← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

سبب كفر قوم موسى وتكذيبهم له أرسل الله موسى وهارون بآياته إلى فرعون وملئه وكبراء قومه، الذين قادوا قومهم إلى دار البوار والعياذ بالله، وهؤلاء كما وصفهم الله كانوا مستكبرين، قال تعالى: ((فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ))، والكبر داء الأمم، وداء الكبراء المقدمين في الأمم والملوك والرؤساء والزعماء إلا من رحم الله ، وهذا الداء الذي هو داء إبليس في الأصل هو الذي أوصلهم إلى رد الحق الذي جاءت به الرسل، كما رد شيخهم إبليس أمر الله بالسجود لآدم؛ لما كان في قلبه من الكبر والعجب بالنفس نعوذ بالله من ذلك. ومرض الكبر من أخطر الأمراض، فمثقال ذرة منه على الخلق يمنع من دخول الجنة كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فإذا كان مثقال ذرة منه يعد كبيرة من الكبائر، فكيف إذا تكبر على أمر الله وشرعه وأبى أن يقبله ويمتثل له؟! فالإباء والاستكبار على شرع الله كفر والعياذ بالله وردة عن الإيمان لو كان موجوداً قبل ذلك، ولذلك كان هذا المرض مرضاً عضالاً والعياذ بالله، خصوصاً إذا تمكن من القلب واستشرى في الملأ. وسبب الكبر: هو النظر إلى كمالات النفس الموهومة، حيث يتوهم أنه خير من غيره، قال الله عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] وسببه: الغفلة عن عيوب النفس وأمراضها التي تمتلئ بها.

стр. 527

واجب المؤمن نحو داء الكبر والمؤمن دائماً ينظر إلى عيوب نفسه، وينظر إلى تقصيره وجهله، وينظر إلى عجزه وفقره، ولا ينظر إلى كمالات يتوهمها، فلو أن الله ذكره ومدحه وهو الذي مَدْحُه زين وذمه شين- لكان عليه أن يقابل ذلك بمعرفة تقصيره وظلمه وعجزه وفقره، كما قال الله لخير الخلق محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فكان يقول ﵊ في دعائه: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير، أو لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك). وعلم خير أصحابه وخير أمته أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، وهو الذي يثني عليه ويقول: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وهو الذي يقول عنه: (إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر) ومع ذلك يعلمه هذا الدعاء. وهكذا المؤمن فهو يبتعد دائماً عن أن يفكر في كمالات نفسه، حتى لو أن الله هو الذي ذكره بذلك، وهذا لا يعني أنه لا يشهد ما أنعم الله به عليه، بل يشهده محض فضل منه ، وتشهده نعمة منه ليس لنفسه شيء من ذلك، وما بها من خير وكمال فمن الله ، كما قال النبي ﷺ : (أنا بك وإليك)، فبالله وصل إلى ما وصل من المراتب العالية؛ فكيف بمن لم يذكره الله ؟ وكيف بمن لم يزكه نبي الله ﷺ ؟ وكيف بمن وقع في الصفات المذمومة؟ فكل منا لابد أن يحذر على نفسه من أن يعجب بها أو ينظر إلى كمالاتها، أو يتوهم لها كمالات وخيرية على غيره، مما يؤدي إلى ذلك المرض الذي يبدأ أولاً على الناس ثم يصل بالإنسان إلى أن يتكبر على أمر الله، فالكبر المعصية ذريعة إلى الكبر الذي هو كفر وشرك بالله ، وأكثر الأمم أشركوا بسبب الكبر الذي بدأ صغيراً في القلوب، -وما هو بصغير- ثم تحول إلى الأكبر وهو الكفر والعياذ بالله، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:١٣٣] والإجرام هنا: يتحصل بالإفساد في الأرض والصد عن سبيل الله، وإن كان فرعون يزعم أنه مصلح كما قال عن موسى: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦].

стр. 528

أسباب اختلاف الموازين وانطماس الفطر والعجب أن الموازين تختلف اختلافاً هائلاً في أعين الناس حتى إنهم يرون الإجرام إصلاحاً، ويرون الظلم عدلاً، ويرون العدل ظلماً وطغياناً وإرهاباً وتطرفاً وغير ذلك مما تختلط به موازين البشر؛ وهذا لإعراضهم عن شرع الله، وعدم النظر في آياته، وعدم وزنهم الأمور بميزان الشرع الذي أنزله الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٧٦]. فالقوم يتعاطون السحر، والسحرة عندهم مقربون مقدمون، ولذلك وجد فرعون السبيل -فيما يظن- إلى معارضة ما جاء به موسى بأن يأتي بسحر مثله، ووعد السحرة بالأجرة، بل كان يكرههم على تعلم السحر، كما في قوله عن السحرة: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]، ولا شك أن هذا الأمر منهم -وهو اتهام موسى ﵇ بأن ما جاء به من الحق سحر مبين- يدل على انقلاب فطرتهم، فهم يعلمون أن السحر أمر مذموم، ومع ذلك يستعملونه ويكرهون الناس عليه. وهم يتهمون موسى بأنه ساحر، وأن ما جاء به سحر؛ مع ما في قلوبهم من أن السحر أمر مذموم وقبيح، كما قالوا عنه: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤] فيتهمونه بالكذب وهم أكذب الناس، ولم يعرف أكذب من فرعون فقد ادعى أنه الرب الإله، بل قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ومع أن الكذب في قلوب البشر قبيح إلا أن أكثرهم يستعمله، فتجد عجباً في نفوس البشر يعرفون الحق ويعرضون عنه إعراضاً تاماً، ويعرفون الباطل ويستعملونه بكل طاقة لهم، وهذا دليل على أنهم ما انتفعوا بما بقي في فطرتهم؛ لانطماس نور البصيرة عندهم، حتى استعملوا الأدواء القاتلة، والأمراض المهلكة، وخاضوا بالباطل وهم يعلمون أنه باطل، قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾ [يونس:٧٦ - ٧٧]، أي: أتقولون للحق لما جاءكم: سحر؟! ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧].

стр. 529

حقيقة السحر وأنواعه والسحر أصله: ما خفي ولطف، فكل شيء باطل يدخل إلى القلوب أو الأعين بطريقة خفية غير ظاهرة هو من السحر، ولذا قال النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً) أي: أن بعض الناس بطريقته البليغة وكلامه المنمق يلبس على الناس الباطل، حتى يظنونه حقاً أو يجعلهم يرون الحق باطلاً فهذا نوع من أنواع السحر، ومن ذلك النميمة بين الناس، فالنميمة تفعل فعل السحر، ومن ذلك وسائل الإفساد التي تقلب أنظار الناس حتى تجعلهم يرون الظالم مظلوماً محقاً فيما يفعل، ويرون المظلوم مجرماً مرتكباً لما لا ينبغي أن يفعله، بل ينبغي أن يستسلم استسلاماً تاماً للذبح والظلم والعدوان الذي يقع عليه، فأنت تجد اليهود أعداء الرسل جميعاً لهم أعظم الباع وأكبره في ذلك، بل مسخوا أنظار أكثر العالم حتى جعلوا العالم يرونهم مظلومين مضطهدين في وسط وحوش كاسرة، والعجب أنهم الذين يتصفون بهذه الصفات القبيحة. والحق أن كل منافق له نصيب من هذه الآية: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، إذا استعمل الخفية في إبطال الحق وإحقاق الباطل، أو استعمل سحره وبيانه في أن يلبس على الناس حتى يبعدهم عن الإسلام والالتزام بدين الله تحت أي مسمى من المسميات. وأكثر الناس يقبلون السحر، فكان في الماضي بالحبال والعصي، وأما في زماننا فهو أخطر، فقد ظهر بوسائل تغيير العقول عن طريق تعليمها الباطل وغرس حبه في القلوب، وأن تعيش في هذه الدنيا حياة البهائم السائمة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أشرب من هواها، وأنت ترى آثار السحر المعاصر في المشارق والمغارب تملأ السهل والوادي، حتى صارت أكثر البشرية لا تعرف من الدنيا إلا الطعام والشراب والشهوة، وإلا الكبر والعلو في الأرض والفساد، نعوذ بالله من ذلك، وكل ذلك بسبب هذا السحر الخفي، ولكن لا بد لهم أن ينالوا نصيبهم من هذه القاعدة الكلية: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، فلا بد أن يخيبوا ويخسروا، وكلما ساروا في طريق حصلت لهم عكس النتائج المرجوة، فمدة من الزمن يظهرون، ثم بعد ذلك يخفت سلطانهم ويذهب باطلهم هباءً منثوراً؛ لأن الله قضى قضية عدل: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ))، فقضى بحكمه سبحانه وهو العليم الحكيم أن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا من شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، أقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 530

شبهة فرعون وقومه في عدم الإيمان بموسى الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فقد قال الله : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]، فلو كان فرعون يبتغي الحق -كما يزعم- فلماذا يستعمل الباطل الذي يتهم موسى به، وصار يأتي بالسحرة من كل أرجاء مملكته، فأتته رسله وأتوه بكل سحار عليم. فالسحار: هو المبالغ في السحر، فأتوه بكل من يحسن السحر، بالسحرة المبالغين والأساتذة الكبار الذين يحسنون أنواعاً لا يحسنها غيرهم، وبالتلاميذ كذلك، وبالدرجة الثانية من السحرة طالما كان عندهم علم، فأتوا بالألوف لمواجهة رجلين اثنين أحدهما تبع للآخر، وموسى ﵇ هو الذي يستعمل آيات الله ويلقيها على الناس. قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس:٨٠] أي: حين جمع الناس يوم الزينة ضحى، واجتمع الآلاف من القوم ينظرون، جاء فرعون في ملئه وأبهته ومعه آلاف السحرة من حوله، وواجههم موسى ﵇ بعد أن نصحهم وذكرهم بالله وقال: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦١ - ٦٣]. فبين أن موسى ﵇ قال لهم: ((أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)) وذلك بعد أن ذكر من شبهات قوم فرعون. كما في قوله : ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٧٨] وكانت هذه من شبهاتهم الباطلة، فهم يزعمون أنهم على الحق.

стр. 531

أعظم أسباب الهلاك تقليد الآباء والأجداد من أعظم شبهات أهل الباطل أن الحق يأتي مخالفاً لما عليه الأجداد والآباء، ومخالفاً للتقاليد والعادات الاجتماعية التي نشئوا عليها، وهذا من أكبر أسباب قبول الناس للباطل، كما قال : ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [هود:١٠٩]. وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣]. وكان سبب هلاك أبي طالب عم النبي ﷺ واستمراره على الكفر هذه الشبهة، إذ قال له أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله مع علمه بأنها الحق، لكن التقليد الأعمى من أعظم أسباب هلاك الأمم. وهذه تهمة لا ينفيها أهل الإسلام حين يتهمون بها ولا يقولون: نحن لا نريد أن نبدل الأديان الباطلة التي أنتم عليها، بل يقولون: نحن نريد أن نبدل أديان الباطل، ونريد أن نصرف الناس عما وجدوا عليه آباءهم من الكفر والشرك، ولذلك لم تجد أن موسى ﷺ رد هذه التهمة التي ليست بتهمة أصلاً، وإنما هي إثبات نزاهته وطهارة دعوته ونقائها بحمد الله ﵎، وأما التهم الأخرى فهي التي ردها موسى كما رد تهمة السحر والكذب، وكذا تهمة التكبر، ((وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ)) فهم يظنون أن الناس كلهم مثلهم، والحقيقة أنهم هم الذين يريدون الكبرياء في الأرض، ومع ذلك يتهمون موسى بذلك، فلو كان هذا أمراً منكراً -وهو كذلك- فلماذا تقبلونه على أنفسكم؟ ولماذا تريدون أنتم الكبرياء في الأرض؟! فأنتم تتهمون موسى بأنه يريد الرئاسة، وبأنه يحب الكبر في الأرض، وهذه تهمة يتهم بها الأنبياء والدعاة إلى الله والعلماء، فيقول عنهم أهل الكبر: أنتم تريدون الكبر، وأنتم تريدون الرئاسة على الناس، وتحبون الشهرة، وهذا في الحقيقة من دائهم وجهلهم، وهم يعلمون أن هذا أمر قبيح ومع ذلك يستعملونه، ويصرون على الملك والرئاسة، ولا يقبلون أن ينازعهم أحد ذرة في كبريائهم وملكهم ورئاستهم، مع أنهم يعلمون أنه منكر. سبحان الله! كيف يقول هؤلاء: إن موسى ﵇ يريد الرئاسة والملك، وموسى ﵇ ما طلب منهم أن يتركوا ملكهم ورئاستهم وإنما دعاهم إلى الإيمان وأن يتركوا بني إسرائيل؟! فكيف يتهم بذلك؟! فهذه تهمة إذا اتهم بها أهل الإيمان لم يحزنهم ذلك، لكن لهم أن يردوها ويقولون: إننا لا نريد علواً في الأرض ولا فساداً، ولا نريد أن نكون الكبراء والملوك والرؤساء وإنما نريد أن يعبد الناس ربهم، وأن نعبد الله وندعو إليه، فمن خلى بيننا وبين ذلك فهذا سبيلنا الذي نسلكه ولا نريد غير ذلك، ولا نريد إلا أن يعلو الإسلام، فمن أعلى كلمة الإسلام فنحن تبع له، فلا نشترط أن تكون لنا الكبرياء أو الرئاسة، ولا نريدها أصلاً، وإنما يفر منها أهل الإيمان ويرونها ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة الإمارة، ومن سأل الإمارة وطلبها لم يجب إليها ولم يعن عليها وكانت وبالاً عليه، فهم لا يطلبون ذلك، ويبرءون أنفسهم من ذلك، بل ويحذرون على أنفسهم من ذلك.

