← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حكم تصدّر من ارتد ثم أسلم للمناصب والقيادات السؤال ذكرتم أن المرتدين لا يصدرون في المناصب، وأنهم ينبغي أن يكونوا في آخر الصف، فكيف الجمع بين قولكم هذا وبين ارتداد عبد الله بن أبي السرح ثم رجوعه وقيادته معركة ذات الصواري؟ الجواب هذا الأمر أولاً يحتاج إلى ثبوت الإسناد فيه، فكثير من أمور السير تذكر بغير إسناد. ثانياً: قال أبو بكر: حتى يري الله خليفة رسول الله والمسلمين أمره، فلو حسن إسلام هذا الرجل وظهر إخلاصه وثبت على ذلك فيرجى منه خير إن شاء الله، ويكون تابعاً لغيره في الجملة.

стр. 457

كيفية إخراج زكاة المال السؤال كيف تخرج زكاة المال؟ الجواب على المرء أن يعرف اليوم الذي ملك فيه النصاب، ويحسب النصاب في قول عامة المذاهب على الفضة، فالمذاهب الأربعة تحسبه على الفضة، وهو الصحيح؛ لأنه مال يمكن أن يشترى به من السوق فضة تبلغ نصاباً، فقيمة النصاب على الفضة أو على ما يبلغه النصاب على الأقل من الذهب والفضة، فلو افترضنا أن الفضة غلت في بعض البلاد، وكان الذهب أقل فيحسب على الأقل، وهو الأحظ للفقراء، ونصاب الفضة (٥٩٥) جراماً عيار ألف، من الفضة النقية، وكذلك يعرف التاريخ الذي ملك فيه هذا النصاب، فيحسب من هذا اليوم مرور سنة هجرية قمرية، ويحسب ما معه من المال، وذلك إذا لم ينقص المال عن النصاب خلال السنة، ويحسب المال الموجود ولو أتى بالأمس، طالما كان من جنس الأصل، فعلى أصح قولي العلماء: أن المال المستفاد من جنس الأصل يزكى بحول الأصل، فيخرج ربع العشر من هذا المال المولود. وإذا كان عليه دين خصم هذا الدين من المال؛ لأن ما في يده ليس -في الحقيقة- ملكاً له، وإن كان له ديون فإنه يزكيها إذا قبضها لما مضى من السنين، إذا كانت تتجاوز عدة سنوات. وكذلك عروض التجارة يلزمه أن يزكي عنها كل عام من تاريخ ملك النصاب؛ لأنها ملحقة بزكاة المال. ففي كل سنة يعمل جرداً -كما يقولون- للبضاعة الموجودة، ويحسبها بقيمتها، وهو سعر الجملة الذي يشتري به التجار، فيخرج ربع العشر. وأصح قولي العلماء في مسألة زكاة عروض التجارة: أنه يجزئ فيها أن يخرج من العروض، كما يجزئ فيها أن يخرج القيمة النقدية من ذهب أو فضة أو نقود في مقابل تلك العروض، وأكثر أهل العلم يقولون: إنه يجب أن يخرج القيمة -وهي ربع العشر- نقوداً. والصحيح: أنه يجوز له أن يخرج الزكاة من العروض نفسها؛ لأن زكاة المال وعروض التجارة من باب واحد، ومثلها زكاة الذهب والفضة لمن بلغ نصاباً، لكن نصاب الذهب يختلف في هذه الحالة، فنصابه عشرون ديناراً، أي: خمسة وثمانون جراماً عيار أربعة وعشرين، فمن كان عنده ذهب ولو كان معداً للزينة فيجب فيه الزكاة على أصح قولي العلماء؛ لدخوله في عموم الآيات الدالة على وجوب الزكاة؛ ولأن النبي ﷺ أمر الصحابيتين بأن يخرجا زكاة السوارين اللذين تحليتا بهما، فقال: (أيسركما أن يسوركما الله بسوارين من نار؟!)، فليس الذهب هنا معداً إلا للزينة فقط، ومع ذلك أمرهما أن يخرجا الزكاة فيه، فقال: (أديا زكاته)، وتوعدهما بأنهما إن لم يؤديا زكاة هذه الأساور فإن الله يسورهما بسوارين من نار والعياذ بالله، فكل هذا فيه ربع العشر. وأما زكاة الزروع: فعند الحصاد وبعد التنقية، ومعرفة قدرها، فإذا بلغت النصاب وهو خمسة أوسق، والوسق: ستون صاعاً، والصاع: أربعة أمداد، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، وكثير من الناس يعرفون الصاعات بالأوزان المعاصرة، وأما زكاة الفطر: فتخرج من كل ما يعد للإدخار ويقتات، فيخرج منه العشر أو نصف العشر، فالعشر إذا كان يسقى بالسماء، ونصف العشر إذا كان يسقى بالآلة، وزكاة الحيوان لها تفصيلات في موضعها.

стр. 458

حكم سوء الظن بالناس والحكم عليهم بالباطل السؤال عرفت بعض الصوفية قبل الالتزام، ودائماً أحاول البحث عن قلوب الناس كما علموني، وأحكم على الناس دائماً بالباطل، فهل من علاج لهذا؟ الجواب هذا من الوساوس فعلاً، واعلم أن الله يجتبي من رسله من يشاء، كما قال تعالى: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ))، فإياك أن تجعل نفسك في مصاف الرسل، والرسول ﷺ حين علم، لم يعامل الناس بما علم من قلوبهم، وإنما قال: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس)، بل عاملهم بالظاهر، وعلم أصحابه ذلك. والفراسة لا تنفى لكن لا يُجزم بها، وإياك أن تعامل الناس بالظنون، قال النبي ﷺ : (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] فكلما وقعت في قلبك الخواطر عن قلوب الناس فتذكر قوله: ((اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ))؛ حتى لا تغرك نفسك وشيطانك؛ فتظن نفسك في مقام الأنبياء.

стр. 459

حكم الاحتفال بعيد شم النسيم السؤال ما حكم الاحتفال بما يسمى شم النسيم؟ وهو احتفال خاص بالنصارى، وهل يصح التهنئة به فيما بين المسلمين وبين المسلمين والنصارى؛ مجاملة لهم؟ الجواب لاشك أن هذا العيد الباطل مرتبط بأعياد النصارى ارتباطاً وثيقاً، وهو يتغير كل سنة، يكون يوم فطرهم بعد صومهم الذي ينتهي مع ما يسمونه بعيد القيام المجيد، وهو عيد يدل على الشرك والكفر من وجوه متعددة وهي: اعتقاد موت الإله، ثم اعتقاد قيامته من الأموات، واعتقاد صلبه، وقد قال : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. فلا يجوز لنا أن نحتفل بذلك، ولا أن نشاركهم، ولو بالأكل والشرب القليل، أو بأنواع اللعب والفرح والسرور مما يجذب القلوب إلى هذه الأعياد، وهو للأسف عيد غير إسلامي يحتفل به كثير من المسلمين كاحتفالهم بأعياد المسلمين، ولا يوجد عيد آخر وطني ولا قومي، ولا أعياد ميلاد، ولا غيرهما بمنزلة هذا العيد، فهو أخطر عيد؛ لأنه يشارك فيه كثير من المسلمين نسأل الله العافية. وأما أن أصله فرعوني فالله أعلم بذلك، لكن الظاهر أن له تعلقاً بالنصارى؛ لأنه -كما ذكرنا- يتغير بتغير صومهم، وعلى أي الأحوال فالفراعنة وعباد الأوثان أسوأ حالاً من النصارى، فلا يجوز التهنئة بهذا العيد بحال من الأحوال، بل إن كان هذا على اعتقاد ما فيه من قيام المسيح من الأموات، فهذا من الكفر والشرك والردة عن الإسلام والعياذ بالله.

стр. 460

حكم مشاهدة فيلم عن عيسى ﵇ السؤال ما حكم مشاهدة فيلم عن السيد المسيح؟ الجواب قال الله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، فلا يجوز للإنسان أن يحضر مجالس تكذيب القرآن العظيم، أو أن يحضر مجالس يخالف فيها نص الكتاب العزيز، فهنا قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، وربما وقع في قلبه تصديق ذلك ثم التأثر به، وقد سمعنا أن بعضهم يبكي عند رؤية هذه المشاهد، وهذا لا يحصل إلا بسبب التصديق. فالأصل أنك لو رأيت كلاماً تكذبه فإنك تضحك من سخافة عقل قائله، وأما أن تتأثر به فهذا لا يحصل إلا بسبب نوع من التصديق، وكثير من الناس كأن هذا الأمر مصدق عندهم، وأصبح كثير من المسلمين يسألون عن هذا الشيء العجيب فيقولون: هل صُلب المسيح أم لا؟ وهل مات على الصليب أم أنه صلب ولم يمت عليه؟ ونحو ذلك، فهذا شيء عجيب! فقد نص القرآن على هذه المسألة وأصبح كثير من المسلمين يجهلونها، قال الله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. نعم وقع هناك صلب، فقد صلب إنسان آخر غير المسيح ﵇، ولاشك أن كل الحواريين -فضلاً عمن أتى بعدهم- لم يشهد أحد منهم تلك الواقعة كما نصت الأناجيل، بل إنهم كلهم أنكروا المسيح وتخلوا عنه وتركوه، ولم يشهد واحد منهم ذلك، وإنما ذكروا ما سمعوه من الناس، واعتقاد أن المسيح قد صلب أو قد مات أو قد قتل لم يكن كفراً إلى أن نزل القرآن، فنزل القرآن وبين أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وأنه سبحانه قد رفعه إليه، قال : ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، لذلك من اعتقد ذلك فهو مكذب للقرآن العظيم، فيكون مرتداً عن الإسلام والعياذ بالله من ذلك.

стр. 461

حكم تهنئة النصارى بأعيادهم السؤال رجل نصراني هنأني بعيد الفطر والأضحى، فهل لي أن أهنئه بعيد الفصح وأقول له: كل عام وأنتم بخير بمناسبة أن الله قد مات ثم قام من الأموات؟ الجواب نسأل الله العافية، أيجوز أن يكون الحق كالباطل؟ وأن يكون الشرك كالإيمان؟ ما لكم كيف تحكمون؟ هو هنأك بحق؛ وهو إتمام النعمة عليك بعبادة الصيام والتضحية في سبيل الله بالأضحية، فكيف يجوز لك أن تهنئه بالكفر والشرك، نعوذ بالله من ذلك؟!

стр. 462

حكم التمثيل بجثث الجنود الكفار في حربهم مع المسلمين السؤال ما حكم التمثيل بجثث الجنود الكفار في حربهم مع المسلمين؟ الجواب إن الغيظ يملأ قلوبنا من القوم الكافرين، فنسأل الله أن يذهب غيظ قلوبنا منهم، وأن يشفي صدورنا منهم، ولكن حكم الشرع في هذه المسألة بيِّن، فقد نهى رسول الله ﷺ عن المثلة، وقد تألم النبي ﷺ تألماً شديداً عندما رأى عمه حمزة وأصحابه قد مثل بهم، ومع ذلك نهى ﷺ عن المثلة بعد أن عزم أن يمثل بالمشركين مثلة لم يسمع بها، فلا يجوز التمثيل ولو من أجل إرعاب الكفار أو نحو ذلك، فلا يصح هذا الأمر، وإنما يخوفون بما شرع الله لا بمخالفة الشرع، ونسأل الله أن يفرج كربة المسلمين في العراق وفي فلسطين وأفغانستان والشيشان، وأن ينجيهم من الحصار والظلم والعدوان.

