← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

شدة بلاء الأنبياء قال : ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)) ضاق صدره عن تحمل ذلك، ((وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ))، ثلاث جمل كل منها تبين الحالة التي كان عليها رسول الله لوط ﵇، وإذا أصابك ما يسوءك من إجرام المجرمين وظلم الظالمين فتذكر حال أنبياء الله ، وإذا ضاق صدرك بما يقع من الفساد في الأرض والظلم والعدوان والكفر والشرك فتذكر أيضاً حال الأنبياء، وافعل ما أمر الله به نبيه ﷺ وهو خيرة الله من خلقه محمد ﵊، فلقد كان يضيق صدره أحياناً كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧ - ٩٩]. فكثرة التسبيح وكثرة السجود وعبادة الله بما تقدر عليه حتى يأتيك الموت هو الذي يجب أن تفعله عندما يضيق الصدر، والله قد بين من حال نبيه ﵊ أنه وصل به الحال أنه باخع نفسه أي: يكاد أن يهلك نفسه ﷺ . فانظر إلى الحال الشديد واليوم العصيب الذي مر به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإذا كان الأمر كذلك هان عليك ما ترى وما تجد واتسع صدرك بعد الضيق، والله أمر بالصبر والاحتساب كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٥ - ١٢٨]. فبالتقوى والإحسان يكون الله مع الطائفة المؤمنة المتقية المحسنة وينصرها، فيزول الضيق بعد حصوله، وإنما قدر الله ما يسوء الأنبياء والمؤمنين ليكونوا أسوة صالحة، فهذه حكمته؛ ولأن هناك أنواعاً من العبودية لا تحصل إلا بوجود الضيق. ((وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ)) أي: يسرعون، وهو مبني للمجهول فكأنهم يُدفعون دفعاً، وذلك أن المرأة خائنة العقيدة امرأة لوط العجوز التي تقدم علاقات قومها على الدين وعلى الحق، وعلى علاقتها بزوجها، وعلى العفة والطهارة التي يريدها زوجها للمجتمع كله؛ قدمت علاقاتها القومية مع قومها ورضيت بفعلهم، وكان ذلك من آيات الله فيما يتعلق بقضية الولاء والبراء إذ إنها تبرأت من زوجها ووالت قومها فانعدمت العلاقة الزوجية التي بينها وبين زوجها في الأثر، ولم تنج وإنما أصابها ما أصاب قومها، فقد صعدت فوق سطح المنزل وأشارت إلى قومها بالحضور مسرعين، ونادتهم: أنه قد جاء لوطاً ﵇ أضياف ما رأت أحسن منهم صورة. دافع لوط ﵇ عن الأضياف وحاول أن يردهم، وعرض عليهم بناته للزواج، وهذا أصح الأقوال، وبنات لوط ﵇ هن بناته ولسن بكافرات، ((قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)) أي: من رغبة، ((وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ)) ما نريد إلا الرجال. فلما وقفوا ببابه وهو يدافعهم ويحاول ردهم وهم يحاولون الدخول عنوة على الأضياف لانتهاك حرماتهم فيما يظنون وما يتوهمون لما هم فيه من السكرة، قال لنبيه ﵊ مخبراً عن حال قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] أقسم الله بحياة النبي ﷺ ، والله يقسم بما شاء من خلقه؛ لأنه جعل في خلقه آيات قدرته وعزته، فأقسم بحياة النبي ﷺ وبقائه على أن قوم لوط في سكرتهم يضلون ويتحيرون ويترددون، إنه سكر الشهوة والمعصية التي تعمي القلب وتغلقه والعياذ بالله، وتجعله لا يرى. على الرغم أن هلاكهم بعد ساعات ولكنهم لا يريدون إلا الشهوة المحرمة، وهذه طبيعة الشهوة تجعل الإنسان يلهث وراءها إلى آخر عمره. قال عن لوط ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، استحضر لوط ﵇ ضعفه وأنه ليس له عشيرة إنما أتى مع إبراهيم مهاجراً إلى هذه القرية، وتزوج منهم ولم يكن له منهم عشيرة، ولم يكن له منهم أقارب ينصرونه؛ وقد عوتب على استحضار هذا المعنى في تلك اللحظة، وذلك أنه كان ينبغي أن يستحضر إيواؤه إلى الله الذي هو أعظم وأقوى وأكبر من كل شيء ، قال النبي ﷺ : (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد). يعني الله ، فعندها كشف الأضياف حقيقتهم فقالوا: ((يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ))، المنازل الأعلى في كمال التوكل كحال النبي ﷺ في الهجرة في الغار حين قال له صاحبه أبو بكر: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا). وحال إبراهيم ﵇ وهو يلقى في النار حيث يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. وحال موسى حين قال له قومه وأصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].

стр. 422

بيان العقوبة التي حلت بقوم لوط بين الله حال لوط ﵇ عندما ضاق به الحال إلى تلك اللحظة في موضع آخر فقال: ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر:٣٧] خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه فطمست الأعين وطمست الوجوه، أصبحت بلا أعين ولا أفواه، خرجوا على تلك الحال يتوعدون لوطاً في الغد، يا سبحان الله، على ما هم عليه من العتو والإجرام. قال : ((قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ)) بإيذاء أو بغير ذلك: ((فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ)) أي: سر بالمؤمنين والمؤمنات من بناتك ليلاً، ((وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)) أي: لا تنظرون إلى ما يقع ويجري، دعوهم لله لينتقم منهم، ((إِلَّا امْرَأَتَكَ)) أي: هذه لا تخرج ولا تسري بها، ((إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)) وذلك دليل على أنها لم تخرج معهم ابتداء، لرضاها بفعلهم وإقرارها بمنكرهم، وكل من رضي بالمنكر ورآه حقاً لمن يفعله فهو مثل فاعله والعياذ بالله. قال : ((إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ)) وهذا على لسان الملائكة يبشرونه بقرب هلاكهم، ((أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ))، وهذه هي الساعات الأخيرة في حياة قوم لوط، فخرج لوط في آخر الليل وانطلق ولم يلتفت ولم تخرج امرأته؛ لأنها كانت من قومه. قال : ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا)) [هود:٨٢] يقال: رفعهم جبريل ﵇ بطرف جناحه حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وصياح ديوكهم ثم أهوى بهم إلى الأرض، قال : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٤]، جعل الله أعلى القرية سافلها، وهوت من السماء إلى الأرض، ثم أتبع ذلك أن أرسل الله عليهم حجارة من سجيل معدة عنده في السماء مسومة معلمة، كل رجل وامرأة منهم له حجر معلوم يصيبه لا يخطئه. ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]: وذلك أن السماء من الشهب وأنواع الحصى وأنواع الحجارة التي تدور في أفلاكها لو أصابت الأرض لأحرقتها بالكلية، فكيف بقرية صغيرة؟ وكيف بذرة في ملك الله؟ والله يخبر أن هذه الحجارة ما هي من الظالمين ببعيد، وذلك دليل على أن هذا يمكن أن يقع في الأمم بعد ذلك، وهو حاصل قبيل القيامة فسيكون مسخ وقذف وخسف في هذه الأمة، وفي الذين يفعلون الفواحش ويتخذون المغنيات، ودائماً ما تقترن الفواحش بالغناء والموسيقى. وأخبر الله أنهم أخذتهم صيحة كذلك أهلكتهم بأنواع العقوبة كلها جزاء بما صنعوا، نسأل الله أن يعافينا من كل سوء وشر. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم! من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا! ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم! نجِ المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم! انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم! انصر الدعاة إليك في كل مكان. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم! متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم! إنا نسألك الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم! إنا نسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد ﷺ . اللهم! إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. أقولي قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 423

كلمة حول الأحداث الأخيرة إن القوة والضعف، والإعزاز والإذلال، والرفع والخفض لمن الأسباب التي يبتلي الله بها عباده في هذه الحياة؛ لينظر من هو الصادق الذي يقف إلى جانب الحق وإن كان أصحاب الحق ضعفاء، ومن هو الكذاب الذي لا يقف مع الحق إلا إذا كان أهل الحق أقوياء، فإذا مروا بمرحلة الضعف ترك الحق وهرول إلى الباطل، فهو مع القوي وليس مع الحق. وقلما أفلح رجل بنى مواقفه على موازين البشر وترك موازين رب البشر ، وكم من أناس ظنوا أن أمة الإسلام قد ماتت فوقفوا في صف عدوها ليأخذوا من الغنيمة، فإذا بها تنتفض حيةً قوية تعصف بهم أجمعين، فأمة الإسلام قد تمرض لكنها لا تموت.

стр. 424

الابتلاء يكون بالقوة والضعف إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فاعلموا عباد الله! أنه لا قوة إلا بالله، وأنه هو القوي العزيز المتين، فهذه صفته ، وقد جعل من دونه من الخلق يتقلبون بين القوة والضعف، والعدم والوجود، والموت والحياة، والإعزاز والإذلال، والرفع والخفض، فهو المعز المذل الخافض الرافع مالك الملك، كما قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. فالله خلق الناس ﴿مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، فلا تحول من حال إلى حال إلا به ، ولا قوة للعباد إلا به ، وليس بأيديهم من أسباب القوة والقدرة إلا ما أعطاهم الله ، وما أعطاهم الله إلا من أجل أن يبتليهم، وأول أسباب القوة الحياة، وأوضح أسباب الضعف الموت، وهو بيده الموت والحياة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]. فالله فاوت بين العباد قوة وضعفاً، وحياة وموتاً، وفاوت بين الأمم قوة وضعفاً، وإعزازاً وإذلالاً؛ يبتلي عباده بذلك أيهم أحسن عملاً؟ وهو الذي امتحن بعضهم ببعض ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (قال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)، فالله يبتليه ويبتلي من اتبعه، ويبتلي به الناس حتى يكونوا بين متابع مؤمن مصدق، وبين مخالف كافر مكذب والعياذ بالله. فالله جعل أسباب القوة والضعف، وأسباب الإعزاز والإذلال امتحاناً للعباد؛ لينظر كيف يعملون حين تأتي المواقف المختلفة، فتتفاوت قواهم بين تمكين واستضعاف، وتختلف ظروفهم وأحوالهم ليعلم من يطيعه على كل حال، فيبني مواقفه من خلال كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ ، ومن يبنيها على مصالح يتوهمها، أو موازين قوى يتخيلها -أو هي فيما يبدو للناس- فيظن أن الأمور بأيديهم، فيبني على ذلك مواقفه، ويتخذ بناء على ذلك تبعيته وولاءه، ولم يدر أنه حين يقدم المصالح الموهومة والقوى المتخيلة على ما أمر الله به فإنه خاسر في الاختبار، وفاشل في الامتحان، لقد خسر حين اختار الحزب الخاسر فوالاه، وترك الحزب الغالب فعاداه؛ لأنه لم يكن منتصراً في نظره.

стр. 425

موالاة المنافقين للكافرين في كل زمان إن مواقف أهل الإيمان دائماً نابعة من كتاب الله ومن سنة رسوله الله ﷺ ، وقضية الولاء والتبعية عندهم محسومة لصالح الالتزام بالدين، فلا بد أن يكون الولاء لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]، إنه منطق يتكرر في أزمنة وأمكنة مختلفة، إنه منطق أهل الشك والريب والنفاق الذين في قلوبهم مرض الذين يسارعون في موالاة الكفرة رغم ظلمهم وبغيهم واعتدائهم وطغيانهم، فلا يقيمون للحق وزناً، ولا يبنون أمرهم على دليل ولا حجة ولا برهان، وإنما العدل عندهم وفي مقياسهم هو القوة، وليس هو ما شرعه الله ، وهذا من أعظم الظلم وأكبره وأشده، إذ أن ذلك اعتراض على شرع الله أن ينسب الإنسان فعله إلى العدل دون رجوع إلى شرع الله، ومن يوافقه على ذلك فهو مثله، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا ريب أن من رأى أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً دون رجوع إلى شرع الله أنه بذلك يكون كافراً والعياذ بالله. فالعدل هو شرع الله ، وهو الذي يجب أن يحاكم الناس إليه ويتبع، وأن يلزم الجميع به، سواء كانوا مؤمنين أو كانوا كافرين، فالكل يجب أن يلتزم بشرع الله ، فالمنافقون يعلمون ظلم هؤلاء الذين حذر الله من مولاتهم من اليهود والنصارى ومع ذلك يتولونهم، فحكم الله أنهم ظالمين مثلهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. فيسارعون فيهم خشية الدوائر كما يزعمون، وغاب عنهم أن القوة والضعف إنما هي ابتلاء من الله ، وأن القلة والكثرة والتمكين والاستضعاف إنما هي مراحل تمر بها الأمم كما يمر بها الإنسان، فإنه يولد عاجزاً ضعيفاً فقيراً عارياً، ويموت كذلك، ويمر فيما بين هذين الضعفين بقوة وقتية يختبر فيها كيف يعمل، فكذلك الأمم والشعوب تختبر. فقد قدر الله على كل الأمم أن تهلك وتبيد إلا هذه الأمة فقد اختصها الله بفضيلة من عنده وهي أنها لا تموت، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، وأعطى الله لنبيه ﷺ (ألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ويأخذ ما بأيديهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يسبي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً)، وقال النبي ﷺ : (لا تزال عصابة من أمتي تقاتل عن هذا الدين حتى تقوم الساعة). وفي رواية في الصحيح: (حتى يقاتل آخرهم الدجال)، وفي رواية: (حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). والمقصود بأمر الله الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ولو كان في جوف جبل لدخلت عليه هذه الريح فقبضت روحه، فلا يبقى في الأرض من يقول: الله الله، وقبل هذه الأشراط الكبرى لا ينعدم الحق من هذه الأمة بفضل الله ، فالله جعل القوة والضعف ابتلاء وامتحاناً للعباد ولكن المنافقين لم يفقهوا ذلك، فسارعوا في مولاة اليهود والنصارى ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢]، فيخشون أن تصيبهم هزيمة فيعدون العدة بالتبعية والموالاة والمناصرة لأهل الكفر والطغيان والظلم والعدوان، قال مبشراً عباده المؤمنين ومتوعداً هؤلاء الكفرة والمنافقين: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة:٥٢]، و (عسى) من الله واجبة، فبقدر تمسك أهل الإيمان بإيمانهم، والتزامهم بكتاب ربهم، وبناء مواقفهم على سنة نبيهم ﷺ يأتي الفتح من الله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]، وأبهم هذا الأمر الذي من عنده؛ لكي لا يقف فكر المسلمين المؤمنين عند حد، فإن قدرة الله لا تحد، فيفعل ما يشاء، ويغير الأمور في لحظة واحدة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٠ - ٥٥]. فالملك والقدرة له : ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن:١] وقال : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٣]، فيتعجب أهل الإيمان ممن ينتسب إلى الإسلام ويزعم أنه مع أهل الإسلام ضد عدوهم، ثم هو يوالي الكفرة ويعاونهم ويظاهرهم -والعياذ بالله- فيكون منهم، وذلك ينافي معيته للمؤمنين. فيتعجب أهل الإيمان لتناقض أهل النفاق؛ لأن من كان موالياً للمؤمنين ناصراً للدين لا يمكن بحال من الأحوال أن يقدم آباءً أو أبناءً أو إخواناً أو عشيرة أو أزواجاً أو مساكن ترضى أو أموالاً تقترف أو تجارة يخشى كسادها، أو غير ذلك من المصالح الموهومة -التي هي في الحقيقة مضار إذا قدمت على دين الله- على حب الله ورسوله ﷺ والجهاد في سبيله، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. إذاً: تربصوا وسوف يأتي أمر الله النافذ الذي لا مرد له، والله يحكم لا معقب لحكمه، وهذا تبشير لأهل الإيمان، ووعيد لأهل الكفر والنفاق والظلم والعدوان، وانتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].