стр. 532

قوة توكل موسى بالله وثقته بنصره قال : ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس:٧٨ - ٨٠]، وكان هذا الأمر لموسى كما ذكرنا في هذا الملأ العظيم وهذا الجمع الكبير استهانة بباطلهم وثقة بالله : ((أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ))؛ لأنه لا يعبأ بهم، ولا يخشى ما في أيديهم من الباطل المزخرف. قال سبحانه: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] ولم ينسوا أن ينسبوا أمرهم إلى فرعون وتوجيهاته وأمره وعزته التي سوف يغلبون بها، وكما قال الله حين ألقوا: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، فوصفه الله بأنه سحر عظيم، وموسى ﵇ من ضمن من وقع في عينيه ذلك السحر، قال في ذكر ما وقع لموسى ﵇: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، فخيل إلى موسى أنها تسعى بالفعل، فكان تأثير السحر هائلاً على أعين الناس بمن فيهم موسى ﵇، حتى وقع في نفس موسى ما يقع في نفس البشر، وأوجس في نفسه خيفة موسى لحظة لا تتجاوز ثواني معدودة أو أقل من ذلك، لكنها سرعان ما تزول بالتوكل على الله وتثبيته ، قال : ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨]، وهذه الخواطر كالبرق تقع وتذهب بسرعة في قلوب الأنبياء، وربما طالت في قلوب بعض الأولياء مدة هذه الهواجس، وربما طالت في قلوب المقصرين مدة أطول من الوساوس، وإن كان الكل يدفع ذلك باللجوء إلى الله، وباستحضار آيات الله، فمن معه آيات الله فهو الأعلى، ويذهب الله ما في قلبه. لقد خشي موسى أن يلتبس الأمر على الناس، وأن يقبلوا ذلك الباطل كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٩]، هنا تغير ما في نفس موسى، فقد بين الله في سورة (طه) هذه الخلجات النفسية، وبين في سورة يونس قبل أن يلقي ما قاله بعد أن ثبته الله، فقال : ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢]. وبين في سورة الأعراف ما تلا ذلك من إلقاء موسى، من ذهول السحرة وفرعون وملئه عندما وجدوا عصا موسى قد تحولت إلى الثعبان العظيم، قال : ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١١٧ - ١٢٢].

стр. 533

المبشرات لأهل الإيمان من قصة موسى مع فرعون وقومه فأنت تجد المواقف في سور مختلفة أجزاءً مختلفة من القصة في سياق عجيب، وتجتمع الآيات والسور كلها فإذا بالصورة كاملة أمامك لحظة بلحظة، وإن كان في موضع يذكر ما لم يذكر في الموضع الآخر. ((قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ)) أي: ما جئتم به هو السحر، ((إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ)) أي: يبطل الله كل سحر وباطل، وهذا أمر الله يثبت به أهل الإيمان، فكلما رأوا الباطل منتفشاً منتشراً تيقنوا بأن الله هو الذي يتولى إبطاله، ((إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ))؛ لأنه فساد، والله لا يصلح عمل المفسدين. وهناك قضايا كلية ليست مرتبطة بزمان ولا مكان ولا أشخاص، منها: أن كل مفسد لابد أن يحبط الله عمله، ولا يصلحه أبداً، قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)). فعلى أهل الإيمان أن يطمئنوا ويستبشروا لكل هذه المؤشرات من كلام موسى ﵇، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين، وكل مفسد في الأرض لابد أن ينتهي مكرهاً إلى بوار، قال تعالى: ((وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ))، وكلما كانت معنا كلمات الله المقروءة المسموعة فهي أعظم أثراً من المحسوسة، وهي أشمل وأنفع للعباد من الآيات والمعجزات الحسية، فكلما كانت معنا كلمات الله كان انتصار الحق أقرب بإذن الله، كما أن الله يحق الحق بكلماته الكونية، قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فيضمحل الباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾، فالمجرمون يكرهون الحق، ويكرهون ظهوره، ويعدون العدد لإبطاله ومحقه، لكن الله مظهر دينه ولو كرهوا ظهور هذا الدين، فهذه كلها بشارات لأهل الإسلام، وقد وقع ذلك في الأنبياء السابقين، ووقع عبر التاريخ في مواطن مختلفة، ويقع بإذن الله في المستقبل، فيظهر الله دينه وكتابه وسنة نبيه ﷺ وعباده المؤمنين بكلماته، وما أمره سبحانه إلا واحدة كلمح بالبصر، كما قال : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠] أي: مرة واحدة، ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، لا تحتاج إلى تثنية، فلا يقول الله: كن مثلاً للأمر، كما يحتاج العبد أن يكرر الأمر لينفذ أو يكرر التجربة لتتم، بل أمر الله مرة واحدة، إذا أمر نفذ، فبأمره تعالى خرجت أرواح، واستقرت أرواح أخرى، علت أقوام، وانخفضت أقوام أخرى، بطلت كلمات، وبقيت كلمات أخرى وهكذا بكلمة (كن) فيكون سبحانه وبحمده. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 534

نداء إلى الأخوة ماذا بعد رمضان إنَّ رمضان موسم للطاعة والعبادة، وموسم للإكثار من قيام الليل وقراءة القرآن، فهذا الشهر نعمة كبيرة من الله علينا؛ لذلك لا بد في هذا الموسم من استمرار ومداومة على الطاعة، وتوجد وسائل تساعد على هذا الاستمرار وعلى هذه المداومة تكفل للمسلم أن يرضي ربه دائماً في رمضان وغيره، وتجعله عالماً بأمور دينه ودنياه، لابد للمسلم البحث عنها والتحلي بها.

стр. 535

حال الصائم بعد رمضان الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. نعم هي نعمة تحتاج إلى شكر، نحمد الله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وله الحمد كما يقول، وخيراً مما نقول، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه. الحمد لله الذي بلغنا رمضان، وأتم علينا نعمته بصيامه وبقيامه وبالاعتكاف في العشر الأواخر منه، وتلاوة كتابه ، ونسأله إتمام هذه النعم كلها بالقبول والمغفرة والعتق من النيران. ومن أراد أن يعلم هل قبل صومه وصلاته وقيامه ودعاؤه فلينظر في حاله بعد رمضان، فإن الله شرع الصيام للتقوى، ولا شك أننا كنا في حاجة شديدة إلى هذه الروعة الإيمانية من العبادة والذكر، ونسأله أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم. ونحن بحاجة إلى تذكر أمر الآخرة والخوف من الله ورجاء رحمته، والتلذذ بمحبته والشوق إلى لقائه ، كل هذا من بعض النور الذي يفيض على القلب من كتاب الله ومن ذكره . الله إذا أنعم على عبد نعمة فشكرها زاده الله قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، والشكر ليس فقط تحريك اللسان بالحمد والثناء ولكنه شهود القلب للنعمة مع تعظيمها ومحبة المنعم بها، وتعظيمه ، وأنها محض فضله وجوده وكرمه، ثم التعبير عن ذلك باللسان بالحمد، ثم تصريف هذه النعمة في مرضاة الله، فمن أراد أن يعلم هل قبل صومه فلينظر في تقواه بعد رمضان هل صار أتقى لله ؟ وليستغل هذه الفرصة من العزيمة التي من الله بها عليه، في الصلاة وفي القراءة وفي الصوم، ولا شك أنها عزيمة طيبة تحتاج إلى استمرار، فالإنسان سرعان ما تفتر عزائمه إذا تركها، وخلال الأيام القادمة سوف تبدأ المعركة الحقيقية، سوف تبدأ المعركة مع الشياطين التي تنتظر الانطلاق، فهل أخذنا العدة لذلك وعزمنا على المقاومة؟ وهنا تظهر نتيجة هذه الفترة للاستعداد ونحن نأخذ من رمضان بفضل الله زاداً لما بعده، وحتى نتقوى به على عدونا، وعلى النفس الأمارة بالسوء، وعلى الشيطان وشياطين الإنس الذين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.

стр. 536

خطوات المحافظة والاستمرار على الطاعة بعد رمضان هذه خطوات أساسية نحددها كي نجتهد في المحافظة والاستمرار بعد رمضان في تحقيق الالتزام.

стр. 537

الصلة بالله تعالى النقطة الأولى: الصلة بالله تعالى: الصلة بالله ، والاهتمام بحال القلب على الدوام، ودوام التذكير بالآخرة، واستحضار معاني أسماء الله وصفاته، والدعاء الدائم بأن يذوق العبد حلاوة الإيمان والشوق إلى لقاء الله، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. والصلة بالله هي الالتزام الحقيقي، وكما ذكرنا من قبل أن العبادات هي الأوعية لهذه الأحوال القلبية، وإذا أتيت بوعاء يمكن أن تأخذ ما ينفعك، فإنك حين تأتي بوعاء وتقف بالباب، تطرق الباب وتستسقي حتى يفيض الرب عليك من خلال عبادتك، من خلال هذا الوعاء دعاء أعمال القلوب الواجبة والمستحبة من الحب والخوف والرجاء، وإذا لم تأت بوعاء فلن تستطيع أن تأخذ هذه العطايا، أو أن تأخذ هذا الغذاء، ولو أن شخصاً لا يصلي ولا يصوم ولا يقوم الليل فهو لا يحب الله، وليس لديه شوق إلى الله ، ولا خوف منه سبحانه، فهذه نقطة لابد منها. وكذلك ليس كل من أتى بوعاء يأتي بوعاء صالح، فهناك من يأتي بوعاء مصمت لا روح فيه، ولا يحتمل أن ينزل فيه خير، فاحذر أن تكون عبادتك من ضمن العادات تؤديها بلا روح، بلا خشوع، ولا استحضار لما شرعت له. ثم لا تستعجل ولا تيئس ولا تطلب العطية لمجرد الوقوف بالباب، لا بد أن تقف بالباب وتدقه وتلح في السؤال، وتسأل الله أن يمن عليك بفضله، ولا تتوقف عن هذا، والعبد قلبه دائماً يتقلب فلا يستقر قلبه على حال، فهو يحتاج إلى تثبيت دائم ودعاء مستمر أن يثبت الله قلبه على الهدى، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، نسأله الهدى والسداد واليقين والعافية، نسأله أن ينور قلوبنا جميعاً بطاعته، وأن يذيقنا لذيذ محبته، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. هذا الأمر الأول وهو جزء معظمه شأن شخصي، وهو سر بينك وبين الله ، ولا يشرع أن يكون الإنسان على الدوام في الجماعة، فالعمل الجماعي يشغل الإنسان عن أشياء كثيرة جداً، يشغله في التفاته إلى الآخرين حوله، وعلاقته بهم، وهو يحتاج بلا شك إلى العمل الجماعي، لكن هذه المسألة معظمها شخصية، وأحياناً لا بأس من الاجتماع ولكن إذا كان بدون ترتيب وبدون تحديد يوم معين مثلاً فإن هذا ليس من السنة، ولكن العمل الشخصي للإنسان أنفع وأتم؛ لأنه خاص به، وخاصة أن الإخلاص عزيز، فالإخلاص أيسر في السر وأصعب في الأعمال، ومن الناس من هم أفذاذ من العالم الذين يقتدى بهم في الخير، لكن هؤلاء الأفذاذ آحاد في الوجود، فالجزء الشخصي هذا مسئوليتك الشخصية، وليس من اللائق أن تقول لشخص: أنت أهملتني؛ لأنه خاص بك، وهذا الموضوع أنت المسئول عنه. وفي الحقيقة أنَّ هذا الأمر أمر عظيم الأهمية في صلاح الأمة جميعاً، فقد كنت أقول لأحد الإخوة: أنا أحسن أن الرحلة لا زالت طويلة جداً؛ لأن التغيير المطلوب إحداثه مع أنه والحمد لله بفضل الله هناك إخوة كثيرون جداً يريدون أن يصلوا وأن يصوموا وأن يعتكفوا، لكن التغيير المطلوب لا زال بعيداً جداً، فلا يزال هناك أشياء كثيرة لابد أن تغير، علماً وعملاً وسلوكاً، والسلوكيات هذه لوحدها جزء من ضمن مسئولية عبادات القلب، فهي لا بد أن تكون من جهة الخلق والأدب، وطريقة الكلام، وطريقة المعاملة مع الآخرين، وتعظيم حرمات الله ، والكلام على الشرع بالتوقير والاحترام، واحترام إخوانك في الله . إذاً: هناك أشياء كثيرة جداً لا بد لها من تغيير، ولم تأخذ فرصتها الكاملة في التغيير، ونحن من خلال ما تناولناه خلال هذه الفترة نحاول أن نضع نقاطاً ونحدد معالم لأشياء مهمة لا بد أن نفكر فيها، وهناك أشياء كثيرة جداً لابد لها من عمل، وأعتقد أن جزءاً كبيراً جداً منها سيكون جزءاً شخصياً؛ لأن هذا هو المتاح، فلا بد أن تقرأ دائماً في كتب التهذيب والإصلاح كأن تقرأ مثلاً: كتاب تهذيب موعظة المؤمنين وكتاب رياض الصالحين، وتقرأ كتاب مدارج السالكين، أو تهذيب مدارج السالكين، فهذه الأشياء مهمة في طريق الإصلاح.

