← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الإخلاص لله لنيل رضوانه قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر:٨] فلا يبتغون شيئاً من الدنيا، ولابد من وجود الإخلاص في كل عمل، وأن يبتغي الإنسان وجه الله ، ولا يريد جزاءً ولا شكورا، ً كما قال عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩]. فقوله: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)) أي: يبتغون الفضل والثواب والجنة والرضوان، وهو من أعلى ما يطلبه المؤمن؛ لأنه ذاق في هذه الدنيا حب الله ، وعرف أن رضاه هو أعظم شيء يعطاه الإنسان، فهذا ذاق أثر الطاعة؛ فإن الإيمان: هو أثر من آثار رضاه عن العبد، ولذلك عندما يذوق الإنسان حلاوته يعلم بالفعل أن رضوان الله من أعظم ما يطلب، كما قال : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: أكبر من الجنة فعلاً، نعني بذلك: أكبر من الثواب الحسي في الجنة، فرضوان الله هو الذي جعل الجنة دار الأبرار، والرضا الأعظم هو الرضا الذي لا سخط بعده، كما يقول الله لأهل الجنة -كما ثبت في الحديث الصحيح-: (تريدون شيئاً أزدكم؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من هذا، ألم تبيض وجوهنا؟ وتدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ فيقول: بلى أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً). فهذا الرضوان الذي يبتغيه المؤمن، ويريد أن يرضي الله بكل طاعة، إلى أن يصبح الشخص مرضياً عنه، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، حتى يكون محبوباً عند الله ، كما قال في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). إذاً: فهناك مرحلة أخرى، فهو يحب منه قبل هذا كله فعل كل عمل صالح، لكن إذا واظب على النوافل بعد الفرائض، وصل إلى أن يكون محبوباً بذاته عند الله؛ لذا يكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سأل الله ليعطينه، ولئن استعاذ به ليعيذنه، وهذا من علامات قبول العبد عند الله، وكل هذا جزء من الرضا، وإلا فالرضا الأعظم: هو الذي لا سخط بعده، وهو إنما يكون يوم القيامة، وبرضاه دخلوا الجنة، ولكن رضا أتم، وهذا أعظم ما يمكن أن يوجد، إن نصيب العبد من الله هو أعظم ما يسعد الإنسان، وأعظم ما يجد به السعادة في الجنة أن ينظر إلى وجهه، وأن يستشعر رضوان الله، وأن يعلم بكلام الله أن الله أحل عليه رضوانه. كما قال سبحانه: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)) هذا الذي يحرك في الإنسان كل الدوافع الحسنة والطيبة للإخلاص، وربما يعاني الواحد منا من منازعات الرياء والشهرة والسمعة ومدح الناس له، وفي ذلك أعظم ما ينقله نقلة سريعة إلى الإخلاص، فيبتغي ما ذكر الله، ويفكر كثيراً في الثواب والفضل من الله، ويفكر في رضوانه، وعندئذٍ سوف يصغر العالم كله في قلبه، وعند ذلك يسهل عليه الإخلاص، ويتيسر عليه أن يكون مخلصاً لله في كل عمل؛ لأنه وضع نصب عينيه رضوان الله، وعلم أنه يعامل الله ، ووضع نصب عينيه الوصول إلى أن يحبه الله، ويريد رضوانه، وثوابه في جنته، وهذا الذي يمحو من قلبه هذه الدنيا فتصغر جداً، فلا يمكن أبداً بعد ذلك أن يعمل من أجل مدح مادح، أو يفر من ذم ذام، أو أن يبتغي شيئاً من حطام الدنيا من رياسة، أو مال، أو شهوة، نسأل الله العافية، وأن يرزقنا الإخلاص والعمل الصالح، ونعوذ بالله أن نشرك به شيئاً نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه.

стр. 352

نصرة الله ورسوله شرط النصر على الأعداء قال الله تعالى: ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، نصرة الله هي نصرة دينه، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. ونصرة رسول الله ﷺ نصرته حياً، ونصرته ﷺ بعد وفاته نصرة سنته، نصرة دينه وطريقته ومنهاجه ﵊، وذلك يقتضي تعلماً لهذا المنهج، وكذا لنصرة الدين لا بد أن تتعلم الدين لتعلم ما الذي تنصر، ولا يكفي أن تكون عاملاً بالدين فقط، بل لابد لكي تكون عالماً بالدين عاملاً من أجله.

стр. 353

دور المسلم في نصرة دينه لا يكفي أن تقف موقف المتفرج المشجع، وأنت ترى الصراع الشديد في كل مكان أعداء للإسلام، خصوصاً من قبل اليهود فإنك تجدهم من وراء كل مكر بالإسلام وأهله، وكل أنواع الكفار تجد تعاونهم مع اليهود من أجل كيد المسلمين في المشارق والمغارب، والله، وهذا الكيد لا يمكنك أن تقف فيه وقفة المتفرج، وتقول: ماذا يعنيني! أنا أريد أن أكون ملتزماً في نفسي. بل لا بد أن تنصر الله بنصرة الدين، وتنصر رسوله ﷺ بنصرة سنته. فإن قلت: ماذا أصنع؟ فنحن لا نستطيع أن نصنع للمسلمين شيئاً ولا نستطيع أن ننصر المسلمين المستضعفين في الأرض التي اغتصبها العدو فماذا نعمل؟ لا، بل أنت تستطيع الكثير، وذلك أن نصرة الدين ليست مختصة فقط بأرض معركة مع الكفار، فنصرة الدين تكون في كل موطن يحدث فيه منازعة، حتى في داخل نفسك، بين نفسك الأمارة بالسوء والشيطان من جهة، وبين أمر الله وأمر رسوله ﷺ من جهة أخرى، واعظ الله في قلب كل مؤمن: يعظك بأن تلتزم بدينه وأوامره، ويجعلك في صراع داخلي، ولذلك يسمى هذا النوع: جهاداً كما قال النبي ﷺ : (والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله). نعم، يجاهد الإنسان نفسه وهذا درجة من درجة الجهاد، بل يبنى عليه الجهاد الأصل، وهو الذي يفتح الباب له، فلا بد أن تنصر الله أولاً في نفسك بأن تتعلم الدين، وتترك هذا الكسل والتواني والتأخر والتخلف عن معرفة هذا الدين. وكذلك تنصره بالعمل به، وبالدعوة إليه وبالصبر عليه في كل معاملة تعامل الناس فيها، لم تقصر أمر النصر على أنك تمسك سلاحاً فقط؟ إن نصرة الدين تكون في كل معاملات تعامل الناس فيها وتجد الدين مبعداً عن الحياة، فانصر الدين بإحيائها، وأنت كل يوم ترى من المنكرات ما تراه، فلا بد أن تنصر الله بأن تنصر هذا الدين في نفوس من حولك من الناس، وتنكر هذا المنكر، كما قال سبحانه: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)) فبقدر نصرة الدين بقدر ما تنصر أنت. لماذا نعجز عن تغيير الواقع الذي يعيشه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما نحب من إعلاء الدين وإظهاره وانتصاره على الكفرة؟ لأننا فرطنا في نصرة الدين، فوعد الله لا يخلف، ولو أننا نصرنا الدين في كل موطن نجد فيه معركة بين الالتزام بالدين وبين أعداء الالتزام، لجاء النصر من السماء؛ هأنتذا ترى الشبهات والشهوات في كل وقت، فلو نصرنا الدين فسيفتح الله لنا من أبواب القدرة ما لا نقدر عليه الآن، وما نعجز عنه الآن، فنحن ما زلنا عاجزين؛ لأننا لم نصعد خطوات السلم كما ينبغي. كثير منا لم يصعد السلم ورأى الباب مغلقاً، فقال: لا أستطيع، فالباب مغلق، ولن أصعد درجة السلم، لماذا لا ينفتح الباب؟ لأنك لم تصعد درجة السلم، ولو صعدت درجة السلم، وحاولت فتح الباب فسوف ينفتح، فمن عمل بما قدر عليه رزقه الله القدرة على ما لا يقدر عليه. كثير من الناس يظن أنه يكلف ما لا يطيق، كلف مثلاً بأن يكسر صخرة؛ فيظن أنه بلا معول يكسرها؛ فينطح رأسه فيها، ويقول: أنا أصنع ما أقدر عليه، لا، ليس هذا الذي تقدر عليه؛ ولست مأموراً بأن تدني رأسك فتكسرها، لكي تقول: إنك تنصر الدين. لابد أن تأخذ بالأسباب التي توصل إلى كسر هذه العوائق والانتصار عليها، واصعد السلم ولن يبق إلا فتح الباب؛ لأن الله وعد بذلك فقال: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)). لماذا لا نجد هذا الأمر موجوداً؟ لأجل التقصير الذي وقع في نصرة الدين، وفي نصرة رسول الله ﵌.

стр. 354

نصرة الصحابة لرسول الله يوم أحد كيف نصر الصحابة رسول الله ﷺ ؟ نصروه أعظم النصر. انظر إلى حال طلحة بن عبيد الله في غزوة أحد مع النبي ﷺ ، وسبعة من الأنصار ﵃، فيرهقهم المشركون ويدركونهم، ويصعدون إلى النبي ﷺ ، يريدون قتله ﵊، فيقول النبي ﷺ : (من يردهم عنا ويكون رفيقي في الجنة)، فينتبه طلحة فيقول له: اجلس، فينتبه رجل من الأنصار فيقاتل حتى يقتل رضي الله تعالى عنه، ويطلب المشركون رسول الله ﷺ ثانية، فيطلب النبي ﷺ أن ينتبهوا لهم، فينتبه السبعة من الأنصار واحداً تلو الآخر رضي الله تعالى عنهم، فيقتلون كلهم بين يدي النبي ﷺ دفاعاً عنه ﵊، ثم انطلق طلحة ﵁ يرد المشركين؛ فقاتل كقتال السبعة رضي الله تعالى عنه، حتى رد المشركين عن رسول الله ﷺ . والمشركون ما زالوا طامعين في أن يصلوا إلى النبي ﵊، وطلحة بن عبيد الله ﵁ جعلهم ييأسوا من أن يصلوا إلى النبي ﵊، وجرح جرحاً عظيماً، حتى قال النبي ﷺ لـ أبي بكر وعمر: (دونكم صاحبكم فقد أوجب) رضي الله تعالى عنه، يعني: استوجب الجنة، وقى النبي ﷺ بيده حتى شلت يده ﵁، وهذا أمر عجيب الشأن، ففطرة الإنسان أنه إذا داهمه شيء يهرب منه، ولكنه لشدة حبه للنبي ﷺ تحركت يديه إلى اتجاه السيف؛ ليقي النبي ﷺ ، وشلت يده رضي الله تعالى عنه، وظل يقاتل طلحة ﵁ حتى قال أبو بكر ﵁ لما سئل عن يوم أحد قال: ذاك يوم كله لـ طلحة رضي الله تعالى عنه. حتى نساء الصحابة ﵅ كان لهن دور في نصرة الرسول ﷺ . فـ نسيبة رضي الله تعالى عنها عندما رأت أن خطراً يداهم الرسول ﷺ انطلقت تقاتل بالسيف رضي الله تعالى عنها، دفاعاً عن النبي ﵊. وهكذا كان دفاعهم عن دينه وسنته ﵊ ضد الردة، وضد مانعي الزكاة، وضد المبتدعين من الخوارج وغيرهم، وقفوا هذه المواقف التي حفظ الله بها الإسلام نقياً صافياً، ووصل إلينا كما أنزله الله، يسهل على كل من أراد أن يعرفه أن يصل إليه بفضل نصرة الصحابة ﵃ لدين الله ولرسول الله ﷺ ؛ ولذا نصرهم الله عدوهم، قال سبحانه: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)).

стр. 355

مفهوم النصرة لله ولرسوله قال الله تعالى: ((وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))، نصرة الله لابد أن تكون صفة أساسية في كل مسلم في كل موطن، وإذا فعلنا ما نقدر عليه فتح الله لنا أبواب ما نعجز عنه، وأعطانا من القوة والقدرة ما لا نستطيعه الآن، كما أن من عمل بما علم رزقه الله علم ما لا يعلم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وعندما يشتبه على الإنسان أمراً من الأمور أهو من الحق أم من الباطل؟ من السنة أم من البدعة؟ من المصلحة أم من المفسدة؟ ولا يستطيع الوصول إلى أمر، فليتعبد الله وليفعل ما أمره الله به، وليتق الله فيما يعلم، فيرزقه الله علم ما لم يعلم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فمن اتقى الله رزقه الله علم ما لم يعلم، ومن اتقى الله وعمل بما قدر عليه فتح الله له أبواب ما لا يقدر عليه. وكثير من الناس يريد أن يصعد السلم مرة واحدة، أو أن يكسر الصخرة فينكسر رأسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا بد أن نفهم هذه القضية جيداً، وأن نعمل ما استطعنا في نصرة الدين وإظهاره، وإعلاء كلمة الله في كل موطن نكون فيه، وإذا رأينا صراعاً بين الحق والباطل فعلينا أن ننصر الحق ابتداء من داخل أنفسنا، وفي بيوتنا وجيراننا، وكل مكان نكون فيه، فالواحد منا يعامل كل يوم عشرات من الناس، وربما يجد انهزاماً أمام أعداء الدين، وقبولاً للباطل، وإعراضاً عن الحق، فأين نصرتك للدين في هذا المقام؟