стр. 426

الاجتماع بين الإيمان وموالاة الكافرين غير ممكن تتناقض دعوى الإيمان مع موالاة الكافرين ومظاهرتهم ومناصرتهم، بل هي موجبة -والعياذ بالله- لحبوط العمل، مستوجبة للخسران، مؤدية إلى الردة إن لم تكن هي في ذاتها ردة، قال : (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٣ - ٥٦]. لقد عقب الله بالتحذير من الردة بعد ذكر مولاة اليهود والنصارى؛ ذلك لأن مولاتهم إما أن تكون ردة، وإما أن تؤدي إليها، وإما أن تكون من أسبابها، فإما أن تكون من الكفر الأصغر والشرك الأصغر الذي يؤدي سريعاً إلى الأكبر والعياذ بالله، وذلك بحسب نوع تلك الموالاة، فمن كان موالياً لهم بحبهم، والرغبة في انتصار باطلهم وشركهم وضلالهم، وحب ظهورهم على أهل الإسلام فإن ذلك مستوجب للكفر، بل لا يمكن أن يصدر من مؤمن أصلاً، فكيف يكون مؤمناً وهو يحب أن يظهر الكفر على الإسلام، وأن يظهر الكفار على المسلمين؟ بل إن كراهية الجهاد في سبيل الله من أوضح علامات النفاق، كما أن حب الجهاد من أوضح علامات الإيمان؛ لأن الله أوجب حبه وحب رسوله وحب الجهاد في سبيله. وأما من يكره وجوب الجهاد في سبيل الله فإنه من المنافقين كما حكم القرآن عليه، قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٨١]، فالمحبة عملٌ قلبي لا يتصور زواله من القلب إلا بزوال الإيمان، فقد يعجز الإنسان أن يكون مجاهداً بنفسه أو ماله ولكنه لا يعجز أن يكون ناصراً للدين بهمته، محباً لظهور الحق، وأما أن يوجد العكس فليس هذا دليل إلا على وجود الكفر المحض والنفاق الأكبر في القلب والعياذ بالله. وقد عجز أناس من أصحاب رسول الله ﷺ عن النفقة ولم يجدوا ما ينفقون، لكن كيف كان حالهم؟ قال : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩١ - ٩٢]. وأما من يرى البعد عن نصرة الدين غنيمة، فهؤلاء الذين وصف الله بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٢ - ٧٣]، فالله جلى لنا أحوال المنافقين لكيلا يلتبس الأمر علينا، ولكيلا يشتبه إيمان بكفر بعد بيان القرآن الذي هو أوضح بيان. وكذلك إذا كانت موالاة الكفار بالإضافة إلى محبتهم أو بدونها بنصرة الكفار على المسلمين، والمقاتلة معهم ضد أهل الإسلام، فإن ذلك موجب للردة وحبوط الأعمال بالكلية، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. وقد نزلت هذه الآيات في أناس من أهل مكة كانوا يحبون الإسلام ولكنهم في غزوة بدر خرجوا مع آبائهم كارهين للخروج وليسوا مكرهين؛ لأنه لا إكراه في القتل، فلا يجوز لمسلم أن يكره على قتل مسلم ولا على انتهاك حرمته، قال القرطبي ﵀: أجمع العلماء على أنه لا يصح الإكراه على قتل معصوم، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، وأعظم المعصومين حرمة أهل الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن يقول: أنا مكره على قتل أخيه أو قتال المسلمين، بل هو مأمور في قتال الفتنة بين المسلمين بأن يدق سيفه، ويكسر درعه، ولا يقاتل ويلزم بيته، فلو دخل عليه أحد بيته وهو في حال الاعتزال فليكن عبد الله المقتول ولا يكن عبد الله القاتل، ويلقي على رأسه ووجهه ثوباً لئلا يخيفه بريق السيف، ويقول كما قال خير ابني آدم: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩]. فإذا كان هذا في مسلم يريد أن يشاركه في قتال فيه شبهة مع المسلمين، فكيف إذا كان مأموراً بقتال المسلمين لإسلامهم تحت راية كفر معلنة بالكفر، فيظهرون ما كانت تخفي قلوبهم، ويعلنون صراحة كفرهم وحربهم ضد الإسلام، وأنهم يريدون حملات صليبية متتابعة لتجتث هذه الحضارة الإسلامية بزعمهم، ويأبى الله ذلك، فقد أخبرنا بإرادتهم، وبنهاية أمرهم وأمرنا معهم، فقال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣٣]. فلذلك كان من يقاتل مع الكفار ضد أهل الإسلام والعياذ بالله لا يقبل عذره بالإكراه أو أنه عبد مأمور أو أنه كاره لقتال المسلمين، ولقد نزلت الآيات ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٧]، في شبان من أهل مكة خرجوا مع أعدائهم كارهين لا يريدون قتال النبي ﷺ والمسلمين معه، ونهى النبي ﷺ عن قتلهم لمن كان يعلمهم؛ لأنهم ليسوا المقصودين في الحقيقة، ولكن كان يضرب أحدهم بالسيف فيقتل، فقد كان كثير من الأنصار أو أكثرهم لا يدري من هؤلاء إنما يسمع أسماءاً ولا يعرف أشخاصاً، وكذلك كان يأتي السهم فيقتل أحدهم، وربما رمي برمح فقتل، فقال بعض المسلمين: استغفروا لإخوانكم فإنهم كانوا كارهين، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. فحكم الله عليهم بجهنم والعياذ بالله، وعاملهم النبي ﷺ معاملة الكفار في أحكام الدنيا، فألقاهم مع من قتل من المشركين في قليب بدر، ولم يصل على واحد منهم ولم يستغفر له، ولا دفنه مع شهداء المسلمين، بل دفنه مع الكفار، وخاطب الجميع بقوله: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً)، ومن أسر من هؤلاء كـ العباس أمره النبي ﷺ أن يفدي نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب، واستحل منهم هذا المال، ولم يكن خروجهم برضى منهم، ولكنهم كما روي قال النبي ﷺ : (يا عباس! إنكم خاصمتم فخصمتم، افد نفسك وابن أخي) وأخذ منه المال رغماً عنه، ولو كان يعامل معاملة المسلم لحرم دمه وماله، فتبين بذلك أن من خرج محارباً للمسلمين تحت راية الكافرين فإنه يكون مرتداً، وعليه كل أحكام المرتد.

стр. 427

كيفية معاملة المنافقين في الدنيا قال الله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٨٨ - ٨٩]، نزلت هذه الآيات في أناس من أهل مكة كانوا قد تكلموا بالإسلام وخرجوا في طلب حاجة لهم، وكانوا يظاهرون عدو المسلمين عليهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد ﷺ فليس علينا منهم بأس؛ لأنهم يظهرون الإسلام، ولكنهم في نفس الوقت يظاهرون عدو المسلمين من قريش، فقال بعض الصحابة: انطلقوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت طائفة: سبحان الله! كيف تقتلون قوماً قد تكلموا بما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم وأموالهم؟! فأنزل الله : ((فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ)) أي: كيف تختلفون فيهم؟ فإنه لا يجوز الاختلاف في هؤلاء، ((فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ))، أي: ردهم إلى رجاسة الاعتقاد والكفر والضلال الذي هم عليه، ثم حكم الله عليهم بحكم الكفر مع حكم النفاق، وذلك أن المنافق إذا أظهر نفاقه يختلف عما إذا كتمه، فهو إذا كتم نفاقه يحاسب به في الآخرة، وليس لنا إلا الظاهر من الأعمال والأقوال، وأما إذا أظهر نفاقه بمظاهرة ومعاونة ومناصرة عدو المسلمين عليهم؛ فإنه بذلك أظهر كفره، ولذا قال: ((وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ))، أتريدون أن تحكموا بهداية من أضله الله وجعل نهايته العذاب والعياذ بالله؟! ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٨ - ٨٩]. فهم يودون لو ترك المسلمون الإسلام وإن زعموا أنهم لا يريدون ذلك، لكنها الحقيقة، ولولا أنهم يخافون من أن يهيج الملايين من المسلمين لصرحوا بذلك، فهم يريدون أن يترك المسلمون الدين الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، ويريدون منهم أن يكتفوا بمجرد الاسم دون الحقيقة ودون التطبيق والعمل، ويريدون أن يبقى الإسلام مجرد اسم ينتسب إليه الناس. والله إن أناساً لم يكن عندهم من الإسلام إلا مجرد الاسم، ومع ذلك قتل منهم مئات الألوف في أقطار متعددة من الأرض، كما وقع في بلاد متعددة في المشارق والمغارب، ووقع ذلك بالأمس القريب في التركستان في الحكم الشيوعي الصيني، ووقع قريباً في البوسنة والهرسك، وفي غير ذلك من المواطن، ولم يكن معهم إلا مجرد الاسم، ولم يكن هناك أدنى فهم للإسلام، بل لم يكن صلاة ولا صيام ولا ترك لزنا ولا ترك لشرب خمر، ولا حتى عقيدة إسلامية، ووالله إن بعض من يخبر عن القوم في تلك البلاد يقول كانوا إذا سئلوا: من نبيكم؟ لم يدروا! بل ربما قال أطفالهم: نبينا عيسى، ولا يدرون عن محمد ﷺ شيئاً، ومع ذلك فهم مستهدفون؛ لأنهم يعرفون من الإسلام كلمة لا إله إلا الله، كما قال النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان لا يدرى فيه ما صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكن أقواماً يقولون: وجدنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها). فانظر إلى هذا الأمر لتعرف حقيقة إرادة الكفار، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٩]، وهكذا أيضاً يريد المنافقون أن يكون الناس كلهم في الكفر سواء، فماذا بعد أن بين القرآن ما في قلوبهم؟! وماذا بعد أن بدا ذلك من فلتات ألسنتهم؟! أيمكن بعد ذلك أن يغر مغرور وأن يزعم أنهم لا يريدون حرب الإسلام؟ وأنهم لا يريدون اجتثاث هذا الدين من قلوب أبنائه بل من الأرض كلها؟ لكن الله من ورائهم محيط، قال : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء:٨٩]، فهؤلاء الذين كانوا من أهل مكة لا بد أن يهاجروا إلى المدينة وإلا لم تكن بينكم وبينهم موالاة، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:٨٩]. ولذلك نقول: إن مولاة الكفار إما أن تكون ردة كمن يحب كفرهم، ويحب ظهورهم على الإسلام والمسلمين، أو كمن ينصرهم بالقتال معهم، والخروج في صفهم مقاتلاً للمسلمين، وكذلك بأن يطيعهم في الكفر، أو يتابعهم على الشرك؛ فإن الطاعة في الكفر كفر، والطاعة في المعصية معصية، وإن كان يعتقد أن الطاعة في المعصية واجبة لأجل أمر من أمر بها فهو أيضاً من الكفر والعياذ بالله، وأما إذا كانت المتابعة والتشبه والطاعة والنصرة بمثل التجسس ونحو ذلك مثلما فعل حاطب بن أبي بلتعة مع مشركي قريش فلا تكون ردة، ولكنها سبب إلى الضلال، وهي درجة من درجات النفاق، لكن ليس الذي يستوجب الكفر الأكبر والقتل كما ظنه عمر؛ ولذا قال عمر ﵁: (يا رسول الله! دعني أضرب عنقه فقد نافق، فقال: دعه يا عمر! فلعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). فالنبي ﵌ بين أن فعل حاطب فعل محرم، ولكنه لا يستوجب الكفر، فمن الموالاة ما هو كفر بذاته، ومنها ما هو سبيل وطريق ووسيلة إلى الكفر، وهو نفاق أصغر وكفر أصغر، وهو أعظم من الكبائر، فإن الكفر الأصغر والشرك الأصغر والنفاق الأصغر أشد من الكبائر التي هي من جنس الشهوات مثل شرب الخمر والزنا ونحو ذلك من الفواحش، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، فهذه صفات بينة يجب أن تكون في كل مؤمن صادق الإيمان ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، نسأل الله أن يجعلنا ممن يتفضل علينا بفضله وهو الواسع والعليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 428

وجوب موالاة حزب الله ومعاداة حزب الشيطان الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: قال : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٤ - ٥٥]، (إنما) أسلوب قصر وحصر للولاية، فلا يجوز نصرة وطاعة ومتابعة الكفار، ولا التحالف والتعاضد والتعاون إلا مع من وصفهم الله ؛ لأن أغراض هؤلاء معلومة وهي طلب الجنة، وأغراض من خالفهم معلومة ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]، فالله إرادته الشرعية بينة في إعلاء كلمته سبحانه، وكذا يكون الأمر كوناً، فكلمة الله هي العليا في عاقبة الأمر، فلا بد أن يظهر الدين، ويعلو الإسلام، وقال رسول الله ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)، فيحصل الذل بمخالفة سنة رسول الله ﷺ وأمره (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري)، فيفهم من ذلك: أن العز يحصل لمن أطاعه وآمن به واتبعه، قال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، فلا بد أن يبور مكرهم ويضل سعيهم ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، ولا بد أن يخطئوا الهدف، وألا يحققوا مقصدهم؛ لأنهم يريدون مقصداً مستحيل التحقيق ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة:٣٢]، فهل تطفأ الشمس بأفواه النافخين؟ كلا، فنور الله أعظم من نور الشمس، وحاجة الناس إلى دين الله أعظم من حاجتهم إلى الشمس بل وأعظم من حاجتهم إلى الهواء والماء؛ فلذا يستحيل أن يطفئ هذا النور؛ لأن الله هو الرحمن الرحيم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩]، فرحمته بعباده تقتضي ألا يضيع الحق من الأرض بالكلية، وعزته تقتضي ألا يترك الجبارين المتكبرين الطغاة بل ينتقم منهم ويقصمهم ويريهم من المؤمنين ما كانوا يحذرون بعزته وقدرته وعظمته ووحدانيته، فهو الملك الحق المقتدر الذي لا قوة إلا به القوي العزيز ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]، فهذه صفات بينة واضحة لا تحتمل لبساً لمن يتحالف ويتعاون ويتعاضد ويوالي أهل الإيمان، فلا بد على أهل الإيمان أن يتصفوا بهذه الصفات، كما قال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. فهل بعد بيان هذه الصفات من شك في أعضاء هذا الحزب الغالب لا يوجد شبهة التباس في ذلك، فلا بد أن يتولى المؤمن من يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، ويحققون التوحيد والإيمان، ويدعون إلى الله ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا الذين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧]، فلا بد أن يكون المؤمن الذي تواليه عابداً لله، مؤدياً حق الله فيما بينه وبينه بإقامة الصلاة، وفيما بينه وبين الناس بإيتاء الزكاة، وفي الجملة التزامه بالطاعة ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١] أي: التزام بالكتاب والتزام بالسنة ﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] أي: في الدنيا والآخرة، كما وعدهم الله بالنصر في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]. نسأل الله أن يجعلنا من حزبه الغالبين، وأن يعلي بفضله كلمة الحق والدين، وأن ينصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يحفظهم في كل مكان. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين في فلسطين والشيشان وأفغانستان، اللهم انصر المسلمين في كل مكان. اللهم عليك باليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلا، اللهم لا تجعل لهم على أحد من المسلمين سبيلاً. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين! (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]!