стр. 463

حكم تأجير الأماكن لقضاء أيام شم النسيم الصيفي فيها، وحكم المال المكتسب من ذلك السؤال ما حكم العمل في تأجير الأماكن الخاصة لقضاء أيام شم النسيم الصيفي فيها؟ وما حكم المال الذي يكتسب من ذلك العمل؟ الجواب قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ونهى رسول الله ﷺ عن بيع العنب لمن يتخذه خمراً، وفي بعض الأحاديث: (من باع عنباً لمن يتخذه خمراً فقد تقحم النار على بصيرة)، فكل بيع أو إجارة أعانت على محرم من فعل الفواحش، وكشف العورات، وفعل المنكرات، أو الإعانة على تعظيم شعائر الكفار؛ فذلك -والعياذ بالله- من التعاون على الإثم والعدوان، فلا يجوز المعاونة عليه بوجه من الوجوه؛ لأنه محرم، والذي أجر هذا المكان يستحق الأجرة على المكان ولكنه يأثم بذلك، وذلك المال ليس مالاً طيباً، وهو ماله يجوز له أن يتصرف فيه على أصح أقوال العلماء، كثمن العنب إذا باعه لمن يتخذه خمراً، فننهى الرجل الذي اشترى العنب عن أن يتخذه خمراً، ونقول للرجل الذي باعه: تب إلى الله ولا تعد، وخذ مالك وانتفع به. ويقول بعض أهل العلم بالبطلان، فلا بد أن يرد العنب أو أن يرد مثله والعقد باطل. والصحيح: أن هذا العقد صحيح مع الإثم، وينتقل به ملك المنفعة ويأثم الطرفان، هذا لارتكابه المحرم، وهذا لعلمه بأن الطرف الآخر يرتكب المحرم بهذه البقعة ويستحق الأجرة، وهو مال غير طيب، ولكن يجوز التصرف معه فيه. ومثل ما مضى تأجير السيارات لمن يعلم أنه يذهب بها إلى أماكن الفساد، كمن قال لك: تعال اذهب معي إلى الملهى الليلي، أو رجل عنده تكسي فأوقفه رجل، وقال له: اذهب بنا إلى الملهى الفلاني، أو إلى الخمارة الفلانية، وهو يعلم أنه يذهب إلى هناك ليشرب الخمر، فهذا لا يجوز أن يحمله والعياذ بالله.

стр. 464

موقف المسلم من تقاتل الرافضة والكفار السؤال ما موقف المسلم حول ما يحدث في العراق، حيث يقاتل الكفار الأمريكان وغيرهم الشيعة؟ الجواب لا شك أن الشيعة يخافون من أهل السنة، ونسأل الله أن يعافي المسلمين جميعاً، وعلى أي الأحوال لا شك أن المسلم المبتدع خير من الكافر، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في الجملة خير من الكفار، وإن كان عنده كثير من العقائد الفاسدة الباطلة التي لو أقيمت عليه الحجة وزالت عنه الشبهة والتأويل؛ لكان كافراً، لكن لم يحدث ذلك لانتشار الجهل، وقلة العلم خاصة في بلد منعت فيه الدعوة إلى الله عقوداً من الزمن، وانتشر فيه الجهل قروناً بسبب انتشار المذهب الباطل. لكن إجمالاً لا يزال حكم عوامهم خصوصاً، وكثير من مشايخ السوء الذين عندهم في حكم العوام لأجل الجهل، وإن ترأسوا المناصب، فمثل هذا كما ذكرنا يمنع من تكفيرهم، فنقول في الجملة: كل مسلم يحرم سفك دمه حراماً ولابد أن يتورع المسلم من ذلك، ولا يرضى به، ويحزن عليه، فحزنك على قتل أي مسلم من الدين، ولو كان مبتدعاً، ولا يجوز أن نفرح بقتل هؤلاء على أيدي الكفار والعياذ بالله. ولا شك أن المسلمين كانوا يفرحون بانتصار الروم على الفرس، ويحزنون لانتصار الفرس على الروم؛ لأن الروم أهل كتاب، فالأمر أشد من ذلك، فالشيعة الرافضة مبتدعة، ولا نكفر إلا الغلاة منهم، الذين يعتقدون ألوهية علي أو ألوهية أحد من آل البيت أو نبوة علي، أو نبوة أحد من آل البيت، ولاشك أن هؤلاء مرتدون وشر من اليهود والنصارى، والذين لا يعتقدون ذلك وإنما يطعنون في أبي بكر وعمر والصحابة فهم من شر أهل البدع، لكن ليسوا بخارجين من الملة إلا بعد إقامة الحجة عليهم وهي غير حاصلة. فيجب علينا أن نبرأ مما جاء به هؤلاء الكفار الذين يسفكون دماء المسلمين، ثم أطفال هؤلاء المسلمين ما ذنبهم؟ والله لو أن كافراً قتل مظلوماً لتبرأنا من ذلك؛ لأن الظلم أمر محرم، فالنبي ﷺ تبرأ من قتل امرأة فقال: (ما كانت هذه لتقاتل، ثم نهى عن قتل النساء والصبيان)، فنبرأ من قتل نساء الكفار وصبيانهم، أما الكفار فعندهم دماء المسلمين لا قيمة لها، وتهديم المساجد واقتحام الحرمات كلها مباحة والعياذ بالله! نسأل الله أن ينتقم منهم، وأن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

стр. 465

حكم مقاطعة بضائع الكفار السؤال ما حكم مقاطعة بضائع الكفار؟ الجواب المقاطعة تحتاج إلى دراسة جيدة، وهي مازالت مفقودة للأسف، فما رأينا دراسة صحيحة تثبت قدر الضرر الذي يحصل للكفار من كساد بضائعهم ذات العلامة التجارية، فأنا أحبذ جداً مقاطعة البضائع التي ينتجها الكفار فعلاً في بلادهم، وليس لنا بها حاجة، وهذا أمر يفت في عضدهم فعلاً، وخصوصاً إذا كان جماعياً. والأصل في بضائعهم الإباحة طالما احتجنا إليها، وكانت مصلحتنا فيها، لكن إذا كنا نستغني عنها وعندنا البديل، فالأولى والأفضل أن نقاطعها فعلاً، لكن ما يتعلق بما ينتجه المسلمون أو ما ينتج في بلادهم فقد تضرر طوائف عريضة من الناس، ويقع الضرر فيها على المسلمين أضعاف ما يقع على الكفار، فهذا أمر يحتاج إلى موازنة، فلابد من النظر والدراسة، وللأسف لا زالت هذه الدراسة مفقودة، ولا زالت قضية المقاطعة تسير بالطريقة الغوغائية، وشركات تريد تضرب شركات أخرى، تقول: إن هذه الشركات أمريكية يهودية؛ فترتب على ذلك خلل كبير، نسأل الله العافية. وأنا كنت أتمنى أن يكون رجل عنده خبرة اقتصادية يقوم بهذه الدراسة، ولو أن أحداً يستطيع ذلك فجزاه الله خيراً، سواء أكان من كليات التجارة أم من كليات الاقتصاد أم من فروع هذه العلوم، ويستطيع فعلاً أن يقوم بدراسة الضرر الذي يقع على صاحب العلامة التجارية، والضرر الذي يقع على العاملين، وعلى الذي اشترى العلامة التجارية أو أجرها مدة من الزمن، ويحسب كمية المنتجات الموجودة في بلادنا بالنسبة إلى المنتجات التي في العالم، وهل يؤثر ذلك عليهم فعلاً؟ ولا نريد نتائج مقاطعة القرن الماضي التي أثارتها الدول العربية لإسرائيل، خسرت إسرائيل كذا وكذا وكذا، لا ليست هذه المقاطعة التي نتكلم عنها اليوم، الشركات الإسرائيلية ليست هي التي نتعامل معها الآن، فنريد دراسة جيدة.

стр. 466

حكم النصيحة للكفار السؤال نصيحة الكفار هل هي من الموالاة؟ الجواب نصيحتهم بالدخول في الإسلام والتوبة إلى الله ، ليست موالاة لهم، بل هذا من حب الخير، ومن موالاة الدين والنصح له؛ لأن دخول الناس في الدين هو نصح لدين لله ولرسوله ﷺ ، وللمؤمنين أيضاً، وهذا النصح واجب، فيجب أن تنصح الكفار بأن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، والدعوة إلى الله واجبة. وإذا استنصح كافر مسلماً في أمر دنياه فيجوز له أن ينصحه، إذا لم يكن في ذلك ضرر على المسلمين، وهذا من القسط.

