Полный текст (991 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أنواع البدعة
السؤال
سمعت عالماً يقول: البدعة هي التي ليس لها نص في الشرع ولا أصل في الدين، أما التي لها أصل فليست بدعة، مثل المصافحة بعد الصلاة، فما رأيكم؟
الجواب
لا، فإن البدعة نوعان: بدعة لا أصل لها وهي البدعة الحقيقة، وبدعة لها أصل لكن الكيفية مبتدعة ومحدثة، وهذه تسمى البدعة الإضافية، مثل أن يكون الشرع قد حدد عدد معين للتسبيح فيخترع إنسان عدداً آخر، فالوارد شرعاً ثلاثة وثلاثون بعد الصلاة، فيأتي أحدهم ويقول أنا أسبح بعد الصلاة أربعين مرة، ويأتي آخر ويقول: أنا أسبح مائة مرة وهكذا، فمع أن التسبيح وارد، لكن هذه بدعة في الكيفية.
ويراجع في ذلك كتاب الإمام الشاطبي ﵀ المسمى بـ: الاعتصام.
وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 492
مواقف إيمانية يوم أحد
كانت غزوة أحد من أعظم الغزوات التي تعلم فيها الصحابة دروساً أفادتهم فيما بعد في حياتهم الجهادية وغيرها.
وعلى الرغم من أن النتيجة كانت في غير صالح المؤمنين إلا أنهم أظهروا شجاعة وبسالة ورباطة جأش لا نظير لها في الدفاع عن هذا الدين العظيم، وخصوصاً بعد انصراف كثير من جنود الجيش المسلم.
стр. 493
شجاعة أنس بن النضر في أحد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٤٩ - ١٥٥].
قال ابن كثير ﵀: [وقوله تعالى ((ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ)) قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، -أحد بني عبيد بن النجار- قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنهم].
إنه موقف عظيم القدر من أنس بن النضر ﵁، وكلمات أغلى من الذهب قالها: (فما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه)، وهي منهج لحياة المؤمن، فهو ظل يجاهد في سبيل الله حتى يموت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، وإن كانت قيلت في سياق الجهاد والقتال إلا أنها أعم من ذلك، وهي في كل مواقف المسلم.
وتدل هذه القصة -رغم أنها مرسلة- على شدة الحال الذي وصل إليه الصحابة ﵃، الذي يجعل أناساً من المبشرين بالجنة يجلسون ويتركون القتال لما صرخ الشيطان: إن محمداً قد قتل، إلا أن هذه الكلمات من أنس أثرت فيهم أعظم تأثير، فقاموا وقاتلوا ودافعوا عن رسول الله ﷺ ، وكانوا من أشد الناس في هذا الموقف عطاءً وبذلاً وتضحية ﵃، كحال طلحة عند أن حمى رسول الله ﷺ بيده حتى شلت بضربة من سيف.
وروى البخاري عن أنس بن مالك: أن عمه -يعني: أنس بن النضر - غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال للنبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ -أي: مشهداً- ليرين الله ما أصنع، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -أي: المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -أي: المشركون- فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال: إلى أين يا سعد؟ إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم، هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه.
وهذا الموقف من أعظم فضائله، وهو الذي أنزل الله فيه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] هذا هو الصدق مع الله ، فـ أنس بن النضر غاب عن غزوة بدر؛ لأن النبي ﷺ لم يستوعب النفير فيها، وإنما خرج على عجالة يريد إدراك القافلة، فتأسف ﵁ عن غيابه عن أول قتال للنبي ﷺ مع المشركين، وهكذا هو حال المؤمن دائماً يحزن على فوات الخير، وعلى فوات بعض العبادة، فهو يريد أن يكون سباقاً إلى طاعة الله .
يقول: غبت عن أول قتال للنبي ﷺ ؛ لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع.
هاب أن يقول غير ذلك حتى لا يكون مزكياً لنفسه ولا يفي، ولكن كان في نيته أن يجاهد أعظم الجهاد ووفى بعهده مع الله، وقضى نحبه كما قال الله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: عهده ونذره، فهو قد عاهد الله بهذه الكلمة: (ليرين الله ما أصنع) أي: من الجهاد والقتال في سبيله، فقد صدق مع الله ، وقضى نحبه وعهده، فقاتل حتى قتل فلقي يوم أحد العدو فهُزم الناس، أي: المسلمون، وانصرف أناس من المعركة، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وهذا موقف المسلم دائماً يعرف الفرق بين المسلم والكافر، فهو وإن كان الفرار كبيرة من الكبائر لكن المسلم يعتذر عنه؛ لأصل إيمانه، بخلاف الكافر فإنه يتبرأ منه، لذا نجد أنساً يبرأ إلى الله من الكافر ومما جاء به، فإنهم جاءوا للصد عن سبيل الله، والمسلم وإن ارتكب المعاصي فإنه يعتذر عنه؛ لأن أصل إيمانه لا بد أن يراعى ويحب لأجله، بخلاف المنافقين فإنهم كما وصفهم الله يسلقون المؤمنين بألسنة حداد، وتجدهم بحاثين عن عوراتهم، همازين لمازين، ويعيبون المؤمنين بما ليس من صفاتهم، وإنما يدعون عليهم صفات السوء ليعيبوهم بها، وفي نفس الوقت يتولون المشركين.
فأما المؤمن الصادق يعتذر إلى الله عن إخوانه المسلمين، ويدعو الله أن يغفر لهم، وحبه لإخوانه في الله يجعله يريد دائماً أن يرحمهم الله وأن يغفر لهم؛ ولذا يعتذر عنهم، وأما بغضه للكافرين فمستقر ثابت، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، أي: المشركون، وهكذا موقف المؤمن فهو يتبرأ من الشرك وأهله ومما جاءوا به، وأما الزنادقة المنافقون فهم أولياء المشركين: يؤيدونهم، ويطيعونهم، ويعاونونهم على أهل الإسلام.
ومن فضائله ﵁: أنه لقي سيد الأنصار سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن فرحاً بقدومه، والذي مناديله في الجنة خير من الحرير رضي الله تعالى عنه، وهو أفضل الأنصار ومع ذلك كان قد جلس ضمن الجالسين فشجعه أنس بن النضر وثبته، وأمره بمواصلة الجهاد رضي الله تعالى عنه، فقال: (أين يا سعد؟) يعني: أين تذهب أين تترك المعركة؟ وهذه اللحظات التي مرت على هؤلاء الأفاضل تجعل المؤمن لا ييئس إذا أصابه شيء من التقصير ومن النقص، ولكن يبادر ولا يدع مدة الفتور تستمر معه، هذه اللحظات تطول وتقصر مع الناس تفاوتاً كبيراً.
فكثير من الصحابة جلس تاركاً للقتال في ميدان المعركة ثم عاد إليها قبل أن ينصرف.
وهذا طلحة الذي قال فيه النبي ﷺ : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) وكذا أبو بكر وعمر لم يتركا النبي ﷺ حين رأياه بعد ذلك، وجماعات من الصحابة ﵃، وكان منهم سعد بن معاذ وغيره فكانت هذه اللحظات التي تصيب الإنسان من فتور أو من يأس، أو من شبهة أوقات محدودة، ودقائق معدودة تزول بسرعة عند تذكر معاني الإيمان، وبوجود ناصح صادق مثل أنس ﵁، فكان موقفه هذا من أعظم العوامل والأسباب التي أدت إلى ثباتهم، وارتفعوا مراتب عالية بعد توقفهم هذه اللحظات.
فالخطر أن يستمر الفتور، فالفتور وترك الطاعة واليأس أمر عظيم الخطر، وهذه اللحظات ربما مرت على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لكنها كانت كالبرق الخاطف، أعني: أنها لحظات يسيرة جداً تمر ثم ترحل سريعاً، فيشكون فيها إلى الله ضعف القوة، وقلة الحيلة، وهوانهم على الناس وهم الأعزة عنده ، ويشكون إليه أنهم مغلوبون، ويستنصرون به.
فعند الرسل تكون كالبرق، وعند أصحابهم ربما كالدقائق المعدودة، وربما تطول مع البعض، وهذا الذي يجب أن نقاومه ولا نترك أنفسنا لهذا اليأس ليفترس قلوبنا ويغترس معاني الإيمان فيها، وذلك بحسن الظن بالله وبالثبات، وباليقين بوعد الله .
وانظر إلى يقين أنس وهذه الكرامة التي أكرمه الله بها، قال: (أين يا سعد؟ إني لأجد ريح الجنة دون أحد) فهذه كرامة، فهو صادق ﵁ في أنه بالفعل وجد رائحة الجنة دون أحد أي: أقرب
стр. 494
لا يأس مع توبة
قال ابن كثير ﵀: [وروى البخاري أيضاً عن عثمان بن موهب قال: (جاء رجل حج البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني؟ قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت: أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم.
قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم.
قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم.
فكبر)].
صفات عجيبة تظهر من بعض البشر فهو يبحث عن الأخطاء حتى التي ليست موجودة، وبتر للوقائع والأحداث كما يبترون الكلمات؛ ليعيبوا أهل الإيمان، قوله: فكبر، يعني صاح قائلاً: الله أكبر، يستحق أن يقتل، يستحق أن يخرج عليه، ولا يناسب أن يكون أمير المؤمنين ويكبر، أنظر الشيء العجيب؟! إنه يكبر؛ لأنه سمع سلبيات عثمان ﵁.
وفي آخر الأمر تبين له أن السلبيات التي كبَّر عليها ليست كذلك، ونسي الأعمال العظيمة التي قام بها عثمان، ولا يذكرها من باب: ولا تقربوا الصلاة، ويترك: وأنتم سكارى، والعياذ بالله.
قال: [(فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه)].
لأن الله قد قال: ((ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) فقد عفا الله عنه؛ لأنه صدق وتاب توبة نصوحاً، ثم وجد قلباً نادماً عازماً على الثبات في سبيل الله بعد ذلك، بالإضافة إلى الخيرات الأخرى، فكأن هذا الذنب لم يكن.
إننا نقول: هذه فيها فائدة مهمة: عثمان ﵁ ثالث الأربعة الخلفاء الراشدين، وسادس أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وذلك أن أفضل الأمة بعد النبي ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي باتفاق أهل السنة.
وكان هناك خلاف قديم على تفضيل علي على عثمان لكن اتفقت كلمة أهل السنة على تقديم عثمان كما قدمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبايعوه كلهم بالخلافة، ووقع منه هذا الأمر، وقع منه الفرار يوم أحد وغفر الله له.
فائدة: في هذا أننا لا نبتئس إذا وقع منا تخاذل، ولا نيأس من رحمة الله ولا من عفوه، بل نرجوا عفو الله ونبادر بالرجوع والتوبة إلى الله ، ولنا في الصحابة الأسوة الحسنة، ولنا في عفو الله الرجاء العظيم، ولنا في سعة رحمته الرغبة لأن نثق برحمته لا بأعمالنا، وأن الأمور عنده بموازنة الحسنات والسيئات، أعني: أن هذه الكبيرة التي اُرتكبت ليست تحبط الأعمال الصالحة العظيمة التي قام بها هؤلاء الأفاضل رضي الله تعالى عنهم.
ويؤلمك هذا الأمر، وهو أن الهول كان شديداً حتى جعل هؤلاء الأفاضل يفرون من المعركة، وعوتبوا فيه ورُبوا وهذبوا حتى صلحوا لقيادة العالم؛ فعاتبهم الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣].
فالكلام سهل، والأماني تغر صاحبها أحياناً ويظن أنه صادق في الطلب، فإذا كان قد وقع من هؤلاء الأفاضل أنهم حين رأوا الموت لم يتحملوا الثبات هذه اللحظات وهم من هم في المنازل العالية؟ فكيف بغيرهم؟ فإياك أن تغرك نفسك، وإياك أن تكون أحلامك وأمانيك عندك كأنها حقائق، فإنها لا تصبح كذلك إلا إذا نزلت على أرض الواقع، ومورست هذه الأعمال الإيمانية فعلاً بالصدق واليقين.