стр. 429

ليس لك من الأمر شيء إن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق كل شيء في هذا الوجود، هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة والأمر والنهي. والله سبحانه هو المالك والمتصرف في هذا الكون حقاً، فلا يجوز للعبد أن يدعو غيره، أو أن يخاف من أحدٍ سواه؛ لأن كل ما سوى الله مخلوق لا يملك لنفسه من الأمر شيء، فضلاً عن أن يملك ذلك لغيره.

стр. 430

معاني الربوبية إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: (فاللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد ﵌ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) هذا الدعاء الذي كان يستفتح به النبي ﵌ صلاته بالليل، والذي هو معجزة من معجزاته الباهرة ﷺ ، وهو مما خصه الله به عن الأنبياء؛ إذ قال ﵊ فيما أوتيه ولم يؤته أحد قبله: (وأوتيت جوامع الكلم)، وهذا من جوامع كلمه ﵊ الذي بين فيه أسس التوحيد، ومعاني الإيمان، وأسس السلوك والأخلاق السوية التي بها يصلح الإنسان، والتي إذا طبقها في حياته سعد سعادة الدنيا والآخرة. قوله ﵊: (ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن)، فيه تحقيق توحيد الربوبية في نفس العبد، وأن يشهد الإنسان أن الله الذي له الحمد على كمال أسمائه وصفاته، وكمال ربوبيته وألوهيته، وعلى عظيم نعمه على خلقه، فهو رب السموات والأرض ومن فيهن، فلا يشاركه في ربوبيته مخلوق، ولا نصيب لأحد دونه في شيء من معاني الربوبية.

стр. 431

الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر لكل ما في هذا الكون المعنى الأول من معاني الربوبية: أن الله هو الخالق الرازق والمدبر لكل ما في هذا الكون، وهذا المعنى يجب على العبد أن يبتدئ به فاتحة صلاته حين يقرأ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، فهو رب هذا العالم، والرب بمعنى: المصلح الذي يرب غيره، أي: يقوم عليه بالإصلاح، وربوبية الله للخلق جميعاً لا تشبهها ولا تدانيها ربوبية غيره، ذلك أنه تفرد بخلقهم ورزقهم وضرهم ونفعهم، وهو وحده الذي يفعل ذلك بالصلاح الذي لا فساد فيه، وقد قدر وجود أنواع من المفاسد فيما خلق، لكنه جعل وراءها من المصالح والحكم والغايات المحمودة ما تضمحل معها تلك المفاسد كفعل من أفعاله ، فلا يوصف في شيء من أسمائه أو صفاته أو أفعاله بالفساد أو الشر، فالخير كله في يديه، والشر ليس إليه، وإنما يخلق الشر للخير، فالصلاح الذي يقع في العالم بسبب وجود بعض أنواع المخلوقات التي فيها من الشر أضعاف مضاعفة عن الشر الذي فيها، فإذا علمنا أن هذا الخير وهذه المصالح لا يمكن أن تحصل إلا بوجود هذه المخلوقات التي فيها شر لأدركنا أنه المصلح لشأن خلقه جميعاً بما لا يشبهه إصلاح غيره. فالصلاح في هذا الكون لا يلزم أن يكون خاصاً بعبد بعينه، وإنما يكون في المجموع، فالله يفعل الخير، ويخلق الخير والشر، يخلق الشر لما يترتب عليه من أنواع المصالح والحكم والخير العظيم الذي لا يحصل إلا بوجود الشر، فهو رب العالمين الذي يصلحهم، ولذا كان آخر ما يقع في قلوب الخلق وعلى ألسنتهم: الحمد الله رب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٥]. قالها المؤمنون بألسنتهم وقلوبهم، شاهدين فضل الله عليهم، وأما الكفار فقد وقع في قلوبهم ذلك الحمد رغماً عنهم لا يملكون غير ذلك؛ لأنهم رأوا من المصالح والحكم والخير الذي لم ينالوا منه بسبب إعراضهم عن أمر ربهم ، ما جعلهم يدخلون النار حين دخلوها، كما قال الحسن: إن أهل النار دخلوا النار، وإن حمد الله لفي قلوبهم لا يملكون غير ذلك، وإن كانوا لا يحمدونه على أنه أنعم عليهم، ولكن يحمدونه على كمال عدله، وكمال حكمته وقدرته وعزته ، ولا يملكون أن يصفوا ربهم بنقص أو فساد، فهو رب العالمين الذي خلق الخلق وقدر مقاديرهم، وهو الذي رزقهم وأعطاهم ومنعهم، وهو الذي خفض ورفع، وأعز وأذل، وجعل من وراء ما يقدر من الآلام والشرور حكماً ومصالح تعجز قدرة العباد عن إدراكها والإحاطة بها. فهو المتفرد بالخلق والرزق والتدبير ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، وهذا هو معنى قيام السموات والأرض الذي ذكر في الدعاء الشريف.

стр. 432

الله مالك السماوات والأرض ومن فيهن المعنى الثاني من معاني الربوبية: أنه مالك من في السموات ومن في الأرض، فهو المالك لكل ذرات هذا الكون وما فوق هذه الذرات، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. وهذا المعنى من أوضح المعاني وأجلها عند التأمل والتدبر في هذا الكون، فالخلق كلهم لا يملكون شيئاً، وتأمل لحظات الإنسان وهو في بداية نشأته كيف كان عدماً محضاً، كما قال النبي ﷺ (كان الله ولم يكن شيء غيره)، ثم وجد بعد ذلك كروح بعيدة عن الجسد، ثم أذن الله في وقت معين أن تدخل هذه الروح إلى هذا الجسد، وقدر أن يوهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد واليد والرجل، وسائر الحواس التي صار بها في ظاهر الأمر وفيما يبدو للناس يأمر وينهى، ويملك مالاً، وأرضاً وداراً، ويملك أن يعطي ويمنع، والحق أن ذلك كله عارية مستردة. وتأمل فقه أم سليم رضي الله تعالى عنها وهي تقول لزوجها أبي طلحة وقد قبض ابنها، وهي أمه التي مات على يديها، تقول له: يا (أبا طلحة! أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت ثم أرادوا أخذ عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك) فأنت أيها الإنسان عارية مستردة، فسمعك وبصرك، وكل ما في يدك من مال، أو ما تحت تصرفك من قوة وجاه وسلطان، وما أعطاك الله من أهل ومنزلة وغير ذلك كله عارية مستردة لا تملكه ملكاً حقيقياً، بل أنت فقير من كل جهة من جهاتك، فتذكر البداية وتذكر النهاية؛ لتعلم أن الله هو المالك الحق، وأنه هو الغني الحميد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]. إن الله مالك يوم الدين، وهو مالك كل الأيام، ولكن يوم الدين يظهر فيه ملكه بلا منازع ولا معارض، ولا يدعي أحد مع الله ملكاً يوم القيامة لا اسماً ولا صفة، لا على سبيل العارية المستردة ولا على سبيل الحقيقة، ولا تخدع أحدٌ نفسه يوم القيامة حتى يتسمى بالمالك أو بالملك، وينادي ربنا : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ) [غافر:١٦]، فيجيب نفسه : ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، فهو المالك الحق لكل ما في هذا الوجود، وهذا يقتضي شهود فقر العباد وعجزهم، وعدم طلب شيء من أيديهم، كما قال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، والقطمير: هو الغلافة الرقيقة التي على نواة البلحة، هذه الغلافة الرقيقة لا يملكها أحد من دونه ، فكيف يدعى أحد من دونه؟ وكيف يسأل؟ ولذا كان أصل سؤال الخلق ممنوعاً منه، ولا يجوز فيما يقدرون عليه مما خولهم الله وأعطاهم إلا للضرورة، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال المسألة بأحدهم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم). وقال النبي ﷺ (يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع، وما سوى ذلك فسحتاً يأكلها صاحبها). فلا يجوز سؤال الناس إلا للضرورة، بل رغب النبي ﷺ طائفة خاصة من أصحابه ألا يسألوا الناس شيئاً على الإطلاق، وأسر ذلك، فبايعهم على كلمة أخفاها وهي: ألا يسألوا الناس شيئاً. وكانوا قلة من أصحابه، فكان أحدهم ربما سقط السوط من يده فينزل من على بعيره ويأخذ سوطه حتى لا يقول لأحد ناولنيه، فلا يسأل الناس شيئاً على الإطلاق وذلك من كمال التوحيد الأفضل والأعلى فلا يحتاج إلى أحد، ولا يتعلق قلبه ولا لسانه بشيء من الخلق، بل ينزل حاجته بالله ، وقد يقدر الله على عبده المؤمن ما تنقطع به الأسباب حتى يفرد ربه بشهود ملكه، وبالسؤال، والتضرع، وطلب كل حاجته منه ؛ لأنه ربما لا يحقق كمال التوحيد مع وجود الأسباب، وأكثر الخلق إذا وجدت الأسباب ظنوا لمن بيده هذه الأسباب نوعاً من الملك؛ فتعلقت قلوبهم به، فسألوه أو طلبوا منه أو رجوه أو خافوه، فعند ذلك يقع النقص في قلوبهم من جهة هذا المعنى من معاني توحيد الربوبية، وعندها يقدر الله لمن شاء من عباده أن يقطع عنهم الأسباب، وإن كان ذلك مكروهاً لهم، أو كان فيما يبدو لهم تضييقاً وتعسيراً عليهم، وهو في الحقيقة فتحاً لأبواب الخيرات لهم، فحين تيأس قلوبهم من الخلق جميعاً ومن أنفسهم، عند ذلك لا يكون لهم ملجأ إلا إلى الله، وهذا أمر مشهود معلوم يقدره الله كدليل على وحدانيته ليظهره حتى للمشركين قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧]، فكثير من الناس يعرض في وقت الرخاء، وفي وقت الشدة عندما تنقطع الأسباب يشهد حقيقة أن الله هو المالك الحق . وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]، فتأمل كيف قرن بين الخوف والرجاء، وبين شهود أن أحداً لا يملك كشف الضر ولا تحويلا، فشهود الملك لله يجعل العبد محباً خائفاً راجياً يبتغي إلى ربه القربة، ويبتغي رضوانه وفضله، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه لأنه المالك الحق. وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، وهذا في حق من يعبد الملائكة الذين هم عباد مكرمون عند الله ، فقد ظن المشركون أن لهم شفاعة يملكونها عند الله ، فأخبر بأنهم لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فنفى الملك المستقل، فربما ظن البعض أن له شريكاً، فقال: ((وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ))، فما من ذرة من ذرات هذا الكون إلا والله يملكها كلها، لا يشركه في ذرة منها أحد من المخلوقين، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي صالح، ولا شيطان رجيم، أو عدو لله ولأوليائه، ولا يملكها من هو دون ذلك كالمخلوقات المسخرة من شمس وقمر، أو من حجر وشجر، إذ عدم ملكهم ظاهر لكل عاقل يرى تحرك هذه الأشياء في الكون، ويرى عجزها وفقرها، وأنها مسخرة مدبرة يفعل الله فيها ما يشاء، وإنما الذي يمكن أن ينسب إلى نفسه ملكاً هو الإنسان، وكذا الجن ربما ظنوا أن لهم ملكاً فكان النفي عنهم. فنفى الله الملك المستقل، ونفي المشاركة، ونفى المعاونة عن كل أحد يدعى من دون الله من ملك أو نبي أو ولي فضلاً عمن دونه؛ لأنه ربما ظن البعض أنهم لا يملكون على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الشركة، ولكن معاونة، وهذا فيما يتعلق بالملائكة كثير، فقد يعتقد كثير من الناس أن الملائكة تعاون الله على تدبير الأمر، وليس الأمر كذلك قطعاً، قال : ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ))، بل هم ينفذون أوامر الله بما أعطاهم من القدرة، فقدرتهم وقوتهم وعلمهم إنما هو هبة منه، وهو المالك لذلك . ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]، فالله سبحانه هو الذي جعل الملائكة يعملون الأعمال التي كلفهم بها بقدرته، فأعطاهم ما بأيديهم من قوة، فمن جعله ذا قوة مكيناً عنده إنما هو محض فضله وعطائه، وهو المالك لذلك كله. ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فلله ما بين أيديهم وما خلفهم، وله ما أعطاهم من أنواع القوة والقدرة، فهم لا يعاونون الله ولا يحتاج إلى معونتهم، فهو وحده المستعان، وهو الذي يعين عباده بما شاء، ويوفقهم ويقدرهم ويقويهم على ما شاء من أفعالهم.