стр. 538

البحث عن صحبة صالحة وقرناء صالحين النقطة الثانية وهي من أعظم وسائل الإصلاح: البحث عن صحبة صالحة وقرناء صالحين، فالقوم لا يشقى بهم جليسهم، كالعبد الخطاء الذي جلس مع الصالحين الذين يسبحون ويحمدون ويكبرون ويهللون ويسألون الله الجنة ويستعيذون بالله من النار، فهو ليس منهم وإنما جلس لحاجة، فيقول الله فيهم جميعاً: (غفرت لهم، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). فلابد أن تبحث عن أصحاب صالحين يعينونك على طاعة الله ويساعدونك على النقطة الأولى والثالثة التي سوف نذكرها حالاً إن شاء الله. فاختيار الصالحين أمر مهم، لكن الصلة بالله وتقوية هذه الصلة هي أهم ما يحتاجه العبد، فالصحبة الصالحة والارتباط بالإخوة من خلال المسجد ومن خلال مكان العمل ومن خلال الجيران، أو من خلال أي وسيلة من الوسائل أو كل الوسائل في الحقيقة، فلا بد أن تبحث في كل مكان عن صحبة صالحة تعينك على الطاعة، وتذكرك إذا نسيت، وتقويك إذا ذكرت، ولا تضيع وقتك معها في غير طاعة الله، فإياك وفضول الكلام وتضييع الأوقات، فقد أخبر النبي ﵊ أنَّ من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، فلا بد أن نزداد طاعة ولا نضيع وقتاً، وأمر عجيب أنك تريد إنساناً فلا تستطيع أن تدركه، فلا يوجد وقت أصلاً يحتمل الإضاعة، فإياك أن تجالس أهل الخير وتضيع وقتك في المزاح والكلام الذي لا فائدة منه واللغو دون أن تسمع قول الله وقول الرسول ﷺ . نصيحة ووسيلة من وسائل الدعوة وشرط في الدعوة إلى الله وهو الاجتماع على الطاعة التي شرع الاجتماع عليها، وإنَّ والتعاون على البر والتقوى من أعظم ما يقوي هذه الروابط، ومن أعظم ما يعين على طاعة الله .

стр. 539

الفهم الدقيق للمنهج هذه الصحبة الصريحة تعينك على النقطة الثالثة وهي: الفهم الدقيق في المنهج، والعلم النافع والعمل بهذا العلم، قال رسول الله ﷺ (طلب العلم فريضة على كل مسلم). ولا يكفي الالتزام الإجمالي؛ لأن جزءاً كبيراً جداً من أسباب الخلل الموجود في الرحلة الطويلة هو بسبب قلة العلم، ووجود الجهل، وعدم فهم المسائل فهماً دقيقاً بحيث إنه في وسط الفتن المتكاثرة والدعاة على أبواب جهنم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فيفتون بغير علم، فلا بد لك من علم نافع بالكتاب والسنة، ولا بد أن تأخذ من القرآن يومياً، ونحن ننصح ببرنامج على مدى سنة إلى سنتين حسب طاقة الأخ في إكمال حفظ القرآن، فلو أنك تحفظ ربع جزء كل أسبوع لختمت القرآن في سنتين أو أقل من سنتين. وهناك من يحفظ ثلاث آيات في اليوم أو أربع آيات في اليوم ومع ذلك معظم الناس لا يفقهون شيئاً، وكثيرٌ من الإخوة لم يختموا. وإني أنصح بتفسير السعدي فهو تفسير ميسر، ويليه تفسير ابن كثير، كل يوم آيتين، ثلاث آيات، اقرأ بعد الفجر ولو عشر دقائق، كل يوم خمس آيات وبإذن الله ﵎ ستحفظ كتاب الله في أقل من ثلاث سنين أو سنتين، وسيكون عندك معرفة بتفسير القرآن العظيم الذي هو جامع لأقوال السلف رضوان الله عليهم، واعلم أنَّ تفسير السعدي من الممكن أن يأخذ عدة أشهر فقط، وتفسير السعدي تفسير سهل ومختصر ومبارك، وفيه روح الربط بالواقع. ولا بد أن تتعلم السنة فتقرأ كتاب رياض الصالحين والكتب الخاصة بالتهذيب، ونقرأ ونتعلم السنن بجانب الكتب الصحاح، فلا بد من كتاب رياض الصالحين، وهو كتاب لابد أن ينهيه كل أخ بتدبر وترو وفهم لما فيه، وبالتزام وتطبيق عملي سريع. وننصح بعده بصحيح مسلم مع حضور الدرس في صحيح مسلم وبذلك ستفهم السنة إن شاء الله ﵎، ومن فاته بعض حلقاته فليسمع الأشرطة السابقة، فإن هذا الكتاب من أعظم الكتب بركة. يلي ذلك تحصيل علوم أساسية لا بد من تحصيلها، فتقرأ اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات، وقبل ذلك علوم الدين، ولا تقل: أتفرغ لمادة واحدة؛ لأنك لست صغيراً، بل إنَّ الصغير يدرس كل العلوم. وكذلك لا بد أن تتعلم التوحيد والعقيدة والإيمان، ولا بد أن تحصل هذه الأصول الستة وما يتفرع منها، الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره وما يتفرع منها كالإيمان بقضاء الله والرضا به، فننصح بكتاب فتح المجيد وكتاب معارج القبول، وهذه بالكثير يستغرق تعلمها حوالى شهرين ولها أشرطة مسجلة، وبعض الإخوة فرغوها فصارت متيسرة، وفتح المجيد أيضاً في أشرطة مسجلة وعلى سيدي، ومعارج القبول أوشك أن يتم كله، ولكن يستحسن قراءته وحضور دروسه في هذا المسجد المبارك. وكذلك في الفقه ننصح الإخوة أن يفرغوا أنفسهم من أجل أن يحضروا الدروس حتى يتعلموا أركان الإسلام، من مثل شرح منار السبيل، وكذلك إذا كنت في سفر أو كنت عاجزاً أو لم يتوفر لك وقت فننصحك بأن تستمع أشرطة هذه الدروس إن تيسر، أو قراءة كتاب فقه السنة فهو كتاب نافع ومفيد، وفيه من أسباب العلم المبارك. وأما العلم الخامس فهو علم التهذيب وإصلاح النفس وعلم الأخلاق الواجبة، وكتاب رياض الصالحين سوف نأخذه وسوف نضيف عليه كتاب تهذيب موعظة المؤمنين، مع المراجعة للمعاني المفيدة التي أخذناها بسهولة من طريق تهذيب مدارج السالكين، وقد أخذناها من الأجزاء التي قرأناها فقط، حتى يسهل لنا قراءتها كاملاً وشرحها شرحاً متكاملاً، لكن الأكثر أهمية كتاب تهذيب موعظة المؤمنين، ومختصر منهاج القاسطين. ولا شك أن الاتجاهات الإسلامية فيها تشعب كثير جداً، فالاتجاهات تأخذ شرقاً وغرباً والفتن ضخمة جداً، فلابد للأخ أن يكون محصناً بقواعد منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بقضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير والجهاد في سبيل الله وفقه الخلاف، وهذه المقالات كلها سبق شرحها في شروط الدعوة من قبل عشر سنين، فينبغي للإخوة أن يدرسوا منهج أهل السنة والجماعة حتى يكونوا على بينة من المنهج وعند ذلك لا أحد يقدر أن يأخذهم ذات الشمال أو ينحرف بهم من علماء أهل البدع، فإن دعاة منهاج البدع اليوم يدعون إلى التكفير والجرأة على دماء المسلمين، والغلو الشديد، فلا بد من الحذر من ذلك، وكذلك المناهج العلمانية التي تحارب قضايا العقيدة، وهي مناهج خطيرة تؤدي إلى تمييع القضية الإسلامية، ولن نقدم لأمتنا في هذه الظروف أفضل من شخصية مسلمة، شخصية علم وعمل وسلوك وأخلاق ودعوة إلى الله ، فاحرص على هذه النقاط الأساسية، فهو زاد لك في المستقبل. وكما ذكرت تستطيع أن تسير به مدة إلى أقرب محطة قريبة، فهو موسم من مواسم الطاعة، وليس هناك وقت لتضييع موسم طاعة، هذه الطاعة أيام تصومها وتقوم لياليها وتركز على حفظ القرآن وتلاوته مع التدبر، فلا حفظ إلا مع التدبر، وهذه نقطة ثانية في الإصلاح، فالحفظ هو الطرف الأول، والطرف الثاني: التدبر مع الحفظ، فليس فقط الحفظ هو المطلوب، بل القراءة مع التدبر هو المطلوب، فإن كنت تقرأ على الأقل أربعين آية في كل يوم قراءة تدبر وفهم وبإمرار الآية على القلوب، وتكون المعاني مفهومة فهو خير لك، فلا بد أن تتدبرها ولا تجعلها مجردة بالحفظ مع الاستطاعة. ومن كان في نفسه ضغينة على أحد فليسامحه، فسلامة القلوب من أعظم النعم التي من الله بها علينا، ولعل الإخوة ذاقوا من حلاوة الاجتماع والطاعة من ذلك ما يغنيهم عن المسامحة. نسأل الله أن يتقبل منا، وأن يغفر لنا أجمعين، وأن يمن علينا بحبه وحب من يحبه وحب عمل يبلغنا إلى حبه، ونسأله أن يجعلنا من عتقائه من النار ومن المقبولين، وتقبل الله منا ومنكم وجزاكم الله خيراً.

стр. 540

نعمة القرآن إن النعمة الكبرى والمنة العظمى التي امتن الله بها على عباده المؤمنين؛ هي إخراجهم من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الكريم الذي أنزله على نبينا الكريم، فاهتدى بهداه كل رجل تقي، وضل عن الاهتداء به وطغى وخسر كل رجل شقي، فيا سعادة الأتقياء ويا تعاسة الأشقياء! ألا وإن هذا الكتاب العزيز قد أنزل على أفضل رسول في أفضل الشهور وهو شهر رمضان المبارك، ولقد كان رسول الهدى ﵊ يعتكف في العشر الأواخر منه رجاء ليلة القدر مكثراً من قراءة القرآن، والصدقة، والدعاء الذي لطالما غير وجه الأرض ومسار التاريخ معاً.

стр. 541

القرآن أعظم نعم الله على المؤمنين إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]. إن أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده المؤمنين هي نعمة إنزال الكتاب على الرسول الأمين ﵌ في هذا الشهر الكريم، كما أن من أعظم نعمه التي منَّ بها على عباده المؤمنين أن هداهم بهذا الكتاب، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، وأحيا قلوبهم بعد موتها، ونور بصائرهم بعد عماها، وجمع أمورهم بعد شتاتها، كما أنه يغني قلوب عباده بما أنزل في هذا الكتاب من معاني الإيمان ليستغنوا عما سواه، ومن فضل الله عليهم أن أنزل عليهم هذا الكتاب الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢].

стр. 542

القرآن لا ينتفع به الكفار والمنافقون ما أشد تفاوت القلوب وتباين منازلها، فالأرض الطيبة يأتي عليها هذا الكتاب فيحييها بعد موتها، وتنبت أنواع الخيرات والبركات، وأما الأرض الخبيثة كقلوب الكفرة والمنافقين الذين لا ينتفعون بالقرآن، ولا يتعظون بمواعظه، ولا يأتمون به، ولا يحلون حلاله، ولا يحرمون حرامه فهؤلاء لا يزيدهم القرآن إلا خساراً وطغياناً وكفراً، قال مبيناً ذلك ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة:٦٤]، والمنافقون يزدادون رجساً إلى رجسهم، كما قال : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. وإذا أردت أن تعلم حقيقة الإنسان الذي تعامله فانظر إليه عند سماع القرآن؟ وفي مواسم القرآن؟ فإذا وجدته من الناس الذين يزدادون إيماناً وهدىً وتفريقاً بين الحق والباطل؛ فيستبصر طريق الحق من طريق الضلالة، ويستهدي بهدى القرآن، فيرشده الله إلى التي هي أقوم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، فاعلم أن أرض قلبه طيبة، وأما من وجدته في مواسم القرآن والطاعة وعند سماع كتاب الله يزداد مرضاً إلى مرضه، ويغرق في الشبهات، فيلبس بين الحق والباطل، ويغرق في الضلالة غرقاً فاحذره وابتعد منه. فمرض الشبهات مرض عضال في قلوب الكفرة والمنافقين، حيث يزيدهم القرآن التباساً؛ لأنهم لم يتلقوه بالقبول والتسليم والتصديق والإذعان، فإذا تليت عليهم آيات الله لم يزدادوا إلا رجساً إلى رجسهم، وضلالاً إلى ضلالهم، حتى إن بعضهم يسوي بين الكفر والإيمان، وبين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان، فيرى ذلك كله حقاً وإيماناً وخيراً وإحساناً، وهذا دليل موت القلب قطعاً، فالقلب الذي ذاق طعم الإيمان لا يمكن بحال من الأحوال، ولا بعذر من الأعذار أن يسوي بين عبادة الله وبين عبادة العباد، ولا يمكن أن يستوي لديه تصديق الرسول الكريم ﷺ وسائر النبيين والمرسلين، وبين تكذيبهم والرد عليهم، وكيف يكون ذلك؟! والله! ما يشتبه هذا الأمر إلا على من ختم الله على قلبه وسمعه، فيشك في الصراط المستقيم ولا يدري أهو دين الإسلام أم غيره من ملل الكفر من يهودية ونصرانية وعبادة أوثان، وغير ذلك من أنواع الكفر؟! ولا يشك في الصراط المستقيم، ولا في الكتاب الذي أنزله الله إلا من طمس الله بصيرته، وأعمى قلبه عن نور الوحي المبين؛ لأنه لم يذق في حياته طعم الإيمان، ولم يجد أثر علاج القرآن للشبهات التي في قلبه، وذلك لخبث قلبه ﴿وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، فازداد كثير منهم بما أنزله الله على رسوله طغياناً وكفراً، كما قال : ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨]. فإذا وجدت الإنسان يزداد مرض الشهوات عنده في مواطن الخير وعند سماع الكتاب، فاعلم أنه إنسان غارق في النجاسات والشهوات الحقيرة والعياذ بالله، ولا يعرف من الدنيا إلا شهوة الطعام والشراب أو الجنس أو المال أو الرئاسة والملك، لا يعرف من الدنيا غير ذاك، وهو مشغول ليل نهار بهذه الخبائث والمنكرات، والخبيثات للخبيثين، فالخبيثات من الأقوال والأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس لهذه الخبيثات من الأقوال والأعمال، وهذا عند أهل الإيمان من أوضح دلائل توحيدهم وصدق معتقدهم؛ لأنهم ذاقوا الفرق، وعرفوا الحقيقة بين العمى والبصيرة، كما قال : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٣].