стр. 467

مراتب العذر بالجهل السؤال ما هي مراتب العذر بالجهل؟ الجواب هناك معذور في الآخرة، ومعذور في تكفيره لا في إقامة الحد عليه، أو في العقاب، وهناك معذور في الدنيا والآخرة وهو من لم يقصر في طلب العلم، وهو مسلم نطق بالشهادة ووقع في شرك، لكن بدون تقصير، أو لم يبلغه عن الله وعن رسوله ﷺ خلاف ذلك، فهذا إنسان معذور ليس عليه عقاب، فنحن نعذره في أحكام الدنيا؛ لثبوت الإسلام، ونعذره في أحكام الآخرة؛ لأن الله لا يعذب إلا بعد التبليغ بالقرآن، قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] أي: ويبلغه خبره التفصيلي بعد الإجمالي في حق من آمن إجمالاً؛ لأن الإيمان إيمان إجمالي وإيمان تفصيلي، فالذي آمن إجمالاً لا يكون مكذباً أو آبياً أو مستكبراً أو راداً ناقض للإيمان إلا بأن يبلغه التفصيل، فهذا إذا لم يقصر في طلب العلم لا يكفر، بل ولا يأثم، طالما كان هذا هو المتاح له، مثل الذين يأتون في آخر الزمان لا يدرون إلا كلمة لا إله إلا الله، ولا يعرفون غيرها، ولا شك أن الإسلام قد درس في ذلك الوقت، فلا صلاة ولا صام ولا يعرفون أنواع العبادات، فلا يعرفون الصلاة فضلاً عن أن يعرفوا الذبح والطواف والنذر والحلف، لا يعرفون إلا هذه الكلمة إجمالاً بلا تفصيل. ونحن في زمان يعرف الناس فيه الصوم والصلاة ولا يعرفون الذبح والنذر؛ بسبب انتشار الجهل؛ لأن هذه الصلاة والصيام أشهر من الذبح والنذر والحلف، وذلك لأنها أركان الإسلام الكبرى، ولذلك درست الأمور التي ذكرنا قبل أن تدرس الصلاة. ومعنى درست أي: انقرض علمها في الناس، وليس انقضى علمها تماماً، لكن قل علمها في الناس، فسوف يأتي زمان لا يدري الناس ما الصلاة نفسها، فلا يعرفون الركوع ولا السجود، ومع ذلك يقولون: لا إله إلا الله، فينجيهم الله من النار كما قال حذيفة ﵁. وأما المعذور في الآخرة: فهو الكافر الذي لم تبلغه الرسالة، فهو كافر؛ لأنه لم ينطق بلا إله إلا الله، ولم يعتقدها، ولم يقلها بلسانه، ولكن لم يصله، بلا بلاغ، وقد قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهذا من أهل الامتحان، يقبل عذره حين يقول: رب ما أتاني من رسول، فيمتحن يوم القيامة، وكذا الأحمق والمجنون والأصم فيقول: رب لقد جاءني الإسلام وما أسمع شيئاً، فهؤلاء معذورون في أحكام الآخرة، وأما في أحكام الدنيا فهم كفار، هذا هو المقصد من كلمة معذور في الآخرة، فلا نقول عنه: مسلم، وإن كنا لا يجوز أن نقاتله، ولا أن نسفك دمه، ولا أن نسبي نساءه ولا أولاده، ولا نغنم أمواله بغير أن يبلغ، ومن فعل به ذلك ضمنه؛ لأنه مثل المستأمن حتى يسمع حجة الله . والمرتبة الثالثة: معذور في التكفير لا في إيقاف العقوبة أو إقامة الحد، مثل الخوارج، فقد عذرهم علي فلم يكفرهم، مع أنهم اعتقدوا كفراً، وهو تكفير علي بن أبي طالب وتكفير الصحابة، وتخليد عصاة الموحدين في النار، فهذه عقيدة مناقضة للمتواتر، لكن لم يتواتر عندهم وحصلت لهم الشبهات، فاستحقوا العقاب في الدنيا والآخرة، وقاتلهم علي وقتلهم بأمر النبي ﷺ ، ومع ذلك لا يلزم أن يكونوا مخلدين في النار. وستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ولا يوجد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة أهل السنة من يكفر الثنتين والسبعين فرقة كفراً ناقلاً عن الملة، ولكن يكفر بعضهم بعضاً ببعض المقالات، ومن كان منهم منافقاً في الباطن فهو في الدرك الأسفل من النار. فالاثنتان والسبعون فرقة كلهم في النار، ولكن لا يلزم أنهم مخلدون فيها، بل منهم من يموت على التوحيد وإن كانوا قلة، والفرق الكبرى يخشى على أصحابها أنهم يموتون على غير التوحيد، لكن من مات منهم على التوحيد رغم البدعة فيدخل النار ويعذب بقدر بدعته، ولكن مآله إلى الجنة.

стр. 468

حكم غسل يوم الجمعة في ليلة الجمعة السؤال هل يجزئ غسل الجمعة بعد غروب الشمس من يوم الخميس؟ الجواب الصحيح أن الغسل لا يكون إلا بعد أن يطلع الفجر من يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة)، ويوم الجمعة إذا أطلق يكون بعد طلوع الفجر.

стр. 469

الفرق بين الفتنة والابتلاء السؤال هل يبتلي الله كل مسلم؟ وما الفرق بين الفتنة والابتلاء؟ الجواب قال : ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] فلا بد من الابتلاء والامتحان والفتنة، أي: التي بمعنى الامتحان، أما الفتنة التي بمعنى السوء والشر الذي ظهر من الممتحن عند امتحانه فهذا لا يلزم أن يتعرض له الإنسان، بل هناك من يفتتن أي يمتحن ويبتلى فيصبر. وقد ابتلى الله داود ﵇ بعدة بلاءات أثناء المعركة وقبلها، وزلزلوا زلزالاً شديداً عندما قال المؤمنون الذين عبروا النهر مع طالوت: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وتجرأ داود ﵇ وهو شاب على قتل جالوت، القائد الكبير الذي يرعب منظره الأعداء مع كثرة العدد، فهذا كله كان ابتلاء، وابتلي داود ﵇ قبل ذلك أثناء فترة المحنة بـ طالوت والنهر، ثم ابتلي داود ﵇ في أمر الخصمين، وقد ذكر كثيرون أنه قال لصاحبه: انزل لي عن المرأة، وذلك أمر عدَّ في حقه ذنباً، ولم يزد على ذلك، ولم يقع منه محرم ولا فاحشة، وقيل: إنه أخطأ في الحكم بين الخصمين، والله أعلم، والأول عندي أصوب.

стр. 470

وضع مال في البنك وأخذ فائدة عليه السؤال رجل وضع خمسة آلاف في البنك وبعد عشر سنين أخذها عشرين ألفاً، فهل هذا ربا؟ الجواب إن لم يكن هذا ربا فلا ربا في العالم، والله! هذا ربا عند الأقارب والأباعد، إلا أهل السوء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويسمون هذا فائدة، والذين اخترعوا البنوك يسمون هذه فائدة وربا، ولا يقولون: إن هذا ليس بربا، فهم يعرفون أن النقود لا تلد، والربا هو: الزيادة، فهذا هو الربا بعينه، فعلى المسلم أن يستثمر ماله عن طريق المضاربة الشرعية، أو عن طريق البيع والشراء، أو عن طريق الشركة، أو عن طريق المرابحة مثلاً. وعلى أي الأحوال فتجب عليه الزكاة، ويجب عليه أن يتخلص من القدر الزائد، فالمال الزائد عن الخمسة الآلاف يصرفها في مصالح المسلمين، تخلصاً منه نيابة عن أصحابه المجهولين، فالبنك رابى معهم فكان عليه أن يرجع لهم هذه الفلوس، لكن لا سبيل إلى ذلك، والواجب شرعاً: أن تأخذ ما أودعت فقط، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩]. فالخلاصة: أن هذا المال جاء من خلال معاملة ربوية، مثل الذي يسمونه نظام الائتمان، وقليل جداً جاء بسبب معاملات مباحة في البنوك، والأصل في هذه الأموال أنها تأتي بالأرباح عن طريق الائتمان، وهو ليس ائتماناً وإنما هو خيانة، وهو الربا المحرم. ومن علامات قوة النشاط الاقتصادي: أن الفوائد في البنك تقل؛ لأنه دليل على أن الناس يستثمرون أموالهم في المشاريع أكثر من استثمارها في البنك، والبنك عند الائتمان يجعل الفلوس تتراكم فيه، وهذا من علامات ضعف الاقتصاد في الحقيقة؛ ولأجل ذلك تجد الدولار أقل فائدة موجودة، ففائدته في السنة لا تصل إلى اثنين ونصف في المائة في البنوك، لماذا؟ لأن اقتصاد أمريكا قوي من أقوى الاقتصادات.

стр. 471

حكم إصلاح أجهزة الفيديو والتلفزيون السؤال ما حكم إصلاح الأجهزة الإلكترونية والكهربائية كالفيديو والتلفزيون؟ الجواب يجوز أن تصلح هذه الأجهزة للملتزمين الذين يستعملونها في الحلال، وأما إصلاحها لمن يستعملها في الحرام -وهم الأغلب- فلا يجوز ذلك؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان.

стр. 472

نصيحة للشباب الذي لا يستطيع الزواج السؤال ماذا يفعل الشباب أمام فتنة النساء في الجامعة وفي غيرها -نسأل الله العافية- ونحن لا نستطيع الزواج؟ الجواب نسأل الله أن ييسر الزواج للمسلمين، وعلى أي الأحوال من لم يستطع فعليه بالصوم كما قال النبي ﷺ : (ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). وأنصح بقراءة كتاب الداء والدواء لـ ابن القيم، فإن فيه منهجاً طيباً لإصلاح القلب، ومبنى الأمر على عمل القلب وحراسة الخواطر وإصلاح حال القلب حتى يتعلق بالله ، وسؤال الله العافية.

стр. 473

حكم من أفطر أياماً لا يدري عددها السؤال ما حكم من أفطر عمداً أياماً من رمضان ولا يعلم عددها، ثم تاب وهو الآن يكثر من صيام التطوع؟ الجواب يجب عليه أن يقضي تلك الأيام أولاً؛ لأن النبي ﷺ قال للمجامع في رمضان: (واقض يوماً مكانه) فيجب عليه أن يقضي تلك الأيام، وأن يتحرى عدد تلك الأيام التي أفطرها في رمضان، ويصومها بنية القضاء، والأفضل أن يصوم التطوع بنية القضاء. والصحيح من قولي العلماء: أنه يلزمه عن كل يوم كفارة، وهي صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً أو عتق رقبة يخير فيها، والأفضل الترتيب: العتق ثم الصيام ثم الإطعام، فيطعم عن كل يوم مسكيناً، وهو مد من الأرز أو من غيره من الحبوب، ومن لم يجد فتبقى في ذمته إلى أن يفتح الله عليه، وعليه أن يبادر بالقضاء.

стр. 474

أسباب ثبات العقيدة السؤال كيف يثبت المسلم العقيدة في قلبه؟ الجواب بالتفكر في آيات الله المسموعة والمشهودة، فيتدبر القرآن، ويتفكر في خلق السماوات والأرض، ويسمع أحاديث النبي ﷺ ويتدبرها ويعمل بها، ويكثر من العبادة والذكر ومن العمل الصالح.

стр. 475

علاج الوسواس السؤال ما علاج الوسواس؟ الجواب يقول: لا إله إلا الله، ولينته، وليصرف تفكيره عن ذلك، فإن كان مرض الوسوسة قهرياً فيمكنه أن يأخذ بعض العلاج.

стр. 476

الإنسان ميسر لما خلق له السؤال هل الإنسان مخير أم مسير؟ الجواب الإنسان ميسر لما خلق له.

стр. 477

منطلقات الدعوة إن الدعوة إلى الله تقوم على أسس ومنطلقات لا بد للداعية أن يكون على علم بها، ليطبقها في دعوته، حتى تؤتي هذه الدعوة ثمارها المرجوة. وهذه المنطلقات هي: العلم والحلم والصبر، فعلم يسبق الدعوة، وحلم يكون أثناءها، وصبر يكون بعد القيام والبدء بها، ولا يعني هذا بقاء الصبر فقط في آخر المطاف، وانتهاء كل من العلم والحلم، بل إن هذا للترتيب فقط، فإن ما كان أولاً يجب أن يستمر آخراً.