قال ابن عمر: [(أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)].
فأخبر النبي ﷺ أن له الأجر في الآخرة، فهو ممن شهد بدراً بالمعنى؛ وذلك أن النبي ﷺ هو الذي استبقاه لرعاية ابنته التي كان يمكن أن يترك النبي ﷺ الخروج لأجلها، وهذا من فضائل عثمان رضي الله تعالى عنه.
قال: [(وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة)].
وبيعة الرضوان كانت بسبب إشاعة قتل عثمان، فالعجب من هؤلاء الخارجين الذين يطعنون في أهل الإيمان ولا ينظرون إلى فضائلهم.
قال ابن عمر: [(فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده، بايع لـ عثمان فيد النبي ﷺ أفضل من يد عثمان في نفسه فأي شرف أفضل من أن يكون النبي ﷺ هو الذي يبايع عن عثمان.
قال: اذهب بها الآن معك)].
وهكذا يصنع القوم إشاعات من أجل أن يبيحوا الخروج على عثمان وقتله ﵁.
والشاهد من هذا: أن من ضمن من صِرفوا إناساً من أفاضل وكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكنها كانت درساً عظيماً للصحابة ﵃ استفادوا منه في حياتهم بعد ذلك، وفي جهادهم في سبيل الله، وفيما قاموا به من نشر الإسلام في كل المواطن، فاختلفت مواقفهم بعد أحد، فقد صاروا أكثر إيماناً، وأكثر قرباً من الله بعفوه وفضله ورحمته.
ثم قال ابن كثير: [وقوله تعالى: ((إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد)) أي: صرفكم عنهم، (إذ تصعدون) يعني: حين (إذ تصعدون) أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، وقرأ الحسن وقتادة: (إذ تَصْعَدون) أي: في الجبل.
(ولا تلوون على أحد) أي: وأنتم لا تلوون على أحد، (لا تلوون) لا يلوي: لا يلتفت، لا ينظر إلى أحد من الدهش والخوف والرعب مواقف شديدة].
((وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)) أي: وهو وقد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة].
стр. 495
عدم عصمة الصحابة عن الخطأ
عندما يفكر الإنسان في الوقائع الإسلامية الكبرى والتي ذكرت في القرآن يجد أنها دائماً تحتوي على الإصلاح.
وأحياناً: كأن النفس تقول: يعني هو كلام على كبار الصحابة لماذا هم هكذا؟ نحن لا نريد أن نتصور صورة مثالية غير واقعية لا تكون في واقع الحياة، وأن هؤلاء الناس ما كان عندهم أخطاء أبداً، وإلا فمن السهل جداً أن يحصل انتصار، ونحن لا نشبههم، ونحن غيرهم تماماً، وحينها نظن أن هؤلاء ليس لهم مثيل، وهؤلاء أصحاب النبي ﷺ إذن لا أحد مثلهم.
وكان الهدف من جود هذه الأمور: أن تبين لك كيف تعالج نفسك إذا حصل خطأ، وإذا كان الخطأ قد وقع من هؤلاء فلا بد أن يعالج الإنسان مثل هذا الأمر، وهذا الأمر يحصل عند الشدائد.
هناك نوعيتين، أو مرضين خطيرين في مثل هذه الأمور: أن البعض يجعلها سبباً للطعن في عثمان ﵁، ولا يزال إلى زمننا هذا يتعرض للطعن رضي الله تعالى عنه، مع أن فضائله رفعته إلى أعلى المنازل كما ذكرنا، وهو بعد أبي بكر وعمر بعد النبي ﷺ ، ولكن لا يظن أنهم معصومون حتى لا نفوت على أنفسنا المصلحة العظيمة بعلاج الأمراض التي تقع في القلوب، وهي التي في واقع الحياة كما عالجها القرآن، وكما شفاهم الله بالشفاء لما في الصدور بهذه الآيات العظيمة.
قال ابن كثير ﵀: [قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها].
وتفاوتوا في شدة الفرار: منهم من فر إلى المدينة -مسافة طويلة- ومنهم من فر إلى أعلى الجبل؛ يقف ينظر ما الذي يحصل في المعركة-.
قال: [فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: (إلي عباد الله!.
إلي عباد الله!) فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ((إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)) وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد وقال عبد الله بن الزبعري -يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها-: يا غراب البين! أسمعت فقل إنما تنطق شيئاً قد فعل إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل].
فهذا المشرك يقول: إن للخير وللشر مدى، يعني: يريد أن يقول: شر المسلمين يأتي له آخر، وقد انتهى، وكان آخره هزيمة أحد، وهي كانت آخر الشر إلى أن هداه الله بعد ذلك.
قال ابن كثير: [إلى أن قال: ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل].
يقول: يا ليت الذين قتلوا في بدر يرون جزع الخزرج من وقع السيوف عليهم، طبعاً الذي قتل المشركين في غزوة بدر أكثرهم من الأنصار، فقد كان أكثر الجيش المسلم من الأنصار، قال: [حين حكت بقباء بركها واستحر القتل في عبد الأشل ثم خفوا عند ذاكم رقصاً رقص الحفان يعلو في الجبل].
وهذا الشاهد منها، خفوا عند ذاكم، يعني: صعدوا يسعون.
رقصاً: يشبههم في شدة جريهم بالذي يرقص.
رقص الحفان يعلو في الجبل.
[فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل.
والحفان: صغار النعم.
وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلاً من أصحابه.
стр. 496
خطأ الرماة
روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: (جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً: عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعاً، وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال: فهزموهم، قال: فأنا والله! رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن)].
نساء المشركين هند وصاحباتها قد رفعن عن سوقهن لتستطعن الجري.
قال: [(فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة -أي: يا قوم الغنيمة اذهبوا لجمعها- ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟)].
وهذه كانت إرادة الدنيا التي محصهم الله بها، فقال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)).
قال: [(قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قاله لكم رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: إنا والله! لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فذلك الذي يدعوهم الرسول ﷺ في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً)].
والجيش كان ألفاً، ثلاثمائة عادوا من منتصف الطريق، وأثناء المعركة بقي مع النبي ﷺ من خلاصة الخلاصة اثنا عشر رجلاً، وهذا أمر عظيم وهائل، فأكثر الصحابة ليسوا حول النبي ﷺ ، وكانت هزيمة ولولا أن الله عفا عنهم لاستُؤصِلُوا، وهذا من معجزات الرسول ﷺ : أن اثني عشر رجلاً وسط ثلاثة آلاف شخص فلا بد أن يقتلوه، فيمنعه الله ويحفظه ﷺ ، وبطولات الصحابة ﵃ الاثني عشر خصوصاً، سبعة منهم من الأنصار على الأقل غير خافية.
стр. 497
مناداة أبي سفيان للنبي والصحابة وأسلوب الرد عليه
قال: [(فأصابوا منهم سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين: سبعين أسيراً، وسبعين قتيلاً، قال أبو سفيان: أفي القوم محمد أفي القوم محمد؟ ثلاثاً ﷺ قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب؟)].
فسأل عن هؤلاء الثلاثة؛ لأن عليهم قيام الدين، مع أنه يوجد أناس أشد من أبي بكر وعمر ﵄ في القتال، لكن قوام الإسلام بعد النبي ﷺ بـ أبي بكر وعمر.
قال: [(ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله! يا عدو الله! إن الذين عددت لأحياء كلهم -هذه صدمة عظيمة لـ أبي سفيان والمشركين- قال: وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال -يفتخر بقوله: الحرب سجال يعني: مرة علينا، ومرة عليكم- قال: وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز ويقول: اعلُ هبل اعلُ هبل، فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبوه؟! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)].
فالدفاع على العقيدة مأمور به، وإغاظة المشركين جائز ومباح، والانتصار للنفس منهي عنه، فالرسول ﷺ قال أولاً عندما سأل أبو سفيان عنه: (لا تجيبوه)؛ لأن في السكوت عنه كانت المصلحة وعندما بدأ يفتخر بنفسه فكان أمر إغاظته مسكوت عنه فانتهز الفرصة عمر وأجابه، وفي الثالثة لما ذكر الثلاثة مجموعين وقال: (أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم) لم ينههم النبي ﷺ وإنما أذن لـ عمر في الانتصار للنفس.
وقال لهم: أجيبوه لما افتخر بإلهه وقال: (اعل هبل، فقال: ألا تجيبوه؟!) فعندما يُطعن في الدين لا بد أن يجاب عن الطعن، ولا بد أن يرد على الطاعن، وعندما يكون الطعن في أشخاصنا فيمكن أن نسكت، وممكن أن نرد.
قال: [(قال -أي: أبو سفيان -: لنا العزى ولا عزى لكم، قال رسول الله ﷺ : ألا تجيبوه؟! قالوا: يا رسول الله! وما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم).
وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصراً، ورواه بأبسط من هذا أيضاً].
стр. 498
شجاعة طلحة يوم أحد
[وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر قال: (انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل، فلحقهم المشركون، فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله، فقال: كما أنت يا طلحة -يعني: انتظر- فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله ﷺ ، فقاتل عنه وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله -قال طلحة: أنا رسول الله! وكان طلحة مستعداً من أول الأمر- فقال رسول الله ﷺ مثل قوله -أي قال كما أنت يا طلحة - فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله! فقاتل عنه وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله! فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله ﷺ : من لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله)].
كان الرسول ﷺ يعده للساعة الشديدة ﵁، فقد قاتل قتال أحد عشر رجلاً من الأنصار، وهو الذي ردهم ﵁.
[وأصيبت أنامله فقال: حس حس -صوت التألم- فقال رسول الله ﷺ : (لو قلت: باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك، حتى تلج بك في جو السماء)].
وهنا تتجلى أهمية التربية، فرسول الله ﷺ يعلمه وهو في شدة المعمعة أن يقول: باسم الله، وهذا دليل على أنه ليس هناك شيء يشغل عن ذكر ربنا، فإن القتال كان هائلاً جداً، والناس يقتلون بين أيديهم، وهو يقاتل قتال الأحد عشر رجلاً ﵁، فعندما قال: حس، وهي مثل قولنا: أي، متألماً من الجرح فالنبي ﷺ قال له: (لو قلت: باسم الله لرفعتك الملائكة).
قال: [ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون].
فالذي رد المشركين هو طلحة رضي الله تعالى عنه.
قال: [وقد روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يعني: يوم أحد].
شلت يده ﵁؛ لأنه دافع عن النبي ﷺ ، ووقى بها النبي ضربة ليس لها واق إلا يد طلحة ﵁.
والإنسان عنده رد فعل في الجسم البشري طبيعي وهو أنه عندما يأتي عليه شيء مؤلم يبتعد عنه، وهذه كرامة عظيمة لـ طلحة، ومعجزة للنبي ﷺ ، وهي: أن السيف يراد به ضرب النبي ﷺ ، وعندما تأتي الضربة لشخص يرفع يده تلقائياً رغماً عنه من غير شعور في حينه، فهو من غير شعور حرك يده ناحية النبي ﷺ ليقي بها النبي ﷺ فشلت يده رضي الله تعالى عنه من جراء الضربة.
стр. 499
انفراد النبي في اثني عشر من أصحابه ومنقبة سعد بن أبي وقاص يوم أحد
قال: [وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان النهدي قال (لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما).
وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش قال: من يردهم عنا وله الجنة -أو وهو رفيقي في الجنة- فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً -أي: أوشكوا أن يدركوا النبي ﷺ فقال: من يردهم عنا وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) -أي: أصحابنا الذين فروا ما أنصفونا حين تركونا في هذا العدد القليل وسط المشركين- وفي رواية: (ما أنصَفْنا أصحابنا) رواه مسلم.