стр. 433

ملك الله للشفاعة لم يبق بعد هذه الأنواع الثلاثة -الملك المستقل، والشركة، والمعاونة- إلا الشفاعة؛ فأثبت الله الشفاعة الشرعية ونفى الشفاعة الشركية، فقال: ((وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ))، فلا يملك أحدٌ الشفاعة، إنما الشفاعة جميعاً له سبحانه كما قال : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فهو سبحانه له ملك السموات والأرض، وتأمل الاقتران بين ملك الشفاعة وملك السموات والأرض، فهو وحده الذي يملك الشفاعة؛ ولذلك لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والشفاعة دعاء وتضرع إلى الله سبحانه من الشافع، حتى يضم طلبه إلى طلب المشفوع فيه ليكون طلباً شفعاً -أي: زوجاً- وذلك ليقضي الله ما يشاء، وهو لا يبدأ عنده بالشفاعة حتى يأذن كما أخبر النبي ﷺ ، وهو الذي علم في الدنيا قبل الآخرة أنه الذي أُعطي الشفاعة، وذلك عندما يذهب إليه الناس يوم القيامة، فيقولون له: (اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول النبي ﷺ : أنا لها أنا لها)، ومن دونه من الأنبياء لم يعلموا أن لهم الشفاعة فلذلك لم يسألوها ابتداء، وإنما قال كل منهم: نفسي نفسي، وهم أولو العزم من الرسل الذين أفنوا أعمارهم في طاعة الله ومرضاته، ومع ذلك هابوا وخافوا أن يسألوا ربهم في ذلك الموقف غير أنفسهم. وأما محمد ﷺ فلأن الله أوحى إليه أن له الشفاعة، وأنه لها، قال: (أنا لها، فيأتي فيدخل على ربه في داره) أي: وهو سبحانه فوق عرشه الذي هو سقف لجنته، وجميع المخلوقات تحته، قال (فآتي فإذا رأيته خررت له ساجداً قدر جمعة) أو كما قال ﷺ ، ويفتح الله عليه من حسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحدٍ قبله، وقال في حديث آخر: (لا أستطيعه الآن، ثم يأذن له الله أن يرفع رأسه، ويقول له: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع) أو كما قال ﷺ ، فعند ذلك يدعو النبي ﷺ لأهل الإخلاص والتوحيد من أمته بالنجاة، كما قال النبي ﷺ لما سأله أبو هريرة ﵁: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، فالنبي ﷺ أخبر أنه إنما ينتفع بشفاعته أهل الإخلاص، ثم يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون في من لا يشرك بالله شيئاً، فيخرجونهم من النار بأمر الله ، ثم يعود النبي ﷺ في المرة الرابعة فيقول: (يا رب! ائذن لي في من قال لا إله إلا الله، فيقول الله : ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله). إن الله جعل النبي ﷺ سبباً لنجاة الخلق من أهوال القيامة، ثم في دخولهم الجنة، ثم في نجاتهم من على الصراط، ثم في خروج أقوام منهم من النار بعد أن احترقوا فيها، ثم يطلب من ربه أن يرحم من قال: لا إله إلا الله ولم يعمل خيراً قط؛ فيخبره الله أن ذلك ليس له، ولكنه سوف يفعل ذلك حتى لا يبقى في النار إلا من حبسه القرآن، أي: من وجب عليه الخلود بموته على الشرك بعد بلوغ الحجة، فدل هذه كله على أن الشفاعة مملوكة لله ، وهذه الآيات الكريمة دالة على ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣]، هي التي قال عنها أهل العلم: إنها تقطع فروع الشرك من القلب لكمال التعلق بالله ، ودليل هذا الأمر خوف الملائكة من الله ((حَتَّى إِذَا فُزِّعَ)) أي: حتى إذا زال الفزع الذي أصاب قلوبهم؛ بسبب سماعهم كلام الرب سبحانه، فخافوا أن يكون نزل أمر فيه هلاك العالم، فعند ذلك يخرون لله سجداً، ويكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيوحي الله إليه من أمره ما شاء، وينزل بأمر الله إلى السموات ومن فيهن من الملائكة، فيقولون وقد رفعوا رءوسهم لما زال الفزع عن قلوبهم: ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول: ((الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ))، فيقولون كلهم مثل قول جبريل: ((الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ))، فهذا كله دليل على أن الله وحده هو المالك لكل ما في هذا الوجود، ولا يملك أحد دونه شيئاً، حتى على سبيل الشفاعة فإنها مملوكة له لا يملكها الشافعون، فهو الذي يأذن لأهل التوحيد والإخلاص -لمن شاء منهم- أن يشفعوا في أهل التوحيد والإخلاص، ولا يشفعوا في أهل الشرك، ولا تنفع المشركين شفاعة الشافعين، وهو الذي يأذن للشافعين ليغفر للمشفوعين عن طريق دعاء الشافع، لينال الشافع بذلك المقام العالي، وليعلي قدره، ويري الناس منزلته. وأعلى الناس في ذلك محمد ﷺ ، يقول الله له في محكم كتابه: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) وذلك أن النبي ﷺ دعا على من شجوه في وجهه، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله، فاستبعد هدايتهم وفلاحهم، فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله ؟!) ودعا على أعيان منهم شهراً، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] فتاب الله على من سماهم النبي ﷺ في دعائه جميعاً، فهداهم إلى الإسلام، ومن دعا لهم بالمغفرة وحرص على هدايتهم فإن بعضهم لم يقبل فيه ذلك، كـ أبي طالب فإنه قال: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه)، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]، ولما أراد النبي ﷺ أن يزور قبر أمه استأذن ربه في ذلك فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فلم يأذن له. فالله هو مالك السموات والأرض ومن فيهن، وهذا كله يجعل العبد لا يسأل ولا يتعلق قلبه بغير الله ، ولا يرى لنفسه ملكاً ولا حقاً، بل يرى نفسه مملوكاً من كل وجه، ويجب أن يتصرف -فيما أعطاه الله من سمع وبصر ويد ورجل وبطن وفرج ومال وأهل، وغير ذلك من أنواع التصرف والتمكين والسلطان- يتصرف فيه تصرف العبد المملوك لا تصرف المالك الحر، ولذلك فإن قضية الحرية لا بد أن توضع في نصابها، فالحرية إنما تكون بين العباد بعضهم بعضاً بما شرع الله ، أما أن تطلق قضية الحرية ويقال: إن الناس أحرار حتى مع أوامر الله وشرعه، فيأتون ما يريدون ويتركون ما لا يريدون، فهذه منابذة للربوبية، ومنازعة لله في أخص معنى من معاني الربوبية وهو معنى الملك، فالله هو الملك الحق، وهو المالك الحق، فمن زعم أنه يملك نفسه، وأنه يفعل ما يشاء دون أن يرجع إلى أمر الله وشرعه، فهو ينازع الله في ربوبيته، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد أن لا رب إلا الله، بل زعم أنه رب مع الله، وإذا زعم أن له على غيره من الخلق ذلك، وأنه حر يفعل فيهم ما يشاء دون أن يراجع، فهو منازع لله في الربوبية وشقيق لفرعون وإبليس اللذين زعما أنهما أرباب بلسان الحال أو المقال. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 434

الله رب السماوات والأرض ومن فيهن الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: المعنى الثالث من معاني الربوبية: أن الله رب السموات والأرض ومن فيهن، وهذا مذكور في قوله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، فكما كان المعنى الأول: الخلق والرزق والتدبير -وهو كما ذكرنا بمعنى الإصلاح الذي يربِّ الشيء، أي: يصلحه- مذكور في قوله: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ)) فكذا كان المعنى الثالث مذكور في هذه الآية، وهو: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ))، فلله الأمر وحده لا شريك له، وهو الذي له الأمر كوناً، وهذا أمر لا ينازع فيه عاقل، وإن كان أكثر الناس في غفلة عن أن الله إذا أمر بشيء كان ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فهذه أوامره سبحانه نافذة في أقطار العوالم السفلية والعلوية، يحيي ويميت، يسعد ويشقي، يمن على من يشاء ويمنع من يشاء، يأمر بما يشاء في من يشاء، وهذا وإن أقر به أكثر الناس لساناً إلا أنهم ينازعون فيه حالاً وسلوكاً وعملاً، وذلك حين ينازعون الله سبحانه في أوامره. وأما المعنى الثاني من هذا فهو: الأمر الشرعي، فالله له الأمر شرعاً، وهذا ما يجب أن يعتقده كل مؤمن، وهو أنه لا يأمر ولا يشرع لخلق الله جميعاً إلا الله ، فهو الذي شرع ما شاء، قال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فمن ادعى أن لأحد أن يشرع من دون الله أو مع الله شيئاً لنفسه أو لغيره، فقد نازع الله في أمره، وادعى مع الله شريكاً، كما أن الذي يرى نفسه حراً مع أوامر الله فقد نازع الله في ملكه، فالذي ينازع الله سبحانه في أمر التشريع والتحليل والتحريم، والأمر والنهي يعتبر منازعاً لله في ربوبيته، كما قال عن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، دلت الآية على أنهم عبدوهم لما اتخذوهم آلهة مع كونهم اتخذوهم أرباباً؛ ولذا قال: ((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا))، ودل الحديث على أنهم عبدوهم باعتقاد أن لهم حق تبديل الشرع، وأنهم يطاعون في ذلك فأطاعوهم، فقد جاء في الحديث أن عدي بن حاتم دخل على رسول الله ﷺ ولم يسلم بعد، وعلى عدي صليب من فضة، فأمره النبي ﷺ (أن يلقي هذا الوثن عنه، وسمعه يقرأ قوله : ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)) [التوبة:٣١]، فقال: إنا لسنا نعبدهم، قال: ألم يحرموا الحلال، ويحللوا الحرام فاتبعتموهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم)، وقد ورد هذا المعنى عن غير واحد من السلف في تفسير هذه الآية الكريمة، فهم لم يعتقدوا أن الأحبار والرهبان خلقوا ورزقوا ودبروا الأمر، ولم يعتقدوا أنهم يملكونهم ملك الرقيق، وإنما اتبعوهم واعتقدوا أن لهم أولاً حق التشريع، وأن لهم أن يبدلوا ويحللوا ويحرموا، بل لهم أن يبدلوا العقائد، فتارة يجتمعون فيقررون أن الله ثالث ثلاثة، وتارة يقررون أن اليهود هم الذين قتلوا المسيح، وتارة أنهم لم يقتلوه، وهكذا اعتقدوا أن لهم حق تبديل العقائد والتشريعات، فكان ذلك من الشرك في الربوبية، ولما اتبعوهم على ذلك كان شركاً في العبادة والألوهية. ولذا يصر أهل الإيمان على اختلاف الأزمان أن الله وحده هو الحكم العدل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]. فحين يشهد العبد ويقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) ويقول: اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، يستشعر هذا المعنى ضمن معاني الربوبية، ويرى حقاً لله عليه، وهو: أن يقبل شرعه وأمره، فله الخلق وله الأمر، ومن جعل مع الله شريكاً في الخلق، أو الرزق أو التدبير، أو الضر أو النفع فهو مشرك، ومن جعل مع الله شريكاً في الأمر فهو أيضاً مشرك، وكذلك من جعل مع الله شريكاً في الملك؛ يملك مع الله أو يملك الشفاعة على الله كان مشركاً، وهذه الأمور من أوضح ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولا بد أن يتحرر الإنسان من رق هذا الشرك بأنواعه المختلفة حتى يتحقق توحيده لله، وكل معنى من معاني الربوبية الثلاثة يترتب عليه أنواع من العبودية لله ، وذلك بطريق التلازم الذي لا ينفك، فإذا شهد العبد أن الله هو الخالق الرازق المدبر، وأنه سبحانه الذي يملك الضر والنفع وحده لا شريك له، فكيف يطلب من غيره شيئاً من ذلك؟! وكيف يجعل مع الله آلهة أخرى؟! لذا قال : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٥٩ - ٦٠]، فاستدل بخلقه للسموات والأرض على وجوب افرده بالإلهية وحده لا شريك له. فكذلك من كان يعتقد أن مع الله من يملك ويتصرف تصرف المالك فهو مشرك، فالمؤمن يرى أن الله وحده هو الملك، فيتعبد لله بذلك، فيرى ما بيده مما أعطاه الله أمراً لا يملكه، ولا يرى لنفسه أمراً مع أوامر الله التي بلغتها رسل الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فهو يتصرف كتصرف العبد المملوك في ماله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فما بيدك من مال وأهل وولد وسلطان تتصرف فيه تصرف العبد المملوك لله سبحانه، وترجع إلى شرعه وتقبل أوامره ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وهذه الأمور لا بد أن يشهدها العبد، ولا بد أن يستحضر معانيها في قلبه، ويفرد الله في كل عبادة، فيكون قوله: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) قولاً صادقاً خالصاً لله ، صدر من قلب محب له ، خاضع له، شاهد لربوبيته، متعبد له بإلهيته، فيكون مقبولاً عنده . وهكذا يتحقق معنى توحيد الربوبية في قلب العبد المؤمن إذا شهد هذه المعاني، وتعبد لله بها، فنسأله أن يجعلنا مع عباده المخلصين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم أنزل بالكفرين والمنافقين والظالمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً. اللهم فرج كرب المكروبين من المسلمين في كل مكان، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلك سخائم صدورنا. اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا. اللهم نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفذ، وقرة عين لا تنقطع، وبرد العيش بعد الموت، والرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

стр. 435

ليلة القدر والعشر الأواخر من نعم الله على العباد أن جعل لهم محطاتٍ إيمانية يتزودون منها ما يعينهم على السير إلى رب العالمين، ومن تلك المحطات المباركة شهر رمضان، فشرع الله لعباده فيه الصيام والقيام، ثم زاد امتناناً عليهم بليلة القدر التي يفوق فضلها وخيرها ثلاثاً وثمانين سنة، وهذا من فضل الله العميم، ومن فيض خزائنه التي لا تنفد، فلم يبق بعد هذا الفضل لمتكاسلٍ عذر أمام ربه، وقد فتح أبواب كرمه وفضله لهم. فينبغي الإكثار من قراءة القرآن وتدبره، خاصةً في رمضان؛ لكونه شهر القرآن وفيه أنزل، وكذا لابد أن تعظم حرمات الله فيه أعظم من غيره.

стр. 436

فضل ليلة القدر إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]. وقال الله : ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان:١ - ٦]. لقد أنزل الله القرآن في شهر رمضان، أنزله في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في ثلاث وعشرين سنة مفرقاً على قلب رسول الله ﵌، وكان يتنزل على حسب الوقائع التي وقعت، فكان إنزال القرآن في شهر رمضان علامة ودليلاً على اصطفاء الله لهذا الشهر، وكان نزوله في ليلة القدر دلالة أيضاً على فضيلة هذه الليلة، قال الله : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:١ - ٥]. وقد سميت ليلة القدر بذلك لشرف قدرها، ولأنه تقدر فيها مقادير السنة، فانظروا عباد الله إلى شرف هذه الليلة التي جعل الله العبادة فيها تعادل ما يربوا على ثلاث وثمانين سنة، وكم عمر الواحد منا؟ سرعان ما تمر الأيام، والشهور، فها هو رمضان قد بقي منه أيام وينقضي، نسأل الله أن يجعلنا ممن قام وصام رمضان إيماناً واحتساباً فغفر له، ونسأله أن يوفقنا لقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، وأن يغفر لنا إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 437

اجتهاد النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان إن العمر يمر كما تمر هذه الأيام والشهور، ولا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح، وهذه أيام مباركات، وليال فاضلات ولذا جعل الله العبادة فيها أعظم من العبادة في غيرها، وشرع رسول الله ﷺ الاجتهاد في القيام والذكر في هذه الليالي المباركات كلها، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر -أي: الأواخر من رمضان- أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر، وذلك كناية عن اعتزال النساء وعدم معاشرتهن تفرغاً للعبادة. وكان من عادته ﷺ أنه يقوم وينام، أي: ينام بعض الليل، وفي هذه الليالي -أي: العشر الأواخر من رمضان- كان يحيي ليله كله. وكان ﷺ لا يأمر بإيقاظ أهله في ليالي رمضان سوى العشر، بل كان يرغبهم في ذلك كما مر على علي وفاطمة ليلاً فقال: (ألا تصليان؟)، وقال ليلة: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ ماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)، يقصد بصواحب الحجرات: أزواجه ﵌ ورضي عنهن. فقوله: (من يوقظ صواحب الحجرات) هذا فيه ترغيب في القيام وإحياء الليل بالذكر من غير حث شديد، وإنما كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان؛ حتى يحيين الليل بالقيام والذكر ونحوه، فهذه الليالي الفاضلة أولها ليلة الحادي والعشرين، وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم أنها كانت في إحدى السنوات هي ليلة القدر، وذلك أن النبي ﷺ كان قد اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط من رمضان طلباً لليلة القدر، ثم أري ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فخرج في صبيحة يوم عشرين، فقال: (من كان اعتكف معي العشر الأوسط فليعتكف العشر الأواخر؛ فإني أريت ليلة القدر في العشر الأواخر)، وكذا ورد عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما يدل على أنها في العشر الأواخر. وفي هذا الحديث قال النبي ﷺ : (وإني أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين) أي: مطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد مصنوعاً من جذوع النخل ومسقوفاً بجذوعه كذلك، فوكف المسجد، أي: نزل المطر على أرضه، فأصبح النبي ﷺ في صلاة الفجر وقد سجد في ماء وطين، وظهر أثر الطين على وجهه وأنفه ﵊، وهذه كانت في سنة ثانية في ليلة الثالث والعشرين، رأى نفس الرؤيا ﵊. وثبت أيضاً عند الترمذي وصححه أن رسول الله ﷺ قال: (وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)، فكانت ليلة القدر التي هي ليلة إنزال القرآن كانت ليلة أربع وعشرين، وهي أول السبع الأواخر.