стр. 478

منطلقات الدعوة: أهميتها وتعدادها الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن الله قد بعث رسله مبشرين ومنذرين، فأرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ﵌، فقد جعل الله لهؤلاء الرسل أشرف المهمات، وهي مهمة إرشاد الخلق إلى طريق الحق، مهمة تذكير الناس بربهم وتعريفهم بحقوقه ، وتذكيرهم بلقائه . ولما كان محمد ﷺ آخر النبيين وخاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا نبي بعده فقد ورثت أمته من بعده هذه المهمة العظيمة، فكانت وظيفتها هي وظيفة أنبياء الله في التذكير بآيات الله وتعليم الناس الكتاب والسنة، وفرض الله عليها أن تكون معلمة للأمم كلها وشاهدة عليهم، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فالله جعل مهمة الأمة الشهادة على الأمم، كما إن الرسول ﷺ شهيد عليهم، إنما كان شهيداً عليهم بما علمهم وبلغهم وذكرهم وأمرهم به من المعروف ونهاهم عنه من المنكر، وهم كذلك من باب أولى، أي: إنما يكونون شهداء على الناس إذا قاموا بهذه المهمة، أما إذا لم يقوموا بها فكيف يشهدون على الناس وهم لم يبلغوهم ولم يذكروهم ولم يأمروهم ولم ينهوهم؟ ولذلك نقول: إن وسطية هذه الأمة -ومعنى الوسطية الخيرية- إنما هي مرتبطة بقيامها بهذه الوظيفة؛ وظيفة الدعوة إلى الله، قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وليس بمستغرب أن يبدأ في هذه الآية الكريمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم يعقب ذلك بالإيمان بالله، مع أن الإيمان بالله أعظم أهمية في نجاة الإنسان، وأعظم واجب عليه في وجوده كله، ولكن لأجل أن هذا المقام مقام بيان وجه خيرية هذه الأمة، على سائر الأمم؛ لأن خيرية هذه الأمة على الأمم إنما يظهر من خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يكون ذلك بدون الإيمان، فإن الدعوة بدون الإيمان شجرة خبيثة لا حقيقة لها ولا ثبات ولا استقرار، وإنما قدر الدعوة إلى الله وثمارها على قدر الإيمان الذي يكون في القلوب، ولكن يظهر للناس أثر الإيمان من خلال الدعوة إلى الله، ومن خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك لابد لهذه الأمة أن يكون فيها هذا الواجب الذي لا يسعهم تركه جملة، بل لو تركوه أثم كل قادر بحسب قدرته، كما بين ذلك أهل العلم، وهذا معنى فرض الكفاية. وقد ذكرنا قبل أن فرض الكفاية في هذا المقام معناه أن يوجد المعروف الواجب وأن يزول المنكر المحرم في الناس، فإذا حصل ذلك حصل القدر الواجب، وإلا أثم كل قادر بحسب قدرته. والدعوة إلى الله لها منطلقات ثلاث لابد لكل داع إلى الله أن يحصلها، وأن تكون من صفاته الأساسية في أخلاقه ومعاملاته مع الناس؛ وذلك لأن نجاح الدعوة إلى الله مرتبط بصفات معينة. المنطلق الأول: في قول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. المنطلق الثاني: في قوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. المنطلق الثالث: في قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٥ - ١٢٨]. وحقيقة هذه المنطلقات: أن الآية الأولى دلت على وجوب العلم والبصيرة؛ وذلك أن الداعي إلى الله لابد أن يكون داعياً إليه على بصيرة وأساسها العلم. ونأخذ من الآية الثانية: أن يكون الداعية حليماً، وإلا فسيفشل في دعوته. أما الآيات الأخيرة: ففيها الأمر بالصبر، فلابد أن يكون الداعية صابراً، فالعلم قبل الدعوة، والحلم معها والصبر بعدها، ولا شك أن ما كان قبل يمتد بعد ذلك، فليس العلم منزلة تتركها، بل تبقى معك إلى نهاية الطريق.

стр. 479

المنطلق الأول للدعوة: العلم فأما الأمر الأول: فهو العلم ولا نعني به مجرد إدراك أو فهم المسائل، ولكنه ما ذكر الله في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]. إذاً: فلابد أن يكون من اتبع النبي ﷺ ، على بصيرة، ولكن -كما ذكرنا- أساس البصيرة العلم، والبصيرة بالنسبة للقلب كالبصر بالنسبة للعين، فالإنسان يبصر بالعلم الحقَّ من الباطل، والسنةَ من البدعة، والهدى من الضلال، فبدون العلم بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه تفقد الدعوة روحها وحقيقتها، وبدونه تكون الدعوة دعوة مفرغة من مضمونها ومن حقيقتها، فلابد أن يكون الداعي إلى الله على علم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]، فبدأ بنفسه ، ثم ثنى بالملائكة ثم ثلث بأولي العلم، ولا شك أن في ذلك دليلاً على علو شأنهم وارتفاع قدرهم. وقد ذكر الله تعالى بأن العلماء هم الذين يخشونه من بين عباده، قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فالعلم هو الخشية، فكفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً، وقال في ذم الذين لا يفقهون: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]، وقال : ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]، وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦]، فذكر أن انعدام العلم والفقه في الدين هو صفة الكفرة والمنافقين، وهذا من أعظم المنفرات من إهمال طلب العلم ومن تضييعه وعدم الحرص عليه؛ فإن الجهل يعتبر من الأمراض التي تقتل القلوب وتميتها والعياذ بالله، بل وتدمر الأمم، فهي علامة على قرب خراب الدنيا، قال النبي ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يكثر الجهل ويقل العلم) وقال ﵊: (إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينزعه بقبض العلماء، فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وقال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، وقال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (اللهم فقه في الدين وعلمه الكتاب). فكان يدعو لمن يحب ﵊ بالفقه والعلم، وهذا يقتضي منا مزيد اهتمام بمداواة هذا الداء العضال الذي ينتشر انتشار النار في الهشيم؛ داء الجهل بدين الله ، حتى وجد الكفر أحياناً والناس تظنه إيماناً وهدى. وإن كنا كثيراً ما نتكلم عن العذر بالجهل، فذلك لا يعني فضيلة الجهل حتى يكون الإنسان حريصاً على بقائه، بل هذا الجهل الذي يكون العذر فيه هو الناشئ عن عدم البلاغ، ويكون عذراً في عدم التكفير فقط، ولا يعني أنه يكون عذراً في عدم الإثم، بل إنه يأثم بجهله إذا كان العلم قد وجب عليه، فإن الإنسان إذا وجب عليه عمل معين، فإنه يلزمه أن يتعلم العلم الذي يصح به هذا العمل، وإلا أثم بترك طلب العلم، فمن بلغ وهو عاقل فقد وجب عليه أن يتعلم فقه الطهارة والصلاة والصيام، وإذا كان له مال وجب عليه أن يتعلم فقه الزكاة، وكذا الحج إذا وجب عليه، ومن تزوج وجب عليه أن يتعلم فقه الزواج، ومن طلق وجب عليه أن يتعلم فقه الطلاق، حتى يؤدي كل امرئ الحقوق التي عليه، ولذلك نقول: إن الجهل الناشئ عن الإعراض عن الحجة ليس بعذر، وكذا التقصير في طلب العلم ليس بعذر في وقوع الإثم، بل إن الإنسان يأثم بما ترك من العلم الواجب عليه بالإضافة إلى تركه العمل الذي لزمه، فإن ترك العلم من أجل ترك العمل ليس بعذر. وكثير من الناس يرى أنه ينبغي أن يُترك جاهلاً، فيقول لك: لا تخبرني بهذا الأمر؛ لأنك إذا أخبرتني لزمني، والأمر ليس كذلك، فإنه لازم له حتى ولو لم تخبره؛ لأنه قادر ومتمكن من العلم، والتمكن من العلم يجعل الإنسان آثماً إذا ترك الواجب الذي عليه من ذلك، وفي هذا يقول النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وليس المقصود به العلم الدنيوي؛ لأن العلوم الدنيوية بلا علم شرعي كلا علم، قال : ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]. فلما كان علمهم مقتصراً على الدنيا وصفهم الله بأنهم ليس عندهم علم، ثم ذكر أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فعلم الدنيا بلا علم الآخرة كعدم العلم، ولذلك لا يجوز أن نطلق على الكفرة أنهم علماء، بل لابد أن تقيد بأنهم علماء دنيا أو علماء في الباب الفلاني، فلا يصح الإطلاق فيهم؛ لأنهم أجهل من الدواب، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. ومن هنا نقول: إن أمر العلم لابد أن يكون أحد المنطلقات الأساسية في الدعوة إلى الله ، وأن يحرص عليه الكبير والصغير، ولا يتوقف عند مرحلة معينة من عمر الإنسان، بل كما قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة، فيبقى الإنسان طالباً للعلم ولو مع كبر سنه، أو تقدم عمره، أو ضعف جسده، فكل ذلك فيه الثواب العظيم، فقد كان الصحابة ﵃ يرحلون في طلب العلم أشهراً رغم كبر سنهم وسبق منزلتهم، فهذا جابر بن عبد الله ﵁، أحد أكابر الأنصار وممن شهد المواقع الكبرى، وهو في سنه الكبير يسمع أن عبد الله بن أنيس ﵁ سمع من رسول الله ﷺ حديثاً لم يشافهه النبي ﷺ به، فيشتري بعيراً ويضع عليه رحلاً ويرحل إلى الشام شهراً، يسير ذهاباً شهراً وإياباً شهراً؛ ليسمع حديث القصاص، الذي جاء فيه: (لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها)، ويرجع من يومه الذي وصل فيه، فقد سافر شهرين متتابعين؛ لأجل أن يسمع حديثاً واحداً، رغم كبر السن وعظم المنزلة. وهذا موسى ﵊ يخبره الله أن هناك عبداً هو أعلم منه، وهو في الحقيقة أعلم منه ببعض المسائل وليس مطلقاً، ولكن الله أطلق ذلك لأجل أن يعلم موسى، ولأجل أن يجعله متواضعاً لله ، بل قد قال الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، ثم وقف عصفور على حرف السفينة فقال: وما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، فكان الخضر أعلم نسبياً، يعني: أعلم من موسى ﵊ في بعض المسائل، قص القرآن علينا منها ثلاث مسائل. فانظر كيف أن رحلة طويلة قضاها موسى ﷺ وجد فيها ما وجد من التعب والنصب؛ وذلك ليطلب ثلاث مسائل، وهذا يدلنا على أن الإنسان مهما بلغ من القرب من الله، فإن عليه أن يزداد من طلب العلم وإن وجد ما وجد من المتاعب والمشاق في سبيل تحصيله، ويدلنا كذلك على شرف طلب العلم وأهمية الحرص عليه، ولو كان لمسألة واحدة يسافر الإنسان إليها. ولهذا فالفضل بعد الله في وصول العلم الشرعي إلينا يرجع إلى علماء الحديث والآثار، وما بذلوا من جهد في طلب الحديث، فقد كان الواحد منهم يسافر البلاد البعيدة من أجل حديث واحد، فلولا هؤلاء بعد الله لما اجتمعت لدينا هذه الكتب العظيمة التي فيها درة الإسلام وبيان كلام الله رسوله ﵌.

