Полный текст (991 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بيان الإله الحق المستحق للعبادة
قال الله تعالى: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٦]، فبعد أن بين ضلال ما هم عليه صرح بالحق حتى يكون الحق مبنياً في القلوب على طهارة، فيبدأ بالنفي ويثني بالإثبات، فيقول: لا إله إلا الله، أي: يتبرأ من الشرك وأهله، ثم يثبت التوحيد لله، كما قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] أي: جعلها الله ، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨]، أي: أن كلمة لا إله إلا الله باقية في نفس إبراهيم، ولا يزال في عقبه ونسله من يقولها، فلم تمح دعوة التوحيد من ذرية إبراهيم ﵇، وإن كان الشرك قد طرأ على كثير من ذريته، لكن بقي فيهم من يوحد الله .
فهذا درس عظيم من دروس الدعوة إلى الله ، ومقام قد ضيعه كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والدين والعلم، فيداهن أهل الباطل ولا يصرح بباطلهم، وربما اكتفى بالتصريح ببعض الحق دون أن يبين الباطل.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦]، وهذا استدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، فمعنى فطر السموات والأرض أي: خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وهو أوضح دليل على استحقاق الرب العبادة.
ومن معاني الرب: الإله أيضاً، ((بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، أي: الذي يستحق أن يعبد هو ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)).
قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]، أقسم إبراهيم بالله أن يكيد الأصنام، فهو يريد هدمها في نفوسهم ويريد هدمها في حقيقة الواقع، وإن كانت إرادة هدمها في النفوس مقدمة على هدمها في حقيقة الواقع، ولذا كاد إبراهيم هذه الأصنام بأن نظر نظرة في النجوم ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، لينشغلوا عنه ويتركوا أخذه معهم إلى عيدهم، قال: إني سقيم منكم، أو سأسقم، أي: سأمرض قبل الموت، ولابد من أحد هذه الأنواع للتعريض.
فكان ذلك حتى يتسنى له أن يخلو بالأصنام، ودخل البهو الكبير الذي قد وضعت فيه، وقد جعلوا أمامها طعاماً قربوه إليها لأجل أن تبركه تلك الآلهة المزعومة، وعجباً لهم يرونها أحجاراً صماء، ومع ذلك يتركونها وحدها لتبرك ذلك الطعام، فقال لها إبراهيم مستهزئاً ساخرًا: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]، حتى تنفي عن نفسها نقيصة الأكل، فإن الأكل في الحقيقة علامة على الحاجة والضعف والفقر، ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢]، فعند ذلك راغ وأسرع عليهم ضرباً باليمين؛ لأنها أقوى، قال : ((فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا))، أي: فتاتاً وقطعاً صغيرة، ((إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون)) ولقد ترك إبراهيم الصنم الكبير، مع أن الغرض هو تكسير الأصنام كلها في الواقع، وكان الأولى بالتكسير هو الصنم الكبير، ولكن إبراهيم تركه لكي يتمكن من إزالة المنكر الأكبر الذي هو الشرك الذي تعلق في القلوب.
فلا يكفي أن تكسر صنماً أو وثناً، وتظل القلوب متعلقة به، فإنك في الحقيقة لم تغير شيئاً، وسوف يعبدون صنماً بدلاً منه، فلا يهدم الشرك إذا لم تهدم هذه الأصنام في القلوب، وهذا فيه دليل على مراعاة المصلحة والمفسدة في قضية الدعوة إلى الله ، وأنه يجوز ترك بعض المنكر للتمكن من إزالة ما هو أكبر منه، لا رضاً بالمنكر ولا إقراراً به، ولكن إثارة لعقول البشر في إزاحة الباطل عنهم كما فعل إبراهيم ﵇، وكذلك حتى يتسنى له أن يقيم عليهم الحجة التي يتمكن بها من هدم الباطل في قلوبهم، وهذا هو الغرض المقصود، وسواء تحقق أو لم يتحقق، ولذا كان الذي عليه النبي ﷺ طيلة ثلاث عشرة سنة هو أن يدعو إلى الله ويهدم الباطل في النفوس، ولم يكسر صنماً من أصنام المشركين، وذلك لأن الله كان قد فتح عليه من جوامع الكلم ما يقيم به الحجة دون كسر الأصنام، وعندما دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء بعد صلح الحديبية، والأصنام حول الكعبة منصوبة، فلم يكسرها ﷺ ؛ لأنه يراعي العهد الذي دخل به مكة، فأراد أن يفِ بالعهد ولا ينقضه، ثم لما دخلها فاتحاً بفضل الله كسر تلك الأصنام، وجعل يشير إليها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، والأصنام تتساقط على وجهها.
فهكذا تنمو دعوة الحق بفضل الله، وليس هذا باختلاف بين منهج إبراهيم ومنهج النبي ﷺ ، بل هو منهج واحد وطريقة واحدة، وإنما كسر إبراهيم الأصنام لا لمجرد إزالتها، بل ليقيم عليهم الحجة، والحجة تتنوع، وهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فقد يحلو للبعض أن حكمة النبي ﷺ كانت أتم من حكمة إبراهيم، وليس الأمر كذلك، بل إبراهيم إمام الأنبياء، وقد أُمر النبي ﷺ باتباعه واتباع ملته، وإنما هو اختلاف في أنواع الحجج التي يراد إقامتها، وقد سبق أن إبراهيم ترك الصنم الكبير حتى يقيم الحجة عليهم ((لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ))، فيتنبهوا إلى عجز تلك الأصنام وفقرها وحاجتها، والطريق واحد بفضل الله ، وعلى الدعاة إلى الله أن يوازنوا في أنواع إقامة الحجة والبيان على من يدعونهم، ويختاروا المناسب من ذلك في كل وقت، ولا يبادروا دائماً إلى طريقة واحدة، لأنه ربما أفسدت عليهم دعوتهم.
فكثير من الناس قد يستعمل من وسائل تغيير المنكر -في ظنه- ما يترتب عليه زيادة ذلك المنكر، بل ويترتب عليه تمسك الناس به أكثر، فهذا أمرُ لا بد أن نفقهه، ونعلم أن ترك بعض المنكر لغرض إقامة الدعوة إلى الله في وسط الناس أمرٌ قد سبق إليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فضلاً عن أن يكون هناك عجز عن إزالة ذلك المنكر، فإنه عذر للدعاة إلى الله في عدم إزالته بين يدي الله طالما قد دعوا إلى الله، وصرحوا بأن هذا منكر، وعلى الإنسان أن يترك أرض المنكر إذا أقام الحجة، وظل الناس على باطلهم لا يقبلون الحق.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 562
إبراهيم إمام للناس في مقام الصبر والتضحية والاحتساب
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌.
أما بعد: فقد قال : ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٨ - ٥٩].
رجع القوم من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسرة إلا ذلك الكبير، وفي فطرتهم أن الأصنام لا تتحرك ولا تصنع شيئاً، وأنه لابد من فاعل فعل بالأصنام ذلك، فقالوا مقرين في حقيقة الأمر بعجز الأصنام، وأنها جمادات لا تصلح لشيء: ((قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا))، والإنسان قد فطر على أن كل فعل لا بد له من فاعل، وأن الجماد لا يصلح أن يكون فاعلاً، وأن هذه الأرض وما فيها وما عليها لا تصلح أن تكون فاعلاً، والعجب أن الناس يقبلون في زماننا هذا -بعد أن مكنهم الله ما لم يمكن لمن قبلهم من أنواع العلوم والاكتشافات والقدرة- أن هذا الكون الذي أحكم وأتقن غاية الإتقان بغير فاعل، وينسبون إلى الطبيعة أنها هي التي تفعل، فإذا وجدوا الرياح تعصف بهم قالوا: غضب الطبيعة، وإذا وجدوا الأرض تتزلزل من تحتهم قالوا: اضطراب القشرة الأرضية، ألا يتعظ هؤلاء ويتذكرون أن الله قد فطر الخلق جميعاً على أن كل فعل لا بد له من فاعل، حتى المشركون يقرون بذلك، قال الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧].
فقد كانت الآيات في الماضي تأتي في كل قرن، وربما في كل سنة كالطوفان والغرق والريح المدمرة والزلازل، وجعل الله لهم أنبياء كثر، وفي آخر الزمان انقطعت النبوة، وكثرت الآيات، فلا يكاد يمر أسبوعاً إلا وترى آية من آيات الله تثبت عجز البشر جميعاً.
إن الزلازل والرياح والأعاصير والأوبئة المنتشرة في المشارق والمغارب، وما يصيب البشر بأنواع العجز والضعف، كل ذلك تذكير من الله لهم، أفلا يعي بشر هذا الزمان ما وعاه المشركون من قبل من أن كل فعل له فاعل، وأن الأصنام -فضلاً عن الأرض التي يتحركون عليها، ولم تشكل في صورة تمثال ولا غيره- لا تصنع شيئاً؟! قال الله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، والعجب أنهم يعرفون أن الأصنام لا تصنع شيئاً، ومع ذلك يسمونها آلهة، ويجعلون من فعل بها ذلك ظالماً، وكان البعض منهم قد سمع إبراهيم ﵇ وهو يقول: ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ))، فسرعان ما أرشدهم إلى ما يبحثون عنه ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، فهذه الأمور غالباً لا تخفى، وإبراهيم ما كان يقصد الاختفاء، وإنما صنع ذلك وهو يريد أن يعلموه، فلا يتصور في مثل هذه الأمور أن تختفي، وإنما الغرض منها إقامة الحجة ((قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى))، أي: شاباً، وهذا دليل على أن الشباب عليهم دور عظيم في الدعوة إلى الله ، وأن مقام إبراهيم ﵇ -وهو فتى شاب يدعو إلى الله، ويكسر الأصنام، ويقيم الحجة، ويضحي بنفسه في سبيل الله- هو الأسوة الحسنة لهم في هذه الحياة، فكذلك كان الشباب هم أتباع النبي ﷺ ، وكذا كانت الذرية من أتباع موسى ﷺ ، كما قال : ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣]، أي: الشباب، وهكذا فليكن كل شباب المسلمين دعاة إلى الله ؛ طلاب علم عاملين بالحق، نافعين لأمتهم، يقومون بالحق ويجهرون به، ويدعون إلى الله، ويضحون في سبيل الله.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١]، أي: على مشهد من الناس ((لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)) فعقدوا له محاكمة هي في الحقيقة محاكمة جائرة ظالمة، لكنهم يزعمون التثبت ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]، وهذا تعريض منه ﵇؛ فإن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم، وإلا فهم لا ينطقون.
قال : ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤]، إذ تركتم الأوثان دون حراسة، وهي تحتاج إلى حراسة وحماية ((ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ)) أطرقوا وراجعوا عقولهم، ففهموا ما أراد إبراهيم ﵇، وعلموا أنه أراد أن يرشدهم إلى عجز ذلك الصنم عن النطق فضلاً عن غيره، ومع ذلك انتكسوا ولم يقبلوا الحق الذي ظهر لهم من أنها لا تصلح أن تعبد، ولا تصلح أن تكون آلهة.