وقال الحسن بن عرفة: وفي رواية حدثنا مروان بن معاوية عن هشام بن هشام الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: (نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبي وأمي)].
يعني: نثرها ﷺ ، وأخرج له جعبة السهام؛ ليرمي عن النبي ﷺ وفداه بأبيه وأمه، وهذه منقبة عظيمة لـ سعد.
[وأخرجه البخاري أيضاً.
وروى محمد بن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﷺ ، قال سعد: (فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبي وأمي حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به)].
يعني: يرمي بأي شيء موجود حتى يرد عن النبي ﷺ .
[وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: (رأيت يوم أحد رجلين يقاتلان عنه أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني: جبريل وميكائيل ﵉].
الحديث متفق على صحته، وهو من معجزات النبوة الظاهرة.
[وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت بن أنس: (أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما أرهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو وهو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضاً، فقال: من يردهم عنا وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا) رواه مسلم].
قوله: (ما أنصفنا أصحابنا) يعني: المهاجرين ما أنصفوا الأنصار إذ قتل سبعة منهم، لكن الرواية الأولى أشهر، (ما أنصفنا أصحابنا) أي: الذين فروا عنا.
стр. 500
قتل النبي لأبي بن خلف
[وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: (كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ ، فلما بلغت النبي ﷺ هذه الحليفة -اليمين- قال: بل أنا أقتله إن شاء الله، فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعاً وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد ﷺ فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير)].
وهو في الحديد، وليس هناك شيء ظاهر منه، من ذا الذي يقتله، ولكن مصعب ضحى بنفسه وليس عليه إلا نمرة فقط، وليس عنده ثياب، وليس عليه شيء من الحديد، ولما أرادوا تكفينه فإن غُطي بنمرته رأسه ظهرت قدماه، وإن غطيت قدماه ظهر رأسه رضي الله تعالى عنه، فقاتل شخصاً في الحديد وقاية للنبي ﵊، مصعب ﵁ هو سفير الإسلام، الذي دخل أهل المدينة الإسلام على يديه رضي الله تعالى عنه، الذي يقول عنه عبد الرحمن بن عوف: قتل مصعب وهو أفضل مني رضي الله تعالى عنهم.
قال: [(فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة)].
يعني: البيضة المغطية على الرأس، والدرع المغطي على الصدر، فهناك بقعة ما بين عظمة الترقوة فقط بقعة من جلد أغلبه من غير عظم.
قال: [(وطعنه فيها بحربته)].
- فالنبي ﷺ طعن أبي في البقعة الضيقة هذه.
[(فوقع إلى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم)].
فالمكان ضيق جداً فالأمر لا يزيد عن الخدش.
[(فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور -يصيح صياح الثور من شدة الألم وهم رافعون له- فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش)].
لماذا أنت خائف؟ فالحربة لم تدخل في المسافة ما بين البيضة والدرع! قال: [فذكر لهم قول رسول الله ﷺ : (بل أنا أقتل أبياً)].
فخوفه كله من أن الرسول قال ذلك، وهو يعلم أنه صادق.
قال: [(والذي نفسي بيده! لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين)].
معناه: أن السوق الكبير في الحج لو توزع عليهم ضربة النبي ﷺ لـ أبي لماتوا من الألم، قال الله : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] أي: إنهم يعرفون صدق النبي ﷺ ؛ لذلك عندما قال: (بل أنا أقتل أبياً) ظل يتذكرها ظاناً أنه سوف يموت.
قال: [(فمات إلى النار) -والعياذ بالله- ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].
وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وذكر محمد بن إسحاق قال: (لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله! يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم: -ما ذكر لي- فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض)].
أي: هزها الرسول بشدة تركت الصحابة يبتعدوا من شدة النفضة.
قال: [(ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها -أي: سقط منها- عن فرسه مراراً) وذكر الواقدي عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك.
وقال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ].
أي: بينما هو عائد إلى مكة مات بسبب هذا الجرح في الطريق، في رابغ وهو مكان بين مكة والمدينة.
قال ابن عمر: [فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش].
أي: رجل خارج من النار يشد على نفسه بسلسلة ويقول: العطش العطش.
[وإذا رجل يقول: لا تسقه فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أبي بن خلف]- نعوذ بالله- وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ ، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، - أي: سن النبي ﷺ التي كسرت- واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله) وأخرجه البخاري عن ابن عباس قال: (اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسول الله ﷺ ].
ومعنى: أدموه ودموه أي: جعلوا الدم يسيل من وجهه ﵊، وذلك حين جرحوا وجه النبي ﷺ .
[وقال محمد بن إسحاق: (أصيبت رباعية رسول الله ﷺ وشج في وجنته وكلمت شفته)].
كلمت أي: جرحت شفة النبي ﷺ ، وكسرت سنه الرباعية اليمنى السفلى، وجرحت وجنته ﵊، وهشمت البيضة فوق رأسه، وهو رسول ﷺ ، والذي فعل به ذلك هم من اشتد غضب الله عليهم.
لنعلم حقيقة التوحيد، وأن الله بيده الأمر كله، ليس للنبي ﷺ ، ولا لغيره، والنبي ﷺ كان غاضباً من ذلك، وكان ﷺ يقاوم المشركين ومع ذلك قدر الله أن يقع ذلك ليكون ما جرى على سيد البشر ﷺ وسادات الأولياء من بعده من الجرح والألم والقتل من أدلة التوحيد، ولنعلم أن هذا الأمر قدره الله ليبتلي عباده المؤمنين، وكذلك ليكونوا أسوة لعباد الله عبر العصور في الصبر والثبات والتضحية والتحمل في سبيل الله .
стр. 501
درس في الولاء والبراء
قال: [وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط مثل ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص، إن كان ما علمته لسيء الخلق مبغضاً في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله ﷺ ].
وعتبة بن أبي وقاص مات كافراً، ولنا في الولاء والبراء درس عظيم فـ سعد حرص أعظم الحرص على قتل أخيه؛ لأنه كان كافراً ولأنه دمى وجه رسول الله ﷺ ، فانظر إلى ثمرة البغضاء التي وقعت لهذا الرجل في قول سعد: إنه كان سيء الخلق مبغضاً في قومه؛ لأن الله أبغضه واشتد غضبه عليه؛ لما صنع برسول الله ﷺ ، فكان كريهاً مكروهاً والعياذ بالله.
قال: [وروى عبد الرزاق: عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال: (اللهم! لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً) فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار.
стр. 502
ذكر ما أصيب به المصطفى يوم أحد
ذكر الواقدي عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحداً فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري].
الذي هو عم الإمام محمد بن شهاب الزهري.
[يقول يومئذ: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد -واقف بجانبه وهو يقول: دلوني عليه- ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان -يقول له: كان واقف بجانبك- فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك.
قال الواقدي: والذي ثبت عندنا أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قمئة، والذي دمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.
قال ابن كثير: [وقال أبو داود الطيالسي: عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد أي: قال: ذاك يوم كله لـ طلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد -أول من رجع إلى النبي ﵊ فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه، وأراه قال حمية فقال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلاً من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه].
طلحة أسلم على يد أبي بكر ﵁، لكن هو يعرف أن طلحة هو الذي يقدر أن يدافع على النبي ﵊، فتمنى أن يكون طلحة وبدا أنه ليس هو الذي كان يقاتل في ذلك الموقف، يقول: [لو كان رجلاً من قومي أحب إلي] من أن يكون من بلد آخر، كأن يكون واحداً من الأنصار مثلاً أو من غيرهم.
قوله: [وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه وهو يخطف المشي خطفاً لا أخطئه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح].
معنى: [خطفاً لا أخطئه].
يعني: خطفاً لا أعرفه، وفي رواية: لا أحفظه.
قال: [فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله ﷺ : (عليكما صاحبكما) يريد طلحة وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت الآن أنزع ذلك من وجهه ﷺ ، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، فتركته] وحديثه هذا فيه ضعف.
قال: [فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ ، فأزم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة].
سن أبي عبيدة بن الجراح وقعت مع حلقة المغفر، وهذه قصة ثابتة مشهورة؛ لأن اللفظ الذي هو غريب منكر هو قوله: أقسمت عليك بحقي، فإن الحلف بغير الله لا يجوز.
قال: [ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هتماً].
الأهتم هو من تكسرت ثناياه من أصلها.
[فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفر فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه فأصلحنا من شأنه].
فأبقاه الله لقتال المشركين والكفار بعد ذلك في الوقائع العظمى ﵁.
[ورواه الهيثم بن كليب والطبراني، وعند الهيثم قال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر! إلا تركتني؟].
ولعل هذا هو الأقرب.
[فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ، ثم استل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي، وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.
وروى ابن وهب عن عمر بن السائب: أنه بلغه أن مالكاً أبا سعيد الخدري لما جرح النبي ﷺ يوم أحد مص الجرح حتى أنقاه -أي: من الدم- ولاح أبيض فقيل له: مجه - أي: اتفل الدم- فقال: لا والله! لا أمجه أبداً ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ : (من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد)].
وهذا أيضاً ضعيف، فلا يستدل به على طهارة الدم، وبعضهم يقول: طهارة دم النبي ﷺ وفضلاته خصوصية، وليس على هذا دليل.
[وقد ثبت في الصحيحين عن سهل بن سعد أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه ﷺ ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان علي يسكب عليه الماء بالمجن].
وضع الماء في الترس؛ لأنه ليس عندهم أدوات.
[فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رماداً ألصقته بالجرح فاستمسك الدم].
هذا فيه مشروعية المداواة؛ لأن النبي ﷺ تداوى من جرحه.
стр. 503
الأسئلة
стр. 504
حكم الدعاء على المعين
السؤال
هل يجوز الدعاء على المعين؛ لأن النبي ﷺ دعا على عتبة: (اللهم لا تحل عليه الحول)؟
الجواب
الأفضل أن لا ندعو على المعين، والرواية المذكورة مرسلة، وهناك أشياء في السيرة تذكر بأسانيد فيها مقال، وهي تذكر لمعرفة الوقائع، أما إذا كان سيترتب عليها أحكام، مثل لفظة: (أقسمت عليك بحقي)؛ فإننا نبين ضعفه، وكذلك حديث: (اللهم! لا تمر عليه الحول حتى يموت كافراً) فهو حديث ضعيف، وإن صح فيحمل على أن النبي ﷺ اطلع على أنه يموت كافراً، فدعا عليه أن يموت في ذلك العام.
стр. 505
حكم تهنئة النصارى في أعيادهم
السؤال
هل يجوز تهنئة النصارى بأعيادهم على سبيل المجاملة ورد التهنئة كما يهنئوننا في عيدنا؟
الجواب
حين هنئونا بعيدنا هنئونا بحق فلا يجوز أن نهنئهم بباطل، فلا شك أن أعياد المسلمين أعياد تستحق أن يُهنئوا عليها؛ لأنهم أتموا طاعات لله : فقد أتموا صيام رمضان، وعبدوا الله في الأيام العشر، وضحوا لله بالأضحية، وصلوا صلاة العيدين، وفعلوا طاعات فالتهنئة بها تهنئة على خير.
أما هم فهم يسبون الله ، وهذا بنص الحديث في الصحيحين: يقول الله فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه: (شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، قال: وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً) فهل تهنئوهم على شتم الرب وعده؟ وهل يتصور مسلم ذلك؟ بمعنى: لو أن إنساناً سب أباك أو أمك، فأتيت في موعد السب من كل عام وقلت له: كل سنة وأنت طيب، والعياذ بالله، فهم يسبون الله بقولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة:١١٦] نعوذ بالله، أيُهنَئون على ذلك؟ ونقول: إن هذا من باب المجاملة، فما أسوأ هذه المجاملات.