стр. 356

صور من صدق نصرة الصحابة لدينهم قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ))، أي: الصادقون مع الله في القول والعمل، قال : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. يقول أنس ﵁: غاب عمي أنس بن النضر عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول مشهد لرسول الله ﷺ مع المشركين، لئن أشهدني الله مشهداً غيره ليرين الله ما أصنع -أبى أن يقول غيرها، أبى أن يقول سوف أقاتل أشد القتال- فعندما كانت وقعة أحد وانكشف المسلمون وفر منهم من فر، قال رضي الله تعالى عنه: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني: المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، أي: المسلمون لما وقع منهم من الفرار والمعصية التي تاب الله عليهم منها بعدها، إلا أنه يعتذر عنهم حباً لهم، وشفقة عليهم، ويبرأ من المشركين، ثم انطلق ﵁ فوجد سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، سيد الأنصار ﵁، فيقول سعد حاكياً للرسول ﷺ : إن أنساً قال: يا سعد! واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد. ﵁، رزقه الله أن شم بالفعل رائحة الجنة، -وواهاً: كلمة استحسان للرائحة، أي: ما أعظم هذه الرائحة- وانطلق ليقترب منها، قال سعد: فو الله يا رسول! ما استطعت ما صنع، أي: لم يستطع سعد أن يصنع ما صنع أنس ﵁، مع أن سعداً والذي عندما مات بكى عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعندما جاء النبي ﷺ شيء من الحرير قال: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه). سعد بن معاذ يقول: والله ما استطعت ما صنع، ثم وجد به -أي: بأنس- بضعاً وسبعين جرحاً، ما بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح ﵁، فما عرفته أخته إلا ببنانه، يعني: جرح ﵁ قبل الجرح القاتل بضعاً وسبعين جرحاً، وإنما أوقفه الجرح الأخير، وظل رغم بضعاً وسبعين جرحاً مستمراً في القتال رضي الله تعالى عنه. وكذا جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة وجد به ما بين بضعٍ وثلاثين جرحاً، ما فيها شيء في ظهره أبداً رضي الله تعالى عنه، وقد قطعت يداه رضي الله تعالى عنه، حتى لا تسقط راية المسلمين، ثم أبدله الله جناحين في الجنة يطير بهما. صدق مع الله فما تردد ولا تأخر أبداً رضي الله تعالى عنهم، فقد كان عندهم صدق مع الله . فـ أنس بن النضر ما عرفته أخته إلا ببنانه، قال أنس: فكنا نرى أن الله أنزل فيه وفي أصحابه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. وانظر الزبير رضي الله تعالى عنه عندما بعثه النبي ﷺ في سرية وحده إلى بني قريظة في غزوة الخندق، لما أراد النبي ﷺ أن يعرف خبر بني قريظة من الغدر ونقض العهد وخطرهم، فانتدبه ﵁، فيخرج الزبير في سرية وحده، ويذهب ويرجع رضي الله تعالى عنه. قالوا له في غزوة اليرموك: اشدد على العدو فنشد معك، فقال: لا تستطيعون، قالوا: اشدد فنشد معك، فشد رضي الله تعالى عنه، فخرق جيش الروم إلى أن خرج من الناحية الأخرى، ولم يجد أحداً يرجع معه، لم يستمر المسلمون معه رضي الله تعالى عنه، فجيش الروم كان أكثر من مائة ألف في غزوة اليرموك، وخرق الجيش كله، ثم رجع فخرق الجيش كله مرة أخرى إلى أن وصل إلى المسلمين، حتى يقول عروة وكان صغيراً: كنت أدخل أصبعي في جراح الزبير ﵁ ألعب فيها، منها ما كان يوم أحد، ومنها ما كان يوم اليرموك. قال الله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ))، أي: صدقوا مع الله في القول والعمل، والإنسان كلما صدق في القول كلما يسر الله له الصدق في العلم، وكلما كان صادقاً فيما عاهد الله عليه، كلما استمر وثبت على الحق، قال النبي ﷺ : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

стр. 357

فضل المهاجرين والأنصار قال الله : ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ))، صفات المهاجرين والأنصار عندما تتأملها تجد أنها مشتركة فيما بين الفريقين، لكن نصيب المهاجرين في هذه الصفات أتم، ونصيب الأنصار في صفاتهم أتم، ولكل منهم نصيب في ذلك. فالمهاجرون قد وقوا شح أنفسهم، وأحبوا الأنصار في الله ، وإن كان نصيب الأنصار في هذه الصفات أتم، كما أن نصيب المهاجرين في تحمل المشاق وآلام الإخراج، ونقص الأموال، والإخلاص، والصدق أتم رضي الله تعالى عنهم، لكن الصفات كلها موجودة بينهما. فصفة الأنصار التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإيمان، ليكونوا من ذلك الجيل الذي يريد أن ينتصر؛ ذلك النصر المنشود، صفة الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم: أنهم يحبون من هاجر إليهم.

стр. 358

سكن الإيمان في قلوب الأنصار قال : ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا)) أي: سكنوا الدار، وهذا تشريف للمدينة، حيث سماها الله الدار، فكأنها هي دار الإيمان؛ لأن الإيمان أوى إليها، كما قال النبي ﷺ : (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها). ويخبر النبي ﷺ عن غربة الإسلام، وأنه كما بدأ غريباً يطارده كل أهل الأرض، فأوى إلى المدينة، والناس يعتبرونه حية، واتهموه بالباطل وأرادوا قتله بأي طريقة، وكذلك في آخر الزمان سوف يعود الدين غريباً كما بدأ، والنبي ﷺ أخبر أنه يأرز إلى المدينة، وكما قال النبي ﷺ : (إن الإيمان يأرز ما بين المسجدين، كما تأرز الحية إلى جحرها)، أو كما قال ﵊. قوله سبحانه: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ)) أي: سكنوا الإيمان، وهل الإيمان يسكن؟! شبه الإيمان كأنه دار سكنوها، لأن الدار يستقر فيها الإنسان، فهؤلاء الأنصار سكنوا الإيمان، بمعنى: استقر الإيمان في قلوبهم، والإنسان يلازم داره، فإذاً الإيمان سكن هذا في هذا المكان، بمعنى: استقر واطمأن فيه، واستراح فيه، فهذه شهادة لهم بالإيمان رضي الله تعالى عنهم، فهم مؤمنون صادقون، استقر الإيمان في قلوبهم. فقوله: ((تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون إليهم، وقد أسلم كثير من الأنصار قبل المهاجرين، لكن المقصود والله أعلى وأعلم بقوله: ((مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون، وأن الأنصار أسلم كثير من كبارهم وسادتهم على يد مصعب بن عمير ﵁ قبل أن يهاجر كثير من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم، وقبل أن تصبح المدينة دار الهجرة التي أوى إليها النبي ﵊، فكثير من الأنصار كان قد أسلم، ودخل الإيمان في قلوبهم واستقر رضي الله تعالى عنهم، على يد مصعب بن عمير ﵁، فهو من فتح الله به المدينة المنورة، بدعوته إلى الله، وسلوكه الطيب، حتى ما بقي بيت من بيوت المدينة إلا ودخله الإيمان.

стр. 359

حب الأنصار للمهاجرين قال الله : ((يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)): هذه صفة الأنصار، أي: حب من هاجر إليهم في الله، وكلهم كان يحب بعضهم بعضاً. والحب في الله، والبغض فيه أوثق عرى الإيمان، وهي الصفة الأساسية التي قام عليها المجتمع المسلم الأول، وبها يجد الإنسان حلاوة الإيمان، كما قال النبي ﵊: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). ووصف الله أصحاب محمد ﷺ في التوراة فقال: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)). وكما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. فصفة الحب في الله لا بد أن توجد بيننا، وأن يكون لنا منها أوفر نصيب، فإذا وجدت بيننا زالت وحشة الغربة التي يشعر بها كل ملتزم، يشعر بها عندما يكون وسط من لا يلتزم بطاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ . صفة الحب في الله تخفف أعباء وثقل وآلام المتاعب التي يتعرض لها المسلم حين يكون بعيداً وحيداً مطارداً، فإذا وجد من يحبه في الله هان عليه الأمر، وسهل عليه أن يثبت على الدين، ولذلك لا بد أن تتقوى العلاقات فيما بيننا، وأن نصدق في تحصيل صفة الحب في الله ، وذلك بأن نستحضر الأعمال الصالحة التي من أجلها نحب أهل الإيمان، وأن نتحاب في الله ؛ حتى نذوق حلاوة الإيمان، التي تخفف عنا مرارة وآلام المخاض الذي يكون قبل شروق الشمس وظهور الدين، فهناك متاعب وآلام تزول أو تخف جداً بحيث لا يشعر الإنسان بها حين يجد من يحبه في الله.

стр. 360

حقيقة الحب في الله والبغض في الله الحب في الله والبغض فيه يكون بأن يبغض الإنسان أعداء الله ، لا يبغضهم إلا لأجل الله سبحانه، لأعمالهم القبيحة وصفاتهم المنكرة، لشركهم وكفرهم ونفاقهم، هذا الذي يجد الإنسان به الإيمان، فيتثبت في قلبه. إذا وجدت هذه الصفة في المجتمع المسلم فيما بيننا؛ فإن ذلك من النعيم الذي يجده الإنسان كجزء مشابه من نعيم أهل الجنة، فإن رفقة الصالحين وحبهم في الله من نعيم أهل الجنة الذي ينعم به الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، ولو لم يكن لهذه الصفة المنزلة العظيمة لما قال النبي ﷺ في مرض موته: (اللهم مع الرفيق الأعلى)، انظر ماذا يريد النبي ﷺ ؟ يريد الرفيق الأعلى. خليل الله إبراهيم يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣]، ولا شك أن الصالحين دون رسول الله ﷺ ودون إبراهيم في المنزلة، ومع ذلك فالرسول ﷺ يطلب هذه الرفقة، وإبراهيم يطلب هذا اللحاق، فكيف بالمفضول واحتياجه وسعادته برفقة الفاضل؟! إذا كان الفاضل أمر بأن يصبر نفسه مع من يدعو الله بالغداة والعشي، يقول الله لنبيه ﵊: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. وإذا كان الفاضل مأموراً بأن يرافق المفضول، فأي نصيب للمفضول إذاً من صحبة الفاضل ومرافقته، ومن الشعور بالسعادة لوجود المحبة في الله فيما بينه وبينهم؟! واستشعر النبي ﷺ هذا الحب عبر الزمان، وهو والله من أعظم ما تتحرك له قلوب المؤمنين، يقول ﵊: (وددت أن لو قد رأينا إخواننا، فقالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فالنبي ﷺ ود أن يرى كل مسلم من أمته ﵊، اللهم اجعلنا من إخوان النبي ﷺ . إذاً: كان يستشعر الحب في الله وليس فقط لأصحابه الذين كانوا معه، بل عبر الزمان، ومع تفاوت الأزمنة يريد رسول الله ﷺ حباً لهم أن يراهم، فما ينبغي أن نكون نحن عليه من مودة: هو أن نرى النبي ﷺ ، وأن نكون معه. وهذا الحب في الله: هو الأساس الذي بني عليه المجتمع المسلم.

стр. 361

فضل الإيثار واجتناب الشح قال الله تعالى: ((وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا))، أي: لا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرون، أولاً: من الأموال، وثانياً: من الفضل والتقريب في الذكر؛ فإنه سبحانه ذكر المهاجرين أولاً، فلما جاءت أموال بني النضير أعطاها النبي ﷺ للمهاجرين، يعوضهم بها عما أصابهم في أموالهم، وعما ضحوا به في سبيل الله ، فما حسدهم الأنصار، وما وجدوا في قلوبهم غلاً لهم لأنهم أوثروا بهذا المال أولاً. والنبي ﷺ قال للأنصار: (إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها فاصبروا حتى تروني على الحوض) فهم لم يحسدوا المهاجرين على الفضل الذي فضلهم الله به، كذكر الله ذكر المهاجرين دائماً أولاً فقال هنا: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)) ثم قال: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ))، قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]. والمهاجرون أفضل من الأنصار في الجملة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومع ذلك سلمت صدورهم، فلم يكن فيها حسد ولا حقد. رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنه يقول النبي ﷺ فيه: (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)، فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته ماء، قد علق نعليه في يده، ودخل فسلم، وفي اليوم التالي قال النبي ﷺ : (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع نفس الرجل على نفس الصفة، وفي اليوم الثالث قال النبي ﷺ أيضاً ذلك، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وهو أحد العباد من الصحابة، الذي كان يختم القرآن كل ليلة، إلى أن قال له النبي ﷺ : (اختم القرآن في كل سبع)، وظل كل سبع ليالي يختم القرآن في قيام الليل، ويصوم يوماً ويفطر يوماً. ذهب عبد الله إلى هذا الرجل وقال: إنه قد كان بيني وبين أبي شيئاً، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن أبيت عندك فافعل. فقال: نعم، وعرض في الكلام، وهو يعني: أنه ما من أحد إلا ويكون بينه وبين أبيه شيء، وهو أقسم الآن أن لا يدخل؛ لأجل أن يؤويه الأنصاري، فآواه الأنصاري، فلم يرَ منه كثير صوم ولا صلاة، غير أنه كان إذا تعار من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله حتى يقوم، فلما مضت الثلاث قال عبد الله بن عمرو: كدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله إنه لم يكن بيني وبين أبي شيء، ولكن قال النبي ﷺ : (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلعت أنت في الثلاث المرات، فأردت أن أرى عملك فأقتدي بك، فقال: يا ابن أخي! ما هو إلا ما رأيت، ثم لما انصرف عبد الله رده فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني أبيت وليس في صدري حقد ولا غش ولا حسد لمسلم، فقال: هي التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق. وذلك أن أكثر الناس لا يطيقون أن لا يكون في قلوبهم حسد ولا غش للمسلمين، فهؤلاء الأنصار ﵃ ليس في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون كالحسد عليهم، فليس عندهم ذلك مما أوتي المهاجرون في الدنيا أو في الآخرة. قال الله: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))، الصحابي الجليل وامرأته ﵄ آثرا على أنفسهما، قوله: ((وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ))، أي: ولو كان بهم حاجة، وهذه أعلى قدراً من التي قال الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] فقد يكون الإنسان محباً للطعام، ولكنه ليس مضطراً إليه، فإذا أطعم منه كان مؤمناً، يعني: لو أن رجلاً عنده أكل يحبه في البيت، وهو شبعان، فإذا أنفق منه كان مؤمناً، وهذان باتا طاويين رضي الله تعالى عنهما، وبات صبيانهما جياعاً؛ لكي يطعموا الفقير المسكين ضيف رسول الله ﷺ . وقال النبي ﷺ ، بعد أن أطلعه الله على فعلهما: (لقد عجب ربكما من صنيعكما بضيفكما الليلة) يعني: أتاه الوحي بما صنعا، مع أنهما كانا في بيت مظلم، ولم يتركا السراج موقداً؛ حتى لا يرى الضيف قلة الطعام، ويراهما لا يأكلان فقد يترك الطعام وهو يتوق إليه، فأطفأا السراج؛ لكي يأكل براحته رضي الله تعالى عنهم. وفي بعض الروايات أنها أم سليم وزوجها أبو طلحة رضي الله تعالى عنهما، وهي جديرة بأن تكون كذلك، فلها منزلتها العظيمة. قال تعالى: ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)): وقد وقاهم الله شح أنفسهم. والشح: هو التطلع إلى ما في أيدي الناس، ومن وقي شح نفسه فلم يسرق، ولم يزنِ، وليس فقط في المال، فالبخل مذموم، والشح أشد، فالشح أن تتطلع إلى ما في أيدي الناس، والبخل: أن تمنع ما في يدك وما يلزمك، ومنه ما هو محرم: وهو منع الواجب، ومنه ما هو مكروه: وهو منع المستحب. فالشح ليس فقط أن تأخذ ما بيدك وتمنعه ولكن تريد أن تمنع ما في أيدي الناس، ولهذا كان الزنا من عدم وقاية الشح؛ لأن عنده شيء حلال، فلماذا تطلع إلى الحرام؟ أو ليس عنده زوجة أو أمة؟ لكن حرم الله عليه ذلك الفرج، فإذا به يتطلع إلى ما يحل لغيره ولا يحل له، فهذا لم يوق شح نفسه. والذي ينظر إلى العورة المكشوفة ويتلذذ بها لم يوق شح نفسه، ألا يكفيه أن ينظر إلى ما أحل الله؟ وكونه ينظر إلى ما حرم الله فهذا لم يوق شح نفسه؛ لأنه تطلع إلى ما في أيدي الناس، وإلى ما حرمه الله عليه، وجعله لغيره، نسأل الله العافية، وكان عبد الرحمن ﵁ يطوف البيت، لا يزيد على أن يقول في دعائه: اللهم قني شح نفسي. وسأله بعض التابعين عن ذلك فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن. فالسارق لم يوق شح نفسه، والغاصب لم يوق شح نفسه، والذي يخاصم بالباطل لم يوق شح نفسه، ((وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)).