قال : ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، أنت تفهم ونحن نفهم أنها أصنام، ولا تستطيع صنع شيء ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧]، غضب لله ، وظهرت غضبته في هذه الكلمات، وذلك في التأفف منهم، وبيان باطلهم، والغضب مما يعبدون من دون الله، والبغض والكراهية لهذه العبادة الباطلة، ثم قال لهم: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ)).
وبعدها صدر الحكم الجائر رغم عدم ثبوت التهمة، ولكن ثبت أن إبراهيم يكره عبادة الأصنام ولا يقرها: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨]، فأوقدوا ناراً عظيمة نذروا لها النذور، وجمعوا لها الحطب حتى أنهم لم يستطيعوا الاقتراب منها، وجعلوه في المنجنيق ليرموه من بعيد ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، أي: في النار، وكان الأمر من الله أسبق وأعلى من أمرهم، وأراد الله أن يضرب بإبراهيم الأسوة الحسنة في التوكل لكل الدعاة إلى الله على ما يصيبهم في سبيل الله، فحين ألقي في النار قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) ولم يتوكل على غير الله، ولم يفوض أمره إلى غير الله ، ولم يأته الفرج من أول الابتلاء، بل حبس إبراهيم مدة، وألقي مقيداً في المنجنيق، وضرب المنجنيق لينطلق إبراهيم في الهواء، فيقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وفي آخر لحظة يأتي الفرج ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
فإذا حبست فتذكر حبس إبراهيم، وإذا قيدت فتذكر قيد إبراهيم، وإذا هددت فتذكر ما هدد به القوم إبراهيم، وتذكر توكل إبراهيم وحسن تفويضه الأمر إلى الله وتوكله على الله، وقل من قلبك مع لسانك: حسبنا الله ونعم الوكيل، وعند ذلك يتحول الأمر بإذن الله وفضله ونعمته ورحمته وعزته وحكمته إلى الخير لعبده المؤمن ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فأحرقت وثاقه وما ضره شيء من ذلك، حتى قال له أبوه فيما يذكرون: نعم الرب ربك يا إبراهيم، ذلك أنه فعل به ذلك ونجاه من النار، وكانت الأيام التي قضاها في وسط الجحيم من أحسن الأيام كما يزعمون، وهكذا المؤمن يظن الناس أنه معذب وهو في الحقيقة منعم بفضل الله ونعمته ورحمته، فقد اقترب من الله، واقترب منه الله ، فأنعم عليه بأنواع النعم، رغم ما يراه الناس حوله من ألوان العذاب.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا متابعة إبراهيم ومرافقة نبيه محمد ﷺ وخليله إبراهيم، وسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم كف بأس الظالمين والكافرين والمنافقين عن المسلمين، فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلا، اللهم لا تجعل لهم على أحد من المسلمين سبيلاً.
اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر الدعاة إليك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا من مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
стр. 563
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر
إذا ضاقت السبل، وانقطعت المسالك، وفقد الناس الأمل، أتى الرسل والأنبياء ليثبتوا الناس، ويعدوهم بصدق موعود الله بنصر دينه، فموسى ﵊ أيقن بالنصر حين أيقن غيره بالهزيمة أو القتل، ليري الله المؤمنين آية إغراق الطاغية فرعون ومن معه، وهكذا تنتهي كل طرق الكفر والغواية.
стр. 564
عدم الاستعجال من أسباب إجابة الدعاء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: فقال الله : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٩٢].
لقد دعا موسى وأمن هارون ﵉، والدعاء هو سلاح المؤمن الذي ينبغي أن يستعمله على الدوام، فهو لا يستغني عنه في وقت من الأوقات.
وقد استجاب الله دعوة موسى وهارون ﵉ فقال موحياً إليهما: ((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)).
وذكر غير واحد من المفسرين: أنه كان بين دعاء موسى وإيحاء الله لهما بذلك وبين تحقق إجابة الدعوة سنوات.
والله أعلم كم كان بينهما من السنين، وقد ذكر بعضهم أنها أربعون سنة، والمهم أنها مضت بين ذلك مدة، بدليل ما أمر الله به من الاستقامة وعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون، ثم ذكر مجاوزته سبحانه ببني إسرائيل البحر بعد ذلك، وفي هذا دليل على عدم الاستعجال، وأنه كما قال النبي ﷺ : (يستجاب للعبد ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، ويدع الدعاء).
فلا ينبغي للعبد أن يحدد وقتاً معيناً لإجابة دعوته؛ فالله نهانا عن الاستعجال، ونهى نبيه ﷺ أن يعجل على المشركين فقال: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، وإذا استبطأ المؤمنون إجابة الدعاء فهذا علامة على أن الأمر قد اقترب بإذن الله ﵎.
فالله وعد عباده المؤمنين بالإجابة كما وعد أنبياءه ورسله، قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى:٢٦]، فاستجابته لدعائهم تكون من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وهو الذي يقدر متى تقع استجابته ومتى تكون، وليس لنا أن نقول: متى، وإنما يكون هذا بعلم الله وحكمته، والذي علينا هو أن نوقن بوعده، وأن نثق بقوله ؛ فهو لا يخلف الميعاد، وكمال اليقين: أن يوقن الإنسان بتحقق وعد الله وإن كانت كل الأسباب تتجه في طريق آخر.
стр. 565
معنى الاستقامة وأهميتها
قال : ((قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا)) إذاً فقد تكون هناك فترة بين الدعاء وبين تحققه، وبين ما قدره الله من تسلط الكفرة على المسلمين وبين إهلاك الظالمين والمجرمين، وهذه الفترة من الزمن لابد فيها من أداء الواجبات، وأول هذه الواجبات في هذا المقام: الاستقامة، فقد أمر الله بها أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢].
وقال النبي ﵌ لمن سأله: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم).
وذلك أن الفتن قد تجعل العبد بسبب ضغطها وشدتها وآلامها، يبحث عن طريق آخر غير الطريق الذي بدأ منه، ويبحث عن سبيل للتخلص من متاعب هذه الحياة، وذلك بموافقة أهلها ممن يريد إبعاده عن سبيل الله ولو في بعض الأمر، فكان لابد هنا من الاستقامة.
والاستقامة: أن يبقى الإنسان على ما أعلنه من معاني الإيمان -وذلك أصل الاستقامة- أن يثبت على حقائق الإيمان، وأن يوحد الله .
ثم الاستقامة على الأمر والنهي تكون بامتثال أمر الله، واجتناب نهيه ، والاستقامة على طريق الآخرة تكون بتعظيم الرغبة فيما عند الله، والزهد في الدنيا، والرهبة مما عند الله .
والاستقامة هي التي يقدر الله بسببها ثبات الطائفة المؤمنة التي يهيئها للمنازل العالية عنده في الدنيا والآخرة، ويهيئها الله لأن تكون خليفة الأرض، فيمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
والاستقامة أمر ضروري للمؤمن في جميع أوقات حياته، فلا بد له أن يظل مستقيماً على طريق الله الذي يوصله إليه ، ولابد لتحقيق هذه الاستقامة من علم، فعلى الداعي إلى الله والمؤمنين عموماً أن يكونوا على علم بشرع الله ؛ حتى لا يحرفوا ولا يبدلوا، وإن كان الداعي قد لا يستطيع مع نفسه أن ينحرف عن الدين صراحة، لكنه قد يؤول ويحرف ما أنزل الله موافقة للناس.
إذاً: لابد من العلم؛ حتى لا يقع ذلك التبديل والتحريف والتأويل.
стр. 566
فضل العلم والعلماء وخطر الجهل والجهلاء
تأمل في قول الله : ((وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ))، فمن أعظم الخطر الذي نهى الله عنه: اتباع سبيل الذين لا يعلمون، فكيف إذا كان من يسير في طريق العمل من أجل الإسلام هو من الذين لا يعلمون، فذلك أخطر وأشد، فالجهل من أعظم المخاطر التي تهدد العمل في سبيل نصرة الإسلام.
إن العلم بأوامر الله ونواهيه شرط في تحقق الاستقامة، فلابد أن نتعلم ما يلزمنا، نتعلم الإيمان والإسلام والإحسان، ونتعلم ما أنزله الله من الكتاب والحكمة، وهذا لابد منه للدعاة إلى الله ، وللمجاهدين، والعاملين، والعُباد؛ فإن العلم إمام العمل والعمل تابعه، وإذا عمل الإنسان بغير علم أفسد أكثر مما يصلح.
ومن أخطر ما يتعرض له العاملون في الساحات الإسلامية أن يعملوا على جهل، أو أن يكون الناس مقلدين دون بصيرة، فدين الله لابد أن يكون الإنسان فيه على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
فإذا كان أمر العلم بهذه المنزلة فلابد أن يكون من يقود أهل الإسلام ومن يعمل من أجل دين الله على علم، والخطر عظيم إن اتبع من لا يعلم، فلابد من تجنب توسيد الأمر إلى غير أهله، كما قال النبي ﷺ : (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
وقال النبي ﷺ : (إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينزعه بقبض العلماء، فإذا قبض العلماء اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
وقد حذر الله أنبياءه ورسله الكرام من اتباع سبيل الذين لا يعلمون، وهم لديهم من العلم بالله ما يبين لهم الطريق، ومع ذلك حذرهم من اتباع سبيل الذين لا يعلمون، فكيف بمن دونهم ممن قد يكون عنده من الجهل وعدم المعرفة ونقص العلم ما لا يستبصر به السبل المختلفة المفترقة؟! إن اتباع سبيل الذين لا يعلمون ضياع للدين والدنيا، وهو ضلال وهلاك للناس والعياذ بالله؛ لذا لا يكون الجاهل إماماً للناس، ولا يقود غيره؛ لأنه لا يدري، والتقليد لا ينفع أحداً، والذي ينفع هو العلم بآيات الله والحكمة التي أنزلها على رسوله ﵌، قال تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤]، هكذا وصف الله نبيه ﷺ ، فلابد من علم الكتاب والحكمة وهي: السنة، أو أن السنة سميت بالحكمة لاشتمالها عليها، وتكون الحكمة في الكتاب والسنة معاً.
فقد افترض الله على الناس أن يرجعوا إلى أهل العلم منهم وأن يتبعوهم؛ لأنهم هم الذين يقودون الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلى مصالح دينهم ودنياهم.
إن اتباع أهل العلم سبيل للنجاة، ويكون المتعلم على سبيل النجاة باتباعه لسبيل أهل العلم، وأما اتباع سبيل الذين لا يعلمون، واتباع كل ناعق فهذا يؤدي إلى الضياع والهلاك.
ولقد أمر الله موسى وهارون ﵉ بالاستقامة وعدم قبول التنازلات عن الحق تحت ضغط الفتنة وشدتها، وأمرهم باجتناب سبيل الذين لا يعلمون، وهذا متضمن قطعاً بالأولى أن يكونوا هم من العلماء بأمر الله ، وأن يتبعوا سبيل من سبقهم من الأنبياء.