стр. 480

أنواع العلم العلم المطلوب في الدعوة نوعان: علم بخطاب الشرع وعلم بالواقع: والعلم المطلوب في الدعوة إلى الله نوعان: علم بخطاب الشارع، والعلم بالواقع الذي يعيشه الإنسان؛ ليطبق هذا الخطاب على الواقع. فمثلاً: لابد أن يعلم أن الشرع قد حرم الخمر، ثم بعد ذلك لابد أن يعلم أن الذي في هذا الإناء خمر، حتى يمكنه إراقته، ليغير المنكر ويدعو إلى الله أو ينكر على من يشربه، وأما إذا لم يعلم الواقع سيترتب عليه إما أن يضيع واجباً أو أن يأتي محرماً، فربما كان هذا الإناء على سبيل المثال فيه شراب محترم، أي: شراب نافع، فهو مال لأخيه المسلم فقد يريقه بدون معرفة. ولذلك نقول: إنه لابد من الأمرين معاً، العلم بخطاب الشرع، والعلم بالواقع، وكم من أمور مبناها على معرفة الواقع، ولكن هذا لا يعني أن نغالي في ذلك كما قد يغالي فيه البعض، فيجعل همة الناس في معرفة ما يجري من أخبار وما قاله الساسة، ومعرفة التفاصيل التي يخرف بها المفكرون والمتكلمون والصحفيون وغير ذلك. إنما المطلوب من علم الواقع هو ما يدرك به الحكم الشرعي على هذا الواقع: أما التفاصيل الكثيرة فهي أكثر من أن تحصى، وعمر الإنسان لا يتسع لذلك، فلا يطلب منك أن تكون على بينة بكل كلمة يقولها الأعداء، أو كل شبهة وضلالة تطلق في الدنيا، وإنما تعرف من ذلك ما يضر وما يحتاج منك إلى أمر وموقف وبيان ونحو ذلك، وتعرف حقيقة من توالي ومن تعادي، فلابد أن تعرف هذه الأمور جيداً من خلال العلم بالواقع، أما أن يكون الإنسان تاركاً للعلم الشرعي الذي يلزمه، وفي نفس الوقت يكون منشغلاً بنشرات الأخبار ليل نهار، يسمع عشر نشرات في نصف اليوم ربما، ويقرأ عشرات الجرائد مع أن جريدة واحدة مختصرة أو ربما بعض أخبارها تكفيه، فهذا خلل يحدث عند الكثيرين، وبالتالي تجده يحسن أن يخبر عما جرى وعما وقع، ولا يحسن أن يخبر عن حكم الشرع في ذلك؛ لأنه أهمل الجانب الأهم، وهو العلم بالشرع. ولا شك أن العلم بالشرع مطلوب لذاته، والعلم بالواقع مطلوب لغيره، فأنت لا تثاب على معرفة تفاصيل ما يجري إلا أن يكون لذلك تعلق بالعمل الشرعي والعلم الشرعي، بينما لو تعلمت الشرع فأنت تثاب على ذلك حتى ولو لم تكن من أهل تطبيقه، فلو أن إنساناً ما قسم ميراثاً في حياته، ولكنه تعلم فقه المواريث لكان مثاباً على ذلك؛ لأن هذا من العلم بما شرع الله، وهو مقتضى العلم بكلامه وبما جاء به نبيه ﷺ أي التصديق به، وهذا يثاب عليه. وأما تصديقك أنه قد حدث في البلد الفلاني كذا وأنه وقع في الحادثة الفلانية بالكيفية الفلانية، فهذا لا تثاب عليه ولا تذم على تكذيبه أو الشك فيه، إلا أن يترتب على ذلك حق لعباد الله، أو يترتب عليه موقف للدين لابد أن تتخذه، فهنا ينبغي عليك أن تتحرى حتى تؤدي ما عليك، وإلا فالجهل بالحال بالتأكيد يؤدي إلى ترك الواجب في كثير من الأحيان، فلو أن الناس مثلاً جهلوا حقيقة أعدائهم من اليهود أو النصارى أو المشركين وقالوا: إن هؤلاء ليسوا بكفار أو ليسوا بأعداء، ترتب على ذلك الاستسلام والخضوع لهم، وترتب على ذلك أحياناً ترك معاونة المجاهدين في سبيل الله ، وترك ما لزم الإنسان من البذل والدعاء والتضحية وغير ذلك، بل ربما وصل الأمر إلى أكبر من ذلك، فقد يستجيب الإنسان لدعاة على أبواب جهنم لجهله بحالهم، وربما جروه إلى النار وهو لا يشعر، فقد حذر النبي ﷺ من الشر بعد الخير الذي فيه دخن، فقال: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال: قلت يا رسول الله! صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس). ولذلك نقول: إن كثيراً من الناس عندما لا يعلم الواقع ويظن أن العلم به أمر لا فائدة منه، فإنه يترتب على ذلك أن يمدح أهل الزندقة والنفاق، وأن يسوغ للناس طاعتهم ومتابعتهم والاستجابة لهم، ويذم أهل الإيمان والتقوى بما يروج عنهم من أباطيل، وبما يذكر عنهم من أكاذيب، فيترتب على ذلك خلط للأمور. لكن نقول: لابد من تحقيق التوازن بين الشقين المطلوبين للداعي إلى الله ، أي: لابد من تحقيق التوازن بين العلم بالشرع وهو كما ذكرنا المقصود لذاته والمقصود الأصلي، وهذا بأن تتعلم كلام الله وكلام الرسول ﷺ ، وأقوال الصحابة ﵃، وشروح ذلك من كلام أهل العلم، والعلم بالواقع، وهو واقع الحال؛ حتى تستطيع أن تطبق الشرع على الواقع الذي تعيشه، ولا يختلط عليك الأمر فيما تواجهه من مشكلات، فهذا أمر ضروري لا شك فيه. - لا يشترط في الداعية إلى الله أن يكون في منزلة المجتهدين: وبناء على ذلك هل نقول: لا يجوز لغير العلماء أن يدعوا إلى الله ؟ هذا قد يفهمه بعضهم فهماً غير سليم؛ وذلك لظنهم أن العلم المشترط في الدعوة إلى الله هو أن يحصل الإنسان مراتب المجتهدين، وهذا أمر غير صحيح؛ لأن الأمور تنقسم إلى قسمين: قسم معلوم من الدين بالضرورة، وهو ما اشترك في العلم به العالم والجاهل والخاص والعام، فهذا كل المسلمين علماء به، كوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحرمة الزنا، وشرب الخمر، وحرمة الربا والميسر ونحو ذلك مما لا يتنازع المسلمون فيه إجمالاً، فكل المسلمين علماء بذلك. ولذلك وجب على كل المسلمين أن يأمروا وينهوا في هذا الباب، وأن يدعوا إلى الله ، وهذا مما يستهين به الكثيرون، وقد يظن بعضهم أن هذا ليس في دائرة الدعوة، مع أن جزءاً كبيراً من هذا العلم هو في دائرة الدعوة الأهم، فكم من الناس يترك الصلوات الواجبة! ويترك الصوم الواجب، فيفطر في رمضان علناً! وكم من الناس يفعل الفواحش! فهل يعقل أن أحداً من المسلمين يجهل مثلاً أن تقبيل الرجل للمرأة الأجنبية محرم؟! والله هذا مما لا يجهله أحد، فالبلاء الذي وجد في الأمة من انتشار الفواحش وتكشف النساء حتى قد شوهد في بعض بلاد المسلمين من يقبل النساء في الشوارع، نسأل الله العافية والسلامة، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تكاد تصدق، فهل هذا كله يحدث بسبب الجهل بأحكام هذه الأمور؟ لا والله! فكل الناس يعرفون أن هذه الأمور محرمة بلا شك، ولكن كل واحد منهم يؤثر السلامة، فليس عنده عزيمة على التغيير ولو بكلمة واحدة، فإن كل واحد منا لو قال هذه الكلمة لكان لذلك أثر عظيم وكبير، فلو أن كل متبرجة سمعت وهي تمشي أن الحجاب فرض، أو سمعت: اتقي الله، حرام، فإنها ستتغير في يوم من الأيام، لكنها ربما قد تسمع كلمات الإعجاب أضعاف كلمات الإنكار والعياذ بالله، فهذا الأمر ليس مرده إلى الجهل، وإنما مرده إلى تقاعس الناس وتعودهم على عدم الإنكار؛ وذلك راجع إلى أسباب كثيرة أهمها: التعود المفرط على متابعة القنوات الفضائية وما تبثه من سموم فتاكة، من تعليم للقتل والسرقة والفاحشة، فيعتاد الناس ذلك وتنتشر هذه الأمور في المجتمع، هذا أحدهم ينقل لي إحصائية يقول فيها: في الفترة الصباحية: عدد المشاهدين للتلفزيون خمسة وثلاثون مليون شخص، وا مصيبتاه! خمسة وثلاثون مليون شخص يشاهد التلفزيون في الصباح! فكم سيكون العدد بعد العودة من العمل؟! وهذا العدد غير مستغرب، فإننا لو سألنا: هل يوجد بيت في هذه الأيام ليس فيه تلفزيون؟! بل إنه قد انتقل من البيوت إلى المحلات، وفوق ذلك أصبح في السيارات، إذاً: فالأرقام هذه غير مستغربة، بل هي من الحقيقة بمكان. فالأمر كما قلنا: لا يعني انتشار هذه المعاصي أن الناس يجهلون حكمها، بل كل واحد منهم يعلم حكمها الشرعي، ولذلك يجب عليه أن يدعوا إلى الله وأن يأمر وينهي في هذه الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وليس الأمر متروكاً للعلماء فقط في مثل هذه المسائل.