стр. 362

الترضي والدعاء للصحابة الأبرار وحكم من طعن فيهم ذكر الله المؤمنين من أهل السنة والجماعة من بعد هؤلاء الصحابة ﵃ فقال: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ))، فكل مسلم من أهل السنة سليم القلب واللسان لأصحاب رسول الله ﷺ داخل في هذه الآية: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) فهذه سلامة الألسنة، أي: يدعون لهم، ويستغفرون، كما قالت عائشة في الرد على الرافضة الشيعة الجناة المجرمين: أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم. فإن قيل: لماذا نرى هؤلاء الرافضة الشيعة من أخبث طوائف البدع؟ ف الجواب لأنه لا يتصور منهم خير طالما بقوا على سب أصحاب رسول الله ﷺ وكراهيتهم لهم، وهم دائماً أعوان أعداء الإسلام، فإذا ظلوا على هذه الصفة فلا يظنن أحد أن منهم من سوف يجاهد، أو ينصر الله به الدين، كما يظن ذلك المغرورون الذين لا يعرفون ميزان العقيدة لوزن الناس. فلا بد أن نكون سليمي الألسنة لأصحاب رسول الله ﷺ ، ندعوا لهم، ونقول: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ)) ونشهد لهم بالسبق، أي: أنهم سبقونا بالإيمان، ((وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا)) هذه سلامة القلوب، فسلامة الألسنة والقلوب، شرط أساسي لكي يكون الإنسان من التابعين لهؤلاء السابقين بإحسان، وهذا الذي يجعله الله به أهلاً لنيل رحمته ورأفته، قال الله: ((رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)). استدل الإمام مالك ﵀ بهذه الآية على أن الرافضي: الذي يسب أصحاب رسول الله ﷺ لا نصيب له في الفيء، وهو استدلال حسن جميل؛ لأنه طالما لم يكن مستغفراً لهم، غير سليم القلب لأصحاب النبي ﷺ ، فليس له نصيب، لأنه ليس من أهل هذه الآية. نسأل الله أن يلحقنا بهؤلاء راضياً عنا، ونسأله أن يجعلنا من المتبعين لهم بإحسان، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.

стр. 363

علامات على طريق النصر طريق النصر أوله ابتلاء وشدة، وكلما اشتد الكرب وزاد الخطب قرب الفرج، واقترب موعد النصر. ومن أعظم أسباب النصر أن ننصر الله بالعمل بشرعه، ودعوة الناس إلى سبيله، فليدع كل مسلم بين أبناء جنسه وطبقته، وخطوة خطوة ولبنة لبنة حتى يرتفع البناء، وتدنو ساعة النصر والتمكين.

стр. 364

قرب النصر عند اشتداد البلاء إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. جعل الله أشد لحظات البلاء آخرها، وأشد ظلمة الليل قبل الفجر، وكمال البشرى لأهل الإيمان عند ازدياد المحنة. كان يعقوب ﷺ في بلاء، فقد ابنه الحبيب يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وهو أفضل وأحب أبنائه إليه، وازداد الأمر بلاءً بأن فقد ابنه الآخر الذي يليه في المحبة، ثم فقد كبيرهم كذلك لما ابتعد عنه، ففقد ثلاثة من أولاده، فلما بلغه حبس بنيامين وعدم رجوع الثالث، قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣]، فلما زاد البلاء عليه استبشر؛ لأن الله سوف يفرج ذلك الكرب. واشتد البلاء على بني إسرائيل بعد أن قامت الحجة على فرعون، حيث هُزم سحرته، ثم آمنوا واهتدوا، وقتلهم فرعون، ولم يتغير شيء من موازين القوة المادية، فزاد فرعون في بطشه وتهديده وإرهابه، والملأ السادة والكبراء من قومه يحثونه على مزيد من البطش في بني إسرائيل، كما قال الله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧ - ١٢٩]، وعسى من الله واجبة، وإذا جاءت على ألسنة رسله فهي من عنده . فلكما ازداد البلاء، واشتد الكرب، قرب الفرج -بإذن الله ﵎ ولذلك قال يعقوب ﵊ لبنيه: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. وفي هذه السورة أيضاً تجد قوله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف:١١٠] أي: من إيمان قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:٨٧] وعلى القراءة الأخرى: ((حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِّبوا)) أي: أيقن الرسل أن أقوامهم قد كذبتهم تكذيباً لا إيمان بعده. فقال : ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وهذه سنة الله. وسورة يوسف نزلت على رسول الله ﵌ -قبل الهجرة، وبعد زيادة الأذى- تبشر بقرب الفرج، رغم أن الأذى قد وصل إلى شخصه ﵊ بعد موت أبي طالب، خديجة، حتى خططوا لقتله أو سجنه أو إيثاقه، وكل ذلك كان مقدمة قبل الفرج، وقبل النصر والتمكين بإذن الله ﵎. والآن البلاء بأمة الإسلام قد ازداد، واجتمع عليها الأعداء، وتكالبت عليها الأمم؛ وذلك لكي تكتمل في قلوب المؤمنين عبادة التوكل على الله ، وينقطع التعلق بالأسباب الحسية، والواجب هو الأخذ بالأسباب الغيبية التي لا يراها الناس أسباباً، ولكنها عند أهل الإيمان أسباب، والأخذ بهذه الأسباب هو الأمر الواجب، ومن هذه الأسباب ما أمر به موسى قومه بقوله: ((اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))، ففيها أعظم ملك الله ، وأن أمره هو النافذ، وأن الغيب كله له، عندها تتغير الموازين المادية في لحظة، بـ (كن فيكون)، بقدرته . ويأتي النصر عندما يظن الأعداء أن الأمر قد انتهى، وعندما يقول كثير من أهل الإيمان: متى نصر الله؟ استبطاءً للنصر، واستعجالاً للفرج من عند الله .

стр. 365

وجوب تحسس أسباب الخير والبحث عنها لا بد أن نتحسس أسباب الخير، كما قال يعقوب لبنيه: ((يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ))، فلا بد أن نتحسس أسباب الخير، وأن نستعين بالله ونصبر، ونوقن بوعد الله ، كما أمر نبيه ﵊ في السورة التي بين له فضلها، وشيبته هي وأخواتها، فقال الله فيها -أي: في سورة هود ﵇: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٣]. فقوله سبحانه: ((وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) أي: اعملوا كل ما في إمكانكم، وكيدوا بكل قدرتكم، وها هي الأمم الآن قد اجتمعت على كيد أهل الإسلام. كانت الرسل تقول لأقوامهم: اجتمعوا على كيدنا كما قال هود: ﴿كِيْدُونِي جَمِيْعَاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٥] أي: لا تؤخروا كيدكم، بل أنفذوه الآن! ما هذا الأمر العجيب! أيأمرونهم بهذا الأمر؟! أيريدون أن يكيدوا بهم؟! لا، إنما يأمرونهم بذلك استهانة بهم، واستهزاء بكيدهم، واستخفافاً به، لا يعبأون به، ولأجل أنهم موقنون بفشل هذا الكيد يقولون: أنفذوه الآن! أي: ولن تستطيعوا، اعملوا ما في إمكانكم، اعملوا كل ما يمكنكم أن تفعلوه من الكيد، ولذلك قال: ((وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) استهانة بهم، وتقيناً بوعد الله. من أين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة؟ يصل إلى هذه الدرجة من الاستهانة بقوة العدو الكبيرة جداً في موازين أهل الدنيا بكمال اليقين، والتوكل على الله . ثم قال سبحانه: ((إِنَّا عَامِلُونَ)) أي: على طريقتنا، وأيضاً على تمكننا، وهذا هو الواجب، أي: أن نتحسس أسباب الخير، ونأخذ بما نقدر عليه من الأسباب؛ لأن الأسباب الظاهرة المادية فيما يبدو لملايين المسلمين منعدمة، وليس بأيديهم أن يصنعوا شيئاً. ليس العلاج عباد الله! تلك التصرفات اليائسة، ونسميها يأساً؛ لأنها بالفعل ليست على الطريق، كمثل إنسان أصابه بلاء شديد وكرب وغيظ من عدوه، ومن شدة الغيظ وهو لا يستطيع أن ينال منه شيئاً، قام إلى الحائط الذي أمامه وضرب رأسه فيه، فنزف الدم، فشعر بنوع من الراحة، وأنه قد فعل شيئاً حتى لا يكون سلبياً! كما قد يحلو للبعض أن يفعل، لا يستطيع أن ينزل علم اليهود من فوق بلاد المسلمين، ولا يستطيع أن ينال منهم شيئاً، فيأتي بقماش يرسم عليها علمهم، ثم يدكها برجله، ويحرقها بناره، وهو الذي صنعها! تصرفات عجيبة، مثل المخدرات فعلاً، أي: كأن يخدر الإنسان ويشعر بأنه قد أدى ما عليه؛ لأنه يوهمه أنه صنع شيئاً، مثلما تصور الهزائم الثقيلة جداً على أنها نصر هائل، فيخرج بعد أن استجاب للعدو بكل ما يطلب منه رافعاً علمه، فهذا ليس انتصاراً عربياً. فهذه الهزيمة العجيبة ليست نصراً، والنصر في نظرنا الآن هو: أن يبقى فلان حياً، وأن يفرض حصار حول كنيسة، حينها نكون قد انتصرنا انتصاراً تاماً، وحققنا كل ما نريد. كما أن النصر ليس كمن يكتب وثيقة بالدم: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين! كما يفعل ذلك بعض الشباب. كلها تصرفات يائسة بالفعل!