стр. 567
فضل الله تعالى على بني إسرائيل
ذكر الله فضله على بني إسرائيل، وهو فضل منه سبحانه على كل مؤمن؛ إذ صارت آية من آيات الله، وسنة من سننه ماضية فيما يفعله بأوليائه وأعدائه، قال : ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ))، ونسب الفعل إلى نفسه وهو المجاوزة، ولم يقل: وتجاوز بنو إسرائيل البحر مع أنهم يتحركون بإرادتهم، ويفعلون ذلك باختيارهم، ولكن منة الله بهداية المؤمنين وتوفيقهم وإعانتهم وتقويتهم لابد أن يشهدها المؤمنون في هذا المقام دائماً.
فقوله: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ))، فيه: كأنهم محمولون، والله يذكر فضله على عباده المؤمنين بذكر أفعاله بهم، فليس للمؤمن أن يرى لنفسه الفضل، أو أنه هو الذي أنجى نفسه بتدبيره أو عمله أو سعيه، فلابد أن يشهد بالفضل لله .
ومعنى: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ)) أي: فلق الله البحر لموسى، وهذا سبب آخر لذكر المجاوزة كفعل من أفعال الله ببني إسرائيل، فالله الذي جاوز بهم؛ لأنهم ما كانت لهم قدرة ولا طاقة بأن يتجاوزوا ذلك البحر إلا بما فعله الله لهم من فلق البحر بعصا موسى، وقد ذكر الله تفاصيل هذا الانفلاق العظيم في موضع آخر من كتابه في قوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٥٢ - ٦٨].
سنة من الله ماضية أن البلاء يصل إلى غايته، وعند ذلك يأتي الفرج.
أمر الله موسى ﷺ في ليلة من الليالي أن يسري ببني إسرائيل، وأن يسير بهم ليلاً، واجتمع بنو إسرائيل جميعاً على طاعة موسى، وخرجوا في تلك الليلة حتى وصلوا إلى ساحل البحر، وفي الليل أدركهم فرعون وملأه، ولا شك أنهم مدركون ما وقع من بني إسرائيل، وأنهم قد رحلوا من مصر كلها، وفرعون متربص بهم، ويوجد من يخبره بخبرهم، فأعلن التعبئة بأسرع ما يمكن، وأرسل للجنود حاشرين في مدائن مصر كلها، وخرج الجنود بالفعل وهم جميع على حذر، مجتمعون على طاعة فرعون رغم ما رأوا من آيات كذبه وبطلانه، ورغم ما رأوا من آيات صدق موسى، وأنه جاء بالحق، ومع ذلك قال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٧]، وذلك لأنهم كانوا قوماً فاسقين، فالفسق يؤدي إلى العمى، وانعدام البصيرة، حتى يتبع الإنسان الباطل علناً جهاراً، كما قال : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
ولقد كان موسى يعلم أن السرى بالليل لن يغني عنه من متابعة فرعون، بل لابد أن يتبعه فرعون وجنوده، وأن المشي ليلاً والإسراع إلى ساحل البحر لن يغير من الأمر شيئاً، وإن كان بنو إسرائيل قد تعلقوا بهذه الأسباب، وظنوا أنهم سوف يفوتون فرعون بالخروج ليلاً، والإسراع سراً، وما ذاك بحاصل، وإنما ينجون برحمة الله، وخرجت جموع جنود فرعون واجتمعت وحفزهم فرعون بأنواع التحفيز، فقال لهم: إن بني إسرائيل قلة قليلة، وإنهم يغيظون فرعون وملأه، وهذا عندهم من أعظم الجرائم، فإغاظة فرعون تقتضي الإعدام والتقتيل والتذبيح وغير ذلك، فإنهم إذا أغاظوا فرعون فلابد من الانتقام، هكذا ربي هؤلاء الجنود، واتبعوا إمامهم إلى النار والعياذ بالله فقالوا كما أخبر الله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٦] فهم قد أخذوا العدة بكل أنواعها، اجتمعوا وهم ألوفٌ مؤلفة.
قال مبيناً حقيقة الأمر: ((فَأَخْرَجْنَاهُمْ)) فكان الأمر، أن الله هو الذي قدر ذلك ليخرجهم، وفعل الله ذلك بهم عدلاً منه وحكمة، وأراد أن يخرجهم مما كان متعهم به من الجنات والعيون والكنوز والزروع والمقام الكريم، والنعمة التي كانوا فيها فاكهين، أخرجهم بقدرته، وقد كانوا في سعة، ولو تركوا بني إسرائيل لكانوا في سعة، ومع ذلك خرجوا إلى مصيرهم وهم يظنون أنهم ينتقمون من عدوهم، وما كانوا يظنونها إلا فسحة أو نزهة، فإن بني إسرائيل ما قاموا لهم قط، ولا كان في قدرتهم أن يقوموا في وجوههم، ولكن يقدر الله بسنته الماضية المتكررة أن الفرج لا يأتي في أول الأمر، فوصل فرعون بالفعل إلى بني إسرائيل، كما قال الله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠] فعند شروق الشمس وصل فرعون بالفعل إلى ساحل البحر.
стр. 568
ثقة موسى بنصر الله تعالى
كان بنو إسرائيل قد سبقوا، وهنا تراءى الجمعان، فجزم أصحاب موسى بأنهم قد أدركوا، ماذا يصنعون؟ البحر أمامهم، والعدو من خلفهم، تأمل في هذه اللحظات، وقارن بين يقين فرعون في نفسه وجنده أنه قد أدرك بني إسرائيل، ويقين بني إسرائيل أنهم قد أدركوا، وموسى ﷺ في شأن آخر، وذلك لقربه من الله .
قال : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢] هذا هو اليقين بوعد الله ومعيته، ثم قال: ((إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)) هذه المعية التي سببها: كثرة الذكر، واستحضار أسماء الله وصفاته، واستشعار معانيها وآثارها، والقرب من الله بأنواع العبادة التي يهدي الله بها من شاء من عباده، فقوله: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي) أي: معي في النصرة والتأييد.
وأمر الله موسى عند ذلك بما يفعله، وذكره باسمه دون الضمير فقال: ((فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ))، فذكره الله باسمه تشريفاً له، وهو جدير بالتشريف ﵊، وهو في هذا المقام لا يعبأ بالجنود، ويأمره أن يأخذ بسبب عجيب ليس من الأسباب المعهودة، وإنما نتعلم منه أن نتمثل أمره ، وأن نأخذ بما أمرنا به من الأسباب وإن كانت عجيبة في تسبيبها.
لما أمر الله موسى أن يضرب البحر بالعصا: فقال: ((أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)) ففعل، وليس هذا بسبب ظاهر، وإنما هو امتثال للأمر، فضرب موسى البحر بأمر الله بعصاه، ((فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)) وأمر الله الأرض فيبست حتى لا يشق الأمر على بني إسرائيل، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧].
رأى فرعون وجنوده الآية، وانفلق البحر على قدر أسباط بني إسرائيل، اثني عشر طريقاً، وذكر المفسرون وأهل السير: أنه قد جعلت بين الطرق المختلفة شبابيك أو طاقات في الماء، حتى يرى بعضهم بعضاً، ويأنس بعضهم ببعض، وأن إخوانهم ينجون كنجاتهم، آية من آيات الله، ونعمة من نعمه على المؤمنين في كل زمان ومكان، ومن أعظم نعم الله ما من به على بني إسرائيل من النجاة؛ وذلك علامة على ما يفعله الله بأوليائه دائماً، فهو ينجيهم بقدرته وآياته، وعليهم أن يمتثلوا أمره؛ لأن امتثال أمر الله: سبب النجاة، وإن كنا لا ندري كيف يقع ذلك، فهذا البحر الهائل كان ينتظر الأمر من الله، بضربة موسى، وانكف الماء بنفسه بقدرة الله ، دون أن يكون هناك حاجز يحجزه إلا ما أمره الله به أن ينحجز، وسار بنو إسرائيل، ورأى فرعون الآية، ورأها جنوده، ومع ذلك انطمست البصائر، وحصل العمى، وكان البغي والعدوان هو الصفة المحركة لفرعون وجنوده جميعا، ً قال : ((فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا)) فذكر الله فعل فرعون وقومه، ولم يقل مثلاً: وجعلناهم يتبعونهم، كما ذكره في سورة الشعراء، ولكنه ذكر فعلهم، ففرعون هو الفاعل، وجنوده مشاركون، وذكر في سورة طه قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه:٧٨] ليدل على تبعيتهم المهينة، وحقارة أمرهم في كونهم كالآلة مجرورين أو كالدواب مجرورين بأمر فرعون دون وعي أو إدراك.
وذكر في سورة الشعراء قوله: ((وَأَزْلَفْنَا)) أي: قربنا، ((ثَمَّ)) أي: هناك في البحر، ((الآخَرِينَ)) أي: جعل فرعون وجنده بإرادتهم المخلوقة يتبعون موسى، ولا عذر لهم أن الله هو الذي فعل بهم ذلك؛ لأن الله سبحانه جعلهم يفعلون ذلك باختيارهم بغياً وعدواناً، وهذه عاقبة البغي.
ومعنى: ((بَغْيًا وَعَدْوًا)) أي: تعدياً وتجاوزاً، ففرعون إلى آخر لحظاته معتد باغ، وإلى آخر يوم في عمره ساع إلى الإفساد في الأرض، وقومه وجنوده متبعون له على الباطل إلى آخر لحظة.
فيرون الآيات تلو الآيات، وآخرها هذه الآية، ومع ذلك يتبعونه، ما هذه الطاعة العمياء؟ طاعة تكاد أن لا يوجد لها نظير إلا في أمثالهم ممن ساروا على طريقهم، ممن يتبع الباطل مهما كان بطلانه واضحاً، ومهما كان الحق جلياً، فهو قد تربى على أن يسمع ويطيع أمر فرعون مهما كان هذا الأمر معرضاً له للمخاطر في دينه ودنياه.
وإذا بفرعون يزعم أن البحر قد انفلق له من أجل أن يدرك عبيده الآبقين، ويسير ويسير جنوده، وينتصف سير فرعون في وسط البحر، وآخر واحد من بني إسرائيل قد خرج، وكل جيش فرعون في وسط البحر، فيأمر الله البحر أن ينغلق عليهم مرة ثانية، فسبحان الله! تغيرت الموازين في لحظةٍ! تفكر وتأمل كيف كان حال فرعون وهو يسير ويظن هو وجنوده أن البحر سيظل على تلك الحال منفلقاً حتى يدرك بني إسرائيل في الناحية الأخرى؟ عجب والله شأن فرعون! وعجب شأن جنوده! تتغير الموازين في لحظة، وينقلب الحال؛ فينجو آخر رجل من بني إسرائيل، وفرعون وجنوده في وسط البحر، فينغلق البحر عليهم، فيدركه الغرق.