стр. 438

أرجى ما تكون فيه ليلة القدر وثبت من حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ : أمرهم أن يقوموا ليلة السابع والعشرين، وأخبرهم أن الشمس تخرج في صبيحتها بيضاء نقية لا شعاع لها). والذي يظهر من مجموع الأدلة أن ليلة القدر تنتقل في ليالي العشر الأواخر من رمضان، فإذا كانت الليالي ليالي الأوتار فهي أرجى، وإن كانت الليالي ليالي الشفع فهي كذلك ترجى، وذلك أن ليلة الرابع والعشرين هي أول السبع الأواخر؛ فإن ليالي الشفع هي تاسعة تبقى، وخامسة تبقى، وسابعة تبقى، وخامسة تبقى، وثالثة تبقى، أي: من آخر الشهر، فهي أوتار من آخر الشهر، وكل قد رغب فيه، فينبغي أن لا تفرط في هذه الليالي، فكلها ليال فاضلة، وليلة القدر في وسطها كالشمس في وسط النجوم، فاحرص أن لا تضيع منك لحظاتها، فإن الدقيقة الواحدة بشهور طويلة، وأنت مهما قضيت في العبادة لا تقضي أياماً متواصلة، حتى تصل إلى الشهور والسنين؛ فإنما تقوم ساعات معدودة ولابد لك بعد ذلك من راحة، ولابد لك من طعام وشراب، ولابد لك من دخول الخلاء، فلابد أن تقضي أوقاتاً لا تستطيع أن تواصل العبادة فيها، وأنت في الدقيقة الواحدة من ليلة القدر تحصل على عبادة أشهر طويلة، فكيف يليق بك أن تضيع هذا الفضل العظيم؟ فالدقيقة في هذه الليلة المباركة لها قيمة فكيف بالساعة؟ الساعة بعدة سنوات، فمن يضيع ليلة القدر محروم كما قال النبي ﵊ عن رمضان: (فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).

стр. 439

الحكمة من الاعتكاف شرع الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان التماساً لهذه الليلة، وشرع كذلك حتى يعكف القلب على عباد الله ، فإياك أن تحضر ببدنك إلى المسجد وقلبك خارجه، فإياك أن تهتم بجعل الخباء فقط في المسجد وقلبك منفتح على الدنيا ينهل منها ويأكل ويشرب ويرتع مع الراتعين، فإنما جعل الاعتكاف بهذه الصفة وعلى هذه الكيفية؛ لكي يعكف القلب على الله ، لكي يتدبر القرآن، ويحيا بهذا الوحي والروح المنزل من عند الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. والإنسان يحتاج إلى النور؛ ليبصر به وسط الظلمات، خصوصاً في زمن كثرت فيه الفتن وتتكاثر يوماً تلو آخر، وإنما يحتاج الإنسان لحياة القلب لكي يزن الأمور بميزان الإيمان، ولكي يضع الأمور في مواضعها كما وضعها القرآن، ولكي يعظم ما عظمه الله، ويحقر ما حقره، ويعظم ما عظمه ربه ورسول الله ﷺ ، وحتى تصير الأمور عنده كما هي في حقيقتها الشرعية. فما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدنا أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع، فهل تعكف قلوبنا عليها بعد ذلك؟ وهل لنا أن نسعى لإصلاح هذه القلوب حتى تخلص لله ؟ وحتى تصدق مع الله ؛ ليدخل الإيمان فيها، فحينها تصلح أحوالنا ويشع النور ممن علت مرتبته في الإيمان فيضيء قلبه ثم يفيض النور على من حوله، بنصحهم وتهذيبهم وتعليمهم، فإذا بالمجتمع يحصل فيه من أنواع الصلاح، من أنواع الخير ما نعجز عن إصلاحه في سنين بل قرون، وما لا يستطيع الناس أن يحصلوه بدون معاني الإيمان في سنين طوال.

стр. 440

أهمية تدبر القرآن وتذوق معانيه تمر بالأمة أزمات متعددة، كما مرت بها قبل ذلك محن طويلة، وإنما كان الإصلاح بصلاح قلوب طائفة من الأمة، فإذا صلحت ظهرت، فكان حالهم كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)، وإنما يتفاوت الظهور على حسب تفاوت معاني الإيمان في القلوب، وليس فقط على معرفة الألسنة بالكلام، ومعرفة العقول بالقضايا، ولا شك عندنا بأهمية الفهم الدقيق، ولا شك قطعاً في أهمية الكلم الصحيح الطيب، لكن لا ريب أن ذلك كله مرتبط بحال القلب. وانظروا كيف تعلم الصحابة الإيمان، ثم تعلموا القرآن؛ فازدادوا إيماناً بفضل الله ، والقرآن من أعظم أسباب زيادة الإيمان، ومن أعظم أسباب إزالة أمراض القلوب، قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]. وهذا كله يحصل بكثرة تدبر القرآن، والإيمان به حق الإيمان أي: أن تعمل بمحكمه، وتؤمن بمتشابهه، وتصدق أخباره وتستحضرها كأنك تراها، ففيما مضى من الأحداث وأخبار الرسل والصالحين، وأنواع الصراع الذي جرى بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وبين أهل الحق وأهل الباطل عبر شتى وفوائد. ومعنى تستحضره أي: كأنك حاضر فيه، وتستشعر معاني الإيمان التي كانت هي الوقود الذي سار به أهل الإيمان في طريقهم تلك، وكانت هي النور الذي استبصروا به، فرأوا الحق حقاً والباطل باطلاً. كذلك يكون تدبرك للقرآن بأن تستحضر ما تستقبل من أمور الآخرة، من أمر الجنة والنار، وأهوال القيامة، والحساب والميزان والصراط، كما دلت عليه الأدلة من القرآن السنة. وكذلك تتدبر القرآن بأن تستحضر آثار أسماء الله وصفاته، بل هذا هو المقدم على ذلك كله؛ لأنه تحقيق الإيمان بالله ، فتستحضر ربوبيته وملكه لهذا الكون، وأمره النافذ فيه، وتستحضر إلهيته، وأنه هو وحده المستحق للعبادة، وأن كل ما يعبد من دونه باطل، وأن كل عبادة لغيره عناء وشقاء، وتستحضر منة الله عليك ونعمته الظاهرة والباطنة، فبهذا يحصل لك تدبر القرآن، وتزداد معاني الإيمان، لكن هذا يحتاج منك إلى قلة خلطة بالناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وليس ما كان يصنعه النبي ﷺ من احتجار الحصير إلا تقليلاً لهذا الاختلاط، وذلك الذي ينبغي أن تفعله، وكثير من الناس يجعل الاعتكاف موضع عشرة وخلطة! والأمر ليس كذلك؛ لأن الأمر ليس مبنياً على أحوال البدن بقدر ما هو مبني على حال القلب، فاجتهد أن تخلص نيتك لله ، وأن تشغل فكرك بأمره، وأن تشغل اهتمامك بالآخرة وما يكون فيها، وأن تفتش في نفسك، وتجتهد في إصلاح عيوبها، فليس صحيحاً ولا صواباً منك أن تجتهد في أن تأتي المسجد وقلبك قد امتلأ بأنواع الأمراض المختلفة، نعوذ بالله من ذلك. فاجتهد أن تتخلص من هذه الأمراض، وفتش في نفسك هل الحقد والحسد والرياء والسمعة تابعاً فيها؟ وفتش في قلبك عن الغفلة وعن سائر الأمراض، ثم اعمل على التخلص منها فوراً بقدر استطاعتك حتى تلقى الله وقلبك قد تطهر، فتنال من كتاب الله ما تزكو به نفسك. قال عثمان رضي الله تعالى عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله. وقال ربنا : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٩]. ومن وجوه تفسيره: أن الكتاب المكنون هو الذي في السماء ولا يسمه إلا الملائكة المطهرون، ومن وجوه تفسيره -وهو من لوازم تطهير الكتاب وكونه كتاباً كريماً-: أنه لا ينال من نعيمه، ولا يدرك معانيه، ولا يتعظ بما فيه إلا من تطهر قلبه، والوجه الأول هو أصح التفاسير، والثاني تفسير حسن طيب، وهو من لوازم الأول، فلا يمس القرآن إلا من تطهر قلبه، أي: لا يجد حلاوته ولا يذوق طعم الإيمان إلا من تطهر قلبه، فإذا كانت بينك وبين إخوانك شحناء فاعلم أن ذلك من أعظم أسباب بعدك عن لمس معاني كتاب الله، وعن أن تدرك ما فيه. فهذه الملاحاة والخصومة يجب أن تسعى في إزالتها، فلقد خرج النبي ﷺ على أصحابه يوماً وهو يريد أن يخبرهم في سنة من السنوات بليلة القدر أي ليلة هي، فتلاحا رجلان -أي: تجادلا- فرفعت، وعسى أن يكون ذلك خيراً؛ حتى تطلب في الليالي كلها، وكما أن اختلاف مطالع الهلال عند المسلمين في هذا الشهر قد يؤلم البعض، ولكنه عسى أن يكون خيراً؛ فإن الناس يطلبون ليلة القدر في الليالي كلها، فتجد أن ليالي الأوتار عندنا، ليالي أشفاع عند غيرنا وبالعكس، فينبغي أن تهتم بالليالي كلها، وأن تجتهد فيها، واجتنب الملاحاة والخصومة، واجتنب المجادلة ما استطعت إلا ما أمر الله به من الجدال بالتي هي أحسن، الذي شرعه الله لإظهار الحق، وكثير من أنواع الجدال بيننا إنما هو وللأسف ليس بالتي هي أحسن، وإنما يوقع العداوة والبغضاء فينبغي تركه، فاجتهد في إصلاح القلب، وتهذيب النفس وتطهيرها حتى تمس معاني القرآن، وتجد طعمه وحلاوته، والله المستعان، وهو الذي يمن على من شاء من عباده بما شاء من عطائه، وأنت تعبده وتسعين به كما نقول في الصلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فمن استطاع منكم أن يقضي العمر والأجل في طاعةِ الله فليفعل، واعلموا أنكم لن تنالوا ذلك إلا بإعانةٍ من الله وتوفيقه وفضله وجوده، ولن نهتدي إلا أن يهدينا الله، فاللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تبارك وتعاليت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 441

تعظيم حرمات المسلمين الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد: (فقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) ﷺ ، وكان جوده ﵊ على خلق الله مريداً بهم الخير، وهو ﷺ الرحمة المهداة، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. وإذا كان مجرد الملاحاة والمجادلة بين اثنين من أصحاب النبي ﷺ أمراً رفع علم ليلة القدر في تلك السنة بسببه! فكيف إذا ساءت العلاقات بين المسلمين إلى ما هو أشد من ذلك؟ فكيف بانتهاك حرماتهم أو سفك دمائهم؟ فيجب أن نعلم أن الجود على المسلمين ومراعاة حقوقهم من أعظم أسباب الخير، ومن آثار القرب من كتاب الله ، فكلما اقتربت من القرآن كلما ازددت تعظيماً وإكراماً لحقوق المسلمين، اقتداء برسول الله ﷺ في ذلك، وذلك أن القرآن يغني القلب، والله إذا أغنى قلب العبد فاض هذا القلب خيراً وصلاحاً عاماً وخاصاً، وفاض ما يتبعه من البدن الذي هو تابع يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، يفيض منه على من حوله جوداً وعطاءً. إن تعظيم حرمات المسلمين من أعظم الأمور أهمية في هذه الأوقات، ونرى أن انتهاك حرماتهم، وسفك دمائهم من أعظم الأمور خطراً على المسلمين، ولذلك لا يجوز أن يرضى مسلم أبداً بسفك دماء المسلمين، ويغتاظ من سفك الكفار لدماء المسلمين، وكذلك يغيظه ويتألم قلبه إذا فعل ذلك بغير حق من ينتسب إلى الإسلام، وإن كان ذلك لا يصح ولا يجوز أن ينسب إلى الإسلام، أو العمل الإسلامي خاصةً في هذا الشهر الكريم، وقد قال النبي ﷺ : (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، هذا في سائر الأحوال، فكيف بفعله في رمضان؟! وكثير من الناس يستهين بهذا الأمر ولا يعبأ به، ولا يحرك له ساكناً، مع أنه أمر عظيم الخطب، لا يصح أن ينسب إلى العمل الإسلامي بوجه من الوجوه، وإنما ينشر الغرب وعملاؤهم أن المسلمين هم الذين يفعلون ذلك، ومعلوم أنه لا يرضى مسلم بسفك دم أخيه في شهر من الشهور، فضلاً عن هذا الشهر، فضلاً أن يكون ترويعاً للمسلمين في بلادهم التي نسأل الله أن يجعلها آمنة مطمئنة رخاء وكل بلاد المسلمين.

стр. 442

غاية الجهاد في سبيل الله لا يصح أن ينسب سفك الدماء بغير حق إلى الجهاد في سبيل الله؛ فإن ذلك منفصل تماماً عما شرع الله من الجهاد، وإنما شرع الله الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، كما قال النبي ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وليس من ذلك سفك دماء المسلمين بغير حق، ولقد قال ربنا في أسباب كف رسول الله ﷺ وأصحابه عن مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥]، فالله كف رسوله ﷺ المجتبى المصطفى المختار ومن معه من خيرة أهل الأرض، وخيرة من صحب الأنبياء، كفهم عن مكة المكرمة وقد كان فيها أوثان تعبد من دون الله، وقد كان بيت الله الحرام يسيطر عليه المشركون في ذلك الوقت، فكفهم الله تعالى تعظيماً لحرمات الطائفة المؤمنة المستضعفة التي كانت بمكة في ذلك الوقت، كل ذلك لعظيم حرمات المسلمين عند الله .

