← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ظن المنافقين بالله يوم أحد الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٥٤ - ١٦٠]. ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أنواعاً من ظن الجاهلية، ومن عقائد الكفار وأهل البدع والضلال في تفسيره لقوله : ((يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)). ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: ((هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ))، وقولهم: ((لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا))، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر، فهم لا يقصدون أن يثبتوا أن الأمر لله، وإلا لما حسن الجواب عليهم بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، وإنما يعنون أن الرسول ﷺ لم يستمع لنصيحتهم ولم يستمع لكلامهم، وأنه لأجل عدم أخذه لرأيهم حدثت الهزيمة. وقد ذكرنا من قبل أن كثيراً من الناس عند المصائب والهزائم والمحن يكثر من البحث عن الأخطاء الظاهرة، سواء كانت أخطاء عسكرية، أو أخطاء في القرارات، أو أخطاء في طريقة العمل، وينسى أن هذه الأمور في النهاية هي أمور اجتهادية، وليست هي التي ذكر الله في سبب الهزيمة، وأن الأمر ليس أنه كان الأصوب عدم الخروج إلى جيش المشركين خارج المدينة، وكان الخطأ هو خروج المسلمين، فالمسلمين انتصروا بفضل الله في أول المعركة وقد خرجوا، فليس الخطأ العسكري في عدم البقاء في المدينة هو السبب في الهزيمة، فهذا لم يذكره الله قط، ولكن هؤلاء لا يعرفون إلا الأمور الظاهرة، لذلك قالوا: ((هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ))، يعنون أن الرسول لم يسمع كلامهم، فهم لم يقصدوا إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله. قال ابن القيم: [فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية] إذ نص هذا الكلام، ((الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، اعتقاد الحق، وليس يمكن أن يكون اعتقاد الحق هو مصدر ظن الجاهلية، وإنما ظن الجاهلية مصدره عقيدة الجاهلية وسوء الظن بالله، وعدم الإيمان الصحيح. يقول ابن القيم: [ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول ﷺ وأصحابه تبعاً لهم، فيسمعون منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية] ولو كان كذا لكان كذا وكذا، فلو لم نخرج لانتصرنا، ولو لم نخرج لما قتل منا من قتل، فهذا الكلام الباطل الذي يقع فيه كثير من الناس، وينسون أن سبب المصائب والمحن والهزيمة والانكسار هو المعصية والمخالفة لشرع الله، وحتى ولو كان الأمر محتملاً أن يكون خطأ عسكرياً فالله يجعل من الأسباب الضعيفة أقوى الأسباب، ويجعل من الخطأ الذي هو أمر اجتهادي -طالما أنه دون معاصي ودون ذنوب- ذلك الخير الكثير. فالعبرة أن نأخذ بالأسباب ولكن لا نقف عندها، بل نتعمق لنفهم أن هناك ما هو أشد تأثيراً من هذه الأسباب، وهو أعمال القلوب وما يكون عليه حال الجيش في الطاعة والمعصية، وحال الطائفة خصوصاً وحال الأمة عموماً. فلابد أن نعرف أن هذه من أكبر الأسباب، وليس فقط أن السبب مثلاً أن الأسلحة كانت قديمة، أو أن التخطيط العسكري كان خطأ، أو نحو ذلك مما تبرر به الهزائم دائماً، فأعمال القلوب هي السبب في الهزيمة أو الانتصار، وأنت لو تأملت ما يقع في المعارك ستجد أن قضية التفاوت في القوة المادية ليس هو العامل الرئيسي في الهزيمة أو الانتصار وإنما تجد على أرض المعارك أمراً يختلف تماماً عن الموازين المادية المحضة، فتجد أن أعتى القوى والجيوش ربما قد تعجز أمام أفراد معدودة ومحدودة، وعندما تبدأ أعمال القلوب الفاسدة من الغش، والتعلق بالدنيا، وبيع القضايا، وبيع الأديان والأوطان والشعوب بالمال وبالشهوات، هنا يدخل العبث. فمرد الأمر في الهزائم إلى أعمال القلوب، فكم من هزيمة وقعت، وأرض احتلت، كان سببها أعمال قلوب طائفة من الأمة، أو جيل من الأمة وقعوا في المعاصي والمنكرات، مما أدى ذلك إلى حصول البلاء ونزوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلذلك قولهم ((لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) أي: لو كان الرسول وأصحابه تبعاً لهم يسمعون منهم لما أصابهم شيء قط، وهذه القضية هي قضية أهل النفاق الأكبر والأصغر. يقول ابن القيم: فأكذبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر، الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فهذا أمر عظيم الأهمية في المحن والشدائد، وهو شهود القدر، وهذا هو الذي يدفع القلوب إلى تجاوز المحنة وإلى زيادة الإيمان، رغم شهود التقصير، وليس التقصير هو عدم اتخاذ القرار الصحيح عسكرياً مثلاً، بل التقصير كان في مخالفة الأمر: ﴿فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:١٥٢]. إن هذا شهود التقصير مع شهود القدر، وأما شهود التقصير مجرداً عن شهود القدر فإنه يدفع إلى اليأس، وإلى قتل النفس، وإلى قتل المعاني الحميدة التي في النفس، فليس المقصود من لوم النفس وعتابها والسعي في تهذيبها وإصلاحها أن يظل الإنسان يبكتها ويذمها حتى يصل إلى تيئيسها من رحمة الله ، بل لابد أن يرى الجوانب الإيجابية ويستثمرها، والجوانب السلبية ويعالجها، وليس مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان وأئمة السلف جلد النفس، أي: أن يرى الإنسان نفسه دائماً بأحط المنازل، وأنه الهالك الوحيد، كمن قال مثلاً: إنه ما حاسب نفسه إلا وجد نفسه مرائياً، إلا أن يكون كذلك، لكن أن يرى نفسه على الدوام لم يعمل عملاً صالحاً قط! فليس هذا هو الذي أمر الله به، أو يرى أنه لم يخلص لله طرفة عين، فهذا لم يأمر الله به، إلا إذا كان كذلك فنعم، فمثل هذا الإنسان فاسد من الداخل، وهذا يذكر في كثير من كتب التهذيب على أنه مثال لما ينبغي أن يكون عليه الصالحون، وليس كذلك. فالله وصف المؤمنين بأن قلوبهم وجلة، وأنهم يخافون ألا يكونوا أخلصوا لله، لكن لا ينبغي أن يظن بنفسه دائماً بأنه في أحط المنازل، وأنه أسوأ الموجودين، وأنه هو الهالك الوحيد، فليس هذا هو الأمر المطلوب، كما أنه لا يزكي نفسه أيضاً، ولكن يرجو القبول، ويخشى عدم القبول، ويرى الجوانب الإيجابية -وهي فضل من الله ونعمة- فيزيد منها ويستثمرها، والجوانب السلبية فيعالجها، ويشهد القدر في كل ذلك. يقول: [فأكذبهم الله بقوله: ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولابد شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن شاءه الناس أم لا، وما جرى عليهم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولابد، سواء كان لهم من الأمر شيء أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالاً لقول القدرية النفاة، الذين ينفون القدر، والذين يجوزون أن يقع ما لا يشاء الله، وأن يشاء ما لا يقع] فالقدرية جعلوا الأمر الشرعي والكوني

стр. 387

أمراض النفوس تظهر عند المحن والشدائد هذه الدروس المستفادة من قصة غزوة أحد يستفيد منها المؤمنون في كل زمن وفي كل مكان، فلا تكاد تقع محنة أو هزيمة إلا وتجد هذه الأمراض تظهر من المنافقين وممن عندهم بعض النفاق، وممن ضعف إيمانهم، وممن وقعوا في بعض المعاصي، حتى من أهل الإسلام والإيمان قد تجد عند نزول المحن والشدائد من لا يقوى شهوده للقدر، ومن لا يقع منه التفات إلى الأسباب الباطنة للهزيمة، وستجد من يقول: إنكم لم تسمعوا كلامنا، ولو سمعتم كلامنا لما جرى ما جرى. ستجد هذه الأمراض موجودة ولكن بدرجات متفاوتة، فهناك من يكذب صراحة بالقدر، وهناك من يضعف شهوده للقدر، ويتعلق بالأسباب المادية دون الأسباب الباطنة التي هي أعمال القلوب، والتي أدت في الحقيقة إلى الهزيمة والانكسار، نسأل الله العافية. سوف تجد هذه الأمور موجودة وقائمة في كل هزيمة تقع وتحصل، فلابد أن نستفيد من هذا الواقع، وما أشد حاجتنا في هذه الأوقات إلى الانتفاع بهذه الدروس التي كانت في غزوة أحد، وذلك أن شهود القدر في هذا الموضع مع شهود الأسباب الباطنة أو الأسباب التي هي متعلقة بالأعمال من كونها طاعات ومعاصي من أهم ما يلزمنا في هذا المقام، وتعظيم هذا الشهود حتى يمتلئ قلب الإنسان إيماناً بأن الأمر كله لله، وهذا يدفعه إلى الاستعانة بالله، وكمال التوكل عليه، فإن كمال التوكل على الله، والاستعانة بالله تحول كفة الميزان لصالح أهل الإيمان. فالواقع المرير الذي تعيشه الأمة يؤلم كل من في قلبه شيء من الحياة، وحال المسلمين لن يستمر فلابد أن يتغير، ولن يتغير حتى نتغير تغيراً عميقاً.

стр. 388

الطائفة المنصورة هي المعتبرة في التغيير وليس الكثرة وحتى نعرف أسباب ما حدث لنا وما يحدث لنا، فالإيمان إنما هو للطائفة المؤمنة وهي المعتبرة، وليست العبرة بالكثرة التي مثلها النبي بأنها كغثاء السيل، وإنما العبرة بالطائفة المؤمنة -التي هي الأمة في الحقيقة، وهي الطائفة المنصورة الظاهرة- على حسب أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وعلى حسب شهود معاني الإيمان عند أفراد هذه الطائفة، فإذا كان التغيير قوياً ألان الله لهم كل صعب، وألان لهم الحديد، وإذا كان التغيير سطحياً ظاهرياً ولم يدخل إلى الأعماق لم تنبت أرض القلب التغير المطلوب؛ لأن القلوب بعد لم تتغير، فهي ما زالت ضعيفة، وما زال الإيمان فيها غير راسخ، ومن هنا يأت استمرار الحال على ما هو عليه، وتسلط الأعداء بطرق مختلفة، فلابد أن يكون التغيير من جذور القلب، فإذا كان التغيير بهذا الوصف لتغير به الكون، بل ولأمكن أن تتغير موازين الأرض والسماوت، فلو أن الإنسان استحضر صفات الرب وعمل بمقتضاها لتغير فعلاً، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، فلو أن الإنسان استحضر بقلبه لماذا شرع تكرير الأذكار؟ لعرف أنه شرع من أجل أن يدخل الذكر إلى أعماق القلب، فهو يحتاج إلى مجهود كبير جداً حتى يصل إلى القلب، وخصوصاً عندما تكون العوامل الخارجية صارفة لقلب الإنسان عن الحضور، ولذلك شرع التكرار، والمشكلة أنه يمكن أن يكرر لكن باللسان المجرد، فلا يتأثر ولا يتغير الواقع، فلو تدبر مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أو التسبيح أو تلاوة القرآن، من الممكن أن يغير تغييراً جذرياً، لا أقول في الإنسان، بل في الأرض كلها.