قال : ((فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا)) ذكر فعلهم؛ ليبين أنه عدل معهم سبحانه وما ظلمهم، فالبغي والعدوان لابد أن تكون عاقبته الهلاك.
стр. 569
كلمة التوحيد لم تنفع فرعون عند غرقه
قال الله تعالى: ((حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ)) ما قال هذه الكلمة إلا عندما أدركه الغرق وعاينه، وكان قبل ذلك لا يوقن بالهلاك فما نطق بها، لكن عندما عاين الغرق منفرداً، وأيقن أنه لا يستطيع أحد من الحاشية والجنود، ونصره فلا هامان ولا الوزراء ولا الأعوان يستطيعون إنقاذ أنفسهم أو غيرهم.
هذه اللحظات تحصل لكل كافر وظالم وباغ، وهي: لحظة الموت، لحظة مفارقة الحياة، فماذا يغني الأعوان والجنود؟ أو المال والسلطان؟ أو الملك والعز الذي كان ظاهراً؟ ماذا يستطيع الناس في تلك أن يفعلوا اللحظات لمن يحتضر أو لمن يصيبه أمر الله ؟ ما أحوجنا إلى أن نتذكر هذه اللحظات التي سيمر كل واحد منا بها، لحظة مفارقة الدنيا فرداً، كما قال : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥].
كما أنك ترحل عن الدنيا فرداً فستأتي الله يوم القيامة فرداً، قال : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
تقطعت الأسباب، والروابط، والصلات، وهلك فرعون، وأدركه الغرق، وحينها قال: ((آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ)) ذل وهوان، حتى أنه يريد أن يتابع بني إسرائيل فلم يقل: لا إله إلا الله، وإنما كان يقول: ((لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ)) فكأنه يريد أن يقول: أنا تابع لبني إسرائيل، أنا أريد أن أكون في ذيلهم، ذل وهوان عجيب، هذه اللحظة لحظة يسيرة لكنها على فرعون طويلة، أضاعت كل مجده وسلطانه وكل عزه وهيلمانه، أضاعت كل ما كان له، وبقيت عليه لحظات أطول، وعذاب أشد.
يقول جبريل ﵇ كما في الحديث الصحيح للنبي ﷺ : (لو رأيتني وأنا أدس من وحل البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة) أي: بسبب هذه الكلمة: كلمة لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين، وجبريل ﵇ يبغض فرعون بغضاً عظيماً، ولكنه يعلم فضل الكلمة التي قالها فرعون، ويخشى من كثرة قول فرعون لها أن تدركه رحمة الله، وهو يريد أن يهلك فرعون على الكفر؛ لينال عقابه، فجعل يأخذ من طين البحر ويجعله في فم فرعون ليسكت.
كلمة لا إله إلا الله كلمة عظيمة، لابد أن نقدر لها قدرها، كما كان جبريل يقدر لها قدرها من فرعون، ويخشى أن تكون سبباً لرحمة الله، والله عليم حكيم، وهو لا يقبل التوبة من الناس عند رؤيتهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥].
ثم قال له الله : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أي: آلآن تؤمن، ولا يقبل الإيمان، ولا ينفع نزول العذاب، نسأل الله العافية، ونعوذ به من سخطه وعقابه، ونسأله نصره وتأييده، أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 570
الإسلام دين كل الأنبياء
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ،، أما بعد: قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ * وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس:٩٠ - ٩٣] أي: أنزلهم الله منزل صدق.
تدل الآيات أولاً: على أن دعوة موسى ﵇ هي الإسلام، وأن المؤمنين من بني إسرائيل الذين أنجاهم الله كانوا مسلمين، ففرعون يريد أن يقول: أنا تابع لموسى، وتابع لبني إسرائيل، فقال: ((وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) فدل ذلك على أن موسى جاء بالإسلام، وعلى أن إنجاء الله لبني إسرائيل كان عندما كانوا مسلمين، وأن ولايته لهم وكذلك ولاية المؤمنين لهم عبر التاريخ إنما كان عندما كانوا مسلمين، فأما إذا كفروا وتركوا الإسلام فهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، وهذه قضية عظيمة الأهمية، فإن الولاية والعداوة مبناها على التزام هذا الدين، ووعد الله بالتمكين في الأرض لبني إسرائيل ليس مرتبطاً بنسبهم، وإنما هو مرتبط بإسلامهم، فعندما كانوا مسلمين أهلك الله فرعون وجنده من أجلهم، وعندما كفروا بالله صاروا أعداء له سبحانه، أعداء لرسله، ومكن الله منهم المسلمين بفضله .
فلا بد أن نفهم القضية جيداً، فليس وعد الله لبني إسرائيل في الأرض المقدسة، وفي المنزل الصدق، والمبوأ الطيب الذي أنزلهم الله إياه مرتبطاً بمجرد أنهم أبناء يعقوب ﵇، بل ذلك مرتبط بإسلامهم، ولذا لما كفروا سلط الله عليهم أعداءهم فأخذوا ما بأيديهم، كما قال سبحانه: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧] ولما أفسدوا في الأرض بالشرك والبدع سلط الله عليهم من هو شر منهم من المشركين، فالله يفعل ما يشاء، وهو بحكمته وعدله يضع الأمور في مواضعها.
والمؤمنون الآن وفي كل زمان يحبون موسى ومن معه، ويتولونهم ولو كانوا من غير نسبهم، من غير قومهم، ويتبرءون من فرعون وجنده ولو كانوا من أهل بلدهم، فنحن نبرأ إلى الله من فرعون ولو كان مصرياً، ونتولى موسى ﵇ ومن معه من المسلمين ولو كانوا من بني إسرائيل، وحين يؤمن أهل مصر فإننا نتولاهم ونحبهم، وحين يكفر بنو إسرائيل فإننا نبغضهم ونعاديهم، وذلك لأنه ليس بين الله وبين الناس نسب، كما قال النبي ﷺ : (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
فالحب في الله والبغض فيه أوثق عرى الإيمان، كما قال النبي ﵊، فليس عداؤنا لليهود لأجل الأرض أو الوطن أو القومية أو غير ذلك، وإنما لأنهم كفروا بالله وتركوا الإسلام.
وكذلك عداؤنا لفرعون وإن كان ينتسب إلى بلدنا؛ فنحن نعاديه ونبغضه ونكرهه ونحمد الله على هلاكه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
قال : ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أي: آلآن تؤمن، وقد أفسدت في الأرض أعظم الإفساد بالصد عن سبيل الله، وادعاء الربوبية والألوهية، ودعوة الناس إلى عبادتك، إبعادك إياهم عن توحيد الله ، فلا يقبل الإيمان في تلك اللحظة، فقد غرغر فرعون، وأدركه الغرق، ونزل به العذاب هو وقومه، ومع ذلك فقد جعل الله بدنه آية، فقال : ((فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)) أي: لم ينج هو، وإنما نجا بدنه، وذلك أن بني إسرائيل ما كانوا يتصورون فرعون جثة هامدة، فما تخيلوه إلا آمراً ناهياً متسلطاً باغياً قتالاً سفاكاً للدماء، فشكوا في موته، فأمر الله البحر أن يخرج جثته، وتلقى ظاهرة أمام أعينهم حتى رأوا فرعون -الذي كان يأمر وينهى، ويغضب ويسخط ويرضى، ويعطي ويمنع في ظن الناس- جثة هامدة؛ ليكون لمن خلفه آية، لمن شهدوه ولمن يأتي بعده، وذلك دليل على بقاء جثته ليراها ويتعظ بها من بعده من الأقوام، فسبحان الله! ولا يهمنا أي فرعون كان هو، أعني: ما اسمه؟ وأي واحد هو من هذه الجيف الموجودة المحفوظة؟ فكلهم كانوا على الشرك والكفر، إلا من لا نعلم ممن ﵏، لكنهم كانوا على الكفر والشرك، وعبادة غير الله كما سجلوا ذلك في معابدهم ومقابرهم، وكلهم آيات من آيات الله ، كلهم كانوا يأمرون وينهون، وكان لهم من الملك والسلطان ما لهم، فماذا يفعل بهم الآن؟ يطاف بهم في البلاد، آية من آيات الله، دالة على عجز الإنسان وضعفه، وعلى أن الله هو الذي يقلب الأمور، وهو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، فقد أتى بعد فرعون فراعنة كثيرون، فأهلكهم الله كلهم كهلاكه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢] وكل واحد منهم آية من آيات الله، والملك لا يبقى لأحد، والسلطان لا يستمر لإنسان، وإنما هي أدوار وحلقات يأخذ كل جيل دوره على ظهر الأرض، إما في طاعة وإما في معصية، إما في دعوة إلى الخير، وإما في صد عن سبيل الله، فمن من الله عليه بأن ثبته على الهدى، واستقام على الصراط المستقيم، وهدى قلبه إليه، وأخذ بناصيته إليه، فليحمد الله ، فما هي إلا لحظات وينتهي هذا الذي نصب على وجه الأرض لهذا الجيل من أنواع الحياة والممالك والصراعات، ونرحل كما رحل السابقون، بخيرهم وشرهم، بمؤمنهم وكافرهم، ويأتي دور جديدٌ كما أخبر الله بقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:١٩ - ٢٠].
فهكذا يأخذ كل إنسان دوره على ظهر الأرض، ثم يرحل إلى بطنها، فهي التي تجمعنا أحياء وأمواتاً قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦] فهي جامعة للبشر في حياتهم وموتهم، فهل من متعظ؟ فهذه قصة عظيمة، وآية من آيات الله كبيرة عظيمة توقظ النفوس، وتحيي القلوب، وتذكر بأمر الآخرة.
نسأل الله أن يرزقنا مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى إلينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهدِ قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 571
وصية لقمان لابنه
إن تربية الأجيال واجبة كوجوب إقامة الدين وحراسته؛ ولا يقوم الدين ويحرس إلا بجيل تربى على الإيمان بالله تعالى، والتربية مسئولية كل إنسان له عليهم أمر، وذلك ما نجده في وصية لقمان لابنه، فنجد أنه خاطب ولده خطاب الأب الرحيم بحوار تربوي راق، وأول ما أوصاه بترك الشرك، وهذه هي التربية الإيمانية، وهذا هو سلوك الأنبياء مع أتباعهم، ويأتي بعد ذلك الأمر بطاعة الوالدين كجزء من التربية، وعند ترك الأجيال دون تربية يتلقفهم الأعداء؛ ليصبغونهم بأفكارهم المنحرفة.