стр. 443

أقسام الجهاد في سبيل الله شرع الله الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وهذا هو النوع الأول من أنواع الجهاد وهو: جهاد الطلب الذي شرعه الله بقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وقال في الآية الأخرى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] وذلك لأن الأرض أرض الله، والعباد عباده، فيجب أن تعلوهم كلمته، ومن أراد أن يختار الكفر فهذا شأنه، ولكن لا يحق له أن يفرضه على الخلق، ولا أن يعليه على الأرض، فإنها ليست ملكاً له ولا لآبائه. وأما النوع الثاني من أنواع الجهاد: فهو جهاد الدفع، فعندما ينزل العدو ببلاد المسلمين، أو يحتل شيئاً منها، فحينها يصبح الجهاد فرض عين، أما النوع الأول من الجهاد فهو فرض كفاية على أمة الإسلام، وأما النوع الثاني: وهو إذا نزل العدو ببلاد المسلمين: فهذا يتحتم دفعه على أهل المحلة أو البلد التي نزل بها واحتلها، ثم على من بجوارهم على مسافة القصر، ثم من بعدهم يجب عليهم أن يعينوهم، فهذا النوع فرض عين على أهل البلد، وواجب عليهم أن يدفعوا ذلك العدو، وهو فرض كفاية على من بعد من المسلمين عنهم أكثر من مسافة القصر، ومن كان منهم في حقه فرض كفاية فعليه أن يعينهم بما يحتاجون إليه، حتى يدفع ذلك العدو، وتراعى في ذلك مصالح المسلمين وقدواتهم. وكذلك إذا أسر الكفار مسلماً، فإن المسلمين فرض عليهم أن يتعاونوا لتخليصه من الأسر، وفرض عليهم أن يقاتلوا لأجل تحريره إذا غلب على ظنهم تحصيل ذلك، وأما إذا علموا العجز فعليهم أن يصبروا إلى أن يمكنهم الله ، حتى يقويهم الله، وعليهم أن يأخذوا بأسباب القوة.

стр. 444

صورة جهاد الدفع، وإمكانية كل مسلم المشاركة فيه جهاد الدفع هو: الذي افترضه الله على أهل كل بلد نزل بها العدو، وعلى من على مسافة القصر منهم، ومن زاد على مسافة القصر ففرض كفاية عليه، بقدر حاجة أهل البلد المحتل، فهؤلاء فرض عليهم أن يعينوهم، وأن يدفعوا عنهم ما استطاعوا، وأن يعينوهم بما يحتاجونه في دفع أعدائهم، وليس بفرض عين على كل المسلمين طالما كان بأهل البلد التي نزل بها العدو كفاية في دفعه، والله تعالى أعلى وأعلم، ومن لم يحضر في ذلك لكونه ليس فرض عين عليه، أو لكونه عاجزاً عن الوصول وإغاثة المسلمين، فلا يخلو حاله من دعاء لهم، وتألم لآلامهم، وفرح لانتصارهم، فإن ذلك من حقيقة الولاء والبراء على دين الله ، ومن حقيقة الحب في الله والبغض في الله، وهو -والله- من أوثق عرى الإيمان. فإذا لم يكن جهاد الدفع واجباً عليك، ولم تستطع أن تعين إخوانك بأي سبب من الأسباب فلا يخلو منك الحال من دعوة صادقة، وشعور قلبي بآلام المسلمين، وبيان لحقيقة قضيتهم، واستحقاقهم لدفع عدوهم، ومناصرة لهم بالقلب، وفي الحديث: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم، بدعائهم وصلاتهم؟) فالله يدفع بالدعاء ما لا يدفع بالسيوف ولا بالقوة المادية، وقد شرع لنا من أسباب نصرة المسلمين ما ربما يكون أقوى من الأسباب المادية كلها، والله المستعان. ذلك هو ما شرعه الله ، ولم يشرع سفك دماء المسلمين ظلماً وعدواناً، ولا استهانة بذلك، حتى يتجرأ الإنسان على سفك الدماء بأدنى احتمال، بمجرد أنه يظن أنه يسوغ له ذلك لقتل الكفار، فضلاً: عن أن يكون مبتدعاً ضالاً يكفر المسلمين، ويرى انتهاك حرماتهم ديناً له، والعياذ بالله، هذا أمر لابد أن يحذر المسلمون منه، ولابد أن يكرهوا وجود المنكر قرب منهم أو بعد، وأن يكرهوا وجود سفك الدماء، وانتهاك الحرمات، ويفرحون بظهور الإسلام، ويودون زوال تسلط أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين عن المسلمين وبلادهم، فكلها بلاد لهم بإذن الله ﵎، وتعظيم حرمات المسلمين دلالة على كمال الإيمان في القلب وصحته، والاستهانة بذلك دليل على رقته وضعفه، أو زواله؛ لأن المسلم يعرف حرمة المسلمين، وقد قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، فنعوذ بالله من سفك دماء المسلمين، وتضييع حرماتهم، ونسأله أن يحفظ دماءهم، وأعراضهم، وأموالهم في كل مكان، وأن يرفع تسلط الأعداء عنهم، وأن يحفظهم في هذا الشهر الكريم، وأن يجعل بلادنا وسائر بلاد المسلمين بلاداً آمنة رخاء مطمئنة بفضله . اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 445

ليميز الله الخبيث من الطيب من حكمة الله أنه لا يترك المؤمنين على ما هم عليه، بل يقدر شيئاً من المحن حتى يظهر فيها وليه، ويفتضح فيها عدوه، ويعرف بها المؤمن الصادق من المنافق الفاجر، كما امتحن الله الصحابة في عهد رسول الله ﷺ بالهزيمة يوم أحد، فظهر إيمان المؤمنين وصبرهم وثباتهم وطاعتهم لله ورسوله، وظهرت حقيقة المنافقين ومخالفتهم للدين وخيانتهم لله ورسوله والمؤمنين.

стр. 446

تمييز الخبيث من الطيب يكون بالمحن والشدائد الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ﵌، ثم أما بعد: فقال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٧٦ - ١٨٠]. قال ابن كثير ﵀ في قوله: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) أي لابد أن يقدر سبباً من المحنة يظهر فيه وليه ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصادق والمنافق الفاجر، وذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين؛ فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم، وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ ، وهتك به ستر المنافقين؛ فظهرت مخالفتهم للدين، ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد. وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة. وقال السدي: قالوا: إن كان محمد ﷺ صادقاً فليخبرنا عمن يؤمن به منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) أي: حتى يخرج المؤمن من الكافر، يخرجهم أمام الناس، روى ذلك كله ابن جرير. ثم قال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)) وهذه أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك. ثم قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)) كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. ثم قال تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) أي: أطيعوا الله ورسوله ﷺ ، واتبعوه فيما شرع لكم، ((وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ))]. هذه الآية الكريمة وردت في بيان حكمة الله فيما قدر من المحنة على المؤمنين يوم أحد، وكذلك كل ما يقدره الله من أسباب المحن التي تجري لأهل الإسلام تجري عليهم وهي في مصلحتهم، كما قال : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] فكل هذه الأمور من البلاء والهزيمة والآلام للمسلمين فيها مصلحة، وكذلك النصر والتمكين والعز وقهر الأعداء فيها للمسلمين مصلحة. وقد بين حكمة تقديره البلاء عموماً في يوم أحد وما بعد ذلك وما قبله، فله سنته الماضية بأنه يقدر الأسباب التي يحصل بها التمييز الظاهر بين المؤمنين والمنافقين.

стр. 447

بيان خطر المنافقين دعا الله خلقه إلى الإيمان فاستجابت طوائف من الناس، منهم من أجاب صادقاً ومنهم من أجاب كاذباً، واختلط الفريقان، وأظهر كل أحد الإسلام، وهذا الاختلاط إذا لم يتميز فسيحصل منه ضرر عظيم؛ وذلك بأن يتصدر أمور الدين وإمامة الخلق من يدعوهم إلى النار ممن يتكلم بألسنتنا وقلبه قلب شيطان، فيحصل من ذلك ضرر عظيم كما حصل من المنافقين في غزوة تبوك، وكانوا نسبة ضئيلة جداً في المجتمع المسلم، فالذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تبوك قال كعب بن مالك: كانوا بضعاً وثمانين رجلاً، وكان الجيش قوامه نحو الثلاثين ألفاً. وهذه النسبة الضئيلة قال الله عنها: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا اضطراباً وخللاً وفساداً. ومعنى (ولأوضعوا) أي: لأسرعوا بالإفساد فيما بينكم. وقوله: (يبغونكم الفتنة) أي: يبغون أن تقعوا في الفتن، فتن الشهوات والشبهات، يفسدون العقائد والتصورات وكذلك الأعمال والسلوكيات. ((وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)) أي: فيكم من لا يعرفهم؛ فيقبل كلامهم ويصدق حديثهم، فيقع فيما وقعوا فيه والعياذ بالله، أو وفيكم سماعون لهم ينقلون لهم الأخبار ويعرفونهم بأحوال المسلمين الباطنة، وكلا المعنيين صحيح، فالله من أجل ذلك قدر أن يثبطهم كما قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧]، فتصور أن جيشاً فيه رسول الله ﷺ ، والعشرة المبشرون، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، والذين ثبتوا في أحد، وكل هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ الصادقين المخلصين يبلغون نحو الثلاثين ألفاً، والمنافقون أقل من مائة، ولو خرجوا فيهم بلا وزن ولا قيادة ولا إمامة ولا تبليغ للدين ولا تعليم للناس؛ لم يكن لهم شأن من ذلك، ومع ذلك كانوا يستطيعون أن يوقعوا الفساد، فتخيل وتصور هذا، وانظر إلى واقع المسلمين الحاصل اليوم، فبعد ثلاثة قرون من الزمان أو أكثر من ذلك ظهر الأمر جلياً، وتجد الآن الأمثلة متعددة في أجزاء متفرقة من العالم الإسلامي، تجد أثر ظهور النفاق وعدم التميز بسبب الجهل بسنن الله الشرعية والكونية، فتصدر من ليس ممن جعلهم الله أئمة في الدين، فإن الله إنما يجعل الأئمة من الذين يهدون بأمره مع تحليهم بالصبر واليقين، كما قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، والله لا ينال عهده الظالمين كما قال تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فلا يكون إماماً من كان موصوفاً بالظلم، وإنما يقع الفساد وتخرب الدنيا إذا صار الصم البكم رءوس الناس. ولم يستفد المسلمون من محنهم، ومن فترات أزماتهم، وجهلوا سنة الله في خلقه الشرعية والكونية، فالله يقدر المحن للمسلمين، وهو يريد أن يظهر شيئاً من الغيب الذي علمه من قلوب الناس إيماناً ونفاقاً، فهو يريد أن يظهره للناس؛ ليتعاملوا به بناء على ذلك، وليس هذا فقط في أمر المنافقين، بل في الكافرين أيضاً، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. تأمل هذا الأمر، وتأمل كل كلمة من هذه الكلمات، تجد أنها دليل على أن الأمر يقع بالتراخي وليس مباشرة كما قال سبحانه: (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة) أي: بعد حين سيتحسرون على ما صنعوا، حين تظهر النتائج العكسية لما خططوا ومكروا ودبروا من إضعاف للإسلام، وإبطال للحق، وإطفاء لنور الله ؛ فلا يحصل لهم إلا عكس مقصودهم. قال الله: (فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) فلابد من مرور هذه الوقائع بهذا الترتيب، وبهذا التراخي؛ لأن (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي، (ثم يغلبون)، ففي نهاية المطاف يغلب أهل الباطل.

стр. 448

الحكمة من تمييز الله الخبيث من الطيب قال الله: ((لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ))، لام التعليل هنا صريحة في بيان الحكمة الكونية من الابتلاءات، فإن الله لم يشرع أن تنفق الأموال في الصد عن سبيل الله، ولا أن تحزب الأحزاب لإطفاء نور الله، ولكن قدر الله ذلك الأمر المكروه ليدرأ عن أهل الإيمان أمراً مكروهاً أشد، وهو اختلاط الطيب بالخبيث، واختلاط المؤمنين بالمنافقين، الذي يؤدي ذلك إلى أن يتولى الإمامة في الدين من ليس أهلاً لها، وأن يتولى إقامة أمر المسلمين من لم يجعله الله إماماً بصبره ويقينه، وإنما هو من الظالمين، فلا يحل ولا يجوز أن يكون إماماً في الدين، لما يرتب على ذلك من الفتن التي لا يعلمها إلا الله. وإذا كانت طائفة ضعيفة قليلة من المنافقين في جيش عظيم البركة والخير لا تزيده إلا خبالاً، فما الظن إذا صار المنافقون هم الذين يتكلمون في كل الأمور، وصاروا هم الأئمة والعلماء والقادة والمقاتلين وغير ذلك؟ ماذا يظن من الفساد العريض الذي يحصل للمسلمين إذا لم يتميز الخبيث من الطيب؟! وقد قدر الله أسباب التمييز لكن لم يستفد منها المسلمون، بسبب كثير من الجهل والغفلة عما سن الله لعباده. والله قد بين حكمة تقديره وإقداره الكفرة على أن ينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وبين أنه يتراخى ظهور تحسرهم وأمر هزيمتهم، وأنهم يغلبون، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧]، يتراكم الباطل بعضه فوق بعض ويجتمع؛ لأنه يجذب بعضه بعضاً، رغم أنه يتضح جلياً أنه باطل. ولو تأملت سنة الله في خلقه فستجد أنه كلما كانت أدلة ظهور الباطل قوية جداً كانت قوة الباطل المؤقتة أيضاً قوية جداً، فمثلاً لو تأملت في قصة الدجال تكون فتنته عظيمة تعم الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ويكون له جنود وأتباع خصوصاً من اليهود في أجزاء مختلفة، ومعه ما يظنه الناس جنة وناراً، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ومن يؤمن به تروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرىً، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ومن لم يؤمن به يصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء مما كان في أيديهم، وكنوز الأرض تتبعه، فهذه فتنة عظيمة مع ظهور عجز الدجال وبطلان أمره؛ لأنه أعور مكتوب بين عينيه كافر. فمهما كانت قوى الباطل فسيظهر بطلانها بما لا يخفى على أحد، ومن يتبعه يتبعه وهو يعلم أنه باطل، وأنه كفر ونفاق وشرك، ومع ذلك يتبعه الكثيرون؛ لأجل الفتنة، ويطول الأمر عند الناس، ودائماً لحظات التعب والمحنة تكون طويلة، يراها الإنسان كدهر، ويريد أن تنتهي، ولكنها سوف تمر قطعاً. إذاً: قدر الله المحن ليميز الخبيث من الطيب ويطلع العباد على الغيب الذي لا يطلع عليه إلا من شاء أن يطلعه من رسله. وأنت تلاحظ في هذه الآيات جملاً من الفوائد وأنواعاً من العلوم، كما ذكرنا في بيان سنة الله في أمر البلاء حتى يظهر الحق جلياً وبحجة قوية وإن كان شديد الضعف، فقوة الباطل منهارة بلا تردد، والباطل يتناقض في نفسه في اليوم الواحد كما تلحظه وتراه في واقع الحياة، تراه يتناقض فيما يعلن ويفعل ويقول، تناقضاً ظاهراً في كل شيء، فليس عنده ميزان، ولا يمتثل ديناً، أو شرعاً، أو حتى قانوناً مخترعاً باطلاً وضعه برأيه، فلا يلتزم بشيء، لا يقيم توراة ولا إنجيلاً ولا قانوناً دولياً ولا شيئاً يخالف هواه على الإطلاق، ولا يعبأ بأمر من الأمور، وهذا هو التناقض في أوضح صوره، وفي نفس الوقت معه قوة عجيبة، وهذه فتنة ومحنة من الله؛ ليحصل التميز، لأجل أن لا يشك أحد حين تتغير الأمور فتنقلب أو تعتدل الموازين -بإذن الله ﵎ أن من تابع الباطل في هذا الوقت فهو من ركامه الذي جعله الله ممحوقاً، ونهايته في جهنم والعياذ بالله، فلا يمكن أن يقبل بحال من الأحوال أن يكون أهلاً للإمامة في الدين، وأن يكون خليطاً للمسلمين دون أن يعرف أمره، ولذلك كان من هدي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الاستفادة من محنة الردة، حيث كانت محنة هائلة أوشكت أن تعصف بالمسلمين، حيث ارتدت العرب ورجعوا إلى عبادة الأوثان، واتبعوا مسيلمة والأسود العنسي وسجاح وأمثال هؤلاء، ومنع منهم طائفة الزكاة وغير ذلك، ولم يعد يسجد لله في الأرض بعد التمكين ودخول الناس في دين الله أفواجاً إلا في مكة والمدينة ومسجد جواتا بالبحرين، وهم وفد قبيلة عبد القيس، وسائر الأرض أصبحت حرباً على الإسلام، فلما مكن الله للمسلمين وانهزم المرتدون وجاءوا يعلنون رجوعهم وتوبتهم كان أبو بكر الصديق ﵁ يخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزي، ففرض عليهم السلم المخزي فلا يحملوا سلاحاً ولا يركبوا خيلاً حتى يري الله خليفة رسول الله ﷺ والمسلمين فيهم أمراً، ولم يكن لأحد منهم أبداً صدارة، أقصى ما يسمح له أن يكون في آخر الصفوف جندياً إن أراد الصدق مع الله كما وقع ممن تاب وحسنت توبته، لكن لم تسمع عن روايته للحديث، ولا أنه صار معلماً للناس، فالذين كانوا معلمين للمسلمين في أقطار الأرض المفتوحة هم فضلاء الصحابة ﵃، مثل الخلفاء الأربعة وأبي هريرة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء، الرجال الكمل رضوان الله ﵎ عليهم، الذين علموا الناس الدين، والذين تولوا قضاء المسلمين، وتولوا الجهاد في سبيل الله، مثل سعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير، وإنما تولوها بصدقهم الذي عرف منهم في فترات المحن، فلابد أن نستفيد من المحن ولا تمر بنا كما جاءت، ونخرج منها كما خرجت علينا. إن الأمر مؤلم للمسلمين بلا شك، ولكن لها فوائد؛ ليظهر المصلح من المفسد، ليظهر ذو العمل الصالح من ذي العمل الطالح، ليظهر أهل الإيمان من أهل النفاق، ليميز الله الخبيث من الطيب كما قال سبحانه: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ)) أي: من النفاق، ((حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)).