стр. 543

الكافر والمنافق هو الأعمى الحقيقي وما يستوي الأعمى الكافر المنافق الذي لا يرى حقائق هذا الوجود، ولا يدري من الدنيا إلا مظاهرها، ولا يعلم حقيقة وجوده، ولا لماذا أوجده الله؟ وماذا ستكون نهايته؟ ولا يعلم من الدنيا إلا تحصيل شهواتها، وكيف يمكر بأصحابها، وكيف يكيد لمن يسير معه في طريقها، وكيف يتنافس مع غيره من أهل الدنيا على تلك الجيفة المنتنة. فهو أعمى لا يرى حقائق التوحيد، ولا يعرف قدرة الله وعظمته وملكه وسلطانه، ولا يرى حقائق الإيمان باليوم الآخر، ولا سرعة انقضاء هذه الدنيا، ولا قرب الموت من أهلها في أي لحظة من اللحظات، ولا يرى ولا يعلم شيئاً عن حقائق البرزخ والقبر، وما يكون فيه الإنسان بعد رحيله عن هذه الحياة، ولا يبصر قرب القيامة والساعة التي أخبر الله عن اقترابها فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، فهذا الأعمى لا يرى ذلك، ولا يعرف إلا تحصيل رئاسته وشهوته، فهو لا يرى من الدنيا إلا ذلك نعوذ بالله. وأما البصير فهو المؤمن الذي أبصر معاني أسماء الله وصفاته، فأحب الله من كل قلبه، وأبصر نعم الله عليه، وأعظمها نعمة الإيمان والإسلام والإحسان والقرآن والرسول الكريم ﵊: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. فأعظم نعمة أنعم الله بها على عبده هي هذه النعمة التي من أجلها وبسببها تتوقد منابع الحب لله ، ومنابع الرجاء في قلبه، فإن الحب ينبت على حواف أنهار المنن التي يراها الإنسان فيستحضرها فيستقي قلبه منها فيزداد تعظيماً وحباً لله ، ورجاءاً للقائه : ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٥]، إن الذي دفع المؤمنين بألا يزنوا بميزان أهل الدنيا، وأن يروا الدنيا صغيرة كما هي عند الله، وأن يروا حقائق الإيمان والدين واضحة كالشمس -هو يقينهم بلقاء الله وإيمانهم به. وهكذا ينبت في قلوبهم الخوف بسبب رؤية نعمة الله عليهم، ورؤية غضبه على المغضوب عليهم والضالين، وينبت الخوف من الله أن يضل هذا العبد كما أضل غيره، فكم من الملايين من البشر أضلهم وأنت أنعم الله عليك بالصلاة، والقيام، والصيام، وكم من ملايين البشر لا يعرفون شيئاً عن ذلك، ويعيشون حياتهم لا يدرون شيئاً عن نفحات هذا الشهر الكريم، وعما ينعم الله به على عباده المؤمنين، لا أقول فقط الكفرة بل كثير من المسلمين الذين انصرفوا عن دينهم، وأعرضوا عن شرع ربهم، وانشغلوا بوسائل الإفساد التي تصب عليهم أنواع الأمراض والنجاسات والخبائث ليل نهار وهم منشغلون، وبعضهم قد يكون منتقداً، وبعضهم قد يكون موافقاً ومسروراً بما يرى من هذه القذارات ويسمع من هذه النجاسات، حتى إن أصحابها لا يستحيون من فعل الفواحش علانية أمام أعين الملايين، فإذا كان عقوبة قوم لوط الخسف والتدمير؛ لأنهم كانوا يأتون في ناديهم المنكر، ويأتون الفاحشة وهم يبصرون، فكيف بمن يفعلون ذلك أمام عشرات أو مئات الملايين من البشر؟! فأي فضيحة هذه التي فضحهم الله بها! وأي خبث ذلك الذي نبع من قلوبهم الخبيثة، فانظر إلى نعم الله عليك أما تخشى أن يضلك الله سبحانه كما أضل هؤلاء، وهو مقلب القلوب، ويثبت قلوب عباده المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا، فأنت تحتاج إلى التثبيت الآن كما تحتاجه في الآخرة، كما تحتاجه عندما تنزل إلى قبرك، بل هذا خير الخلق على الإطلاق رسول الله ﷺ محتاج إلى تثبيت الله، فقد قال الله له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، فالله سبحانه ثبته، فإذا كان هو يحتاج إلى التثبيت فكيف بنا ونحن في الذنوب وفي التقصير ليلاً ونهاراً.

стр. 544

أعمال القلوب ترفع صاحبها عند الله تعالى إن الذي يطلع من القرآن على حال الأنبياء يدرك كيف تتفاوت المنازل عند الله بأعمال القلوب وأحوالها في لحظات، ويدرك أنه في أسفل السلم إن كان قد وضع رجله عليه، والذي يدرك أحوال الصالحين الذين قص الله علينا قصصهم في القرآن، وقص علينا الرسول ﵊ قصصهم يدرك ذلك، وقد كانت سيرة صحابته الكرام تطبيقاً عملياً لهذا الصلاح، والإنسان حينها يدرك كم هو صغير لا يساوي شيئاً، وأنه لا يزال في أول الطريق. فانظر إلى ما عوتب عليه الأنبياء والصالحون في لحظات فقط مرت على قلوبهم، فعوتبوا على ذلك، كما تسمع قول الله عن لوط ﵇ حين قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، لحظة وقع في قلبه أمراً كان غيره أولى منه، وهو أن يستحضر في قلبه أنه يأوي إلى الله كما استشعرها نبي الله ﷺ وهو في الغار حين قال له صاحبه: لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدمه لأبصرنا، فقال: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠])، فإنما عوتب على ذلك بسبب بينه النبي ﷺ بقوله: (رحم الله أخي لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فسبحان الله! كما يخطر بقلبك أنت من أضعاف هذا الجنس في اليوم؟ ربما عشرات المرات، والواحد منا لا يدري أنه قد أتى نقصاً، وأنه قد قصر. ولما أحب المؤمنون في غزوة بدر العير قال الله لهم: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فهذا مجرد خاطر خطر على قلوبهم أن تكون القافلة التجارية هي غنيمة المسلمين بدلاً من الجيش والقتال، فعوتبوا على ذلك ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، وكم يقع في قلوبنا بالليل والنهار من إيرادات غيرها أولى منها، بل قل من إيرادات فاسدة تصل إلى حد التحريم من الحسد والحقد والتباغض، وسوء الظن بالمسلمين، وتزكية النفس بما ليس فيها، ومدحها بما هي خالية عنه من الإعجاب والكبر والرياء، إلى خواطر وعزائم ربما على المنكر والمعاصي والعياذ بالله، والواحد يسير في طريقه لا يرى. فإذا تأملت هداية القرآن وشفاءه لما في الصدور تبين لك أننا نحتاج إلى علاج طويل، وربما أكثرنا أو كلنا لم يضع قدمه على أسفل السلم الذي درجاته العالية عند الله ، ولا يعلم عددها إلا هو ، والدرجات عند الله كما أخبر النبي ﷺ ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. فأين نحن من علاج أمراض قلوبنا من الشبهات والشهوات؟ فرب شهوة محرمة تقع في القلب فتفسده، بل ربما مجرد خاطر بالشهوة المحرمة لا عزيمة يعد ذنباً يلام عليه الإنسان فكيف إذا كانت عزيمة؟ وكيف إذا كانت إرادة يستحضرها ويمرها على قلبه؟ أقل شيء يحرمه صاحب الخواطر الرديئة أن يحرم خواطر الإيمان، وأن يحرم ما يفيض الله عز جل على قلبه عند سماع القرآن، فكم من آية تمر عليك وأنت لم تتعظ بمواعظها؟ وكم من صلاة مررت عليها وأنت تقول: متى تنتهي السورة ليركع الإمام لننتهي من الصلاة؟ إن هذه الخواطر لربما وقعت في قلب كل واحد منا وهي تدل على النقص لا شك، وأن القلب يحتاج إلى علاج ومداواة؛ لأنه إذا تدبر القرآن فسوف ينسى هذه الخواطر، وربما يحرم لذة مناجاة الله في دعائه، ويحرم لذة إنبات الخير في قلبه عند تلاوة كتابه ؛ بسبب ما وقع في قلبه من موازنات فاسدة، وتقديم أمور كان ينبغي أن تؤخر، وتأخير أمور كان ينبغي أن تقدم، ولذلك نرى حياتنا مليئة بالمشاكل؛ لأنها لم تعالج كما ينبغي بالشفاء الذي أنزله الله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، ولا شك أن طبيعة الحياة التي نحياها والتي هي مليئة بأنواع الصراعات على الدنيا والتنافس عليها تؤثر علينا، ولكن لا بد لنا أن نتوقف لحظات لنعالج أمراض قلوبنا، ولنحيي هذه القلوب، ولنحصل على البصيرة التي لا يستوي من فقدها ومن حصل عليها، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٠] فالظلمات هي: ظلمات الكفر والجهل والضلال وغضب الله ، وتلك تحل على من هوى في غضب الله تحل حتى لا يرى شيئاً، كما وصف الله حال ذلك الكافر الجاهل الضال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. والنور هو نور الإيمان الذي أنزله الله ، وهذا يكون في القلب كمصباح متقد من زيت شجرة مباركة، فهو نور الإيمان على نور الفطرة، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ﴾ [فاطر:١٩ - ٢١]، فحال أهل الإيمان في دنياهم في ظل وراحة وسكون: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، وهم في ظل في قبورهم، وفي آخرتهم في ظل عرش الله ، وفي الجنة في ظلال وعيون، وفي سكون دائم وراحة وسعادة دائمة لا تدانيها ولا تشبهها سعادة، ومن وجدها يعلم يقيناً أنها تتضاءل أمامها كل لذات الدنيا، ولكنها للأسف الشديد عند أكثرنا -إن لم نكن كلنا- لا تتعدى لحظات معدودة، وبدرجات متفاوتة، ولكن بحسب ما نأخذ من هذا المعين الصافي بحسب ما نسعد، وكلما نلنا من طاعة الله ومرضاته، وحييت قلوبنا بكتابه سعدت هذه القلوب واطمأنت وذاقت طعم الإيمان، (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﵌ نبياً) وأما الحرور فهو حر الكفر والعياذ بالله. فالكفرة في دنياهم في ضنك وشقاء، وفي قبورهم في عذاب وبلاء، وفي الآخرة في حر شمس دانية من الرءوس قدر ميل، فيعرق أحدهم حتى يبلغ عرقه أنصاف أذنيه، وحتى يغرق في رشحه، ويضرب العرق في الأرض سبعين ذراعاً، وقدر قامة الرجل على قدر عمله. وأما في النار والعياذ بالله فهو الحر الذي لا يطاق: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢].

стр. 545

تفاوت المجتمعات إن مجتمع المؤمنين مجتمع يزن بموازين الشرع، ويقدم ما قدمه الشرع، ويعظم ما عظمه الشرع، وهو مجتمع يعيش لتحقيق العبودية لله ، ومجتمع زكي طاهر نقي، فإرادات أهله في مرضات الله وفي البعد عن مساخطه وما يغضبه. وأما مجتمع الكفرة فمجتمع أموات وأمراض ودرجاتهم متفاوتة، فمنهم من هو في غيبوبة، ومنهم من يوشك على الموت، ومنهم من قد مات وأنتن، فهي مجتمعات متفاوتة، والإنسان لا شك باقترابه من هذه المجتمعات يتأثر بها، ورؤية وجوه أصحابها تؤثر في قلبه، وإذا كانت رؤية وجوه المومسات عقوبة فكيف برؤية وجوه الكفرة والمنافقين على سبيل الاحترام والتعظيم؟! نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يعافينا جميعاً من ذلك. نعم إنك أن ترى وجوههم مجاهداً لهم فذلك من نعم الله عليك، ولكن أن ترى وجوههم وأنت مضطر لكي تعاملهم بالاحترام والتوقير فإنه والله من أنواع العقاب، فكيف بمن يطلب ذلك ويأتي بأنواع المناظر التي ينظر بها إلى وجوه المومسات والكافرات والكافرين والظالمين؟ نعوذ بالله من ذلك، فالمجتمعات متفاوتة تفاوتاً عظيماً، فانظر كيف تقضي وقتك، ومع من تقضي وقتك، فنحتاج إلى تعمير قلوبنا خلال هذه الأيام المباركة التي تقدم علينا بإذن الله، ففي لياليها أعظم تعمير للقلوب بإحيائها بكتاب الله (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة). نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم، وأحيا قلوبنا به، ورزقنا تلاوته آناء الليل وآناء النهار على الوجه الذي يرضيه عنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 546

فضل ليالي العشر من رمضان الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. لقد كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليلة، وأيقظ أهله، وشد المئزر، وكان ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان طلباً والتماساً لليلة القدر، وطلباً لفضل الله في هذه الليالي كلها، فهذه خير ليالي السنة، وهي أفضل الليالي على الإطلاق، وكما قال النبي ﷺ (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، والنبي ﷺ رغب في السبع البواقي أكثر فقال: (فمن غلب على العشر الأواخر فلا يغلبن على السبع البواقي)، وذلك أن آخر العمل يكون الإنسان قد تهيأ فيه للمنازل العالية، فإذا أفاض الله عليه نعمة في آخر هذا الشهر الكريم كان أهلاً لقبول هذه النعمة، وأهلاً لاستثمار هذا الخير وتأثيره في قلبه؛ ولذا كان دائماً التمهيد للأمور العظيمة بكثرة العبادة والذكر والتلاوة والصلاة والقيام والركوع والسجود، كما قال : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف:١٤٢]، وهذه الأربعون كان موسى يصوم نهارها ويقوم ليلها؛ تهيئة لسماع كلام الله ، ولتقريبه نجياً، وهو في هذه المرة يقدم مشتاقاً محباً بعد أن ذاق الحلاوة التي لا توصف في المرة الأولى، مع أنه كان يطلب ناراً وهدىً وخبراً غير الذي حصل عليه، فكان يريد ناراً فرأى نوراً أعظم من الذي يطلب، وكان يريد هدىً على الطريق فرأى هداية أتم مما كان يطلب. وكان يريد مخبراً يخبره عن طريقه فوجد إخباراً من رب العالمين ، فكانت المرة الثانية أكمل، وكان محباً متعجلاً إلى ربه راغباً في رضاه. وهكذا مريم ﵍ عندما هيئت لتحمل الأمر العظيم في أمر ولادة المسيح نادتها الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣].