إنما يمكن أن يُهنَئوا بما كان من خير لو أرادوا به طاعة الله، مثل الزواج فإنه عفة، فيجوز تهنئتهم بالزواج، وقد يهنأ أحدهم بأمر دنيوي كمولود يحصل له، أما أن يهنأ على كفر على باطل على شرك، أو يهنأ على رئاسة كفرية، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال.
وهذا من متابعتهم على باطلهم، فما أصاب المسلمين هذا إلا بسبب مثل هذه المجاملات بالباطل، حتى وصل الأمر إلى أن يقال للناس: إن من حق الكفار أن يسنوا ما شاءوا، وأن ذلك دبلوماسية أو مجاملة، فالكفر هكذا يجعل الباطل حقاً والحق باطلاً.
والإنسان عندما يداهن الكفار، يزعم أنه يكون من حقه أن يخالف صريح القرآن، فيرى أن من حق الإنسان أن يكفر بالله ، وأن يحارب دينه، نعم يكون هذا من حقه؛ لأنه كفر أول مرة، كما يقول الله : ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٧ - ٣٨].
فكوننا نجامل على حساب الدين هذا من المداهنة بالباطل، ومن الركون إلى الذين ظلموا والعياذ بالله!
стр. 506
بيان موت النبي ﷺ
السؤال
زاد الكلام اليوم عن موت رسول الله ﷺ ، وكثير من الناس وخاصة الصوفية يقولون: إن رسول الله ﷺ لم يمت ولكن سوف يموت بعد فترة وهو حي الآن، ويستشهدون بالآية الكريمة التي تقول: إن الشهداء أحياء عند ربهم، والشهداء أقل مرتبة من الأنبياء، وبالتالي: فإن رسول الله ﷺ لم يمت.
الجواب
هذا خلاف إجماع المسلمين، وخلاف نص القرآن، قال : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فالذين يقولون: إنه سوف يموت، نقول لهم: قد قال أبو بكر ﵁ في محضر الصحابة: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات) وهذا متفق على صحته، والذي يشكك في ذلك كاذب ضال مضل.
وأما: أن رسول الله ﷺ حي عند ربه، فهذا الذي نعتقده، وحياته أكمل من حياة الشهداء، فهو يعيش حياة برزخية لا تنافي الموت، وكما أن الشهداء لا يعاملون معاملة الأحياء في الدنيا، وقل كما قال الله ، بأن الرسول حي عند ربه وهو أكمل من حياة الشهداء بلا شك، ولكن عند ربه ليس في الدنيا، فإن الشهداء -بإجماع المسلمين- يورثون ويدفنون، ويجوز التزوج بنسائهم، وكل الأحكام الشرعية والدنيوية، وكل العقلاء يقولون: إن هؤلاء قد ماتوا وهم أحياء، لكن حياة لا تنافي الموت الدنيوي، ولا تنافي الموت على الأرض؛ لأنها حياة عند الله وليست حياة على وجه الأرض، وكذلك هي حياة رسول الله ﷺ .
стр. 507
حكم بيع الخمور ولحم الخنزير في البلاد غير الإسلامية لغير المسلمين
السؤال
أفتى بعض المشايخ بجواز بيع الخمر ولحم الخنزير في البلاد غير الإسلامية لغير المسلمين، فما صحة هذه الفتوى؟
الجواب
هذا كلام باطل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
وقد نقل الاتفاق على منع بيع هذه الأربعة غير واحد من أهل العلم، والحديث في ذلك صحيح متفق على صحته، وقد سمع أن بعض المشايخ أيضاً يفتي بذلك بشرط أن لا يتجاوز حاجة المسلم الذي يبيع ذلك، وهذا باطل والمال مال محرم، فلا يجوز بيعه لمسلم ولا لكافر فإن الله حرم هذه الأشياء، بل لعن من باعها، قال النبي ﷺ : (لعن الله اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم جملوه -يعني: أسالوه- فباعوه وأكلوا ثمنه) وقال: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم أكل ثمنه).
стр. 508
معنى حديث (من رأى منكم منكراً)
السؤال
حديث: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) هل يمكن حمل هذا الحديث على حال معينة: وهي مثلاً: أن يرى الإنسان رجلاً يهم بقتل آخر، فيغير بيده، ولا وقت لأن يغير المنكر باللسان؟
الجواب
لا شك أن هذه أحد الصور، لكن إذا أمكنه أن يدفعه بلسانه أولاً فعل، كأن يحذره، وقد ذكر الله ذلك في الصائل، فإن لم يندفع بقوله دفعه بفعله، فإن لم يمكن القول؛ لأنه يعلم أنه سوف يبادر إلى قتله، أو مثلاً: يختطف امرأة وهو شاهر السلاح، ولو كلمه لأخذها وهرب، فيجب هنا أن يغير بيده؛ لأنه عجز عن التغيير باللسان في تلك اللحظة، وهذا هو الترتيب الشرعي.
стр. 509
حكم قضاء الصلوات الفائتة في مدة طويلة
السؤال
هل يلزم على من ترك الصلاة مدة طويلة وهو يسعى جاهداً لإدراك ما فات، وقد تاب إلى الله ، فهل يقضيها رغم كثرة تعدادها؟ وهل يلزم أن أقول له: إن هذا الأمر لا يجوز خصوصاً أنه الراجح من الخلاف والحق عندي، أي: عدم مشروعية قضاء الفوائت؟ أم أكون آثماً إن لم أفعل؟
الجواب
لا، لا يلزمك أن تقول ذلك، لكن إن سألك فتجيبه؛ لأن مسألة قضاء الفوائت مسألة خلافية، فإذا رأيت شخصاً يقضي الفوائت واستفتاك فيلزمك أن تقول ما تعتقد إن كنت طالب علم مميز، أو تنقل ترجيح من ترى من أهل العلم، لكن لا يلزمك ذلك، فالمسألة فيها خلاف، والذي يفعله هذا الرجل هو قول جمهور العلماء، وإن كنا نرى خلافه، لكن لا يلزم في المسائل التي فيها اجتهاد وخلاف سائغ أن تغير مذهب الآخرين، ولا ينبغي أن تنكر عليهم في مسألة فيها خلاف سائغ.
стр. 510
كيفية إخراج زكاة العروض
السؤال
زكاة المال على البضاعة المعروضة في المحل كيف أخرجها؟ علماً بأن هناك بضاعة تدخل وتخرج وبضاعة تبقى لعدة سنوات فما العمل؟
الجواب
عليك أن تعرف يوم ملك النصاب، وفرض على كل أحد معه مال بلغ النصاب أن يعرف تاريخ ملكه للنصاب، ونصاب الفضة ٥٩٥ جراماً، فهذا اليوم يتم حفظه، وفي كل سنة هجرية من هذا اليوم عليه أن يجرد البضاعة التي عنده، والمال السائل الذي معه، ويخرج على الموجود بقيمة البضاعة، إضافة إلى المال السائل التي هي سعرها يوم حساب الزكاة، ثم يخرج ٢.
٥% من المجموع، ويخصم منها الديون التي عليه إذا كان عليه ديون لأحد، وإذا كان له ديون على أناس فهو مخير بين أن يخرج زكاتها مقدماً ٢.
٥% أو عندما يقبضها يخرج منها فوراً ٢.
٥% لما مضى من السنوات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 511
موانع الالتزام
كما أن للجنة دعاة فللنار دعاة، وفي كل السبيلين سالكون، وشتان بين مشرق ومغرب، ومن عزم على سلوك الجنة فسيجد دعاة النار من حوله يعيقونه، وقد يؤذونه، ولكن الكيس تهون أمامه كل الموانع والعقبات، ويستسهل كل صعب، ويبذل كل غالٍ ورخيص في سبيل الوصول إلى مطلوبه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
стр. 512
أهمية الالتزام
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: الالتزام هو مفتاح حل مشاكل الأمة، إذ الأمة في محنة عظيمة وخطيرة وفي مفترق طرق، وعدوها يتربص بها من كل جانب، ويمكر بها لصرفها عن دينها، ولأخذ ثرواتها، وتدنيس مقدساتها، وتفريق جمعها، ولإضلال رجالها ونسائها وشبابها، فما هو المخرج؟ إن الالتزام قضية يجب أن تكون محور اهتمام كل واحد منا؛ لأنه في الحقيقة ليس باباً يفتح ثم يجلس الإنسان بجواره، بل عمل مستمر دائم، فأنت تطلب من الله الهداية إلى الصراط المستقيم سبع عشرة مرة، وقد أسلمت بحمد الله، فدل ذلك على حاجتك الماسة إلى سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم علماً تفصيلياً بحدوده، وحباً لسلوكه، وامتثالاً وانقياداً وسيراً فعلياً على ذلك، وثباتاً عليه إلى أن تلقى الله .
إن قضية الالتزام بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، والالتزام بالكتاب والسنة قضية عظيمة لابد أن تكون لدى كل واحد منا هي الهدف الأول في حياته؛ لأنها تحقيق العبودية التي خلق الإنسان من أجلها، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 513
موانع الالتزام
стр. 514
الشيطان العدو الأول
عدوك اللدود يقف لك بالمرصاد، ويريد أن يصدك عن الالتزام بطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ، وهو الشيطان الرجيم، فإذا علمت أن عدوك هذا يريد أن يسرق منك هذا الكنز العظيم فلابد أن تدرك قيمة هذا الكنز، ولابد أن تحرص عليه، وتسبق إليه، وتحوطه وتحميه، وإذا لم تكن قد وصلت إليه بعد فسارع قبل أن يفوتك، وإذا علمت أن عدوك اللدود يقف لك بالمرصاد فيضع الحواجز والعقبات ليمنعك من الالتزام، فتحرم من الفوز بهذا الكنز العظيم: كنز الاقتراب من الله ، وحبه ، ومخافته والشوق إليه، وعبادته بكل أنواع العبادة، فلا بد من الاجتهاد في مدافعته؛ لأنه لا يتركك، بل يحاول معك من داخلك ومن خارجك، يحاول معك جاهداً أن يبعدك عن حقيقة الالتزام، فيستغل ما فطرت عليه من رغبات وإرادات وشهوات، لكي يدفعك لترتكب الحرام وإن كنت في ظاهرك أو في قناعتك قد التزمت، فغايته أن يبعدك، ولذا يسلط عليك أولياءه وأعوانه لينالوا منك أنواع الأذى إن لم يستطيعوا أن يأخذوك بعيداً عن الكنز الذي يريد أن يسرقه منك؛ لأنه حرم هذا الكنز، فقد رُفع في الملأ الأعلى، ثم طرد وأبعد وأهبط وصغِّر وحُقِّر لما تكبّر وأبى، ورد أمرَ الله سبحانه بما وقع في قلبه من الحقد، والحسد، وكل ذلك أدى به إلى الكفر -والعياذ بالله- فهو يحسدك -أيها المسلم- على ما من الله عليك به من هذا الدين، وما يرزقك ربك من معرفته، ومحبته، فهو لشدة غيظه يكاد يموت لولا أن الله كتب له البقاء إلى يوم يبعثون.
فإنه إذا شاهد إنساناً قد سلك طريق الالتزام والقرب من الله وطاعة رسوله ﷺ ، زاد حنقه وجزعه، ولذا لابد أن تعلم أنك في حرب ضروس، فتستشعر خطورة هذه الحرب، وبالتالي تقف على كل الصفوف، وتدافع عن نفسك، فقلبك هو أرض المعركة الذي يراد أن يلقى في سجن الشهوات والرغبات المحرمة وسجن الشبهات المضلة والأفكار والتصورات الردية التي تهلك الإنسان، فأنت أرض المعركة، وأنت من يريدون أن يأخذوه بعيداً عن أن يقترب من الله ، وأن يحب الله .
من هنا نقول: هذا السؤال ليس موجهاً إلى غير الملتزمين فقط، بل هو موجه إلى الملتزمين أيضاً؛ لأن الالتزام -كما ذكرنا- بحاجة إلى رعاية وحراسة، وإلى ازدياد؛ لأنه إذا لم يزدد نقص، وإذا توقف أدركه الأعداء قطاع الطريق إلى الله ، قال الله، قال الله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، فلابد أن تدرك هذه العداوة وتعد للحرب عدتها.