стр. 449

وجوب العمل بالظاهر والله يتولى السرائر إن الله لا يطلع عباده على ما في القلوب، فليس من سنته أن تنكشف القلوب للناس؛ ولهذا لا يجوز أن يدعي أناس بلا بينات أن في قلب فلان رياء أو كذباً أو غشاً أو شكاً، فهذا أمر ليس من سنة الله، ومن أطلعه الله من الأنبياء كما أطلع نبيه ﷺ على بعض المنافقين، فإنه لم يجعله يعمل بذلك، بل يعمل بالأمر الظاهر، فأبى أن يقتل ﷺ من علم أن في قلبه نفاقاً، وقال: (لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولم أؤمر أن أشق عن قلوبهم) قال ذلك لمن عمل بالقرائن من أصحابه، مثل قوله لـ أسامة حين قتل الرجل الذي أكثر في المسلمين قتلاً، فقال عندما علاه بالسيف: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فقال: (إنما قالها متعوذاً، فقال ﷺ : هلا شققت عن قلبه لتعلم أقالها أم لا؟!). فمع أن الله أطلع نبيه ﷺ على ما في قلوب كثير من المنافقين ومع ذلك لم يعاملهم بذلك؛ لأنها سنة الله الشرعية في هذا الأمر، وهي أنه لا يطلع أنبياءه على ما في قلوب الناس اطلاعاً تاماً يعرف به كل أحد بل قال : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]؛ وذلك أن الله استأثر بعلم الغيب ، فإذا أطلع نبيه ﷺ على بعض المنافقين فهو لم يطلعه على جميعهم، كما أنه لم يجعل هذا الأمر تنبني عليه الأحكام، وإنما تبنى على الأمور الظاهرة، فلا يتهم إنسان بنفاق من غير بينة، أو عمل بخصال النفاق، ولا يجوز بالأولى أن يتهم بكفر أو فسق أو بدعة من غير بينة، ولو تصورنا أن الله أطلع بعض أصحاب نبيه ﷺ على غيب القلوب، فتصور ما يمكن أن يدعيه من يأتي بعدهم، فيقتل أناساً وتنتهك حرماتهم بدعوى من يقلد هؤلاء، ويقول: أنا وقع في قلبي أن هذا رجل منافق فقتلته، أو أن هذا رجل منافق فسجنته، أو أبعدته، أو أن أنه كذاب فعاملته بمقتضى ذلك، فيحصل فساد عريض، فيتهم البريء، وتنتهك الحرمات بالدعاوى والظنون الكاذبة، ويدعي أن له في ذلك أسوة بالصحابة ﵃ حين عاملوا الناس بما وقع في قلوبهم. ولذا كان من ضلالات بعض الصوفية: أن منهم من يزعم أنه يطلع على ما في قلوب أتباعه وتلامذته، أو قلوب الناس، فيعاملهم بمقتضى ذلك الكشف كما يزعمون، وهذا أمر باطل لا شك فيه، فنحن أمرنا أن نعامل الناس بالظاهر، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)) فهذا الاستثناء الاستدراك حتى يبين أن الرسول قد يطلع على بعض ما في قلوب بعض الناس، لكن إنما يطلعه الله ، يخصه بمعرفة وعلم دون سائر الخلق، وهذا لا يجعل الغيب شهادة، وتبقى مفاتيح الغيب الخمسة التي استأثر الله بها لا يعلمها إلا هو. وما أطلع الله نبيه عليه ليس من الغيب المطلق الذي لا يطلع عليه إلا الله، ثم إنه لا يبنى عليه حكم في حق الرسول ﷺ ، وإنما يعمل بالظاهر، ولا يكون اطلاعاً كاملاً بل جزئياً، فيعلم شيئاً ولا يعلم غيره، ولا يعلم إلا ما أوحاه الله إليه، إما في أمر قد وقع أو في أمر لم يقع، فالرسول ﷺ قد يخبر عن غيبيات في المستقبل، ولكنه ﷺ لا يخبر عن تفاصيل وقوعها، ولا يخبر بوقوعها في وقت محدد، فالأمر لا يزال غيباً كما أخبر النبي ﷺ مثلاً عن الفتن والملاحم، والدجال، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ، وأنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولم يخبرنا ﵊ بوقت ذلك، وإنما أخبرنا أن ذلك سيقع. وأما ما أخبر به باليوم، وبتحديد المكان فقد علقه بالمشيئة كما قال في ليلة غزوة بدر: (هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله)، فجعله معلقاً بالمشيئة، فحين حددها تحديداً كاشفاً علقها بالمشيئة؛ لأنه قد يغير الله ذلك وقد يمضيه، وحين جزم دون تعليق على المشيئة بقي الأمر غيباً؛ لأنه لم يخبر بكل التفاصيل زماناً أو مكاناً أو يخبر بالزمان دون المكان أو المكان دون الزمان، ونحو ذلك مما يظل الأمر معه غيباً، فهذا مما ينبغي فهمه في قوله : ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ))، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:٢٦]. كذلك لا يخرج الأمر عن كونه غيباً انكشف لبعض الناس، بل لا يزال غيباً حتى في حق الرسول؛ لأن الله قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] وهذا عام لم يستثن، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].

стр. 450

تدفع المحن بالإيمان والتقوى قال تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) فما أخبر به النبي ﷺ يجب أن يصدق، وما أمر به يجب أن يتبع، وما وقع بعد ذلك للمؤمنين الصادقين المتبعين للرسول ﷺ من المحن هي في مصلحتهم، في دنياهم وأخراهم، وهي من أسباب نقائهم أو حصول الخير لمجتمعهم وأفرادهم بفضل الله . فلا يزعزعك ما ترى من تسلط الكفرة وقتلهم للمسلمين، ومن انتهاك الحرمات، ولابد أن نتهم أنفسنا كما قال الله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فالذي أصابنا هو بسبب الذنوب، وهذا حق، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون الناس قد خرجوا عن الطريق بالكلية، فهم ما زالوا على الطريق وقد وقع أمر شديد في غزوة أحد لأناس هم خيرة أهل الأرض، ووقع لهم ما وقع، فإذا رأيت انتهاكاً للحرمات، وسفكاً للدماء، وتسلطاً للأعداء، فلا يمنعنك ذلك من الالتزام الصادق، ومن أن تؤمن بالله ورسله، وأن تصدق الأخبار، وأن تلتزم الأوامر وتجتنب النواهي. قال الله: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) فالصبر والتقوى مفتاح خير الدنيا والآخرة، مفتاح خير الدنيا في رد كيد الأعداء كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]، وفي الآخرة كما قال سبحانه: ((فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)).

стр. 451

بيان عقوبة البخل قال الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]. تعلقت هذه الآية بأحداث غزوة أحد تعلقاً ظاهراً، إذ إن الجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على النفقة في سبيله سبحانه، والمنافقون دائماً يبخلون بما آتاهم الله من فضله، فكان الوعيد الشديد لمن يبخل بما أوجب الله عليه، وفيها إنكار ظن البخلاء أن ما آتاهم الله هو خير لهم، فأنكر الله عليهم كما أنكر حسبان الذين كفروا أنما يملي لهم خير لأنفسهم. وكذلك ما يعطي للكفرة والمنافقين من أموال ومن زينة في الحياة الدنيا فذلك ليس خيراً لهم: كما قال تعالى: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)) فأطلق الشر؛ ليعم الدنيا والآخرة، وذلك كما قال في بيان شره عليهم في الدنيا: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، وكم من أناس كان المال والملك والسلطان سبباً للشقاء الدنيوي والعذاب فيها، فضلاً عما ينتظرهم في برزخهم، وعما أعد الله لهم يوم القيامة، فقد يكون جمع المال ورصده وحسابه عذاباً، وقد تكون نفقته ونقصانه والخوف كذلك، وهذا -والله- أمر مطرد، فكلما كسب الإنسان مالاً من حرام شقي به أعظم شقاء، وتعس به أعظم تعاسة، مع أنه يزداد حرصاً عليه كالذي يشرب من ماء البحر ويزداد عطشاً وشرباً وألماً، ويضطرب نظام جسمه بالكلية بسبب شربه لهذا الماء المالح، وكذلك المال إذا أخذه الإنسان من حرام وصرفه في الحرام.

стр. 452

الآثار الواردة في الزجر عن البخل قال ابن كثير ﵀: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)) أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه وربما كان في دنياه، ثم أخبر بمآل أمر ماله يوم القيامة فقال: ((سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له بشجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة)، الشجاع ثعبان، أقرع أي: سقط شعره من كثرة سمه. له زبيبتان: نقطتان سوداوان بين عينيه، يطوقه يوم القيامة أي: يكون هذا الثعبان طوقاً في عنقه فيلتف حول رقبته؛ لأنه لم يؤد زكاة ماله، يقول ﷺ : (يأخذ بلهزمتيه) يعني بشدقيه، والشدق جانب الخد من الداخل، ومعنى (يأخذ بلهزميته) أي: يتسلط عليه الثعبان حتى يدخل في فمه من الداخل ويلدغه في هذه المواطن. قال: (يقول: أنا مالك، أنا كنزك) أي: يتحول هذا المال إلى ثعبان حقيقي فعلاً، وهذا الحديث على ظاهره لا يحتاج إلى تأويل، فإن الله قادر على أن يحول هذه الأموال إلى ثعابين يوم القيامة، تأخذ برقاب البخلاء، ويعذبهم الله بهذا العذاب. قال: (ثم تلا هذه الآية: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)) [آل عمران:١٨٠]) وهذا وعيد شديد لمن منع الزكاة، فيجب على المسلم أن يتعلم فقه الزكاة ويؤدي ما افترض الله عليه، وهذا فرض عين على كل من له مال تجب فيه الزكاة، فكل من له مال يجب أن يتعلم نصاب الزكاة؛ حتى لا يتأخر عن أدائها إذا وجبت، ويعلم متى تجب عليه، وكثير من الناس يفرط في هذا فيدخل في هذا الوعيد الشديد. فالآية إذاً في الزكاة الواجبة والنفقة الواجبة، وفي الجهاد في سبيل الله أيضاً كما دل عليه السياق. والحديث تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه. حديث آخر رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك)، وهكذا رواه النسائي عن أبي هريرة. قال ابن كثير: قلت: ولا منافاة بين الروايتين رواية ابن عمر عن أبي هريرة، وقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين عن ابن عمر وعن أبي هريرة، وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح عن أبي هريرة. حديث آخر رواه الإمام أحمد عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه فيقول: أنا كنزك، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: ((سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) وهكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود موقوفاً، رواه في مستدركه عن ابن مسعود به، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفاً، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، بل له حكم الرفع. حديث آخر: رواه الحافظ أبو يعلى عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: (من ترك بعده كنزاً)، والكنز: هو ما لم يؤد زكاته، قال: (من ترك بعد كنزاً مثل له شجاع أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه ويقول: من أنت ويلك؟! فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها) يعني من شدة التعب يريد أن يريح نفسه فيعطيه شيئاً من بدنه فيلقمه يده، فيقضم يد البخيل والعياذ بالله، قال: (ثم يتبع سائر جسده) إسناده جيد قوي. وهذا يعني أنه لا يكتفى باليد، بل يعذب جسده كله بهذا الثعبان، رغم محاولة صاحبه الفرار منه، فلو أن الناس فروا في هذه الدنيا من المال الحرام، أو من المال الذي منع الحق فيه، كما يفرون من هذا لما حصل لهم هذا، نسأل الله العافية، إنما يفرون يوم القيامة من هذه الكنوز التي أصبحت لا قيمة لها، نسأل الله العافية.

