← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وجوب تعلم أحكام الإرث كذلك يلزم كل من مات له ميت وترك مالاً أن يتعلم فقه الميراث، هذا فرض عين عليه؛ لأنه لا بد أن يعرف ما حقه وما حق أخواته وحق أقاربه، حتى يلتزم بذلك ولا يحيد عنه.

стр. 317

مجمل ما يجب تعلمه من أمور الدين النبي ﵊ قد بين حكم أمور الإسلام الواجبة، بين أركان الإسلام التي بني عليها، وليس معنى ذلك أنها فقط هي الإسلام لكن هي أركانه التي تركها وعدم فعلها يدل على انحلال قيد الاستسلام أو اختلاله، إما أن ينحل بالكلية ويضيع إسلام المرء، أو يختل على الأقل. فهذه الأبواب التي لا يكاد يصل إليها إلا من نعتبره عندنا متخصصاً أو طالب علم مهتماً جداً كأن يكون قرأها ودرسها على المشايخ، ومع ذلك هناك من طلاب العلم المتخصصين في الدراسات الشرعية من تكون هذه الأبواب عنده غامضة جداً؛ لأن الطلاب في الغالب الأعم لا يكادون يصلون إليها، وإنما قبل الامتحان ينظر الطالب في المسائل المحتملة أن تأتي في الامتحان، وليس نيته أن يدرس دين الله ويتعلم الدين، فهذا الأمر خطير بلا شك، ولذلك تجد في هذه المسائل أعاجيب حتى ممن قد يكون قد حصل على شهادات رسمية وأهل في هذا الجانب. نقول: إن تعلم الإسلام فرض عين، فهل نحن أخذنا هذا الأمر بجد وبقوة كما أمرنا الله ؟ فرض عين على المسلم أن يتعلم علم الإيمان، أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأن يتعلم من هو المسلم ومن هو المؤمن ومن هو الكافر؛ لأن هذه الأمور يترتب عليها الولاء والبراء، ويترتب عليها الحب والبغض، ويترتب عليها كثير من المعاملات من الحلال والحرام فيما يجوز بين المسلم والمسلم، وما لا يجوز مع الكافر. وليس معنى ذلك أن المرء يقر بوجود الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ويحفظ خمس كلمات أو ستاً، لا، بل عليه أن يعلم تفاصيل ضرورية في هذه الأركان، لابد أن يعلم توحيد الله، من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وليس المقصود أن يعلم حجج وشبهات أهل الباطل والرد عليها، لكن يعلم ما تصح به عقيدته في الله ، يعلم أن الله بكل شيء عليم، وأن الله على كل شيء قدير، وأنه واسع المغفرة، وحتى يؤدي العبادات الواجبة التي هي داخلة في أمر الإحسان عليه، وأن يخلص لله ، وأن يخاف الله ، وأن يرجوه، وأن يطمع في رحمته، وأن يدعوه رغباً ورهباً، وأن يتوكل عليه، وكله مبني على معرفة الأسماء والصفات؛ لأن هذه عبادات واجبة من لم يؤدها كان ناقص الإيمان أو منعدم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال : ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وقال الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وقال الله سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. أي: لابد أن تعلم أن النعمة من عند الله فتشكرها، ولابد أن تصبر على ما يصيبك؛ لأنك تعلم أنك لله وأنك إليه راجع، وأن الله هو الذي يقدر الأمور بقدرته وعلمه وحكمته، ولابد أن تعلم أن الله حكيم لا يضع شيئاً في غير موضعه، لابد أن تعلم هذه الأصول العظيمة من الإيمان بأسماء الله وصفاته التي تترتب عليه العبادات الواجبة، التي هي ضمن أمر الإحسان الذي وصفه النبي ﷺ بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، هذا مبني على علم الإيمان الذي أوجبه الله . كذلك لابد أن تعلم الإيمان بالملائكة، وكيف أنها خلقت من نور، وأنهم يطيعون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، قال تعالى عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولابد أن تعتقد أمانتهم واجتهادهم في العبادة. كذلك لابد أن تؤمن بالرسل الذين أرسلهم الله وما يجوز لهم وما لا يجوز عليهم، وما يمكن أن يقع منهم، وكيفية معاملتهم؛ وإلا فقد يضل الإنسان بسبب جهله وسبب عدم معرفته بحق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما تلك البدع المنتشرة فيما يتعلق بالرسل وبالأولياء وغير ذلك إلا من جهل كثير من الناس؛ لأنهم لو علموا أن الرسول بشر من البشر وبالأولى الولي لعلموا أن الرسول أو الولي لا يملك أن يغيث، ولا أن يسمع كل الأشياء، ولا أن يبصر كل شيء، ولا أنه يقسم الأرزاق مثلاً، فينبغي أن يعلم المعلم أن صفات الرب ليست صفات للنبي ولا صفات للولي، فلا يتوجه إلى هؤلاء بصرف العبادة لهم ودعائهم. لابد أن يعلم أصول الإيمان باليوم الآخر، بما في ذلك أشراط الساعة، وما يكون من عذاب القبر ونعيمه، وما يكون من أهوال القيامة، هذه فروض عين على كل إنسان أن يتعلمها، ولا يجوز أن يجهل هذه الأمور. وسأضرب مثالاً على ذلك: لماذا حدث اضطراب عظيم جداً عند الناس نتيجة أن ممثلاً في تمثيلية قال يوماً: لا يوجد شيء اسمه عذاب القبر؟ فالناس أصابهم ذهول وشك ولا يدرون حقيقة الأمر؛ لأنه لا يوجد عندهم علم راسخ، فهم يأخذون الآن اعتقاداتهم من تمثيلية نسأل الله العافية! وهناك كتب كثيرة جداً تناولت أشراط الساعة فيها الكثير من البدع والمنكرات، وأصحابها أصحاب دراسات عليا في الشريعة أو في الأزهر الشريف، يقول أحد هؤلاء الكتاب: إن المسيح الدجال يظهر في ربيع (١٩٩٢م)، وآخر يقول: المسيح الدجال سيظهر من مثلث برمودا، وغير ذلك من الأعاجيب، لماذا هذا الخلل العظيم وهذا التقصير الشديد حتى من أناس داخل دائرة الالتزام ظاهرياً. أما عن قضية الإيمان بالقضاء والقدر، فهي قضية بلا شك مزلة أقدام، وموضع ضلال للكثيرين الذين لم يتعلموا منهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وإنما أخذوا اعتقادهم من مجرد حديث يسمعونه أو من كلمة قد يقولها قائل في الطريق، ولم يهتموا بهذه المسألة ولم يبحثوا فيها، ولم يتعلموا هذه المسألة العظيمة التي هي ركن من أركان الإيمان، والتي لو أنفق الواحد مثل أحد ذهباً في سبيل الله وكان مخلصاً لما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر كما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لأن الإيمان بهذه الأصول الستة شرط في قبول العمل، حتى ولو كان العمل خالصاً فإنه لا يقبل إلا بالإيمان بهذه الأصول. فهذه أصول الإيمان يلزم كل مسلم أن يتعلمها، بل وفرض عين كما ذكرنا حتى يحقق معاني الإيمان. وأما الإحسان فالواجب كما ذكرنا هو أن يعبد الله مخلصاً خائفاً راجياً، يعني: يحقق معاني العبودية كأنه يرى الله . فالقدر الواجب من ذلك أن يوجد في قلبه التوكل الواجب، والحب الواجب، والخوف الواجب؛ لأن كل هذه العبادات فيها قدر واجب أشار إليه القرآن وبينه الرسول ﵊، كما قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). وقال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. فسمى الله تعالى من كان حب هذه الأشياء في قلبه أكبر من حب الله ورسوله ﷺ فاسقاً، والعياذ بالله من ذلك. وسائر عبادات القلب من شكر نعمة الله، والرضا بقضائه ، والرضا به رباً وإلهاً وبالإسلام ديناً. كذلك الولاء والبراء، يعني: الحب في الله والبغض في الله، كل هذه من الواجبات التي هي أعمال القلوب الضرورية التي لا يثبت الإيمان إلا بها، وهي ضمن الإيمان في الحقيقة، والنبي ﷺ قد جعلها باسم الإحسان تنبيهاً على أهميتها وشرفها ومراقبة الرب في أدائها، والله أعلم. هذا هو النوع الأول من العلم المطلوب.

стр. 318

أهمية تفرغ بعض المسلمين للتفقه في الدين النوع الثاني من العلم المطلوب، وهو الذي لا يحصل النوع الأول لكل واحد من المسلمين والمسلمات إلا بوجوده، وهو المذكور في قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. يعني: فرض عين على كل طائفة، أو كل جماعة من المسلمين في مدينة أو قرية أو حصن أن ينتدبوا منهم من يطلب جميع أحكام الديانة من أولها إلى آخرها، ويتعلم القرآن كله، وما صح عن رسول الله ﷺ من أحاديث الأحكام وغيرها، ثم يرجع ليعلمهم أمور دينهم، فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في دينهم ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين المفتين ولو بعدت ديارهم، كما يقول ابن حزم: ولو كانوا بالصين. ومعلوم أن الناس لا يرحلون كلهم لطلب العلم؛ لأنهم مشغولون بمكاسبهم وأرزاقهم، ولذا فلابد أن يوجد في كل مدينة أكثر من عالم؛ لأن المدينة يسكنها ملايين من الناس فلا يكفيهم عالم واحد بلا شك، بل أطرافها يصعب الانتقال بينها. والنوع الأول من العلم لا يمكن أن يوجد لدى الناس إلا إذا وجد هذا النوع الثاني، فإن الرجل الذي يريد أن يطلق فلا بد أن يتعلم فقه الطلاق، لكن كيف يتعلم فقه الطلاق إذا لم يجد عالماً في بلده يسأله؟! وهذا الشخص لا يلزمه أن يكون متفرغاً تماماً لدراسة كل أنواع العلم ليدرك كل المسائل بالدليل الراجح؛ لأن هذا أمر يعسر على كثير من الناس، ولا يمكن أن يكون واجباً على الجميع، لكن الواجب أن يسأل أهل العلم إن كان لا يعلم. إذاً: وجود أهل العلم واجب وهو فرض على الكفاية، فالمثال الذي ذكرناه سابقاً: هو مثال قطع اليمنى من اليسرى في السرقة هذا من علوم فرض الكفاية بلا شك، إذا وجب على الناس أن يقطعوا يد سارق وجب عليهم أن يعلموا تفاصيل ذلك، ولكن هذا الأمر إنما يحصل مع انتشار العلم، وقبض العلماء هو شر؛ لأنه لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه، ومعنى ذلك أن قبض العلماء وقلة العلم من علامات وأشراط الساعة، وفي ذلك دلالة على أن الدنيا يصيبها الخراب بقلة العلم والعلماء، وقلة العلم ليس حاصلاً في عامة المسلمين فقط، بل في كثير ممن يعتقدون أنهم الملتزمون بالدين وأنهم أهل الدعوة إليه ونحو ذلك.

стр. 319

القوة العملية وجوانبها وثمرتها القوة العملية المطلوبة التي لابد أيضاً أن نأخذ ما آتانا الله فيها بقوة، تشمل جوانب كثيرة، سوف نذكر أربع نقاط فيها تحتاج منا إلى وقفة:

стр. 320

القوة في أداء العبادة وفق الشرع النقطة الأولى: القوة في أداء العبادة كما أمرنا الله بها، يعني: أولاً: ينبغي أن نعلم ما تصح به العبادة وكذا أداؤها، يعني: نؤديها كما يحب الله ؛ لأن هذه العبادة هي التي تغير الإنسان وتشكل حياته بالكلية إذا أداها كما ينبغي، فهو إذا أدى الصلاة كما أمر الله كان من المفلحين، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فأول وصف لهم هو الفلاح، فلاح عظيم؛ لأنه لو أداها بالخشوع الواجب وبحضور القلب لتغيرت حياته بلا شك، كذلك لو استحضر الإنسان عظمة الله حين يكبره، واستحضر حمده حين يثني عليه، واستحضر رحمته فرجاها، واستحضر ملكه فمجد الله به، وطلب الهداية منه بعد أن يقرر أنه يعبده وحده، ويستعين به وحده، ويتبرأ من ملل الباطل والضلال، وهي فرق المغضوب عليهم والضالين، وغير ذلك من المعاني الأساسية التي هي من معاني الإيمان؛ لتغير حال هذا الإنسان إلى الأحسن، ونحن في هذا الجانب عندنا قصور شديد جداً، لابد أن نجتهد في علاجه، حتى إن الواحد منا قد يظن أنه يصلي نوافل ويصوم نوافل، وهذه النوافل في الحقيقة إنما تكمل جزءاً مما فرط فيه من الفرائض في أغلب الأحيان إلا من رحم الله ، فإذا تحدثنا مثلاً عن المحافظة على صلاة الفجر في ميقاتها في الجماعة في المسجد وعدم التفريط في ذلك، لوجدنا أمراً خطيراً ألا وهو تفريط أكثر المسلمين في صلاة الفجر. أما عن القيام بالنوافل التي أوجبها الله على المسلمين في أول الإسلام؛ إعداداً لأمة الإسلام، وإعداداً للطائفة المؤمنة مع الرسول ﵊، حتى تهيأ للواجبات العظيمة الملقاة على عاتقها فعبادة قيام الليل، وترتيل القرآن فيه ونحو ذلك مما كانت واجبة، ثم نسخ الوجوب بإجماع أهل العلم ولكن أداء ذلك يؤهلنا إذا كنا نريد فعلاً أن نغير وجه التاريخ. الملتزمون الآن لا يريدون خلافة على منهاج بني أمية، ولا على منهاج بني العباس، ولا على منهاج المماليك، وإنما يريدون خلافة على منهاج النبوة، فلا شك أنها تحتاج إلى أنواع أخرى من الناس، أنواع تشبه نوعية الصحابة ﵃ وإن لم تدركها.