стр. 547

الدعاء يغير الأرض والتاريخ فالأمور العظيمة تحتاج إلى تهيئة، بل ما يقدره الله لعباده المؤمنين يعطيهم إياه وهم يسألونه في دعائهم وصلاتهم. ألم تسمع قول الله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٩]؟ وقال لموسى ﵇: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩]، فهذه الأرض يتغير وجهها بدعوة من صادق قانت خاشع لله ، وانظر إلى مكة المكرمة، فقد كانت أرض قفر بين جبال لا نبت فيها ولا ماء، فما الذي يدفع قلوب ملايين البشر عبر السنين أن تأتي إلى هذه البقعة العجيبة؟ إنها دعوة إبراهيم ﵇: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فلقد غير وجه هذه البقعة إلى يوم القيامة، فهي بقعة يأتي إليها ملايين البشر كل عام، وهم مشتاقون إلى المزيد، وكل ذلك بسبب دعوة من إبراهيم ﵇، فهي دعوة تغير بها وجه الأرض. وهذا كما تغير وجه مصر بهلاك فرعون وجنده في لحظة من اللحظات بدعوة من موسى ﵊ ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩]. وكذلك دعوة من النبي ﷺ حين قام طويلاً في ليلة بدر، فتغير وجه التاريخ، ولولا فضل الله بنصر المسلمين في غزوة بدر لما عُبد الله في الأرض بعد ذلك اليوم، قام النبي يستغيث ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، فاستجاب الله للنبي ﷺ . ودعوة من النبي ﷺ في ليلة الأحزاب غيرت أيضاً وجه التاريخ، وصار الكفر ينتقل إلى الدفاع بعد أن كان مهاجماً. فأرسل الله الريح والجنود التي لم يرها الناس، فانصرف عشرة آلاف من الأحزاب بعد أن أوشكوا أن يصلوا إلى غايتهم من اقتحام المدينة، واستئصال الإسلام، لكن ينقلب الأمر في لحظة بدعوة صادقة، وانقلب الأمر على يهود بني قريظة في تلك الليلة بدعوة النبي ﷺ وأصحابه؛ لأن قلوبهم متعلقة بالله راجية لفضله، فبالدعاء يتغير وجه الأرض ومسار التاريخ، ومسار الأحداث كلها يتغير بالصلاة. فاجتهدوا عباد الله! في هذه الأيام المباركات والليالي الفاضلات أن يتغير حالنا إلى ما يحب الله ويرضى، وذلك بكثرة الاجتهاد في الدعاء والتضرع، ولا بد أن تحيا القلوب وتحضر؛ فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل، وربما تنقلب الموازين بعد أن تصل إلى نهايتها من حيث لا يشعر الناس، ويأتي الكفرة من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويأتي أعداء الإسلام من المنافقين ما لا يعلمون، وهو يملي لهم، وكيده متين، ولكن أين هذه القلوب؟! فاجتهدوا أن تكونوا من أصحابها ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. وليكن الاعتكاف عكوفاً بالقلب على الله، والنية على إرادته، وإخلاصاً لوجهه سبحانه قبل أن يكون ملاءة تفردها في المسجد، أو خباء تصنعه لكي يخلو بك من يريد مسامرتك، ومن تريد محادثته، وأنت في غفلة عن حقيقة الاعتكاف، فالاعتكاف أصلاً: عكوف القلب والهمة قبل أن يكون عكوف البدن. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين، وأصحاب الضلالة دعاة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم وانصر المسلمين في فلسطين والشيشان. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم احفظ دماء المسلمين في كل مكان، واحفظ أموالهم وأعراضهم يا رب العالمين! اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، اللهم أنزل بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين: باليهود المعتدين، والنصارى المحاربين الذي يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وبالمنافقين الظالمين الذين يصدون عن سبيلك.

стр. 548

وإن فرعون لعال في الأرض بين الله طغيان الجبابرة من الأمم السابقة، وأن ظلمهم للناس وطغيانهم سببٌ في عمايتهم عن الحق، وأهل الحق مهما كانوا مستضعفين فإنهم بتوكلهم على الله وثقتهم به سبحانه رغم انعدام الأسباب يفرج الله عنهم كربهم وينصرهم على عدوهم، ولنا في قصة الطاغية فرعون مع موسى وقومه عظة وعبرة.

стр. 549

قصة موسى ﵇ مع فرعون إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد محمداً عبده ورسوله، ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الله جعل في قصص أنبيائه ورسله من العبر والعظات، والنور الذي يهتدي به أهل الإيمان في كل زمن من الأزمنة ما يحتاج معه المؤمنون دائماً إلى تدبر قصص القرآن وسيرة الأنبياء، وإن من أعظم القصص فائدة لأهل الإيمان في سبيلهم وطريقهم إلى الله قصة موسى ﷺ ، قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٨٠ - ٩٢].

стр. 550

التحول من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بعد أن بين آياته على يد رسوله موسى ﵊، وأبطل كيد السحرة المجرمين، وأبطل مكر فرعون وفضحه على رءوس الأشهاد في يوم الزينة وقد حشر الناس ضحى، واجتمع الجموع فرأوا آيات الله ، وأبطل الباطل، وأحق الحق بكلماته، وسجد السحرة وآمنوا، واخترع فرعون المآمرة الوهمية التي اتفقوا عليها ضد موسى، ومع ذلك وجد من يطيعه في قتل السحرة، وإن كان لا يستطيع أن يمس موسى ﷺ ، مع أن البديهي في مؤامرة كهذه لإخراج أهل البلاد منها، أن يكون كبيرهم الذي دبر معهم هذا المكر على رأس المقتولين، ولكن من العجب يعرض عن موسى ﵇، ويصب غضبه على السحرة الذين كفر الله عنهم سيئاتهم وخطاياهم وجعلهم في آخر النهار شهداء بررة، بعد أن كانوا في أوله سحرة فجرة كذبة، وهو أعلم بعباده، يختم لمن شاء بخاتمة السعادة، ويختم لمن شاء بخاتمة الشقاوة، حيث قضى السحرة عمرهم كله في عمل أهل النار والكفر والشرك بالله، والصد عن سبيل الله والتزيين لعبادة فرعون، وطلب الأجر والقرب منه والعياذ بالله، ثم في لحظات تحول الأمر، وكتب الله لهم النجاة، وذلك لما اختاروا الإيمان أول ما ظهر لهم، وقذف الله في قلوبهم حب الخير، وقذف في قلوبهم البصيرة التي أبصروا بها الدار الآخرة وبقاءها ودوامها، وألقى الله في ظل كلام فرعون الذي يتهددهم به ما ثبتهم ، وذلك بعد أن توعدهم بأنواع العذاب والنكال، وقال في خاتمة كلامه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]. وكان في هذا من التثبيت العظيم لهم، ومعرفتهم أن الله هو أشد عذاباً، وأنه خير وأبقى، فلذلك اختاروا أن يتحملوا عذاب الدنيا، وأن يصبروا على آلامها والتي لا تبقى كثيراً بلذتها وألمها، ويبقى بعد ذلك عمل الإنسان قريباً له في برزخه، ثم ملازماً له في بعثه ونشوره، فلذلك قالوا ما لم يكن يخطر لهم قبل على بال حينما قال لهم فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧١ - ٧٢] أي: لن نؤثرك على الهدى الذي جاءنا والبينات، ولن نؤثرك على الذي فطرنا سبحانه، فانتبهت قلوبهم إلى معان لم تكن تنتبه إليها، واستيقظت إلى حقائق لم تكن تنظر إليها، إلى بداية الأمر وإلى نهاية الأمر كذلك: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٢ - ٧٦]. معانٍ لم تكن تطلع عليها القلوب، ولكن أيقظها الله وأحياها حين استجابت للإيمان، فبادر يا عبد الله! إلى الاستجابة إلى أمر الله، فإنه يحب من استجاب لأمره أول ما ظهر له نور التنبيه، وأول ما حصل له من يقظة القلب، فالله يضاعف لعبده العطايا والمنن إذا استجاب لأمر الله، وإلا فإنه يحرم التوفيق كما حرمه فرعون، وكما حرمه آله وجنوده وأعوانه وأهله وعامة أهل بلده، قال الله بعد أن ظهرت الآيات وقامت الحجج: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣] أي: إلا شباباً من قومه من أهل مصر، من قوم الدعوة الذين دعاهم موسى ﵇، والأظهر في أن (قومه) هنا المقصود بهم: أهل مصر، وإلا فأكثر بني إسرائيل كانوا مع موسى ﷺ كما دلت عليه الآيات: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف:١٣٨] فأكثر بني إسرائيل كانوا قد آمنوا بموسى، وإنما القلة كانت من أهل مصر رغم ظهور الآيات، كمؤمن آل فرعون وغيره من شباب مصر في ذلك الوقت، والذرية: الشباب، وهذا يؤكد أن الشباب دائماً هم أمل الأمم، وهم الذين يستجيبون للحق أول من يستجيب، وعليهم مسئولية عظيمة رغم العقبات التي في طريقهم.

стр. 551

ابتلاء الله للمؤمنين دليل على حبه لهم قال: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ [يونس:٨٣]، لم يكن الإيمان مع الأمان، ولم يكن الإيمان مع سهولة الطريق، ولم يكن هذا الإيمان مع وجود مرغبات، بل مع وجود الخوف من الفتنة، ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإهِمْ﴾ [يونس:٨٣] وهذا دليل على أنهم من أهل مصر؛ لأن الملأ من بني إسرائيل كانوا مع موسى ﵇، أما الملأ الذين خافوا الفتنة فهم ملأ فرعون الذين استجابوا للحق رغم تعرضهم للمخاطر، وهذا الإيمان الذي يكون مع العقبات والتهديدات ثوابه عند الله من أعظم الثواب، قال النبي ﷺ : (لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد). فهو يبين فضله ﷺ لنعلمه، ويبين فضل من أخيف في الله فصبر، وفضل من أوذي في الله فصبر، هذا الإيمان رغم العقبات، وهذا العمل الصالح الذي من أجله قدر الله وجود من يفتن أهل الإيمان؛ لأنه يحب أن يظهر من أهل الإيمان آثار حبهم لله ، وآثار إيثارهم له على من سواه، وآثار خوفهم منه دون من سواه، رغم أنهم يخوَّفون بأنواع الأذى والاضطهاد، ويقع في قلوبهم ما يقع من الخوف الفطري من هذه الأمور المؤلمة، ومن الفتن والعذاب والقتل وانتهاك الحرمات، وقد تهدد فرعون مرة أخرى بعد ظهور الآيات: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، ولقد فعل ذلك بالمقربين منه، فمما ذكر: أنه ممن قتلهم بأشنع القِتْلة امرأته المؤمنة، وكذلك فعل بمن آمن، ومع ذلك فاستجاب المؤمنون وعلموا أن ذلك من حكمة الله .

стр. 552

تخويف المؤمنين وتهديدهم من أسباب زيادة إيمانهم في قدرته أن يؤمن أهل الإيمان على الدوام، وهو قدر الابتلاء بشيء من الخوف؛ لتظهر عبودية الصبر، وعبودية التصديق واليقين بوعد الله، واليقين باليوم الآخر، وأنواع الإيمان والإسلام والإحسان، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فإذا وجدتَ الطريق إلى الله عليه مخاوف وعقبات فاعلم أن ذلك لك، وأن ذلك لمصلحتك، لتزداد إيماناً وإسلاماً، كما قال عن النبي ﷺ وأصحابه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٣]. ما إن قالوا لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، حتى كان ذلك سبباً لزيادة الإيمان، فالله جعلهم يزدادون إيماناً عندما قالوا لهم: فاخشوهم، وعقب بالفاء: ((فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)) وسرعان ما يزداد الإيمان مع هذه التهديدات التي يريدون بها الصد عن سبيل الله، لكنها تدفع المؤمن إلى اللجوء إلى الله ، والتوكل عليه والاحتساب، وتدفعه إلى أن يتذكر أمر الآخرة، ويزداد عبادة لله من صلاة وركوع وسجود وصيام وغير ذلك، فيزداد إيماناً مع إيمانه، وكذلك يحضر في قلبه معاني الإيمان كأنه يراها بعينيه، فهو يعبد الله كأنه يراه فيزداد إحساناً، فعند ذلك ينتقل إلى مراحل أخرى وأطوار أخرى بفضل الله، قال تعالى: ((فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ)). إذاً: لا تتوقع أن تجد الطريق إلى الالتزام مفروشاً بالورود، ولا تنتظر أن يكون من حولك معيناً لك على أسباب الخير، ولا تعلق التزامك على أن تجد الطريق آمناً، بل ستجد فيه من المتابعة، والمخاوف، والمضارة ما يزيدك بفضل الله إيماناً، كما قال : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:٥٢] فلتعلم أنك تسير في طريق وسوف يطلبك غيرك فيه ويتابعونك؛ ليردوك ويصدوك، فلن تجد الطريق إلى الجنة مفروشاً بالورود، وإنما كما قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) فالجنة حفت بالمكاره حتى ظن جبريل أو خشي جبريل ألا يدخلها أحد، وحفت النار بالشهوات حتى خشي جبريل ألا ينجو منها أحد، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ .

стр. 553

الكبر سبب في هلاك صاحبه قال تعالى: ((وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ)) متكبر والعياذ بالله، وهذه بداية نهايته، وهذه الأوصاف التي ذكرها الله من الكبر والإسراف في الفساد موجودة فيه: ((وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ)). وهذه مقدمة لبيان هلاكه، واستحقاقه العذاب في الدنيا والآخرة، وهكذا جزاء كل عال متكبر، وجزاء كل مسرف في معصية الله ومخالفة رسله، وإذا وُجد الكفار والظلمة والمنافقين قد أسرفوا وتوسعوا في الإسراف، وزادوا في الكفر والفسوق والعصيان، فذلك؛ لأن الله يريد أن ينتقم منهم، ويريد أن يصيبهم بعذاب من عنده .

стр. 554

من شروط صحة الإيمان التوكل على الله قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]. هذا الدور العظيم الذي يقوم به نبي الله موسى، والذي يجب أن يقوم به المؤمنون في تواصيهم بالحق، وإن من أعظم التواصي بالحق الذي أمر الله به: التواصي بالتوكل على الله، وهو شرط في الإيمان وشرط في الإسلام، أو بالحقيقة هو ركن من أركانهما، بمعنى: أنه لا يصح إيمان عبد إلا بالتوكل على الله ، وكذلك إسلامه الظاهر والباطن إسلامه الكامل، وهذا من المواطن التي اجتمع فيها الإيمان والإسلام، وكانا بمعنى واحد ((وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا)) أي: عليه وحده، واحتسبوا عند الله توكلكم ذلك، وهذا الذي يجب أن تهتموا به في مواجهة ما يكيد به فرعون، وما يفتن وما يخطط وما يدبر، فالتوكل على الله خصوصاً عند انعدام الأسباب، كما قال مبيناً قول موسى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]. فموسى ﵇ يوحي في قلوبهم، ويجدد في قلوبهم معاني الإيمان والإسلام، وهذا التوكل على الله هو: اعتقاد بأن الله وحده النافع الضار المعطي المانع الخافض الرافع القابض الباسط مالك الملك المحيي المميت وحده لا شريك له، فلا يملك الناس لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يملكون ذلك لغيرهم، ولا لأنفاسهم التي تتردد، وقلوبهم التي تنبض، والدم الذي يجري في عروقهم، كل ذلك لا يملكون منه ذرة، ولا يستطيعون استمراره ولا إيقافه، ولو حصل لهم من ذلك شيء، بأن يتوقف وينتهي ما استطاعوا دفعه، وهذا أمر بديهي لا ينكره عاقل، فلا يوجد من يقول: أنا الذي أجعل القلب يدق، ولا يوجد من يتصور أنه هو الذي يجري الدم في عروقه، ومع ذلك فأكثر الناس في غفلة عن هذه العقيدة التي هي أوضح من شمس النهار: أن الله وحده هو النافع الضار، ثم العمل بناء على هذا الاعتقاد في كمال الوثوق بالله ، وفي جلب مصالح الدين والدنيا والآخرة، ودفع المضار عن العبد في دينه ودنياه وآخرته، وهذا التوكل على الله من أعظم صوره التوكل عليه في أمر الآخرة، ثم التوكل عليه في هداية الخلق، ليس فقط في تحقيق عبودية نفسك، فتتوكل عليه في خاصة نفسك، بل تزيد إليه أن تتوكل عليه في تحقيق العبودية في الأرض لله ، وتتوكل عليه في نصرة الدين، وهذا هو توكل الأنبياء والأولياء خاصة، وإن توكل أنبياء الله في أن ينصر الله دينه رغم انعدام الأسباب التي بأيديهم، ورغم ضعفهم وعجزهم، لهو من أعظم الأسباب التي يقويهم الله بها، ويعينهم بإرادته على كسر الجبارين، وفي التمكين للمستضعفين، فهي إرادة ماضية لا يقف شيء أمامها، فتمضي حيث يشاء سبحانه، وحين يشاء .

стр. 555

نصر الله لبني إسرائيل وجعلهم أئمة يُقتدى بهم في الخير قد بين استجابة بني إسرائيل لدعوة موسى بالتوكل على الله، وفهموا مفتاح الخير الذي دلهم عليه موسى ﷺ ، وهم يرون أمامهم عظيم التوكل على الله، فلا يخافون في الله لومة لائم، ويكثرون من الدعاء والتضرع: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]. فصاروا أئمة في تعليم الناس هذا الخير العظيم، وصار منهم أئمة يعلمون أهل الإيمان على الدوام كيف يدفعون فتنة الظالمين والكافرين، وكيف يتحملون أنواع البلايا والمحن متوكلين على الله : ((فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)). وذلك لأن المحن تزيد الإيمان، وانعدام الأسباب الذي قد يتألم منه المؤمن هو في الحقيقة لمصلحته، فإن عامة قلوب البشر تتعلق بالأسباب، فمن رحمة الله أن يقدر لهم مراحل من سيرهم، ومن دعوتهم، وفي صراعهم مع عدوهم أن تنعدم الأسباب، وذلك حتى تخلص القلوب لله: ((عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)). فقدم الجار والمجرور؛ للاختصاص وللاهتمام، ولأنه لا يوجد سبب يأخذون به، وفرعون متسلط أعظم التسلط، فقد حصرهم قبل ولادتهم، وقد أحاط بهم هو وجنوده، وجنوده والعياذ بالله مطيعون طاعة تامة مهما كانت الأوامر، ظاهرة في الظلم والطغيان والكذب والباطل، فقد وجد من يصدقه في أنه الرب الأعلى، ووجد من يصدقه في أنه لا يوجد لهم إله غيره، ووجد من يبني له الصرح؛ لعله يبلغ السموات ليطلع إلى إله موسى، ووجد من يقتل له السحرة، فهم كما قال الله عنهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]. فالفسق هو الذي أدى بهم إلى ذلك، وكثرة الخروج على شرع الله ، والمداومة على ذلك أدى إلى هذه النوعية العجيبة من البشر الذين يطيعون حتى في الدخول إلى البحر المنفلق أمام أعينهم بعصا موسى، فعجباً لهؤلاء القوم! ماذا يصنع الفسق بأصحابه؟! ماذا تصنع المعاصي؟! ماذا تصنع بهم من طمس البصائر وانعدامها بالكلية والعياذ بالله؟! وانعدام الفهم، والفسق يؤدي بهم إلى الطاعة العمياء، والتقليد الذي لا نظير له في حياة البشر، نعوذ بالله من ذلك، فهذا كله من شدة الأمر على بني إسرائيل، وهذا لمصلحتهم لتحقيق كمال التوكل: ((عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)) ثم دعوا ربهم هذا الدعاء العظيم: ((رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)). التفسير فيها على وجهين، الوجه الأول: ربنا لا تجعلهم يفتنوننا، وهذا موافق للسياق من أوله؛ لأنهم على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، فإذا كان أهل مصر على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، وهم من قومهم ومن جلدتهم فكيف ببني إسرائيل؟! لا شك أنهم أشد خوفاً، وهم يخافون أن يفتنهم فرعون وجنوده. الوجه الثاني: ربنا لا تجعلنا فتنة لهم، أي: لا تجعلنا إذا هزمنا وقتلنا وفشلنا سبباً لفتنتهم هم، وسبباً لظنهم أنهم على الحق، فإن أكثر الأمم يظنون أن الحق هو الانتصار، ولذلك يكونون تبع المنتصر القوي، حتى ولو كان باطله أظهر من شمس النهار، وحتى لو كان ظلمه وعدوانه لا يتنازع فيه اثنان، ولكن أكثر الناس عندهم الحق هو القوة، وأن من غلب فهو صاحب الحق، والمغلوب محقوق وظالم ومجرم يستحق أنواع العقاب، وهكذا عند الناس، فإذا هزم أهل الحق كان ذلك سبباً لفتنة أهل الباطل، فهذا وجه حسن في التفسير بمعنى: أنهم يخافون أن يصيروا فتنة للقوم الظالمين، أي: أن يكونوا سبباً لفتنتهم، سبباً لبقائهم على الكفر، يقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما انتصرنا عليهم، وطالما أننا انتصرنا عليهم فهم على باطل، فيظنون أنفسهم أنهم على الحق، فيفتنون أمماً وأجيالاً تلو أجيال ونعوذ بالله من ذلك، وكلا المعنيين في تفسير الآية صحيح، فالمؤمنون يحتاجون إلى أن يثبتهم الله حتى لا يفتنوا، لأن التثبيت ليس من عند أنفسهم، فالتثبيت من الله، فهو سبحانه مقلب القلوب، والنبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون). فيتوسل النبي ﷺ بأنواع التوسلات إلى الله كالإلهية، وبأنه الحي الذي لا يموت، وبأن الخلق ضعفاء، ويتوسل بالإسلام، وبالإيمان، وبالتوكل، وبالإنابة، وبالمخاصمة لله ، وبه ؛ حتى لا يضله الله، ويتوسل بعزة الله (أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) فإذا كان هذا توسل النبي ﷺ واستحضار حاجته إلى التثبيت، وقد قال الله له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، فكيف بحاجتنا عباد الله، وليس لنا من العصمة ما للنبي ﵊؟! إن حاجتنا إلى أن يثبتنا الله، وأن ينجينا من الفتن، وأن يهدي قلوبنا حتى نلقاه مؤمنين، لهو أشد من حاجة الغريق الذي يغرق، ولا أحد يغيثه إلا ربه ، فهو يتوسل إليه ويستغيث به موحداً له، ولو أشرك في غيره من المواطن، فالله يريد منا أن نوحده بالاستغاثة والاستعانة واللجوء إليه، والتثبيت إنما هو منه ، فهو مقلب القلوب، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. وأما المعنى الثاني وهو: خوف الفتنة على الناس، فهو معنىً عظيمٌ في قلب الداعي، حيث أنه ليس فقط يبحث عن مستقبل نفسه ونجاته وتثبيته، بل يبحث عن مستقبل أهل الأرض، ولا يريد أن يفتن الناس، ولا يريد أن تكون هزيمة أهل الحق سبباً لبعد الناس عن الدين، فهو يريد أن يهتدي الخلق، وأن يظهر الإسلام، ويظهر الحق ليس فقط لكي يستمتع بالنصر والتمكين، أو يستريح بعد العناء، أو ليجد لذة ونعمة الأمان بعد الخوف، وإنما يريد أن يظهر الحق، وأن يعلو الإسلام ليؤمن الناس؛ وليدخلوا في دين الله أفواجاً، وليهتدي من شاء الله له أن يهتدي، فالله جعل قلوب المؤمنين خير القلوب، وإن خير أمة أخرجت للناس هي أمة محمد ﷺ ، يريدون الخير للناس، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فهم خير الناس للناس، يودون أن يهتدي الخلق، وأن يعرفوا ربهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]. فنحن لا ننجو بحسن تدبيرنا، ولا بتخطيطنا، ولا بذكائنا، ولا بأعمالنا، وإنما برحمة الله ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾ [يونس:٨٦]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم انصر المجاهدين والدعاة إليك في كل مكان، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

стр. 556

وإبراهيم الذي وفى لنا في سلفنا الصالح من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أسوة حسنة في طريق الدعوة إلى الله. ومن هؤلاء الذين نقتدي بهم ونقتبس من أنوارهم إبراهيم ﵇، فقد كان إماماً في الدعوة والجهاد والصبر والتضحية، وفي سيرته العطرة عبرة للمعتبرين، ونور في طريق الدعاة العاملين، وتسليةٌ لمن ابتلاهم الله بظلم الظالمين وحقد الحاقدين.

стр. 557

إبراهيم إمام للناس في مقام الدعوة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد جعل الله إبراهيم ﵇ إماماً للناس في مقامات متعددة: في مقام الإخلاص لله ، والتوحيد والبراءة من الشرك، والدعوة إلى الله، والتضحية والبذل في سبيل الله ، والصبر والاحتساب، فهذه مقامات وغيرها كثير من أجلها وصف الله إبراهيم بأنه وفى، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، وقال : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، فقد أتم ما أمره الله به في كل ما تكلم به سبحانه. ومن أهم هذه المقامات التي ينبغي أن نتوقف عندها كثيراً لنأخذ منها نوراً على طريقنا، ولنأخذ منها العبر والعظات: مقام الدعوة إلى الله ، وهو مقام يتضمن عبوديات مختلفة، منها: الغضب لله ، والصبر على ما يصيب الإنسان في سبيل الله، والتوكل التام، والتضحية بالنفس والمال والوطن والأهل والعلاقات الاجتماعية في سبيل إعلاء كلمة الله، وحسن الظن بالله، واليقين بوعده، والثقة به . قال في بيان دعوة إبراهيم لأبيه وقومه ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٧٣].