стр. 453

وجوب النفقة على الأقارب والمعنى الآخر للبخل قال ابن كثير: ورواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي وابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منعه) ومعنى: (لا يأتي الرجل مولاه) أي: قريبه، أو كل من كان قريباً له. (فيسأله من فضل ماله عنده)، وهذا من أقوى ما يحتج به على وجوب النفقة على الأقارب. قوله: (شجاع يتلمظ) يعني: يتغيظ عليه ويعد فمه للأكل. ما هو هذا الشجاع؟ هذا الشجاع هو فضله الذي منع، هذا لفظ ابن جرير. وروى ابن جرير عن أبي قزعة عن رجل عن النبي ﷺ قال: (ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه) نعوذ بالله. ثم روى حديثاً ضعيف السند لكنه شاهد لما قبله، وفيه: عن ابن عباس قال: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))، فالتفسير الثاني للبخل هو: البخل المعنوي، وهذا أولى بالذم؛ لأن منع المال يؤدي إلى ضياع دنيا الناس وافتقارهم وحاجتهم، أما البخل المعنوي وذلك بمنع الحق، ومنع آيات الله من البيان فإنه يترتب عليه ضياع آخرة الناس، وضياع دينهم وتحريفه، الذي يؤدي إلى شقائهم، وليس فقط في جيل بل في أجيال، فلا تزال أمم كثيرة على الضلال والشرك بسبب أن آباءهم وأجدادهم حين جاءهم الحق فكتموه ولم يؤمنوا به، فورثوا الكفر لأجيال تلو أجيال، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: والصحيح الأول، وإن دخل البخل المعنوي في معناه، وقد يقال: إن هذا أولى بالدخول، وهذا الذي علموه من الحق هو شر لهم كما قال النبي ﷺ : (والقرآن حجة لك أو عليك)، فالذين آتاهم الله الكتاب فلم يقوموا به، والذين آتاهم الله العلم فلم يعملوا به، ولم يقولوا الحق للناس، بل كتموه وبخلوا به لكي ينالوا حظاً من الدنيا فسينالهم ما أخبر الله من العقاب. قال سبحانه: ((وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) قال ابن كثير: أي فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله ، فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم. ((وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) أي: بنياتكم وضمائركم.

стр. 454

بيان فساد اعتقاد اليهود والنصارى فرح اليهود بهزيمة المسلمين في أحد من أجل أن يظهروا على المسلمين، ولقد يسر الله إهلاك كبارهم وتدمير قبائلهم في الغزوات الثلاث التي غزاها النبي ﷺ ، فقد غزا بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة جزاء على خيانتهم، وما أكثر الآيات في ذم أهل الكتاب، وفي بيان فساد اعتقادهم في حق الله ، مثل أنهم يقولون: إن الله فقير وهم أغنياء عياذاً بالله، وهذه عادتهم في السب والانتقاص من الله ، ووصفه بصفات العجز، ولا تزال كتبهم المحرفة مليئة بهذه الأوصاف لرب العزة، من العجز، والمرض، والحزن والبكاء، وزاد النصارى الأمر فساداً وضلالاً فاعتقدوا فيه الموت، والألم والعجز والصراخ، وأن يتمكن الأعداء منه أعظم تمكن، فهذه سيرة هؤلاء ونسأل الله العافية، والحمد لله الذي عافانا من هذا البلاء! وأناس كثيرون يعتقدون في الله صفات النقص، ويزعمون بعد ذلك أنهم يحبونه ويعبدونه، وهم يصفونه بأفظع الأوصاف، والحمد لله الذي أحق الحق وأبطل الباطل. وقد بين كيف كان تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، وبين أن المؤمنين سيسمعون منهم ومن المشركين أذىً كثيراً، ثم بين حقيقتهم في كونهم لم يوفوا بما أخذ عليهم من العهد في تبيين الكتاب للناس، بل كتموه، ونبذوه وراء ظهورهم، فليسوا في الحقيقة مؤمنين بالكتب التي بين أيديهم، وإن عوملوا أنهم أهل كتاب، فهم يشترون الثمن القليل في الدنيا ببيعهم دينهم وكتابهم وعهد الله لهم، وهم يفرحون بما أتوا من الكفر، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فأخبر الله بعذابهم ثم ختم الله السورة بالحث على التفكر في خلق السماوات والأرض، وهي آيات الله المشهودة التي تدل عليها آياته المسموعة أحسن دلالة، وتحيي القلب المؤمن بما ينزل الله عليه من فضله، حين يشاهد آياته سبحانه، ويدعوه بالتوحيد والإخلاص، ويتذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، إلى آخر المعافي في الآيات العشر من خاتمة سورة آل عمران، والتي كان النبي ﷺ يقرؤها حين يستيقظ من الليل ناظراً إلى السماء وهذه الآيات هي دعاء المؤمنين الذي علمهم الله إياه في قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩١ - ١٩٤]. وقد بين استجابته لعباده المؤمنين، وأن منهم من تحمل الأذى في سبيل الله من الهجرة والإخراج من الديار، والجهاد في سبيل الله والقتال والقتل، وكل ذلك لن يضيعه الله . ثم حذر الإنسان من أن يغتر بما عليه الكفرة وتقلبهم في البلاد، بل مأواهم جهنم وبئس المهاد، وبين إيمان طائفة من أهل الكتاب، وأن طائفة منهم مؤمنة بالحق الذي بعث به النبي ﷺ ، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ولا يوجد مؤمن إلا من آمن بالنبي ﷺ كما آمن بما أنزل من قبل، ثم ختم السورة بالأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. هذا غاية ما أردنا ذكره من تفسير سورة آل عمران فيما يتعلق بغزوة أحد؛ للاستفادة من الدروس التربوية الإيمانية التي تتضمنها هذه الآيات، ولنعلم كيف ربي المجتمع المسلم والطائفة المؤمنة، من خلال الوقائع التي حدثت لهم مع النبي ﷺ في مواجهة أعدائهم. نسأل الله أن يقضي حاجات المحتاجين، وأن يفرج كرب المكروبين، وأن يفك أسرى المأسورين، وأن يرفع الظلم عن المظلومين، وأن ينصر عباده المؤمنين، وأن يهدينا أجمعين.

стр. 455

الأسئلة

стр. 456

حكم تصدّر من ارتد ثم أسلم للمناصب والقيادات السؤال ذكرتم أن المرتدين لا يصدرون في المناصب، وأنهم ينبغي أن يكونوا في آخر الصف، فكيف الجمع بين قولكم هذا وبين ارتداد عبد الله بن أبي السرح ثم رجوعه وقيادته معركة ذات الصواري؟ الجواب هذا الأمر أولاً يحتاج إلى ثبوت الإسناد فيه، فكثير من أمور السير تذكر بغير إسناد. ثانياً: قال أبو بكر: حتى يري الله خليفة رسول الله والمسلمين أمره، فلو حسن إسلام هذا الرجل وظهر إخلاصه وثبت على ذلك فيرجى منه خير إن شاء الله، ويكون تابعاً لغيره في الجملة.

стр. 457

كيفية إخراج زكاة المال السؤال كيف تخرج زكاة المال؟ الجواب على المرء أن يعرف اليوم الذي ملك فيه النصاب، ويحسب النصاب في قول عامة المذاهب على الفضة، فالمذاهب الأربعة تحسبه على الفضة، وهو الصحيح؛ لأنه مال يمكن أن يشترى به من السوق فضة تبلغ نصاباً، فقيمة النصاب على الفضة أو على ما يبلغه النصاب على الأقل من الذهب والفضة، فلو افترضنا أن الفضة غلت في بعض البلاد، وكان الذهب أقل فيحسب على الأقل، وهو الأحظ للفقراء، ونصاب الفضة (٥٩٥) جراماً عيار ألف، من الفضة النقية، وكذلك يعرف التاريخ الذي ملك فيه هذا النصاب، فيحسب من هذا اليوم مرور سنة هجرية قمرية، ويحسب ما معه من المال، وذلك إذا لم ينقص المال عن النصاب خلال السنة، ويحسب المال الموجود ولو أتى بالأمس، طالما كان من جنس الأصل، فعلى أصح قولي العلماء: أن المال المستفاد من جنس الأصل يزكى بحول الأصل، فيخرج ربع العشر من هذا المال المولود. وإذا كان عليه دين خصم هذا الدين من المال؛ لأن ما في يده ليس -في الحقيقة- ملكاً له، وإن كان له ديون فإنه يزكيها إذا قبضها لما مضى من السنين، إذا كانت تتجاوز عدة سنوات. وكذلك عروض التجارة يلزمه أن يزكي عنها كل عام من تاريخ ملك النصاب؛ لأنها ملحقة بزكاة المال. ففي كل سنة يعمل جرداً -كما يقولون- للبضاعة الموجودة، ويحسبها بقيمتها، وهو سعر الجملة الذي يشتري به التجار، فيخرج ربع العشر. وأصح قولي العلماء في مسألة زكاة عروض التجارة: أنه يجزئ فيها أن يخرج من العروض، كما يجزئ فيها أن يخرج القيمة النقدية من ذهب أو فضة أو نقود في مقابل تلك العروض، وأكثر أهل العلم يقولون: إنه يجب أن يخرج القيمة -وهي ربع العشر- نقوداً. والصحيح: أنه يجوز له أن يخرج الزكاة من العروض نفسها؛ لأن زكاة المال وعروض التجارة من باب واحد، ومثلها زكاة الذهب والفضة لمن بلغ نصاباً، لكن نصاب الذهب يختلف في هذه الحالة، فنصابه عشرون ديناراً، أي: خمسة وثمانون جراماً عيار أربعة وعشرين، فمن كان عنده ذهب ولو كان معداً للزينة فيجب فيه الزكاة على أصح قولي العلماء؛ لدخوله في عموم الآيات الدالة على وجوب الزكاة؛ ولأن النبي ﷺ أمر الصحابيتين بأن يخرجا زكاة السوارين اللذين تحليتا بهما، فقال: (أيسركما أن يسوركما الله بسوارين من نار؟!)، فليس الذهب هنا معداً إلا للزينة فقط، ومع ذلك أمرهما أن يخرجا الزكاة فيه، فقال: (أديا زكاته)، وتوعدهما بأنهما إن لم يؤديا زكاة هذه الأساور فإن الله يسورهما بسوارين من نار والعياذ بالله، فكل هذا فيه ربع العشر. وأما زكاة الزروع: فعند الحصاد وبعد التنقية، ومعرفة قدرها، فإذا بلغت النصاب وهو خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعاً، والصاع: أربعة أمداد، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، وكثير من الناس يعرفون الصاعات بالأوزان المعاصرة، وأما زكاة الفطر: فتخرج من كل ما يعد للإدخار ويقتات، فيخرج منه العشر أو نصف العشر، فالعشر إذا كان يسقى بالسماء، ونصف العشر إذا كان يسقى بالآلة، وزكاة الحيوان لها تفصيلات في موضعها.

стр. 458

حكم سوء الظن بالناس والحكم عليهم بالباطل السؤال عرفت بعض الصوفية قبل الالتزام، ودائماً أحاول البحث عن قلوب الناس كما علموني، وأحكم على الناس دائماً بالباطل، فهل من علاج لهذا؟ الجواب هذا من الوساوس فعلاً، واعلم أن الله يجتبي من رسله من يشاء، كما قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ))، فإياك أن تجعل نفسك في مصاف الرسل، والرسول ﷺ حين علم، لم يعامل الناس بما علم من قلوبهم، وإنما قال: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس)، بل عاملهم بالظاهر، وعلم أصحابه ذلك. والفراسة لا تنفى لكن لا يُجزم بها، وإياك أن تعامل الناس بالظنون، قال النبي ﷺ : (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] فكلما وقعت في قلبك الخواطر عن قلوب الناس فتذكر قوله: ((اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ))؛ حتى لا تغرك نفسك وشيطانك؛ فتظن نفسك في مقام الأنبياء.

стр. 459

حكم الاحتفال بعيد شم النسيم السؤال ما حكم الاحتفال بما يسمى شم النسيم؟ وهو احتفال خاص بالنصارى، وهل يصح التهنئة به فيما بين المسلمين وبين المسلمين والنصارى؛ مجاملة لهم؟ الجواب لاشك أن هذا العيد الباطل مرتبط بأعياد النصارى ارتباطاً وثيقاً، وهو يتغير كل سنة، يكون يوم فطرهم بعد صومهم الذي ينتهي مع ما يسمونه بعيد القيام المجيد، وهو عيد يدل على الشرك والكفر من وجوه متعددة وهي: اعتقاد موت الإله، ثم اعتقاد قيامته من الأموات، واعتقاد صلبه، وقد قال : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. فلا يجوز لنا أن نحتفل بذلك، ولا أن نشاركهم، ولو بالأكل والشرب القليل، أو بأنواع اللعب والفرح والسرور مما يجذب القلوب إلى هذه الأعياد، وهو للأسف عيد غير إسلامي يحتفل به كثير من المسلمين كاحتفالهم بأعياد المسلمين، ولا يوجد عيد آخر وطني ولا قومي، ولا أعياد ميلاد، ولا غيرهما بمنزلة هذا العيد، فهو أخطر عيد؛ لأنه يشارك فيه كثير من المسلمين نسأل الله العافية. وأما أن أصله فرعوني فالله أعلم بذلك، لكن الظاهر أن له تعلقاً بالنصارى؛ لأنه -كما ذكرنا- يتغير بتغير صومهم، وعلى أي الأحوال فالفراعنة وعباد الأوثان أسوأ حالاً من النصارى، فلا يجوز التهنئة بهذا العيد بحال من الأحوال، بل إن كان هذا على اعتقاد ما فيه من قيام المسيح من الأموات، فهذا من الكفر والشرك والردة عن الإسلام والعياذ بالله.

стр. 460

حكم مشاهدة فيلم عن عيسى ﵇ السؤال ما حكم مشاهدة فيلم عن السيد المسيح؟ الجواب قال الله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، فلا يجوز للإنسان أن يحضر مجالس تكذيب القرآن العظيم، أو أن يحضر مجالس يخالف فيها نص الكتاب العزيز، فهنا قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، وربما وقع في قلبه تصديق ذلك ثم التأثر به، وقد سمعنا أن بعضهم يبكي عند رؤية هذه المشاهد، وهذا لا يحصل إلا بسبب التصديق. فالأصل أنك لو رأيت كلاماً تكذبه فإنك تضحك من سخافة عقل قائله، وأما أن تتأثر به فهذا لا يحصل إلا بسبب نوع من التصديق، وكثير من الناس كأن هذا الأمر مصدق عندهم، وأصبح كثير من المسلمين يسألون عن هذا الشيء العجيب فيقولون: هل صُلب المسيح أم لا؟ وهل مات على الصليب أم أنه صلب ولم يمت عليه؟ ونحو ذلك، فهذا شيء عجيب! فقد نص القرآن على هذه المسألة وأصبح كثير من المسلمين يجهلونها، قال الله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. نعم وقع هناك صلب، فقد صلب إنسان آخر غير المسيح ﵇، ولاشك أن كل الحواريين -فضلاً عمن أتى بعدهم- لم يشهد أحد منهم تلك الواقعة كما نصت الأناجيل، بل إنهم كلهم أنكروا المسيح وتخلوا عنه وتركوه، ولم يشهد واحد منهم ذلك، وإنما ذكروا ما سمعوه من الناس، واعتقاد أن المسيح قد صلب أو قد مات أو قد قتل لم يكن كفراً إلى أن نزل القرآن، فنزل القرآن وبين أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وأنه سبحانه قد رفعه إليه، قال : ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، لذلك من اعتقد ذلك فهو مكذب للقرآن العظيم، فيكون مرتداً عن الإسلام والعياذ بالله من ذلك.
следующие страницы →