سوف تتضاعف هذه اللذات، فهم ما جربوا الطريق؛ لذلك يرفضونه ويبتعدون عنه، ولو جربوه لذاقوا حلاوته، وعندما تخالط بشاشة الإيمان القلوب لا ترضى عنه بديلاً.
قال تعالى: ((يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى))، لو آمنتم به فسوف يمتعكم متاعاً حسناً، والله علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]؛ لأن الذي لا يستأخر ولا يتقدم هو الأجل الذي في علم الله، أي: في اللوح المحفوظ، وأما ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهذا أجل مسمى آخر عند الله ، فعلم الله أنهم لو آمنوا لمتعهم، كما قال عن قوم يونس: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، فلو أنهم آمنوا لكان لهم مصير آخر ومتاع إلى حين، وإلى أجل مسمى عنده .
стр. 296
أسباب رفض الكافرين الدعوة إلى الله وأساليب طعنهم في الرسالات
لماذا يرفضون الدعوة إلى الله؟ يرفضون الدعوة إلى الله للحسد الذي في قلوبهم، قال تعالى: ((قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)).
стр. 297
حسد الطغاة للرسل على ما آتاهم الله من الوحي
هذا هو الحسد ذلك الداء العضال: ((إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا))، فهم لم يصرحوا بقولهم: لماذا أنتم الذين اصطفيتم واخترتم بالوحي من دوننا؟ فكأن لسان حالهم يقول: كان ينبغي أن يكون الوحي لنا وليس لكم؛ إذ ليس لكم علينا فضل، وكل هذه الكلمات تدور حول ذلك الحقد والحسد؛ لأنهم في حقيقة الأمر يرون أنفسهم أولى بالوحي، وأولى بأن يكونوا هم الرسل، ألم تسمع لقول المشركين: ﴿قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]؟! ألا ترى قول فرعون وهو يقارن بينه وبين موسى، ليدلك على حسده لموسى، قال عنه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٤].
ففرعون في الحقيقة يحسد موسى، وأما هذه المقارنة التي يعقدها فرعون ويدعي فيها بأن موسى ليس معه مال كثير، وفي لسانه لثغة لا يستطيع أن يقول فيبين، بل قال: لا يكاد يبين، إذن قد بين ما في موسى فما المشكلة؟ فهو ليس عنده ملك مصر، والأنهار لا تجري من تحته، وكل ذلك لأنه يشعر بأن الناس لم يعطوه حقه، ويشعر أن الناس لا تبصر جيداً، مع أنه ليلاً ونهاراً يرسل في البلاد من ينادي ويقول: ((يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ))، ثم يقول: ((أَفَلا تُبْصِرُونَ))، أي: أنتم لا تبصرون أم ماذا؟ فهو يراهم لا يرون ما ينبغي له من التعظيم؛ لأنه يرى القلوب المؤمنة قد التفت حول موسى وهو لا يقبل ذلك، فوجد طائفة من قومه تقبل بهذا الاستخفاف، وتطيعه على ذلك؛ فأهلكهم الله .
((قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا))، في هذا ما يدلنا على حقيقة المرض، وأنهم يحسدون الرسل على ما آتاهم الله من فضله، ويريدون أن يكونوا هم أهل الوحي والرسالة، كما يقولها الكفرة لكل الرسل وللمؤمنين من أتباعهم دائماً: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣]؟ وهذه شبهة يحاولون بها الطعن في الرسل بعد أن فشلوا في الطعن في دعوتهم، عندما قالوا: ((إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ))، وبينت الرسل أن توحيد الله أعظم اليقينيات، عندها حاولوا الطعن في الدعاة إلى الله فقالوا: إن أنتم إلا بشر مثلنا؛ فكيف تتفضلون علينا؟!
стр. 298
اتهام الطغاة للرسل بتغيير دين الآباء والأجداد
من الشبه التي طرحوها أنهم خالفوا العادات والتقاليد، وأنهم يريدون أن يغيروا دين الآباء، قال تعالى: ((تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)).
وتغيير العادات والتقاليد هو أعظم جريمة عند الناس، وكونهم يخرجون على ما كان عليه الآباء والأجداد، وعلى تقاليد المجتمع الذي نشأوا فيه، فكانت هذه الشبهة الباطلة هي أعظم ما يكفر به أكثر الناس، كما أنها هي الشبهة التي بسببها كفر أبو طالب وظل على كفره مراعاة لها، ورسول الله ﷺ يدعوه ويقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)، وأبو جهل وعبد الله بن أمية على رأسه، يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، مع أنه يعلم صدق رسول الله ﷺ ، ويعلم أن دينه خير دين، ويقول له: لولا أن يقول الناس: حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عيناك.
فالنظم الموروثة، والتقاليد التي نشأوا عليها، وعدم مخالفة دين الآباء، كل ذلك قاله فرعون للصد عن دعوة موسى، قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].
وهكذا دائماً كل طاغية لا يقبل أن يكون هناك تغيير ولا تعديل للباطل الذي نشأ عليه، مع أنه ليس عنده دليل عليه، ولا حجة لديه، وإنما هو التقليد الأعمى، والعياذ بالله.
стр. 299
طلب المعجزات
قال تعالى: ((فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ))، والشبهة الثالثة التي يتمسكون بها هي: أنكم أيه الرسل لم تأتونا بمعجزة، فهم يريدون المعجزات المقترحة، يقترحون مثلاً: أن يجعل الصفا ذهباً، أو ناقة تخرج من بطن الجبل يقترحون أنواعاً من المعجزات مفصلة على قدر عقولهم السخيفة، مع أن البينات قد أتت، والرسل قد وضحت، ولكنهم لم يقبلوا البينات، ولو أتى الرسل بآلاف المعجزات فإنهم لن يؤمنوا بذلك، فقد أتت الناقة لقوم صالح فهل آمنوا؟ وقد رأى الناس معجزات موسى وعيسى فهل آمنوا؟ فرعون رأى بعينه السحرة يسجدون؛ لأن عصا موسى التي تحولت ثعبان قد أكلت كل ثعابينهم، فهل آمن؟ ورأى الآيات تلو الآيات، فرأى الجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، رأى البحر ينفلق أمام عينيه بضربة من عصا موسى، فهل آمن؟ الحقيقة أنهم لا يؤمنون مع وجود السلطان المبين الذي يزعمون أنه إن حصل قبلوا به وآمنوا؛ ولأنهم نوعية خبيثة من مرضى القلوب فلا يؤمنون.