стр. 321

الأخلاق وأهميته في التغيير إلى الأحسن النقطة الثانية: الأخلاق، أي: الأخلاق التي لابد أن تغير من سلوكنا مع من حولنا، وهذا جانب من أصعب الأشياء تغييراً، وما يزال الأمر مبناه على عادات الإنسان قبل أن يظهر التزامه بالسنة، وإظهاره الالتزام بالسنة أمر عظيم ولا شك أنه مطلوب، ولكن لابد أن يكون كذلك تغيره بسنة الرسول ﵊ في أخلاقه في معاملاته في لسانه، كيف يعف عن عورات الناس في بصره، في أذنه، في سلوكه في معاملته للناس، حتى لا يوجد في قلبه شحناء ولا ضغينة ولا حقد ولا حسد، ولا يوجد في قلبه تنافس مع مسلم على الدنيا، ولا رغبة في زخرفها الزائل، ولا يكون في قلبه غش للمسلمين، ولا نظرة احتقار لطائفة منهم أنهم لم يعطوه حقه، أو أنه ينبغي أن يكون فوقهم وأعلى منهم قدراً. وكذلك لابد أن يكون مجتنباً للغيبة والنميمة، وأن يكون صادق الحديث، يفي بالوعد بحيث إذا وعد شخصاً اطمأن وعلم أنه سوف يؤدي ما طلب منه، إلا أن يعجز. فمثل هذه الأخلاق حين تتغير فينا سوف يتغير شيء كثير فيما بيننا، لو لم نتمكن من أن نبلغ الناس الكلام المباشر فسلوكنا سوف يكون دعوة بلا شك.

стр. 322

الترابط والتآلف النقطة الثالثة في قضية القوة العملية التي لابد منها: قوة الترابط والتآلف فيما بيننا، وإصلاح ذات البين، والحرص على المودة الواجبة بين المؤمنين؛ يقول النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه ذاق طعم الإيمان وذكر منها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله). فهذه الرابطة القوية التي لابد من الحرص عليها لا تكون هي آخر المهمات، لابد أن تكون القلوب مترابطة كما قال النبي ﷺ : (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً). من يرضى من الناس أن يسكن في بيت الجدران فيه مجرد أحجار مرصوصة دون أن يكون بينها مادة لاصقة من أسمنت أو غيره؟ من يرضى أن يسكن في بيت من ألواح خشب مرصوصة بعضها فوق بعض لا توجد بين أخشابه مسامير؟ فمجرد أي محاولة لإسقاطه سوف يسقط، هل حالنا فعلاً حال الجدار الصلب القوي؟! هل حالنا حال الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر؟! هل نتفقد الغائب منا؟! هل نعود المريض؟! هل نبحث عن المحتاج؟! هل نسعى إلى هذه العلاقة القوية التي مهما حاول أحد أن يزعزعها عجز عن ذلك، لابد أن نهتم بهذه المسألة جداً فإنها من السلوك العملي المطلوب؛ لأن الحرص على تقوية الروابط حتى نكون كجسد واحد كما أخبر النبي ﷺ من أعظم الأمور أهمية في تحقيق ما يلزمنا تجاه ديننا.

стр. 323

القوة في الدعوة إلى الله تعالى النقطة الرابعة: هي القوة في الدعوة إلى الله ، لابد أن نستشعر مدى الخطر الذي نحن فيه، ومدى الهجوم الشديد على كل معاني الإيمان والإسلام التي يتعرض لها عقل المسلمين، عقل الأمة، لابد أن يكون هناك جد واجتهاد في الدعوة إلى الله ؛ حتى نواجه هذا الهجوم الشديد على المسلمين. أمر عادي جداً أن يختلط الواحد منا كل يوم بعشرات المنكرات، أنا تعودت بحكم طبيعة العمل أن يكون معظم الذين أتعامل معهم من النساء، بحكم أنهن أمهات الأطفال ونحو ذلك، فأنا لا أحصي كم مرة أقول: إن شاء الله تتحجبي ولا تأتي المرة الثانية إلا بالحجاب، وتأتي لي في المرة الثانية من غير حجاب، وأقول: يلزمني أني أقول لها مرة ثانية؛ فمثلاً: في ثلاث ساعات أو ساعتين في محل عملي أقول لسبعين أو ثمانين امرأة: إن الحجاب فرض، غير التي تمشي في الشارع، فكم من منكرات في المدارس والجامعات وغيرها من الأماكن، فلو أن كل واحد فينا اجتهد أن يوصل كلمة الحق؛ فإن مرتكب المنكر سيجد نفسه محاصراً؛ لأنه سيجد كل يوم واحد يقول له: إنك ترتكب منكراً، وبهذا ينهدم الباطل ويزهق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وسيزول ويضمحل ويتفكك. لو أن الناس يسمعون الحق مرات عديدة، ووجدوا من يخبرهم ويقول: هذا هو الحق، وهذا هو شرع الله ، بالتأكيد أن الوضع سيتغير، فلابد أن يكون هناك نوع من الاجتهاد في هذا الجانب؛ لأن الواجب علينا كثير جداً، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 324

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه لقد كانت غزوة الأحزاب من أعظم المواقف التي تبين فيها صدق المؤمنين فيما عاهدوا الله عليه، وصبرهم على ما ابتلاهم به من مواجهة الأعداء. وفي هذه الغزوة يظهر تأييد الله للمؤمنين، بعد أن بلغت القلوب الحناجر، وظن بالله الظنون.

стр. 325

سنة الابتلاء وعاقبته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٧]. وقد جعل الله البلاء وعداً للمؤمنين لا وعيداً لهم، قال تعالى: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ)) أي: وهو مكتوب علينا، كما قال الله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١]، وما يصيب المؤمن من بلاء فهو نعمة، وعطية من الله يكتبه له، وذلك للمؤمن وحده، كما قال النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، وكيف لا يكون وعداً له ونعمة، وهو يزداد به قرباً من الله وإيماناً وإسلاماً، ويزداد له حباً وتعظيماً. وكيف لا يكون البلاء بالحرمان عطاء وهو حرمان من شيء زائل وعرض تافه صغير يوشك أن يحرم منه كل أحد، ولا يوجد عطاء أوسع من فضله وجوده وكرمه، ومن ذلك أخذه قلب عبده إليه وتوجيه ناصيته إليه، قال تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦]، فأي شرف أعظم من أن تتوجه ناصية المؤمن قلبه إلى الله ، وأن يفرد الله بالتوكل والإنابة والخشوع والخضوع له وحده لا شريك له، وأنه وحده الذي يتولى أمر المؤمنين قال تعالى على لسان المؤمنين: ((هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ))، فعند ذلك تكون البلية عطية، وتكون المحنة منحة، ويكون الابتلاء نعمة ومنة من الله لعبده المؤمن بإيمانه وإسلامه؛ لأنه إذا اقترب من الله وازداد إيماناً وتسليماً كان ذلك أنفع له في دنياه وأنفع له في أخراه. ونتأمل عاقبة ما قال المؤمنون نجد فعلاً أن هذا وعد الله لهم، فعندما انتهت غزوة الأحزاب قال النبي ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، وتحول المسلمون من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم الذي ظلوا عليه بفضل الله ، يهاجمون به الشرك ومواقعه ومواضعه حتى نصرهم الله في المشارق والمغارب، وأظهر دينه وكلمته على الدين كله وأتم أمره، ولا يزال الإسلام يتقدم والمسلمون يتقدمون حتى في أشد فترات الضعف المادي؛ فهاهم يهزمون أمام التتار وتفتح بغداد للتتار ويقتل كل من فيها؛ ثم بعد حين يدخل التتار في الإسلام ويلتزمون بأحكامه كما أقروا بكلمة التوحيد، ويصير التتار إلى يومنا هذا شعباً مسلماً من أشد الشعوب الإسلامية قوة في الجهاد في وجه الأعداء، فسبحان الله! الذي ينصر المسلمين إذا اقتربوا من الله وأطاعوه، ويجعل لهم قوة وشوكة ويدبر لهم الأمور، وإن كان الأعداء يظنون أنهم يمكرون، وإنما ذلك من مكر الله بهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما قال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، فقد بار مكر يهود، وبار مكر قريش، وبار مكر المنافقين الذين يتربصون بالإسلام، وبار مكر الحلف العجيب بين طوائف الشرك وكفرة أهل الكتاب والمنافقين للمكر بالإسلام وأهله، والمؤمنون يرون هذا وعداً من الله لهم: كما قال الله تعالى ذلك عنهم لما رأوا الأحزاب: ((هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)).

стр. 326

تمحيص المؤمنين لمعرفة الصادقين ثم ذكر الله المؤمنين بالصادقين الذين مضوا موفين بالعهد مع الله ، صادقين في أقوالهم، وأحوالهم، وأعمالهم، ليقتف من بعدهم أثرهم، فقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. تأمل أولاً هذا التبعيض: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ)) فليس كل المؤمنين بهذه الصفة، فالمؤمنون الكمل هم الذين وصلوا إلى هذه الغاية، وليس كل المؤمنين بهذه الدرجة من الصدق، وهؤلاء الصادقون هم الذين يثبت الله بهم باقي الطائفة المؤمنة، وهم الذين ينصر الله بهم بقيتهم وينصر الله بهم دينه، وهؤلاء هم من جنس من قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩ - ٢٥٠]، فتتفاوت القلوب، كما يتفاوت الإيمان فيها؛ فهذا طالوت لم يجاوز معه النهر إلا مؤمن، ومع ذلك فأغلبهم قالوا كما قال الله تعالى: ((قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ))، فبقية قلة مؤمنة وعددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، استخلصوا من عشرات الآلاف، وقد كان بنو إسرائيل قبل النهر أكثر من ثمانين ألفاً كما ذكر في الآثار، وما جاوز مع طالوت النهر إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، ومع ذلك فلم يكونوا كلهم على نفس الدرجة، وإنما كان منهم صادقون يوقنون أنهم ملاقو ربهم، وهؤلاء هم الذين ثبت الله بهم البقية. فكذلك قوله تعالى: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ)) فهؤلاء الرجال هم خلاصة المؤمنين وخلاصة البشرية، وهم خاصة أتباع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. كان منهم أنس بن النضر كما يذكر أنس رضي الله تعالى عنه: (كنا نرى أن هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] نزلت في أنس بن النضر وأصحابه)، ومعنى قضوا نحبهم أي: وفوا بعهدهم. قال تعالى: ((رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ))، قال أنس بن مالك -وكان سمَّي بعمه- غاب عمي أنس بن النضر عن غزوة بدر، فقال: لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ مشهداً ليرين الله ما أصنع، وهاب أن يقول غيرها. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني: المشركين- ثم انطلق ليقاتل، فلقيه سعد بن معاذ فقال: يا سعد! واهاً لريح الجنة، إني لأجده دون أحد، قال سعد: فو الله يا رسول الله! ما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس: فوجد قد قتل وبه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وما عرفته إلا أخته ببنانه، أي: بعلامة في طرف إصبعه، أي: ما عرفوه من كثرة الجراح رضي الله تعالى عنه، وكانوا يرون أن هذه الآية نزلت فيه وفي أمثاله كـ مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، وحمزة بن عبد المطلب، ومن قتل على الصدق مع الله . فعندما يوجد هؤلاء فينا ولو كانوا قلة تتغير موازين الحياة على وجه الأرض، وإنما يكون ذلك بصدق الإرادة وصدق التوجه إلى الله ، والصدق في الأمور كلها؛ والصدق صفة أساسية للمؤمن يتفاوت الناس فيها تفاوتاً عظيماً، والصدق كما قال النبي ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، وليست الصديقية بمنزلة هينة، ولا بشيء ينال بالتمني، ولكن بتحري الصدق قولاً وعملاً وحالاً حتى يكتب عند الله صديقاً.