стр. 572
أهمية إعداد الأجيال
إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن من أهم ما يواجه العمل الإسلامي والمسلمين كأفراد وكأمة مسألة تنشئة أفرادها وأبنائها وبناتها ورجالها ونسائها على دين الله ، وتهيئتهم علماً وعملاً، ودعوتهم للالتزام بهذا الدين، وهو ما اصطلح عليه المعاصرون بمصطلح: (التربية) فقضية التربية قضية عظيمة الأهمية في حياة الفرد والأمة، وهي واجب شرعي، ولأهميتها ذكر الله وصية رجل حكيم، وذكره باسمه مخلِّداً هذا الاسم، وهذا الرجل هو لقمان، وهو عند جمهور أهل العلم ليس بنبي؛ إذ لم يذكر مع الأنبياء في أي حال ذكروا فيها، ولكن ذكر الله اسمه ووصيته لابنه وهو يعظه؛ لتكون قدوة وأسوة حسنة للآباء والأمهات، والأساتذة والمعلمين، ولكل من ولاه الله أمر غيره من المسلمين في التهيئة والإعداد، والتنشئة على مرضاة الله .
стр. 573
خطر المناهج المنحرفة في التربية على الأمة
إن أعظم الأخطاء التي تواجه الأمة تكمن في المناهج المنحرفة في التربية، وهي التي يتقنها جيداً أعداء الإسلام، فهم يضعون المناهج المتعددة التي ترمي إلى تدمير هذه الأمة، وذلك من خلال تدمير أبنائها، وإعداد طائفة هي في ظاهرها تتكلم بألسنتنا ومن جلدتنا، وفي باطنها قلوب كقلوب الشياطين والعياذ بالله؛ لأن أعداء الإسلام والمسلمين يربونهم ويعلمونهم من أجل أن يتولوا أهم المراتب في قيادة الأمة، ثم بعد ذلك يقودونها إلى مذبحها، وإلى مهلكها بيد أعدائها.
فإعداد المنافقين الذي يتقنه جيداً أعداء الإسلام، ومن أجله وضعوا مناهجَ تعليم، ومناهج إعلام، ومناهج اقتصادية واجتماعية متعددة، تفرض على الناس نمطاً معيناً من أنماط الحياة، والتي يترتب عليها نشوء أجيال لا تعرف شيئاً عن دينها، بل تعرف ما يضاده وما يخالفه، وعند ذلك تتقبله وترتضيه.
وآخر الأمثلة شيوعاً -وإلا فالذي لا يشيع في الناس أضعاف مضاعفة- قصة ذلك الكتاب الذي يدرس في الجامعة الأمريكية عبر سنوات، وهذه الجامعة تخرج منها أجيال تلو أجيال ممن يعدون لأرفع المناصب وأكثرها حساسية، وفي ذلك الكتاب سب صريح لرسول ﷺ ، وطعن عظيم في القرآن، وهذا الكتاب لأقبح المستشرقين كذباً وتزويراً وحقداً وحسداً للإسلام والمسلمين، ومع ذلك يفرض على هؤلاء الأبناء -الذين هم دائماً كما يسمونهم أبناء الصفوة- أن يحفظوه ويلخصوه ويمتحنوا فيه ويجيبوا بما يطعن في الإسلام صراحة كما يريد مدرس الكتاب، وكأن هذه الأجيال المتعاقبة التي دخلت ثم خرجت تعتبر ذلك أمراً طبيعياً وعادياً عندها، فلا غرابة إذاً أن نجد منهم من يحارب القرآن ويحارب سنة الرسول ﵊، ويعتبر الإسلام أمراضاً نفسية أو عقداً داخلية، أو غير ذلك مما يتقيأه ذلك المستشرق عليهم والعياذ بالله، فإذا بهم يصيرون هم العدو كما وصف الله المنافقين.
ومن شواهد أصحاب المناهج المنحرفة على نشرها: ما جاء في قصة أصحاب الأخدود، وذلك في قول الساحر الكافر الذي لا يعرف آخرة ولا بعثاً، بل إنه يعلم الناس أن ملكهم هو ربهم والعياذ بالله، وأنه لا إله لهم غيره ولا رب لهم سواه، أضف إلى ذلك أنه حريص على استمرار الشر والفساد من بعده، فيقول للملك: ابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فينتقي له غلاماً فطناً ليعلمه السحر، وكان في المقابل لهذا الغلام تربية أخرى وتوجيه آخر، وتلقى هذا الغلام تعليماً مزدوجاً كما يقال، تربية الساحر وتربية الراهب المنعزل الموحد لله ، والراهب لم يكن له اختلاط بالناس، ولكنه نجح بفضل الله في أن يلقن هذا الغلام منهج العقيدة الصحيح، وأن يلقنه دين الله ، فتغيرت أمة من الأمم بواحدٍ فقط، ونجت به من عذاب الله ، وتغير منهاج حياتها حتى ضحوا بأنفسهم في سبيل الله، وآمنوا بالله ؛ بسبب فرد واحد، لذا كان إحسان التربية يؤدي إلى نجاة أمة، وإساءة التربية وسوء المناهج المنحرفة فيها يؤدي إلى هلاكها ودمارها والعياذ بالله.
لذا كان لابد أن نهتم جداً بهذه المسألة، فهي فرض عين في أكثر المواطن والمواضع على معظم الأشخاص ممن لهم أبناء وبنات، وكل من ولاهم الله أمرهم، فيجب عليهم أن يعلموهم ويؤدبوهم؛ لقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
ولن يتحقق ذلك إلا بفهمنا وعملنا ودعوتنا لما تضمنته آيات الكتاب؛ وأحاديث الرسول ﵊، وهذا الباب باب عظيم الأهمية، ولن نجد وصية أجمع لأصول التربية الإيمانية، والعبادية العملية، والخلقية، وفي المعاملات، والدعوة إلى الله ، من وصية لقمان لابنه وهو يعظه، وحول معانيها نسير ونرجو الله أن يوفقنا للانتفاع بها علماً وعملاً.
стр. 574
بيان وصية لقمان الواردة في القرآن الكريم والفوائد المنتقاة منها
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٣ - ١٩].
وقبل أن نبدأ في بيان أجزاء هذه الوصية وفوائدها، نحب أن نبين أنها ليست خاصة بالصغار؛ فإن رسول الله ﷺ بدأ تربية أصحابه وكثير منهم قد جاوز سن الصغر، ومع ذلك صاروا خير أمة أخرجت للناس، ونحن نحتاجها لتربية أنفسنا وإن بلغنا ما بلغنا من السن، فاحتياج الإنسان إلى التعود على الخير ليس مقصوراً على سن معين، وإن كان في صغره أقرب إلى الإجابة، وأقرب إلى قبول التعود والإعداد، لكن الجميع ملزم بهذه الوصايا، فليست هذه الوصية خاصة بمن له ابن يربيه، أو متعلم يتعلم منه، بل هي لكل إنسان يربي بها نفسه كما يؤدب بها غيره.
стр. 575
أهمية الحوار كوسيلة تربوية
الحوار وسيلة هامة في التربية كما دلت عليها هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فالوسيلة المذكورة في هذه الآية هي الحوار المباشر، والخاص بين الأب وابنه، أو بين المربي ومن يربيه، هذا الحوار في هذه الجلسة الخاصة التي قعد فيها الأب مع ابنه يعظه، ويبثه مشاعره التي ينبئه فيها بشدة حبه، فهو دائماً يتذكر العلاقة التي بينه وبينه، فتراه يكرر: ((يا بني)) مرات متعددة، فهذه الجلسة مفقودة في أكثر أمور حياتنا، فلا نجد من يجلس مع أولاده؛ ليعظهم ويعلمهم ويربيهم ويؤدبهم بهذه الوصايا إلا قلة نادرة، بل تكاد تكون غائبة إلا من رحم الله .
وهذه الوسيلة الحوارية لا تغني عنها الوسائل الأخرى، كوسائل المدارس العامة، أو الدروس المطلقة العامة، ولا تجدي عنها الوسائل المعاصرة كالكتاب أو الشريط أو الخطبة، وإن كانت هذه الوسائل مؤثرة وضرورية ونافعة أيضاً، لكنها لا تغني عن هذه الوسيلة؛ لأن هذه الجلسة الخاصة يبث فيها المربي موعظته ونصيحته، ويسمع كذلك ممن يربيه ما في نفسه، وهذا يعد من أهم الوسائل في التربية.
стр. 576
جلسة تربوية بين يوسف وأبيه
إن هذه الجلسة نلحظها في اللقاء الخاص بين يوسف وأبيه، كما حكى الله عنهما ذلك في قوله : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥] فنلحظ أن هذه الجلسة لم يكن فيها غيرهما من إخوة يوسف، مع أن الكل يربيهم أبوهم، لكنه خص يوسف بهذه الجلسة؛ لأن هذه الخصوصية ضرورية بلا شك لتهيئة معينة، ولكي يخرج يوسف ما في نفسه كذلك، ولو تأملت أثر هذه الوصية، وهذه الجلسة في مستقبل حياة من نشأ على هذه التربية، لوجدتها في قصة يوسف ﵇ من أوضح ما يكون، فكل ما لقنه أبوه وذكره به في تلك المجالسة وقع كما أخبره به، مع أن الجلسة فيما يبدو لمن يقرؤها لا تأخذ دقائق معدودة، ومع ذلك أثرت فيه أعظم التأثير، فعندما قال له: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) ولم يقل له: إن إخوتك هم الأعداء، وإنما أخبره أن الشيطان هو الذي سوف يجعلهم يكيدون له، وليسوا هم بأعداء لك أصلاً.
وبقيت هذه المسألة في قلب يوسف ﵇، فعندما حقق الله رؤياه، وجعلها ربه حقاً، قال عما فعله إخوته به بأسلوب رفيع: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠] ولم يقل: من بعد أن فعل إخوتي ما فعلوا، فهو يعلم أن الشيطان هو العدو، وقد علمه أبوه ذلك، فأخبرونا من مِن أبنائنا يعرف الشيطان، ويعرف عداوته البينة للإنسان، وليس مجرد أنه يخاف من العفريت إذا هددته أمه أو أبوه بأنه سوف يخرج له ليظل مرعوباً من العفاريت ومن الجن؟ نسأل الله العفو والعافية.
ولولا وجود هذا الأثر السيئ في النفوس من الجن، والخوف منها؛ لما وجدنا هذا الكم الهائل من الحالات التي يظن الناس أنها ممسوسة؛ أو مصروعة أو غير ذلك؛ فإن هذا تعظيم لشأن الجن أضعافاً مضاعفة عما يستحقه ويناسبه، وعما هو الواقع في الحقيقة.
وفي هذه الجلسة علم يعقوب يوسف أن الله هو الذي يمن، وأنه هو الذي يجتبي، وأنه هو الذي يعلم، وأنه هو الذي يفعل ما يشاء ، فأثرت هذه الكلمات المضيئة من يعقوب ﵇ حين قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦]، فلم يقل له: سوف تكون أنت فوق إخوتك، أو سوف تكون أنت الأعلى، وسوف تكون عالماً بتأويل الرؤى، ولكن حرص تمام الحرص أن يقول له: ﴿وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف:٦].