стр. 300
علاج الرسل لمرض الطغاة الحاسدين
قال تعالى: ((قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ))، نعم هذه حقيقة نقررها ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)).
فهذا محاولة علاج لداء الحسد، وهو: أن ينظر الإنسان إلى مَنَّ الله وفضله، فهو الذي قسم ، وهو الذي أعطى ، فإذا من الله على عبد؛ فلماذا تعترض أنت على من الله؟ قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ))، كما قال : ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢].
ف
الجواب
أنها رحمة من الله، فهو الذي اختص برحمته من شاء ، فلماذا يكون الحسد لمن شاءه من عباده؟ قال عن الرسل: ((وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ))، أي: ما كان لنا أن نأتي بآية ومعجزة إلا بأن يأذن الله بذلك.
стр. 301
أهمية سلاح التوكل على الله في الدعوة إلى الله
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)).
أعظم سلاح يستعمله أهل الإيمان: أنهم يتوكلون على الله ، وهذا هو الواجب الذي لا ينفك عنه المؤمن، ويتأكد ذلك عندما تشتد الأمور وتزداد المحن، فيعظم حينها التوكل عليه والاستعانة به سبحانه، كما قال عن قول فرعون مهدداً: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٧ - ١٢٨].
وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فالاستعانة بالله من أعظم ما يواجه به أهل الإيمان هذه المحن وهذه الكربات.
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)).
وقدم الجار والمجرور في: ((وَعَلَى اللَّهِ))، للاختصاص والاهتمام، أي: على الله وحده، كما قدم المفعول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، للاختصاص والاهتمام، أي: نعبد الله وحده، ونستعين به وحده؛ لأننا نهتم بهذا الأمر أعظم اهتمام، وكما قال مؤمن آل فرعون عندما دعا قومه صراحة إلى الله، قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٤ - ٤٦].
والتوكل على الله درجات: منه التوكل على الله بأمر الرزق، وهذا توكل الطيور، والبهائم، وسائر الكائنات، ولو توكل بنو آدم على الله حق توكله؛ لرزقهم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
وهذا التوكل ربما تشارك وتساوى فيه الكفرة، والعصاة، والفسقة إلا أن توكل المؤمنين أعظم؛ فهم يتوكلون على الله في طاعته وتوفيقه لهم، أي: أنه يعينهم على مرضاته، ويبعدهم عن معصيته، موقنين بأنهم لا يهتدون إلا أن يهديهم الله، ويتوكلون عليه في أن يصلوا بسلام إلى دار السلام، ويتوكلون على الله في أن يوفر لهم دخول الجنة.
أما توكل الرسل عليهم الصلاة والسلام على الله فهو في نصرة الدين، وهداية الأمم، واستخراج الناس من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان، وهذا هو أعلى درجات التوكل، بأن تتوكل على الله لأجل نشر عبادته في الأرض كلها، وليس فقط أن تتوكل على الله في خاصة نفسك لكي تعبده أنت في نفسك، بل تتوكل على الله لكي يُعبد في الأرض؛ لأن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فلنتوكل عليه في ذلك ؛ لتبقى دعوة الحق قائمة.
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا)).
وكيف لا نتوكل عليه وقد جربنا طريق الهداية، وهدانا الله عز جل إلى توحيده ومعرفته ومحبته؟ فكيف بعد ذلك لا نتوكل عليه وقد علمنا فائدة التوكل وثمرته؟ وفي الحقيقة أن التوكل أكمل ما يكون، وأتم ما يكون عندما تنعدم الأسباب، وتأمل توكل موسى ﷺ الذي هداه الله سبله، ووفقه الله إلى ما أراد، عندما تراءا الجمعان وقال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فهذا توكل عظيم، إذ لا أسباب بالمرة، فالعدو قد حضر، وأكد أصحاب موسى أنهم مدركون، قال: ((كَلَّا))، يقيناً بالله، وتوكلاً عليه سبحانه، وثقة به قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٢ - ٦٣].
وأعلى منه توكل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يلقى في النار، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها النبي ﷺ وأصحابه حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وفي الأثر الإسرائيلي عند البخاري عن ابن عباس: (أن جبريل لقي إبراهيم في الهواء وهو في الطريق إلى النار فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم) فهو هنا توكل على الله بلا أسباب، وهو في لحظات سقوطه في النار، ولذا كان الجزاء من عنده وليس بسبب مخلوق من المخلوقات، أو بريح هبت فأطفأت النار، أو ملك أخذ إبراهيم فأنقذه، أو ماء نزل من السماء جعل النار الساخنة مطفأة باردة، لا، بل بأمر منه : ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٩٦].
فالله بكلامه أنقذ إبراهيم.
وأعظم منه توكل النبي ﵊ عندما قال له صاحبه وهو في الغار: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا، فيقول له (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا).
فهذا توكل عظيم، وهو التوكل على الله عند انعدام الأسباب من الناس ومن النفوس، فنفوسنا عاجزة ضعيفة لا أسباب فيها، ولعلك تيأس من نفسك أنت؛ كما قال الله : ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]، وهذا اليأس من النفس هو عجز.
فهذا النبي ﷺ كان يطمع في أن يؤمن عمه أبو طالب، وبذل الجهد في ذلك، وما آمن أبو طالب فقال تعالى له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، يأس من النفس، وإذا كنت لا تملك أن تهدي أحداً فبالأولى لا تملك ذلك لنفسك، ولا تملك لأحد نفعاً ولا ضراً، ولا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً؛ فكيف تملكه لغيرك؟! وقال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
فالمؤمن قد ييأس من النفس، ومن الناس، ومن الأسباب، ولكنه لا ييأس من رحمة الله أبداً، فيبقى التعلق برحمة الله ، فإذا حصل هذا التوكل العظيم جاء الفرج بإذن الله ﵎.
стр. 302
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين
قالوا: ((وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا))، إن التوكل والصبر واجب في كل وقت وحين، وهذه عبادات لا ينفك عنها المؤمن.
وبهذا تنال الإمامة في الدين لا بمجرد العواطف غير المنضبطة، ولا بحسابات عقول قاصرة ضعيفة تدرك الأسباب المادية دون المن الإلهي الذي يمن به على من يشاء، ويفتح به أبواب الخير لمن يشاء .