стр. 389

دعاء الأنبياء يغير وجه الأرض وانظر إلى دعوات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كيف غيرت وجه الحياة على وجه الأرض؟ بل غيرت الأرض والسماوات، فهذه دعوة نوح ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] فاستوجبت غضب الرب على قوم نوح حتى فتح الله أبواب السماء، ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]، فتغير وجه الحياة على وجه الأرض إلى آلاف السنين بنجاة نوح ﵇ ومن معه، لذلك نقول: إن شهود معاني الإيمان هي: أن تكون حاضرة في القلب، وحتى يتغير الإنسان فلابد من شهود القدر وشهود التقصير الباطل، وستجد في هذا المقطع من هذه السورة ذكر الأسماء والصفات كثيراً جداً في كل المواطن، ومعاني الإيمان كلها حاضرة لمن يحضر قلبه مع هذه الآيات ولمن ينتفع بها، فإذا كان التغيير من جذور القلب ثقلت الكفة أمام الهباء؛ لأن الكفرة والمنافقين كالهباء، ولا قيمة لهم ولا وزن، ولكن المصيبة الآن أن الكفة الأخرى فيها أيضاً ما يماثل الهباء، فلذلك لا تثقل الكفة، لكن لو أن قلة فقط تتغير التغير المطلوب لتغير موازين الأرض كلها، وموازين الكون بأسرها بإذن الله ﵎. فلذلك كان شهود المعاني التي أرشدنا القرآن إليها والدروس المستفادة من واقعة أحد، لابد أن نستفيد منها، وأن نشهد المعاني الإيمانية التي وردت في كتاب الله : ((قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، فلابد للإنسان أن يستحضر هذا المعنى بقوة شديدة ((إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ))، وهذا متكرر في مواطن كثيرة قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢١ - ١٢٣]، فإذا استحضره استصغر كل قوى الباطل، وشعر أنهم يلعبون، ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور:١٢]، لعب لا قيمة له، ولكن الذين آمنوا هم يلعبون أيضاً، فالقضية عند المسلمين اليوم قضية تغيير مظهري فقط، تغيير ليس ضارباً بجذوره في أعماق القلوب، فلم تتغير الأعمال والقلوب والأخلاق كما ينبغي، فما زال التغيير سطحي. إذاً: لابد من شهود القدر الشهود النافع الذي لا يعني: إهمال الأسباب التي في مقدمتها الأسباب الباطنة التي هي أعمال القلوب، ومتى ما استقر هذا في القلب لابد أن تتحول الموازين بإذن الله ﵎، ونسأل الله العافية.

стр. 390

سبب تأخر تغيير الواقع لماذا تطول فترة ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود:١٢٢]؟ تطول لأجل أن التغيير المطلوب ليس كالذي وقع للصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا قريباً منه، فالتغيير الذي وقع للصحابة ﵃ كان في فترة المحنة، ومن يتأمل التاريخ الإسلامي يجد أن فترة المحنة في مكة هي الفترة التي قام عليها الإسلام، فالإيمان في قلوب المهاجرين رضي الله تعالى عنهم كان أعظم مما في قلوب الأنصار رضي الله تعالى عنهم، ولذلك تجد أن من غير وجه الحياة أكثرهم من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم، فهم قادة الأمة علماً وعملاً وتربية وسلوكاً، وجهاداً ودعوة، ثم الأنصار رضي الله تعالى عنهم، لماذا؟ لأنهم تغيروا التغير المطلوب في فترة الشدة، والأنصار واجهوا أيضاً من هذه الأمور مواجهة عظيمة، والصحابة جملة تغيروا التغير الذي هيأهم لأن يسودوا العالم بإذن الله ﵎، وكانت غزوة أُحد أَحد نقاط التحول في حياة الصحابة جميعاً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

стр. 391

حكم من هزيمة المسلمين يوم أحد يقول ابن القيم: ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير، وهي: ابتلاء ما في صدورهم، واختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيماناً وتسليماً، والمنافق ومن في قلبه مرض لابد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه، ثم ذكر حكمة أخرى وهي: تمحيص ما في قلوب المؤمنين، فقال: ((وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ))، ليبتلي أي: ليختبر ما في قلوب المؤمنين من ازدياد الإيمان في فترات المحن؛ لأن نقص الإيمان في فترات المحن أعظم خطراً؛ لأن الله قال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، ففترات المحن من ربنا لازدياد الإيمان، فإذا لم يزدد الإيمان فيها فمتى يزداد؟ هل يزداد عندما تفتح الدنيا، وعندما يأتي الرخاء؟! وهذا الأمر لابد أن ننتبه إليه، فإن الدنيا أخاذة يصيد بها الشيطان قلوب كثير من الناس، فإذا لم يكن الإنسان عند الشدائد بعيداً عن الغلو والغفلة فمتى ينتبه؟ أينتبه عندما تفتح عليه الدنيا التي يجري وراءها الأكثر من البشر؟ سوف يزداد غفلة نسأل الله العافية، ولذلك كان عمر ﵁ يبكي عندما تأتي الفتوحات، ويقول للصحابة: ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر، نسأل الله العافية. فهذا التمحيص هو لتحصيل زيادة الإيمان، وليبتلي ما في قلوب المنافقين من نفاق، ولكي يظهر علناً وتظهر الصفات القبيحة، وتظهر المنكرات من ألسنتهم وأعمالهم ليعرفهم المؤمنون، ولكي لا يكون لهم الدور الذي سوف يكون لهم في المجتمع المسلم القادم، فإنه حين فتحت البلاد كان الواحد من الصحابة ﵃ يقود أمة ويغير أمة كذلك، ولم يكن للمنافقين دور في ذلك، لأن هذه الفترة كانت فترة انتباه. حتى أن الله أظهر نفاقهم من خلال أعمالهم وأقوالهم، حتى يحذر المؤمنون على أنفسهم، ولذلك عقبه بقوله: ((وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ)) ثم عقبه بقوله: ((وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)). يقول ابن القيم: ثم ذكر حكمة أخرى، وهي: تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وتخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة، ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى.

стр. 392

خمس خصال تضاد ما أودع في القلب من خير هذه خمس خصال لنقص الإيمان أو ما يضاده: أولاً: غلبة الطبع؛ وليس كل ما طبع عليه الإنسان طباع سوية، فالله قد خلق الخلق من الأرض بأنواعها: منها السهل، ومنها الوعر، فهل أنت على طبعك، أم أنك هذبت بتهذيب الشرع؟ وهل تزكت نفسك، أم أنك ما زلت على غلبة الطباع، وما يغلب على طبعك؟ مثل هذا لابد أن ننظر فيه، غلبة الطبع، ميل النفوس، شهوات النفوس، فإن النفس لا تخلو من الصفات المذمومة قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠]، والهوى هو: الشهوات والمحرمات، والشهوات موجودة في كل إنسان، فهو مبتلى بها لكي يهذبها، فلو أن رجلاً في طبعه الجرأة، والثاني في طبعه الجبن، هل من في طبعه الجرأة ضبط الجرأة بحيث تصبح متوازنة بعيدة عن التهور، والذي طبعه الجبن، هل تغلب عليه بحيث لا يفر مما وجب عليه، ولو أن رجلاً فيه قلة حياء، وآخر عنده حياء، فلابد أن يغير كل واحد طبعه؛ لأن الناس متفاوتون في الطباع، فمن عنده جرأة غير محمودة لابد أنه يهذبها ويوجهها إلى أن تكون في الحق فقط، ولا ينبغي أن يكون عنده قلة الحياء، والذي عنده حياء غير شرعي يوجهه حتى يصبح حياءاً شرعياً، وتجد إنساناً فيه كرم والثاني فيه بخل، فكل واحد عليه أن يهذب طبعه، فالكريم يجب عليه أن لا ينفق أمواله في سرف، والبخيل يجب أن يعود نفسه على الإخراج في مواضع الإخراج، ولا يمنع الواجب، ويجاهدها لتنفق في المستحب، وهكذا. فيجب على الإنسان أن يهذب طباعه، فهذه قضية الطبع وقضية الشهوة وميل النفس قضية أخرى، فشهوة الطعام والشراب والجنس وحب المال والوجاهة في الناس موجودة عند كل الناس، لكن يمكن للإنسان أن يوجهها ويتحكم فيها حتى لا تسيطر عليه هذه الرغبات كما هو حال أكثر العالم، فأكثر البشر يتركون أنفسهم على ما هي عليه من الطباع، فلا يفكر في علاج الطباع السيئة ولا يحاول تهذيبها؛ لأن الأخلاق تكتسب، فهي قابلة للتغيير وإلا لما وجد معنى لمدح كمال الخلق ولا لذم سوء الخلق، فلا يمدح صاحب الخلق إلا لأنه استطاع أن يهذب خلقه، وليس المراد أن يقتلعها بالكلية، ولكن يوجهها إلى شيء معين. ثانياً: ميل النفوس إلى الشهوات، والشهوات ليس المطلوب قلعها بالكلية، حتى لا يبقى عند الإنسان رغبة في الأكل والشرب والنساء والمال، وإنما المطلوب هو تهذيبها، بحيث يكون هو الذي يتحكم في الشهوات وليست الشهوات هي التي تتحكم فيه، وأكثر العالم تتحكم فيهم شهواتهم، ولذلك تجد الشهوات في الشعوب المنحطة والطوائف السافلة هي التي تحركهم، كشهوة المال وشهوة الجنس، ومن أجل طعام أو شراب تباع كل القيم والعياذ بالله، وهذا أمر يحصل حتى ممن ينتسب إلى الدين، فحكمة الابتلاء هي التمحيص من هذه الأمور، من غلبات الطبائع وميل النفوس. ثالثاً: حكم العادة، وهي من أقوى الأشياء التي لا يستطيع الإنسان تغييرها إلا من رحم الله، فأنت إذا نظرت إلى حياة الناس تجد أنها في نكد وشقاء لا يعلمه إلا الله، وتجد أن الناس في تعب شديد، ومع ذلك تجدهم حريصين على هذه الحياة؛ لأنهم تعودوا عليها، فما هو الذي يجعل الإنسان يشرب السجائر؟ هل هي شهوات النفس؟ لا، فشهوة النفس أن يستنشق هواءً نظيفاً، إذاً هي العادة، فهو تعود أن يشرب السجائر والعياذ بالله، وآخر تعود النظر إلى التلفاز مع أن الدراسات العلمية الغربية تقول: إن التلفاز مضر، ويتعب الأجيال المتتابعة كباراً وصغاراً رجالاً ونساء، لكن الناس تعودوا على النظر إليه، وأيضاً الكرة ترى الناس في حزن شديد إذا أصيب فريقهم بخسارة، فالناس لم يعد ينقصها الحزن فالشقاء كبير، إذاً: فما هو الذي جعلهم يحزنون؟ إنها العادة، لقد تعودوا على هذا، فهل يستطيع الإنسان أن يهذب عادته وأن يتحكم فيها؟ وهل يستطيع أن يترك عادته ويفارقها؟ إن أكثر الناس لا يستطيعون ذلك، ولذلك كان ثواب الهجرة عظيم، وكان الخروج للحج عبادة عظيمة الأثر في نفس المؤمن؛ لأنه يغير كل عاداته، فهو يأكل ويشرب وينام على خلاف عادته، وفي الحج أشياء كثيرة المقصود منها أن يغير الإنسان عادته، ومع ذلك تجد أن نفسه لا تستطيع ذلك، مثل المبيت بالمزدلفة والمبيت بمنى، فيجد فيها مشقة بالغة، مع أن الإنسان تكفيه حاجات يسيرة جداً بإذن الله ﵎، وأيضاً الزواج صعب في حياتنا بسبب العادات، مع أن الأصل هو تيسير أمر الزواج، لكن الناس تعودوا على مغالاة المهور وعلى اشتراط أشياء لم تكن معروفة من قبل، ولذلك تجد بعض الناس ينتحرون بسبب العادات، فأحدهم انتحر لأنه لم يستطع أن يحضر لأولاده دفاتر وكتب وحقائب جديدة للمدرسة! وهذه حقائق موجودة، وآخر انتحر في العيد لأنه لم يستطع أن يشتري لنفسه ولعياله الملابس الجديدة! مع أن المطلوب من الإنسان هو أن يستر عورته، لكنه يريد أكثر من ذلك خشية أن يتكلم عنه الناس، ولأنه أيضاً قد تعود على شيء معين. رابعاً: تزيين الشيطان، وأكثر الناس في غفلة عن هذا الأمر، فالخواطر التي تأتي على الإنسان ينبغي للإنسان أن يفكر من أين أتت هذه الخوطر؟ هل أتت من الشيطان أم من النفس الأمارة بالسوء أم من الملك وهذا من فضل الله ؟ تجد أن أكثرنا لا يفكر في ذلك بسبب مشاغل الحياة، ففترة المحنة تجعل الإنسان ينتبه لتغيير عاداته، ويبتعد عن شهواته، وينتبه لقضية الشيطان، ويفيق من الغفلة، فهو حين يرى الناس يموتون من حوله، فينتهي كل شيء كانوا يبحثون عنه، وينتهي كل شيء كانوا جمعوه، فيبتعد عن الغفلة، ففترات المحن تجد أنه يتغير فيها أشياء كثيرة في لحظات، ويوشك الإنسان أنه يقدم على ما هو أشد من هذه البلايا والمحن، فالناس في الحروب يجدون أهوالاً عظيمة توقض النفوس، فهذا مات أخوه، وهذا يهدم بيته، وهذا فقد أسرته، وهذا فقد ذراعه، فيرون أشياء كثيرة تذكرهم بالأهوال القادمة التي هم مقدمون عليها لا محالة، فتذكرهم الأهوال بسكرات الموت، وبوحشة القبر، وبأهوال البعث، وبموقف الحشر، وبالجنة والنار، فاستيلاء الغفلة يبعد الإنسان عن كل ذلك، ففترات المحن تذكر بهذه الأمور، وبقرب نهاية الحياة، فكل هذه الأمور تجعل القلب يحيا. قال ابن القيم: فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة، ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ولم تتمحص منها، فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك. فكانت نعمته عليهم بهذه الكسرة والهزيمة وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم على عدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا. فهذا كلام مفيد عظيم الأهمية، فنعمة الهزيمة تساوي نعمة النصر والظفر، ولو تأملت أحوال الأمة في زماننا لقلت: لو تمكنوا ونصروا لوقع من الفساد أضعاف ما يقع، ولو فتح عليهم من الأرزاق والغنى والسعة والقوة والسلطان والظفر بالأعداء لظهرت نفوس لم تتهذب، ولم تتزك التزكية المطلوبة، ولخرجت أضغان الله أعلم بها، ولوقع من الفتن والفساد ما نحمد الله على عدم حصول النصر والتمكين على تلك الهيئة، فله الحمد على البلية وله الحمد على النعمة؛ لأن هناك إصلاحات واجبة لم تتم، فإذا تمت في الطائفة المنصورة، لأن الأمم كلها لا تتغير، ولا الأرض كلها كذلك، فالصحابة الذين غير الله بهم وجه العالم معدودون، يقول تعالى عن نوح: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] ودائماً عبر العصور ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، لكن الطائفة هذه إذا تغيرت التغير المطلوب، فهي المؤهلة لأن تقود العالم بعد ذلك. يقول ابن القيم: ثم أخبر عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، فهم لم يكونوا منافقين، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران:١٥٥]، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 393