وقد أحسن يوسف التلقي، فقال عندما ذكر أباه بأمر الرؤيا بعد أن سجدوا له أبواه وإخوته، ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]، ولم يقل: قد تحققت، وإنما قال: ((قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)) ونسب النعمة إلى الله، فقال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠]، والمعتاد منا أننا نحن الذين ندعي القدرة، فيقول أحدنا: خرجت من السجن، ولا يحاول أحدنا أن يستحضر أن الله أخرجه من السجن، أو من الأزمة الفلانية، أو من المرض الفلاني، فربما يقول البعض شُفيت، فينسبها هكذا للمجهول أو نحو ذلك، ولكن يوسف حرص أن ينسب الفضل لله والنعمة لله، فقال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، ولم يقل: وجئتم من البدو، وإنما قال: ((وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ))، ثم علمه أبوه الأسماء والصفات في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦] وهذان الاسمان ختم بهما يوسف ﵇ خطابه لأبيه بعد هذه السنين الطويلة حين قال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠]، فمعرفة أسماء الله وصفاته يتلقاها الابن عن أبيه اليوم على طريقة المتكلمين السخيفة المدمرة، والتي لا يعي الناس منها شيئاً، وإنما قد أثمرت آثاراً عجيبة لا يعيها الناس ولا يدركونها، وبالتالي يتركون هذا العلم من أصله.
ولقد سمعت اليوم عجباً: بينما أنا في صباح هذا اليوم أمشي، إذ رأيت أباً مع ابنه، والابن في حدود الثالثة أو الثالثة والنصف، ويتكلم بصعوبة لصغره، وأبوه رجل كبير قد شاب بعض شعره، فبمجرد نزولي من السيارة سمعت الولد يقول لأبيه: يا بابا! ربنا فوق، قال له: ربنا في كل مكان يا ابني! فقلت له: والله إن ابنك أعلم منك، سبحان الله! الابن على الفطرة السليمة، فلما قلت له ذلك، وبينت له أنه ليس في كل مكان، وأنه ليس بداخلنا ولا داخل هذه الأماكن كلها، وإنما ربنا فوق العرش، ضحك الرجل وقال لي: شكراً جزاك الله خيراً، قلت: ربنا يبارك لك فيه.
فانظروا الولد على الفطرة السليمة، والأب يعلم ولده أن الله في كل مكان، وكان المفروض أن الأب يعلم ابنه أسماء الله وصفاته؛ لأن هذا أصل التوحيد.
فسيدنا يوسف ﵇ ذكر كل ما تعلمه من أبيه، فتلك الكلمات كلها مما ذكره له أبوه، فقال: ((إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)) ثم قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]؛ لأن أباه علمه أن أباه وجده وجده الأعلى كلهم غارقون في نعم الله ، فهو يطلب النعمة من الله والثبات عليها.
стр. 577
سبب فقدان الجلسات التربوية الخاصة في الأُسَر
إن سبب فقدان هذه الجلسات التربوية أن أكثر الناس مشغولون انشغالاً عجيباً، وأحسنهم حالاً من يكون منشغلاً بعمل حلال، لكنه يخرج قبل أن يستيقظ الأولاد ويعود بعد أن يناموا، وربما بقي الشهور والسنين أحياناً في الخارج يبحث عن وسيلة للرزق وهو بعيد عنهم، والأم مشغولة بالطبخ والغسل وغير ذلك، وهي لا تقرأ شيئاً ولا تتعلم شيئاً، وبالتالي يترتب على ذلك فقدان تام نلحظه في أبنائنا، بل ربما نكون نحن ملتزمين ولا نعرف لماذا لم ينشأ الأبناء ملتزمين؟
و
الجواب
لأننا لم نجلس معهم هذه الجلسة التي نتكلم معهم، ويتكلمون معنا فيها.
стр. 578
جلسة تربوية أخرى لإبراهيم مع ابنه
نجد هذا الأمر في قول إبراهيم ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فتجد هذه الجلسة واضحة بينة في أنهما كانا مع بعضهما، ويبدو أنه لم يكن هناك معهما أحد أيضاً، أو إن كان أحدٌ فمن أهل البيت، فلا نكتفي بمجرد جلسات مثل جلستنا هذه، وهذه تؤدي ثمرة، لكن هناك ما هو أهم أو ما هو أصل في التربية لا يتحقق بدونها، كذلك نظام المدارس، فتجد المدرس يدخل الفصل ويلقي في التلاميذ درساً لا يُحدِث فيهم التربية المرجوة، فلا بد أن تكون هناك علاقة خاصة لها أثر.
стр. 579
الجلسات التربوية الخاصة في حياة الرسول
نسمع أثر هذه العلاقة الخاصة من حديث في الصحيحين، في موت عمر رضي الله تعالى عنه عندما يغبطه علي ﵁ وهو في جنازته، حيث يقول: (إني كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً أو أكثر ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) وذلك لأنهما صحبا رسول الله ﷺ على الدوام، وفي كل المواطن كانا معه خروجاً ودخولاً وذهاباً وإياباً، وهذه بلا شك لها الأثر الكبير.
كذلك علي رضي الله تعالى عنه أسلم عندما رأى ابن عمه رسول الله ﷺ وزوجته خديجة يصليان، وتلقى منه الدين في هذا البيت بينه وبينه، وهذه هي التربية.
كذلك الرسول ﷺ عندما دخل على ميمونة فسألها عن ابن عباس فقال: (أصلى الغلام؟) ثم بعد أن استيقظ ابن عباس ﵄ صلى معه.
كذلك في تربية عظيمة قال لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وهذا الحديث وصية عظيمة تتضمن أصول التربية، وكذلك الاعتقادية والعملية والعبادية وغيرها.
وكذلك تأمل في وصية الرسول ﷺ لـ معاذ عندما يقول معاذ: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال الرسول ﷺ : يا معاذ! فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) وهذا يدل على أنه لم يكن هناك أحد آخر غيرهما، وأنه لم يخبر بهذا أحداً من الصحابة غير معاذ، ومعاذ أخبر به عند موته تأثماً؛ لأنه لم يكن هناك أحد سمعه غيره، فمثل هذه الجلسة يحرص الأعداء ألا توجد في البيت، وأن تكون طرق حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية مبناها على ألا يوجد وقت إطلاقاً لمثل ذلك.
стр. 580
أنواع الناس في مسألة الكسب وانشغالهم عن الجلوس مع من يربونهم
هناك نوعان من الناس أعني في مسألة الكسب: الغنى المطغي، والفقر المنسي، فالغنى المطغي الذي يجعل الغني يزداد به طغياناً وكبراً، ويزداد انشغالاً، ويصبح رجل أعمال، فهو شخص مهم للغاية فلا بد أن يكون مشغولاً على الدوام، ولا يعرف وقتاً للبيت، ولا يعرف وقتاً لأن يجلس مع أبنائه أو ذريته، فينام بضع ساعات فقط في اليوم، أو ست ساعات، أو خمس ساعات والباقي في العمل، ولا يعرف شيئاً إلا عن لذته وشهوته ورغباته بعد ذلك.
والآخر: الفقر المنسي، والنظام الربوي اليهودي، والنظام الرأسمالي من أهدافه أن يزداد الغني غنى؛ لأن أصل هذا النظام مبني على الظلم والاحتكار والتسلط بالأموال الربوية على الآخرين؛ فهم أرادوا أن يكون الناس في الفقر المنسي، وهذا يثمر في الحقيقة الثمار المرة فينا، وليس معنى ذلك أن أطلب من الناس أن يتوقفوا عن الكسب ويتركوا الأعمال، لا والله، ولكن البركة في الوقت من الله ، كما أن البركة في المال والبركة في الصحة من الله .
وهذا الأمر أعني: مخططات الأعداء في ذلك تثمر في ألا يجد الإنسان وقتاً نهائياً، وتظهر آثاره السلبية فيمن هو بعيد عن الله، وفيمن لم يتق الله، وأما العلاج لذلك فهو تقوى الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
فغياب الإنسان وعدم جلوسه مع من يربيه إنما هي بسبب قلة التقوى، وبسبب البعد عن الله، فتجد الإنسان كسبه إما بين هذا وذاك، فلا يجد الكفاية التي تكفيه إلا أن يكون منشغلاً، كما قال النبي ﷺ : (قال الله : يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تتباعد مني أملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً).
أي: أن التباعد عن الله يكون سبباً في ملء القلب فقراً، ولو أنهم فرغوا بالهم وإرادتهم ونيتهم كانت عبادة لله -وإن سعى الإنسان في أمور الدنيا بما أحل الله فلن تكون هذه الفتنة التي تجعل الإنسان لا يعي ولا يدري ما يدور حوله، وإنما يسير في ساقية مثل ثور وضعوه في ساقية لا يدري أين يذهب، وربما تعب من كثرة المشاوير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذه بالضبط حياة الناس اليوم، وربما أمريكا واليابان والشرق والغرب كلها لا تجد فيها غير ذلك، إنسان موضوع في ساقية يعمل ويكد ويتعب ليصل إلى أقصى درجة التعب، ليرجع منهكاً يقضي أوقاته الباقية كما يقضيها الناس، وذلك في مشاهدة أجهزة الإفساد، ولا أجد مقهى إلا وهي ممتلئة في جميع الأوقات، فأنت كلما مررت وجدت شخصاً يلعب الطاولة، وآخر يتفرج على التلفاز وأفلام الفيديو، والسينمات كذلك مليئة، ومن أنشط المحلات تجارياً محلات الفيديو؛ فإنها تؤجر الشرائط بما لا حصر له، فماذا يبقى إذاً للتربية؟ ماذا يبقى للجلسة الخاصة؟ هذا هو الذي يريده الأعداء، تدمير رهيب جداً، فتجد الأب فيما تبقى من الوقت يشاهد فيه التلفاز هو وأولاده كالبله تماماً، يتشربون كل ما يلقى عليهم من أنواع الفساد، نعوذ بالله من ذلك.
ونجد نحن ضغطاً رهيباً على أبنائنا عند نصحهم؛ لأنهم يريدون أن يلعبوا كما يلعب الناس، وأن يتفرجوا كما يتفرج الناس، فالمسألة خطيرة بلا شك، ولكن والله إن بتقوى الله تحل هذه المشكلة، فمزيد من القرب من الله والتوجه إليه والتفرغ لعبادته سوف يحل هذا الإشكال بإذن الله، ويجد الإنسان وقتاً يجلس فيه مع من يربيه، وهذه الوسيلة أطلت فيها الكلام؛ لأنها وسيلة ضرورية، ولا بد أن توجد فينا سواء على المستوى الشخصي في الأسرة أو على المستوى الدعوي في المسجد، وعلى مستوى التعليم في من هو مسئول عن غيره، لا بد أن يوجد مثل هذا الحوار، ولا بد أن توجد مثل هذه الجلسة التي يتكلم الناس فيها مع بعضهم، مع من يربونه، يتكلمون فيها بقلب مفتوح، ويتلقون فيها الوعظ والتذكير بالله .
стр. 581
أثر الخطاب بالبنوة في التربية
قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٣] فقوله: ((يَا بُنَيَّ)) هذه الكلمة الطيبة التي تذكره بشدة الحب، وقد بوب أبو داود ﵀ في صحيحه بقوله: باب في الرجل يقول لابن غيره: يا بني.