قال : ((وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا)).
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فلا بد من اليقين الذي هو ثمرة التوكل على الله ، وثمرة الإيمان الصادق بأن وعد الله لا يخلف، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
((وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا))، فالأذى وارد، ولابد أن يجده من يسير في طريق الدعوة إلى الله ، ولابد من الصبر، ولا يجوز أن ينفك المؤمن عن الصبر والثبات في حال من الأحوال.
قال تعالى: ((وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ))، تأكيد جديد على أهمية الجمع بين الصبر والتوكل على الله، وسوف يجعل الله من ذلك أوسع الفرج بفضله .
стр. 303
مرحلة التهديد للرسل من أقوامهم
انتقلت المواجهة إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة التهديد، فقالوا لرسلهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣]، أي: لا بد أن تقولوا مثلما نقول، ولا تخرجوا عنه قيد أنملة، لابد أن ترددوا ما نردد، ولا تقولوا غير ذلك، ولو كان ما لديكم هو من عند الله، ولو أتيتم عليه بآلاف الأدلة، ولا تتكلموا بغير ما نتكلم، ولا تدينوا بغير ما ندين؛ فالأرض أرضنا وسوف نخرجكم منها، وما علموا أن الأرض لله ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
فهؤلاء لا يدركون هذه الحقيقة، مع أنهم لو فكروا فيما كان عليه أجدادهم، وفيما سيكون عليه أبناؤهم من بعدهم؛ لعلموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فالأمر أمره، والأرض أرضه، والعباد عباده، والله سبحانه هو القاهر فوق عباده، وليس العباد بعضهم بقاهر فوق بعض، قال : ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا))، فهنا تلمس في كلامهم الغرور والإعجاب بالنفس، والكبر والتسلط والبغي ((أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)).
стр. 304
عاقبة الظالمين المكذبين للرسل
قال : ((فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ))، قسم من الله مؤكد بلام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة، وهي تدل على وجوب تحقق ما أقسم الله عليه، وأنه سوف يهلك الظالمين ولا بد.
قال تعالى: ((وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ))، هذا وعد من الله بأنه سيورث الأرض لعباده المؤمنين كما قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧]، وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
ولكن لمن يكون ذلك؟ وماذا يراد منا؟ قال: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي))، لابد أن نخاف الله وحده، وخوف مقام الله فسر بمعنيين: الأول: خوف مقام الرب على عبده بالاطلاع عليه، ثم بالحساب له يوم القيامة، فالله قائم على كل نفس بما كسبت، ويحاسبهم على ذلك، فإذا خاف العبد مقام الله عليه بالاطلاع والمراقبة والمحاسبة اتقاه وعمل بطاعته.
الثاني أن يخاف العبد مقامه بين يدي ربه يوم القيامة.
والتفسيران متلازمان، فإن الاطلاع والمراقبة يقتضي المحاسبة، فالعبد موقوف بين يدي الله ، وهذا هو الذي ينبغي أن نخاف منه، ولا يجوز أن نخاف غيره قال تعالى: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ))، وكلا الخوفين واجب: خوف مقام الله ورهبته، وخوف وعيده وعقابه وعذابه، ولسنا كما يقول الزنادقة: اللهم إن كنت أعبدك خوفاً من النار فأدخلني فيها.
بل نخاف وعيد الله، ونعمل للقاء الله ، نسأل الله أن يرزقنا الخوف منه وحده لا شريك له.
стр. 305
دور الدعاء في النصر على الأعداء
قال تعالى: ((وَاسْتَفْتَحُوا))، أي: استفتحت الرسل وطلبت الفتح والفصل والحكم، ودعت الله أن يفصل بينهم وبين قومهم، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩].
والدعاء من أمضى الأسلحة إن لم يكن هو أمضاها وأقواها، وأعظم سبيل للنصر بإذن الله، قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم).
أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم.
وهكذا يكون النصر بالدعاء، ويكون فتح الأبواب المغلقة بالاستفتاح، نستفتح الله ، أي: ندعوه أن يفتح لنا، وأن يحكم بيننا، وأن يفصل في هذه الخصومة التي وقعت، وفي الخلاف بين منهج الحق ومناهج الباطل.
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥].
وإن كان الأمر قد يتأخر قليلاً لكن لابد وأن يقع، قال : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩].
إذاً: فالاستقامة سبب في إجابة الدعوة، ولو بعد مدة، ولكن الواجب أن تستقيم ((اسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))، أي: لا تبتعد عن الطريق الحق إلى سبل الضلال، فضلاً عن أن تكون ممن لا يعلم، فلا بد من العلم ومن الاستقامة معاً، والعمل بهذا العلم، ولابد من عدم الركون إلى من ظلم، وعدم متابعة سبيل الذين لا يعلمون، ومع الاستعانة، والصبر، والاستقامة، والإيمان، والعمل الصالح، وعبادة الله وحده لا شريك له يكون الفرج.
((وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ))، والجبار: هو الذي يسفك الدماء، وينتهك الحرمات؛ ليجبر الناس على إرادته الباطلة المحرمة والمخالفة لشرع الله، دون أن ينظر في أمره الذي يأمر الناس به، فهو يجبرهم عليه سواء كان موافقاً لدين الله أم لا، فهذا يسمى جباراً، وإذا امتنع منه أحد قتله، وهذا النوع يخيب دائماً، قال تعالى: ((وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ))؛ لأنه عاند شرع الله بعد أن وضح له الحق، وعلم أن ما جاءت به الرسل هو الحق، ومع ذلك فهو يحاربه ويعانده.
قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٦]، ونعوذ بالله من ذلك.
((مِنْ وَرَائِهِ)) أي: جهنم أمامه تنتظره، (ويسقى من ماء صديد)، والصديد هو: عصارة أهل النار، وجروح أهل النار ((يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ)) وإذا قرب ذلك الإناء الذي فيه الصديد من وجهه فإنه يشوي وجهه، ويسقط لحم وجهه فيه، ومع ذلك يسقاه رغماً عنه، فهو يتجرعه ولا يكاد يمر من حلقه، ويتألم في كل جزئية من جزئياته، ويعذب بكل أنواع العذاب، فالناس تسقى لكي تبرد ما في أجوافها من حرارة، وهذا يسقى ليزداد عذاباً.
((يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)).
أشد اللحظات على الإنسان هي لحظات الانتقال من الحياة إلى الموت.
((وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ))، ((وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ))، نعوذ بالله من ذلك.
ثم بين هبوط أعمال الكفار والعياذ بالله، وأنها في الدنيا والآخرة لا تساوي شيئاً، قال تعالى: ((كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ)) والآية دليل على هبوط العمل وذهابه وضياعه وانتهائه بالكلية والعياذ بالله، ففي الدنيا لم يحققوا أغراضهم، وفي الآخرة كان العذاب الأبدي مآلهم ((ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)).
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة الملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا، إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وانصر لنا ولا تنصر علينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، لك مطواعين لك رهابين، إليك منيبين قانتين، تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وأزل الشحناء من صدورنا.
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم إنا نعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان.
نعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء.
стр. 306
خذوا ما آتيناكم بقوة
إن من الواجبات الملقاة على عاتق الأمة الإسلامية أخذ الدين بقوة، بقوة العلم النافع، والعمل به.
وهاتان القوتان لا تنفكان عن بعضهما، ولا يمكن أن يستغنى عن إحداهما، فالواجب على كل فرد في هذه الأمة أن يسعى ويجد ويجتهد من أجل تحقيق هاتين القوتين في نفسه أولاً وفيمن حوله ثانياً، حتى يعود لهذه الأمة مجدها وعزها.
стр. 307
ضرورة أخذ أمور الدين بقوة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الواقع الذي نعيشه كمن يستلقي على الفراش ويقرأ صحف الصباح، هذه هي المشكلة لدى الكثيرين منا إن لم يكن لدينا جميعاً، نسأل الله العافية.
لا شك أن الأمر لبني إسرائيل بأن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة هو أمر لنا كذلك؛ لأن شريعتنا أتت بمثل ذلك، قال النبي ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل الخير).
والقوة المذكورة هنا هي في أمر الدين؛ فإن الرسول ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، فتبين بذلك أن القوة البدنية إذا لم يكن معها قوة في النفس وقوة في القلب في مرضاة الله لم تكن نافعة؛ لذا نقول: إن هذا الأمر أمر لنا، وهو أمر من الله إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد أمر الله النبي ﷺ أن يقتدي بهم، فقال له: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وهذا موسى ﵇ قال الله له: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٤٥].
وقال ليحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
فهذا أمر الله للأنبياء، ولذا فهو أمر لنبينا ﷺ وأمر لنا بالتبع؛ لأننا نتبع الرسول ﷺ ونتبع أنبياء الله .
لا شك أن المرحلة التي يعيشها المسلمون اليوم مرحلة حاسمة وخطيرة، وإذا بذل كل فرد من أفراد المجتمع المسلم جهده وكل ما عنده من قوة، عند ذلك يرجى أن يتغير الواقع، ويرجى أن يأتي الفرج من عند الله ، وأن تتبدل الأحوال التي قد يظن كثير من الناس أنها لا مخرج منها، وأنها وصلت إلى طريق مسدود.
стр. 308
أنواع القوة
نريد أن نستعرض معاً ما هي أنواع القوة التي نحتاجها فيما نحن مقبلون عليه، وفيما نحن فيه تجاه الإسلام؟ وكيف نعمل من أجله؟ وما هي القوة المطلوبة في ذلك؟ تكلم أهل العلم عن نوعين من أنواع القوة يحتاجها كل سائر في أي طريق، ويحتاجها السائر إلى الله بالأولى.
النوع الأول: القوة العلمية المبصرة التي يرى بها طريقه.
النوع الثاني: القوة العملية، قوة الإرادة وقوة العزم، وقوة التحرك بالفعل، ولا تغني واحدة من القوتين عن الأخرى، فلابد من قوة علمية مبصرة، فالإنسان عندما يسير بسيارته مثلاً في طريق مظلم، وهذا الطريق مليء بالعقبات ومليء بالتفرعات الخطرة التي لو لم يكن الإنسان يعرف الطريق جيداً ويبصر لن ينجو منها، ويوشك أن يهلك في أحد الأودية المهلكة، التي يقع فيها من ينحرف عن هذا الطريق، كما أن في هذا الطريق قطاع طرق كثيرون، ينتظرون أي إنسان تتعطل مسيرته فيهجمون عليه ويمزقونه إرباً، أو يأخذونه أسيراً عندهم فضلاً أن يستولوا على ماله ولو كان معه شيء آخر كأهله وأولاده وغير ذلك لاستولوا عليه، وهذا والله نحن بصدده كمثال، فلابد أن يكون السائر على صراط الله ذا قوة مبصرة، فهذا السائر بسيارته لا يمكن أن يسير في الطريق المظلم بدون نور في السيارة، وإلا يصطدم بالعقبات، أو يضل الطريق عند الانحرافات والتفرعات، أو يسقط في أحد الأودية المهلكة، كذلك لا يمكن أن يكون الموتور متوقفاً؛ لأنه لو توقف حتى ولو كان معه نور لأوشك النور أن ينطفئ، كما قال أحد السلف: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، فإن لم تكن متحركاً عاملاً بعلمك أوشك هذا النور الذي أعطاك الله إياه أن ينطفئ، إذا لم تكن تزكي هذا العلم بالعمل أوشك هذا العلم أن يرحل ويزول، كنور السيارة حين ينطفئ إذا لم يكن المحرك يعمل، فلابد أن يكون هناك محرك حتى يستمر النور، وإلا انطفئ بعد قليل.
وكذا إذا لم يكن المحرك يعمل فقطاع الطرق يريدون أخذ كل شيء معك، يريدون أخذ قلبك حتى يفرغوه من الحق الذي فيه، ويملئوه بباطلهم وزخرفهم، ويريدون أخذ أموالك ليستغلوها في الربا والميسر والخرافات والخزعبلات، ويريدون أخذ أولادك ليكونوا عبيداً والعياذ بالله لمناهجهم المنحرفة، وجاهليتهم العفنة، ويريدون أخذ أهلك من أجل أن تكون نساء الأمة مباحات لمن يشتهي ويريد في الهيئة وفي الفعل وفي غير ذلك، ويريدون وقف عقل الأمة بالكلية.