стр. 327

الحث على الصدق في الأقوال والأفعال والنهي عن ضده قال النبي ﷺ : (وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، وما أقبح أن يكتب العبد عند الله كذاباً، نعوذ بالله من ذلك. والصدق الذي ذذكره الله في هذا الموطن لم يكن صدق كلام فقط، بل كان صدق القول والفعل، كان كلاماً مبهماً فقال: ليرين الله ما أصنع، فخاف وهو الصادق بإخبار القرآن عنه أنه من الصادقين؛ ومع ذلك خاف أن لا يكون صادقاً، وكان العهد أن يبذل كل وسعه في نصرة الإسلام، ولما كان صادقاً قرب الله له البعيد، وكشف له من الغيوب حتى وجد رائحة الجنة دون أحد، والجنة يجد الناس ريحها من مسيرة خمسمائة عام، وهو قد قربت إليه رائحتها حتى وجدها دون أحد، وقاتل حتى ما استطاع سعد بن معاذ سيد الأنصار الذي اهتز لموته عرش الرحمن، والذي كان النبي ﵌ يسميه سيد الأنصار، يقول: (قوموا إلى سيدكم) ما استطاع أن يفعل فعله، فقال: يا رسول الله! ما استطعت ما صنع، فانظر كيف كان أنس قدوة لـ سعد رضي الله تعالى عنهم. هذا الصدق والجدية والقوة فيما يعمله الإنسان، هو توحيد الإرادة كما ذكر أهل العلم؛ فالإخلاص توحيد المراد وأن لا يريد إلا وجه الله . وأما الصدق فتوحيد الإرادة بمعنى: أن يكون الإنسان جاداً فيما يريد، صادقاً في ما يطلب من مرضاة الله ، بمعنى أنه لا ينشغل بأمر آخر عما يطلبه ويريده من الصدق، فالإنسان قد يطلب مطلباً لكنه يطلبه بضعف، ويتأخر في تحقيق غاياته من ذلك الطلب؛ ونشبه هذا بقطارين، أحدهما: يسافر من بلد إلى بلد مباشرة بسرعة دون أن يتوقف في المحطات المتوسطة، والآخر: يقف في كل محطة، فالوجهة واحدة، ولكن الأول يقطع المسافة في ساعة أو ساعتين، والآخر ربما قطعها في ست ساعات أو سبع. أما فيما بين العبد وربه فالتفاوت أعظم بكثير، وذلك أن البطيء له رغبات وإرادات على الطريق أضعفت سيره قوته في طلبه النهائي وفي غايته الأخرى، فهو يريد من كل محطة من المحطات شيئاً، وفيها أناس يركبون معه، وأما الآخر فطريقه واحد وإرادته واحدة، فكذا المؤمن الجاد قد أخذ ما أتاه الله بقوة. وقد تجد هذا التفاوت بين الناس في الصدق في طلب العلم، فتجد إنساناً يجتهد في طلب العلم فيدرك في المدة الوجيزة بصدقه في الطلب ما لا يدركه غيره ممن يترنح في سيره ممن يبدأ كتاباً ثم لا يكمله، يقرأ مسألة ثم لا يتمها، يقرأ باباً من العلم ثم لا يستمر، يحضر بعض الدروس ثم ينقطع وهكذا، وكذلك الصدق في العبادة وإصلاح النفس وتهذيبها، فتجد إنساناً قد التزم لكنه يتوانى في تصحيح أخلاقه وإصلاح نفسه، ولا تزال الأمراض تنهش قلبه، ولا تزال نفسه مريضة مثخنة بالجراح، وعندما يكون هذا هو الوصف العام لأكثر من أظهر الالتزام فلا نتوقع إذاً إلا تأخراً وبطئاً في الوصول إلى النتائج المرجوة، وإن كنا لا نريد من ذلك طعناً في النيات. قد تكون هناك إرادة لوجه الله ولكن ليس هناك الصدق المطلوب في العمل، وليس هناك الصدق المطلوب في الدعوة إلى الله ، فمثلاً: قد يوجد من يبذل عمره ووقته وكل فرصة سنحت له في الدعوة إلى الله ، وهناك من يكون بطيئاً ينتظر الرسوم والعادات، لا يستطيع أن يدعو إلا من خلال رسوم معينة وطقوس معينة إذا غابت فشل، وتوقف في دعوته، فلابد أن يكون هناك صدق في البذل والتضحية في سبيل الله، والصبر واليقين. والصدق يدخل في كل الأحوال والأعمال، فالصدق مع الله أن يكون جاداً غير متوانٍ ولا متكاسل، والصدق في الذكر أن يكثر من ذكر الله ولا يني في ذكره، كما أمر الله موسى وهارون: فقال تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢]، فالله أمرهما بأن يقوما بالحق ولا يتوانيا في ذكر الله ، ولا ينشغلا بغير الله عنه، وإن كان حبه موجوداً لكن قد يكون ضعيفاً، ولذلك يقدم عليه الأمور الدنيوية من الأهل والمال والولد، ويكثر وقوعه أثناء الطريق، نسأل الله العافية. قال تعالى: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) كان هذا الصدق في الجهاد، وهو أعظم مراتب العمل، وذروة سنام الإسلام؛ ولذا كان الصدق فيه محققاً لغايات أهل الإسلام. وقد ظل أنس بن النضر نوراً ينير الطريق، وأسوة حسنة لكل من أتى بعده، فإذا كان أسوة لمثل سعد بن معاذ فكيف لا يكون أسوة لمن بعده، بعد أن ذكر الله أمره في القرآن العظيم بهذا الثناء الحسن، قال تعالى: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ))، فكان منه الصدق في الجهاد والصبر والثبات والإقدام والتضحية، ولم يعبأ بما يصيبه في طريقه في سبيل الله ، ولم يلتفت أنس بن النضر إلى بضع وثمانين جرحاً حتى سقط في آخر واحد منها عجزاً عن أن يستمر في القتال، رضي الله تعالى عنه وعن أصحابه، وألحقنا بهم صالحين. وقوله تعالى: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ))، ليس هذا العهد خاصاً بـ أنس، بل كل من أسلم وآمن قد أعطى هذا العهد، كما قال : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة:٧]، وإنما يتفاوت الناس في الوفاء، فكل مؤمن قد قال: سمعنا وأطعنا، وإلا كان هذا قدحاً في إسلامه وإيمانه، إذ لم ير لله على نفسه السمع والطاعة؛ إن كل مؤمن يقول ذلك، ولكن يتفاوت الناس في تحقيق ذلك والصدق فيه، قال تعالى: ((فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)) أي: وفَّى بنذره وعهده مع الله ، ووفى بما وعد به الله من الثبات والصبر والتضحية في سبيل الله. قال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)) فقد كان المسلمون مع رسول الله ﷺ منهم هذه النوعية كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة المبشرين رضي الله تعالى عنهم، وأهل بيعة الرضوان، وأهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كان منهم هذه النوعية الفريدة التي تنتظر أن تفي بعهد الله، وقد فعلت بفضل الله وسارت على الطريق. قال تعالى: ((وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))؛ وذلك لأن التبديل والتغيير عما كان عليه الإنسان مع ربه يقتضي نكوساً ورجوعاً عن الحق، ويقتضي تفريطاً في حق الله وحق رسوله ﷺ ، فهؤلاء ((مَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا))، وذلك أن التبديل مردود وهم مقبولون عند الله ، نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن لا يردنا خائبين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 328

تقدير المكروه ليحصل المحبوب الحمد لله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: قال الله : ((لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ)). هذا التعليم لما قدره من مقدم الأحزاب؛ ليظهر صبر من صبر، ونفاق من نافق، وكل ذلك بقضائه وقدره، فقد كان في قدرته أن يصرف الأحزاب قبل أن يأتوا، فلا تجتمع كلمتهم، وأن يفت في عضدهم، ويلقي الرعب في قلوبهم قبل أن يأتوا، لكن قدر مجيئهم، ((لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ)). لقد قدر الله وجود المكروه؛ ليحصل المحبوب الأعظم الذي يحبه الله ولا يحصل إلا بمقابلته بضده، فذلك الذي من أجله قدر الله أن يأتي الأحزاب، وأن يغدر اليهود، وأن تجتمع كلمة الكفرة والمنافقين وأهل الكتاب مع بعضهم على أهل الإسلام، وأن يظن المسلمون بالله الظنون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]؛ فتقدير كل هذا لأجل أن يظهر الصدق الحقيقي في أحوال القلوب، وفي ثقتها بالله ، وفي حبها ومتابعتها لرسول الله ﷺ ، وفي خوفها من الله دون من سواه، وفي اليقين بوعده رغم انعدام الأسباب، أو رغم أن الأسباب تأتي في الاتجاه المعاكس، والبوادر والأسباب الظاهرة تقول: إن الإسلام قد حوصر، وإنه يوشك أن ينتهي، وإن المعركة محسومة لصالح الكفرة والمنافقين. وهنا يظهر الصدق في اليقين بوعد الله والصدق مع الله في الثبات؛ فإن رأيت كل دنيا المسلمين مدبرة، توقن بأن نصر الله آت ووعد الله متحقق، وما دام المؤمن عنده إيمان فلابد أن يرى ذلك، وأن يصدق مع الله في أحواله كما صدق في أعماله وأقواله، ليجزيه الله بصدقه، وأبهم الجزاء ليتسع الذهن الإنساني لأوسع العطاء، فقال: ((لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ))، فلم يذكر ماذا يجزيهم، وهو تعالى سيجزيهم ما لم يخطر ببال، كما قال النبي ﷺ : (في الجنة ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر) أو كما قال النبي ﷺ .

стр. 329

فضل الله في فتح باب التوبة للكفار والمنافقين قال تعالى: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ)) قدر الله أن يقع منهم النفاق ليعذبهم عدلاً منه ؛ وذلك أن الله علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وهو الذي أراد ذلك وقدره، لكنه سبحانه لا يعاقب عبداً إلا بما صنع، ليعذب به، قال تعالى: ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ)) أي: على نفاقهم، وفتح لهم باب المغفرة إن تابوا فقال: ((أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)) فهذا الكرم من الله ؛ لأنه ليس كلهم خالص النفاق كما كان ابن أبي ابن سلول، وإنما كان منهم من وقع في النفاق لاختلاطه بأهل النفاق، وكان منهم من فيه نفاق أصغر، فكان فتح باب التوبة. وحتى من أشرك بالله ونافق النفاق الأكبر فإن الله لم يغلق باب التوبة دونه، ويقبله إن أخلص دينه لله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]، فلا تستبعد توبة أحد، فالله قد رغب الذين شتموه وسبوه، وادعوا له الصاحبة والولد في التوبة، كما قال عن النصارى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]، فالله دعا من أشرك به إلى التوبة، ودعا من سبه إلى التوبة كذلك، قال الله عنهم في الحديث القدسي: (شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً) ومع هذا دعاهم إلى التوبة فقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥] فدعاهم إلى التوبة رغم كفرهم وشركهم بالله. وكذلك دعا من قتلوا أولياءه واضطهدوهم وعذبوهم وألقوهم في النيران إلى التوبة، فقال عن أصحاب الأخدود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، قال الحسن: انظروا إلى هذا الكرم قتلوا أولياءه ثم هو يدعوهم إلى التوبة. فباب التوبة مفتوح حتى يغرغر العبد، وهو مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، مفتوح ما لم ينزل البأس والعذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥]، وقال الله : ((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)). قال تعالى: ((وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ)) لقد كان هذا من آيات الله العظيمة، فقد رد الله الذين كفروا ولم يفعل المؤمنون شيئاً، وإنما رد الكفار بغيظهم في قلوبهم، فلم ينالوا خيراً حين أرادوا بالمسلمين شراً؛ فكل من أراد بالإسلام والمسلمين شراً فلا ينال خيراً، وهذه حقيقة مؤكدة فلا يقصد أحد مؤمناً السوء إلا رده الله ولم ينل خيراً، وإن تصور أنه سوف يحصل على الخير فلن يحصل إلا على السوء الشر جزاء وفاقاً. ثم ختم الله الآية بقوله: ((وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا))، فمن الذي يرد عشرة آلاف؟ ليس في قدرة المسلمين أن يردوهم، لا بسلاحٍ ولا بحسن ترتيب، فالأمر ليس إلا مقتضى أسمائه وصفاته ، فهو الذي هزم الأحزاب وحده، ورجع المشركون خائبين يجرون أذيال الخيبة؛ وهذا مما يسعد القلب ويفرحه عبر العصور، وهذه أيام الله التي أمر أنبياءه أن يذكروا الناس بها، كما قال في شأن موسى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥] فيوم الأحزاب من أيام الله ، التي يعالج المؤمن بها حزن قلبه وغم نفسه مما يصيب المسلمين، من نكبات ومحن فيتذكر أن المسلمين قد مروا بلحظات أشد منها.