أقسام الأعمال يقول ابن القيم: إنه بسبب كسبهم وذنوبهم استزلهم الشيطان حتى تولوا، واستزلهم أي: أوقعهم في الزلل والخطأ، فالأعمال جندك وجند عدوك. وأعمالك تنقسم إلى قسمين: قسم يعاون العدو، فيكون مدداً للعدو، فيستزلك ويوقعك في الزلل، وقسم يكون مدد لك حسب نوع العمل وحسب قوته وكثرثه؛ لأن المدد إما أن يكون فيه مقاتلون أقوياء، وإما أن يكون فيه مقاتلون ضعفاء، والناس تفرح بالمدد بالقائد الكبير والقوي والمقاتل الشديد، ولا تفرح كثيراً بالمدد الضعيف، فكذلك أعمال القلوب والأبدان والجوارح والأقوال، فكسب الإنسان عبارة عن جند له أو لعدوه. فالانتباه إلى هذا الأمر، ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا)) مهم.

стр. 394

من عقوبة المعصية المعصية بعدها من عقوبة المعصية المعصية بعدها، لماذا نقع في المعاصي والمنكرات؟ لأننا وقعنا في منكرات قبلها ولم نتداركها بتوبة، ولم نسارع إلى الرجوع، فترتب على ذلك أن أوقعنا الشيطان فيما هو أخطر وأشد، ألا وهي الكبائر، فالفرار من الزحف كبيرة، ولكن برحمة الله أنه بادر إلى ذكر العفو عنهم ، ((إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ))، قال: ((وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ))، ولأن اليأس مدخل شيطاني خطير، فكان لابد من ذكر العفو حتى تعافى الطائفة المؤمنة من هذا المرض، ولو لم يذكر الله العفو عنهم لأوشك أن يصيبهم اليأس، وهم الذين يعدون إلى المنازل العالية، فكان لابد من ذكر عفوه . يقول ابن القيم: فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، فكانت أعمالهم جنداً عليهم، فازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولابد فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها. لذلك قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. ودون الإمام البخاري في كتاب الجهاد في صحيحه: باب عمل صالح قبل القتال. فمن أين تأتي الهزائم؟ من الأعمال. يقول: فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه، فأعمال العبد تسوقه قسراً إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله؛ لأن فراره منه وهو لا يطيقه غير مذموم، وإنما أذن الله في الفرار من أكثر من الضعف، ولم يأذن في الفرار من الضعف، ووعد إذا كانت الأعمال تامة بأن يغلبوا عشرة أضعافهم، ولذلك البشارة لم تنته في سورة الأنفال، بل هي باقية، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال:٦٥ - ٦٦]، فالبشارة لم تلغ وإنما هي قائمة، ولكن التكليف هو الذي نسخ، وهو وجوب الثبات للتسعة أضعافهم، فيحرم أن يفر المسلمون من مثليهم، ويجوز أن يفروا من أكثر من ذلك، ولو قويت قلوبهم وأعمالهم لانتصروا على عشرة أضعافهم، وعلى أكثر من ذلك. السؤال ما معنى قوله: يشعر ويتعامى؟ الجواب أي: يجعل نفسه كالأعمى فهو يعلم بأن أعماله هي التي تأتي له بهذه البلايا والمحن، ولكن يقول: أنا أعمل خيراً كثيراً، فلا يريد أن يصلح نفسه ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل يتركها ولا يغير من طباعه، ولا يتحكم في شهواته، ولا يغير عاداته ويتحكم فيها، ولا انتبه لوسوسة الشيطان، وإن تذكر أمر الآخرة رأى نفسه من المقربين، وأنه ينافس المهاجرين والأنصار، وأن منزلته الفردوس الأعلى بغير حساب ولا عقاب!! اللهم اغفر لنا وتب علينا وارحمنا. قال ابن القيم: فأعمال العبد تسوقه قسراً إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه -وهو قادر على أن يقف أمامه- إنما هو بجند من عمله، بعثه له الشيطان واستزله به. ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم؛ لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضاً عفا الله عنه، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها، وهذا من رحمة الله ، وهذا الذي لابد أن تستحضره في مثل هذه المقامات، مع صفات العفو والمغفرة والرحمة وسعة فضله حتى تعظم الرغبة، وحتى لا يصل الشيطان بك إلى اليأس، فالحساب الشديد الذي يصل بالإنسان إلى اليأس ليس مأموراً به، بل إن الذي يغفل جانب العفو من الله يضر بنفسه أعظم الضرر.

стр. 395

هزيمة المسلمين يوم أحد كانت بسبب ذنوبهم يقول ابن القيم: ثم كرر عليهم سبحانه: أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم، وبسبب أعمالهم، فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]، يقول: وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية، أي: فيما هو أعم من الهزيمة، بل كل المصائب من مرض وفقر وشدة، وغيرها، قال ابن القيم: فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] أي: أنها بسبب نفسك، ومن الله خلقاً وإيجاداً، ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] أي: خلقاً وإيجاداً، ((مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) أي: تفضلاً منه ، ((وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)) أي: بسبب كسبك، وبسبب عملك، وهو من الله الذي قدره وأوجده وخلقه، فهي من الله خلقاً وإيجاداً، ومن العبد تسبباً وكسباً. قال: فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبة، فالنعمة من الله من بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك وإن كانت من الله خلقاً وإيجاداً، ولذلك لا يوجد تعارض بين ((َمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ))، والآية التي قبلها: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨]. يقول: فالأول: ((مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) فضله والثاني: ﴿وََمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله، ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه، فختم الآية الأولى بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) والآية هي: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥] بعد قوله: ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ))، إعلاماً لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب، وأن السبب الباطل من الأعمال، وهذا المشهد وهو شهود أن الله على كل شيء قدير، وشهود ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)) عظيم الأهمية في حياة المؤمن، فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول وهو: ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)) ينفي الجبر، والثاني: وهو: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ينفي القول بإبطال القدر، فهو يشاكل قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]، فذكر مشيئة العبد، وأثبت أنها تابعة لمشيئة الرب.

стр. 396

نكتة في قوله تعالى: (إن الله على كل شيء قدير) يقول ابن القيم: وفي ذكر قدرته ههنا نكتة لطيفة، وهي: أن الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، لما تنزل مصائب أخرى فاعلموا أن الله على كل شيء قدير، فتوبوا إلى الله مما هو من عند أنفسكم من الذنوب وتلجئوا إلى الله القدير على كل شيء. يقول: فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦] وهو الإذن الكوني القدري لا الشرعي الديني، لأن الله لم يأذن شرعاً أن يقتل المسلمون، فإن سفك دم امرئ مسلم عظيم عند الله ، فلا يقال: شرع الله للكفار قتل المسلمين؟! فهذا مستحيل، لكن بإذن قدري كوني قدر الله ذلك، كقوله في السحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي: أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية، فيتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزاً ظاهراً، وكان من حكمة هذا التقدير: تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون وسمعوا رد الله عليهم وجوابه لهم، وعرفوا مؤدى النفاق، وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف، وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر وما لهما وعاقبتهما.