تصور أن دولة يُعِدُ الأعداء العدة لحربها وقادتها ومن فيها يلهون ويلعبون ولا يفكرون بالحرب، ولا بإعداد العدة، ولا بوضع الخطط، ولا بتحصين الثغور، ماذا تكون النتيجة؟! لذلك نقول: إن أول موانع الالتزام هو الشيطان، وإن مما تقاوم به شيطانك أن تستشعر عداوته، ولم يكتف ربنا بأن أخبرنا بعداوته لنا بل قال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا))، لأنك بمجرد أن تقول لإنسان: فلان عدو لك، فإنه تلقائياً إذا صدق الخبر أخذ منه موقف العداء، لكن الله سبحانه قال: ((فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)) وهذا تأكيد، لماذا؟ لأن كثيراً من الناس يعلم أنه عدوه وفي نفس الوقت يتخذه ولياً والعياذ بالله فيطيعه ولا يستحضر عداوته، وينسى تلك العداوة بعد حين، بل يجعله راعيه كمن جعل الذئب راعي للغنم، ويجعل من همه وإرادته إضلاله وتوصيله إلى السعير ولياً له! قال : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
فإنهم تولوه حين اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون.
ولذا لا بد أن تعلم أن الشيطان يجري منك مجرى الدم، وهذا يقتضي منا حراسة الثغور، وأكثر الناس يؤتون من قبل عدم أخذ العدة، فيتركون الثغور التي ينفذ منها الشيطان إلى القلب، فيترتب على ذلك الامتناع عن الالتزام، وأن يدخل العدو إلى القلب، فهناك ثغر العين، وهناك ثغر الأذن، وهناك ثغر الفم، وهناك ثغر البطن، وهناك ثغر الفرج، وهناك ثغر اليدين والرجلين، فكلها ثغور إن لم يكن عليها حراسة دخل العدو إلى الأرض، فاستباح الحرمات، وأسر الملك، وصرّف هذه الجوارح في غير مرضاة الله ، صرفها في غير مصلحتها، واستعمر المكان يعني استخربه في الحقيقة، وألقى القلب في السجن، وأمَّرَ النفس الأمارة بالسوء، وهذا كما نرى في الدول فعلاً، عندما يحتل الأعداء البلد يأتون بعملاء، ثم يوجهونهم ويأمرونهم، وهم ينفذون لهم خططهم، فهو يؤمِّر النفس الأمارة بالسوء؛ لتتصرف في الجوارح، ولتجعل كل الثغور مستغلة لمصلحة العدو والعياذ بالله.
كثير من الناس بدل أن ينظر إلى آيات الله بعينه فيتفكر في خلق السماوات والأرض، وينظر في آيات الله المكتوبة فينظر في المصحف، وينظر في أحاديث رسول الله ﷺ وفي كتب العلم؛ تجده ينظر ليل نهار فيما حرم الله عليه، ينظر إلى العورات المكشوفة، ينظر إلى ما يهيج عليه شهواته، وسائر المفاسد متعلقة بثغر العين وهي كثيرة جداً، فلا بد أن تقف بالمرصاد لتحرس هذا الثغر وتمنع وصول مدد الأعداء إليه، فتغض بصرك عما حرم الله ، كما قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، فهذا من أعظم موانع الالتزام، أعني ترك ثغر العين مفتوحاً بلا حراسة، وعدم تحقيق غض البصر، وإطلاقه إلى العورات المكشوفة في الطرقات وفي وسائل الإعلام من فيديو، وتلفزيون، ومجلات، ودش، والبحث عما حرم الله من ذلك، كل ذلك من أعظم أسباب الانحراف؛ لأنه أقصر المداخل إلى القلب، فالعين إذا لم تحرسها وتدفعها من النظر إلى الحرام دخل الشيطان بأسهل طريق إلى القلب وسيطر عليه وقذف فيه حب الشهوات، والشهوة الجنسية من أقوى الشهوات الإنسانية، حتى لقد قال الزنادقة والكفرة: إن الشهوة الجنسية هي المحرك الأساسي لعالم البشر، وإنها هي التي تدور حولها كل رغباتهم وإراداتهم، وكذبوا في ذلك، فالإنسان أعلى قدراً من هذا، ولكن قلوبهم المطموسة وأفكارهم المنكوسة هي التي أدت بهم إلى أن يقولوا: إن الشهوة الجنسية هي المحرك الحقيقي لكل رغبات الإنسان، لكنها بلا شك من أقوى الشهوات، ولا يمل الناس منها، فهل وقف الغرب عند حد في أمر الشهوة الجنسية؟! هل توقفوا وزهدوا في هذه الشهوة؟! هل زهدوا في هذه المناظر مع أنهم يرون ليل نهار أنواعاً من الفتن والمضلات؟! لا.
لذلك نقول: لابد أن تحرص على غض البصر، فهذه الشهوة تجر شهوات بعدها، فشهوة الفرج مبنية على شهوة العين في المقام الأول، وكم يأتي الصيف بأنواع المصائب، وإن كان الصيف والشتاء في زماننا قد صار مليئاً بالمصائب بهذه الملابس الضيقة وهذه العورات المكشوفة وهذا التبرج والسفور المنكر الذي حرمه الله وبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه من الكبائر، قال : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
وقال النبي ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، فالله حرم الجنة على هؤلاء المتبرجات، (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، وإني لأعجب لماذا تفتح على نفسك باب الشهوات من خلال النظر؟! بل كثير من الشباب من موانع التزامه الحقيقي أنه يستسلم للشهوة الجنسية، إما بأن يسير مع الفتيات المنحلات، وإما بأن يرتكب العادة السيئة المعروفة بالعادة السرية (الاستمناء)، وإما بأن ينظر إلى الصور العارية، وذلك يفتح عليه أبواب الفتنة، التي لو سدها من أول الطريق لكان ذلك من أعظم ما يعينه على الالتزام.
كما أن حراسة الخواطر من أهم الأبواب وأعظمها؛ ولا شك أن ثغر العين هو المفتاح، والصورة المحرمة تشمل الشكل الحي وتشمل أيضاً الصورة المرسومة أو المجسمة أو المتحركة التي تراها في وسائل الإعلام، بل كلام العلماء من السلف على عشق الصور مقصودهم به: الصورة الحسية كالنساء والولدان وغير ذلك، فمثل هذا الأمر لابد من الحذر منه، أن يحرس الخواطر عن التفكير حتى يبتعد عن هذه الشهوة المحرمة، فعليه أن يتقي الله في تفكيره في تلك اللحظات التي يقضيها بمفرده غارقاً في أحلام يقظته، فالخواطر من أعظم الأسباب الجالبة للمنكر، ومثال ذلك إنسان يمشي بسيارته على أسرع ما يمكن، وهو يريد أن يوقفها بعد عدة أمتار عند حاجز معين، فيظل يزيد من سرعة السيارة، ويجعلها تنطلق بأقصى سرعة، فلا يمكنه ذلك لزيادة السرعة، وكان عليه وهو يريد أن يقف عند حد معين أن يهدئ السرعة بالتدريج حتى يقف عند الحد المطلوب، أما أن يسير بأقصى سرعة ومِن ثم يوقفها مرة واحدة فهذا غير ممكن.
وكذلك الإنسان الذي يداوم على استحضار الأفكار ويتخيل أنه سوف يفعل كذا وكذا وكذا، مستحضراً للصورة في ذهنه، خصوصاً قبل النوم، أو في أماكن الخلاء كالحمام وغيره، فإذا ظل يفكر في هذه الشهوة، فإنه ولا شك سوف يعجز عن أن يوقف هذه الشهوة عند حدها، وسوف يمارس العادة السيئة، أو يسعى في نيل الحرام والعياذ بالله.
وأهل الباطل يزينون لكثير من الشباب أن بعض العلاقات تخفف الشهوة، فيدعون إلى الصداقة البريئة -كما يزعمون- مع الفتيات، ويبيحون الاختلاط، بحجة أن هذه الأمور تهدئ الشهوة الجنسية، وإليك ما قاله علماء الغرب، والحكمة تؤخذ من كل قائل لها، وأبلغ ما يكون ذلك من الأعداء الذين ابتدعوا هذا الاختلاط، فهذا خبر منشور في الجرائد وعلى النت، وهو أن الهيئات التعليمية الأمريكية أع
стр. 515
فضل حلق الذكر
أخبر النبي ﷺ بفضل حلق الذكر فقال: (إن لله ملائكة سيارة يتتبعون حلق الذكر، فإذا وجدوا حلقة من حلق الذكر تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، -جعل الله فيهم رغبة في أن يتتبعوا حلق الذكر- فيحفونهم إلى السماء الدنيا، ثم يصعدون إلى الله فيقولون: يا رب! أتينا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويحمدونك ويهللونك ويكبرونك، فيقول الله : وهل رأوني؟ فيقولون: لا يا رب! لم يروك، فيقول الرب : كيف لو رأوني؟ فتقول الملائكة: كانوا لك أشد تسبيحاً وتحميداً وتهليلاً وتكبيراً، فيقول الله : ماذا يسألونني؟ فيقول الملائكة: يسألونك الجنة، فيقول الله : وهل رأوها؟ فتقول الملائكة: لا يا رب! لم يروها، والله أعلم -وإنما يسأل الملائكة تكريماً لعباده المؤمنين وإظهاراً لفضلهم- فتقول الملائكة: لا يا رب لم يروها، فيقول الله: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: كانوا أشد لها طلباً، فيقول: ومم يستعيذون بي؟ فيقولون: يستعيذون بك من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب! لم يروها، فيقول: وكيف لو رأوها؟ قالوا: كانوا أشد منها هرباً، فيقول الله : أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول أحد الملائكة: يا رب! فيهم فلان عبد خطاء ليس منهم إنما جلس لحاجة، -أي جلس لمصلحة كان يريد أن يقضيها- فيقول الله : وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
وأقص عليكم قصة أحد الإخوة في سبب التزامه، حكى لي هذه القصة فذكر أنه كان أكره شيءٍ إليه الملتزمين، كان طالباً معهم يراهم في الكلية ويبتعد منهم، يراهم أسخف الناس، ولا يقبل شيئاً من كلامهم أبداً، وفي مرة من المرات كان يحتاج إلى تجهيز شيءٍ في الشقة، وكان منهم أحد الصناع الذين يحتاج إليهم، حاول الوصول إليه لكنه وكان يعلم أنه يصلي في مسجد الفتح، فاضطر لكي يلقاه أن يذهب إلى المسجد في يوم جمعة في رمضان، فقال: أذهب أنام الساعة إلا ربع التي يخطب فيها الخطيب إلى أن يحين وقت الصلاة، وبعدما نصلي أقابله وأطلب منه أن يأتي معي فأنا لا أريد أن أسمع كلام السنيين هؤلاء، فذهب إلى المسجد، فخطب أحد الإخوة، وكان الخطيب ليس من الإخوة الخطباء الرسميين في المسجد، وكان يتلو آيات من القرآن ويبكي، فإذا بالرجل يشاهد الناس يبكون، فاستيقظ مرة واحدة، وأخذ يسأل نفسه: ما هذا الذي يحصل؟! لماذا لا تبكي يا فلان؟ وكانت بداية الهداية، فقد هداه الله من بعد ذلك، كان يريد أن ينام وقت الخطبة ثم يصلي من أجل أن يقابل الرجل، ثم جلس لحاجة فغفر الله له وهداه الله في هذا المجلس، فسبحان الله! (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فربما غفر للإنسان بمجرد وجوده مع أهل الصلاح والخير.