стр. 366

خطر مرض اليأس والاستكانة هناك جملة تصورات يائسة مثل: اسكتي أيتها الشعوب! فقد حان وقت المهدي، وسوف يظهر خلال سنوات معدودة، ومن قبل كانوا يقولون: قبل أربع سنين، فلم تنفع، وبقيت كذبة، والناس كلهم نسوا مثل هذا الكلام، ثم قالوا بأن المسيح الدجال سيظهر في ربيع سنة (١٩٩٨م) ثم قالوا: معركة هرمجدون ستحصل خلال عقدين أو ثلاثة، لكي تستكين الشعوب، وتشعر بأن النصر سيأتيهم من فوق، من دون عمل أي شيء. إذاً: فليس هناك عمل يطلب من الأمة، لا، بل لا بد أن نعمل كما أمر ربنا بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود:١٢١] يعني: سنستمر على طريقتنا وعلى تمكننا، ولو خالفنا الطريقة، وابتدعنا في دين الله ، أو عملنا المعاصي، أو وقعنا فيما هو أفظع من ذلك من الشرك، أو الاستكانة لما يريده العدو. والاستكانة معناها: الخضوع لما يريده العدو ويطلبه من العقائد الفاسدة، وترك العبادة الواجبة، والاتصاف بالأخلاق الذمية المفسدة، وترك العمل من أجل دين الله ، وإذا وصل الناس إلى هذا الحد من اعتقاد الفساد، والباطل -والعياذ بالله- مثل موالاة الكفار أو صداقتهم، فلن أكون متعجباً إذا وجدت بعد شهور قليلة من يذمون أعداء الله من اليهود والنصارى أعظم الذم ويضعون أيديهم في أيديهم، ويقبلونهم معلنين الصداقة والوئام والمحبة والسلام، وقد فعلوا. إن الذين قتلوا من المسلمين في سنة (١٩٦٧م) هل يبلغون خمسة آلاف، أو عشرة آلاف؟ قتل مائة ألف جندي مصري في تلك السنة، وقتل أضعاف كثيرة منهم بعد ذلك، ونسي الناس ذلك، وقالوا: السلام لا بد منه، وانتهت الحروب، وليس هذا ببعيد من نفس الأشخاص الذين يتكلمون بهذه الكلمات. ولذلك نقول: الاستكانة هي أن نقبل بالعقائد الفاسدة، وأن نقول للناس: العداوة زالت، حتى وجد من المنتسبين إلى الإسلام وإلى القضية يقولون: إن الخلاف بيننا وبينهم ليس خلافاً دينياً، وليس صراعاً دينياً! هذه هي الاستكانة الحقيقة، وأنت لو قتلت نفسك لأجل مثل هذه العقائد، فلن تكون على طريقة أهل الإسلام التي هدفها إعلاء كلمة الله في الأرض، وإظهار هذا الدين في كل بقعة من بقاع الأرض، ومن أهمها -بلا شك- البقاع المشرفة المقدسة التي ظهر عليها الإسلام، وعظمها وبارك الله فيها وحولها. المقصود: أن من أخطر الأمراض التي تصيب الأمم المهزومة والمغلوبة: مرض اليأس الذي يدفع إلى تصرفات جاهلة، كما يقول البعض: لابد أن أعمل أي شيء، حتى لو كان هذا الشيء في غير الطريق، وهو يظن أنه حينها يعمل شيئاً، أو ينتظر الوهم، ويحدد لنفسه تواريخ، ويقول: سيأتي النصر من السماء من غير أسباب! لا، لا بد أن نعمل، ونتحسس أسباب الخير، فلا بد من عمل لكن على الطريق الصحيح؛ لقوله : ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود:١٢١] أي: إنا عاملون على طريقتنا أو على تمكننا، وكلا التفسيرين متلازمين. إذاً: فلا بد من الأمرين. وحقيقة التوكل الذي أدى إلى الاستهانة بقوة العدو، وعدم الاهتمام بها، واعتقاد أن هذه القوة تمكين من الله لهم، وامتحان لنا، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠] وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩]، إذاً: فماذا نصنع؟ ندعوا الله، فموسى ﵇ لم يستكثر أن فرعون معه ما معه، فقال الله على لسانه: ((رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)) لأن هناك قلوباً خفيفة، يراد أن يركم بعضها فوق بعض، ولم يقع ذلك إلا بوجود المضلين، كما قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ)) [الأنعام:١١٢ - ١١٣] أي: لتميل إلى زخرف هذا القول الباطل، ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]. استحضر أن الله هو الذي يدبر الأمر وليس تخطيط الأعداء، استحضر أن الله هو العزيز الذي لا يضاد، وأنه هو الذي يملي لهم لمتانة كيده، كما قال سبحانه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، وقال: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]، فالله يمهلهم ولا يهملهم ، كما في الحديث: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) هكذا قال النبي ﵌، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ويجب أن نستحضر أن هناك حكمة من الله في أن تميل إلى الباطل قلوب غير المؤمنين من الكفرة والمنافقين الذين لا يريدون الآخرة؛ لترضى بهذا الباطل، ليقترفوا ويفعلوا الأفعال الإجرامية، وإذا حان الوقت، فهذا فعل الله وله ما أراد من أفعال سبحانه.

стр. 367

بلاء الاستكانة أمام مبادئ الأعداء قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] لماذا قدر الله ذلك؟ الجواب في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧] ولنفقه هذه المعاني جيداً، ونسلك طريق التوكل والاتباع فعلينا بما في قوله تعالى: ((فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ))، إن طريق تحقيق مزيد من العبودية ليس طريق المخدرات الفكرية، أو العقلية، أو الميئسة، أو تصرفات جاهلة لا تصنع شيئاً، ونتصور أنها حققت أكبر النصر، وإنما هي استكانة للعدو، وفي الوقت نفسه نظن أنها تجعله يعاني أعظم العذاب. إن كثيراً من المسلمين يقبل ما يريده اليهود والنصارى وغيرهم ممن يواليهم على دينهم، فإن كان يتصور أنه يحاربهم أشد الحروب، فهذا وهم كبير، وهذا في الحقيقة بطولة زائفة، تصنع من ورق مقوى صنع في بلاد الأعداء، مثل: بطولة كمال أتاتورك، يوم فتح أزمير؛ حتى خاطبه أحمد شوقي بقوله: يا خالد الترك! جدد خالد العرب شبهه بـ خالد بن الوليد، لما فتح أزمير بعد أزمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، واحتلال الحلفاء لإسلام بولي عاصمة الخلافة، ولكن جاء المخلص المنقذ، والبطل الزائف المصنوع في بلاد الأعداء، وانسحبوا من أمامه في أزمير واستمر في فتوحاته، إلى أن فتح أنقره، وإسلام بولي مرة ثانية، سلموها له؛ ليفعل ما لا يقدرون عليه من أذية المسلمين وحرب الإسلام، ويفعل ما هو أشد فتكاً بالمسلمين، ليعلن إنهاء الخلافة، ويعلنها علمانية صرفة، ليعلن تحريم الشريعة، لا مجرد إباحة مخالفة الشريعة، لا، بل يعلن تحريم الشريعة، وتجريم من يطالب بتطبيقها، وسن قوانين عجيبة بعد أن انتصر، والأمة أرغمت على قبول ذلك، فسن قانون: أن من يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية يعاقب بالسجن ثمان سنوات، ومن يطالب بذلك ويعمل عملاً جماعياً من خلال منظمة يعاقب بالسجن مدى الحياة، وحارب بكل ما أمكنه من قوة لتغريب تركيا بالكلية حتى أنه غير الحروف العربية إلى حروف لاتينية، وحرم الطربوش والعمامة، وألزم الناس بالقبعة، أما معركة القبعة هذه فقد قتل فيها من قتل، وحرم الحجاب تماماً، فلا يمكن أن تدخل امرأة محجبة إلى أي مكان رسمي، أمور عجيبة!! حرم حتى تحفيظ الناس أولادهم القرآن، زيادة على ما يقرره هو وزبانيته، ومن يخالف ذلك يعاقب بالسجن ثلاث سنوات. فلا تسأل عما يمكن أن يكون وقع في تلك البلاد من تدمير لتلك الأجيال التي توجد الآن هناك، نشأت منذ أكثر من ثمانين سنة في ذلك الوسط، وتربت على ذلك وترعرعت عليه، فبالفعل فعلوا ما لم يفعله الأعداء، نسأل الله العافية. المقصود: أننا لا نريد أن نترك العمل الواجب إلى تصرفات جاهلة من الأوهام ونحوها، ونقبل بهذه البطولة الزائفة غير الحقيقية، ولذلك نقول: من الاستكانة أن تقبل مبادئ الأعداء، وهم يريدون أن يفقدوا المسلمين ولاءهم لهذا الدين، وبراءتهم من الشرك. وأعداء الدين يقولون عن الموحدين أنهم يقولون: إنهم هم المؤمنون فقط، والذين لهم الجنة، وكل من خالفهم فهو كافر، ولا بد أن يعادى، فلا بد إذاً أن تحذفوا هذه الآيات من القرآن، إنهم يصرحون بذلك، ويوافقهم عليه المستفيدون منهم دنيوياً، وإن كانوا يزعمون أنهم قاوموهم كل المقاومة. فهم ينادون: لا بد أن نعيد النظر في الخطاب الديني هكذا يقولون، ولن يقولوا: لا لمثل هذه الدعوات، بل يزيدون: احذفوا آيات من القرآن، وهذا قد لا يستطيعون الجهر به، فهو عليهم صعب، لكن يقولون: افهموا الآية فهماً صحيحاً، وكأن الأعداء فهموها على ما هي عليه، فهم يقولون: ليس المقصود منها أن تعادوا الكفار أو تتبرءوا منهم، بل المؤمن هو كل من آمن بوجود الله، فاليهود والنصارى مؤمنون، وكذلك كل من آمن بوجود الله، بالإضافة للمؤمنين طبعاً، بل هؤلاء المتطرفون كفرة، الإرهابيون ليسوا مسلمين، فلا بد أن يكفر بهم، وأما الآخرون فهم المؤمنون، هكذا يزعمون، وإلا فأخبروني عمن ينادي سكان المعمورة على اختلاف أديانهم بصيام يوم عالمي من أجل نصرة فلسطين، أليست هذه استكانة رغم أنها في صورة مقاومة؟! فمن تخاطب يا عبد الله؟! وكيف تقول للكفرة: صوموا على اختلاف أديانكم؟ هل تريد من الهندوسي أن يصوم؟ اطلب منه أولاً أن يزيل الكفر الأول، لكن تراهم يقولون: يصوم النصارى والمسلمون معهم، وكل واحد يصوم بطريقته، وينادي بعدها ويقول: هؤلاء هم المؤمنون الأحرار، ما هذا البلاء؟ إنه بلاء فعلاً، واستكانة ومرض، ويأس في الحقيقة رغم أنه يزعم أنه لم ييئس لكن الحقيقة أنها تصرفات يائسة لا تقبل بحال من الأحوال، فهذا هو الذي يريده العدو، إنه يريد أن تفقد هويتك. الذين يقولون: نحن لابد أن نغير الخطاب الديني؛ من أجل أن ننزع من الناس الولاء والبراء، الذي فيه فرق بين الإسلام والكفر، وسنفسر لهم الآيات على غير ما فهمه الأعداء قبل الأصدقاء، فهم الأعداء بحق، وقالوا للناس: يجب أن تراجعوا المناهج، وبعض الآيات في المصحف يردونها، لكن نحن لا نقبل هذا ونقول: إن هناك آية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]. أخبرني بعض الإخوة أن بعض مشايخ السوء قال له الكفار: أنتم تكفروننا، بدليل آية عندكم في القرآن تقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، ونحن نقول هكذا، قال له: لا، هذه لم تنزل فيكم أنتم، بل نزلت في النصارى أيام النبي ﷺ -والعياذ بالله- استكانة فعلاً، هذا تكذيب لكلام الله ، أي: تكذيب للقرآن.

стр. 368

وجوب العمل للدين على الطريق الصحيح هذا البلاء العظيم الذي ينزل إنما هو مزيد من المصائب على أمة الإسلام، لذلك نقول: لا بد من ترك الآية بينة: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود:١٢١]. إذاً: عندما نعمل كل ما في إمكاننا، فنريد أن تكون الطاقة الموجودة لدى شباب المسلمين ورجالهم ونسائهم طاقة متجهة للتغيير الحقيقي لواقعنا؛ حتى يغير الله علينا، ﴿إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. فلن يكون هناك انفجار غير محسوب، وأضرب لذلك مثلاً: لو أن حلة فيها بخار، وفيها ماء، والغطاء مقفول عليها بإحكام، وأشعل عليها النار إلى أن رفع البخار الغطاء، فوقع على يد الرجل الذي أشعل عليها، فهذا انفجار غير محسوب، وغير مطلوب، لكن الآلة البخارية فيها منفذ لخروج البخار وتوجيهه باتجاه معين، من أجل أن يحرك العجلة، وتتقدم هذه القاطرة، وهذا هو المطلوب، فالطاقة هذه ماذا نعمل بها؟ نحن نعلم أنه يوجد كرب شديد بسبب ما يقع بالمسلمين في المشارق والمغارب، لكن نحن لم نفكر لماذا يحصل لهم هذا؟ حصل بهم هذا بسبب تقصير طويل المدى، وبسبب بعد طويل عن الإسلام، وكثرة الخبث، كما في الحديث: (أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث) طبيعة الدعوة إلى الله، وطبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما قال النبي ﵊: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب)، وقال ﵊: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) ومعنى: تبايعتم بالعينة أي: بالربا، وإن سمي بغير اسمه، ففيه تحايل على الربا، أما اليوم فهو رباً لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم، وإن سماه جهلاء السوء بغير اسمه لكي يضلوا الناس عن ذلك. إن أموال المسلمين في أيدي أعدائهم من البنوك الشرقية والغربية -والغربية كلها بنوك تابعة لليهود في النهاية- مصادر دخل المسلمين وادخارهم كلها في أيديهم، نسأل الله العافية. التبايع بالعينة هو نوع من التحايل على الربا، كمن يبيع حاجة بالتقسيط، ويشتريها البائع من المشتري مرة أخرى نقداً بساعتها، حتى لو وجد ثالث لكي يحرك البضاعة فهو مثلهما على الراجح من أقوال العلماء؛ لأن التبايع بالعينة غرضه المال، لكن لا يجد من يسلفه، فيأخذ السلعة التي يشتريها بالتقسيط بمائة وعشرين، ثم يبيعها لآخر بمائة، فهو أخذ بمائة وباع بمائة وعشرين، وهذا ربا في الحقيقة، ولكن الغرض المقصود أنه سماها بيعاً لكنه محرم، فالرسول ﵌ قال: إذا تبايعتم بالعينة. قوله: (ورضيتم بالزرع) الزرع مع أنه من أشرف المهن كما قال ﵊: (ما من مؤمن يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة)، ومع ذلك فالتبايع بالعينة، والرضا بالزرع، أي: الرضا بالدنيا والاكتفاء بها، وبهذه المكاسب، والرضا بالتجارة والأموال التي نخشى كسادها، حتى تكون هي أكبر الهم ومبلغ العلم -نعوذ بالله من ذلك- عندما تصبح الدنيا هي كل ما نريد، فسيسلط الله علينا ذلاً لا ينزعه حتى نرجع لديننا.