ما أكثر قطاع الطرق من أعداء الإسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين! فهم متربصون بكل طريق، فهل آن لنا أن نشعر بالخطر حتى نستمر في طريقنا بكل قوة، ونحافظ على النور الذي معنا، ونندفع كذلك على الطريق الصحيح بأقصى ما عندنا من قوة، أم ما زلنا نتحرك وما زلنا نعمل بطريقة كمن يستلقي على الفراش وينظر ويتأمل ويتعاطف مع هذا الفريق ضد هذا الفريق؟ هذا أمر خطير لابد أن ننظر في علاجه جيداً، فإننا منذ مدة طويلة قد بدأ كثير منا الالتزام، لكن هل حققنا ما هو مطلوب منا في نوعي القوة: القوة العلمية، والقوة العملية؟ سوف نذكر بعض التفاصيل الضرورية لكل واحدة منهما؛ لينظر كل واحد منا إلى نفسه أولاً قبل أن ينظر إلى الآخرين، ماذا حقق في هذا الجانب؟
стр. 309
القوة العلمية المبصرة وأنواعها وثمرتها
نقول: إن القوة العلمية المبصرة، أصلها العلم، وثمرتها البصيرة في القلب، حيث يبصر القلب الحق من الباطل، والسنة من البدعة، والهدى من الضلال.
стр. 310
وجوب تعلم الإيمان والإسلام والإحسان الواجب
ماذا حققنا من علم واجب علينا ونحن نعلم؟ ومن لا يعلم نقول له: إن العلم الواجب على كل مسلم ومسلمة وعلى الطائفة المؤمنة كذلك نوعان: نوع هو فرض عين على الأمة كلها، يعني: فرض عين على كل واحد من الأمة لا يسعه أن يكون جاهلاً به، وهذا هو علم الإيمان والإسلام والإحسان الواجب، فلابد أن يكون الإنسان على علم بالدين، كما قال ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فيفهم من ذلك أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد الله به خيراً، قال : ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧].
فتبين بذلك أن من خصال النفاق ومن خصال المنافقين عدم التفقه في دين الله ، وعدم العلم بدين الله .
وقال : ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧].
وكان السلف يعدون من ذلك أشياء لو نظرنا إلى عامة من يظهر منه الالتزام اليوم لوجدناها موجودة فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان زيد بن صوحان ﵀ أحد التابعين في درس له في المسجد وكان في المجلس أعرابي، وكان زيد قد قطعت يده اليسرى في إحدى الغزوات، فقال الأعرابي: إن كلامك ليعجبني وإن يدك لتريبني! فاستغرب زيد فقال: وما يريبك منها؟ إنها الشمال، فقال: والله ما أدري أتقطعون اليمين أم الشمال؟ فقال زيد: صدق الله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧].
فالأعرابي لا يدري أي اليدين تقطع اليمين أو الشمال، وهذا يدل على وجود شيء من النفاق في قلبه، وإن لم يكن من النفاق الأكبر، والعياذ بالله، لكن علامة من العلامات، وهو يدل أيضاً على أن الجهل أمر فظيع.
إذاً: فلينظر وليقف كل منا إلى مجموع طائفتنا كم منا من يعرف أن اليمين هي التي تقطع أم الشمال؟ فإذا قلنا: من أين تقطع؟ أتقطع من المرفق أم تقطع من الكوع الذي هو الرسغ أم تقطع من الإبط مثلاً كما يقول الخوارج؟ وفي أي شيء تقطع؟ فالحقيقة إذا نظرنا إلى هذا الأمر لوجدنا أن كثيراً جداً من الملتزمين لا يعرفون أصلاً أن اليمين هي التي تقطع، وأنها تقطع مثلاً من الكوع، وهذا أمر كان عند السلف في وقت من الأوقات علامة على الجهل الشنيع، يعني: كون الشخص لا يدري من أين تقطع اليد في السرقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذاً: ضياع العلم علامة على الخطر العظيم، فنقول: هناك علم طلبه فريضة كما قال النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
هذا هو النوع الأول من أنواع العلوم، وهو كما ذكرنا علم الإيمان والإسلام والإحسان، ففرض على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم من علم الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وما تدل عليه هذه الكلمة من نفي الشرك، ومن بطلان أي عبادة لغير الله ، وأن يعلم أصول التوحيد الواجبة التي لابد أن يحققها حتى تصح شهادته وتنجيه من النار، والجهل بأنواع الشرك المنتشر في الناس الذي يوشك الناس أن يقعوا فيه، ومن وقع فيه فصاحبه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة؛ لأنه وقع فيه عن جهل، لكن هذا لا يعفيه من الإثم، فلا نعني بالعذر بالجهل أنه معذور، بمعنى زال عنه الإثم تماماً، طالما كان مقصراً في طلب العلم فهو آثم إثماً عظيماً؛ لأنه يجهل أمراً من أمور دينه وتوحيده.
стр. 311
وجوب تعلم ما تصح به الصلاة وما تبطل
كذلك لابد للمسلم أن يعلم ما تصح به صلاته وما يشترط لها بمجرد بلوغه، يعني: يجب عليه أن يتعلم الطهارة والغسل، وما تصح به الصلاة وما تبطل، وما شروطها وما أركانها، يلزمه أن يتعلم ذلك كله؛ لأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة.
أما ما يسميه بعض المنحرفين الذين يستهزئون بأنواع من الفقه: فقه دورة المياه، مع أنه من الفروض العينية على كل مسلم ومسلمة فلا يلتفت إليه ولا يؤبه له.
وكذا يلزم المسلم أن يتعلم ما يصح به صومه، وما يبطل به، وما يحرم عليه أثناء صومه؛ لأنه لا تصح العبادة إلا بتعلم ذلك.
стр. 312
وجوب تعلم صاحب المال فقه الزكاة
كذلك فرض على المسلم إذا كان ذا مال أن يتعلم فقه الزكاة، فيتعلم متى يلزمه أداء الزكاة، وكم نصابها، وكم يخرج كل عام، وما هي الأموال التي يخرج منها وما لا يخرج، فهذا أمر واجب على أي واحد منا عنده أموال قد بلغت النصاب؛ فبالنسبة لزكاة عروض التجارية ففيها اثنان ونصف في المائة، أما بالنسبة للفضة فنصابها خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً من الفضة، والذهب نصابه خمسة وثمانون جراماً تقريباً، جاء في الحديث: (ليس فيما دون خمس أواق من الفضة زكاة) خمس أواق هي مائتا درهم، والدرهم العربي وزنه ثلاثة جرامات، فإذا اكتمل نصاب الذهب والفضة فتخرج زكاتهما اثنين ونصف في المائة.