стр. 516
فضل مصاحبة الأخيار
إن من أعظم أسباب الالتزام القرناء الصالحون، ولذلك نقول: الصالحون تجدهم في المساجد وفي حلق الذكر ومجالس العلم، أما الفاسدون فأين تجدهم؟ تجدهم على القهوة أو على ساحل البحر أو في مشاهدة فيلم، وتجدهم في أماكن تجمعات الشباب الضائع على الأرصفة على أفواه الأزقة يبحثون عن الذاهبة والراجعة، وينظرون إلى العورات المكشوفة، وأحياناً تجدهم حول وسائل الإفساد المحرمة؛ كالطاولة والكتشينة والشطرنج، وقد قال النبي ﷺ : (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله)، وقال النبي ﷺ : (من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) أي: كأنه يضع يده في لحم خنزير ودمه، والضمنة مثل الطاولة؛ لأنه بدل ما هي مكعبة أصبحت مفرودة، فالكتشينة بدل ما هي من واحد إلى ستة أصبحت من واحد إلى عشرة، مع الصور المرسومة الأخرى المحرمة مثل الولد والشيبة والبنت والجوكر، أما الشطرنج فإنه عند جمهور العلماء محرم بالقياس على النرد بالإضافة إلى ما فيه من تماثيل وكذب، فتجد اللاعب يقول: كش ملك أي مات الملك، وهل يحصل هذا بالفعل؟! أليس هذا كله كذباً؟! فضلاً عما فيه من الآثار المدمرة للنفس، من تعظيم النفس لها وللعقل، وأنه يفهم كل شيء، لأنه يعرف كيف يلعب الشطرنج، ومن الممكن أنه لا يعرف شيئاً، فهل صاحب الشطرنج استطاع أن يخترع شيئاً جديداً؟! لا، بل حتى لا يعرف أن يخترع ألعاباً جديدة، ومن العجيب أن تسمع من يقول لك: ملوك شطرنج العالم يلعبون المباراة لساعات طويلة تصل إلى شهور وأيام، يجلسون يلعبون، فهل هؤلاء أنتجوا شيئاً لمجتمعهم؟ بل إن أوقاتهم صرفت إلى هذا اللغو الفارغ، قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، وقال : ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢].
فقد مدح الله المار الكريم الذي لا يشارك في اللغو فينبغي أن يكون الإنسان على حذر من هذه الأماكن؛ لأن فيها قرناء السوء، كما أنها أماكن يكثر فيها السب واللعن والبذاءة، والشتم للآباء والأمهات، وسب الدين والسكوت على ذلك، بل والضحك منه، فلو أن جماعةً مجتمعين وقام أحدهم يسب الدين وضحك الباقون فإن هذا مخرج من الملة لهم جميعاً؛ لأن هذا الذي سب دين الله يعلم أن الدين هو الملة، وليس في لغتنا أن الدين هو الخلق، حتى يقال: إنه إذا كان يقصد الملة كفر، وإذا كان يقصد الخلق لم يكفر؛ لأن كلمة الدين ليست مستعملة عندنا إلا بمعنى الملة، فأنت عندما تسأل: فلان هذا ما دينه؟! فهل سيقال لك: هو صادق أو كاذب؟ لا، بل يقال لك: هو يهودي أو نصراني أو مسلم، فالدين بمعنى الملة، وكذا الديانة التي يدين بها الإنسان، ولا تستعمل بمعنى الأخلاق، أو صادق الحديث، أو كاذب، أو مؤدب؛ أو غير مؤدب، أما الذين ضحكوا على ذلك فقد رضوا بهذا الكفر والعياذ بالله، وفرحوا به فخرجوا من الملة، قال ﷺ : (وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً).
كما أن هذه المجالس موجود فيها أنواع من المنكرات غالباً، ففيها شهوات النظر، وفيها شهوات الاختلاط، وفيها شهوات المخدرات، وأهونها السجائر ونحوها، فإن هذا من أعظم أسباب تدرج الشيطان بالإنسان، فالسجائر والشيشة ونحوها من أعظم المضار، وقد قال النبي ﵊: (لا ضرر ولا ضرار)، وقال الله عن النبي ﷺ : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
ولا خلاف أن التدخين والشيشة ونحوها من الخبائث، وأسباب الوقوع في ذلك قرناء السوء، فابتعد عنهم، وأنا على يقين أن المسلم لن يلتزم التزماً حقيقاً إلا إذا فارق قرناء السوء، فإما أن يلتزموا وإما أن تبتعد عنهم، إما أن تساعدوا بعضكم بعضاً على الالتزام، وتجروا بعضكم بعضاً إلى المسجد، وإما أن تفارقهم وتعتزلهم، قال : ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦].
فإذا لم يكن هناك وسيلة للنجاة بالنفس إلا اعتزال أهل الشر وجب اعتزالهم ولو إلى كهف، فلا يجوز لك أن تختلط بالمنكر وأنت تراه، وتسكت عليه، فإما أن تسعى في إزالته وإما أن تزول أنت عنه.
стр. 517
الموسيقى من أعظم موانع الالتزام
من أعظم أسباب موانع الالتزام سماع الموسيقى المحرمة والأغاني المحرمة، فذلك يمنع فعلاً من الالتزام، وما يسمعه الناس اليوم لا نزاع في حرمته حتى بين من يجيز سماع الآلات، فـ ابن حزم يقول بجواز سماع الموسيقى، وقوله باطل مخالف للحديث، ومع ذلك فهو لا ينازع في أنه إذا أدت ذلك الغناء امرأة متبرجة كاشفة عن عورتها وكان الكلام يدعو إلى الفساد والفحش وذكر الحب والغرام والهيام، وكان ذلك بالخضوع بالقول في حضرة الرجال أن ذلك محرم ممنوع، فما ترون في أغاني اليوم؟! حتى أغاني الرجال صارت كذلك! وهذا المذهب -في حقيقته وهو جواز سماع الموسيقى- باطل مخالف لنص حديث النبي ﷺ حيث قال: (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فجعل المعازف مقرونة بالخمر والحرير على الرجال، والحر أي الزنا، فدل ذلك على أنها من المحرمات بلا شك، وهو نص في موطن النزاع، والحديث صححه العلماء، والبخاري قد ذكره معلقاً مجزوماً به، وذكره غيره موصولاً، فهو حديث صحيح بلا شك.
وقال ﷺ : (إنما نهيت عن صوتين أحمقين: صوت عند نعمة، ورنة عند مصيبة) وهي النياحة، فذكر النهي عن هذين معاً، والنياحة معلوم أنها من الكبائر، فالصوت الذي عند النعمة هو صوت الغناء المحرم، واللهو المحرم داخل في الأصوات المنهي عنها، وهو صوت الشيطان الذي قال الله عنه: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤].
لذلك تجد هذه المجالس كلها فساد -والعياذ بالله-، ولا يختلف العلماء في تحريمها، فابتعد عن هذه الأماكن، وأنت ترى تعظيم هذه الأماكن في وسائل الإفساد من الأفلام والتمثيليات حتى يكون أمل الشباب أن يكون له مال ليذهب إلى هذه الأماكن ليفسد فيها، فيرتكب المحرمات، وربما سرق، أو تاجر في المخدرات، أو اغتصب، أو فعل المنكرات كلها من أجل أن ينال حظاً مما يراه في هذه الأماكن، فترى كل الأفلام الأجنبية لابد من مشهد البار والخمر والملهى الليلي الذي لابد أن ينالوا منه شيئاً.
فليحذر الإنسان من فتح الباب لثغر العين وثغر الأذن بالإضافة إلى ثغر الكلام؛ فاللسان قد يتكلم بالباطل ويسب ويغتاب وينم ويكذب، ويفتخر بالمنكرات والعياذ بالله، ويتحدث بها بعد أن ستره الله، وقد قال النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، فاليد والرجل من مداخل الشيطان، وشهوة البطن كذلك، فلا بد أن تأكل الحلال وتجتنب الحرام، ولا تلمس بيدك ولا تبطش ولا تتناول ما حرم الله عليك.
стр. 518
حب المال من موانع الالتزام
إن حب المال من أعظم أسباب الفساد، والحاجة إلى المال لا بد أن تكون مقيدة بما أحل الله ، واعلم أن لك رزقاً إما أن تطلبه من حلال وإما أن تطلبه من حرام، ولن يزيد طلبك للحرام رزقاً لك قال النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم).
والمعنى: اطلبوا الرزق طلباً جميلاً، فخذ ما أحل الله لك، وابتعد عما حرم الله عليك، واعلم أنه إذا كانت الآخرة هي النية فسوف تأتي الدنيا راغمة، كما قال النبي ﵌: (من أصبح والآخرة نيته جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا نيته فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)، فلا بد إذاً أن يبتعد الإنسان عن أسباب الفتنة التي تجذبه بعيداً عن طاعة الله .
стр. 519
الخوف من غير الله تعالى من موانع الالتزام
من أعظم موانع الالتزام لدى الكثيرين: الخوف من غير الله ؛ وذلك أن العالم كله يتهم الملتزمين بأنهم متطرفون وإرهابيون، ويشيعون ذلك، ويصورون حياتهم على أنها شقاء وتعاسة فضلاً عما يعدون لهم من كيد ومكر، فيصورون لك أنك إذا أقدمت على الالتزام فلا بد أن تكون يوماًَ من الأيام من المسجونين أو من المعذبين المضطهدين، أو تصاب بأنواع البلايا والمحن التي يتعرض لها أهل الالتزام، كما أنك لن تجد عملاً ولن تجد مالاً فضلاً عن الشقاء الذي تشقي به نفسك، فتأكد أن هذا كله من الحواجز الوهمية، وعليك أن تعمق الخوف من الله ، واعلم أن الدنيا كلها كطيف أو حلم يأتيك في المنام توشك أن تستيقظ منه، فالدنيا والآخرة هي اليوم الآخر، وأنت نصيبك من الدنيا سنوات معدودة، هي من أولها إلى آخرها يوم، فكم بقي للناس على وجه الأرض؟ قد يكون الآلاف من السنين، لكن نصيبك منها ستون، أو سبعون، أو ثمانون سنة، على أن الواحد منا لو بقي إلى هذا العمر لبقي ضعيف البدن، تعتريه الأمراض، أفمن أجل هذه الدنيا تخاف الناس ولا تخاف الله ؟! قال : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
ثم تأكد أن الالتزام فيه الراحة والسكون والطمأنينة، ولو كنت حبيساً بين جدران ضيقة ففيه السعة قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فالانشراح في الصدر يغنيك عن ضيق المكان، كما أن الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً يذيقك حلاوة الإيمان، فالله يجعل لك فرجاً ومخرجاً من كل ضيق وهم، قال ابن تيمية ﵀: ما يفعل بي أعدائي؟! أنا جنتي معي، وبستاني في صدري، إن قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة، وتعذيبي جهاد في سبيل الله، سبحان الله! وما ذاك إلا لأن الله جعل السعادة في طاعته، وجعل الشقاء في معصيته، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، وهو سبحانه يحفظك ويحوطك ويحميك ويدفع عنك الأذى، ووالله كم جرب المؤمنون من دفع الله سبحانه الله تعالى عنهم وحمايته لهم، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) فإذا حفظت حدود الله حفظك الله ، ونفعك ورزقك من فضله، فالأرزاق بيد الله لا بيد الناس، وإذا اتقيت الله جعل لك مخرجاً، قال الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال سبحانه في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً، يا بن آدم! لا تباعد مني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً).
إذاً: ما يخوفونك به من دون الله تذكر له قول الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦].
واعلم أن من خاف غير الله فقد أضله الله، فلا تخف غير الله، فالخلق لا يملكون لأنفسهم نفعاً، ولا ضراً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، فالسعادة كل السعادة في طاعة الله، والرزق في تقواه، والسعة والسكينة في ذكره ، قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فهذه أمور في كتاب الله مجربة بالفعل، فسعادة الإنسان حين يقترب من الله لا تدانيها سعادة، فتأكد من ذلك، وأقدم فقد سبقك سابقون إلى الله ، ومضوا، فادع الله أن يجعلك معهم.