стр. 369

عوامل الخروج من المحنة الطاقة التي عندنا نريد أن نوجهها توجيهاً سليماً، نريد أن نسير في طريق الدين والإسلام؛ وعند ذلك ننتصر؛ لأن ربنا بعدما ذكر قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود:١٢١] قال: ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢٢]. إذاً: فالوقت لصالحنا ما دمنا نسير على الطريق، ولم نبتعد عنه؛ فلن نقصر فيما في إمكاننا. وهناك أمور إذا صنعت وقمنا بها خرجنا من المحنة: الأمر الأول: أن نوقن أن ما بأيدي أعدائنا لا يساوي شيئاً، ويمكن أن يزول في لحظة، وأن قوتهم ضعف، وعزهم ذل، وغناهم فقر، فنشهد بذلك، ونشهد أن الأمر لله، والغيب لله، وإليه يرجع الأمر كله . الأمر الثاني: أن نعمل على طريقتنا، ولا ننحرف يميناً ولا شمالاً، بل على نفس طريق الأنبياء والرسل، وطريق النبي ﵌ والصحابة الكرام، حتى نكون من الفرقة الناجية، وأصحاب العقيدة الصحيحة، والأخلاق السليمة، والمعاملة بالحلال وتجنب الحرام، الدعوة إلى الله ، والقيام بالإيمان والإسلام والإحسان، فنعمل لذلك ونطبقه في أنفسنا. تخيلوا ذلك في مكاتبنا الخاصة، ثم تخيلوه بعد ذلك في مساجد المسلمين، ثم تخيلوه في كل بيت، لو أن الإخوة معنا ثم الناس في المساجد، ثم في كل بيت من البيوت يكون لهم في كل يوم درس في كتاب تفسير ميسر مثل: أيسر التفاسير، أو مختصر تفسير ابن كثير، وكل يوم تقرأ بضع آيات، وتتعلم معاني الكلمات، وما فيها من حياة القلوب، ومعاني الإيمان، ثم نطبق ذلك في حياتنا، وكذا كل يوم ربع ساعة آخر النهار في كتاب شرح مسلم، أو كتاب الترغيب والترهيب، فيقرءون الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﵊، ويطبقونها في حياتهم، تخيلوا لو أن كل الملتزمين صنعوا هذا فضلاً عن بقية الناس في المساجد، وفرضاً لو أن كل البيوت عملت هكذا، ما هو التغير المنتظر في حياة الناس؟ بالتأكيد أن التغيير سيكون جذرياً؛ لأن كلام النبي ﵌ بعد كلام الله ينير لنا الطريق في الظلمات، لكن كثيراً من الناس يمكن أن يمكث أربع ساعات في مشاهدة مسرحية، أو نشيد، أو أغان، أما أن يصبروا في سبيل الدين فلا. المصيبة أن الناس تريد أن تزيل الأزمة بمزيد من الأزمة، مثلاً عام (١٩٦٧م) عملوا على إزالة آثار العدوان بأن قامت كوكب الشرق تغني في البلاد العربية، وتقوم بعمل حفلات من أجل أن تزيل آثار العدوان، وأغاني عبد الحليم حافظ الحماسية القوية، التي في هذا الوقت يقوم الفنانون بعمل أغاني مثلها!! إذاً: فلنستقبل مزيداً من البلاء، وبعض الإسلاميين يسمونها إسلامية! وهذا بلاء فعلاً والله، نسأل الله العفو العافية. القدس عندما احتلت كان نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي رحمهما الله تعالى لديهما رغبة في نشر السنة، ومقاومة الفكر الرافضي الباطني، ونشروا كتب السنة في كل مكان، فالناس تعودوا أن يقرءوا البخاري، وغالباً لم يكن هناك فهم وإدراك جيد، مع أن الشروح موجودة، ثم نصرهم الله نصراً عزيزاً مؤزراً. كان نور الدين محمود رحمه الله تعالى يأتي المحدث قبل المعركة، فيقول له: حدثني عن رسول الله ﷺ في هذا المقام، فقبل أن يبدأ المعركة يريد أن يسمع الحديث في مثل هذا الموطن ويطبقه، فحدثه أن الرسول خرج متقلداً سيفه، فقال: ما أنا على السنة، فتقلد السيف وأمر كل جنده بأن يتقلدوا سيوفهم؛ لأنه سمع الحديث وطبقه بعد ذلك، ثم أصبح الأمر سنة ماضية. المقصود: أن الناس تتعلم المعاني من أجل أن تطبقها، وكان الغرض استخدام السنة في مقاومة البدعة؛ لأن مجرد سماع حديث النبي ﵌ يجعل الناس يتغيرون، لو أخذنا مثلاً كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونظرنا في مسائله، ونحاول أن نستعين بمن يشرح لنا ما صعب علينا من كلامه، فما هو التغير في العقيدة الذي سيحصل للأمة؟ السلوك والأخلاق، والعبادات سوف تتغير في واقع حياة المسلمين تغيراً كبيراً جداً إلى الأحسن، وهذا الذي لا بد أن يقع، ولن يقع حتى يقام الجهاد، والجهاد لا يقام بالإعلانات، ولا هو مجرد فتح أبوابه، وإذا كانت البيئة مهزومة فتقول: افتحوا أبواب الجهاد، ولا يوجد ميدان أصلاً، البيت يريد أولاً البناء، وأن يوضع له أساس قوي، عندها تفتح أبواب الجهاد، وستفتح في مواعيدها بإذن الله ﵎. ولذلك نقول: الجهاد ذروة سنام الإسلام، وهو فعلاً ذروة كذلك، لكن كيف يكون قائماً؟ سنام البعير الذي له قوائم؛ وبقية بدنه أيضاً سليم، هذا الذي لا بد منه، ولابد أن يتوفر هذا في الذي يريد أن يجاهد، ولا بد أن يسير على الطريق، وينتظر عند ذلك، ولكن عندما يكون هناك انتظار بغير ((إِنَّا عَامِلُونَ)) بغير توكل على الله، فيكون انتظار في صالح العدو، وهو انتظار يائس، وليس هذا هو المطلوب من الأمة في هذا المقام، قال : ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٣] الأمر إذاً مهم جداً. إن سورتي هود ويوسف نزلتا على النبي ﵊ في الأوقات الشديدة جداً، عندما بدأ التخطيط والكيد من أهل الكفر يفكر كيف يقضي على شخص الرسول ﷺ ؛ للقضاء على الدعوة إلى الله . بعض الناس يقولون: النصر بعد سنة، أو سنتين، أو خمس، أو ست، أو عشر! لا يجوز أن نحدد، فلا ندري متى يكون ذلك، ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود:١٢٣] وإنما عليك أن تستمر في العمل، وتنتظر ما يغير الله من أحوالنا، بالعمل بما نقدر عليه يفتح الله لنا أبواب ما لا نقدر عليه، والعمل بما نعلم يعلمنا الله بسببه ما لا نعلم، وحينها تجد أن الأمور قد وضحت، إن قيل: ماذا نعمل؟ أو لماذا الدنيا مظلمة؟ لأننا لم نسر كما ينبغي، كما قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولذلك عندما يكون الشخص في حيرة من أمره يصلي صلاة الاستخارة، ويقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. ثم يدعو بالدعاء المأثور. فنعمل بما نعرفه، وربنا يفتح لنا أبواب ما لا نعرفه، إذا عملنا بتقوى الله جعل الله لنا نوراً، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] فرقان نفرق به بين الحق والباطل، حتى تعمل وتعلم أولاً ما هو الصح؛ كشخص وكأمة وكطائفة مؤمنة، لأنه أحياناً قد يقوم الإنسان بعمل شيء وليس هذا هو الوقت المناسب له، فيترتب على ذلك تأخر طويل المدى؛ ولذلك فإن النبي ﷺ منع المسلمين من أعمال في أول الأمر؛ ثم بعد ذلك فعلها ﷺ ، فقد استأذنه أهل العقبة -أصحاب بيعة العقبة- أن يميلوا على أهل الوادي من المشركين، فقال: (إني لم أؤمر بقتالهم). ويبين الإمام ابن القيم ﵀ لماذا شرع الله أولاً كف الأيدي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] قال: شرع الله ذلك؛ لأن المسلمين لو قاتلوا الكفار حينئذ لاستؤصلوا، ولأبيدوا، وكما قال الإمام الجويني: إذا نزل ملك عظيم الشوكة انتصر لبلاد الإسلام لم يتسارع إليه الآحاد؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لأهينوا ولاصطدموا، والاصطدام معناه الإهانة. فالمقصود: عندما يكون المرء لا يعلم ماذا يصنع يلجأ لربه، ولو كان لا يستطيع أن يعمل كل شيء فيعمل بقدر طاقته كما قال سبحانه: ((إِنَّا عَامِلُونَ)) إذاً: يعمل ما هو قادر عليه، فأنت تقدر أن تصلي فصل، وتقدر أن تتعلم فتعلم، وتقدر ان تدعو إلى الله فأدع إليه. إذاً: أتمنى من كل أحد منكم أن يخرج من هنا فيطبق ما قلناه، وكل يوم يتعلم آية، أو آيتين أو ثلاثة، ويفهم معناها، وأن يكون له في كل يوم وقتاً لتعلم حديث النبي ﵊ مع التطبيق، ونشر هذا الكلام في المسلمين، فلو نشرنا هذا الكلام في المسلمين، وتعلموا السنة، فلن يقدر أن يخدعهم أحد أو يميل بهم يميناً أو شمالاً، ولما أن نتعلم التوحيد بطريقة مبسطة، بالآية بالحديث، مثل كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، لو عرفنا الآيات الدالة على صفات الرب ، وعلى سائر أمور الاعتقاد الواجبة، وتنشر هذه الأمور في المسلمين، وكذا الأخلاق الواجبة، ونتعلم كلام النبي ﵊ في ما يلزمنا في الآداب والأخلاق وأعمال القلوب الواجبة، فسيحصل تغير بإذن الله ﵎.

стр. 370

أثر الدعوة بين شرائح المجتمع المختلفة يجب أن نسعى بالدعوة إلى الله كل منا في مجال وجوده، وفي مجال اختلاطه بالناس؛ ونحن نختلط بلا شك بعشرات المنكرات كل يوم. أروي لكم قصة عشتها أنا فعلاً وما كنت أتصورها: خرجت في يوم ما من خطبة الجمعة فوجدت بعض الأولاد بجوار المسجد على بعد مترين أو ثلاثة يلعبون بالنرد وأصوات الموسيقى مرتفعة إلى جانب ذلك كله، وكان الناس في الخطبة متضايقون جداً مما يحدث، وأنا حز في نفسي أن لا أقول لهم أي شيء، فذهبت إليهم ونصحتهم بأن يستغلوا أوقاتهم في أمور هي خير من النرد والأغاني، فوجدت أنهم يحفظون شبهات حول اللعب بالنرد، وينكرون حرمته، وبعد نقاش تركتهم وذهبت، ثم سمعت أحدهم يقول: ارفع هذا الشيء عنا، فحمدت الله تعالى على ذلك، حتى ولو لم يقتنعوا المهم أني أفسدت عليهم شيئاً من هذا الحرام الذي وقعوا فيه. إذاً: فالناس عندها استعداد لتقبل الخير؛ حتى ولو للحظة، ويمكن أنهم أقفلوه حياءً من الذي أمرهم، والحياء من الإيمان. وهناك من يتكلف أن لا يرد كلام أحد، خصوصاً إذا كان هناك فارق في العمر، فيقولون عنه: رجل من أصول القرن الماضي، فلو أن الشباب تقدموا لأمثالهم وكلموهم لأثروا فيهم، ودائماً الشباب يؤثرون على بعضهم، ونجد أن أولادنا يحبون أصحابهم أكثر من آبائهم وأمهاتهم، هذا أمر لا شك فيه؛ لأنه يرى أن أمه وأباه لا يفهمون الدنيا، وهم من زمن آخر، فمن الذي سيكلمه إلا صديقه. فأيها الشاب! لو وجدت فكرة منكرة تنافي الفطرة سيعملونها نحذرهم منها، وكذلك لو وجدت فكرة صالحة قد يعملونها فحفزهم لعملها والتحلي بها؛ لأنك قريب منهم، وعندك نفس احتياجاتهم وشهواتهم. إن الدعوة إلى الله لو طبقت من جميع الملتزمين بكل مستويات اختلاطهم، ولم تقتصر على مجرد خطبة أو درس في المسجد، أو ندوة أو محاضرة، وإنما تكون كلمة الحق في كل مكان نصل إليه، ولا نخجل منها، ولا نستحيي، فأهل الباطل لا يستحون، وكما ذكرت الطبقات المختلفة مؤثرة على بعضها أكثر من تأثير البعيد عنها، الشباب يؤثرون في الشباب، والبنات يؤثرن في البنات، وكل أهل ملة عندهم فهم معين يؤثر بعضهم في بعض أكثر مما لو حدثهم آخر. فلو أن طبيباً نصح الأطباء، سيختلف الأمر عما لو نصحهم صاحب أي مهنة أخرى، فلو نصحهم نجار مثلاً لقالوا له: أنت لا تفهم أي شيء عنا، ولا تعلم ما نحن فيه، لكن لو كان الناصح من بينهم وقال لهم مثلاً: عليكم أن تتقوا الله، وتغضوا أبصاركم عن عورات المرضى، ولا تستهينوا بالعورات مثلاً، فذلك يختلف عما لو كان من غير مجالهم، فكل واحد في مجاله، الشاب في مدرسته وجامعته، والعامل والموظف في عمله، والجار مع جاره، والمرأة مع صديقتها وجارتها، لو حدث ذلك لتغير واقع الناس، ولكنا فعلاً سائرين على الطريق، بما نقدر عليه، ولن نقول للناس: افعلوا ما لا طاقة لكم به، ولا نقول: افعلوا أي شيء، ولو كان على غير الطريق، فلا بد أن نسير؛ ولكن على الطريق.