أما عروض التجارة والأموال القائمة فعند جمهور أهل العلم أنها تحسب على الأحظ للفقير، مراعاة للأصل الذي هو أن الزكاة تجب في كل مال، إلا ما استثناه الشرع وهو ما لم يبلغ نصاباً، فإذا كان يبلغ نصاباً بالفضة ولا يبلغ نصاباً بالذهب فيخرج على نصاب الفضة.
стр. 313
وجوب تعلم فقه الحج والعمرة لمن استطاع الحج والعمرة
كذلك الحج والعمرة يجبان على من استطاع السبيل إلى بيت الله الحرام فقط، لكن لا يؤدي عبادة الحج من المسلمين كل سنة إلا واحد في الألف، ولو نظرنا إلى من يؤدي هذه العبادة لوجدنا كماً هائلاً جداً من البدع والمنكرات والمخالفات، ربما أدت إلى بطلان الحج أو إلى نقصانه وكذا العمرة؛ لأنه لم يفكر في أن يتعلم ما يلزمه.
стр. 314
وجوب تعلم فقه المعاملات التجارية بالنسبة للتاجر
كذلك لو أقدم المسلم على أي مشروع أو أي تجارة أو أي عمل لابد أن يتعلم حكم هذا المشروع، ويسأل أهل المعرفة في ذلك، فلماذا لا نطبق هذا الكلام فيما يلزمنا من أمور الإسلام كما ذكرنا؟! يلزم المسلم في باب المعاملات أن يتعلم فقه المعاملة التي يتعامل بها، فإذا تعامل بأي نوع من أنواع المعاملات لزمه شرعاً أن يتفقه فيها، فكل من يبيع ويشتري يلزمه أن يتعلم فقه البيع والشراء، وما يجوز وما لا يجوز، بدلاً من أن يقع في أمر محرم ثم يقول: لم أكن أعلم، لماذا لم تعلم؟ لأنك قصرت في التعلم، ولأنك لم تأخذ ما آتاك الله بقوة؛ القوة العلمية المبصرة التي تعرف من خلالها الحلال من الحرام.
كان عمر ﵁ يأمر كل من يجلس في السوق أن يتعلم فقه البيع والشراء؛ حتى لا يأكل الربا وهو لا يشعر، وحتى لا يقع في الغرر والميسر وهو لا يشعر، فكل من أجر أو استأجر أو استؤجر كل هؤلاء لازم عليهم أن يتعلموا فقه الإجارة، ويكون تعلم ذلك بالقراءة، وبالسؤال وبسماع دروس العلم عبر مجالس العلم أو الأشرطة ونحو ذلك.
إذاً: كل من يتعامل في معاملة معينة يلزمه أن يتفقه فيها، يعني: من يتعامل مثلاً في المضاربة والشركة يلزمه أن يتعلم فقه المضاربة والشركة، كم هائل جداً من المشاكل والاختلافات والأمور المحرمة ترتكب ممن يظهر الالتزام ويكون ظاهره أنه متبع للكتاب والسنة ومتبع لأهل العلم ومع ذلك إذا ضارب يفعل العجب، إذا شارك يفعل أغرب الأمور، ويقول لك: لم أكن أعلم! لا، لا يجوز أن تقدم على المضاربة حتى تتعلم كيفية المضاربة، وتتعلم ما يلزمك في هذا الباب، هذا فرض على كل من تعامل بهذه المعاملة.
стр. 315
وجوب تعلم فقه النكاح وما يتعلق به من نفقة وسكنى وطلاق وغير ذلك
كذلك فرض عين على كل من تزوج أن يتعلم فقه الزواج، ما يجوز للرجل من امرأته وما لا يجوز له منها، وما يجب عليها من طاعته وما لا يجوز أن يطلبه منها، لابد أن يتعلم فقه ذلك، لكن نرى أن أول عمل يقوم به الشاب عند إرادة الزواج هو البحث عن المال والبيت والمهر وتكاليف الزواج وغير ذلك، ولا يفكر أن يدرس فقه الزواج، والمرأة كذلك غفلت عن فقه الزواج مع أنه فرض عين عليها أن تعلم ما يلزمها.
كذلك يلزم كل من أراد أن يطلق أن يتعلم فقه الطلاق، حتى يقع طلاقه وفق الشرع، ولا يقع طلاقاً بدعياً محرماً مثلاً، كذلك المرأة فرض عين عليها أن تتعلم فقه الطلاق قبل وقوعه، وإذا لم تكن تعرفه يلزمها أن تعرفه وقت وقوع الطلاق، وفي الغالب الأعم أن أي امرأة تطلق من زوجها فأول عمل تعمله تأخذ ملابسها وتمشي إلى بيت والدها، مع أن ربنا يأمر بعدم الخروج من بيت الزوج، حيث يقول: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] يعني: لابد أن تكون في فترة العدة كلها موجودة في بيت الزوج، ويجب عليها أن تعرف العدة.
стр. 316
وجوب تعلم أحكام الإرث
كذلك يلزم كل من مات له ميت وترك مالاً أن يتعلم فقه الميراث، هذا فرض عين عليه؛ لأنه لا بد أن يعرف ما حقه وما حق أخواته وحق أقاربه، حتى يلتزم بذلك ولا يحيد عنه.
стр. 317
مجمل ما يجب تعلمه من أمور الدين
النبي ﵊ قد بين حكم أمور الإسلام الواجبة، بين أركان الإسلام التي بني عليها، وليس معنى ذلك أنها فقط هي الإسلام لكن هي أركانه التي تركها وعدم فعلها يدل على انحلال قيد الاستسلام أو اختلاله، إما أن ينحل بالكلية ويضيع إسلام المرء، أو يختل على الأقل.
فهذه الأبواب التي لا يكاد يصل إليها إلا من نعتبره عندنا متخصصاً أو طالب علم مهتماً جداً كأن يكون قرأها ودرسها على المشايخ، ومع ذلك هناك من طلاب العلم المتخصصين في الدراسات الشرعية من تكون هذه الأبواب عنده غامضة جداً؛ لأن الطلاب في الغالب الأعم لا يكادون يصلون إليها، وإنما قبل الامتحان ينظر الطالب في المسائل المحتملة أن تأتي في الامتحان، وليس نيته أن يدرس دين الله ويتعلم الدين، فهذا الأمر خطير بلا شك، ولذلك تجد في هذه المسائل أعاجيب حتى ممن قد يكون قد حصل على شهادات رسمية وأهل في هذا الجانب.