стр. 397

تعزية الله لنبيه وللمسلمين في شهداء أحد ثم عزى الله نبيه ﷺ وأولياءه فيمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضا بما قضاه لهم فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]، فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه سبحانه، وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، ((فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))، وهو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، والفرح أكمل أحوال الرضا، أي: أن لحظة الفرح هذه أعظم سعادة من مجرد الرضا، والرضا أكمل درجات الصبر وأعلاها، فالصبر يجعل الإنسان في ألم ولكن في سكون، وبالرضا يزول الألم، والفرح سعادة ولذة، وهذا هو الذي حدث للشهداء، رغم أن الذي يبدو لنا تقطيع الأعضاء، وبقر البطون، وأكل الأكباد وغير ذلك مما يؤلم كل من ينظر إلى المقتول؛ لكنه إذا كان في سبيل الله فهو فرح ((فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))، استبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته، وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم التي إن قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية، تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة وهي الآية التي قبل هذه الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤] فالإنسان إذا أراد أن يخرج من ألم المصيبة فلينظر إلى النعمة، فإن المصائب قد تجعله في هم وغم وضيق، وكرب شديد، فكيف يزول عنه ذلك، وكيف يعالج نفسه من الغم والكرب؟ ينظر إلى نعم الله، وأعظمها نعمة الإسلام، فيرى أن كلما فقده من الدنيا لا يساوي شيئاً، فتزول وتضمحل، وتتلاشى آلام المحن في جنب هذه المنة والنعمة ولم يبق لها أثر البتة. يقول: وهي منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله ﷺ إلى الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جداً في جنب الخير الكثير، كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من الخير فالمطر يبل الثياب، لكن به حياة الناس ومعاشهم، فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليوحدوا ويتوكلوا عليه ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم؛ لئلا يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلاهم -أي: جعلهم يسلون عن ألم المصيبة وينسونه- بما أعطاهم مما هو أجل قدراً، وأعظم خطراً مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته، لينافسوهم فيه، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.

стр. 398

الأسئلة

стр. 399

حكم دعاء المذاكرة السؤال ما حكم دعاء المذاكرة الذي ينتشر بين الناس؟ الجواب دعاء المذاكرة كونه يسمى دعاء المذاكرة حتى صار عند بعضهم سنة، وهو ليس بسنة بل بدعة، لكن على الإنسان أن يدعو الله أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، فالدعاء ينبغي أن يكون في الأمور الدنيوية بالعلم النافع، والاستعاذة من علم لا ينفع، فتسأل الله علماً نافعاً، وتسأل الله فهماً وإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، أما المذاكرة والدراسة فيمكن أن تكون خيراً للعبد ويمكن أن تكون شراً، لكن يأخذ بالأسباب ويجتهد ويسأل الله علماً نافعاً.

стр. 400

لسنا أنبياء فيستجاب لنا من أول مرة السؤال هل يصح أن نقول: نحن لسنا أنبياء ولا مرسلين حتى يستجيب الله دعاءنا من أول مرة؟ الجواب إن الرسل على مكانتهم لم يدعوا ربهم جل وعلا مرة واحدة فقط، فقد ظل الرسول ﷺ ليلة كاملة في غزوة بدر يدعو، وظل طوال الليل في غزوة الأحزاب يدعو، واستنصر وهو في مكة ثلاثة عشر سنة، فقارن إذاً بين الأحوال الإيمانية للرسول ﷺ والصحابة -ثلاثة عشر سنة بمكة وعشر سنين في المدينة غيروا بها وجه العالم- وبين أحوالنا الإيمانية، يقول أحد الإخوة: لنا ما يزيد عن خمسين سنة ونحن ندعو الله أن ينصر المسلمين في فلسطين وغيرها، ومع ذلك لا يزداد الأمر إلا سوءاً؛ لماذا؟ لأن الأحوال مختلفة، وهل يعني ذلك أن الأمة كلها ليس فيها رجل أو امرأة صالحة؟ لا، فليست العبرة بالواحد، فماذا سيفعل الواحد لو انتصرت الأمة؟ ومن الذي سيتولى المسئولية؟ فحكمة الله تقتضي أن أمة من أجل رجل صالح أو عشرة أو مائة وليس فيها من يتحمل المسئولية بمقتضى الشرع، وإنما هم الفجرة والفسقة الذين يظهرون التزامهم، فتراهم يتولون المسئوليات ويتولون الأمانات ثم يضيعوها، ولن أبرئ الملتزمين، فأنا لا أتكلم عن غير الملتزمين وإنما أتكلم عن الملتزمين وسلوكياتهم وأعمالهم، فلو أن الدنيا التي سببت الفتن بينهم كانت أكبر مما بأيديهم ماذا كانوا سيعلمون؟ الله أعلم.

стр. 401

الواقع لا يتغير حتى يتميز المفسدون السؤال هل الواقع السيء لن يتغير حتى يخرج المفسدون ويتميزون عن غيرهم من بقية الأمة، ولن يتغير من عند الله إلا بهذا السبب؟ الجواب لابد أن يأتي من عند الله، لكن بأسباب الناس، فعلينا أن نأخذ بالأسباب.

стр. 402

حكم من قال: لابد أن يتغير المجتمع كله حتى يستجيب الله لنا السؤال ما رأيكم بمن يقول: إننا وبرغم وجود الصالحين فينا فلن يستجيب الله لنا حتى يكون المجتمع كله بتمامه صغيره وكبيره مجتمع ملائكة؟ الجواب من الذي قال: إن المجتمع كله يجب أن يكون مجتمع ملائكة؟! فمجتمع الرسول ﷺ لم يكن كله مجتمع ملائكة، فالمجتمع المدني كان فيه منافقون مردوا على النفاق، وكان فيه رءوس النفاق، لكن أغلب الناس كانوا صالحين، وقد وجدت الطائفة المؤهلة للتغيير بعد التغير المطلوب، فرسول الله ﷺ ليس فينا ولا الصديق أبو بكر ولا الفاروق عمر فكيف المخرج إذاً؟ المخرج هو: أن يكون المجتمع في الطائفة الظاهرة المنصورة حتى يكون أصلح حالاً، لأن الطائفة المنصورة إذا صلحت، أو صلح أغلبها فإن الله سيضع الدنيا في أيديها، لكن الدنيا منزوعة من أيديها رحمة بها من الله ، وإلا فإن الأمة بكل ما فيها من الغثاء تمتلك من الدنيا الشيء الكثير، فلا يوجد نقود أكثر من نقود الأمة الإسلامية، وأسباب القوة موجودة لديها لكن لأن الأمانات وضعت في غير أهلها، فالطائفة الملتزمة هي الطائفة المنصورة التي عقيدتها وأعمالها وسلوكياتها إذا لم تكن صالحة الصلاح المطلوب فإنه لن يحدث تغيير ولابد من إعادة إصلاحها.

стр. 403

حكم من يعمل أعمال الجوارح ويشعر بالفتور في أعمال قلبه ولا يعلم السبب السؤال أحياناً أتقرب إلى الله بأعمال القلوب والجوارح، وفي بعض الأحيان أشعر أني مستمر في أعمال الجوارح وأشعر بالفتور في أعمال القلب وأشعر بضعف الإيمان من غير أن أعلم السبب، فما هو السبب؟ الجواب ابحث عن الخواطر والأحوال، وجاهد أن يكون القلب حاضراً حين تصلي وحين تقرأ القرآن وحين تقول الأذكار ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. وأحوال القلب تتغير وتتقلب دائماً، وقلب الإنسان عموماً بين تقلب مستمر، فالرسول ﷺ يقول: (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ﷺ ، فإذا كان هو ﷺ يأتيه ذلك الغيم والفتور عن الذكر، فغيره بالقطع أولى وبدرجة أكبر.

стр. 404

حكم الاحتجاج بالقدر على المعاصي السؤال من المذنبين من يقول: إنه وقع في الذنب بقدر الله فهل هذا صحيح؟ الجواب هذه كلمة حق من المذنبين غير التائبين يراد بها باطل، وذلك أن هذا قدر الله ولكن بسبب من؟ ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، فهذا بقدر الله، ولكن السبب من نفسك، لكن لا يكون حجة له على عدم التوبة، ولا يكون له حجة على الشرع.

стр. 405

حكم من يريد الزواج وهو مريض ولا يريد العلاج خشية انكشاف عورته السؤال شاب في مقتبل العمر يفكر في الزواج، وهو مبتلى ببعض الأمراض ويحتاج إلى جراحة، ولا يريد أن تكشف عورته فما حكمه؟ الجواب هذا الأمر مما أجازه الشرع، فقد أجاز كشف العورة للضرورة وللحاجة، وننصحه بإجراء الجراحة لعل ذلك يكون خيراً له، وخصوصاً أن المرض الذي ذكره ربما يكون فيه بعض المضار إذا لم يعالج، فأنصحه بالأخذ بالأسباب، والاجتهاد في ستر العورة ما أمكن.

стр. 406

حقيقة مثلث برمودا والأطباق الطائرة السؤال مثلث برمودا والأطباق الطائرة تحت ضوء الشمس، هل هذا مما شغلنا به العدو أم هو حقيقة فعلاً؟ الجواب هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر، أما أن المسيح الدجال يدير العالم من مثلث برمودا فمن سخافات الجهلة وأهل البدع والضلال، لأن الرسول ﷺ أخبر أن المسيح الدجال مقيد في إحدى الجزر في البحار قبل الشرق وليس قبل الغرب، وهذه أخبار كلها تأتي من الكفار، ونحن ما سمعنا ذلك من المسلمين ولا رأيناها، ولكنها أخبار تذكر، فلا أثبت ولا أنفي. أما مسألة أن هناك مخلوقات تأتي من السماء فلا شك أن الكون مليء بالمخلوقات، لكن لا ينبغي الاهتمام ولا الانشغال بها، بأنه يوجد غزو من الفضاء يهدد الكرة الأرضية، فالكرة الأرضية يهددها أعمال بني آدم ومنكراتهم، فهي أعظم خطراً من أي كوكب فضائي، أما أن الكون مليء بالمخلوقات فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فالله على كل شيء قدير، ولكن يجب أن أنشغل بالأذكار فأقولها بلساني مع قلبي لا بلساني فقط حتى آخذ أجوراً عظيمة جداً فقد قال رسول الله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلما قال)، وإن كان تحريك اللسان بها من غير حضور القلب فإنه يؤجر، لكن الأجر الموعود به إنما هو لمن قالها باللسان والقلب معاً، غير أن من قالها باللسان حتى ولو كان مجرداً من حضور القلب فهذا أفضل من السكوت.

стр. 407

معنى قول الشنقيطي: إن آيات الصفات ليست من المتشابه السؤال ما معنى قول الشيخ الشنقيطي: إن آيات الصفات ليست من المتشابه؟ الجواب يقصد أنها ليست من المتشابه المجهول المعنى بالكلية، وهذا الإطلاق نفسه غير صحيح، وأما كون آيات الصفات من الذي لا يعلم معناه بالكلية فقول خطأ، فإن آيات الصفات معلومة المعاني، فنحن نعلم معاني: العليم والخبير والقدير والحكيم والسميع والبصير بلا شك، ويعلمها أدنى طفل يعرف لغة العرب، ويدرك معاني الكلمات فضلاً عمن دونه، ويمكن ترجمتها باتفاق العقلاء إلى اللغات الأخرى، ولو كانت مجهولة المعاني لما أمكن ترجمتها. وأما أنها من المتشابه باعتبار آخر فهذا مما نص عليه ابن عباس ﵁، لكن قول الصحابة: إن آيات الصفات من المتشابهة ليس بمعنى ما ذهب إليه المتأخرون، من أنها مجهولة المعاني، وأن لها معاني مجهولة لا ندري عنها شيئاً، وأنها بمنزلة الكلام الأعجمي، فهذا كلام باطل، وهو كلام كثير من المتأخرين وليس هو المقصود، وإنما المقصود -بأن الصفات من المتشابه-: أنها تشتبه على أهل الزيغ والضلال، فيظنون بها غير الحق، ومعنى ثاني لقولهم: إنها مجهولة الكيفية، وهذا حق لا شك فيه؛ لأنها غيب، وذلك مثل: الوعد والوعيد من المتشابه، والجنة والنار من المتشابه، بمعنى أنا لا ندري كيفية ما في الجنة من أنواع النعيم، ولا ندري كيفية ما في النار من العذاب، وإنما نفهم معاني دون أن ندري حقيقية الكيفية، وكل أمور الغيب كذلك. فـ ابن عباس ﵁ قال: ما بال هؤلاء يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه؟!