стр. 330

حفظ الله دينه بنا أو بغيرنا إننا نقطع ونجزم أن هزيمة المسلمين في قطر من الأقطار لن يترتب عليها زوال الإسلام، ولو أبيد المسلمون عن آخرهم، لما كان في ذلك زوال الإسلام؛ وذلك لأنه بفضل الله قد انتشر، ثم إنه قد مرت بالمسلمين لحظات أشد بكثير مما تمر به الأمة الآن ولم ينته الإسلام. لقد كانت هزيمة الأحزاب من فضل الله ونعمته علينا، كما أنعم على النبي ﷺ وصحابته الكرام بنعمته وفضله؛ لأن هزيمة الأحزاب سببٌ في إسلامنا، وفي وصول النور إلينا، وكانت أيضاً سبباً من أسباب حسن الظن بالله عبر العصور، ونحن نتضرع إلى الله ونتوسل إليه بهذا الدعاء: (وهزم الأحزاب وحده)، كما كان يدعو النبي ﷺ متوسلاً إلى الله بذلك في كل موطن يواجه فيه العدو؛ فيدعو ويستنصر هازم الأحزاب . والله جعل لحظات أشد من هذه اللحظات تمر على المسلمين وما ضيعهم، فعندما تتذكر أيام الله وتلحظ بقلبك رجوع أبي سفيان وقريش وغطفان وخذلان اليهود -الذي يسر القلوب، ويفرح الله به المؤمنين عبر العصور- بما وقع في بني قريظة، فعندما تتصور ذلك وتستحضره يزول الهم والغم، وهذا من أعظم الأسباب في كون القرآن العظيم نور القلب وربيع الصدر؛ والله يزيل الغموم بالكتاب العزيز، فيرشد الإنسان إلى مقتضى أسماء الله وصفاته وقوته وعزته، وهو لا يغالب ولا يمانع؛ لأنه الغالب على أمره القوي العزيز ، الذي لا يقف لقوته شيء؛ ولو تدبر العبد ذلك لأيقن ضعف العباد جميعاً وفقرهم وذلهم، فكل عز في مقابلة عزة الله ذل، وكل قوة بالنظر والنسبة إلى قوة الله ضعف وعجز، وكل غنى فقر وعدم بالنسبة إلى غنى الرب ، والله جعل الدنيا في الآخرة كنقطة من بحر، وهي كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع؟! فكيف بصفات الرب إذا قورنت صفة البشر بها، وكذلك الحال إذا قارنا الدنيا بالآخرة. فإذا استحضرت أن الله هو القوي العزيز، فما يصنع الأعداء؟ فالله تعالى كما وصف نفسه (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن). نسأل الله أن يثبتنا على الهدى، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، اللهم اعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم دمر اليهود والنصارى والمنافقين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا، واهدنا سبل السلام، واجعلنا هداة مهتدين، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

стр. 331

رمضان والنصر على النفس لقد كرم الله الإنسان، وجعل له جسماً وروحاً، وأمره بعبادته وطاعته، وكما أن للجسم غذاءً مما أنبته الله في أرضه، فللروحِ كذلك غذاء، ومصدره كتابُ الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا تحققت العبودية منه فقد ارتفع عن صفات البهيمية، وإلا فإنه سيكون في أسفل سافلين؛ لذا كان شهر رمضان محطة لنقاء القلب وصفائه، ومراجعة النفس، والإكثار من قراءة القرآن، ومن الصلاة والخشوع فيها، وبهذا يتحقق النصر على النفس بحيث ينتج الانتصار عليها النصر على الأعداء.

стр. 332

تكريم الله للإنسان والحكمة من خلقه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فلقد كرم الله الإنسان أعظم تكريم، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وأخبر الله أنه كرَّم بني آدم، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠]، فكرمه الله إذ جعله مخلوقاً لتحقيق العبودية لله ، وبهذا ترتفع نفسه وتسمو عن صفات البهيمية، وإلا فإنه يكون في أسفل سافلين، كما قال : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:١ - ٦]. فأقسم الله بالأماكن التي نزل فيها وحيه على الرسل إلى بني البشر؛ لكي يتمم الله عليهم نعمته بتقويم نفوسهم وقلوبهم، كما قوم ظواهرهم وأبدانهم فقد خلقهم الله في أحسن تقويم، ولا بد أن يكتمل هذا التقويم بتحسين بواطنهم، فأنزل الله كتبه في هذه الأماكن الثلاثة: في بيت المقدس الذي يزرع فيه التين والزيتون، وفي طور سينين عندما أنزل الله التوراة على موسى، وفي مكة البلد الأمين حين أنزل الله القرآن على محمد ﵌، لكن من لم ينتبه ويلتفت إلى ما جاءت به الرسالات رد إلى أسفل سافلين في بدنه وروحه وقلبه، في بدنه حين يهرم ويكبر، ثم بعد ذلك يصبح جيفة منتنة والعياذ بالله، وأما القلوب فما أكثر ما تموت قبل الأبدان، تموت حين لا تعرف ربها ولا تتوجه إليه ولا تحبه ولا تخضع له ولا تستسلم ولا تنقاد ولا تطيع، فتموت وتتعفن ويخرج منها النتن والخبث والعياذ بالله، إلا أن يحييها الله ، والإنسان حين ننظر إليه بهذه القيمة الغالية العالية الرفيعة يكوِّن ثروة يغير بها الحياة على وجه الأرض، يغير صورتها وكيفيتها، وأما إذا نظرنا إليه كما ينظر إليه أعداء البشر، كآكلة استهلاكية يأكل ويشرب، وليس متطلباته إلا الطعام والشراب واللباس فإنه يصبح عبئاً، وتصبح كثرة البشر مصيبة، إذ يتحول الإنسان إلى أسوأ من البهيمة، إنهم يتعاملون مع البشر على أنهم كالبهائم والعياذ بالله، وبالتالي لا بد من تنقيصهم، والإنسان إنما يصبح أهلاً حين ينتسب إلى آدم ﵇ الذي كرمه الله ، وخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وعندما يحقق العبودية لله سبحانه، وعندما يتخلص من أسر الشهوات، وكأنه ولادة جديدة، كما قال ربنا : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وفي قراءة أبي وهي قراءة تفسيرية: ((وهو أب لهم)) فقد كان النبي ﷺ أباً للمؤمنين، وأزواجه أمهات للمؤمنين، وإنما كان أباً لهم ﷺ ؛ لأنه بنبوته ولدت قلوبهم وخرجت أرواحهم من ظلمات الجهل والظلم والشهوات والغي والفساد إلى نور الإيمان والمعرفة والتوحيد، كما قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢].

стр. 333

الحكمة من مشروعية الصيام لقد كان الصيام فرصة عظيمة للارتفاع والسمو والإصلاح الداخلي الذي نحتاج إليه أعظم احتياج؛ لأنه لا غنى لنا عنه، وإلا صرنا في مصاف البهائم نرتع كما ترتع، وإنما شرع الله الصيام لتحقيق التقوى، ولنتحكم في أنفسنا؛ لكيلا يكون الإنسان عبداً لشهواته، بحيث تتحكم فيه الشهوات، ويصبح هو الذي يتبعها، ويتبع الهوى، ومن اتبع الهوى كان أمره فرطاً، قال : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وأنت في هذا الشهر الكريم تذكر الله ، وقد فتحت لك أبواب الطاعات وأبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وأُعنْتَ بتصفيد الشياطين، وأعنت بتوفيق الله بمناد ينادي: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) وفي كل يوم من أيام هذا الشهر الكريم المبارك أعنت على هواك حتى لا تتبعه، وحتى يكون الأمر مستقيماً لا فرطاً، وبترك ذكر الله والغفلة عنه وباتباع الهوى يصبح الأمر فرطاً، نعوذ بالله من ذلك، فهل وعينا ما شرع الله لنا؟ وهل حققنا ما شرع لنا؟ وهل بدأت نفوسنا تولد من جديد؟ وهل بدأت تتحرر من أسر شهوات البطن والفرج، والتي تعمي الإنسان وتغلق قلبه عن الفهم، وتجعله لا يرى من الدنيا إلا عبودية هذه الشهوات: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)؟ إن التعاسة التي يعيش فيها أكثر البشر إنما منبعها أنهم ابتعدوا عن البشرية والآدمية، وصاروا يشاركون البهائم في ما هي فيه، قال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، وقال : ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فبالغفلة عن ذكر الله صاروا كالأنعام والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]، فالله حذرنا من ترك ذكره، وإنما ينسى الإنسان ذكر الله إذا استمر على تلك الغفلة وأهمل نفسه، فيصير والعياذ بالله خارجاً عن طاعة الله، خاسراً لدينه ودنياه، تعيساً في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من ذلك. إن الله شرع لنا في هذا الشهر من وسائل التهذيب ووسائل الإصلاح ما تقترب به النفوس الإنسانية من حقيقتها التي وجدت من أجلها، فهذه العبادات إنما شرعت كأوعية يتحصل الإنسان بها الطهارة والنقاء. إن الإنسان يحتاج إلى غذاءين، الأول غذاء للبدن، ويكفيه منه لقيمات يقمن صلبه، وأنواع الملذات إذا تيسرت فبها ونعمت، وإلا فالإنسان لا يعيش من أجلها، وأما من يشغل فكره بأنواع الأطعمة ويتململ من نوع واحد، ويقول: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) [البقرة:٦١]، فذهنه مشغول بالفوم والعدس والبصل وأنواع الأطعمة كما تشتهي البهائم، فهذا الإنسان الذي همه في شهوة بطنه وشهوة فرجه، وشهوة العلو والفساد في الأرض، نعوذ بالله من ذلك، دمَّر نفسه وحياته، وقد شرع الله لنا في هذا الشهر الكريم ما تزكو به النفوس وتتحرر، فشرع لنا في أثناء نهار رمضان الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة، لكي نتحكم في أنفسنا، وشرع لنا في ليل رمضان أن نتناول ما نحتاج إليه من طعام وشراب. الثاني: غذاء للروح والقلب، غذاء بذكر الله الذي هو المقصود الأعظم من العبادات، كما قال عن خير عبادة وهي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. فذكر الله في الصلاة أعظم وأكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، قال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، فالصلاة تذهب السيئات، إذ أنها تقرب الإنسان من الله، وهي ذكرى للذاكرين، فإذا حصلت هذه التغذية للقلب نما وتطهر من أدران وأمراض الخبث والفساد الذي يحل فيه، وكلما استسلم للشهوات صارت إراداته كإرادة البهائم. إذاً: لا بد لنا من هذا الغذاء الآخر، غذاء الروح والقلب، وذلك يكون بذكر الله .

стр. 334

أهمية الإخلاص والخشوع في العبادات إن العبادات كلها كالأوعية التي تقف بها على باب الكريم، حتى يفيض فيها عليك من نعمته وفضله، ومن عطائه وجوده، فيفيض على قلبك من أنواع الحب والخوف والرجاء والإنابة والشوق إليه ، وإلا فلا تغني عنك العبادات شيئاً، وإذا لم ينل قلبك نصيباً منها صارت العبادات حركات تريد أن تنتهي منها، وصارت الصلاة طويلة، وصار الصيام مشقة وصعباً، وصار الحج مفارقة للوطن والأهل، ونفقة وغرماً على صاحبها، وتعباً في أماكن ليست مهيأة للنزول، ونوماً على التراب أو وقوفاً في الجبال أو نحو ذلك، وصارت الزكاة مغرماً ينقص المال بسببها، فإذا لم تع ما في هذه العبادات -مما شرع الله من أنواع التغذية الباطنة للقلب، ومن أنواع العبودية الخالصة لله ، فلن تحصل على هذه العبودية القلبية إلا إذا أتيت بالوعاء، فكثير من الناس قد يظن أنه يمكن أن يحصل له غذاء لقلبه وحياة لروحه بدون العبادة، وليس ذلك ممكناً، بل لا بد أن تأتي بالوعاء وتقف على الباب وتدقَّه، وتطلب وتتذلل وتتضرع إلى أن يفتح الباب فيفيض الله عليك من نعمه.