стр. 481

العلم الذي يسوغ الإنكار فيه والذي لا يسوغ والعلم ينقسم إلى قسمين: علم انتشر بين المسلمين، وعلم لم ينتشر، والعلم الذي لم ينتشر إنما يأمر فيه وينهى العلماء، أو من أخُبر من قبَلهم أن هذا مما يشرع فيه الإنكار، أو أنه أمر مجمع عليه، أو أمر لا يسوغ فيه الخلاف، وبالتالي عليه أن يدعو ويأمر وينهي في هذا الأمر حتى ولو لم يكن منتشراً. إذاً: فهذان شرطان أساسيان يجب توفرهما إذا أراد العامي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما لم ينتشر علمه وسط المسلمين. فالعامي لا يأمر ولا ينهى إلا فيما يعرفه الصغير والكبير؛ لأن كل الناس يعرفون وجوب الصلوات الخمس، وكثير من الناس لا يصلون فيتركونها حتى يخرج وقتها، وينامون عن صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، نسأل الله العفو والعافية، بل إن كثيراً من الناس الذين يقولون: نحن نصلي، تجد أحدهم يصلي آخر النهار كل الصلوات مع بعضها، ويترك ما أوجب الله عليه من الصلاة في وقتها، وربما يجمع صلاتين مع بعضهما، وهذا أمر معتاد لدى الكثيرين من الناس، ولا حول ولا قوة بالله. وأيضاً لا بد أن يسمع العامي فتوى العلماء في حكم هذا الأمر الذي ينكره، ويسمع الدليل على ذلك، ويعرف أن المسألة ليس فيها خلاف سائغ، أو ليس فيها خلاف أصلاً، ففي مثل هذا يسوغ للعامي أو الذي لم يبلغ مراتب العلماء أن يأمر وينهى، فضلاً عن طالب العلم المميز، الذي هو في الحقيقة قد جمع كثيراً من المسائل وعرف الراجح من أقوال العلماء بأدلتها، وعرف ما يسوغ الخلاف فيه وما لا يسوغ، فهو في هذه المسائل التي قد جمع أدلتها ملحق بالعلماء، والتي لم يجمع أدلتها هو فيها ملحق بالعوام، فينظر فيما أفتاه به العالم، ولكن الشرط -كما ذكرنا- أن يفتي العالم ليس فقط بأن هذا الأمر واجب أو هذا الأمر محرم، بل لابد أن يفتي أيضاً بأن هذا الأمر مما يسع فيه الإنكار ولا يسوغ فيه الخلاف، أو إنه مما أجمعت عليه الأمة فلا عبرة بمن يخالف في ذلك. وأما ما فيه خلاف سائغ وهو ما لا يصادم البينات، أي: لا يخالف النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع القديم أو القياس الجلي، فإن هذا يجب التوقف عن الإنكار فيه؛ لأنه يسع فيه الخلاف، فلا ينكر إلا بمجرد المناظرة العلمية ولا يسمى إنكاراً في الاصطلاح. وأما إذا صادم الخلاف نصاً من كتاب أو سنة، أو صادم إجماعاًَ قديماً أو قياساً جلياً فإن الإنكار على من فعله واجب، كمن رأيته مثلاً يبيع الأرز بالأرز مع التفاضل، فهذا نوع من الربا، وقول الظاهرية في جوازه غير معتبر؛ لأن قياس الأرز على القمح قياس جلي واضح، ولو وجدت إنساناً مثلاً يزرع أرزاً ولا يخرج الزكاة، ويقول: الزكاة وردت في القمح والشعير والزبيب والتمر، ولم ترد في الأرز، فلن أخرج الزكاة فيه، فلا شك في أنه ينكر عليه إنكاراً شديداً، ويؤمر بإخراج الزكاة. ولو وجدت إنساناً لا يخرج زكاة الأوراق النقدية، ويقول: الزكاة في الذهب والفضة، فلا أخرجها في الأوراق النقدية ولا في عروض التجارة، وهو تاجر بالملايين، ولكن البضاعة عبارة عن سلع وأوراق مالية، وليس عنده ذهب ولا فضة، فلو حدث هذا، لأنكر عليه أغلظ الإنكار، بل ربما ضُلل وفُسق بسبب هذا؛ لأن هذا القياس من أجلى أنواع القياس؛ فإن هذه الأوراق المالية هي بمنزلة الذهب والفضة، وأما عروض التجارة فهي رءوس أموال الناس في التجارة، فهذا ينكر عليه لأنه خالف القياس الجلي، ومن باب أولى إذا خالف الإجماع. مثلاً: إذا ثبت إجماع قديم كإجماع السلف على عدم تأويل الصفات، فالذي يؤول الصفات بعد أن يعلم هذا الإجماع يبدع، ولذلك ينكر عليه أن يقول بذلك، وهكذا من يخالف إجماع أهل السنة في أي مسألة من مسائل الاعتقاد الكبرى؛ كتكفير المصر على الكبيرة مثلاً أو تكفير مرتكب الكبيرة، أو كونه مثلاً يجعل الإيمان قول بلا عمل، أو اعتقاد بلا عمل، وغير ذلك مما اتفق عليه السلف الصالح، فخالفهم في ذلك فيعد مخطئاً وخلافه باطل. وأما مصادمة الخلاف للنص فمثاله: عندما تسمع قول النبي ﷺ : (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فلو قيل: البيرة ليست حرام؛ لأنها مصنوعة من عصير الشعير، وإنما الخمر تكون من العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، فنقول: هذا أمر ينكر على قائله، بل ويحد شارب البيرة شرعاً؛ وذلك لأن الرسول ﷺ قال: (كل مسكر خمر وكل خمر حرام)، وقال ﵊: (نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، فذكروا أصنافاً). إذاً: فالخمر ليست فقط عصير عنب، بل من ضمنها الشعير وغيره، وقد وردت النصوص الصريحة الواضحة في أن الخمر كل ما أسكر، مثل قول النبي ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، فلا عبرة بقول بعض العلماء المتقدمين ممن لم يبلغهم الحديث صحيحاً؛ في أن غير عصير العنب جائز الشرب إذا كان قليلاً ولم يسكر، فهذا كلام باطل. مثالاً آخر: ابن حزم يجوز الموسيقى والغناء، وقد ورد عن النبي ﷺ كما سبق معنا- أنه قال: (ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فالمعازف محرمة بهذا، واستحلال الخمر بتسميتها بيرة خلاف غير معتبر، واستحلال المعازف أو القول بأنها لم يرد فيها نص كلام غير معتبر؛ لورود النص بذلك وضعف قول من يحتج بجوازه مثلاً بغناء بعاث؛ لأنه كان بغير آله، واستحلال الحر الذي هو الفرج بنوع شبهة؛ باطل باتفاق العلماء، وهذا يفعله كثير من الشباب اليوم في قضية الزواج العرفي، بأن يتزوج بغير ولي وربما بغير شهود، وقد قال النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، وقال ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنحاكها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها)، والقول بأن هذا الأمر فيه خلاف، لأن بعض المشايخ المتقدمين أفتى بأن الزواج يقاس على البيع والشراء فيجوز أن تنكح المرأة بلا ولي طالما كان هناك شهود، فهذا القول باطل لا عبرة به؛ لأن الرسول ﷺ قال: (نكاحها باطل)، فلا عبرة بمن يخالف، وإن كان هذا قد يمنع إقامة الحد لوجود الشبهة، خصوصاً مع انتشار الجهل، لكن من علم بطلان هذا النوع من الزواج وأقدم عليه، فالصحيح أنه يقام عليه الحد شرعاً؛ لأنه يعلم أنه يقدم على زنا والعياذ بالله من ذلك. إذاً: فإذا صادم الخلافُ النصَّ من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي فلا عبرة بالمخالف، ولذلك يشرع الإنكار، والعلم بفتوى عالم لابد أن تتضمن ذلك، والعالم نفسه لا يجوز له أن ينكر إلا ما خالف البينات؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فذم الخلاف بعد البينات، وأما قبل البينات فهو خلاف معتبر، كما اختلف الصحابة ﵃، وكما ذكر الله قبل ذلك اختلاف سليمان وداود فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]. فهذا هو المنطلق الأول وهو منطلق العلم، ويعتبر من أعظم المنطلقات للدعوة إلى الله.

стр. 482

المنطلق الثاني: الحلم أما المنطلق الثاني فهو منطلق الحلم، معناه: أن يكون الإنسان رحيماً شفيقاً يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، يعلم أن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه). فالأصل في الدعوة إلى الله الرفق والعنف طارئ، فالعنف إنما يستعمل عند الضرورة ولا ننفيه بالكلية، فإن نفي العنف بالكلية يؤدي إلى ترك الجهاد، لكنه ليس هو البداية الأصل، ولا يصح أن نقول: لا عنف في الإسلام مطلقاً، ولكن الأحب إلى الله الرفق، والعنف يستعمل في موضعه وبالضوابط الشرعية كما ذكرنا، مثل الجهاد في سبيل الله، وتغيير المنكر باليد، وغير ذلك بضوابطه الشرعية، وليس أن الدين مطلقاً ليس فيه عنف ولا شدة، فمثلاً: الأب إذا رأى ابنته مع شاب! فلا شك أنه يبدأ المعالجة بالرفق واللين، لكن لابد من وجود نوع من العقاب في كثير من الحالات، وليس أن الأمر دائماً يتوقف بلا عنف، ولذلك نعلم أن النبي ﵊ هو الرءوف الرحيم بالمؤمنين، ومع ذلك جلد في الحدود، ورجم ﷺ ، وقطع الأيدي، وجاهد في سبيل الله ، كل ذلك في موضعه، قال الله عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. إذاً: فلابد أن نكون رفقاء في الدعوة إلى الله ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، وما دام الأمر -كما ذكرنا- في بدايته فلابد أن يكون الرفق هو الأصل، ونعلم أن من صفات المؤمن التي يحبها الله الحلم، كما قال النبي ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة)، أي أنه يتأنى، ولا يقدم على الأمر مباشرة من غير بحث ومعرفة وتمهل، فلابد من هذه الأمور.

стр. 483

المنطلق الثالث: الصبر وأما المنطلق الثالث فهو منطلق الصبر؛ لأن الإنسان لابد وأن يصيبه في الدعوة إلى الله أنواع من الأذى، كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، فإن هناك من الأمور التي إذا أخذ الإنسان بها فقد أخذ بعزيمة عظيمة، وهذا من العزم الواجب؛ لأن الإنسان لابد أن يصيبه من أذى الناس، وسعة صدر المؤمن وانشراحه يقتضي أن يتحمل أذاهم ويكف أذاه عنهم؛ وذلك من البر بالخلق، وهو من أسباب نجاح الدعوة، أي: أن تواجه كل العقبات بالصبر، ولا تواجه السيئة بالسيئة. فالنبي ﷺ جاء من وصفه في التوراة أنه لا يقابل السيئة بمثلها، ولكن يعفو ويصفح، فقد قرأ عبد الله بن عمرو بن العاص في التوراة: محمد نبي أرسلته حرزاً للأميين، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به الله قلوباً غلفاً وآذاناً صماً وعيوناً عمياً، أو كما قال ربنا في الكتب السابقة. الغرض المقصود: أن الصبر يقتضي الثبات على الدعوة إلى الله ، فلا تترك الدعوة بمجرد أن يصيبك بلاء أو فتنة، وكأنك لا تعلم أن من سلك هذا الطريق فإنه سوف يطارد ويمتحن ويصاب، كما قال لموسى ﵊: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢]، فعندما تعلم أنك متبع، وأنه ستكون هنالك مشاكل، فلابد أن تصبر إذاً، أما إذا كان الإنسان ينسحب من الدعوة بمجرد أن يصيبه شيء، فهذا لم يصبر ولا يصلح في الدعوة إلى الله. والصبر على فتنة السراء أهم من الصبر على فتنة الضراء، فإن الإنسان قد تفتح عليه الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم)، وقال الله : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، إذاً: فالخير فيه فتنة، وهو أن الإنسان تفتح عليه الدنيا ومطالبها الكثيرة، ولا يزال ينتقل من مطلب إلى مطلب ولا يزال يجره الشغل إلى أشغال حتى يترك الدعوة إلى الله ، فتكون الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه. هذا من أعظم المخاطر على الإنسان، ولذلك فالصبر أنواع: صبر على البلاء، وعن المعاصي وعن الدنيا المنفتحة، التي تشغل الإنسان وتجره إلى أعماق أمواجها التي قد تغرقه بعد حين، نسأل الله العفو والعافية. فالصبر من أهم الأمور التي لابد أن يحرص المرء على أن يتصف بها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]، وقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، فأنت تصبر بالله مستعينا، وتصبر لله مخلصاً، وتصبر مع الله دائراً مع أوامره الشرعية، فتعمل ما أمرت به؛ لأن الصبر قد يكون بعيداً عن أوامر الشرع، كما يفعل أصحاب المعاصي والملاهي في صبرهم واستمرارهم في أعمالهم مع بعدها عن الحكمة التي خلقوا من أجلها، فصاحب الحق أولى بالصبر منهم. إذاً: فالصبر يكون في دائرة أوامر الله، فتصبر مع الله، وتصبر بالله، قال تعالى: ((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ))، أي: تستعين بالله، وتعلم أنك لن تصبر إلا أن يصبرك الله ، وتصبر لله مخلصاً، لا تصبر من أجل أن يقال عنك قوي متحمل جلد، بل تصبر لكي تأخذ الأجر من رب العباد ، فتصبر مع الله، أي: تدور مع أوامره شرعاً، فتترك ما أمرت بتركه، وتفعل ما أمرت بفعله، ولا يلزم أن تعذب نفسك بما لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ . نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 484

الأسئلة

стр. 485

حكم حضور سرادقات العزاء السؤال يعتزل الإخوة ما يجتمع عليه عامة الناس في سرادقات العزاء، مما يؤدي إلى الجفو بينهم وبين الناس فما البديل؟ الإجابة: البديل: أن الإخوة يحضرون الجنازة ويعزون أهل الميت هناك، وإذا فاتهم ذلك فيذهبون إلى بيت الميت للعزاء بعد أن ينصرف الناس من الاجتماع على التعزية؛ لأن الاجتماع هذا يعتبر من النياحة، فلا يجوز أن يحضروا هذه السرادقات، إلاّ للإنكار، ولكن لا يبقوا بعد ذلك معهم، ولا يقولوا الكلمة ضمن ديكور أصحاب السرادق.