стр. 558

تمكين الله لإبراهيم من العلم والعمل أتى الله إبراهيم رشده من قبل، أي: من أول نشأته -على أحد الوجهين- أو من قبل موسى وهارون اللذين سبق ذكرهما قبل ذلك في سورة الأنبياء، فآتى الله إبراهيم رشده وفهمه وعلمه من أول نشأته، وهذه فضيلة لمن نشأ في طاعة الله وعلى دينه، وذلك كما قال أصحاب النبي ﷺ عندما تناظروا في السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء غيرها، فدل ذلك على أن من ولد في الإسلام فقد أتم الله عليه نعمته، وجعله من أول نشأته على الهداية والفطرة المستقيمة، فهذه نعمة لا يقدرها كثير من المسلمين، ولا يرون فضل الله العظيم عليهم في ذلك؛ لأنهم لم يقارنوا بينهم وبين غيرهم ممن لم يؤت رشده، ولم يهد إلى الصراط المستقيم في أول نشأته. والله يحب الشاب الذي ينشأ في عبادة الله، وإنها لفرصةٌ عظيمة أن تنشأ في ظل هذا الدين بفضل الله، وأمامك هذا الالتزام الميسر بالدعوة والمنهج الحق، والسنة بفضل الله ميسرة لمن طلبها وسلك سبيل تعلمها والتزامها، فما أكثر من يعرض عن نعمة الله فلا يشكرها، فلا تكن من هؤلاء، واعلم أن من فضل الله عليك سرعة الالتزام في أول النشأة، فهو من أعظم ما يهيئ لك الاستمرار على الالتزام على الخير من العلم والعمل الصالح في مستقبل العمر، فإن من حفظ جوارحه لله في شبابه حفظها الله عليه في آخر عمره (هكذا وصى النبي ﷺ لـ ابن عباس وهو غلام حيث قال له: احفظ الله يحفظك). وإيتاء الله إبراهيم رشده من أول نشأته فيه ردٌ على من يفسر نظر إبراهيم في النجوم على أنه كان يبحث عن الله ، فإبراهيم كان على الفطرة السوية المستقيمة من أول نشأته، وكيف يتسنى له أن يبحث عن الله وهو يجزم لأبيه وقومه أنهم في ضلال مبين؟! فهو إنما كان يناظر قومه؛ لأن الله آتاه رشده من أول نشأته، وهو عليم يضع الأشياء في مواضعها، فيضع الهدى في من يستحق أن يكون من المهتدين، ويضع الشكر في من يستحق أن يكون من الشاكرين الذين يقبلون نعمة الله ، والله سبحانه قسم الأرزاق والأخلاق والأعمال والأقوال بعلمه وحكمته، فوضع البذر الطيب في الأرض الطيبة، ووضع البذر الخبيث في الأرض الخبيثة، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالظالمين، وأعلم بمن هو أهل لرسالته، فلقد قسم سبحانه فضله على عباده المؤمنين بعلمه السابق، وبرحمته وحكمته، فلا يعترض عليه أحد، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ لأنه لا يفعل شيئاً إلا بعلم وحكمة.

стр. 559

محاجة إبراهيم ﵇ لقومه قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]، فهو يسأل سؤال استنكار واستقباح لما يفعلونه من الاعتكاف وملازمة عبادة التماثيل، وهي إفك باطل مصنوع، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٦ - ٨٧]، فدل ذلك على أنه يعرف الله بأنه الحق، وأن ما يدعى من دونه هو الباطل، قال: ((مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ))، أي: ما هذه الأصنام التي تصنعونها، وكانت تتخذ عندهم رموزاً لأنواع النجوم، فصاروا يعبدون هذه الأوثان من دون الله . إن هذه الأصنام قد أضلت كثيراً من الناس، وعبادتها قديمة جداً من عهد نوح ﵇، وهو أول زمن وقع فيه الشرك على هذه الأرض من بني آدم؛ وذلك بسبب الغلو والإفراط في محبة بعض الصالحين -وهذا سبب في ضلال الناس في الواقع الذي نعيشه- وبسبب بعدهم عما أوحى الله من تفسير لهذا الوجود، وأنه خلق من خلق الله، فكان قوم إبراهيم يعبدون هذه الأصنام والتماثيل والأوثان على أنها ترمز للنجوم التي جعلوها وسائط بينهم وبين ربهم فعبدوها من دون الله. قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٢ - ٥٣]، وهكذا أهل الباطل حجتهم التقليد بلا حجة بينة، والشرك لا تقبله الفطر، ولا تسلم به العقول، ولا ترضاه النفوس، بل هو مرض وداء، لا يمر بسهولة إلى قلب الإنسان، ومع ذلك فهو أكثر انتشاراً بسبب التقليد الأعمى، فقد وجدوا آباءهم على أمة فهم على آثارهم مقتدون، ولو تأملت عقائد البشر في المشارق والمغارب لوجدت عجباً لا يمكن أن يقبله أي عقل سليم، ومع ذلك تجد ملايين البشر يعتقدون هذه الاعتقادات الفاسدة، ويربون عليها أبناءهم، وسينشأ على ذلك أجيال تلو الأجيال، وإنه لمن العجب أن البشر يعبدوا حجراً صنعوه بأنفسهم! وكيف قبل الإنسان أن يعبد حيواناً يراه بهيمة لا تنطق أمامه؟! وكيف يعبد إنساناً مثله وهو يعلم أنه كان عدماً محضاً؟! يراه يأكل الطعام، ويدخل الخلاء، ويقضي حاجته، ويحتاج إلى الهواء والماء وسائر حاجات البشر، ومع ذلك تجد الدليل دائماً: التقليد الأعمى، وهو الذي يدفع الناس إلى ذلك، كما قال عن ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل:٤٣]، وقال : ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩]. وهذا دائماً يدفع المؤمن إلى الحذر من التقليد المجرد عن الدليل، وأنه لا بد أن ينظر فيما نشأ عليه من قيم اجتماعية أو عادات أو تقاليد، ولا بد أن يزنها بميزان الشرع، وأن يكون مستعداً لمخالفة ما يعلم أنه خلاف الدليل، ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة، ولا يكون مقلداً تقليداً أعمى للآباء والأجداد، فقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فهي ليست من حجة أهل الإيمان، وإنما هي من كلام أهل الباطل والكفر، فلا يتشبه بهم أهل الإسلام ولو في فروع دينهم، وإنما يسألون دائماً أهل الذكر عن الذكر إذا جهلوه، كما قال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وأهل الذكر هم: أهل العلم، والذكر هو: المنزل من عند الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فلا يُسأل أهل العلم عن رأي فلان ولا عن مذهب فلان، وإنما يُسألون عن الذكر الذي هم أهله والذي هم يعلمونه، وهذا من أوضح البيان. فالواجب على العالم أن يجتهد في معرفة حكم الشرع، لا البحث عن الآراء المتناقضة، فينتقي منها أطيبها كما يشتهي، ويزعم للناس أنه يختار لهم الرأي الأسهل، فليس هذا بالطريق المرضي، فمن تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، وعلى طالب العلم أن يأخذ من أقوال أهل العلم بالدليل، وعلى من لا يعلم أن يسأل أهل الذكر عما لا يعلم، فيسألهم عن حكم الشرع في أي مسألة تمر به. والواجب على كل مسلم أن يتجنب التعصب الأعمى، فلا يتبع غيره على أمر قد بانت له فيه السنة، كما قال الشافعي ﵀: أجمع المسلمون على أن من استبانت له السنة لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، وإنما بين العلماء خطر التقليد حتى لا يقع الناس فيما وقع فيه الأسلاف والمتقدمون ممن عبدوا غير الله بسبب التقليد.

стр. 560

الصدع بالحق للمخالفين قال الله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٣ - ٥٤]. وهذا جهر وصدع بالحق، فليس مقام الدعوة مقام مجاملة ولا مداهنة، ولا يحتمل هذا المقام أن يتكلم الإنسان بالباطل في صيغة الحق، أو أن يسكت عن بيان الضلال البين وفضيحة أصحابه، ولا يراعي جانب أنه لا يريد أن ينفرهم، فلقد نفر كثير من أقوام الرسل بسبب كلمة الرسل بالحق، وأنهم على ضلال، وسموا ذلك شتماً لآلهتهم وتسفيهاً لعقولهم، وما دفع ذلك الرسل إلى أن يغيروا أسلوب المواجهة الحاسمة للباطل، أو يسموه بغير اسمه. ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤]، ذلك أن الحق لا يقوم في قلب ابن آدم إلا بهدم الباطل، والبراءة منه وعدم المداهنة فيه، وإنما يمكن للداعي إلى الله أن يغير وسيلة الدعوة، كأن يتكلم بأسلوب يختلف عن الآخر حسب مقتضى الحال، ويمكنه أن يغير أرض الدعوة، وكان يهاجر إلى أرض أخرى، كما يمكنه أن يغير المدعوين، ويدعو غير من أعرضوا عن دعوته، ولكن لا يمكنه أن يغير الحق، ولا أن يقول الباطل، ولا أن يداهن فيما يعلم من شرع الله ، فإنه لا بد أن يبين الباطل ويصفه باسمه، ويقول: إنه ضلال مبين. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:٥٥]، وهكذا هي هذه حياة أكثر البشر؛ فيظنون أن الأمور كلها لعب ولهو، بل حتى الدين يأخذونه باللعب، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا) [المائدة:٥٧]، وقال: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣]، فأكثر الناس في لهو ولعب، وجعلوا قضية الإيمان تحتمل المزاح والسخرية، واللهو واللعب، بل جعلوا قضية الموت والحياة، وما أخبر الله به من البعث والنشور، وتصديق الأنبياء واتباع كتاب الله لعباً، ولذا قالوا لإبراهيم: ((أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ))، فهم تعودوا على أن يجعلوا أمر الدين لهواً ولعباً، بل إن كثيراً منهم يأخذ من الدين ما يشتهيه. فاحذر أيها المسلم! أن تكون على هذا الطريق ولو في جزئية من جزئيات حياتك، فإن تعظيم شرع الله وتعظيم أوامره لازم من لوازم الإيمان، بل جزء من أجزائه لا يحصل الإيمان بدونه.

стр. 561

بيان الإله الحق المستحق للعبادة قال الله تعالى: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦]، فبعد أن بين ضلال ما هم عليه صرح بالحق حتى يكون الحق مبنياً في القلوب على طهارة، فيبدأ بالنفي ويثني بالإثبات، فيقول: لا إله إلا الله، أي: يتبرأ من الشرك وأهله، ثم يثبت التوحيد لله، كما قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] أي: جعلها الله ، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨]، أي: أن كلمة لا إله إلا الله باقية في نفس إبراهيم، ولا يزال في عقبه ونسله من يقولها، فلم تمح دعوة التوحيد من ذرية إبراهيم ﵇، وإن كان الشرك قد طرأ على كثير من ذريته، لكن بقي فيهم من يوحد الله . فهذا درس عظيم من دروس الدعوة إلى الله ، ومقام قد ضيعه كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والدين والعلم، فيداهن أهل الباطل ولا يصرح بباطلهم، وربما اكتفى بالتصريح ببعض الحق دون أن يبين الباطل. قال الله تعالى: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦]، وهذا استدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، فمعنى فطر السموات والأرض أي: خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وهو أوضح دليل على استحقاق الرب العبادة. ومن معاني الرب: الإله أيضاً، ((بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، أي: الذي يستحق أن يعبد هو ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)). قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]، أقسم إبراهيم بالله أن يكيد الأصنام، فهو يريد هدمها في نفوسهم ويريد هدمها في حقيقة الواقع، وإن كانت إرادة هدمها في النفوس مقدمة على هدمها في حقيقة الواقع، ولذا كاد إبراهيم هذه الأصنام بأن نظر نظرة في النجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، لينشغلوا عنه ويتركوا أخذه معهم إلى عيدهم، قال: إني سقيم منكم، أو سأسقم، أي: سأمرض قبل الموت، ولابد من أحد هذه الأنواع للتعريض. فكان ذلك حتى يتسنى له أن يخلو بالأصنام، ودخل البهو الكبير الذي قد وضعت فيه، وقد جعلوا أمامها طعاماً قربوه إليها لأجل أن تبركه تلك الآلهة المزعومة، وعجباً لهم يرونها أحجاراً صماء، ومع ذلك يتركونها وحدها لتبرك ذلك الطعام، فقال لها إبراهيم مستهزئاً ساخرًا: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]، حتى تنفي عن نفسها نقيصة الأكل، فإن الأكل في الحقيقة علامة على الحاجة والضعف والفقر، ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢]، فعند ذلك راغ وأسرع عليهم ضرباً باليمين؛ لأنها أقوى، قال : ((فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا))، أي: فتاتاً وقطعاً صغيرة، ((إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون)) ولقد ترك إبراهيم الصنم الكبير، مع أن الغرض هو تكسير الأصنام كلها في الواقع، وكان الأولى بالتكسير هو الصنم الكبير، ولكن إبراهيم تركه لكي يتمكن من إزالة المنكر الأكبر الذي هو الشرك الذي تعلق في القلوب. فلا يكفي أن تكسر صنماً أو وثناً، وتظل القلوب متعلقة به، فإنك في الحقيقة لم تغير شيئاً، وسوف يعبدون صنماً بدلاً منه، فلا يهدم الشرك إذا لم تهدم هذه الأصنام في القلوب، وهذا فيه دليل على مراعاة المصلحة والمفسدة في قضية الدعوة إلى الله ، وأنه يجوز ترك بعض المنكر للتمكن من إزالة ما هو أكبر منه، لا رضاً بالمنكر ولا إقراراً به، ولكن إثارة لعقول البشر في إزاحة الباطل عنهم كما فعل إبراهيم ﵇، وكذلك حتى يتسنى له أن يقيم عليهم الحجة التي يتمكن بها من هدم الباطل في قلوبهم، وهذا هو الغرض المقصود، وسواء تحقق أو لم يتحقق، ولذا كان الذي عليه النبي ﷺ طيلة ثلاث عشرة سنة هو أن يدعو إلى الله ويهدم الباطل في النفوس، ولم يكسر صنماً من أصنام المشركين، وذلك لأن الله كان قد فتح عليه من جوامع الكلم ما يقيم به الحجة دون كسر الأصنام، وعندما دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية، والأصنام حول الكعبة منصوبة، فلم يكسرها ﷺ ؛ لأنه يراعي العهد الذي دخل به مكة، فأراد أن يفِ بالعهد ولا ينقضه، ثم لما دخلها فاتحاً بفضل الله كسر تلك الأصنام، وجعل يشير إليها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، والأصنام تتساقط على وجهها. فهكذا تنمو دعوة الحق بفضل الله، وليس هذا باختلاف بين منهج إبراهيم ومنهج النبي ﷺ ، بل هو منهج واحد وطريقة واحدة، وإنما كسر إبراهيم الأصنام لا لمجرد إزالتها، بل ليقيم عليهم الحجة، والحجة تتنوع، وهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فقد يحلو للبعض أن حكمة النبي ﷺ كانت أتم من حكمة إبراهيم، وليس الأمر كذلك، بل إبراهيم إمام الأنبياء، وقد أُمر النبي ﷺ باتباعه واتباع ملته، وإنما هو اختلاف في أنواع الحجج التي يراد إقامتها، وقد سبق أن إبراهيم ترك الصنم الكبير حتى يقيم الحجة عليهم ((لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ))، فيتنبهوا إلى عجز تلك الأصنام وفقرها وحاجتها، والطريق واحد بفضل الله ، وعلى الدعاة إلى الله أن يوازنوا في أنواع إقامة الحجة والبيان على من يدعونهم، ويختاروا المناسب من ذلك في كل وقت، ولا يبادروا دائماً إلى طريقة واحدة، لأنه ربما أفسدت عليهم دعوتهم. فكثير من الناس قد يستعمل من وسائل تغيير المنكر -في ظنه- ما يترتب عليه زيادة ذلك المنكر، بل ويترتب عليه تمسك الناس به أكثر، فهذا أمرُ لا بد أن نفقهه، ونعلم أن ترك بعض المنكر لغرض إقامة الدعوة إلى الله في وسط الناس أمرٌ قد سبق إليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فضلاً عن أن يكون هناك عجز عن إزالة ذلك المنكر، فإنه عذر للدعاة إلى الله في عدم إزالته بين يدي الله طالما قد دعوا إلى الله، وصرحوا بأن هذا منكر، وعلى الإنسان أن يترك أرض المنكر إذا أقام الحجة، وظل الناس على باطلهم لا يقبلون الحق. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 562