стр. 335

مجاهدة النفس والانتصار عليها طريق للانتصار على الأعداء قال بعض الصالحين: جاهدت نفسي على قيام الليل سنة، واستمتعت به عشرين سنة. فجهاد النفس لن يطول بإذن الله تعالى، وإنما هو يسير؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. لا بد أن ننتصر على أنفسنا، لا بد من هذا الانتصار الداخلي حتى يتحقق الانتصار الخارجي، ولذا كان شهر رمضان عند أهل الإيمان شهر الانتصارات، وشهر تحقيق أعظم الفتوحات بفضل الله ، ففي يوم السابع عشر من رمضان كانت غزوة بدر التي انتصر فيها الإسلام ودحر الشرك والكفران، وعُبِدَ الله في الأرض بها إلى يوم القيامة، وكان هذا بفضله على أهل الإيمان. وفي رمضان كان فتح مكة البلد الأمين الذي جعله الله خير موضع على وجه الأرض، وانتشرت منه دعوة التوحيد إلى أقطار الأرض، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ويئس الكفار من إزالة دين الإسلام من على وجه الأرض، وإنما غاية ما وصلوا إليه: تحجيمه أو تقليله أو صرف الناس عن حقيقته، أما أن يزال فلقد قال : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ولم تزل انتصارات المسلمين في رمضان تتابع بفضل الله سبحانه؛ لأن الإنسان إذا انتصر على نفسه انتصر على عدوه، وإنما يهزمه العدو إذا كان قد انهزم من الداخل؛ لأن هناك تحالفاً بين الشيطان وبين الكفار بمللهم المختلفة، فهم متعاونون على الكفر والفساد في الأرض، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، نعوذ بالله من شرهم، فإنما ينتصرون علينا بذنوبنا، ولذا كان من أهم ما يدفع به المسلمون عن أنفسهم تسلط الأعداء الاستغفار والتوبة إلى الله ، قال : ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧ - ١٤٨]، وقال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤ - ٥]. فبمغفرة الله تدفع الفتنة، وبالاستغفار يدفع ضرر الأعداء وأذى الظالمين وتسلط المجرمين، فيهم إنما تسلطوا علينا بذنوبنا، فهل من فرصة أوسع من هذا الشهر الكريم لاستجلاب الخيرات، ودفع المضرات، وكشف الكربات عنَّا وعن إخواننا المسلمين في كل مكان، لا بد أن نجتهد أعظم اجتهاد في تحصيل هذا الصلاح الداخلي والخارجي حتى يتحقق النصر على الأعداء بإذن الله ﵎. نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يعلي بفضله كلمة الحق والدين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 336

أهمية تدبر القرآن في شهر رمضان وغيره الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. أما بعد: فقد قال الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:١٨٥]، وقال : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦]. فالله جعل القرآن حياة للقلوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، وجعل القرآن إذا مر بالقلب كالمطر الذي يحيي الأرض بعد موتها: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧]، وجعل القرآن وخصوصاً في هذا الشهر الكريم سبباً لإيقاظ الهمم والإرادات، وإحياء القلوب بهذه العبادات العظيمة إذا تدبرت القرآن، فلا يكن هم أحدكم آخر السورة، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعندما قال له رجل: (قرأت المفصل في ركعة، أو قرأت المفصل في ليلة، فقال له: هذاً كهذ الشعر، إني لأعلم النظائر التي كان يقرن بينها رسول الله ﷺ ، سورتين في كل ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات)، فلم يكن ﵌ في كل الليالي يكثر القراءة جداً، كما قد يهتم الكثير منا بذلك، وإنما كان يهتم ﷺ وينشغل بتدبر آيات القرآن، كما ثبت في الصحيح عنه ﷺ : (أنه قام ليلة كاملة بآية واحدة، وهي قوله : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، فكان يقرؤها ويبكي ويتضرع لربه ، ويقول: يا رب أمتي أمتي). وقام بعض الصحابة ﵁ ليلة بقوله : ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨]. فالذي ينبغي عليك أيها المسلم ألا تهتم فقط بالختمة، وإنما تهتم بأن تقف عند الآيات، تقف بقلبك فتتدبر وتتعظ بمواعظ القرآن، وتتغير من داخلك بها، وتسموا بأخلاقك بها، فإذا فسدت الأخلاق فسدت علينا حياتنا، وكثرت مشاكلنا ونزاعاتنا، وكَثُر الحقد والحسد والغل والتنافس على الدنيا، ويكثر الفساد في الأرض بسبب سوء الخلق ونقص الإيمان أو انعدامه بالكلية، فهناك ارتباط وثيق بين الإيمان وبين السلوك، وبين الإيمان وبين القرآن وتدبره.

стр. 337

تدبر القرآن يورث الخشوع في القلب تخشع القلوب إذا تدبرت كتاب الله ، وكما قال عثمان ﵁: (لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام الله)، فعندما تكون القراءة طويلة في الصلاة وتقول: متى يركع؟ ومتى تنتهي هذه الصلاة؟ فتحس بسعادة غامرة عند انتهاء الصلاة، فإن كانت سعادتك بسبب إتمام النعم عليك، فهذا من فضل الله ، وإن كانت سعادتك لأنك انتهيت مما ألزمت به نفسك، وأنت بعد لم تحصل على قرة العين، كما قال النبي ﵊: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فأنت تحتاج إلى مراجعة. فليس المقصود هو مجرد الوقوف: (فرب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)، نعوذ بالله من ذلك. فنحتاج إلى أن تخشع قلوبنا، قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، فتأمل هذا الاقتران جيداً، فإننا لا نجد أنفسنا في الصلاة، ولا تفتح القلوب ولا تفتح الأبواب بكثرة الانشغال باللغو، وبتضييع العمر فيما لا ينفع.

стр. 338

أسباب انغلاق القلوب وفسادها إنما تغلق القلوب وتسد بالمشاركة في اللغو والباطل والمنكرات الفظيعة، فوالله لو كان المشي في الطرقات فقط لكفى به سبباً لإغلاق القلوب، فكيف والناس يطلبون أنواع المنكرات طلباً! وذلك بالجلوس أمام وسائل الإفساد والعياذ بالله، من قبل الإفطار وبعده وهم ينظرون إلى العورات المكشوفة، ويسمعون المعازف المحرمة، وينظرون إلى إعلانات خبيثة منكرة، وهذه الإعلانات تعلن كيف يصبح الإنسان بهيمة، ليس همه إلا الطعام والشراب واللباس وفخامة المسكن، ورفاهية السيارة ووسائل الحياة المترفة، ويروجون لحياة الغرب والشرق والعياذ بالله، بعيداً عن حياة الإيمان والإسلام والإحسان، بعيداً عن معرفة الرحمن ، ومعرفة ما جاء به الرسول ﵊، عندما يقضي الإنسان وقته فقط في النظر إلى هذه الوسائل المفسدة للقلوب والأبدان، فضلاً عما تتضمنه من حث على المنكرات، ومن أنواع الشهوات المختلفة، فضلاً عن أنواع الجلوس على المقاهي، وشرب الدخان المحرم بأنواعه المختلفة، والجلوس مع شياطين الإنس حول الغيبة والنميمة والكذب والسخرية من الناس، ويعجب الإنسان في هذا الشهر الكريم حين يمر بالمقاهي فيجدها ممتلئة عن آخرها، ماذا يصنع الناس فيها؟ يدخنون الشيشة بعد الإفطار، وبعضهم والعياذ بالله يفطرون في نهار رمضان، ولا يدركون الثروة الهائلة التي سرقت منهم، ولا يدركون الجرم الفظيع الذي ارتكبوه، ولو صاموا الدهر كله ما حصلوا ثواب صوم يوم من رمضان تركوه عمداً والعياذ بالله، احترقوا وهلكوا، ماذا يصنعون؟ يلعبون الطاولة والدمن والعياذ بالله، وهي التي قال عنها النبي ﷺ : (من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه). ما بال الناس يكثرون الخوض في لحوم الخنازير وشحومها ودمائها النجسة الخبيثة؟ وكذلك مثلها: اللعب بأوراق الكتشينة وغيرها، فضلاً عن غير ذلك من أنواع المحرمات الأخرى التي لا تزال تنتشر في أوساط الشباب من المخدرات والمسكرات، وأنواع الشهوات المحرمة، وهذه أماكنها معدة ومهيأة.

стр. 339

أسباب تسلط الكفرة والظلمة والمنافقين على المسلمين إن الناس لم يستشعروا ما بأيديهم من كنوز أنواع الخيرات المختلفة، فكيف إذاً ننتصر على الأعداء؟! وكيف نتحرر من سلطانهم وشبابنا ورجالنا ونساؤنا غرقى في هذه المحرمات؟! وكيف نتخلص من تسلط الكفرة والظلمة والمنافقين؟! وكيف يُولى علينا خيارنا بدلاً من شرارنا؟! لا يحصل ذلك إلا إذا تخلصنا من هذه المنكرات، والله يولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون، وإنما يتسلط علينا أعداؤنا كما ذكرنا بذنوبنا، وأمة الإسلام تمر بمرحلة حساسة خطيرة جداً، فقد تجمع أهل الأرض كلهم على دينها، وأرادوا صرفها عنه، وإن تدثروا بدثار الحضارة والمدنية، وهذا أمر لا يشك فيه عاقل، بل يظهرون عداوتهم ويعلنون الحرب على الإسلام، واتهام المسلمين بأنواع التهم علانية صريحة، فماذا ننتظر عباد الله؟

стр. 340

أهمية الدعاء ومدى ارتباطه بشهر رمضان وبالنصر على الأعداء إن شهر رمضان فرصة عظيمة للدعاء والتضرع، قال الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] , وهذه الآية في وسط آيات الصيام؛ لتعلم أن الأمور تتحدد في المحاريب، وأن تغيير الحياة على وجه الأرض يتحدد وتعطى وتوهب ويمن عليك وأنت في المحراب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]، فقد أعطي النبي ﷺ النصر في غزوة بدر في الليلة السابقة منها وفي يومها قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قام النبي ﷺ تحت شجرة يصلي طوال الليل، وقد نام الصحابة استعداداً للمعركة، كما يروي علي ﵁ قال: (ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ قائم تحت شجرة يصلي ويبكي، ويتضرع إلى الله . ومن شدة دعائه واستغاثته يشفق عليه صاحبه الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ويلتزمه من خلفه، ويضع رداءه الذي سقط عنه من شدة رفع يديه في الدعاء، وكان ذلك في يوم بدر في السابع عشر من رمضان، يقول: (يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإن ربك منجز لك ما وعدك) وهكذا أُعطيَ النبي ﷺ الله عليه وسلم النصر في غزوة الأحزاب، وذلك بانصراف الأحزاب عن المدينة وهزيمتهم هزيمة منكرة بفضل الله ، ففي ليلة الأحزاب قبل أن ينصرفوا، قام الرسول ﷺ يصلي من الليل، ثم قال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟)، فلم يجبه أحد، فيتركهم ويصلي ﷺ يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يأمر حذيفة ليأتيه بالخبر، ويعود حذيفة بالخبر السار المفرح برحيل الأحزاب، وأن الله فعل بهم ما فعل من زلزلتهم وهزيمتهم حين ألقى الرعب في قلوبهم فانصرفوا. كذلك عندما أُعدت مريم ﵍ لتحمل هذه المهمة الثقيلة الشديدة بأن تلد المسيح ﵇ من غير أب، قيل لها أولاً: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]، وبعد أن عرفت فضل الله عليها، قيل لها: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢]، فيا أهل الإسلام! قد اصطفاكم الله على الأمم، ومن عليكم بالقرآن العظيم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، واقنتوا لربكم واسجدوا واركعوا مع الراكعين، وقوموا الليل إلا قليلاً، ورتلوا القرآن ترتيلاً، واذكروا الله ذكراً كثيراً، وتضرعوا إلى الله ، من منا من شدة دعائه وكثرته يقول له صاحبه: كفاك مناشدتك ربك، فقد وعد الله بإجابة الدعاء عباده المؤمنين، فقال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، أندرك حجم الأزمة التي نحن فيها حتى يكون دعاؤنا مناسباً لهذه الأزمة؟! أندرك قدر المصيبة التي نزلت بالمسلمين حتى يكون دعاؤنا في هذا الشهر مفتاحاً لأبواب الخيرات ومغلاقاً لأبواب السيئات، ونكون على قدر المسئولية؟! هل ندري كم من المسلمين يتألم في المشارق والمغارب؟! هناك من يتألم لفقد حبيب، أو أسر قريب، أو يتألم لضياع مسكن وهدمه، أو يتألم من جراح أصابته، أو يتألم مما أصاب أمته، أو عرضه وأهله، أو وطنه، أو يتألم لما أصاب أرض المسلمين في المشارق والمغارب، وما أصابهم في حرماتهم التي انتهكت وثرواتهم التي نهبت وبلادهم التي احتلت، كم قدر المصيبة التي نحن فيها؟! هل يتناسب دعاؤنا واجتهادنا مع ذلك، أم أننا ما زال دعاؤنا على الطعام والشراب، وعلى إصلاح أحوال التجارة والأموال، وعلى نجاح الأولاد في الامتحانات، وعلى كذا وكذا من أمور الدنيا؟! هل نفوسنا ارتفعت عن ذلك، أم أننا ما زلنا نعيش في الحضيض؟! نسأل الله العافية. نريد أن نرتفع عباد الله في هذا الشهر، فهو شهر الارتفاع وشهر القيام لا الرقاد، وشهر سمو الروح بولادتها من جديد على يد نبي الله ﷺ بالقرآن العظيم. نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، أصحاب الضلالة ودعاة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزم الكافرين وانصرنا عليهم. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً. اللهم انشر لنا من رحمتك وهيئ لنا من أمرنا مرفقاً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين. اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين. ربنا امكر لنا ولا تمكر علينا، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين. اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 341

صفات جيل النصر المنشود نرى جلياً صفات جيل النصر المنشود مذكورة في سورة الحشر، صفات الصحابة من المهاجرين والأنصار، السابقين إلى الله ورسوله، الذين قام الإسلام على أكتافهم، ونقلوا السنة والقرآن إلينا غظان طريان كما أنزلا، وأتوا بالإسلام إلينا على طبق من ذهب، فهم مصابيح الدجى وأعلام الهدى، بهم استنارت قلعة الدين، وابتهجت طائفة المؤمنين، وزلزل الكفار، ودحر الأشرار. فصبرهم على الجوع والعطش وإيثارهم وحب بعضهم بعضاً، وتضحيتهم بالمال والنفس والولد لإعلاء كلمة الله غير خاف على أحد، فلابد أن نعرف واجبنا نحوهم، أما من طعن فيهم من الشيعة والرافضة وغيرهم، فما لهم عند الله من خلاق.