стр. 486

حكم اغتسال المرأة الحائض السؤال امرأة اغتسلت وهي حائض، هل عليها إثم؟ الجواب لا ليس عليها إثم، ويصح ذلك.

стр. 487

حكم بيع البصل الأخضر من أجل عيد شم النسيم السؤال ما حكم بيع البصل الأخضر وغيره في عيد شم النسيم؟ الجواب مشاركة الناس في الأعياد الباطلة المحرمة كشم النسيم لا تجوز شرعاً، فالذي يبيع البصل وغيره من أجل أن يأكل الناس في ذلك العيد؛ فهذا لا يجوز له ذلك، بل على صاحب البصل أن يحضر كمية مثل الكمية التي يحضرها كل يوم، حتى إذا نفدت فلا يأت بثانية؛ لأن الاحتفال بشم النسيم هذا احتفال باطل ومنكر ومحرم، فهو أشد وأضل والعياذ بالله من أعياد الفراعنة؛ لأن الفراعنة مشركين وعباد أوثان فقط، أما هؤلاء فكل شيء عندهم له إله وآلهة، إله للربيع وإله للخطب وإله للحب وإله للسماء، هكذا كل شيء له إله عندهم، فهذا الاحتفال عادة فاجرة والعياذ بالله، والأقرب: أن شم النسيم هذا مرتبط بعيد القيامة المزعوم عند النصارى، وهو أن الرب قد قام من الأموات! تعالى الله عن قولهم، علواً كبيراً، أي أنهم يرون أن الله مات ثم قام! فكيف يجوز لمسلم أن يهنئ أو يشارك في هذا العيد أو حتى يأخذ إجازة! فإن حصل وأعطى إنسان إجازة، فيحاول أن ينشغل بأي عمل، ولا يجوز تخصيص هذا اليوم بعبادة، إذاً: فالمشاركة في شم النسيم لا تجوز بلا شك.

стр. 488

التوقف في نبوة الخضر من عدمها السؤال الخضر هل هو نبي أم ولي؟ الجواب الراجح فيه التوقف؛ لأننا لا ندري، فهناك أدلة محتملة، وليس هناك دليل صريح في النفي ولا في الإثبات، فهو عبد صالح، والله أعلم هل وصل إلى درجة الأنبياء أم لا.

стр. 489

حكم استخدام أسطح المساجد للإجارة وغيرها السؤال ما حكم استخدام أسطح المساجد في عمل مستشفى أو مستوصف أو غير ذلك؟ الجواب إن كان هذا العمل عملاً خيراً يستفيد منه الفقراء، وعائده يعود على المسجد فمحتمل، أما إذا كان للإجارة والربح فلا يجوز.

стр. 490

حكم أخذ المال على الحجاج وأصحاب العمرة من قبل مكاتب السفر السؤال بعض الناس يعملون في مكاتب سفر لإخراج الحجاج والمعتمرين فما حكم المال الذي يأخذونه منهم؟ الجواب هذا الأمر جائز بشرط عدم أخذ عمولة على التأشيرة، فلا يجوز أن يأخذ ثمن التأشيرة؛ لأن هذه تأشيرة دخول مجاناً، بل له أن يأخذ أجرة عمله ومجهوده فقط، مثل قيامه بتأجير المواصلات وتنظيم الرحلات وقطع التذاكر وغير ذلك.

стр. 491

أنواع البدعة السؤال سمعت عالماً يقول: البدعة هي التي ليس لها نص في الشرع ولا أصل في الدين، أما التي لها أصل فليست بدعة، مثل المصافحة بعد الصلاة، فما رأيكم؟ الجواب لا، فإن البدعة نوعان: بدعة لا أصل لها وهي البدعة الحقيقة، وبدعة لها أصل لكن الكيفية مبتدعة ومحدثة، وهذه تسمى البدعة الإضافية، مثل أن يكون الشرع قد حدد عدد معين للتسبيح فيخترع إنسان عدداً آخر، فالوارد شرعاً ثلاثة وثلاثون بعد الصلاة، فيأتي أحدهم ويقول أنا أسبح بعد الصلاة أربعين مرة، ويأتي آخر ويقول: أنا أسبح مائة مرة وهكذا، فمع أن التسبيح وارد، لكن هذه بدعة في الكيفية. ويراجع في ذلك كتاب الإمام الشاطبي ﵀ المسمى بـ: الاعتصام. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 492

مواقف إيمانية يوم أحد كانت غزوة أحد من أعظم الغزوات التي تعلم فيها الصحابة دروساً أفادتهم فيما بعد في حياتهم الجهادية وغيرها. وعلى الرغم من أن النتيجة كانت في غير صالح المؤمنين إلا أنهم أظهروا شجاعة وبسالة ورباطة جأش لا نظير لها في الدفاع عن هذا الدين العظيم، وخصوصاً بعد انصراف كثير من جنود الجيش المسلم.

стр. 493

شجاعة أنس بن النضر في أحد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٤٩ - ١٥٥]. قال ابن كثير ﵀: [وقوله تعالى ((ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ)) قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، -أحد بني عبيد بن النجار- قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنهم]. إنه موقف عظيم القدر من أنس بن النضر ﵁، وكلمات أغلى من الذهب قالها: (فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه)، وهي منهج لحياة المؤمن، فهو ظل يجاهد في سبيل الله حتى يموت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، وإن كانت قيلت في سياق الجهاد والقتال إلا أنها أعم من ذلك، وهي في كل مواقف المسلم. وتدل هذه القصة -رغم أنها مرسلة- على شدة الحال الذي وصل إليه الصحابة ﵃، الذي يجعل أناساً من المبشرين بالجنة يجلسون ويتركون القتال لما صرخ الشيطان: إن محمداً قد قتل، إلا أن هذه الكلمات من أنس أثرت فيهم أعظم تأثير، فقاموا وقاتلوا ودافعوا عن رسول الله ﷺ ، وكانوا من أشد الناس في هذا الموقف عطاءً وبذلاً وتضحية ﵃، كحال طلحة عند أن حمى رسول الله ﷺ بيده حتى شلت بضربة من سيف. وروى البخاري عن أنس بن مالك: أن عمه -يعني: أنس بن النضر - غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال للنبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ -أي: مشهداً- ليرين الله ما أصنع، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -أي: المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -أي: المشركون- فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: إلى أين يا سعد؟ إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم، هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه. وهذا الموقف من أعظم فضائله، وهو الذي أنزل الله فيه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] هذا هو الصدق مع الله ، فـ أنس بن النضر غاب عن غزوة بدر؛ لأن النبي ﷺ لم يستوعب النفير فيها، وإنما خرج على عجالة يريد إدراك القافلة، فتأسف ﵁ عن غيابه عن أول قتال للنبي ﷺ مع المشركين، وهكذا هو حال المؤمن دائماً يحزن على فوات الخير، وعلى فوات بعض العبادة، فهو يريد أن يكون سباقاً إلى طاعة الله . يقول: غبت عن أول قتال للنبي ﷺ ؛ لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع. هاب أن يقول غير ذلك حتى لا يكون مزكياً لنفسه ولا يفي، ولكن كان في نيته أن يجاهد أعظم الجهاد ووفى بعهده مع الله، وقضى نحبه كما قال الله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: عهده ونذره، فهو قد عاهد الله بهذه الكلمة: (ليرين الله ما أصنع) أي: من الجهاد والقتال في سبيله، فقد صدق مع الله ، وقضى نحبه وعهده، فقاتل حتى قتل فلقي يوم أحد العدو فهُزم الناس، أي: المسلمون، وانصرف أناس من المعركة، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وهذا موقف المسلم دائماً يعرف الفرق بين المسلم والكافر، فهو وإن كان الفرار كبيرة من الكبائر لكن المسلم يعتذر عنه؛ لأصل إيمانه، بخلاف الكافر فإنه يتبرأ منه، لذا نجد أنساً يبرأ إلى الله من الكافر ومما جاء به، فإنهم جاءوا للصد عن سبيل الله، والمسلم وإن ارتكب المعاصي فإنه يعتذر عنه؛ لأن أصل إيمانه لا بد أن يراعى ويحب لأجله، بخلاف المنافقين فإنهم كما وصفهم الله يسلقون المؤمنين بألسنة حداد، وتجدهم بحاثين عن عوراتهم، همازين لمازين، ويعيبون المؤمنين بما ليس من صفاتهم، وإنما يدعون عليهم صفات السوء ليعيبوهم بها، وفي نفس الوقت يتولون المشركين. فأما المؤمن الصادق يعتذر إلى الله عن إخوانه المسلمين، ويدعو الله أن يغفر لهم، وحبه لإخوانه في الله يجعله يريد دائماً أن يرحمهم الله وأن يغفر لهم؛ ولذا يعتذر عنهم، وأما بغضه للكافرين فمستقر ثابت، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، أي: المشركون، وهكذا موقف المؤمن فهو يتبرأ من الشرك وأهله ومما جاءوا به، وأما الزنادقة المنافقون فهم أولياء المشركين: يؤيدونهم، ويطيعونهم، ويعاونونهم على أهل الإسلام. ومن فضائله ﵁: أنه لقي سيد الأنصار سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن فرحاً بقدومه، والذي مناديله في الجنة خير من الحرير رضي الله تعالى عنه، وهو أفضل الأنصار ومع ذلك كان قد جلس ضمن الجالسين فشجعه أنس بن النضر وثبته، وأمره بمواصلة الجهاد رضي الله تعالى عنه، فقال: (أين يا سعد؟) يعني: أين تذهب أين تترك المعركة؟ وهذه اللحظات التي مرت على هؤلاء الأفاضل تجعل المؤمن لا ييئس إذا أصابه شيء من التقصير ومن النقص، ولكن يبادر ولا يدع مدة الفتور تستمر معه، هذه اللحظات تطول وتقصر مع الناس تفاوتاً كبيراً. فكثير من الصحابة جلس تاركاً للقتال في ميدان المعركة ثم عاد إليها قبل أن ينصرف. وهذا طلحة الذي قال فيه النبي ﷺ : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) وكذا أبو بكر وعمر لم يتركا النبي ﷺ حين رأياه بعد ذلك، وجماعات من الصحابة ﵃، وكان منهم سعد بن معاذ وغيره فكانت هذه اللحظات التي تصيب الإنسان من فتور أو من يأس، أو من شبهة أوقات محدودة، ودقائق معدودة تزول بسرعة عند تذكر معاني الإيمان، وبوجود ناصح صادق مثل أنس ﵁، فكان موقفه هذا من أعظم العوامل والأسباب التي أدت إلى ثباتهم، وارتفعوا مراتب عالية بعد توقفهم هذه اللحظات. فالخطر أن يستمر الفتور، فالفتور وترك الطاعة واليأس أمر عظيم الخطر، وهذه اللحظات ربما مرت على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لكنها كانت كالبرق الخاطف، أعني: أنها لحظات يسيرة جداً تمر ثم ترحل سريعاً، فيشكون فيها إلى الله ضعف القوة، وقلة الحيلة، وهوانهم على الناس وهم الأعزة عنده ، ويشكون إليه أنهم مغلوبون، ويستنصرون به. فعند الرسل تكون كالبرق، وعند أصحابهم ربما كالدقائق المعدودة، وربما تطول مع البعض، وهذا الذي يجب أن نقاومه ولا نترك أنفسنا لهذا اليأس ليفترس قلوبنا ويغترس معاني الإيمان فيها، وذلك بحسن الظن بالله وبالثبات، وباليقين بوعد الله . وانظر إلى يقين أنس وهذه الكرامة التي أكرمه الله بها، قال: (أين يا سعد؟ إني لأجد ريح الجنة دون أحد) فهذه كرامة، فهو صادق ﵁ في أنه بالفعل وجد رائحة الجنة دون أحد أي: أقرب