اللهم اهدينا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت.
стр. 520
من موانع الالتزام نهي الوالدين عنه
من موانع الالتزام عند الكثيرين: من يأمره بعدم الالتزام ممن له عليه حق الطاعة، كالأب والأم وأقاربه، وأساتذته، فكل من حوله يقول له: لا تلتزم، سوف تضيع، ابتعد عن هؤلاء، ومن العجيب عندهم أنه لو ذهب إلى أماكن الفساد والفجور، لو زنى، أو شرب الخمر؛ لكان أهون عليهم من أن يذهب إلى المسجد! وهذا من انتكاس القلوب والعياذ بالله، ومن فساد التصور، ومن العقيدة المضلة التي أضلهم بها إبليس.
فنقول: قال النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وقال عن الوالدين وهما من أعظم الناس حقاً على الإنسان بعد ربه وبعد النبي ﷺ : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
وهذا هو السبيل الذي يجب أن تسلكه، فأحسن إليهما في غير معصية الله، واقض لهما حاجتهما في غير معصية الله، حتى تكون أحب إليهما من كل أحد غيرك، ووالله أن ذلك سوف يخفف من مقاومتهما لالتزامك، وليكن قصة غلام أصحاب الأخدود أسوة حسنة لك، فقد كان يضربه الساحر إذا تأخر عند الراهب، وإذا تأخر في طريق عودته ضربه أهله، فقال له الراهب حلاً للمشكلة: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، على أنه كان حريصاً على طلب العلم والذهاب إلى الرفقة الصالحة، مع أنه يضرب ويؤذى ويعذب، ومع ذلك كله كان حريصاً على الالتزام والسير في طريق الخير.
فأحسن إلى من حولك من الوالدين والجيران والأقارب، وسوف تكون أحب إليهم من كل أحد، واعلم أن المحبة بيد الله ، فإذا أحبك الله أحبك أهل السماء وأحبك أهل الأرض بتوفيقه ، وأنا أعلم والله رجالاً ونساء كانوا يشتكون من أبنائهم أو بناتهم الذين يلتزمون، فلا يريدون أن تنتقب الفتاة، ولا أن يلتحي الولد، ولا أن يسلكوا طريق الالتزام، فيقولون لهم: كفاكم أنكم تصلون، وأنا لا أقول لك: لا تصل، ولا تصم، بل صم وصل، ولكن ابتعد عن هؤلاء، وهم عندما يأتون يتصورون أن طاعة الأب والأم مقدمة على طاعة الله ، فيظنون أني سآمرهم: أن يحلقوا لحاهم مثلاً، أو أن تترك المرأة حجابها، فيستفتون في ذلك، فآخذ الأب أو الأم بعيداً عن هذا الولد، بعد أن أنصحه بمزيد البر فيما لا يخالف الالتزام، فأقول: للأب: أي أولادك أحب إليك؟ فيقول: فلان أو فلانة، الولد الملتزم أو البنت الملتزمة، فإذا هو أكثر محبة له على الرغم من أنه يشدد عليه وعليها أكثر من باقي الإخوة والأخوات؛ لأن المحبة بيد الله، وفي الحديث (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، فلا تجعل المنزل حجة، بل اجتهد في أن تكسب هذا المنزل، وأكثر من الدعاء لهم والتضرع لله .
فهذه بعض المعاني التي أحببنا أن نشير إليها من موانع الالتزام عند الكثيرين، ونسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا وذنوبنا.
стр. 521
نحن أولى بموسى منهم
المؤمنون أمة واحدة، وتاريخهم واحد، ولذا يفرحون بانتصار المؤمنين رغم تباعد الأزمنة والأمكنة، فالمؤمنون عندما يصومون عاشوراء، إنما يصومونه حباً لنبي الله موسى ﵇؛ إذ نجاه الله تعالى من فرعون وقومه.
وقصة موسى من القصص التي كثر ذكرها في القرآن عبرة للمؤمنين، ومؤشرات لهم بأن الله ناصر عباده المؤمنين في كل زمان ومكان، وأنه لا يأس ولا قنوط من نصر الله ورحمته، وإن كثر الباطل وانتشر، وعلا الباطل واستكبر؛ فإن نهايته حتمية ووخيمة.
стр. 522
الإيمان بالأنبياء شرط في الإيمان بالله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد جعل الله الإيمان بالأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين شرطاً في الإيمان بالله، فلا يقبل الله من عبد إيمانه بالله إلا إذا آمن بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وخاصة خاتمهم ﷺ الذي جعله الله سراجاً منيراً، وكذلك جعل كلاً من هؤلاء الأنبياء سراجاً ينير للناس الطريق، وأوحى الله إلى نبيه ﷺ من قصصهم ما ثبت به فؤاده، وجعلها موعظة وذكرى للمؤمنين، فقد كانت سيرتهم سبباً لثبات المؤمنين على الحق، وسبباً لصبرهم، وسبباً لاستبصارهم سنن الله في خلقه.
وحب الأنبياء فرض على كل مؤمن، فلا يحصل الإيمان للإنسان إلا بتصديقهم ومحبتهم، وهذا هو أعظم دافع للاقتداء بهم، والسير على طريقهم، فحبهم جميعاً فرض متلازم، ولا يصح حب واحد منهم حباً شرعياً مقبولاً إلا بحب جميعهم، والمؤمنون أولى بكل الأنبياء من كل الأمم، فهم أقرب إلى الأنبياء بصفاتهم وأعمالهم، كما كان النبي ﵌ يصوم عاشوراء، فلما علم أن اليهود تصومه لأنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه قال: (نحن أولى بموسى منهم)، فصامه وأمر الناس بصيامه، وكان فريضة في أول الإسلام شكراً لنعمة الله على نجاة موسى، وهلاك فرعون بفضله .
فالمؤمنون أمة واحدة، تاريخهم تاريخ واحد، وربهم رب واحد، ولذا يفرحون بانتصار المؤمنين رغم تباعد الأزمنة والأمكنة، ورغم اختلاف الأجناس واللغات، ورغم اختلاف الأنساب والهيئات لكنهم على دين واحد، كما قال النبي ﵊: (الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى).
فقوله: (إخوة لعلات) هذا تشبيه لهم بالإخوة من أب واحد وأمهات مختلفة، وذلك أن الشرائع قد تختلف بعض الاختلاف، ولكن الملة واحدة، والدين واحد، والعقيدة واحدة، وهذه الأمة الواحدة لا بد أن تستحضر في كل وقت وحدتها زماناً ومكاناً؛ وذلك لأن الأعداء يتربصون بنا إرادة تمزيق وحدة الأمة، وتفريق أبنائها؛ لكي يتمكنوا منها، ولا يحصل الخير لأهل الإسلام إلا بتذكر معنى الاجتماع على دين الله .
فرغم اختلاف الألوان والألسن، واختلاف الأزمنة والأمكنة، فنحن أولى بموسى، وحين نصوم عاشوراء فإننا نصومه اتباعاً لرسول الله ﷺ ، وابتغاءً للأجر عند الله؛ لقول النبي ﵌: (صوم يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية) وهو يوم العاشر من محرم، ونحن حين نصومه امتثالاً وابتغاءً للثواب نتذكر أولويتنا بموسى ﵇ ولا شك أننا أولى بموسى من اليهود؛ فإن اليهود برآء من موسى وعيسى ومن محمد ﷺ ؛ لما هم عليهم من الكفر والعناد، ونحن أولى بموسى منهم وأقرب، ولكن نريد أن نقترب بالصفات والأخلاق والدعوة إلى الله، وفهم سنة هؤلاء الأنبياء، كما ذكرها الله في القرآن.
ونتذكر كذلك معنى الانفصال عن الكفار ومفارقتهم في كيفية أداء العبادة حتى وإن كان أصلها مشروعاً.
стр. 523
سن موسى ﵇ لصوم يوم عاشوراء
موسى هو الذي سن صيام عاشوراء، كما قالوا: إنه يوم عظيم نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله.
فموسى هو الذي سن ذلك الصيام، ونحن نصومه، ولكننا نخالفهم من أجل استقلال شخصية المسلمين، قال النبي ﷺ : (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) وأمر ﷺ استحباباً بصيام يوم قبله أو يوم بعده، وفي بعض الروايات: (أمر بصيام يوم قبله ويوم بعده) بالواو، حتى يكون هذا أكمل في المخالفة، وتحصيل الثواب، وتذكر نعمة الله .
стр. 524
أسباب شفاء القلوب وتفريج الهموم
من أعظم أسباب شفاء القلوب: القرآن، وذلك أن أهل الإيمان تقع لهم في مسيرهم إلى الله أنواع من العقبات، وأنواع من المشكلات، وأنواع من الابتلاءات، والقرآن شفاء لما في الصدور، وهو قرة العين لمن تدبره، كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه أن يقولوا في الدعاء: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي)، وهذا لا يحصل للعبد إلا بتدبر القرآن والوقوف معه.
ومن أعظم أسباب زوال الهم عن المؤمن وحصول الفرح له تلاوته لآيات الله التي تحكي انتصار الأنبياء، وانتصار دعوة الحق، وهلاك دعوة الباطل، حيث إن الباطل في عهد موسى بقي مدة طويلة، فقد بقي فرعون سنين طويلة وهو يصد عن سبيل الله، ويبارز الله بالمحاربة، ولكن أين فرعون الآن؟ وكيف كانت نهايته بعد طول المدة؟ فقد صار حديثاً يذكر، وجعل الله فرعون وهامان وجنودهما وسائر الأمم المكذبة أحاديث، وبقي الحق الذي جاء به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأشرقت أنوار قلوبهم على البشرية بفضل الله عبر العصور، فيصل من نور هذه القلوب بما أفاض الله عليها لكل إنسان آمن بهم على قدر إيمانه، وعلى قدر معرفته بكتاب الله، فيزول عنه الغم والهم، وحين يعيش الإنسان مع القرآن يعيش كأنه يحضر تلك اللحظات التي انتصر فيها الحق، والتي زهق فيها الباطل وحزبه وانقلبوا فيها صاغرين، وآلوا إلى المآل الذي قدره الله لهم خاسئين، وصاروا أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وذلك وحده سبب مفرح لقلب المؤمن، وهذا من فضل الله ورحمته، كما قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، وحين تستحضر قصص أنبياء الله، وتستحضر ظهورهم وانتصارهم وهلاك الباطل، ترى أن مدة بقاء الظالمين وجيزة توشك أن تنتهي كما انتهى فرعون وجنده، وكما انتهى كل ظالم قبل ذلك، وبقي الحق بفضل الله، وخصوصاً إذا تأملت طريقة القرآن في بيان تلك اللحظات بمساحة واسعة في القرآن العظيم، فلحظات انتصار الحق تبجل وتفخم وتذكر بالتفصيل التام بفضل الله ؛ لتستحضر تلك اللحظات وكأنها تشهدها، وحين تسمع مواعظ القرآن تنتفع أعظم الانتفاع بها، والله المستعان.
وقصة موسى ﷺ هي أكثر قصة ذكرت في القرآن على الإطلاق، فقد كررت في مواضع مختلفة، وفي أجزاء متعددة وسور مختلفة، وفي كل منها مواقف مختلفة يذكر الله فيها خلجات النفوس، والخواطر والأحاسيس المختلفة، والتقلبات التي تتقلب فيها القلوب بأسلوب لا نظير له على الإطلاق، وبتكرار عجيب الشأن يجعل العبد ينتبه إلى أدق التفاصيل، ويجعله يتدبر حكمة الله ، وإذا تدبر الإنسان القرآن وجده شفاءً لما في الصدور، وسبباً لفرحها وذهاب غمومها وأحزانها، وسبباً للصبر والثبات، وللاتعاظ والتذكر، فزيادة الإيمان تكون بحب الأنبياء واتباعهم صلوات وسلامه عليهم أجمعين.