стр. 408

حكم الأحاديث الموضوعة والإسرائيليات السؤال ما أصل الأحاديث الموضوعة التي يطلق عليها بالإسرائيليات؟ الجواب السؤال من أصله خطأ، فالأحاديث الموضوعة ليست الإسرائيليات، فبعض الناس يظنون أن الإسرائيليين، أي: اليهود وضعوا في كتبنا أحاديث وهذا من الوهم، فالإسرائيليات هي أخبار بني إسرائيل، والأحاديث الموضوعة هي التي كذبها الكذابون ونسبوها إلى النبي ﷺ ، وقد بينها أهل العلم، وأخبار بني إسرائيل منها ما يصدق وهو ما يوافق الكتاب والسنة، ومنها ما يكذب وهو ما يخالف الكتاب والسنة، ومنها ما يتوقف عنه فلا نجزم بأنها صحيحة أو ضعيفة، وقد عرف بالنقل عن أهل الكتاب: كعب الأحبار وكان ممن أسلم من أهل الكتاب وكعب الأحبار رجل ثقة عالم، وإن كان ينقل أخبار أهل الكتاب، فلا يعني هذا أنه أدخلها بسوء نية، بل كعب الأحبار رجل علم. وكذلك وهب بن منبه وهو أحد الزهاد والفضلاء، وقد نقل عنهم أخباراً كثيرة، ولكن الأخبار التي رواها عنهم إنما هي من باب أن النبي ﷺ قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) أي: فيما لا يعرف كذبه، والإسرائيليات تحتاج إلى التنقيح؛ لأنه قد يغيب عن المسلم شيء من سنة الرسول ﷺ ، أو قد يغفل أن بعض هذه الأخبار مخالف للكتاب أو للسنة الصحيحة فلا ينتبه. فأخبار بني إسرائيل تعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد، وما لا يوافق ولا يخالف نسكت عنه، وأما الأحاديث الموضوعة فمعلومة؛ لأن الكذابين والوضاعين معروفون، وهم الذين نسبوها إلى النبي ﷺ ، أما الإسرائيليات فلا تنسب للرسول ﷺ ، وإنما تنسب إلى بني إسرائيل، إلى سيدنا موسى وسيدنا عيسى وغيرهم من الأنبياء فالإسرائيليات تروى عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص كان ينقل الإسرائيليات حيث أنه وجد زاملتين فيها كتب لأهل الكتاب فأخذ بكلام النبي ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وليست الإسرائيليات كلها سيئة، بل إن فيها أخباراً موافقة للكتاب والسنة، والكتب التي بين أيديهم الآن لو أن رجلاً قرأها لوجد فيها أموراً توافق ما عندنا نحن المسلمين، وهذا الأمر مما تصح روايته عنهم، فإذا قلنا: إن عبد الله بن عباس، يروي عن كعب فقد وجدت أخبار كثيرة جداً نجزم ونوقن أنها مأخوذة عن أهل الكتاب.

стр. 409

حكم من يستشهد بروايات من التاريخ ضعيفة لإثبات قصة التحكيم ومقتل الحسين وفساد الأمويين السؤال يستشهد أعداء أهل السنة والجماعة بروايات من كتبنا مثل تاريخ الطبري وتاريخ الحافظ ابن عساكر والكامل لـ ابن الأثير، وكتاب بدائع الفوائد لـ ابن القيم لإثبات صحة ما هم عليه في قضية تحكيم معركة صفين وفساد دولة بني أمية، ورواية مقتل الحسين، فهل معاوية ويزيد من الحكام الظلمة؟ ولماذا يذكر علماؤنا تلك الروايات رغم ضعف سندها، الأمر الذي يجعل أعداء السنة يسيئون لأهل السنة؟ الجواب أنت اعتمدت كتب التاريخ، وكما قال الإمام أحمد: ثلاث لا أصل لها: السير، والمغازي، والتفسير، فالسير والمغازي كثير منها بلا أسانيد فهي تروى للاستشهاد بها، وهناك أشياء شبه متواترة، فكون الحسين قتل، وكون يزيد هو الذي وجه الجيوش إليه، نحن لا نستطيع أن ننفي ذلك، لأنه أمر مقطوع به ولا يمكن إنكاره، وكونه وقع تحكيم في معركة صفين فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولكن ما هي صفة التحكيم؟ الأخبار الواردة في هذا الأمر أكثرها بلا أسانيد، وما ثبت منها فالصحابة معذورون مجتهدون متأولون فيه، أو مجتهدون مصيبون لهم أجران، وكثير من الأخبار التي فيها طعن على الصحابة ﵃ لا تثبت، وقد ذكرها أصحابها وذكروا معها السند لكي به يعرف طلاب العلم ضعف أو صحة هذه الأخبار والآثار، فهم قد أدوا ما عليهم بذكر الأسانيد، فالأمر واسع أن يبحث فيه بعد عصرهم، وكما ذكرنا نحن لا نحتج كثيراً بذلك، وليس كلما ذكر في هذه الكتب صحيح، كالكتب المعتمدة فهل قبول الأمة للبخاري ومسلم مثل قبولها لتاريخ الحافظ ابن عساكر؟ لا، وهل قبول الأمة للترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة في الجملة كقبولها لتاريخ ابن الأثير؟ قطعاً لا، فهم أتوا بها للدراسة، وهم حين أسندوها قد أدوا ما عليهم. وأما ما سألت من وجود تحكيم في معركة صفين فلا شك أنه وقع تحكيم، لكن أن عمرو بن العاص خدع أبا موسى الأشعري فهذا مما لا يجوز أن يقال، وعمرو بن العاص ﵁ أجل من أن يكون طالب دنيا، بل هو اجتهد وأراد رد الأمر إلى أهله، وهذا هو الظاهر من أمر التحكيم، فقد رأوا فيه أن يرد أمر الخلافة إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلي ﵁ رأى أن هذا أمر فيه نقض لبيعته من غير دليل ومن غير بينة، ومن غير سبب شرعي يقتضي نقض هذه البيعة التي ثبتت، وهذا هو الصحيح، فأمر التحكيم وقع ليس بالخداع، بل أحالوا الأمر لكبار أصحاب النبي ﷺ ؛ والصحيح أنه كان لابد من إلزام الناس ببيعة علي ﵁، وكان هذا هو الواجب، فـ عمرو بن العاص لم يخدع أبا موسى ولم يأمره معاوية؛ لأن معاوية لم يطلب الإمارة أصلاً في حياة علي، وما طلب الخلافة إلا بعد موت علي، وهذا هو الصحيح. أما أنه وقع في دولة بني أمية فساد، وخصوصاً بعد عهد معاوية رضي الله تعالى عنه، فلا شك في ذلك، فالنبي ﷺ قد سمى هذا ملكاً عاضاً، وحذر من رأس الستين ﷺ ، ولاشك أنه وقع فساد، وليست هذه الخلافة الراشدة، بل هو ملك، وأعدل الملوك هو معاوية؛ لأنه من أصحاب النبي ﷺ ، فلا يجوز أبداً أن يطعن في معاوية، وله ﵁ من الحسنات والفضائل على هذه الأمة ما لا يمكن إنكاره، وما ينجبر معه ما قد يكون وقع منه من اجتهاد أو تقصير أو حتى ذنوب، فهم ليسوا معصومين من الصغائر ولا من الكبائر، ولكن لـ معاوية ﵁ ولـ عمرو بن العاص ولطائفة الصحابة ﵃ في الجملة؛ من الفضائل والدرجات والأعمال والجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام وتعليم العلم ما يغمر مساويهم إذا كانت لهم مساوئ وثبتت، كيف وهي لم تثبت؟! كيف وما ثبت عنهم كان لهم فيه اجتهاد، فمنهم المجتهد المصيب، ومنهم المجتهد المخطئ المغفور له خطأه المثاب على اجتهاده، فلا يصح أن يذم معاوية ﵁. أما يزيد فلا شك في نقصه، ولا شك أنه أتى على أهل الإسلام بأشياء منكرة، وقد سأل الإمام أحمد ﵀ ابنه: هل تحب يزيد بن معاوية؟ فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وقد فعل بأهل المدينة ما فعل؟ فوقعة الحرة كانت وقعة عظيمة هائلة، وقد قتل فيها صحابة وتابعون وفضلاء، وهو أمر عظيم الخطر، قال عبد الله بن أحمد لأبيه: فهل تلعنه؟ فقال: وهل سمعت أباك يلعن أحداً؟! ونحن عندنا قضية الموازنة وهذا أمر مهم جداً، فقد كان يزيد قائد أول جيش غزا القسطنطينية، وقد قال النبي ﷺ : (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)، وكان هذا في حياة أبيه قبل أن يكون خليفة، فله الفضل في هذا الباب، لكن كونه قد أتى بمنكرات فلا شك في ذلك؛ وكونه ظلم فلا شك أنه قد ظلم، وأعظم ظلم هو قتل الحسين بن علي، ثم وقعة الحرة التي أوقعها بأهل المدينة وانتهك فيها الحرمات، وبعدها مات يزيد بن معاوية، ولكن لا ننسى أن له محاسن في الجهاد في سبيل الله والله أعلى وأعلم. أما معاوية فالطعن فيه ظلم، ومسبته مسبة للصحابة فقد قال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي).

стр. 410

حكم من يتعامل مع الجن ويستدل أن سليمان ﵇ تعامل معهم السؤال رجل يتعامل مع الجن وعندما تنصحه وتقول له: إن ما تفعله محرم شرعاً يقول: إن سيدنا سليمان كان يفعل ذلك؟ الجواب هذا كذب، فسيدنا سليمان لم يكن يتعامل مع الجن بمعنى أنه يأخذ منهم ويعطي، بل كانوا مسخرين له، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٧]، فكانوا مسخرين له، وأنت تكذب إذا قلت أن الجن مسخرين لك، وأيضاً هذا مما اختص به سليمان، حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، فلو قال: إنه يفعل مثل سليمان فهو مكذب للقرآن؛ لأن القرآن قد نص أن هذا ملك لا ينبغي لغير سليمان، والنبي ﷺ قد أمسك بالشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته، وقال: (ولقد هممت أن أربطه بسارية من سواري المسجد، فتذكرت دعوة أخي سليمان). فالنبي ﷺ لم يربطه حتى يلعب به الصبيان؛ وذلك لأجل دعوة سليمان، فإذا كان ذلك ليس للنبي ﵊ فكيف يكون لك! وإن كان يتعامل مع الجن بالأخذ والعطاء فهذا هو الضلال المبين، والخطر الكبير، وهو عندما يستعين بهم فإنه يقدم لهم مقابل هذا من دينه وطاعته وتوحيده، فلابد أن يتوب إلى الله ، وهناك كتاب مبسط في ذلك وهو كتاب: (معارج القبول) وكذلك (فتح المجيد) ولا شك أن التعامل مع الجن بمعنى إخبارهم عن المغيبات والاستعانة بهم في قضاء الحاجات هو من أعظم أسباب الشرك والبغي، وننصح بقراءة تفسير ابن كثير، وخاصة آخر سورة الأحقاف، وفي سورة الجن قوله : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦].

стр. 411

كيفية إخراج زكاة العروض لمحل أدوات كهربائية أو قطع غيار السؤال كيف تخرج زكاة العروض لمحل أدوات كهربائية أو قطع غيار أجهزة كالثلاجات والغسالات؟ الجواب يخرج ٢. ٥% من رأس ماله، وإن لم يتيسر له ذلك جاز على أصح الأقوال أن يخرج زكاة عروض التجارة من التجارة التي يبيعها بقيمتها، فيخرج أدوات كهربائية ويعطيها الفقير خصوصاً إذا كان لا يملك مالاً، والتجارة تبلغ النصاب والفقير يبيعها لمن شاء.