стр. 371

تاريخ وقوع النصر متى يقع التغيير؟ قال الله تعالى: ((وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، فلا نجعل التاريخ محدداً، أو نجعل نهاية الدنيا كلها خلال خمسمائة سنة بعد ألف وثمانمائة، أو ألف وأربعمائة، أو هذا هو القرن الذي ستنتهي فيه الدنيا، هذه خزعبلات، دعوكم منها عباد الله! ولابد أن نعلم أن القريب ربما يكون بعد ألف سنة، والله أنزل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١] من ألف وأربعمائة سنة؛ لأن ألف وأربعمائة سنة وزيادة شيء يسير بالنسبة لله سبحانه، فلا تظنوا أن هناك تاريخاً محدداً لذلك. قال تعالى: ((وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ)) فليس للنبي ﷺ أمر، كما قال : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] ثم قال: ((وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ))، وهذا كقوله: ((اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا))، وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فهذه قضية عظيمة ومهمة، ثم قال سبحانه: ((فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) فمراقبة الله ، وإخلاص النية له ، لو علم الله الرغبة في نصرة دينه، واتباع كتاب الله من طائفة منا، ليس حتى من جميعنا، لتغير الواقع الذي نعيشه بإذن الله؛ فإن الله ناصر دينه، ومظهر كلمته ، ومعليها في الأرض كلها ولو كره الكافرون. وهذا اعتقاد راسخ لا بد أن نوقن به؛ ولكن لابد أن نكون لبنات في البناء، وخطوات على الطريق، وأساس يوضع؛ ليرتفع عليه البناء على قواعد مدفونة تحت الأرض، لا على ظاهرها، لئلا يسقط مع أبسط هزة البناء. فلابد أن نكون نحن لبنات في البناء، وأساس له، وسيظهر قطعاً بإذن الله، وبلا شك أن المهدي من أبناء أحد أفراد هذه الأمة، ونحن لا نعرف متى مواعيده، لكن هو غير موجود هذا الوقت جزماً، لكن سيكون من أبناء أهل الإسلام من نسل النبي ﷺ . وهكذا الذين يجاهدون الدجال، والذين يفتتحون قسطنطينية ورومية، سيكونون من أبناء المسلمين اليوم بإذن الله ﵎، فمن الذي علمهم؟ من الذي رباهم؟ إلا نحن، فلننظر كيف تربيتنا لأبنائنا ولأمتنا. إن كنا نريد أن نكون على الطريق بإذن الله ﵎؛ فلنكن نحن الذين ربيناهم، أو ربينا الذين يربونهم، ونجتهد في ذلك، ويمكن أن نكون نحن، والله أعلم، فالأحوال تتغير في لحظة، والموازين الدنيوية سرعان ما تتبدل في أسرع من لمح البصر، قال : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] يقول سبحانه للشيء: كن فيكون، ولا يحتاج الأمر إلى تسمية أو تكرار، فبإذن الله ﵎ تنقلب الموازين على أعداء الله من حيث لا يشعرون، لكن لا ندري متى، فنعمل الواجب علينا، وما شاءه الله كان.

стр. 372

غزوة أحد يجد المتأمل في سيرة النبي ﷺ وأصحابه من الحكم والفوائد والعبر، والدروس المهمة الشيء الكثير، مما يحتاجه المسلم في حياته، سيما في مثل زماننا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل، وبدأ أناس يستوردون حلولاً لقضاياهم ومشاكلهم من الغرب الكافر، ولو تأملوا سيرة النبي ﷺ وأصحابه لما أشكل عليهم مشكل، ولما احتاروا في أمرهم.

стр. 373

السيرة النبوية ضياء للمسلم يسير عليه في حياته إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن من أعظم ما يحتاج إليه المؤمن في سيره إلى الله ، وتحتاج إليه الجماعة المؤمنة والطائفة المسلمة فيما تواجهه من صعوبات وعقبات وتحديات في سعيها لإعلاء كلمة الله في الأرض، هو دراسة سير الأنبياء وسننهم، وخاصة سيرة محمد ﵌ خاتم النبيين، واستيعاب وإدراك المواقف الإيمانية والعبر والعظات التي جعلها الله في سيرته ﷺ ، وكيف واجه المواقف المختلفة التي نوّع الله أقسامها بين شدة ورخاء، وبين عسر ويسر، وبين استضعاف وتمكين، وبين قوة وضعف في الظاهر، وستجد أنها تستوعب الأقسام المحتملة التي يواجهها أهل الإيمان في صراعهم مع أهل الباطل عبر العصور، وهم يحتاجون في كل موقف إلى تلمس النور من منبعه ومصدره الذي أفاضه الله على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكيف كانت مواقفه ﵊ في كل حال.

стр. 374

حاجة المسلم للاستفادة من دروس غزوة أحد سنذكر مختصراً من الوقائع المختلفة من سيرته ﷺ من كتاب الرحيق المختوم، ونتبع ذلك بتناول هذا الموقف من كتاب الله ، فإن الغزوات الكبرى والمواقف العظيمة جعلها الله مبينة في كتابه أحسن بيان، وقد تناولتها سور القرآن المختلفة، وبين ربنا العبر والعظات والسنن التي يحتاج إليها أهل الإيمان دائماً في كل أمورهم، وقد ذكر الله غزوة أحد، وهي من أعظم الغزوات أهمية، ودروسها من أعظم الدروس أهمية في حياة المؤمن والطائفة المؤمنة في سيرها إلى الله . ذكر الله هذه الغزوة في سورة آل عمران، وبينه أحسن بيان، ليس لمجرد ذكر الوقائع أو تفاصيل الغزوة، وإنما لبيان حقائق الإيمان المتعلقة بالمواقف المختلفة التي حصلت للمؤمنين، وحصلت لأعدائهم من الكافرين، والآيات من سورة آل عمران تتناول هذه القصة بالبيان والتفصيل، وسنذكرها مقترنة بتفسيرها إن شاء الله ﵎. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٣٢].

стр. 375

سبب غزوة أحد قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد، وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب، رواه ابن جرير، وهو غريب لا يعول عليه. وصدق في ذلك؛ لأنه لا وجه للقول بأن هذه الآية المراد بها يوم الأحزاب، ولو كان الأمر كذلك لذكرت في سورة الأحزاب، والقصة معلومة أنها في سياق غزوة أحد. قال: وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال، فالله أعلم، وكان سببها: أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان، فلما رجع قفلهم -يعني: العائدين- إلى مكة قال أبناء من قتل ورؤساء من بقي لـ أبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفقوها في ذلك، يعني: أنهم أنفقوا في عزوة أحد أموال القافلة التي نجت، والتي كانت سبباً لحصول غزوة بدر؛ لأن الرسول ﷺ خرج كي يأخذ هذه القافلة، فقدر الله نجاة القافلة ووقوع وقعة بدر مع جيش المشركين، فجعلوا هذه الأموال لقتال النبي ﷺ ، وفيها أنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٣٧]، وقد كان.

стр. 376

قوام جيش المشركين واستشارة النبي ﷺ لأصحابه قال ابن كثير ﵀: فجمعوا الجموع والأحابيش، والأحابيش هم: من حول قريش، يعني: من أنفسهم وممن حولهم، وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريباً من أحد تلقاء المدينة، فصلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له: مالك بن عمرو. يعني: صلى عليه صلاة الجنازة، واستشار رسول الله ﷺ الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة، فأشار عبد الله بن أبي بالمقام بالمدينة، وألا يخرجوا منها، قال: فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم ورمتهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا عن القتال رجعوا خائبين، وكان هذا رأياً سديداً من جهة الخطة العسكرية، وهي أن المسلمين أمكن بالمدينة، فهم متمكنون فيها، فلو بقي المشركون خارج المدينة في الصحراء أقاموا بشر محبس، أي: كانوا محبوسين في شر مكان؛ لا طعام ولا شراب ولا مسكن، وقد يبقون مدة طويلة خارج المدينة، قال: وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، والنساء والصبيان من فوقهم، أي: رموهم بالحجارة، يعني: سيحكم الخناق على كفار قريش في أزقة المدينة وطرقاتها، قال: وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم.

стр. 377

الشوق للجهاد والتضحية في سبيل الله أشاروا بذلك لأنهم كانوا متشوقين لبذل النفوس في سبيل الله ، ورغم أن هذا لم يكن بالرأي الأصوب من جهة الخطة العسكرية إلا أن المسألة مسألة اجتهادية، ونلحظ من هذا فائدة عظيمة، وهي: قضية استعداد المسلمين للبذل والتضحية في سبيل الله، وشوقهم وحبهم للجهاد في سبيل الله ، وأن الذين فاتتهم غزوة بدر حزنوا على ما فاتهم من الخير، وهكذا المؤمن دائماً إذا فاته شيء من الخير يحزن عليه، كما ذكر الله ذلك عن الذين عجزوا عن الخروج في غزوة تبوك فقال: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. وهذا بخلاف المنافقين؛ فإنهم يفرحون بتخلفهم عن الخير، وعن بذل النفوس والأموال في سبيل الله ، كما قال عنهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. ومن هذا نستفيد فائدة مهمة جداً، وهي: رغم خطأ هذا الرأي من الناحية العسكرية إلا أن النبي ﷺ رأى أن يقبل هذا الرأي منهم، وأن يمضي عليه، ومن سياق القصة الطويل في سورة آل عمران نجد أنه ﷺ لم يعاتب أحداً اختار الخروج بدلاً من البقاء. فالمسألة مسألة اجتهادية، وهم اجتهدوا في أي الأمور أصلح: هل يخرجون لقتال المشركين خارج المدينة أم يبقون في الداخل؟ وكان الرأي الأصوب من جهة الخطة العسكرية البقاء في المدينة، ومع ذلك نجد أن النبي ﷺ اجتهد ورأى أن أكثر أصحابه يريدون الخروج فخرج؛ مراعاة لما في قلوبهم من أنواع الخيرات، فقلوبهم محبة للجهاد في سبيل الله ومستعدة للبذل والتضحية. وقد عاتب الله من قصر منهم، لكن لم يذكر عتاباً قط على أن هذا كان خطأً من الجهة العسكرية، فلم يذكر على هذا عتاباً قط، على رغم أنه ما كان ينبغي لهم أن يخرجوا، وأن البقاء في المدينة خير لهم، إنما كان العتاب على المعصية بعد ذلك وعلى مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وعلى إرادة الدنيا وعدم إرادة الآخرة.

стр. 378

فقه التعامل مع الآراء وهنا فائدة عظيمة الأهمية، وهي: أننا إذا اخترنا رأياً معيناً فيما نواجه من وقائع، وكان هذا الرأي من الجهة الواقعية غير موفق، أو كان غيره أولى منه، لكن كانت النية في اختيار هذا الرأي خالصة، وكانت إرادة وجه الله وإرادة نصرة دينه وإرادة البذل في سبيله هي الحاصلة، فلا يعاتب صاحب هذا الرأي، حتى وإن حدث ابتلاء، أو حدثت محنة، بل قد يحدث قتل، وقد تكون هناك شهادة للبعض، وجرح للبعض الآخر، كما وقع في غزوة أحد، ولكن من أين أتي الناس في غزوة أحد؟ هل أتوا من قبل أنهم اختاروا هذا الرأي الذي كان غيره أولى منه، أم أنهم أتوا من قبل النيات ومن قبل الإرادات، ومن قبل مخالفة أمر رسول الله ﷺ ؟ فلهذا نرى أن الرسول ﷺ لم يعاتب الذين أشاروا عليه بالخروج للقتال خارج المدينة، ولم يقل: أنتم السبب، وأنتم الذين جعلتمونا نخرج إلى المشركين، وكان الأولى أن نجلس، لم يعاتب على ذلك، وإنما عوتب الذين تركوا أماكنهم من الرماة، وعوتب من أرادوا الدنيا كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، وعوتب من ظنوا بالله ظن الجاهلية، وعوتبوا على ما وقع في قلوب بعضهم ساعة الفرار وساعة الانسحاب غير المأمور به من الوقعة، وأيضاً ذُم المنافقون على نفاقهم. فهذا الأمر هو الذي ينبغي أن نستعمله دائماً فيما نواجهه من وقائع وأمور، ولا نشغل أنفسنا كثيراً بأن هذا الرأي كان خطأً وأنه كان سبب المشكلة؛ لأن سبب المشكلة الحقيقية التي تواجهنا في كل مواقفنا مع من يخالفنا، ومع أعداء الإسلام، -لو دققت- تجد أن سببها ما ينبع من داخلنا ومن أعمالنا ومن أحوال قلوبنا، وهذا هو الذي نبهنا عليه القرآن، وتأمل الآية التالية مباشرة وهي: ((إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا)). هذا الذي كان عليه العتاب، ومن ثم يجب معرفة كيف ينجو الإنسان أو تنجو الطائفة المؤمنة من هذا المرض الخطير: وهو الفشل، والتخاذل والابتعاد عن طريق الخير والحق، وترك مواجهة أعداء الله ، هذا هو الخطر العظيم، فكيف يعالج؟ يعالج بالتوكل على الله كما سيأتي بيانه.

стр. 379

عزم النبي ﷺ على المواجهة خارج المدينة قال ابن كثير ﵀: وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهدوا بدراً بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لامته، واللامة: آلة الحرب، كالدرع، والرمح، والسيف، والبيضة، والمغفر، وسائر أدوات الحرب، فلبس النبي ﷺ أداة الحرب، وخرج عليهم وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إن شئت أن نمكث، فقال رسول الله ﷺ : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يرجع حتى يحكم الله له). وهذا فيه أمر مهم، وهو: عدم التردد؛ لأن كثرة التردد في الأمور يؤدي إلى زعزعة الهمم والعزائم، وعدم استمرارها واستقرارها، وخصوصاً من القادة، فالنبي ﷺ قائد أمته ﵊، ولو تردد وقبل أن يرجع وأخذ هذا الرأي ثم رجع مرة أخرى لكان ذلك فتاً في عضد أتباعه من المؤمنين، ولكن لا يعني هذا أن الإنسان لا يرجع عن الرأي الذي يراه خطأً أو غير سديد، بل عليه أن يرجع إلى الحق، ولكن في الأمور الاجتهادية الأمر فيها واسع. لكن التردد فيها قد يكون خطيراً إذا كان يؤدي إلى الفت في عضد الأمة.