стр. 342

أهمية الحديث عن صفات جيل النصر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فكلما اشتد الصراع بين الحق والباطل تضرع المؤمنون إلى الله يدعونه أن ينصرهم، وأن يعلي الحق، ويظهر دينه بهم، فلزمهم أن يبحثوا في أنفسهم عن الصفات التي يجب أن يتصفوا بها؛ لكي يحقق الله وعده لهم، فإنما جعل وعده مشروطاً باتصافهم بصفات معينة، وليس وعداً مطلقاً لكل متسم باسم الإسلام أو الإيمان، أو لكل منتسب إلى الدعوة والدين والجهاد، ولكن ذلك لمن شابه أصحاب رسول الله ﷺ وصار منهم وإن لم يلحق بهم، قال الله : ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة:٣]؛ فهم منهم؛ لأنهم على طريقتهم، ولهم بعضاً من صفات الصحابة ﵃، ذلك الجيل الفريد، جيل النصر الذي مكن الله به لدينه، والذي جعله سبباً لانتصار الإسلام وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، ولاشك أن الله إذا اختار قوماً لصحبة نبيه ﷺ ، ولإقامة أول مجتمع مسلم في الأرض؛ فإنهم لابد أن يكونوا خير الناس، كما قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وقال الله مادحاً إياهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. هؤلاء الذين ذكرهم الله قبل وجودهم بقرون وأجيال، وربما بمئات أو آلاف السنين، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]. وقال في خطابه لموسى ﵇ قبل وجود عدة أجداد من أجداد أجداد أجداد الصحابة، فقال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. نحتاج دائماً إلى أن نعرض أنفسنا على هذه الآيات؛ لأن المواجهة الحالية التي بين الإسلام وبين قوى الكفر المتحزبة المجتمعة على الصد عن سبيل الله، وصرف الناس عن دين الله؛ لا يمكن أن تنتصر إلا بمن كانت صفتهم وأحوالهم قريبة من صفات الصحابة ﵃، وذلك أن ظهور الإسلام في مواجهة هذه القوى الكافرة كلها من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين لا يمكن أن يكون بدون الوصول إلى حقيقة العبودية والإيمان والعمل الصالح الذي وعد الله أهله بالاستخلاف في الأرض، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. ولذلك فإننا لا نشك لحظة واحدة في أن النصر المنشود الذي يتطلع إليه المسلمون، وهو نصر يريدونه حاسماً، وعودة للإسلام على خلافة راشدة على منهاج النبوة، لا نشك أن ذلك النصر يمكن أن يحدث على أيدي من يسبون أصحاب رسول الله ﷺ ويبغضونهم، فضلاً عمن يكفرهم ويلعنهم، ونعوذ بالله من سوء حالهم. لذلك أتوقف لحظات مع صفات جليلة وصف الله بها المهاجرين والأنصار؛ لنزن أنفسنا بها، وننظر ما نصيب كل واحد منا من هذه الصفات، فإن الله ذكرهم بصفاتهم؛ لكي يعلم أن الاقتداء بهم في هذه الصفات هو الذي يحبه الله ، وهو الذي شرعه.

стр. 343

الفيء تعريفه وصفات أصحابه ذكر الله تعالى في الآيات التي من سورة الحشر لمن يكون الفيء، والفيء: هو المال المأخوذ من الكفار بغير قتال، وسمي فيئاً؛ لأن أصل هذا المال خلقه الله ليستعين به الناس على العبودية لله ، فلما استغله الكفار في معصية الله والكفر به، والشرك به، أخذه الله منهم ورده إلى المسلمين وأفاءه عليهم، فإن المال مال الله يعطيه لمن يشاء، وهو يبتلي العباد بهذا المال وبغيره من أمور الدنيا ليمتحنهم فيها، فنزع الله ذلك المال من الكفار وأفاءه على المسلمين، وعلى رسوله ﷺ ؛ لينفقه في الوجوه التي أمره أن ينفقه فيها، فكانت هذه الأوصاف التي ذكر الله في المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم مبينة لمن يعيد الله هذا المال إليه، لمن يفيء الله الأمر إليه، ولذلك نرى فيها تبشيراً لمن شابههم في صفتهم، وكما قال النبي ﷺ : (ومن تشبه بقوم فهو منهم) نرى فيها تبشيراً بأن يفيء الله على من تشبه بهؤلاء الصحابة مثل ما أفاء عليهم، وأن ينصرهم كما نصرهم، وأن يؤيد من كان على طريقتهم كما أيدهم، وإن كنا بالتأكيد نجزم بأن أحداً لا يلحق بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فهم سادة الأمة، وهم أساس البناء، والذين تحملوا فترات الإحراق، والتي كانوا فيها يمثلون الإسلام على وجه الأرض كلها، كان أحدهم ربما يكون سبع الإسلام، أو ثمنه مدة من الزمن؛ فكان الواحد منهم يمثل جزءاً كبيراً من الدين رضي الله تعالى عنهم. نحن نعلم فضل الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، ونعلم فضل حبهم ومتابعتهم، وأن أفضلهم بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة وهم: طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ثم أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وكذلك يشهدون بالفضل لأهل بيعة العقبة رضي الله تعالى عنهم، ويعرفون فضل ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، وأصح الأقوال في هذا الفتح: أنه صلح الحديبية، فمن أسلم وهاجر وجاهد ونصر الدين قبل صلح الحديبية أعظم درجة من الذي أسلم وهاجر ونصر الدين بعد صلح الحديبية الذي سماه الله فتحاً. ويعتقد أهل السنة: أن الله اطلع على أهل بدر فقال: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) كما قال النبي ﷺ . ويعتقدون ما قال النبي ﷺ من قوله: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إن شاء الله). وهم يعرفون فضل المهاجرين، ويقدمونهم على الأنصار كما قدمهم ربهم في كل المواطن التي ذكر فيها المهاجرين والأنصار، فهم أساس البناء الذي تحمل فترات الشدة، التي كان الإسلام فيها مضطهداً في الأرض كلها، فرضي الله تعالى عنهم.

стр. 344

تحمل عنا الفقر والهجرة من أجل الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨ - ١٠]. أول وصف وصف الله ، من يستحقون الفيء: أن يكونوا من الفقراء المهاجرين، فقال: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) فالفقراء المهاجرون رضي الله تعالى عنهم تحملوا في سبيل الله الفقر، فقد كانوا قبل ذلك فيهم من له المال والعشيرة والوجاهة والوطن والدار والتجارة الرابحة، ثم تركوا ذلك لله ، وتحملوا أن ينتقلوا إلى دار غريبة عليهم، صارت بعد ذلك أحب إليهم؛ لأنهم تركوا من أجلها وطنهم وأرضهم وديارهم وأهليهم. فالله ذكر تضحيتهم في سبيله ، وتحملهم مشاق قلة المال، والبعد عن الوطن، والأهل والعشيرة، ولا شك أن الإنسان يكون مستريحاً أكثر في المسكن الذي يرتضيه، والذي نشأ فيه، وفي البلد الذي يحب أن يعيش فيه، خصوصاً إذا كان أحب بلاد الله إلى الله، وجعله الله محبوباً إلى قلوب عباده المؤمنين، وهي: مكة المكرمة التي قال النبي ﷺ عنها: (والله إنك لأحب البلاد إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت). فلينظر كل منا إلى هذا الأمر، واستعداده للتضحية من أجله، فهؤلاء تحملوا الفقر في سبيل الله ، والغربة عن المساكن التي تركوها لله وجهاداً في سبيله، كما قال في وجوب تقديم حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].

стр. 345

سبب تحمل الجوع والفقر كان المهاجرون ﵃، ممن قدم حب الله وحب رسوله ﷺ على هذه الثمانية: الآباء والأبناء، والعشيرة والأهل والأزواج، والأموال المكتسبة، والتجارة التي يخشى كسادها، والمساكن المرضية، كل هذا ضحوا به في سبيل الله ، وكان فقرهم الذي حصل لهم إنما كان بعدما كانوا فيه من سعة من المال والرزق، وما كانوا فيه من المنزلة؛ فإن قريشاً كانت لها المنزلة الرفيعة عند العرب جميعاً، وكانوا رضوان الله عليهم بما صنعوا يمثلون قدوة في التحمل والصبر والثبات على الدين رغم المشاق، وكان من شأنهم ما ذكره أهل السير والحديث، من جوعهم؟ وزهدهم في الدنيا؟ وصلابة تحملهم للمشاق في سبيل الله؟ يحكي ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ انطلق بجماعة من أصحابه يعودون سعد بن عبادة ﵁، وليس عليهم نعال ولا خفاف ولا عمائم ولا قلانس إلا الأزر رضي الله تعالى عنهم! خرجوا حفاة ليس معهم نعل ولا خف، ولا قلنسوة ولا عمامة، رضي الله تعالى عنهم، ليس معهم إلا الأزر. وكذلك عندما أرسل النبي ﷺ أبا عبيدة أميراً على سرية فيها ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، وماذا كان زادهم الذي زودهم به النبي ﷺ ؟ زودهم بجراب من تمر، نصيب كل واحداً منهم في اليوم تمرة، نام واحداً منهم عن تمرته فما استطاع أن ينهض؛ لأنه كان عاجزاً عن النهوض؛ حتى شهد له أصحابه عند الأمير أبي عبيدة بأنه لم يأخذ تمرته، فلما شهدوا له بذلك قيل له: تعال خذ تمرتك، فانطلق لكي يأخذ التمرة ﵁، كأنما أفاق من الغشيان والإغماء الذي أصابه، كانوا يمصون التمرة والنواة ويجعلون عليه من الماء حتى نفد هذا الجراب من التمر، وجاعوا جوعاً شديداً، حتى أخرج الله لهم حوت العنبر، فأكلوه في البداية متأولين أنهم مضطرون لأجل الجهاد، حتى بين النبي ﷺ لهم أن هذا رزق ساقه الله إليهم، وأكل من لحمه؛ لأنه من صيد البحر الذي أحل الله ميتته. وكان رسول الله ﷺ يعصب على بطنه حجرين من الجوع، وكان الصحابة يعصبون على بطونهم حجراً حجراً رضي الله تعالى عنهم.

стр. 346

إنفاق الأموال في سبيل الله أنفقوا أموالهم في سبيل الله، فمنهم من أنفق ماله كله كـ أبي بكر الصديق ﵁، وكان يقول للنبي ﷺ : تركت لهم الله ورسوله، لذا يقول النبي ﷺ : (إن أمنَّ الناس علي في نفسه وماله أبو بكر) ﵁، ويقول: (وكل أحد كافأناه بها إلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يجزيه الله بها يوم القيامة) رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والنبي ﷺ كان يصبر أصحابه بأنه لا يخشى عليهم الفقر، مع أنهم كانوا في شدة الحاجة فيصبرهم النبي ﷺ ويقول لهم: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم). خطب عتبة بن غزوان ﵁ فقال: ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ مالنا طعام إلا ورق الشجر، فالتقطت بردة فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، قال: ما أصبح كل واحد منا إلا أميراً على مصر من هذه الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله حقيراً. رضي الله تعالى عنهم. انظر كيف كان حالهم؟ ليس لهم طعام إلا ورق الشجر، وتحملوا هذا فعلاً في سبيل الله، وصبروا على الفقر، ولذا يدخل فقراء المهاجرين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، رضي الله تعالى عنهم وفي الحديث: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)، ربما الواحد منا الآن لا يستطيع أن يتحمل مخالفة عادته في الأكل والشرب أو المنام، انظر ماذا يصنع الناس في الحج وهو لا جهاد فيه ولا شوكة، وأن ينام الإنسان جزءاً من ليلة في مزدلفة مثلاً على غير فراش بالعراء شيء يسير، وتجد أكثر الناس يتركون المنزل ولا يتحملون إلا ربع ساعة، أو نصف ساعة، أو ساعتين على الأكثر، وقلة هي من تحتمل ذلك إلا ما شاء الله . وكذلك المبيت بمنى مثلاً، فالناس لا يتحملون مخالفة العادة في الأكل والشرب؛ التي تعودوا عليها، فهل نحن فعلاً مستعدون للتضحية بالأموال والأنفس والثمرات، فضلاً عن تحمل الخوف؟!