وذكر تحته جملة من الأحاديث، منها: أن النبي ﷺ قال لـ أنس: (يا بني)، وهي كلمة إذا تأملتها في السياق تعطي مشاعر عجيبة في نفس المربي وفي نفس المربى، فبدلاً من الشتم، أو البذاءة في الكلام، وأنواع السباب التي يتعلمها الأبناء من آبائهم، لماذا لا يتعودون على الألفاظ الطيبة، التي لو سمعوها منهم لما قالوا غيرها.
الابن في هذه المرحلة يتلقى من الأسرة أكثر مما يتلقى من الشارع، لو أنه سمع أنواع السباب في الشارع ولكنّ أباه وأمه لم يتلفظا قط إلا بالألفاظ الطيبة، فتأثره بالشارع -رغم سوئه- أقل بكثير من تأثره بالألفاظ التي يستعملها أبواه، خصوصاً إذا نهياه عن ذلك وأشعراه بالحب والشفقة والمحبة والمودة، وهذه الكلمة: (يا بني) تصغير ابني، فتشعره بالعلاقة الطيبة التي بينه وبين ولده، وتشعره أنه يحبه، وأنه ينصحه، وليس لأنه يصدر أوامر عسكرية لا بد أن ينفذها، وهذا يطالب به الأمهات كما يطالب به الآباء؛ فإن كثيراً مما نراه ونسمعه من الأوامر التي تصدر كأنها أوامر عسكرية، تكون دائماً بالنهر وبالغلظة وبالشدة، وغالباً ما تكون في أمور يسيرة تافهة، لبس، خلع، أكل، شرب ونحو ذلك، فهذه الحدة دائماً لا تثمر الثمرة المرجوة لها؛ لذلك لا بد من هذه الكلمة الطيبة.
стр. 582
معالم التربية الإيمانية
стр. 583
البراءة من الشرك من معالم التربية الإيمانية
كرر مرة ثانية (يا بني) في آية ثانية، قال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] هذه أول معالم التربية الإيمانية، وبدايتها البراءة من الشرك والتحذير منه؛ لأنه أعظم الظلم، قال : ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)).
فقوله: ((لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ))، أي: أن كلمة الشرك ينبغي أن يعرفها الأبناء، ولو سألنا أبناء المسلمين ما الشرك؟ لو سألنا آباءهم وأمهاتهم، ولو سألنا الكبار، ولو سألنا الإخوة والأخوات عن الشرك، وأنواعه المنتشرة في وسط الناس؛ ليحذروا منها، لوجدنا في ذلك خللاً كبيراً، ولوجدنا معظم الأبناء لم يسمعوا هذه الكلمة ولم يستعملوها، ولو ذكرت لهم فإنما تذكر على سبيل الاستحياء، والشرك عند القوم الذين تركنا لهم أبناءنا يعلمونهم ويربونهم ليس له وجود أصلاً، لا يعرفون شيئاً هو شرك، حتى من يعبد الأوثان عندهم يرون أنه صاحب دين وأنه ليس بمشرك ولا بكافر والعياذ بالله.
أما اليهود والنصارى فيجب أن تتأكد من الكتب التي يلزم الآباء والأمهات والمعلمين أن ينظروا فيها؛ لأنها تغرس العقيدة الباطلة في نفوس الأبناء، فبعضها بالطرق المباشرة بالتصريح بصحة الملل الثلاث، وبعضها بتصحيح كل ملة، كما أخبرنا الإخوة بأنهم كانوا يقولون: إن الكافر هو الذي لا يدين بدين الإسلام، فإذا بهم اليوم يقولون: لا، هذا غلط بل الكافر هو: الذي ليس له دين، معناه: أي واحد له دين فليس بكافر، وهذه الألفاظ أصلاً لا تستعمل ولا وجود لها في الواقع؛ لأن اليهود والنصارى والمسلمين سواء والعياذ بالله، وهذه الكلمات لا يمكن أن تطبق في واقع الناس اليوم؛ لأنه ما من أحد إلا ويحترم ويجل حتى لو كان بلا دين، ألم يظل الناس سنين طويلة يعرفون أن الشيوعيين رفقاء وإخوان، وأنهم يستقبلون أعظم الاستقبال وإلى يومنا هذا، فهل يقال عن عباد البقر وعن عباد الصلبان وعن عباد الفئران: أنهم أصحاب أديان، وأن كل دين محترم والعياذ بالله؟!
стр. 584
الولاء والبراء من معالم التربية الإيمانية
أما قضية الولاء والبراء فهي أخطر قضية تتعرض لاهتزاز شديد في نفوس الأبناء، وأصبح الإنسان يجد نفسه مضطراً أن يعذر عوام المسلمين في عدم تكفير اليهود والنصارى، مع أن هذه المسألة هي أصلاً معلومة من الدين بالضرورة، بل معلوم من الدين بالضرورة ابتداء أن من لم يكفر كل من دان بملة غير الإسلام فهو كافر والعياذ بالله، لكن الجهل هو الذي جعل هذه المسألة في واقعنا ليست معلومة من الدين بالضرورة، وإن كان إقامة الحجة فيها بتلاوة الآيات الواضحات قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧].
وقال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣١].
وقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا أدخله الله النار).
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦].
والآيات أكثر من ذلك في تأصيل عقيدة راسخة وهي: أن الشرك ظلم عظيم، وأن الإسلام هو الحق، وأن ما دونه باطل وكفر، والولاء والبراء أصل لا بد أن يؤصل في نفس كل مسلم ومسلمة، وإلا لا يصح له دينه ابتداء، فمن لم يتبرأ من الشرك والكفر، وصحح مذهباً وديناً غير دين الإسلام، وجوز ملةً غير الملة الحنيفية وملة التوحيد، فإنه لا يكون موحداً ولا يكون مسلماً والعياذ بالله؛ لذلك نقول: إن هذا من أعظم الخطر أن يعلموا الطفل من أول نشأته أنه ليس بيننا وبين الكفار من اليهود والنصارى عداوة.
كذلك الآن يقولون: محمد وسمعان، واسم سمعان يدرسونه في سنة ثانية ابتدائي، و (سمعان) هو: اسم منتشر عند النصارى وعند اليهود، كذلك هناك أعياد دينية، والأعياد الدينية التي تشتمل أعياداً إسلامية أو أعياداً مسيحية، والأعياد الإسلامية اثنان، والأعياد المسيحية اثنان أيضاً، الأعياد الإسلامية: عيد الفطر، والأضحى، والأعياد المسيحية: عيد الميلاد، وعيد القيام المجيد، وغير هذا كثير والعياذ بالله.
كذلك حذف جميع الغزوات التي فيها حرب بين المسلمين وبين اليهود وبين النصارى، فلا يوجد أحد يعرف غزوة مؤتة من الأبناء أبداً، ولا غزوة تبوك، ولا غزوة خيبر، فكل هذه الغزوات حذفت باسم التطبيع مع اليهود والنصارى، وغير ذلك كثير.
стр. 585
الجهل بالشرك في الربوبية وخطر انتشاره
هناك أنواع للشرك منتشرة في المحيط الذي يحيط بنا، ولا بد أن يحذر منه الكبار والصغار؛ لأنه إذا لم يدر ما الشرك فإنه يوشك أن يقع فيه والعياذ بالله، فلو قلت لهم: ما هو الشرك؟ لما وجدوا غير من يعبد الأصنام فقط، أما من يعتقد مثلاً شركاً في الربوبية بأن يعتقد أن غير الله يملك النفع والضر، والإحياء والإماتة، والشقاوة والسعادة، ويملك الرزق ونحو ذلك، من الأموات والمقبورين، أو من الجن، أو من الرؤساء والكبراء الذين يملكون الأمر كله، وربما وصل الكفر ببعضهم أن يقول مثلاً لمن يظن أنه قد ملك عليه أمره: ادع الله وانظر هل ينفعك أم لا؟ أو اجعل الدعاء ينفعك، أو نحو ذلك مما يكفر به الكثيرون؛ لأنهم يتصورون أن الكبير والقوي وذا السلطان والمال يقول لك: هذه الفلوس تشتري كل حاجة، وهذه الكلمة قد توصل في النهاية إلى الكفر والعياذ بالله، وإني لأعلم رجلاً كان فيما مضى يتاجر بالكتب الإسلامية، وهو يقع في نوع من أنواع الكفر، ففي مسألة الغنى بالمال فالله أعطاه مالاً وهو يقول: أنا بمالي استطعت أن أرزق نفسي، والمال هذا أنا أشتري به كل شيء، وربنا لا يعطيني منه شيئاً، فهذا كلام كفري فظيع والعياذ بالله، وأنواع ذلك كثيرة في مسألة الشرك بالربوبية.
كذلك شرك من يعتقد أنه حر مع أوامر الله، مع أن من معاني الربوبية: أن الرب هو المالك والعبد مملوك، فمن إذا قيل له مثلاً: أقم الصلاة، آت الزكاة، اترك الزنا، فيقول: أنا حر، فكلمة أنا حر تقولها مع العبد مثلك، أما أن تقول: أنا حر مع أوامر الله فهذا من الكفر بالربوبية والعياذ بالله؛ لأنك لست حراً مع أوامر الله .
وهذه هي القضية الأساسية التي يُنادى بها في العالم، وهي قضية الحرية بما فيها حرية الكفر والسب والطعن في دين الله ، وكثير من الناس عندما يتكلم عن أي شيء تجدهم يقولون: أول شيء أننا لا نتعرض لقضية الحرية؛ لأن قضية الحرية مقدسة عندهم، فأي رجل هو حر عندهم يفعل ما يشاء، ويعتقد ما يريد، ويكفر بما يشتهي، ولذلك كثير جداً من الناس يقع في هذا الضلال والكفر والعياذ بالله، مع أن هذا الشرك هو شرك إبليس، فهو لم يقل: رب ما أمرتني، بل قال: لا أسجد، وهذا يقول لك: أنا لا يلزمني كلام ربنا، أو كلام النبي ﵊، فربنا يعاقب بما يشاء، ونحن نأخذ منه الذي نريده، ونترك الذي نريده والعياذ بالله.
стр. 586
الشرك في الحاكمية
إن من يعتقد في الأحبار والرهبان، أو الكبراء والرؤساء حق التشريع وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وتعديل الشرع أو يحاد شرع جديد يلزم به الناس، فهذا والعياذ بالله من أنواع الشرك الأكبر أيضاً، وإن كان انتشاره في العامة والخاصة جعله أمراً عادياً، حتى إن البعض يشك أنه شرك، والبعض يلحقه بالشرك الأصغر مع أنه لا شك من الشرك الأكبر، فمن يشرع للناس من دون الله ويجعل شرع الله تابعاً لكلام الناس فإن أقروه صار حقاً، وإن أبطلوه صار باطلاً، وإنما يطبق منه وينفذ ما وافق القوانين والدساتير، فقد وقع في الشرك والعياذ بالله.