стр. 380

خيانة المنافقين قال: فسار ﷺ في ألف من أصحابه، فلما كان بالشوط -ما بين المدينة وبين جبل أحد- رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضباً؛ لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. وهذا من عجيب شأن المنافقين، فهذا المنافق يعلم أنه قد أشار على النبي ﷺ بعدم الخروج، ثم قرر النبي ﷺ الخروج وخرج معه، ثم تراجع ليفت في عضد المسلمين، وهذا خبث ومكر ودهاء من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه رجع بثلث الجيش. وهذا دليل على أن عبد الله بن أبي له وزن عند كثير من الأنصار في ذلك الوقت؛ لأنه كان مطاعاً مقدماً، كاد أن يصبح ملكاً على المدينة قبل ثلاث سنوات فقط من هذه الوقعة قبل قدوم النبي ﷺ مباشرة، وكادوا أن يتوجوه بالعصابة ويجعلوه ملكاً على المدينة، فكانت له منزلة، فرجع من الألف تقريباً ثلاثمائة وقليل، رجعوا مع عبد الله بن أبي، ولم يكن كلهم منافقون النفاق الأكبر، ولكن استجاب كثير منهم لقول عبد الله بن أبي، وهذا دليل على خطر النفاق. فطائفة المنافقين تفت في عضد الطائفة المؤمنة، وتوهن عزائمها، وتوهمها بأنها معها ثم تتراجع في مرحلة المواجهة، وفي ساعات الخطر، ويزعمون أنهم لا يرون قتالاً، كما قال حاكياً عنهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، لكن نحن لا نراكم تقاتلون اليوم أحداً، ولا يوجد حرب اليوم، فإذاً: لماذا خرج النبي ﷺ ؟ ولماذا جاء ثلاثة آلاف من المشركين؟ هل يرجعون بدون قتال؟ والرسول قد خرج بالفئة، لكن هذا من خبث المنافقين، ومن محاولة التلبيس على المسلمين؛ ولذلك ذمهم الله على هذه الوقعة، كما سيأتي في سياق السورة.

стр. 381

خطر المعصية، وأهمية الأخذ بالأسباب قال: واستمر رسول الله ﷺ سائراً حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي -والعدوة هي جانب الوادي- وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: (لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال)، وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، من الأنصار، وعدد الرماة يومئذٍ خمسون رجلاً، فقال لهم: (انضحوا الخيل عنا، انضحوهم بالنبل) يعني: ارموهم بالنبل، وارموا خيلهم إذا هجموا علينا، وهو ﵊ في ظهر أحد، والمشركون أمامه، والرماة على الجبل، وقد أمرهم أن يرموا خيل المشركين بالنبال، فقال: (انضحوا الخيل عنا، ولا نؤتين من قبلكم، والزموا مكانكم وإن كانت النوبة لنا أو علينا)، أي: إن كانت الغلبة لنا أو علينا الزموا مكانكم فلا دخل لكم بالقتال، وإنما مهمتكم الأساسية هي رمي المشركين بالنبال، واحذروا أن نؤتى من قبلكم؛ لأنه لو التف جيش المشركين من هذا المكان من عند جبل الرماة، ونزلوا على المسلمين من علو فسيتحكمون في المسلمين وتكون الدولة لهم، فكان المطلوب من الرماة أن يمنعوا المشركين من الرقي إلى هذا المكان فيؤتى المسلمون من قبلهم، ولذا قال ﷺ : (وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم)، أي: لا نريد إنقاذاً منكم، ولا تتدخلوا في القتال، حتى لو رأيتم المسلمين تتخطفهم الطير فلا تبرحوا مكانكم، وهذا فيه مبالغة في لزوم المكان، وتأكيد على عدم الفرار. قال: وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، أي: جمع بين لبس درعين وليس درعاً واحداً، وهذا فيه الأخذ بالأسباب، وأنه لا ينافي التوكل على الله ، فرسول الله ﷺ الذي يعصمه الله من الناس ظاهر بين درعين، وهذا فيه أنه كان يأخذ بالأسباب، ويتخذ وقاية يتقي بها العدو، وهذه سنة الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وسنة الصالحين، وأهل السنة ليس عندهم ترك الأخذ بالأسباب زاعمين أن التوكل على الله يكفيهم، بل يأخذون بالأسباب مع كونهم متوكلين على الله ، فهم يتوكلون على الله بقلوبهم، ويأخذون بالأسباب بجوارحهم. فظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء لـ مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، وبنو عبد الدار من قريش، ومصعب رضي الله تعالى عنه أحد فضلاء المسلمين، ويكفي أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- يقول: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فرضي الله تعالى عنهما، وقتل ولم يقطف من ثمرته شيئاً، ولم ينل شيئاً من أجره في الدنيا، بل أجره كله يُدخر عند الله ، وإعطاء مصعب اللواء فيه إشارة عظيمة، ولطيفة دقيقة، وهي أن مصعباً ﵁ كان سفير الإسلام إلى المدينة، وهو الذي دخل على يديه أكثر أهل المدينة في الإسلام، وأكثر الأنصار إنما أسلموا على يديه رضي الله تعالى عنه، وهو الذي نشر الإسلام في المدينة، لذا كان هو الذي يحمل اللواء في هذه الموقعة، ومعلوم أن أكثر الجنود كانوا من الأنصار، فكان في هذا تكريم عظيم لـ مصعب رضي الله تعالى عنه، ثم في بقائه ثابتاً على اللواء حتى استشهد رضي الله تعالى عنه وليس له من الدنيا شيء، زيادة تكريم له، فهذا فيه إشارة إلى ما له عند الله يوم القيامة.

стр. 382

أهمية التربية الصالحة قال: وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغلمان يومئذٍ، وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق، وكان بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وكان فيمن أرجأهم عبد الله بن عمر ﵁، ولم يجز إلا الذين كانوا أشداء على القتال، فالرسول ﷺ الذين وجدهم قد نازلوا أو قد بلغوا وعندهم القدرة على القتال أجازهم في الجيش. وهذا فيه دليل على أن الصحابة كانوا يربون أبناءهم على حب الجهاد في سبيل الله وعلى التضحية والبذل، كانوا يربونهم على ذلك وهم صبيان يناهزون البلوغ، وأعمارهم ما بين إحدى عشرة أو اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، فالذي عمره ثلاث عشرة يعني أنه في عمر من هو في الصف الثاني الإعدادي في هذا الزمان، ومع هذا كانوا يحرصون على أن يكونوا في جيش رسول الله ﷺ ، وأجازهم النبي ﵊ للقتال، وبعضهم كان عمره أربع عشرة وبعضهم خمس عشرة سنة، وأياً ما كان سنهم فإن البذل والتضحية في مثل هذا نادر، لكنه متصور من أبناء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين اختارهم الله على الأمم، فالعبرة كانت في ذلك ليست بالسن ولكن بإطاقة القتال. قال: وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس، قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار. وهذا فيه فائدة مهمة جداً، وهي: أننا ذكرنا أن مصعباً من بني عبد الدار، كان هو حامل لواء المسلمين، وحامل لواء المشركين كان من بني عبد الدار أيضاً، فهنا فائدة مهمة وهي: أن العرب كانت الرابطة التي تربط المجتمع عندهم هي رابطة القبلية، ورابطة العائلة، والأسرة الواحدة، لكن الإسلام فرق بينهم، فليس هناك عبرة بالأنساب طالما اختلفت العقيدة، وطالما اختلفت الملة والدين، فلا عبرة بما هو أدنى من ذلك، فكان عندهم من أقوى الروابط رابطة العائلة والأسرة، فهذا بطن من بطون قريش، وليس قبيلة كبيرة، وهكذا من الروابط وحدة المنشأ ووحدة الوطن ووحدة القومية، ووحدة اللغة، فالأسرة الواحدة كلها موجودة، وحامل لواء المسلمين مصعب من بني عبد الدار، وحاملوا لواء المشركين كانوا تسعة متتابعين، أو جملة متتابعة من بني عبد الدار، فرابطة العقيدة وآصرة الدين هي الآصرة التي يؤسس عليها المجتمع المسلم، وتبنى عليها الطائفة المؤمنة، دون نظر إلى الروابط الأخرى، ولو وجدت الروابط الأخرى فهذا آكد، لذلك النبي ﷺ كان يحب أن يقاتل الرجل تحت راية قومه؛ ليكون مع القريبين من قبيلته؛ لأن هذا أقوى له، وهم أعلم ببعضهم، ويستطيعون التعامل مع بعضهم بطريقة أنسب، فأهل الرابطة الواحدة أعرف بطباع بعضهم من غيرهم، وهم أعلم بما يحبه قومهم وما لا يحبونه، فهذا أمر مطلوب ولا مانع منه. ولما أن تكون العقيدة واحدة وأضيفت إليها روابط الأسرة الواحدة أو العائلة الواحدة أو الوطن الواحد، أو القومية الواحدة هذه كلها تصبح جملة روابط مؤكدة لرابطة الإيمان، فلا نأباها ولا ننبذها؛ لأنها مؤكدة للرابطة الأصلية، رابطة العقيدة التي اجتمع عليها المجتمع المسلم، وبنيت عليها الطائفة المؤمنة، لكن عند أن تتعارض معها وتخالفها فلا بد أن تقدم رابطة الإيمان ولا عبرة بما سواها من الروابط. ولذلك قطع رسول الله ﷺ حبال الجاهلية ووصل الأمة بحبل الإسلام؛ وهو حبل واحد، فكل رابطة تعارض أو يراد لها أن تكون بدلاً عن رابطة الدين، والتوحيد، والإيمان فهي رابطة مقطوعة، ولا عبرة بها، وأما إذا كانت مع رابطة الدين فهي تعضدها وتقويها، وينتفع بها في سبيل تحقيق الغايات المحمودة من رابطة الدين ومن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .

стр. 383

الاستعداد للقتال والتحذير من الفشل قال: ثم كان بين الفريقين من الأحداث ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات إن شاء الله تعالى. قال ابن كثير: ولهذا قال تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ))، أي: تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة، وحيث أمرتهم، ((وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، أي: سميع لما تقولون عليم بضمائركم، وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالاً حاصله: كيف تقولون: إن النبي ﷺ سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة، وقد قال الله تعالى: ((وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ)) الآية؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوئهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار. وهذا السؤال طبعاً أخذه من كلمة (غدوت) والغدوة هي: أول النهار، يقال: غدوة وعشية، فلو كان النبي ﷺ بوأهم بعد الجمعة يكون قد دخل في المساء، أي: في العشي، ولا يصح أن يقال له: غدوت. فيقول ابن جرير: إن الغدو كان يوم السبت صباحاً، وكان هذا لأجل خروج النبي ﷺ بعد الجمعة، فما بعد الجمعة لا نسميه يوم الجمعة، ولكن نقول: بعد يوم الجمعة، أي: يوم السبت صباحاً. وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢٢] الآية. قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢٢]، الآية. قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب، وقال سفيان مرة: وما يسرني أنها لم تنزل؛ لأن فيها عتاباً، وفيها ذكر بني سلمة بنوع من النقص، وهو: الهم بالفشل، قال: وما يسرني أنها لم تنزل؛ لقوله تعالى: ((وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا))، أي: أن الله هو الذي تولى أمرهما، وهو الذي تولى إصلاحهما، ولذلك كان هذا كرامة لأولياء الله ، وأن بني حارثة وبني سلمة الذين ثبتهم الله من أوليائه ؛ لأن الله قال: ((وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)). قال: وهكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.

стр. 384

تنزل النصر رغم الضعف المادي وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: نصركم يوم بدر، وكان يوم الجمعة الموافق السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وحزبه، وهذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ليس فيهم إلا فرسان وسبعون بعيراً، والباقون مشاة، وليس معهم من العُدد جميع ما يحتاجون إليه، بينما كان عدد العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف، وهم في سوابغ الحديد، أي: الحديد السابغ المغطي للبدن، أي: المواضع التي تحفظ من البدن عند القتال، وكانوا لابسين دروعاً وبيضات، فهم في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة، والخيول المسومة، والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله. قال ابن كثير ﵀: ولهذا قال تعالى ممتناً على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ))، أي: قليل عددكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العدد والعدد؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥]، إلى قوله تعالى: ((غَفُورٌ رَحِيمٌ)).

стр. 385

قل كل من عند الله التقى معسكر الإيمان بمعسكر الكفر في يوم أحد، وشاء الله لحكم جليلة وعظيمة الهزيمة للمسلمين، وكان مرد الهزيمة إلى أعمال القلوب والجوارح، وكان في ذلك خير للمسلمين، حيث ظهر أهل النفاق، وبدت بطولات أهل التوحيد والوفاق، وتمحصت النفوس في هذه الشدة، وعلم المسلمون بأنهم إنما يقاتلون عدوهم بأعمالهم، وأن الذنوب والمعاصي هي سبب في تأخر تغيير هذا الواقع المؤلم، وأن العبرة بالجودة لا بالكثرة.