стр. 347

تحمل الصحابة الجوع والخوف وصور جوعهم قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]، إن ذكر الخوف ينبئنا بما كان عليه الصحابة ﵃ من شعور ضروري يلازمهم باستمرار الحياة المعتادة، وتحملهم لهذا الشعور في سبيل الله من أعظم ما يثيب الله عليه. أكثر الناس من أجل الشعور بالأمان مستعد لأن يضحي بالتزامه وبطاعته لله، وبعمله من أجل الإسلام، بل ربما يضحي بعمله بالإسلام لكي يكون آمناً مطمئناً مع أن هناك خوف أشد، فالمؤمن إنما يسعى للأمان الحقيقي يوم الفزع الأكبر، والله ذكر وقوف المؤمنين المطمئن فقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]، وقال : ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩]، وهذه كلها مشاق، تحملها المهاجرون ﵃. يقول النبي ﷺ : (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد). ويرخج النبي ﷺ وأبو بكر وعمر من بيوتهم من الجوع، فيجدهم أبا الهيثم بن التيهان الأنصاري ﵁؛ لكي يأكلوا عنده وليس عندهم شيء. النبي ﷺ يأتيه رجل فيقول: إني مجهود، أي: أصابني الجهد من شدة الفقر والحاجة، فيرسل النبي ﷺ إلى بيوت نسائه واحدة واحدة، وتسع نسوة للنبي ﵊ كل واحدة منهن تقول: والله ما عندي إلا ماء -ليس في أبيات رسول الله ﷺ إلا ماء- فيقول النبي ﷺ : من يضيف هذه الليلة يرحمه الله، فيقول رجل من الأنصار: أنا، رضي الله تعالى عنه، ويذكر أن هذا هو سبب نزول قوله سبحانه: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ))، فانطلق هذا الرجل بهذا الضيف لامرأته وقال: هذا ضيف رسول الله ﷺ فلا تدخريه شيئاً، قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، رضي الله تعالى عنهما وعن أولادهما، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، ثم قومي فأطفئي السراج، وأشعريه أنا نأكل، ونبيت ليلتنا طاويين، ففعلت رضي الله تعالى عنها، وهذا والله من الأمر العجيب، أنها تقدم ضيف رسول الله ﷺ وليس فقط على نفسها بل حتى على أولادها، والأب والأم يمكنهم أن يقدموا الضيف على أنفسهم، لكن أن يقدم على قوت الصبية من أجل أن يطعم المسكين الفقير المجهود الذي أوصى به النبي ﷺ فهذا هو العجب، وانظر إلى ما كان عليه الحال عندهم من الشدة. وأبو هريرة ﵁ يقسم أنه يسأل عمر ﵁ عن آية من كتاب الله، ما يسأله إلا لأجل أن يطعمه، ويسأل أبا بكر عن آية من كتاب الله، ما يسأله إلا لأجل أن يطعمه، ويفهمه الرسول ﷺ ويأمره أن يلحق به، ويجد إناء من لبن أهدي إلى النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (ادع لي أهل الصفة)، فيقول: كنت أنا أولى بهذه الشربة لكي أتقوى بها، والآن إذا دعوت أهل الصفة أمرني أن أسقيهم فكنت آخرهم شرباً فما عساني أن يدركني شيء من هذا اللبن. لكن يبارك الله في هذا اللبن، حتى يشرب منه سبعون من أهل الصفة، وأبو هريرة ﵁ آخرهم كما توقع، لكنه شرب حتى قال للنبي ﵊: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً رضي الله تعالى عنه، وصدق رسوله الكريم ﷺ ، فتبسم النبي ﷺ ، وعند أن شرب الفضلة، ظل يقول له النبي ﷺ : اشرب اشرب اشرب، حتى قال: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً. انظر كيف كانت حياتهم رضي الله تعالى عنهم، وكيف كان تحملهم للفقر في سبيل الله . فهذا الأمر، وهو تحمل المشاق والمصاعب هل عندنا استعداد لأن نتحمل من المصاعب مثلهم؟! نسأل أنفسنا هذا السؤال، ونزن أنفسنا فيما يتعلق بهذه الصفة.

стр. 348

مفهوم الهجرة وفضلها لا تظن أن الهجرة فقط هي الانتقال من دار الحرب إلى دار الإسلام، فالمهاجرون هاجروا الهجرة العظيمة السابقة التي فازوا بها بشهادة من رب العباد في كتابه ، فسماهم المهاجرين. لكن هناك معنىً أوسع للهجرة بينه النبي ﷺ ، فهم فعلاً تركوا الوطن والأهل والتجارة لله ، وباعوا ذلك لله وربح بيعهم، كما قال النبي ﷺ لـ صهيب: (ربح البيع أبا يحيى) فعندما دلهم -أي: كفار قريش- على ماله ليأخذوه ويتركوه يهاجر في سبيل الله . فعندما هاجر المهاجرون تركوا كل ما استراحوا إليه من الأهل والمسكن والأموال والتجارة، والعمل المناسب، وانتقلوا إلى دار غريبة عليهم، وكل هذا هجرة في سبيل الله ، فهل لنا نصيب من الهجرة؟ نعم، قال النبي ﷺ : (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فكل عادة، تعودت عليها، واسترحت إليها، لكن فيها معصية لله ، فإذا هجرتها، فأنت مهاجر إلى الله، والمهاجر: من هجر السوء، يعني: أن تترك ما نهاك الله عنه وإن كنت محتاجاً إليه، كعادة من العادات، بل للمسلمين اليوم نصيب كبير جداً من أن يكونوا من المهاجرين؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: (عبادة في الهرج كهجرة إلي) رواه مسلم في صحيحه. فالعبادة في وقت الفتن هجرة، وما أكثر الفتن من الصد عن سبيل الله، والإعراض عن دينه، وترك الالتزام به، ومن الفتن عدم العمل بدين الله تعالى في كل مجالات الحياة وحصر العمل في الأسرة، ثم يقولون: نعبد الله في أنفسنا، مع أن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فليس من العبادة أن تبقى في دارك تاركاً لكل المنكرات تتفشى، وتذهب إلى عملك ساكتاً عنه، ثم تلاقي الناس ولا تنكر، وإنما تصلي ما عليك من ركعات وكفى، ليست هذه هي العبادة المقصودة، وإنما العبادة: أن تمتثل طاعة الله، وأن تترك ما حرمه ، لتكون مهاجراً، وفي الحديث: (عبادة في الهرج كهجرة إلي) وذلك لأن الوقت وقت فتن، فتشتد فيه الأمور، ويصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، ولذلك يكون مهاجراً.

стр. 349

حقيقة الهجرة إلى الله ورسوله انظر إلى العادات التي تعودت عليها، وانظر ماذا يخالف شرع الله منها، وما يعيقك عن لذيذ العلم والعمل، ثم اهجره، واهجر كل ما نهاك الله عنه؛ لكي ينطلق قلبك إلى الله ، وذلك أن الهجرة هي هجرة إلى الله وهجرة إلى رسوله ﷺ ، وتكون بالقلب كما تكون بالبدن، عندما يشرع بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، لكن الهجرة بالقلب فرض في كل حين. الهجرة إلى الله: أن تهجر كل ما نهاك الله عنه، فتهجر التوكل على غيره إلى التوكل عليه، والخوف من غيره إلى الخوف منه وحده، وحب غيره والحب لغيره إلى الحب له وفيه ، ورجاء غيره وابتغاء غير وجهه إلى رجاء فضله وابتغاء وجهه سبحانه، وهكذا في كل عبادة من العبادات تهجر ما نهاك الله عنه إلى ما يحبه ويرضاه. وأما الهجرة إلى رسول الله ﷺ فكما يقول ابن القيم ﵀: هي سفر النفس في كل مسألة من مسائل الإيمان وحادثة من حوادث الأحكام، ومنزلة من منازل القلوب إلى معدن الهدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق ﷺ ، فخذ كل مسألة طلعت عليها شمس رسالته، وإلا فاقذفها في بحر الظلمات، وكل شاهد عدله هذا المزكي، وإلا فعده من أهل الريب والظلمات. فهذه الهجرة إلى رسول الله ﷺ ، تهاجر إليه بالفعل عندما تشتد الفتن، وتكثر العقائد الفاسدة، والعبادات الباطلة والبدع فيها، ويترك الناس العبادة الصحيحة، وربما تركوا العبادة بأسرها، فصارت الصلوات مهجورة، والزكاة لا تؤدى، والصيام الواجب يجهر فإفطاره، ويقل الحج، بل تعثر خطوات من يريده، ونحو ذلك، فإذا حدث ذلك، فأداء العبادة في هذا الوقت أعظم. وكذلك تكون الهجرة بالقلوب، وأحوال الأخلاق، عندما تتغير القلوب والأخلاق، ويكون الالتزام بالسنة في هذا المقام هجرة إلى رسول الله ﷺ . فللمسلمين نصيب في الهجرة في كل وقت، وليست مقصورة على انتقال البدن الذي به يكون الإنسان مبتعداً عن رؤية أهل الكفر والفساد والظلم، مع إقرارنا أن رؤيتهم ومعاشرتهم من أسباب شقاء الإنسان، ومن أسباب العذاب إلا أن يكون داعياً إلى الله، فيعاشرهم بشرع الله لأجل الدين، ويدعوهم إلى الله .

стр. 350

تحمل الإخراج من بين الأهل والمال والولد قال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] فتحمل هؤلاء المهاجرون ألم الإخراج، ومعلوم: أنه لأن تخرج بنفسك أهون من أن تخرج. فإخراج الإنسان من داره أمر شديد على النفس، وذلك يجعل كثيراً من الناس يتركون الالتزام، والإنسان الذي تحمل ذلك الخطر، أو ذلك الفعل ولو للحظات قوي العزيمة والدين، وقد يخرج الإنسان من داره يوماً أو يومين أو ثلاثة أو شهراً أو شهرين أو أكثر ظلماً وعدواناً بغير حق إلا أن يقول: ربنا الله. وكذا أن يخرج من ماله، فيفسد عليه ماله، وتفسد تجارته، أو يمنع من ممارستها، أو ممارسة عمله الذي يتكسب منه ما يحتاجه، إن ذلك أمر شديد على النفس، وخصوصاً من كانت أموره متأثرة كالمهاجرين رضي الله تعالى عنهم قبل هجرتهم، وقبل التزامهم بدين الله ، ودعوة النبي ﷺ . فتحمل هذا الإخراج من الديار والأموال هو من أعظم الصفات الجاذبة لتأييد الله ونصرته، وأن يعوضهم الله خيراً مما فاتهم، فما كانوا يتصورون أبداً أن يطأوا بلاد الكفار التي بجوارهم، بل صار كل واحد منهم أميراً على مصر من الأمصار، قال الله عن بني قريظة: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧]، فحصون اليهود في المدينة ما كان العرب قبل الإسلام يطئونها أبداً، وما كانوا يسمحون لهم بالدخول، ولا كان يفكر المسلمون بأنهم سوف يدخلونها أبداً، كما قال : ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢] ثم كانت العاقبة أن أفاء الله عليهم أموال بني النضير وبني قريظة ومكن لهم جزيرة العرب كلها؛ لأنهم تحملوا في سبيل الله ألم الإخراج من الديار والأموال، وضحوا بذلك في سبيله . هذه الصفة أي: الاستعداد للتضحية والبذل والعطاء لا بد أن تكون موجودة في هذا الجيل، وأن يتحمل الإنسان أنواع المشاق بما فيها ألم الإخراج والخوف في سبيل الله .