نقول: إن تعلم الإسلام فرض عين، فهل نحن أخذنا هذا الأمر بجد وبقوة كما أمرنا الله ؟ فرض عين على المسلم أن يتعلم علم الإيمان، أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأن يتعلم من هو المسلم ومن هو المؤمن ومن هو الكافر؛ لأن هذه الأمور يترتب عليها الولاء والبراء، ويترتب عليها الحب والبغض، ويترتب عليها كثير من المعاملات من الحلال والحرام فيما يجوز بين المسلم والمسلم، وما لا يجوز مع الكافر.
وليس معنى ذلك أن المرء يقر بوجود الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ويحفظ خمس كلمات أو ستاً، لا، بل عليه أن يعلم تفاصيل ضرورية في هذه الأركان، لابد أن يعلم توحيد الله، من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وليس المقصود أن يعلم حجج وشبهات أهل الباطل والرد عليها، لكن يعلم ما تصح به عقيدته في الله ، يعلم أن الله بكل شيء عليم، وأن الله على كل شيء قدير، وأنه واسع المغفرة، وحتى يؤدي العبادات الواجبة التي هي داخلة في أمر الإحسان عليه، وأن يخلص لله ، وأن يخاف الله ، وأن يرجوه، وأن يطمع في رحمته، وأن يدعوه رغباً ورهباً، وأن يتوكل عليه، وكله مبني على معرفة الأسماء والصفات؛ لأن هذه عبادات واجبة من لم يؤدها كان ناقص الإيمان أو منعدم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال : ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقال الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وقال الله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢].
أي: لابد أن تعلم أن النعمة من عند الله فتشكرها، ولابد أن تصبر على ما يصيبك؛ لأنك تعلم أنك لله وأنك إليه راجع، وأن الله هو الذي يقدر الأمور بقدرته وعلمه وحكمته، ولابد أن تعلم أن الله حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، لابد أن تعلم هذه الأصول العظيمة من الإيمان بأسماء الله وصفاته التي تترتب عليه العبادات الواجبة، التي هي ضمن أمر الإحسان الذي وصفه النبي ﷺ بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، هذا مبني على علم الإيمان الذي أوجبه الله .
كذلك لابد أن تعلم الإيمان بالملائكة، وكيف أنها خلقت من نور، وأنهم يطيعون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، قال تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولابد أن تعتقد أمانتهم واجتهادهم في العبادة.
كذلك لابد أن تؤمن بالرسل الذين أرسلهم الله وما يجوز لهم وما لا يجوز عليهم، وما يمكن أن يقع منهم، وكيفية معاملتهم؛ وإلا فقد يضل الإنسان بسبب جهله وسبب عدم معرفته بحق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما تلك البدع المنتشرة فيما يتعلق بالرسل وبالأولياء وغير ذلك إلا من جهل كثير من الناس؛ لأنهم لو علموا أن الرسول بشر من البشر وبالأولى الولي لعلموا أن الرسول أو الولي لا يملك أن يغيث، ولا أن يسمع كل الأشياء، ولا أن يبصر كل شيء، ولا أنه يقسم الأرزاق مثلاً، فينبغي أن يعلم المعلم أن صفات الرب ليست صفات للنبي ولا صفات للولي، فلا يتوجه إلى هؤلاء بصرف العبادة لهم ودعائهم.
لابد أن يعلم أصول الإيمان باليوم الآخر، بما في ذلك أشراط الساعة، وما يكون من عذاب القبر ونعيمه، وما يكون من أهوال القيامة، هذه فروض عين على كل إنسان أن يتعلمها، ولا يجوز أن يجهل هذه الأمور.
وسأضرب مثالاً على ذلك: لماذا حدث اضطراب عظيم جداً عند الناس نتيجة أن ممثلاً في تمثيلية قال يوماً: لا يوجد شيء اسمه عذاب القبر؟ فالناس أصابهم ذهول وشك ولا يدرون حقيقة الأمر؛ لأنه لا يوجد عندهم علم راسخ، فهم يأخذون الآن اعتقاداتهم من تمثيلية نسأل الله العافية! وهناك كتب كثيرة جداً تناولت أشراط الساعة فيها الكثير من البدع والمنكرات، وأصحابها أصحاب دراسات عليا في الشريعة أو في الأزهر الشريف، يقول أحد هؤلاء الكتاب: إن المسيح الدجال يظهر في ربيع (١٩٩٢م)، وآخر يقول: المسيح الدجال سيظهر من مثلث برمودا، وغير ذلك من الأعاجيب، لماذا هذا الخلل العظيم وهذا التقصير الشديد حتى من أناس داخل دائرة الالتزام ظاهرياً.
أما عن قضية الإيمان بالقضاء والقدر، فهي قضية بلا شك مزلة أقدام، وموضع ضلال للكثيرين الذين لم يتعلموا منهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وإنما أخذوا اعتقادهم من مجرد حديث يسمعونه أو من كلمة قد يقولها قائل في الطريق، ولم يهتموا بهذه المسألة ولم يبحثوا فيها، ولم يتعلموا هذه المسألة العظيمة التي هي ركن من أركان الإيمان، والتي لو أنفق الواحد مثل أحد ذهباً في سبيل الله وكان مخلصاً لما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لأن الإيمان بهذه الأصول الستة شرط في قبول العمل، حتى ولو كان العمل خالصاً فإنه لا يقبل إلا بالإيمان بهذه الأصول.
فهذه أصول الإيمان يلزم كل مسلم أن يتعلمها، بل وفرض عين كما ذكرنا حتى يحقق معاني الإيمان.
وأما الإحسان فالواجب كما ذكرنا هو أن يعبد الله مخلصاً خائفاً راجياً، يعني: يحقق معاني العبودية كأنه يرى الله .
فالقدر الواجب من ذلك أن يوجد في قلبه التوكل الواجب، والحب الواجب، والخوف الواجب؛ لأن كل هذه العبادات فيها قدر واجب أشار إليه القرآن وبينه الرسول ﵊، كما قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
وقال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
وقال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
فسمى الله تعالى من كان حب هذه الأشياء في قلبه أكبر من حب الله ورسوله ﷺ فاسقاً، والعياذ بالله من ذلك.