стр. 386

ظن المنافقين بالله يوم أحد الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٥٤ - ١٦٠]. ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أنواعاً من ظن الجاهلية، ومن عقائد الكفار وأهل البدع والضلال في تفسيره لقوله : ((يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)). ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: ((هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ))، وقولهم: ((لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا))، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر، فهم لا يقصدون أن يثبتوا أن الأمر لله، وإلا لما حسن الجواب عليهم بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، وإنما يعنون أن الرسول ﷺ لم يستمع لنصيحتهم ولم يستمع لكلامهم، وأنه لأجل عدم أخذه لرأيهم حدثت الهزيمة. وقد ذكرنا من قبل أن كثيراً من الناس عند المصائب والهزائم والمحن يكثر من البحث عن الأخطاء الظاهرة، سواء كانت أخطاء عسكرية، أو أخطاء في القرارات، أو أخطاء في طريقة العمل، وينسى أن هذه الأمور في النهاية هي أمور اجتهادية، وليست هي التي ذكر الله في سبب الهزيمة، وأن الأمر ليس أنه كان الأصوب عدم الخروج إلى جيش المشركين خارج المدينة، وكان الخطأ هو خروج المسلمين، فالمسلمين انتصروا بفضل الله في أول المعركة وقد خرجوا، فليس الخطأ العسكري في عدم البقاء في المدينة هو السبب في الهزيمة، فهذا لم يذكره الله قط، ولكن هؤلاء لا يعرفون إلا الأمور الظاهرة، لذلك قالوا: ((هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ))، يعنون أن الرسول لم يسمع كلامهم، فهم لم يقصدوا إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله. قال ابن القيم: [فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية] إذ نص هذا الكلام، ((الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، اعتقاد الحق، وليس يمكن أن يكون اعتقاد الحق هو مصدر ظن الجاهلية، وإنما ظن الجاهلية مصدره عقيدة الجاهلية وسوء الظن بالله، وعدم الإيمان الصحيح. يقول ابن القيم: [ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول ﷺ وأصحابه تبعاً لهم، فيسمعون منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية] ولو كان كذا لكان كذا وكذا، فلو لم نخرج لانتصرنا، ولو لم نخرج لما قتل منا من قتل، فهذا الكلام الباطل الذي يقع فيه كثير من الناس، وينسون أن سبب المصائب والمحن والهزيمة والانكسار هو المعصية والمخالفة لشرع الله، وحتى ولو كان الأمر محتملاً أن يكون خطأ عسكرياً فالله يجعل من الأسباب الضعيفة أقوى الأسباب، ويجعل من الخطأ الذي هو أمر اجتهادي -طالما أنه دون معاصي ودون ذنوب- ذلك الخير الكثير. فالعبرة أن نأخذ بالأسباب ولكن لا نقف عندها، بل نتعمق لنفهم أن هناك ما هو أشد تأثيراً من هذه الأسباب، وهو أعمال القلوب وما يكون عليه حال الجيش في الطاعة والمعصية، وحال الطائفة خصوصاً وحال الأمة عموماً. فلابد أن نعرف أن هذه من أكبر الأسباب، وليس فقط أن السبب مثلاً أن الأسلحة كانت قديمة، أو أن التخطيط العسكري كان خطأ، أو نحو ذلك مما تبرر به الهزائم دائماً، فأعمال القلوب هي السبب في الهزيمة أو الانتصار، وأنت لو تأملت ما يقع في المعارك ستجد أن قضية التفاوت في القوة المادية ليس هو العامل الرئيسي في الهزيمة أو الانتصار وإنما تجد على أرض المعارك أمراً يختلف تماماً عن الموازين المادية المحضة، فتجد أن أعتى القوى والجيوش ربما قد تعجز أمام أفراد معدودة ومحدودة، وعندما تبدأ أعمال القلوب الفاسدة من الغش، والتعلق بالدنيا، وبيع القضايا، وبيع الأديان والأوطان والشعوب بالمال وبالشهوات، هنا يدخل العبث. فمرد الأمر في الهزائم إلى أعمال القلوب، فكم من هزيمة وقعت، وأرض احتلت، كان سببها أعمال قلوب طائفة من الأمة، أو جيل من الأمة وقعوا في المعاصي والمنكرات، مما أدى ذلك إلى حصول البلاء ونزوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلذلك قولهم ((لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) أي: لو كان الرسول وأصحابه تبعاً لهم يسمعون منهم لما أصابهم شيء قط، وهذه القضية هي قضية أهل النفاق الأكبر والأصغر. يقول ابن القيم: فأكذبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر، الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فهذا أمر عظيم الأهمية في المحن والشدائد، وهو شهود القدر، وهذا هو الذي يدفع القلوب إلى تجاوز المحنة وإلى زيادة الإيمان، رغم شهود التقصير، وليس التقصير هو عدم اتخاذ القرار الصحيح عسكرياً مثلاً، بل التقصير كان في مخالفة الأمر: ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. إن هذا شهود التقصير مع شهود القدر، وأما شهود التقصير مجرداً عن شهود القدر فإنه يدفع إلى اليأس، وإلى قتل النفس، وإلى قتل المعاني الحميدة التي في النفس، فليس المقصود من لوم النفس وعتابها والسعي في تهذيبها وإصلاحها أن يظل الإنسان يبكتها ويذمها حتى يصل إلى تيئيسها من رحمة الله ، بل لابد أن يرى الجوانب الإيجابية ويستثمرها، والجوانب السلبية ويعالجها، وليس مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان وأئمة السلف جلد النفس، أي: أن يرى الإنسان نفسه دائماً بأحط المنازل، وأنه الهالك الوحيد، كمن قال مثلاً: إنه ما حاسب نفسه إلا وجد نفسه مرائياً، إلا أن يكون كذلك، لكن أن يرى نفسه على الدوام لم يعمل عملاً صالحاً قط! فليس هذا هو الذي أمر الله به، أو يرى أنه لم يخلص لله طرفة عين، فهذا لم يأمر الله به، إلا إذا كان كذلك فنعم، فمثل هذا الإنسان فاسد من الداخل، وهذا يذكر في كثير من كتب التهذيب على أنه مثال لما ينبغي أن يكون عليه الصالحون، وليس كذلك. فالله وصف المؤمنين بأن قلوبهم وجلة، وأنهم يخافون ألا يكونوا أخلصوا لله، لكن لا ينبغي أن يظن بنفسه دائماً بأنه في أحط المنازل، وأنه أسوأ الموجودين، وأنه هو الهالك الوحيد، فليس هذا هو الأمر المطلوب، كما أنه لا يزكي نفسه أيضاً، ولكن يرجو القبول، ويخشى عدم القبول، ويرى الجوانب الإيجابية -وهي فضل من الله ونعمة- فيزيد منها ويستثمرها، والجوانب السلبية فيعالجها، ويشهد القدر في كل ذلك. يقول: [فأكذبهم الله بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولابد شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن شاءه الناس أم لا، وما جرى عليهم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولابد، سواء كان لهم من الأمر شيء أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالاً لقول القدرية النفاة، الذين ينفون القدر، والذين يجوزون أن يقع ما لا يشاء الله، وأن يشاء ما لا يقع] فالقدرية جعلوا الأمر الشرعي والكوني

стр. 387

أمراض النفوس تظهر عند المحن والشدائد هذه الدروس المستفادة من قصة غزوة أحد يستفيد منها المؤمنون في كل زمن وفي كل مكان، فلا تكاد تقع محنة أو هزيمة إلا وتجد هذه الأمراض تظهر من المنافقين وممن عندهم بعض النفاق، وممن ضعف إيمانهم، وممن وقعوا في بعض المعاصي، حتى من أهل الإسلام والإيمان قد تجد عند نزول المحن والشدائد من لا يقوى شهوده للقدر، ومن لا يقع منه التفات إلى الأسباب الباطنة للهزيمة، وستجد من يقول: إنكم لم تسمعوا كلامنا، ولو سمعتم كلامنا لما جرى ما جرى. ستجد هذه الأمراض موجودة ولكن بدرجات متفاوتة، فهناك من يكذب صراحة بالقدر، وهناك من يضعف شهوده للقدر، ويتعلق بالأسباب المادية دون الأسباب الباطنة التي هي أعمال القلوب، والتي أدت في الحقيقة إلى الهزيمة والانكسار، نسأل الله العافية. سوف تجد هذه الأمور موجودة وقائمة في كل هزيمة تقع وتحصل، فلابد أن نستفيد من هذا الواقع، وما أشد حاجتنا في هذه الأوقات إلى الانتفاع بهذه الدروس التي كانت في غزوة أحد، وذلك أن شهود القدر في هذا الموضع مع شهود الأسباب الباطنة أو الأسباب التي هي متعلقة بالأعمال من كونها طاعات ومعاصي من أهم ما يلزمنا في هذا المقام، وتعظيم هذا الشهود حتى يمتلئ قلب الإنسان إيماناً بأن الأمر كله لله، وهذا يدفعه إلى الاستعانة بالله، وكمال التوكل عليه، فإن كمال التوكل على الله، والاستعانة بالله تحول كفة الميزان لصالح أهل الإيمان. فالواقع المرير الذي تعيشه الأمة يؤلم كل من في قلبه شيء من الحياة، وحال المسلمين لن يستمر فلابد أن يتغير، ولن يتغير حتى نتغير تغيراً عميقاً.

стр. 388

الطائفة المنصورة هي المعتبرة في التغيير وليس الكثرة وحتى نعرف أسباب ما حدث لنا وما يحدث لنا، فالإيمان إنما هو للطائفة المؤمنة وهي المعتبرة، وليست العبرة بالكثرة التي مثلها النبي بأنها كغثاء السيل، وإنما العبرة بالطائفة المؤمنة -التي هي الأمة في الحقيقة، وهي الطائفة المنصورة الظاهرة- على حسب أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وعلى حسب شهود معاني الإيمان عند أفراد هذه الطائفة، فإذا كان التغيير قوياً ألان الله لهم كل صعب، وألان لهم الحديد، وإذا كان التغيير سطحياً ظاهرياً ولم يدخل إلى الأعماق لم تنبت أرض القلب التغير المطلوب؛ لأن القلوب بعد لم تتغير، فهي ما زالت ضعيفة، وما زال الإيمان فيها غير راسخ، ومن هنا يأت استمرار الحال على ما هو عليه، وتسلط الأعداء بطرق مختلفة، فلابد أن يكون التغيير من جذور القلب، فإذا كان التغيير بهذا الوصف لتغير به الكون، بل ولأمكن أن تتغير موازين الأرض والسماوت، فلو أن الإنسان استحضر صفات الرب وعمل بمقتضاها لتغير فعلاً، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، فلو أن الإنسان استحضر بقلبه لماذا شرع تكرير الأذكار؟ لعرف أنه شرع من أجل أن يدخل الذكر إلى أعماق القلب، فهو يحتاج إلى مجهود كبير جداً حتى يصل إلى القلب، وخصوصاً عندما تكون العوامل الخارجية صارفة لقلب الإنسان عن الحضور، ولذلك شرع التكرار، والمشكلة أنه يمكن أن يكرر لكن باللسان المجرد، فلا يتأثر ولا يتغير الواقع، فلو تدبر مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو التسبيح أو تلاوة القرآن، من الممكن أن يغير تغييراً جذرياً، لا أقول في الإنسان، بل في الأرض كلها.

стр. 389

دعاء الأنبياء يغير وجه الأرض وانظر إلى دعوات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كيف غيرت وجه الحياة على وجه الأرض؟ بل غيرت الأرض والسماوات، فهذه دعوة نوح ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] فاستوجبت غضب الرب على قوم نوح حتى فتح الله أبواب السماء، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]، فتغير وجه الحياة على وجه الأرض إلى آلاف السنين بنجاة نوح ﵇ ومن معه، لذلك نقول: إن شهود معاني الإيمان هي: أن تكون حاضرة في القلب، وحتى يتغير الإنسان فلابد من شهود القدر وشهود التقصير الباطل، وستجد في هذا المقطع من هذه السورة ذكر الأسماء والصفات كثيراً جداً في كل المواطن، ومعاني الإيمان كلها حاضرة لمن يحضر قلبه مع هذه الآيات ولمن ينتفع بها، فإذا كان التغيير من جذور القلب ثقلت الكفة أمام الهباء؛ لأن الكفرة والمنافقين كالهباء، ولا قيمة لهم ولا وزن، ولكن المصيبة الآن أن الكفة الأخرى فيها أيضاً ما يماثل الهباء، فلذلك لا تثقل الكفة، لكن لو أن قلة فقط تتغير التغير المطلوب لتغير موازين الأرض كلها، وموازين الكون بأسرها بإذن الله ﵎. فلذلك كان شهود المعاني التي أرشدنا القرآن إليها والدروس المستفادة من واقعة أحد، لابد أن نستفيد منها، وأن نشهد المعاني الإيمانية التي وردت في كتاب الله : ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فلابد للإنسان أن يستحضر هذا المعنى بقوة شديدة ((إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، وهذا متكرر في مواطن كثيرة قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٣]، فإذا استحضره استصغر كل قوى الباطل، وشعر أنهم يلعبون، ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور:١٢]، لعب لا قيمة له، ولكن الذين آمنوا هم يلعبون أيضاً، فالقضية عند المسلمين اليوم قضية تغيير مظهري فقط، تغيير ليس ضارباً بجذوره في أعماق القلوب، فلم تتغير الأعمال والقلوب والأخلاق كما ينبغي، فما زال التغيير سطحي. إذاً: لابد من شهود القدر الشهود النافع الذي لا يعني: إهمال الأسباب التي في مقدمتها الأسباب الباطنة التي هي أعمال القلوب، ومتى ما استقر هذا في القلب لابد أن تتحول الموازين بإذن الله ﵎، ونسأل الله العافية.

стр. 390

سبب تأخر تغيير الواقع لماذا تطول فترة ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢٢]؟ تطول لأجل أن التغيير المطلوب ليس كالذي وقع للصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا قريباً منه، فالتغيير الذي وقع للصحابة ﵃ كان في فترة المحنة، ومن يتأمل التاريخ الإسلامي يجد أن فترة المحنة في مكة هي الفترة التي قام عليها الإسلام، فالإيمان في قلوب المهاجرين رضي الله تعالى عنهم كان أعظم مما في قلوب الأنصار رضي الله تعالى عنهم، ولذلك تجد أن من غير وجه الحياة أكثرهم من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم، فهم قادة الأمة علماً وعملاً وتربية وسلوكاً، وجهاداً ودعوة، ثم الأنصار رضي الله تعالى عنهم، لماذا؟ لأنهم تغيروا التغير المطلوب في فترة الشدة، والأنصار واجهوا أيضاً من هذه الأمور مواجهة عظيمة، والصحابة جملة تغيروا التغير الذي هيأهم لأن يسودوا العالم بإذن الله ﵎، وكانت غزوة أُحد أَحد نقاط التحول في حياة الصحابة جميعاً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
следующие страницы →