إن الله قد جمع في قلب محمد ﷺ أنواع الأعمال والصفات الرائعة الجميلة، التي هي في الحقيقة خلاصة أخلاق الأنبياء جميعاً، وأفاض على قلب محمد ﷺ هذا الكتاب العظيم وهذا النور؛ لكي يستضيء به أهل الإسلام، ويعرفوا نعمة ربهم بهذا القرآن العظيم الذي جعله الله المعجزة الكبرى لنبيه ﵌، وهو معجزة باقية خالدة لكل من تدبرها وتأملها، فلا يوجد كتاب في الوجود مثله بفضل الله .
стр. 525
ذكر بعض الآيات التي ذكرت قصة موسى
ومن هذه الآيات البينات والسور التي ذكر الله فيها قصة موسى ﷺ : سورة يونس، حيث قال : ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٧٥ - ٩٢].
فيخبر الله أنه بعث موسى ﵇ من بعد الأمم الذين أرسل إليهم أنبياءه فكذبوهم فأهلكهم الله، فبعد أن ذكر قوم نوح، وذكر أنبياءه ورسله السابقين في سور مختلفة، بين أنه أرسل موسى وأخاه هارون بآياته المقروءة المسموعة وآياته المرئية المبصرة المحسوسة، وأرسله الله بالآيات العقلية الواضحة والآيات النقلية الدامغة، ومن لم ينتفع بالآيات المقروءة التي تتضمن أحسن الآيات العقلية والحجج الواضحة لم ينتفع بالآيات المحسوسة والمعجزات الباهرة الظاهرة؛ وذلك لأن التكذيب داء في المستكبرين، لا ينفع معه إلا أن يتركوا إعجابهم بأنفسهم؛ وتكبرهم على الحق، فإن لم يأخذوا بالدواء فلن ينتفعوا بالآيات، قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١].
стр. 526
سبب كفر قوم موسى وتكذيبهم له
أرسل الله موسى وهارون بآياته إلى فرعون وملئه وكبراء قومه، الذين قادوا قومهم إلى دار البوار والعياذ بالله، وهؤلاء كما وصفهم الله كانوا مستكبرين، قال تعالى: ((فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ))، والكبر داء الأمم، وداء الكبراء المقدمين في الأمم والملوك والرؤساء والزعماء إلا من رحم الله ، وهذا الداء الذي هو داء إبليس في الأصل هو الذي أوصلهم إلى رد الحق الذي جاءت به الرسل، كما رد شيخهم إبليس أمر الله بالسجود لآدم؛ لما كان في قلبه من الكبر والعجب بالنفس نعوذ بالله من ذلك.
ومرض الكبر من أخطر الأمراض، فمثقال ذرة منه على الخلق يمنع من دخول الجنة كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فإذا كان مثقال ذرة منه يعد كبيرة من الكبائر، فكيف إذا تكبر على أمر الله وشرعه وأبى أن يقبله ويمتثل له؟! فالإباء والاستكبار على شرع الله كفر والعياذ بالله وردة عن الإيمان لو كان موجوداً قبل ذلك، ولذلك كان هذا المرض مرضاً عضالاً والعياذ بالله، خصوصاً إذا تمكن من القلب واستشرى في الملأ.
وسبب الكبر: هو النظر إلى كمالات النفس الموهومة، حيث يتوهم أنه خير من غيره، قال الله عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] وسببه: الغفلة عن عيوب النفس وأمراضها التي تمتلئ بها.
стр. 527
واجب المؤمن نحو داء الكبر
والمؤمن دائماً ينظر إلى عيوب نفسه، وينظر إلى تقصيره وجهله، وينظر إلى عجزه وفقره، ولا ينظر إلى كمالات يتوهمها، فلو أن الله ذكره ومدحه وهو الذي مَدْحُه زين وذمه شين- لكان عليه أن يقابل ذلك بمعرفة تقصيره وظلمه وعجزه وفقره، كما قال الله لخير الخلق محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فكان يقول ﵊ في دعائه: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير، أو لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك).
وعلم خير أصحابه وخير أمته أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، وهو الذي يثني عليه ويقول: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وهو الذي يقول عنه: (إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر) ومع ذلك يعلمه هذا الدعاء.
وهكذا المؤمن فهو يبتعد دائماً عن أن يفكر في كمالات نفسه، حتى لو أن الله هو الذي ذكره بذلك، وهذا لا يعني أنه لا يشهد ما أنعم الله به عليه، بل يشهده محض فضل منه ، وتشهده نعمة منه ليس لنفسه شيء من ذلك، وما بها من خير وكمال فمن الله ، كما قال النبي ﷺ : (أنا بك وإليك)، فبالله وصل إلى ما وصل من المراتب العالية؛ فكيف بمن لم يذكره الله ؟ وكيف بمن لم يزكه نبي الله ﷺ ؟ وكيف بمن وقع في الصفات المذمومة؟ فكل منا لابد أن يحذر على نفسه من أن يعجب بها أو ينظر إلى كمالاتها، أو يتوهم لها كمالات وخيرية على غيره، مما يؤدي إلى ذلك المرض الذي يبدأ أولاً على الناس ثم يصل بالإنسان إلى أن يتكبر على أمر الله، فالكبر المعصية ذريعة إلى الكبر الذي هو كفر وشرك بالله ، وأكثر الأمم أشركوا بسبب الكبر الذي بدأ صغيراً في القلوب، -وما هو بصغير- ثم تحول إلى الأكبر وهو الكفر والعياذ بالله، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:١٣٣] والإجرام هنا: يتحصل بالإفساد في الأرض والصد عن سبيل الله، وإن كان فرعون يزعم أنه مصلح كما قال عن موسى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].
стр. 528
أسباب اختلاف الموازين وانطماس الفطر
والعجب أن الموازين تختلف اختلافاً هائلاً في أعين الناس حتى إنهم يرون الإجرام إصلاحاً، ويرون الظلم عدلاً، ويرون العدل ظلماً وطغياناً وإرهاباً وتطرفاً وغير ذلك مما تختلط به موازين البشر؛ وهذا لإعراضهم عن شرع الله، وعدم النظر في آياته، وعدم وزنهم الأمور بميزان الشرع الذي أنزله الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٧٦].
فالقوم يتعاطون السحر، والسحرة عندهم مقربون مقدمون، ولذلك وجد فرعون السبيل -فيما يظن- إلى معارضة ما جاء به موسى بأن يأتي بسحر مثله، ووعد السحرة بالأجرة، بل كان يكرههم على تعلم السحر، كما في قوله عن السحرة: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]، ولا شك أن هذا الأمر منهم -وهو اتهام موسى ﵇ بأن ما جاء به من الحق سحر مبين- يدل على انقلاب فطرتهم، فهم يعلمون أن السحر أمر مذموم، ومع ذلك يستعملونه ويكرهون الناس عليه.
وهم يتهمون موسى بأنه ساحر، وأن ما جاء به سحر؛ مع ما في قلوبهم من أن السحر أمر مذموم وقبيح، كما قالوا عنه: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤] فيتهمونه بالكذب وهم أكذب الناس، ولم يعرف أكذب من فرعون فقد ادعى أنه الرب الإله، بل قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ومع أن الكذب في قلوب البشر قبيح إلا أن أكثرهم يستعمله، فتجد عجباً في نفوس البشر يعرفون الحق ويعرضون عنه إعراضاً تاماً، ويعرفون الباطل ويستعملونه بكل طاقة لهم، وهذا دليل على أنهم ما انتفعوا بما بقي في فطرتهم؛ لانطماس نور البصيرة عندهم، حتى استعملوا الأدواء القاتلة، والأمراض المهلكة، وخاضوا بالباطل وهم يعلمون أنه باطل، قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس:٧٦ - ٧٧]، أي: أتقولون للحق لما جاءكم: سحر؟! ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧].
стр. 529
حقيقة السحر وأنواعه
والسحر أصله: ما خفي ولطف، فكل شيء باطل يدخل إلى القلوب أو الأعين بطريقة خفية غير ظاهرة هو من السحر، ولذا قال النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً) أي: أن بعض الناس بطريقته البليغة وكلامه المنمق يلبس على الناس الباطل، حتى يظنونه حقاً أو يجعلهم يرون الحق باطلاً فهذا نوع من أنواع السحر، ومن ذلك النميمة بين الناس، فالنميمة تفعل فعل السحر، ومن ذلك وسائل الإفساد التي تقلب أنظار الناس حتى تجعلهم يرون الظالم مظلوماً محقاً فيما يفعل، ويرون المظلوم مجرماً مرتكباً لما لا ينبغي أن يفعله، بل ينبغي أن يستسلم استسلاماً تاماً للذبح والظلم والعدوان الذي يقع عليه، فأنت تجد اليهود أعداء الرسل جميعاً لهم أعظم الباع وأكبره في ذلك، بل مسخوا أنظار أكثر العالم حتى جعلوا العالم يرونهم مظلومين مضطهدين في وسط وحوش كاسرة، والعجب أنهم الذين يتصفون بهذه الصفات القبيحة.
والحق أن كل منافق له نصيب من هذه الآية: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، إذا استعمل الخفية في إبطال الحق وإحقاق الباطل، أو استعمل سحره وبيانه في أن يلبس على الناس حتى يبعدهم عن الإسلام والالتزام بدين الله تحت أي مسمى من المسميات.
وأكثر الناس يقبلون السحر، فكان في الماضي بالحبال والعصي، وأما في زماننا فهو أخطر، فقد ظهر بوسائل تغيير العقول عن طريق تعليمها الباطل وغرس حبه في القلوب، وأن تعيش في هذه الدنيا حياة البهائم السائمة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أشرب من هواها، وأنت ترى آثار السحر المعاصر في المشارق والمغارب تملأ السهل والوادي، حتى صارت أكثر البشرية لا تعرف من الدنيا إلا الطعام والشراب والشهوة، وإلا الكبر والعلو في الأرض والفساد، نعوذ بالله من ذلك، وكل ذلك بسبب هذا السحر الخفي، ولكن لا بد لهم أن ينالوا نصيبهم من هذه القاعدة الكلية: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، فلا بد أن يخيبوا ويخسروا، وكلما ساروا في طريق حصلت لهم عكس النتائج المرجوة، فمدة من الزمن يظهرون، ثم بعد ذلك يخفت سلطانهم ويذهب باطلهم هباءً منثوراً؛ لأن الله قضى قضية عدل: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، فقضى بحكمه سبحانه وهو العليم الحكيم أن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا من شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
стр. 530
شبهة فرعون وقومه في عدم الإيمان بموسى
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد: فقد قال الله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]، فلو كان فرعون يبتغي الحق -كما يزعم- فلماذا يستعمل الباطل الذي يتهم موسى به، وصار يأتي بالسحرة من كل أرجاء مملكته، فأتته رسله وأتوه بكل سحار عليم.
فالسحار: هو المبالغ في السحر، فأتوه بكل من يحسن السحر، بالسحرة المبالغين والأساتذة الكبار الذين يحسنون أنواعاً لا يحسنها غيرهم، وبالتلاميذ كذلك، وبالدرجة الثانية من السحرة طالما كان عندهم علم، فأتوا بالألوف لمواجهة رجلين اثنين أحدهما تبع للآخر، وموسى ﵇ هو الذي يستعمل آيات الله ويلقيها على الناس.
قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس:٨٠] أي: حين جمع الناس يوم الزينة ضحى، واجتمع الآلاف من القوم ينظرون، جاء فرعون في ملئه وأبهته ومعه آلاف السحرة من حوله، وواجههم موسى ﵇ بعد أن نصحهم وذكرهم بالله وقال: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦١ - ٦٣].
فبين أن موسى ﵇ قال لهم: ((أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)) وذلك بعد أن ذكر من شبهات قوم فرعون.
كما في قوله : ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٧٨] وكانت هذه من شبهاتهم الباطلة، فهم يزعمون أنهم على الحق.
следующие страницы →