стр. 412

حكم من أعطى زكاة الغنم والإبل مذبوحة السؤال زكاة الغنم والإبل هل تذبح للفقراء أم تعطى لهم من دون ذبح؟ الجواب تعطى للفقير دون ذبح، فيأخذها الفقير حية.

стр. 413

حكم زكاة الدين السؤال له ثلاث وصلات أمانة يستحقها على ثلاث سنوات هل يجب إخراج الزكاة عنها قبل أخذها أم بعد الأخذ؟ الجواب بعد الأخذ يخرج لما مضى من السنوات، أو كلما أخذ وصلة أخرج زكاة ما مضى من السنوات، ولا يجب الآن وإنما يجب إذا قبضه. وإذا كان الذي عنده مال معسراً فإنه يبقى ينتظر إلى أن يقضي الله عنه.

стр. 414

حكم زيارة المرأة لجارها المريض السؤال هل يجوز للمرأة أن تزور جارها المريض مع زوجها؟ الجواب نعم، يجوز ذلك إذا أمنت الفتنة؛ لأن عائشة زارت بلالاً ﵁، وزارت أبا بكر، فإذا أمنت الفتنة جاز أن تزوره، وعليها الحجاب الشرعي الساتر. وإذا زارته مع زوجها، وبلباسها الشرعي، وأمنت الفتنة فلا حرج عليها وهي مأجورة إن شاء الله. وقد بوب البخاري: عيادة النساء الرجال، قال: وعادت أم الدرداء رجلاً من أهل المسجد كما في كتاب الطب أو كتاب الأدب من صحيح البخاري. ويجوز لها أن تسلم عليه بدون مصافحة، فإن المصافحة بين الرجال والنساء الأجانب محرمة. ولقد زارت أم الدرداء رجلاً من أهل المسجد وزارت عائشة ﵂ بلالاً، وزوجها النبي ﷺ أغير الناس، والبخاري ذكر هذا في صحيحه، فلماذا يتحرج المسلم مما ورد في الصحيح؟ فنحن نقول: يجوز لكن بالضوابط الشرعية، حتى إذا لم يكن قد فرض الحجاب فإنه لم يرد المنع من الزيارة بعد فرضه، وإنما ورد المنع من التكشف.

стр. 415

كذبت قوم لوط بالنذر جاء قوم لوط بسنن لم يأت بها قوم أو مجتمع قبلهم، وارتكبوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد، وأصروا عليها، وحاولوا إخراج من دعا إلى نبذ هذه الفاحشة من القرية بتهمة التطهر. فكان جزاؤهم وخيماً وعاقبتهم مزرية، وذلك بأن جعل جبريل بإذن الله عالي القرية سافلها، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل.

стр. 416

انتفاء قبول الإيمان مع عدم الإيمان بالرسول إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بأنبيائه ورسله أجمعين، ولقد جعل الله الإيمان بهم شرطاً في قبول الإيمان بالله، فلا يكون مؤمناً بالله من كذب رسولاً من الرسل كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]. والإيمان بالرسل يشمل تصديقهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، ويشمل معرفة أن دينهم هو الإسلام الذي بعث به كل الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقد ذكر الله قصصهم وسيرهم وقال مخاطباً لأمة الإسلام بعد ذكر أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]. وهذا يستلزم معرفة طريقهم ومنهجهم في الدعوة إلى الله والصبر والاحتساب، والتربية الإيمانية.

стр. 417

النبي لوط ثمرة من ثمرات دعوة إبراهيم إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء ربى الأمم من بعده رغم قلة من استجاب له، ومن الذين استجابوا له لوط ﵇، ولوط ﵇ هو أحد ثمار التربية الإيمانية لإبراهيم صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، وذلك أن الأمم وتاريخ الحياة على وجه الأرض لا تحدده الكثرة وإنما يبينه ويحدد معالمه عبر العصور الرجال الذين هم أمم كل واحد منهم أمة، فقد كان إبراهيم أمة كما قال : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]. والأمة الإمام الذي يقتدى به، ولذا قال ابن مسعود: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن إن إبراهيم كان أمة، ظن حاضروه ومجالسوه أنه أخطأ -وهذا بعد موت معاذ - فكرر: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فكرروا عليه فكرر، فقال: أتدرون من الأمة؟ إنه الإمام الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع والحنيف لله . فـ معاذ رضي الله تعالى عنه كان كذلك، فالرجال الأمم هم الذين تتغير بهم وجه الحياة. كان لوط ﵇ رجلاً أمة، ومن أجله فقط دمر الله قومه الذين كذبوه، وفي قصته -وهي امتداد لقصة إبراهيم ﵌ من العبر والعظات خصوصاً في هذا الزمان الذي امتلأ بالمنكرات الشبيهة بالتي كان يرتكبها قوم لوط، مما ينبغي أن ننتبه لها وأن نحذر على أنفسنا ونحذر أقوامنا من مشابهة هؤلاء القوم المجرمين، قال : ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٧٧ - ٨٣]. يخبر الله عن الفرج الذي جاء للوط ﵇ بعد المحنة الطويلة والغربة الشديدة التي عاناها من قومه حيث دعاهم إلى الله ، فما نال منهم إلا الأذى والتكذيب والاستهزاء والسخرية والأمر بإخراجه هو وأهله؛ لأنهم أناس يتطهرون.

стр. 418

قوم لوط يأتون فاحشة لم تعرفها البشرية قبلهم كان هؤلاء القوم المجرمون كما وصف الله يأتون الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، قال : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٦٠ - ١٧٥]. بين أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين، ويأتون هذه الفاحشة المعروفة بالشذوذ في زماننا، وهي بلا شك من أفظع الفواحش التي جعل النبي ﷺ عقوبة من يرتكبها ومن تفعل به وهو راض: البتر النهائي من الحياة، قال النبي ﷺ في الحديث: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) والعياذ بالله. وهذه الفاحشة لما استمرءوها نتيجة لانحراف أفكارهم وعقيدتهم، وجعلوها مقررة مباحة لديهم كما يحاول كثير من أبناء هذا الزمان ممن ينادي بالحرية والمساواة وغير ذلك من مبادئ الانحطاط التي يريدون تعميمها وهي باطلة قطعاً، ويريدون أن يجعلوها أمراً محللاً، بل قرروا زواج الذكران بعضهم من بعض، وربما كانت بعض كنائسهم ومعابدهم تقبل ذلك وتجعله حجة مقبولة لديهم، ففاقوا ما سبقهم الأولون إذ نسبوا هذه الجريمة إلى الشريعة وإلى الدين، وهذا لم يفعله قوم لوط، إنما فعلوا الفاحشة وما نسبوها إلى الدين وهؤلاء سموها زواجاً والعياذ بالله. وهذا الذي يريده الأعداء أن يُنشر في أرجاء المسلمين كما انتشر في أوساطهم، وأصبح الذين يفعلونه لهم حقوق مقبولة لديهم والعياذ بالله. ويصرح قادتهم ورؤسائهم أن غايتهم من حروبهم ومكرهم وتخطيطهم أن يصل الأمر في بلاد المسلمين إلى أن تكون هناك إباحية، وأن يكون كل من يريد أن يمارس الجنس سواء كان يمارسه مع الجنس الآخر أو مع نفس الجنس يتمكن من ذلك، وكُتب ذلك وقيل في خطاباتهم، نعوذ بالله من شرهم! وهذا كله من الحسد لأهل الإسلام.