إبراهيم إمام للناس في مقام الصبر والتضحية والاحتساب الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. أما بعد: فقد قال : ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٨ - ٥٩]. رجع القوم من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسرة إلا ذلك الكبير، وفي فطرتهم أن الأصنام لا تتحرك ولا تصنع شيئاً، وأنه لابد من فاعل فعل بالأصنام ذلك، فقالوا مقرين في حقيقة الأمر بعجز الأصنام، وأنها جمادات لا تصلح لشيء: ((قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا))، والإنسان قد فطر على أن كل فعل لا بد له من فاعل، وأن الجماد لا يصلح أن يكون فاعلاً، وأن هذه الأرض وما فيها وما عليها لا تصلح أن تكون فاعلاً، والعجب أن الناس يقبلون في زماننا هذا -بعد أن مكنهم الله ما لم يمكن لمن قبلهم من أنواع العلوم والاكتشافات والقدرة- أن هذا الكون الذي أحكم وأتقن غاية الإتقان بغير فاعل، وينسبون إلى الطبيعة أنها هي التي تفعل، فإذا وجدوا الرياح تعصف بهم قالوا: غضب الطبيعة، وإذا وجدوا الأرض تتزلزل من تحتهم قالوا: اضطراب القشرة الأرضية، ألا يتعظ هؤلاء ويتذكرون أن الله قد فطر الخلق جميعاً على أن كل فعل لا بد له من فاعل، حتى المشركون يقرون بذلك، قال الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧]. فقد كانت الآيات في الماضي تأتي في كل قرن، وربما في كل سنة كالطوفان والغرق والريح المدمرة والزلازل، وجعل الله لهم أنبياء كثر، وفي آخر الزمان انقطعت النبوة، وكثرت الآيات، فلا يكاد يمر أسبوعاً إلا وترى آية من آيات الله تثبت عجز البشر جميعاً. إن الزلازل والرياح والأعاصير والأوبئة المنتشرة في المشارق والمغارب، وما يصيب البشر بأنواع العجز والضعف، كل ذلك تذكير من الله لهم، أفلا يعي بشر هذا الزمان ما وعاه المشركون من قبل من أن كل فعل له فاعل، وأن الأصنام -فضلاً عن الأرض التي يتحركون عليها، ولم تشكل في صورة تمثال ولا غيره- لا تصنع شيئاً؟! قال الله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، والعجب أنهم يعرفون أن الأصنام لا تصنع شيئاً، ومع ذلك يسمونها آلهة، ويجعلون من فعل بها ذلك ظالماً، وكان البعض منهم قد سمع إبراهيم ﵇ وهو يقول: ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ))، فسرعان ما أرشدهم إلى ما يبحثون عنه ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، فهذه الأمور غالباً لا تخفى، وإبراهيم ما كان يقصد الاختفاء، وإنما صنع ذلك وهو يريد أن يعلموه، فلا يتصور في مثل هذه الأمور أن تختفي، وإنما الغرض منها إقامة الحجة ((قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى))، أي: شاباً، وهذا دليل على أن الشباب عليهم دور عظيم في الدعوة إلى الله ، وأن مقام إبراهيم ﵇ -وهو فتى شاب يدعو إلى الله، ويكسر الأصنام، ويقيم الحجة، ويضحي بنفسه في سبيل الله- هو الأسوة الحسنة لهم في هذه الحياة، فكذلك كان الشباب هم أتباع النبي ﷺ ، وكذا كانت الذرية من أتباع موسى ﷺ ، كما قال : ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣]، أي: الشباب، وهكذا فليكن كل شباب المسلمين دعاة إلى الله ؛ طلاب علم عاملين بالحق، نافعين لأمتهم، يقومون بالحق ويجهرون به، ويدعون إلى الله، ويضحون في سبيل الله. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١]، أي: على مشهد من الناس ((لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)) فعقدوا له محاكمة هي في الحقيقة محاكمة جائرة ظالمة، لكنهم يزعمون التثبت ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]، وهذا تعريض منه ﵇؛ فإن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم، وإلا فهم لا ينطقون. قال : ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤]، إذ تركتم الأوثان دون حراسة، وهي تحتاج إلى حراسة وحماية ((ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ)) أطرقوا وراجعوا عقولهم، ففهموا ما أراد إبراهيم ﵇، وعلموا أنه أراد أن يرشدهم إلى عجز ذلك الصنم عن النطق فضلاً عن غيره، ومع ذلك انتكسوا ولم يقبلوا الحق الذي ظهر لهم من أنها لا تصلح أن تعبد، ولا تصلح أن تكون آلهة. قال : ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، أنت تفهم ونحن نفهم أنها أصنام، ولا تستطيع صنع شيء ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧]، غضب لله ، وظهرت غضبته في هذه الكلمات، وذلك في التأفف منهم، وبيان باطلهم، والغضب مما يعبدون من دون الله، والبغض والكراهية لهذه العبادة الباطلة، ثم قال لهم: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ)). وبعدها صدر الحكم الجائر رغم عدم ثبوت التهمة، ولكن ثبت أن إبراهيم يكره عبادة الأصنام ولا يقرها: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨]، فأوقدوا ناراً عظيمة نذروا لها النذور، وجمعوا لها الحطب حتى أنهم لم يستطيعوا الاقتراب منها، وجعلوه في المنجنيق ليرموه من بعيد ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، أي: في النار، وكان الأمر من الله أسبق وأعلى من أمرهم، وأراد الله أن يضرب بإبراهيم الأسوة الحسنة في التوكل لكل الدعاة إلى الله على ما يصيبهم في سبيل الله، فحين ألقي في النار قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) ولم يتوكل على غير الله، ولم يفوض أمره إلى غير الله ، ولم يأته الفرج من أول الابتلاء، بل حبس إبراهيم مدة، وألقي مقيداً في المنجنيق، وضرب المنجنيق لينطلق إبراهيم في الهواء، فيقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وفي آخر لحظة يأتي الفرج ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. فإذا حبست فتذكر حبس إبراهيم، وإذا قيدت فتذكر قيد إبراهيم، وإذا هددت فتذكر ما هدد به القوم إبراهيم، وتذكر توكل إبراهيم وحسن تفويضه الأمر إلى الله وتوكله على الله، وقل من قلبك مع لسانك: حسبنا الله ونعم الوكيل، وعند ذلك يتحول الأمر بإذن الله وفضله ونعمته ورحمته وعزته وحكمته إلى الخير لعبده المؤمن ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فأحرقت وثاقه وما ضره شيء من ذلك، حتى قال له أبوه فيما يذكرون: نعم الرب ربك يا إبراهيم، ذلك أنه فعل به ذلك ونجاه من النار، وكانت الأيام التي قضاها في وسط الجحيم من أحسن الأيام كما يزعمون، وهكذا المؤمن يظن الناس أنه معذب وهو في الحقيقة منعم بفضل الله ونعمته ورحمته، فقد اقترب من الله، واقترب منه الله ، فأنعم عليه بأنواع النعم، رغم ما يراه الناس حوله من ألوان العذاب. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا متابعة إبراهيم ومرافقة نبيه محمد ﷺ وخليله إبراهيم، وسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم كف بأس الظالمين والكافرين والمنافقين عن المسلمين، فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلا، اللهم لا تجعل لهم على أحد من المسلمين سبيلاً. اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر الدعاة إليك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا من مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.

стр. 563

وجاوزنا ببني إسرائيل البحر إذا ضاقت السبل، وانقطعت المسالك، وفقد الناس الأمل، أتى الرسل والأنبياء ليثبتوا الناس، ويعدوهم بصدق موعود الله بنصر دينه، فموسى ﵊ أيقن بالنصر حين أيقن غيره بالهزيمة أو القتل، ليري الله المؤمنين آية إغراق الطاغية فرعون ومن معه، وهكذا تنتهي كل طرق الكفر والغواية.

стр. 564

عدم الاستعجال من أسباب إجابة الدعاء إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فقال الله : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٩٢]. لقد دعا موسى وأمن هارون ﵉، والدعاء هو سلاح المؤمن الذي ينبغي أن يستعمله على الدوام، فهو لا يستغني عنه في وقت من الأوقات. وقد استجاب الله دعوة موسى وهارون ﵉ فقال موحياً إليهما: ((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)). وذكر غير واحد من المفسرين: أنه كان بين دعاء موسى وإيحاء الله لهما بذلك وبين تحقق إجابة الدعوة سنوات. والله أعلم كم كان بينهما من السنين، وقد ذكر بعضهم أنها أربعون سنة، والمهم أنها مضت بين ذلك مدة، بدليل ما أمر الله به من الاستقامة وعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون، ثم ذكر مجاوزته سبحانه ببني إسرائيل البحر بعد ذلك، وفي هذا دليل على عدم الاستعجال، وأنه كما قال النبي ﷺ : (يستجاب للعبد ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، ويدع الدعاء). فلا ينبغي للعبد أن يحدد وقتاً معيناً لإجابة دعوته؛ فالله نهانا عن الاستعجال، ونهى نبيه ﷺ أن يعجل على المشركين فقال: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، وإذا استبطأ المؤمنون إجابة الدعاء فهذا علامة على أن الأمر قد اقترب بإذن الله ﵎. فالله وعد عباده المؤمنين بالإجابة كما وعد أنبياءه ورسله، قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى:٢٦]، فاستجابته لدعائهم تكون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وهو الذي يقدر متى تقع استجابته ومتى تكون، وليس لنا أن نقول: متى، وإنما يكون هذا بعلم الله وحكمته، والذي علينا هو أن نوقن بوعده، وأن نثق بقوله ؛ فهو لا يخلف الميعاد، وكمال اليقين: أن يوقن الإنسان بتحقق وعد الله وإن كانت كل الأسباب تتجه في طريق آخر.

стр. 565

معنى الاستقامة وأهميتها قال : ((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا)) إذاً فقد تكون هناك فترة بين الدعاء وبين تحققه، وبين ما قدره الله من تسلط الكفرة على المسلمين وبين إهلاك الظالمين والمجرمين، وهذه الفترة من الزمن لابد فيها من أداء الواجبات، وأول هذه الواجبات في هذا المقام: الاستقامة، فقد أمر الله بها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]. وقال النبي ﵌ لمن سأله: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم). وذلك أن الفتن قد تجعل العبد بسبب ضغطها وشدتها وآلامها، يبحث عن طريق آخر غير الطريق الذي بدأ منه، ويبحث عن سبيل للتخلص من متاعب هذه الحياة، وذلك بموافقة أهلها ممن يريد إبعاده عن سبيل الله ولو في بعض الأمر، فكان لابد هنا من الاستقامة. والاستقامة: أن يبقى الإنسان على ما أعلنه من معاني الإيمان -وذلك أصل الاستقامة- أن يثبت على حقائق الإيمان، وأن يوحد الله . ثم الاستقامة على الأمر والنهي تكون بامتثال أمر الله، واجتناب نهيه ، والاستقامة على طريق الآخرة تكون بتعظيم الرغبة فيما عند الله، والزهد في الدنيا، والرهبة مما عند الله . والاستقامة هي التي يقدر الله بسببها ثبات الطائفة المؤمنة التي يهيئها للمنازل العالية عنده في الدنيا والآخرة، ويهيئها الله لأن تكون خليفة الأرض، فيمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم. والاستقامة أمر ضروري للمؤمن في جميع أوقات حياته، فلا بد له أن يظل مستقيماً على طريق الله الذي يوصله إليه ، ولابد لتحقيق هذه الاستقامة من علم، فعلى الداعي إلى الله والمؤمنين عموماً أن يكونوا على علم بشرع الله ؛ حتى لا يحرفوا ولا يبدلوا، وإن كان الداعي قد لا يستطيع مع نفسه أن ينحرف عن الدين صراحة، لكنه قد يؤول ويحرف ما أنزل الله موافقة للناس. إذاً: لابد من العلم؛ حتى لا يقع ذلك التبديل والتحريف والتأويل.
следующие страницы →