وسائر عبادات القلب من شكر نعمة الله، والرضا بقضائه ، والرضا به رباً وإلهاً وبالإسلام ديناً.
كذلك الولاء والبراء، يعني: الحب في الله والبغض في الله، كل هذه من الواجبات التي هي أعمال القلوب الضرورية التي لا يثبت الإيمان إلا بها، وهي ضمن الإيمان في الحقيقة، والنبي ﷺ قد جعلها باسم الإحسان تنبيهاً على أهميتها وشرفها ومراقبة الرب في أدائها، والله أعلم.
هذا هو النوع الأول من العلم المطلوب.
стр. 318
أهمية تفرغ بعض المسلمين للتفقه في الدين
النوع الثاني من العلم المطلوب، وهو الذي لا يحصل النوع الأول لكل واحد من المسلمين والمسلمات إلا بوجوده، وهو المذكور في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
يعني: فرض عين على كل طائفة، أو كل جماعة من المسلمين في مدينة أو قرية أو حصن أن ينتدبوا منهم من يطلب جميع أحكام الديانة من أولها إلى آخرها، ويتعلم القرآن كله، وما صح عن رسول الله ﷺ من أحاديث الأحكام وغيرها، ثم يرجع ليعلمهم أمور دينهم، فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في دينهم ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين المفتين ولو بعدت ديارهم، كما يقول ابن حزم: ولو كانوا بالصين.
ومعلوم أن الناس لا يرحلون كلهم لطلب العلم؛ لأنهم مشغولون بمكاسبهم وأرزاقهم، ولذا فلابد أن يوجد في كل مدينة أكثر من عالم؛ لأن المدينة يسكنها ملايين من الناس فلا يكفيهم عالم واحد بلا شك، بل أطرافها يصعب الانتقال بينها.
والنوع الأول من العلم لا يمكن أن يوجد لدى الناس إلا إذا وجد هذا النوع الثاني، فإن الرجل الذي يريد أن يطلق فلا بد أن يتعلم فقه الطلاق، لكن كيف يتعلم فقه الطلاق إذا لم يجد عالماً في بلده يسأله؟! وهذا الشخص لا يلزمه أن يكون متفرغاً تماماً لدراسة كل أنواع العلم ليدرك كل المسائل بالدليل الراجح؛ لأن هذا أمر يعسر على كثير من الناس، ولا يمكن أن يكون واجباً على الجميع، لكن الواجب أن يسأل أهل العلم إن كان لا يعلم.
إذاً: وجود أهل العلم واجب وهو فرض على الكفاية، فالمثال الذي ذكرناه سابقاً: هو مثال قطع اليمنى من اليسرى في السرقة هذا من علوم فرض الكفاية بلا شك، إذا وجب على الناس أن يقطعوا يد سارق وجب عليهم أن يعلموا تفاصيل ذلك، ولكن هذا الأمر إنما يحصل مع انتشار العلم، وقبض العلماء هو شر؛ لأنه لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه، ومعنى ذلك أن قبض العلماء وقلة العلم من علامات وأشراط الساعة، وفي ذلك دلالة على أن الدنيا يصيبها الخراب بقلة العلم والعلماء، وقلة العلم ليس حاصلاً في عامة المسلمين فقط، بل في كثير ممن يعتقدون أنهم الملتزمون بالدين وأنهم أهل الدعوة إليه ونحو ذلك.
стр. 319
القوة العملية وجوانبها وثمرتها
القوة العملية المطلوبة التي لابد أيضاً أن نأخذ ما آتانا الله فيها بقوة، تشمل جوانب كثيرة، سوف نذكر أربع نقاط فيها تحتاج منا إلى وقفة:
стр. 320
القوة في أداء العبادة وفق الشرع
النقطة الأولى: القوة في أداء العبادة كما أمرنا الله بها، يعني: أولاً: ينبغي أن نعلم ما تصح به العبادة وكذا أداؤها، يعني: نؤديها كما يحب الله ؛ لأن هذه العبادة هي التي تغير الإنسان وتشكل حياته بالكلية إذا أداها كما ينبغي، فهو إذا أدى الصلاة كما أمر الله كان من المفلحين، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فأول وصف لهم هو الفلاح، فلاح عظيم؛ لأنه لو أداها بالخشوع الواجب وبحضور القلب لتغيرت حياته بلا شك، كذلك لو استحضر الإنسان عظمة الله حين يكبره، واستحضر حمده حين يثني عليه، واستحضر رحمته فرجاها، واستحضر ملكه فمجد الله به، وطلب الهداية منه بعد أن يقرر أنه يعبده وحده، ويستعين به وحده، ويتبرأ من ملل الباطل والضلال، وهي فرق المغضوب عليهم والضالين، وغير ذلك من المعاني الأساسية التي هي من معاني الإيمان؛ لتغير حال هذا الإنسان إلى الأحسن، ونحن في هذا الجانب عندنا قصور شديد جداً، لابد أن نجتهد في علاجه، حتى إن الواحد منا قد يظن أنه يصلي نوافل ويصوم نوافل، وهذه النوافل في الحقيقة إنما تكمل جزءاً مما فرط فيه من الفرائض في أغلب الأحيان إلا من رحم الله ، فإذا تحدثنا مثلاً عن المحافظة على صلاة الفجر في ميقاتها في الجماعة في المسجد وعدم التفريط في ذلك، لوجدنا أمراً خطيراً ألا وهو تفريط أكثر المسلمين في صلاة الفجر.
أما عن القيام بالنوافل التي أوجبها الله على المسلمين في أول الإسلام؛ إعداداً لأمة الإسلام، وإعداداً للطائفة المؤمنة مع الرسول ﵊، حتى تهيأ للواجبات العظيمة الملقاة على عاتقها فعبادة قيام الليل، وترتيل القرآن فيه ونحو ذلك مما كانت واجبة، ثم نسخ الوجوب بإجماع أهل العلم ولكن أداء ذلك يؤهلنا إذا كنا نريد فعلاً أن نغير وجه التاريخ.
الملتزمون الآن لا يريدون خلافة على منهاج بني أمية، ولا على منهاج بني العباس، ولا على منهاج المماليك، وإنما يريدون خلافة على منهاج النبوة، فلا شك أنها تحتاج إلى أنواع أخرى من الناس، أنواع تشبه نوعية الصحابة ﵃ وإن لم تدركها.
следующие страницы →