стр. 419

ممارسة قوم لوط للكثير من الجرائم الموجبة لسخط الله وكان من منكراتهم أيضاً ما ذكر الله عنهم أنهم كانوا يأتون الفاحشة وهم يبصرون، وهذا منكر إضافي يفعله كثير من الناس في أرجاء الأرض اليوم أنهم يأتون الفاحشة أمام أعين بعضهم بعضاً، على الرغم من أن كثيراً من الحيوانات تستتر عند هذه الفعلة، وهؤلاء وصل انحطاطهم إلى أسوأ من كثير من البهائم، فصاروا يأتون الفاحشة أمام أعين بعضهم بعضاً كما يفعله المجرمون. بل في زماننا ما هو أشد إذ صار الناس يفعلون هذه الفواحش أمام العشرات كما هو المعهود في تلك اللقاءات وأمام الآلاف والملايين، حين نشروا هذه النجاسات على وسائل الإفساد في الأفلام وأنواع الأشرطة والصور والمجلات والقنوات الفضائية وغيرها مما ينشر هذه الفواحش أمام الملايين، ففاقوا قوم لوط فيما فعلوا وفيما اجترموا من الكفر والعياذ بالله. فصاروا يأتون الفاحشة عياناً أمام البشر، وتسجل هذه الجرائم حتى بعد موتهم، فلا تزال صور هؤلاء الكثيرين وأفلامهم بعد موتهم باقية ينشر بها الفساد، والعياذ بالله. وكذلك ذكر الله عنهم أنهم يأتون في ناديهم المنكر، فكانوا في مجتمعاتهم وفي لقاءاتهم يأتون هذه الفواحش والعياذ بالله. وكذلك كانوا يأتون مقدمات الفواحش والفواحش نفسها في مجتمعاتهم ونواديهم، كما هو الحال في كثير من النوادي والمجتمعات التي يجتمع فيها الشبان والفتيات وإن كان الذكران من قوم لوط يفعلون الفاحشة بعضهم مع بعض إلا أن الفاحشة كلها محرمة، وكلها كبيرة من الكبائر، وفعلها في النوادي والمجتمعات علانية من أفظع المنكرات المستوجبة لعقاب الله للجميع. وذكر الله أنهم كانوا يقطعون السبيل كما قال لوط ﵇: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩]. فهم والعياذ بالله كانوا يقطعون السبيل، لأخذ الأموال أو لأخذ الفروج وانتهاك حرمات المارين من الأضياف وغيرهم، وهذا والعياذ بالله أيضاً من أشد أنواع قطع الطريق والمحاربة لله، والإفساد في الأرض، فالذي يختطف صبياً أو امرأة أو غير ذلك ليفعل به الفاحشة ويستعمل في ذلك السلاح ليس حده حد الزنا وإنما حده حد الحرابة والقتل قطعاً كما قال : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١]. فإذا كان هذا فيمن يراود الفتيات المسلمات عن أنفسهن فكيف بمن يغتصب النساء ويغتصب الصبيان ويفعل بهم الفواحش؟! وهذا والعياذ بالله أشد من الاعتداء على النفوس بالقتل عند كثير من الأطهار والعقلاء، ولا شك أنه أشد من أخذ الأموال، وهذا الأمر يحتم قتل من فعل هذه الفواحش بقطع الطريق واستعمال السلاح، وانتشار هذا في مجتمع من المجتمعات دليل على قرب هلاكه وخسرانه والعياذ بالله، ولا بد أن يتكاتف أفراد المجتمع كلهم من أجل منع هذه الفواحش وإغاثة من يتعرض لقطع الطريق. وكل هذه الفواحش كانوا يفعلونها بالإضافة إلى تركهم أزواجهم اللاتي أحلهن الله لهم، فتركوا أزواجهم، وقد ذكر غير واحد من السلف: أنه اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وكانت النساء راضيات بهذه الفواحش لاستقرار مبدأ الحرية الفاجرة الإباحية التي لا تلتزم بشرع عندهم، ولذا هلكت النساء أيضاً رغم أنهن متروكات قال تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:١٦٦]. ومع ذلك أهلكن فيمن هلك ولم ينجُ إلا بنات لوط ﵇ الطاهرات العفيفات، وذلك أن الرضا بالمنكر منكر، والرضا بالكفر كفر والعياذ بالله، والذي يرضى بالباطل مبطل وهو مثل الذي يفعله، فمن غاب عن المعصية ورضيها كان كمن حضرها، ومن حضرها فكرهها وأنكرها كان كمن غاب عنها، فالله جعل هؤلاء القوم عبرة للأمم عبر العصور، وجعل الله قصتهم فيها من العبر والعظات. كذلك رد شرع الله كفر مستقل، ولم يذكر الله عن قوم لوط في فعلهم السيئات عبادة الأوثان وإن كان يحتمل أن يكونوا يعبدون الأوثان، لكن الله لم يذكر ذلك في موضع من مواضع ذكر القصة المتكرر في القرآن الكريم، وإنما ذكر تكذيبهم للوط ﵇ وهذا قدح في الإيمان بالله كما ذكرنا، وإنما الذي دفعهم إلى التكذيب استمراؤهم لهذه الفاحشة الكبيرة، وأنهم تعودوا عليها، والإنسان لا يقوى أن يعيش دائماً على منكر يشتهيه ونفسه تحدثه بأنه يرتكب أكبر الكبائر؛ فإن هذا الصراع الداخلي دائماً يدفعه إلى أن يترك أحد الأمرين؛ إما أن يترك الفاحشة، وإما أن يترك الإيمان، وقليل من الناس من يحافظ على أصل إيمانه رغم وقوعه في الفواحش وهو مرتكب الكبائر، فالمعاصي بريد الكفر والعياذ بالله، وغالباً ما تؤدي إليه، وسوء الخاتمة متوقع لمن يحافظ على هذه الكبائر التي إن فعلها الإنسان ولم يستحلها ولم يرد شرع الله لم يكن خارجاً من الملة ولكنه على وشك الوقوع، ولذا كان هؤلاء القوم كذلك، وغالباً ما تجر هذه الفواحش وفعلها علانية إلى السخرية من شرع الله سبحانه الذي حرم هذه الأمور، ومن محاولة فرضها على الناس وإلزامهم بقبولها والرضا بها، وهذا واقع مشهود، فتجد أكثر من يرتكب هذه الفواحش من الزنا واللواط وغير ذلك دائماً يستهزئ بالأطهار ويسخر منهم كما قال قوم لوط في جوابهم للوط ﵇ كما قال : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، وهذه والعياذ بالله جريمة جديدة: وهي أن الطهارة أصبحت عندهم تهمة، وهذا حال كثير من الأمم والمجتمعات التي تجرم فعل طاعة الله، وتجرم العفاف والطهر والتستر، ويسنون ما يشاءون من قوانين باطلة يزعمون فيها تحريم ما أمر الله به من التستر. إن الأرض لله قد كتب أنه يرثها عباده الصالحون، فالأرض لأهل الإيمان والصلاح والإسلام لهم أن يحلوا فيها حيث شاءوا ولا يمنعون من مكان؛ لأن الأرض لم يرثها الكفار من أحد وإنما الأرض لله، فكيف يمنع مسلم من أن يعبد الله في جزء من أرض الله؟ وعبادة الله شاملة للعبادات والمعاملات، فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فهذا من أعظم الباطل، وهؤلاء القوم ينادون بالحرية المطلقة، وحرية الإنسان مع أخيه الإنسان ثابتة في حدود شرع الله ، ولكن إذا كانت حريته مع شرع الله بأن يفعل وأن يترك الشرع وأن يرده فهذا والعياذ بالله منهج قوم لوط وقوم شعيب الذين قالوا: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] يقولون ذلك استهزاء بشعيب، ويرون أن الأموال يفعلون فيها ما يشاءون، وقوم لوط يرون أنهم يفعلون في الفروج ما يشاءون، ويريدون إخراج من يأبى قبول باطلهم، فالقوم الذين في زماننا لهم سلف من هؤلاء المجرمين والعياذ بالله، ولذا عاقبتهم مثل عاقبتهم إن شاء الله، وإن كان قد يصير لهم الأمر سنوات كما قد مد لقوم لوط وهو سبحانه يستدرج المجرمين من حيث لا يعلمون، قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥]. ثم تكون العاقبة بعد ذلك آية من آيات الله، وإن كان كثير من الناس يستعجل ويقول: قد طال المدى وكثر الكفر والفساد والفجور، والله قدر كلما اقتربت الساعة ازداد الفساد في الأرض، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 420

الفرج الإلهي يأتي بصورة ابتلاء قال الله مبيناً حال لوط ﵇ حين جاءه الفرج وما جاءه إلا في صورة ابتلاء، وهذا وحده آية وعظة لأهل الإيمان: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود:٧٧]، ما علم لوط أنهم رسل الله الذين أتوا لنصرته وقد كان يدعو الله: (رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٠]. وكان يدعو الله زمناً طويلاً ويكرر الدعاء، وما علم أنهم الرسل الذين جاءوا لنصرته، وأنهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك المجرمين الذين سخروا منه واستهزءوا به وعزموا على إخراجه وأهله بتهمة أنهم أناس يتطهرون. جاءت الرسل في صورة أضياف، وهكذا البلاء يبلغ مداه بالمؤمن في آخر اللحظات قبيل الفرج، وكلما ازدادت ظلمة الليل اقترب الفجر من الطلوع بإذن الله ﵎. والله يبتلي عباده المؤمنين ليستخرج منهم أنواع الطاعات، وأنواع العبودية، وهو سبحانه يكره مساءتهم ويقدر عليهم ذلك لما يترتب على هذا الذي يسوءهم من أنواع الخيرات والمحبوبات لله من صبرهم ولجوئهم إلى الله، وتوكلهم عليه واحتسابهم أذى قومهم في سبيله ، والاتعاظ بسيرتهم بعد ذلك، وغير ذلك من أنواع الحكم البديعة البالغة التي قدرها الله من وراء تقدير ما يسوء المؤمنين. قال تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ)) رسول كريم من رسل الله يقدر الله عليه أن يساء في آخر أيام الابتلاء، ((سِيءَ بِهِمْ)) أي: ساءه مقدم الأضياف، فقد أصروا على أن يضيفهم لوط، ولقد كان قومه قبل ذلك نهوه أن يضيف أحداً من العالمين كما قال عنهم: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر:٧٠]، قالوا: إن جاء أغراب فاتركهم لنا نضيفهم، وذلك أن الغريب عندهم له رغبة خاصة وميل أشد من الحاضر لديهم الذي يملوه دائماً؛ فإن صاحب الشهوة المحرمة يمل كل ما حوله دائماً ويريد الانتقال والتحول، فلذلك نهوه عن أن يضيف أحداً من العالمين، وأصر هؤلاء الأضياف على أن يضيفهم لوط، وشهد عليهم مرات أنه لا يعلم أخبث من هؤلاء، ومع ذلك فلا بد من أن يضيف هؤلاء وليس عنده قوة ولا عشيرة تمنع هؤلاء وتصد عنهم أذى المؤذين، ولكنه يقبل ويحتاط ويجتهد أن يدخلوا سراً بحيث لا يعلمون حتى لا يصيبهم أذى، والأضياف سائرون معه وهم رسل الله الكرام الذين في قوتهم أن يفتكوا بهؤلاء المجرمين في لحظة وبصيحة كما قد فعلوا بأمر الله ، ولكن انظر إلى البلاء الذي حل على لوط في آخر أيام دعوته إلى الله .

стр. 421

شدة بلاء الأنبياء قال : ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)) ضاق صدره عن تحمل ذلك، ((وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ))، ثلاث جمل كل منها تبين الحالة التي كان عليها رسول الله لوط ﵇، وإذا أصابك ما يسوءك من إجرام المجرمين وظلم الظالمين فتذكر حال أنبياء الله ، وإذا ضاق صدرك بما يقع من الفساد في الأرض والظلم والعدوان والكفر والشرك فتذكر أيضاً حال الأنبياء، وافعل ما أمر الله به نبيه ﷺ وهو خيرة الله من خلقه محمد ﵊، فلقد كان يضيق صدره أحياناً كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧ - ٩٩]. فكثرة التسبيح وكثرة السجود وعبادة الله بما تقدر عليه حتى يأتيك الموت هو الذي يجب أن تفعله عندما يضيق الصدر، والله قد بين من حال نبيه ﵊ أنه وصل به الحال أنه باخع نفسه أي: يكاد أن يهلك نفسه ﷺ . فانظر إلى الحال الشديد واليوم العصيب الذي مر به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإذا كان الأمر كذلك هان عليك ما ترى وما تجد واتسع صدرك بعد الضيق، والله أمر بالصبر والاحتساب كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٥ - ١٢٨]. فبالتقوى والإحسان يكون الله مع الطائفة المؤمنة المتقية المحسنة وينصرها، فيزول الضيق بعد حصوله، وإنما قدر الله ما يسوء الأنبياء والمؤمنين ليكونوا أسوة صالحة، فهذه حكمته؛ ولأن هناك أنواعاً من العبودية لا تحصل إلا بوجود الضيق. ((وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ)) أي: يسرعون، وهو مبني للمجهول فكأنهم يُدفعون دفعاً، وذلك أن المرأة خائنة العقيدة امرأة لوط العجوز التي تقدم علاقات قومها على الدين وعلى الحق، وعلى علاقتها بزوجها، وعلى العفة والطهارة التي يريدها زوجها للمجتمع كله؛ قدمت علاقاتها القومية مع قومها ورضيت بفعلهم، وكان ذلك من آيات الله فيما يتعلق بقضية الولاء والبراء إذ إنها تبرأت من زوجها ووالت قومها فانعدمت العلاقة الزوجية التي بينها وبين زوجها في الأثر، ولم تنج وإنما أصابها ما أصاب قومها، فقد صعدت فوق سطح المنزل وأشارت إلى قومها بالحضور مسرعين، ونادتهم: أنه قد جاء لوطاً ﵇ أضياف ما رأت أحسن منهم صورة. دافع لوط ﵇ عن الأضياف وحاول أن يردهم، وعرض عليهم بناته للزواج، وهذا أصح الأقوال، وبنات لوط ﵇ هن بناته ولسن بكافرات، ((قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)) أي: من رغبة، ((وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ)) ما نريد إلا الرجال. فلما وقفوا ببابه وهو يدافعهم ويحاول ردهم وهم يحاولون الدخول عنوة على الأضياف لانتهاك حرماتهم فيما يظنون وما يتوهمون لما هم فيه من السكرة، قال لنبيه ﵊ مخبراً عن حال قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] أقسم الله بحياة النبي ﷺ ، والله يقسم بما شاء من خلقه؛ لأنه جعل في خلقه آيات قدرته وعزته، فأقسم بحياة النبي ﷺ وبقائه على أن قوم لوط في سكرتهم يضلون ويتحيرون ويترددون، إنه سكر الشهوة والمعصية التي تعمي القلب وتغلقه والعياذ بالله، وتجعله لا يرى. على الرغم أن هلاكهم بعد ساعات ولكنهم لا يريدون إلا الشهوة المحرمة، وهذه طبيعة الشهوة تجعل الإنسان يلهث وراءها إلى آخر عمره. قال عن لوط ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، استحضر لوط ﵇ ضعفه وأنه ليس له عشيرة إنما أتى مع إبراهيم مهاجراً إلى هذه القرية، وتزوج منهم ولم يكن له منهم عشيرة، ولم يكن له منهم أقارب ينصرونه؛ وقد عوتب على استحضار هذا المعنى في تلك اللحظة، وذلك أنه كان ينبغي أن يستحضر إيواؤه إلى الله الذي هو أعظم وأقوى وأكبر من كل شيء ، قال النبي ﷺ : (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد). يعني الله ، فعندها كشف الأضياف حقيقتهم فقالوا: ((يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ))، المنازل الأعلى في كمال التوكل كحال النبي ﷺ في الهجرة في الغار حين قال له صاحبه أبو بكر: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا). وحال إبراهيم ﵇ وهو يلقى في النار حيث يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. وحال موسى حين قال له قومه وأصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].