стр. 494

لا يأس مع توبة قال ابن كثير ﵀: [وروى البخاري أيضاً عن عثمان بن موهب قال: (جاء رجل حج البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني؟ قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت: أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر)]. صفات عجيبة تظهر من بعض البشر فهو يبحث عن الأخطاء حتى التي ليست موجودة، وبتر للوقائع والأحداث كما يبترون الكلمات؛ ليعيبوا أهل الإيمان، قوله: فكبر، يعني صاح قائلاً: الله أكبر، يستحق أن يقتل، يستحق أن يخرج عليه، ولا يناسب أن يكون أمير المؤمنين ويكبر، أنظر الشيء العجيب؟! إنه يكبر؛ لأنه سمع سلبيات عثمان ﵁. وفي آخر الأمر تبين له أن السلبيات التي كبَّر عليها ليست كذلك، ونسي الأعمال العظيمة التي قام بها عثمان، ولا يذكرها من باب: ولا تقربوا الصلاة، ويترك: وأنتم سكارى، والعياذ بالله. قال: [(فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه)]. لأن الله قد قال: ((ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) فقد عفا الله عنه؛ لأنه صدق وتاب توبة نصوحاً، ثم وجد قلباً نادماً عازماً على الثبات في سبيل الله بعد ذلك، بالإضافة إلى الخيرات الأخرى، فكأن هذا الذنب لم يكن. إننا نقول: هذه فيها فائدة مهمة: عثمان ﵁ ثالث الأربعة الخلفاء الراشدين، وسادس أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وذلك أن أفضل الأمة بعد النبي ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي باتفاق أهل السنة. وكان هناك خلاف قديم على تفضيل علي على عثمان لكن اتفقت كلمة أهل السنة على تقديم عثمان كما قدمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبايعوه كلهم بالخلافة، ووقع منه هذا الأمر، وقع منه الفرار يوم أحد وغفر الله له. فائدة: في هذا أننا لا نبتئس إذا وقع منا تخاذل، ولا نيأس من رحمة الله ولا من عفوه، بل نرجوا عفو الله ونبادر بالرجوع والتوبة إلى الله ، ولنا في الصحابة الأسوة الحسنة، ولنا في عفو الله الرجاء العظيم، ولنا في سعة رحمته الرغبة لأن نثق برحمته لا بأعمالنا، وأن الأمور عنده بموازنة الحسنات والسيئات، أعني: أن هذه الكبيرة التي اُرتكبت ليست تحبط الأعمال الصالحة العظيمة التي قام بها هؤلاء الأفاضل رضي الله تعالى عنهم. ويؤلمك هذا الأمر، وهو أن الهول كان شديداً حتى جعل هؤلاء الأفاضل يفرون من المعركة، وعوتبوا فيه ورُبوا وهذبوا حتى صلحوا لقيادة العالم؛ فعاتبهم الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣]. فالكلام سهل، والأماني تغر صاحبها أحياناً ويظن أنه صادق في الطلب، فإذا كان قد وقع من هؤلاء الأفاضل أنهم حين رأوا الموت لم يتحملوا الثبات هذه اللحظات وهم من هم في المنازل العالية؟ فكيف بغيرهم؟ فإياك أن تغرك نفسك، وإياك أن تكون أحلامك وأمانيك عندك كأنها حقائق، فإنها لا تصبح كذلك إلا إذا نزلت على أرض الواقع، ومورست هذه الأعمال الإيمانية فعلاً بالصدق واليقين. قال ابن عمر: [(أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)]. فأخبر النبي ﷺ أن له الأجر في الآخرة، فهو ممن شهد بدراً بالمعنى؛ وذلك أن النبي ﷺ هو الذي استبقاه لرعاية ابنته التي كان يمكن أن يترك النبي ﷺ الخروج لأجلها، وهذا من فضائل عثمان رضي الله تعالى عنه. قال: [(وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة)]. وبيعة الرضوان كانت بسبب إشاعة قتل عثمان، فالعجب من هؤلاء الخارجين الذين يطعنون في أهل الإيمان ولا ينظرون إلى فضائلهم. قال ابن عمر: [(فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده، بايع لـ عثمان فيد النبي ﷺ أفضل من يد عثمان في نفسه فأي شرف أفضل من أن يكون النبي ﷺ هو الذي يبايع عن عثمان. قال: اذهب بها الآن معك)]. وهكذا يصنع القوم إشاعات من أجل أن يبيحوا الخروج على عثمان وقتله ﵁. والشاهد من هذا: أن من ضمن من صِرفوا إناساً من أفاضل وكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكنها كانت درساً عظيماً للصحابة ﵃ استفادوا منه في حياتهم بعد ذلك، وفي جهادهم في سبيل الله، وفيما قاموا به من نشر الإسلام في كل المواطن، فاختلفت مواقفهم بعد أحد، فقد صاروا أكثر إيماناً، وأكثر قرباً من الله بعفوه وفضله ورحمته. ثم قال ابن كثير: [وقوله تعالى: ((إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد)) أي: صرفكم عنهم، (إذ تصعدون) يعني: حين (إذ تصعدون) أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، وقرأ الحسن وقتادة: (إذ تَصْعَدون) أي: في الجبل. (ولا تلوون على أحد) أي: وأنتم لا تلوون على أحد، (لا تلوون) لا يلوي: لا يلتفت، لا ينظر إلى أحد من الدهش والخوف والرعب مواقف شديدة]. ((وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)) أي: وهو وقد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة].

стр. 495

عدم عصمة الصحابة عن الخطأ عندما يفكر الإنسان في الوقائع الإسلامية الكبرى والتي ذكرت في القرآن يجد أنها دائماً تحتوي على الإصلاح. وأحياناً: كأن النفس تقول: يعني هو كلام على كبار الصحابة لماذا هم هكذا؟ نحن لا نريد أن نتصور صورة مثالية غير واقعية لا تكون في واقع الحياة، وأن هؤلاء الناس ما كان عندهم أخطاء أبداً، وإلا فمن السهل جداً أن يحصل انتصار، ونحن لا نشبههم، ونحن غيرهم تماماً، وحينها نظن أن هؤلاء ليس لهم مثيل، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ إذن لا أحد مثلهم. وكان الهدف من جود هذه الأمور: أن تبين لك كيف تعالج نفسك إذا حصل خطأ، وإذا كان الخطأ قد وقع من هؤلاء فلا بد أن يعالج الإنسان مثل هذا الأمر، وهذا الأمر يحصل عند الشدائد. هناك نوعيتين، أو مرضين خطيرين في مثل هذه الأمور: أن البعض يجعلها سبباً للطعن في عثمان ﵁، ولا يزال إلى زمننا هذا يتعرض للطعن رضي الله تعالى عنه، مع أن فضائله رفعته إلى أعلى المنازل كما ذكرنا، وهو بعد أبي بكر وعمر بعد النبي ﷺ ، ولكن لا يظن أنهم معصومون حتى لا نفوت على أنفسنا المصلحة العظيمة بعلاج الأمراض التي تقع في القلوب، وهي التي في واقع الحياة كما عالجها القرآن، وكما شفاهم الله بالشفاء لما في الصدور بهذه الآيات العظيمة. قال ابن كثير ﵀: [قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها]. وتفاوتوا في شدة الفرار: منهم من فر إلى المدينة -مسافة طويلة- ومنهم من فر إلى أعلى الجبل؛ يقف ينظر ما الذي يحصل في المعركة-. قال: [فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: (إلي عباد الله!. إلي عباد الله!) فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ((إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)) وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد وقال عبد الله بن الزبعري -يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها-: يا غراب البين! أسمعت فقل إنما تنطق شيئاً قد فعل إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل]. فهذا المشرك يقول: إن للخير وللشر مدى، يعني: يريد أن يقول: شر المسلمين يأتي له آخر، وقد انتهى، وكان آخره هزيمة أحد، وهي كانت آخر الشر إلى أن هداه الله بعد ذلك. قال ابن كثير: [إلى أن قال: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل]. يقول: يا ليت الذين قتلوا في بدر يرون جزع الخزرج من وقع السيوف عليهم، طبعاً الذي قتل المشركين في غزوة بدر أكثرهم من الأنصار، فقد كان أكثر الجيش المسلم من الأنصار، قال: [حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل ثم خفوا عند ذاكم رقصاً رقص الحفان يعلو في الجبل]. وهذا الشاهد منها، خفوا عند ذاكم، يعني: صعدوا يسعون. رقصاً: يشبههم في شدة جريهم بالذي يرقص. رقص الحفان يعلو في الجبل. [فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل. والحفان: صغار النعم. وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلاً من أصحابه.
следующие страницы →