стр. 351

الإخلاص لله لنيل رضوانه قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر:٨] فلا يبتغون شيئاً من الدنيا، ولابد من وجود الإخلاص في كل عمل، وأن يبتغي الإنسان وجه الله ، ولا يريد جزاءً ولا شكورا، ً كما قال عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]. فقوله: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)) أي: يبتغون الفضل والثواب والجنة والرضوان، وهو من أعلى ما يطلبه المؤمن؛ لأنه ذاق في هذه الدنيا حب الله ، وعرف أن رضاه هو أعظم شيء يعطاه الإنسان، فهذا ذاق أثر الطاعة؛ فإن الإيمان: هو أثر من آثار رضاه عن العبد، ولذلك عندما يذوق الإنسان حلاوته يعلم بالفعل أن رضوان الله من أعظم ما يطلب، كما قال : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: أكبر من الجنة فعلاً، نعني بذلك: أكبر من الثواب الحسي في الجنة، فرضوان الله هو الذي جعل الجنة دار الأبرار، والرضا الأعظم هو الرضا الذي لا سخط بعده، كما يقول الله لأهل الجنة -كما ثبت في الحديث الصحيح-: (تريدون شيئاً أزدكم؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من هذا، ألم تبيض وجوهنا؟ وتدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ فيقول: بلى أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً). فهذا الرضوان الذي يبتغيه المؤمن، ويريد أن يرضي الله بكل طاعة، إلى أن يصبح الشخص مرضياً عنه، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، حتى يكون محبوباً عند الله ، كما قال في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). إذاً: فهناك مرحلة أخرى، فهو يحب منه قبل هذا كله فعل كل عمل صالح، لكن إذا واظب على النوافل بعد الفرائض، وصل إلى أن يكون محبوباً بذاته عند الله؛ لذا يكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأل الله ليعطينه، ولئن استعاذ به ليعيذنه، وهذا من علامات قبول العبد عند الله، وكل هذا جزء من الرضا، وإلا فالرضا الأعظم: هو الذي لا سخط بعده، وهو إنما يكون يوم القيامة، وبرضاه دخلوا الجنة، ولكن رضا أتم، وهذا أعظم ما يمكن أن يوجد، إن نصيب العبد من الله هو أعظم ما يسعد الإنسان، وأعظم ما يجد به السعادة في الجنة أن ينظر إلى وجهه، وأن يستشعر رضوان الله، وأن يعلم بكلام الله أن الله أحل عليه رضوانه. كما قال سبحانه: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)) هذا الذي يحرك في الإنسان كل الدوافع الحسنة والطيبة للإخلاص، وربما يعاني الواحد منا من منازعات الرياء والشهرة والسمعة ومدح الناس له، وفي ذلك أعظم ما ينقله نقلة سريعة إلى الإخلاص، فيبتغي ما ذكر الله، ويفكر كثيراً في الثواب والفضل من الله، ويفكر في رضوانه، وعندئذٍ سوف يصغر العالم كله في قلبه، وعند ذلك يسهل عليه الإخلاص، ويتيسر عليه أن يكون مخلصاً لله في كل عمل؛ لأنه وضع نصب عينيه رضوان الله، وعلم أنه يعامل الله ، ووضع نصب عينيه الوصول إلى أن يحبه الله، ويريد رضوانه، وثوابه في جنته، وهذا الذي يمحو من قلبه هذه الدنيا فتصغر جداً، فلا يمكن أبداً بعد ذلك أن يعمل من أجل مدح مادح، أو يفر من ذم ذام، أو أن يبتغي شيئاً من حطام الدنيا من رياسة، أو مال، أو شهوة، نسأل الله العافية، وأن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح، ونعوذ بالله أن نشرك به شيئاً نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه.

стр. 352

نصرة الله ورسوله شرط النصر على الأعداء قال الله تعالى: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، نصرة الله هي نصرة دينه، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. ونصرة رسول الله ﷺ نصرته حياً، ونصرته ﷺ بعد وفاته نصرة سنته، نصرة دينه وطريقته ومنهاجه ﵊، وذلك يقتضي تعلماً لهذا المنهج، وكذا لنصرة الدين لا بد أن تتعلم الدين لتعلم ما الذي تنصر، ولا يكفي أن تكون عاملاً بالدين فقط، بل لابد لكي تكون عالماً بالدين عاملاً من أجله.

стр. 353

دور المسلم في نصرة دينه لا يكفي أن تقف موقف المتفرج المشجع، وأنت ترى الصراع الشديد في كل مكان أعداء للإسلام، خصوصاً من قبل اليهود فإنك تجدهم من وراء كل مكر بالإسلام وأهله، وكل أنواع الكفار تجد تعاونهم مع اليهود من أجل كيد المسلمين في المشارق والمغارب، والله، وهذا الكيد لا يمكنك أن تقف فيه وقفة المتفرج، وتقول: ماذا يعنيني! أنا أريد أن أكون ملتزماً في نفسي. بل لا بد أن تنصر الله بنصرة الدين، وتنصر رسوله ﷺ بنصرة سنته. فإن قلت: ماذا أصنع؟ فنحن لا نستطيع أن نصنع للمسلمين شيئاً ولا نستطيع أن ننصر المسلمين المستضعفين في الأرض التي اغتصبها العدو فماذا نعمل؟ لا، بل أنت تستطيع الكثير، وذلك أن نصرة الدين ليست مختصة فقط بأرض معركة مع الكفار، فنصرة الدين تكون في كل موطن يحدث فيه منازعة، حتى في داخل نفسك، بين نفسك الأمارة بالسوء والشيطان من جهة، وبين أمر الله وأمر رسوله ﷺ من جهة أخرى، واعظ الله في قلب كل مؤمن: يعظك بأن تلتزم بدينه وأوامره، ويجعلك في صراع داخلي، ولذلك يسمى هذا النوع: جهاداً كما قال النبي ﷺ : (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله). نعم، يجاهد الإنسان نفسه وهذا درجة من درجة الجهاد، بل يبنى عليه الجهاد الأصل، وهو الذي يفتح الباب له، فلا بد أن تنصر الله أولاً في نفسك بأن تتعلم الدين، وتترك هذا الكسل والتواني والتأخر والتخلف عن معرفة هذا الدين. وكذلك تنصره بالعمل به، وبالدعوة إليه وبالصبر عليه في كل معاملة تعامل الناس فيها، لم تقصر أمر النصر على أنك تمسك سلاحاً فقط؟ إن نصرة الدين تكون في كل معاملات تعامل الناس فيها وتجد الدين مبعداً عن الحياة، فانصر الدين بإحيائها، وأنت كل يوم ترى من المنكرات ما تراه، فلا بد أن تنصر الله بأن تنصر هذا الدين في نفوس من حولك من الناس، وتنكر هذا المنكر، كما قال سبحانه: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) فبقدر نصرة الدين بقدر ما تنصر أنت. لماذا نعجز عن تغيير الواقع الذي يعيشه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما نحب من إعلاء الدين وإظهاره وانتصاره على الكفرة؟ لأننا فرطنا في نصرة الدين، فوعد الله لا يخلف، ولو أننا نصرنا الدين في كل موطن نجد فيه معركة بين الالتزام بالدين وبين أعداء الالتزام، لجاء النصر من السماء؛ هأنتذا ترى الشبهات والشهوات في كل وقت، فلو نصرنا الدين فسيفتح الله لنا من أبواب القدرة ما لا نقدر عليه الآن، وما نعجز عنه الآن، فنحن ما زلنا عاجزين؛ لأننا لم نصعد خطوات السلم كما ينبغي. كثير منا لم يصعد السلم ورأى الباب مغلقاً، فقال: لا أستطيع، فالباب مغلق، ولن أصعد درجة السلم، لماذا لا ينفتح الباب؟ لأنك لم تصعد درجة السلم، ولو صعدت درجة السلم، وحاولت فتح الباب فسوف ينفتح، فمن عمل بما قدر عليه رزقه الله القدرة على ما لا يقدر عليه. كثير من الناس يظن أنه يكلف ما لا يطيق، كلف مثلاً بأن يكسر صخرة؛ فيظن أنه بلا معول يكسرها؛ فينطح رأسه فيها، ويقول: أنا أصنع ما أقدر عليه، لا، ليس هذا الذي تقدر عليه؛ ولست مأموراً بأن تدني رأسك فتكسرها، لكي تقول: إنك تنصر الدين. لابد أن تأخذ بالأسباب التي توصل إلى كسر هذه العوائق والانتصار عليها، واصعد السلم ولن يبق إلا فتح الباب؛ لأن الله وعد بذلك فقال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)). لماذا لا نجد هذا الأمر موجوداً؟ لأجل التقصير الذي وقع في نصرة الدين، وفي نصرة رسول الله ﵌.

стр. 354

نصرة الصحابة لرسول الله يوم أحد كيف نصر الصحابة رسول الله ﷺ ؟ نصروه أعظم النصر. انظر إلى حال طلحة بن عبيد الله في غزوة أحد مع النبي ﷺ ، وسبعة من الأنصار ﵃، فيرهقهم المشركون ويدركونهم، ويصعدون إلى النبي ﷺ ، يريدون قتله ﵊، فيقول النبي ﷺ : (من يردهم عنا ويكون رفيقي في الجنة)، فينتبه طلحة فيقول له: اجلس، فينتبه رجل من الأنصار فيقاتل حتى يقتل رضي الله تعالى عنه، ويطلب المشركون رسول الله ﷺ ثانية، فيطلب النبي ﷺ أن ينتبهوا لهم، فينتبه السبعة من الأنصار واحداً تلو الآخر رضي الله تعالى عنهم، فيقتلون كلهم بين يدي النبي ﷺ دفاعاً عنه ﵊، ثم انطلق طلحة ﵁ يرد المشركين؛ فقاتل كقتال السبعة رضي الله تعالى عنه، حتى رد المشركين عن رسول الله ﷺ . والمشركون ما زالوا طامعين في أن يصلوا إلى النبي ﵊، وطلحة بن عبيد الله ﵁ جعلهم ييأسوا من أن يصلوا إلى النبي ﵊، وجرح جرحاً عظيماً، حتى قال النبي ﷺ لـ أبي بكر وعمر: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) رضي الله تعالى عنه، يعني: استوجب الجنة، وقى النبي ﷺ بيده حتى شلت يده ﵁، وهذا أمر عجيب الشأن، ففطرة الإنسان أنه إذا داهمه شيء يهرب منه، ولكنه لشدة حبه للنبي ﷺ تحركت يديه إلى اتجاه السيف؛ ليقي النبي ﷺ ، وشلت يده رضي الله تعالى عنه، وظل يقاتل طلحة ﵁ حتى قال أبو بكر ﵁ لما سئل عن يوم أحد قال: ذاك يوم كله لـ طلحة رضي الله تعالى عنه. حتى نساء الصحابة ﵅ كان لهن دور في نصرة الرسول ﷺ . فـ نسيبة رضي الله تعالى عنها عندما رأت أن خطراً يداهم الرسول ﷺ انطلقت تقاتل بالسيف رضي الله تعالى عنها، دفاعاً عن النبي ﵊. وهكذا كان دفاعهم عن دينه وسنته ﵊ ضد الردة، وضد مانعي الزكاة، وضد المبتدعين من الخوارج وغيرهم، وقفوا هذه المواقف التي حفظ الله بها الإسلام نقياً صافياً، ووصل إلينا كما أنزله الله، يسهل على كل من أراد أن يعرفه أن يصل إليه بفضل نصرة الصحابة ﵃ لدين الله ولرسول الله ﷺ ؛ ولذا نصرهم الله عدوهم، قال سبحانه: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)).

стр. 355

مفهوم النصرة لله ولرسوله قال الله تعالى: ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، نصرة الله لابد أن تكون صفة أساسية في كل مسلم في كل موطن، وإذا فعلنا ما نقدر عليه فتح الله لنا أبواب ما نعجز عنه، وأعطانا من القوة والقدرة ما لا نستطيعه الآن، كما أن من عمل بما علم رزقه الله علم ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وعندما يشتبه على الإنسان أمراً من الأمور أهو من الحق أم من الباطل؟ من السنة أم من البدعة؟ من المصلحة أم من المفسدة؟ ولا يستطيع الوصول إلى أمر، فليتعبد الله وليفعل ما أمره الله به، وليتق الله فيما يعلم، فيرزقه الله علم ما لم يعلم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فمن اتقى الله رزقه الله علم ما لم يعلم، ومن اتقى الله وعمل بما قدر عليه فتح الله له أبواب ما لا يقدر عليه. وكثير من الناس يريد أن يصعد السلم مرة واحدة، أو أن يكسر الصخرة فينكسر رأسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا بد أن نفهم هذه القضية جيداً، وأن نعمل ما استطعنا في نصرة الدين وإظهاره، وإعلاء كلمة الله في كل موطن نكون فيه، وإذا رأينا صراعاً بين الحق والباطل فعلينا أن ننصر الحق ابتداء من داخل أنفسنا، وفي بيوتنا وجيراننا، وكل مكان نكون فيه، فالواحد منا يعامل كل يوم عشرات من الناس، وربما يجد انهزاماً أمام أعداء الدين، وقبولاً للباطل، وإعراضاً عن الحق، فأين نصرتك للدين في هذا المقام؟
следующие страницы →