стр. 422

بيان العقوبة التي حلت بقوم لوط بين الله حال لوط ﵇ عندما ضاق به الحال إلى تلك اللحظة في موضع آخر فقال: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر:٣٧] خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه فطمست الأعين وطمست الوجوه، أصبحت بلا أعين ولا أفواه، خرجوا على تلك الحال يتوعدون لوطاً في الغد، يا سبحان الله، على ما هم عليه من العتو والإجرام. قال : ((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ)) بإيذاء أو بغير ذلك: ((فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ)) أي: سر بالمؤمنين والمؤمنات من بناتك ليلاً، ((وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)) أي: لا تنظرون إلى ما يقع ويجري، دعوهم لله لينتقم منهم، ((إِلَّا امْرَأَتَكَ)) أي: هذه لا تخرج ولا تسري بها، ((إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)) وذلك دليل على أنها لم تخرج معهم ابتداء، لرضاها بفعلهم وإقرارها بمنكرهم، وكل من رضي بالمنكر ورآه حقاً لمن يفعله فهو مثل فاعله والعياذ بالله. قال : ((إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ)) وهذا على لسان الملائكة يبشرونه بقرب هلاكهم، ((أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ))، وهذه هي الساعات الأخيرة في حياة قوم لوط، فخرج لوط في آخر الليل وانطلق ولم يلتفت ولم تخرج امرأته؛ لأنها كانت من قومه. قال : ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)) [هود:٨٢] يقال: رفعهم جبريل ﵇ بطرف جناحه حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وصياح ديوكهم ثم أهوى بهم إلى الأرض، قال : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٤]، جعل الله أعلى القرية سافلها، وهوت من السماء إلى الأرض، ثم أتبع ذلك أن أرسل الله عليهم حجارة من سجيل معدة عنده في السماء مسومة معلمة، كل رجل وامرأة منهم له حجر معلوم يصيبه لا يخطئه. ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]: وذلك أن السماء من الشهب وأنواع الحصى وأنواع الحجارة التي تدور في أفلاكها لو أصابت الأرض لأحرقتها بالكلية، فكيف بقرية صغيرة؟ وكيف بذرة في ملك الله؟ والله يخبر أن هذه الحجارة ما هي من الظالمين ببعيد، وذلك دليل على أن هذا يمكن أن يقع في الأمم بعد ذلك، وهو حاصل قبيل القيامة فسيكون مسخ وقذف وخسف في هذه الأمة، وفي الذين يفعلون الفواحش ويتخذون المغنيات، ودائماً ما تقترن الفواحش بالغناء والموسيقى. وأخبر الله أنهم أخذتهم صيحة كذلك أهلكتهم بأنواع العقوبة كلها جزاء بما صنعوا، نسأل الله أن يعافينا من كل سوء وشر. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم! من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا! ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم! نجِ المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم! انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم! انصر الدعاة إليك في كل مكان. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم! متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم! إنا نسألك الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم! إنا نسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد ﷺ . اللهم! إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. أقولي قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 423

كلمة حول الأحداث الأخيرة إن القوة والضعف، والإعزاز والإذلال، والرفع والخفض لمن الأسباب التي يبتلي الله بها عباده في هذه الحياة؛ لينظر من هو الصادق الذي يقف إلى جانب الحق وإن كان أصحاب الحق ضعفاء، ومن هو الكذاب الذي لا يقف مع الحق إلا إذا كان أهل الحق أقوياء، فإذا مروا بمرحلة الضعف ترك الحق وهرول إلى الباطل، فهو مع القوي وليس مع الحق. وقلما أفلح رجل بنى مواقفه على موازين البشر وترك موازين رب البشر ، وكم من أناس ظنوا أن أمة الإسلام قد ماتت فوقفوا في صف عدوها ليأخذوا من الغنيمة، فإذا بها تنتفض حيةً قوية تعصف بهم أجمعين، فأمة الإسلام قد تمرض لكنها لا تموت.

стр. 424

الابتلاء يكون بالقوة والضعف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فاعلموا عباد الله! أنه لا قوة إلا بالله، وأنه هو القوي العزيز المتين، فهذه صفته ، وقد جعل من دونه من الخلق يتقلبون بين القوة والضعف، والعدم والوجود، والموت والحياة، والإعزاز والإذلال، والرفع والخفض، فهو المعز المذل الخافض الرافع مالك الملك، كما قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. فالله خلق الناس ﴿مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، فلا تحول من حال إلى حال إلا به ، ولا قوة للعباد إلا به ، وليس بأيديهم من أسباب القوة والقدرة إلا ما أعطاهم الله ، وما أعطاهم الله إلا من أجل أن يبتليهم، وأول أسباب القوة الحياة، وأوضح أسباب الضعف الموت، وهو بيده الموت والحياة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]. فالله فاوت بين العباد قوة وضعفاً، وحياة وموتاً، وفاوت بين الأمم قوة وضعفاً، وإعزازاً وإذلالاً؛ يبتلي عباده بذلك أيهم أحسن عملاً؟ وهو الذي امتحن بعضهم ببعض ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (قال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)، فالله يبتليه ويبتلي من اتبعه، ويبتلي به الناس حتى يكونوا بين متابع مؤمن مصدق، وبين مخالف كافر مكذب والعياذ بالله. فالله جعل أسباب القوة والضعف، وأسباب الإعزاز والإذلال امتحاناً للعباد؛ لينظر كيف يعملون حين تأتي المواقف المختلفة، فتتفاوت قواهم بين تمكين واستضعاف، وتختلف ظروفهم وأحوالهم ليعلم من يطيعه على كل حال، فيبني مواقفه من خلال كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ ، ومن يبنيها على مصالح يتوهمها، أو موازين قوى يتخيلها -أو هي فيما يبدو للناس- فيظن أن الأمور بأيديهم، فيبني على ذلك مواقفه، ويتخذ بناء على ذلك تبعيته وولاءه، ولم يدر أنه حين يقدم المصالح الموهومة والقوى المتخيلة على ما أمر الله به فإنه خاسر في الاختبار، وفاشل في الامتحان، لقد خسر حين اختار الحزب الخاسر فوالاه، وترك الحزب الغالب فعاداه؛ لأنه لم يكن منتصراً في نظره.

стр. 425

موالاة المنافقين للكافرين في كل زمان إن مواقف أهل الإيمان دائماً نابعة من كتاب الله ومن سنة رسوله الله ﷺ ، وقضية الولاء والتبعية عندهم محسومة لصالح الالتزام بالدين، فلا بد أن يكون الولاء لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]، إنه منطق يتكرر في أزمنة وأمكنة مختلفة، إنه منطق أهل الشك والريب والنفاق الذين في قلوبهم مرض الذين يسارعون في موالاة الكفرة رغم ظلمهم وبغيهم واعتدائهم وطغيانهم، فلا يقيمون للحق وزناً، ولا يبنون أمرهم على دليل ولا حجة ولا برهان، وإنما العدل عندهم وفي مقياسهم هو القوة، وليس هو ما شرعه الله ، وهذا من أعظم الظلم وأكبره وأشده، إذ أن ذلك اعتراض على شرع الله أن ينسب الإنسان فعله إلى العدل دون رجوع إلى شرع الله، ومن يوافقه على ذلك فهو مثله، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا ريب أن من رأى أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً دون رجوع إلى شرع الله أنه بذلك يكون كافراً والعياذ بالله. فالعدل هو شرع الله ، وهو الذي يجب أن يحاكم الناس إليه ويتبع، وأن يلزم الجميع به، سواء كانوا مؤمنين أو كانوا كافرين، فالكل يجب أن يلتزم بشرع الله ، فالمنافقون يعلمون ظلم هؤلاء الذين حذر الله من مولاتهم من اليهود والنصارى ومع ذلك يتولونهم، فحكم الله أنهم ظالمين مثلهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. فيسارعون فيهم خشية الدوائر كما يزعمون، وغاب عنهم أن القوة والضعف إنما هي ابتلاء من الله ، وأن القلة والكثرة والتمكين والاستضعاف إنما هي مراحل تمر بها الأمم كما يمر بها الإنسان، فإنه يولد عاجزاً ضعيفاً فقيراً عارياً، ويموت كذلك، ويمر فيما بين هذين الضعفين بقوة وقتية يختبر فيها كيف يعمل، فكذلك الأمم والشعوب تختبر. فقد قدر الله على كل الأمم أن تهلك وتبيد إلا هذه الأمة فقد اختصها الله بفضيلة من عنده وهي أنها لا تموت، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، وأعطى الله لنبيه ﷺ (ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ويأخذ ما بأيديهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يسبي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً)، وقال النبي ﷺ : (لا تزال عصابة من أمتي تقاتل عن هذا الدين حتى تقوم الساعة). وفي رواية في الصحيح: (حتى يقاتل آخرهم الدجال)، وفي رواية: (حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). والمقصود بأمر الله الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ولو كان في جوف جبل لدخلت عليه هذه الريح فقبضت روحه، فلا يبقى في الأرض من يقول: الله الله، وقبل هذه الأشراط الكبرى لا ينعدم الحق من هذه الأمة بفضل الله ، فالله جعل القوة والضعف ابتلاء وامتحاناً للعباد ولكن المنافقين لم يفقهوا ذلك، فسارعوا في مولاة اليهود والنصارى ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢]، فيخشون أن تصيبهم هزيمة فيعدون العدة بالتبعية والموالاة والمناصرة لأهل الكفر والطغيان والظلم والعدوان، قال مبشراً عباده المؤمنين ومتوعداً هؤلاء الكفرة والمنافقين: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة:٥٢]، و (عسى) من الله واجبة، فبقدر تمسك أهل الإيمان بإيمانهم، والتزامهم بكتاب ربهم، وبناء مواقفهم على سنة نبيهم ﷺ يأتي الفتح من الله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]، وأبهم هذا الأمر الذي من عنده؛ لكي لا يقف فكر المسلمين المؤمنين عند حد، فإن قدرة الله لا تحد، فيفعل ما يشاء، ويغير الأمور في لحظة واحدة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٠ - ٥٥]. فالملك والقدرة له : ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] وقال : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٣]، فيتعجب أهل الإيمان ممن ينتسب إلى الإسلام ويزعم أنه مع أهل الإسلام ضد عدوهم، ثم هو يوالي الكفرة ويعاونهم ويظاهرهم -والعياذ بالله- فيكون منهم، وذلك ينافي معيته للمؤمنين. فيتعجب أهل الإيمان لتناقض أهل النفاق؛ لأن من كان موالياً للمؤمنين ناصراً للدين لا يمكن بحال من الأحوال أن يقدم آباءً أو أبناءً أو إخواناً أو عشيرة أو أزواجاً أو مساكن ترضى أو أموالاً تقترف أو تجارة يخشى كسادها، أو غير ذلك من المصالح الموهومة -التي هي في الحقيقة مضار إذا قدمت على دين الله- على حب الله ورسوله ﷺ والجهاد في سبيله، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. إذاً: تربصوا وسوف يأتي أمر الله النافذ الذي لا مرد له، والله يحكم لا معقب لحكمه، وهذا تبشير لأهل الإيمان، ووعيد لأهل الكفر والنفاق والظلم والعدوان، وانتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
следующие страницы →