وتجد أناساً يصومون ويصلون ويزعمون أنهم مسلمون، ويقررون ذلك أوضح تقرير، كما ذكرنا مثالاً من قبل فيمن ألزم الناس بالربا، وقال: إنه دستوري؛ لأن النص لم يتعرض للإلغاء لما قبل صدور هذا النص، أي: أن النص الدستوري بأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لم يتعرض للإلغاء لما قبل ذلك، فالذي قبله مشروع لا بد أن يطبق ويلزم الناس به ومنه الربا، ولاشك أنه يسميه بغير اسمه، ولم يقل: هذا ربا، قال: هذه عمولة أو فائدة أو استثمار، مع أنه ربا صريح، ولا نزاع عنده أنه فائدة ربوية محرمة، ولكن النص لم يلغيه، ولذلك لا بد من اعتباره، وهذه قاعدة خطيرة جداً والعياذ بالله، وهي من أخطر ما يهدد العقيدة في أن الله وحده هو الرب الحاكم.
стр. 587
الجهل بالشرك في الألوهية
أما الشرك في الإلهية فهو أيضاً منتشر انتشاراً كبيراً والعياذ بالله في صرف العبادات لغير الله، كمن يدعو الأموات ويستغيث بهم، ويذبح لهم، وينذر لهم، ويخاف منهم، ويرجوهم، كذلك من يتحاكم إلى عادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، فمن اعتقد ولو لم يتحاكم وقع في الشرك، ومن تحاكم راضياً مختاراً من غير إكراه إلى من يحكم بغير ما أنزل الله فقد صرف العبادة لغير الله، ونحن نبين هذا على سبيل الإجمال لا على سبيل التعيين؛ لأن هذه الأنواع من الشرك يقع فيها كثير من الناس وهو لا يدري، فهذا لجهله وتأويله وانتشار الفتن والعياذ بالله؛ لأنه أصبح أمراً منتشراً، ولا نعني بذلك تكفير المعين دون إقامة الحجة، ولكن نحذر من خطر وجود الشرك الذي لا بد أن نربي أبناءنا على الحذر منه، ولا بد أن نعرفهم جميعاً به بمجرد قدرتهم على التمييز وإدراكهم لمعاني الكلمات.
стр. 588
دخول الشرك في الأسماء والصفات
قال تعالى: ((يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ))، الشرك يدخل في قضية الأسماء والصفات، فمن عطل أسماء الله وصفاته وجحدها ونفاها وحرفها، وكذلك من شبه الله بخلقه أو شبه المخلوقين بالخالق فكل ذلك من الشرك، وكل ذلك من الظلم العظيم، وهو وضع الشيء في غير موضعه.
فالإنسان لا يضع ربه في غير موضعه؛ فإن الله فوق عرشه، وهو إله العالمين ورب العالمين، ومهما عبد المشركون غيره فذلك لا يغير من الأمر في حقيقته من شيء؛ فإن الله ليس معه من إله كما قال : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء:٢٢].
وقال تعالى: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) أي: كون الإنسان يشرك بالله فقد وقع في الظلم الأكبر لنفسه، وليس معنى ذلك أنه يظلم الله كما قد يظن البعض ذلك، فهذا خطأٌ، فالعبد لا يظلم ربه، قال : ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧].
فإن الله لا يقدر العباد على ظلمه، ولا يتصور ذلك منهم، ومهما صنعوا فهم في قبضته، بل ما وقع منهم ذلك الشرك إلا بمشيئته وقدره، وإن كان هو حرمه عليهم، وإنما قدره لحكمة بالغة، فالله جعل الشرك أعظم الظلم، فهذه هي التربية الإيمانية.
ونلاحظ في ثنايا الوصية تعليم الأسماء والصفات كما ذكرناه في قصة يوسف، وهذه تجدها كذلك في قوله هنا: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] فقوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)) هذه تربية إيمانية على تعريف الابن المربى أسماء الله وصفاته، وأنه سوف يأتي بعملك.
قوله: ((إِنَّهَا إِنْ تَكُ)) أي: إن تكن الفعلة التي فعلتها أو المعصية التي فعلتها، ((مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)) مهما كانت قليلة، ((فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ))، ولو كانت مغلقة عليك، فيربيه على المراقبة لله أن الله يبصره، وأنه يعلم ذلك، وأنه خبير بما يفعل، وأنه لطيف سوف يأتي بما دق وقل، وسوف يحاسبه عليه، فيربي فيهم المراقبة والمحاسبة، وهي عبادات قلبية وهي أساس الإيمان، وربط ذلك بالأسماء والصفات كما نجدها واضحة في وصية يعقوب ليوسف ﵇ كما ذكرنا.
وهذه الأمور من أهم ما يلزم كما ذكرنا في وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك).
وهذا تعليم للقضاء والقدر بأوضح عبارة، مع تجنب الفلسفة الكلامية، والعبارات الغامضة، والمباحث السخيفة التي أهلكت الناس والعياذ بالله، وإنما بين له النبي ﵊ مراتب القدر واضحة جلية، وعلمه أن يستعين بالله وحده، وأن يسأل الله وحده ولا يدعو سواه، وأن يحفظ الله ويراقبه، وذلك بأن يحفظ سمعه وبصره ويده ورجله، وبين له أن الله يحفظه بذلك، وأنه سوف يجازيه على ذلك، بأن يجده عند الشدة معيناً له، كما قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
стр. 589
الأسلوب التربوي الأمثل في تعليم العقيدة
إن التربية الإيمانية الاعتقادية بأنواعها الثلاث من أهم ما يلزم المربي، ومن أهم ما يلزم الأب والأم أن يعلموه لأبنائهم، وإنما يتم ذلك بالأسلوب القرآني والنبوي، وليس بالأسلوب الكلامي ولا بمجرد التلقين، فلا تظن أن الولد لو حفظ العقيدة الطحاوية كفاه ذلك، لا، فهذا ليس هو الأسلوب الذي كان عليه طريقة القرآن وطريقة السنة، وإنما الحفظ شيء تابع، وإلا فإنه رسول الله كان سوف يلقن الصحابة متناً معيناً يحفظونه، وبذلك يكون قد درسهم الاعتقاد.
أنا لا أقول ذلك تزهيداً في حفظ المتون، وإنما لا أُسَرُّ عندما أسمع ابني يكرر العقيدة الطحاوية مع علمي أنه لا يفقه منها شيئاً، فلذلك نقول: ليس هذا هو الكافي، لا تظن أنه بذلك قد صار يفهم التوحيد أو يعلم العقيدة، وكذا من حفظ متن معارج القبول أو درسه جيداً وأتقن كل مسائله، فمسائل الاعتقاد أعمق من ذلك، مسائل الإيمان يتأصل القلب بها، ويصلح بها، وليس مجرد أن يعرف علماً مجرداً، أو كيف يرد على الشبهات.
إن مسائل الاعتقاد لا بد فيها من أمرين اثنين: أن يعرف الإنسان كيف يقول، وكيف يحب وكيف يخاف، وكيف يرجو، وكيف يراقب الرب ، وكيف يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله ، وكيف يعرف أسماء الله وصفاته ويتأثر بها ويتعبد لله بها، فكما يعرف الشرك ويتركه يعرف التوحيد ويأتيه، ويتعبد لله بأنه الرب الإله المعبود الذي له كل معاني الكمال، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى .
стр. 590
طاعة الوالدين من معالم التربية الإيمانية
قال : ((وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ)) ونلحظ هنا تغير طريقة الخطاب فهو لم يقل: قال لقمان لابنه: أطع والديك أو بر والديك أو استوص بهما خيراً، وإنما ذكرها ربنا في طريقة الخطاب؛ لأنها خطاب منه ، وهي ضمن وصية لقمان؛ ولكن لقمان أخرجها في صورة أنها أمر الله ؛ ليعلم الولد أن بر الوالدين أمر من الله، وأن لقمان لا يأمره ابنه أن يبره لأجل مصلحته أو لأجل حاجته هو، وإنما يأمره بسماع كلامه على أن الله هو الذي أمرك به، وأن الله هو الذي وصاك بوالديك؛ وذلك لكيلا تكون طاعة الولد لوالديه واستيصاؤه خيراً بهما من أجل منفعة ينالها منهما، فلا شك أن الأب والأم هما مصدر النفع الظاهر والضرر الظاهر للولد، ولكن لا بد أن يبرهما رغبة فيما عند الله وطاعة لله .
قال تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ)) وهذا لا بد أن يتفكر فيه الكبير قبل الصغير، وأن يدرك الجميع كم تعبت الأم في حملها ورضاعها لطفلها، وذلك سبب لوجوب شكر هذه النعمة التي أولتها له الأم بفضل الله .
قال تعالى: ((وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)) أي: ضعفاً على ضعف.
((وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)) أي: فطامه في عامين.
قال : ((أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)) والشكر هو: الاعتراف بالنعمة، وقدم الشكر لله؛ لأنه هو الذي خلق هذه النعمة، وهو الذي أوجدها، وهو الذي هيأ الأب والأم وقذف في قلبيهما الرحمة والشفقة والحب لولدهما، وهو الذي جعلهما يتحملان كل ذلك بفضله .
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 591
وقفات مع سورة غافر
إن لنا عبرة في ذلك المؤمن الصادق الذي آمن بالله وأسمائه وصفاته، ولم يغتر بزخرف الحياة الدنيا الزائل، فيسخر الله له ولأمثاله الملائكة الكرام حملة العرش العظيم يستغفروا له، بدعائهم الله أن يقيه السيئات، وأن يجمعه بأحبابه في دار كرامته.
وفي المقابل نجد ذاك الرجل الفاجر الذي غره الشيطان، وغرته نفسه، وغره ما يرى من تقلب الذين كفروا في البلاد؛ كيف مقته عباد الله، بل مقتته نفسه التي بين جنبيه، ثم يتوج ذلك الخزي بالمقت الأعظم الذي هو مقت الله له إلى أبد الآبدين.
стр. 592
الإيمان بأسماء الله وصفاته من مقتضيات الإيمان بالله
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونسغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٢٠].
إن الله فرض على العباد توحيده ومعرفته ومحبته والتعبد له بمقتضى أسمائه وصفاته، ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وقدر من أنواع المقادير خيرها وشرها ما يتعرف العباد به على أسماء ربهم الحسنى بقلوبهم وعقولهم، وصفاته التي علموها من الوحي المنزل من عنده ، وإن كانت القلوب إنما تعي ذلك وتدركه حين تطبق هذه الآثار العملية في الحياة، ولذلك نجد أن قضية الإيمان بأسماء الله وصفاته دائماً مرتبطة في قلوب عباد الله المؤمنين بالأحداث التي تقع في حياتهم، ولذلك كانت فضيلة الإيمان بأسماء الله وصفاته في مقدمات السور وخواتيمها، بل إن معظم آيات القرآن الكريم تختم بذكر أسماء الله وصفاته.
وهذه السورة -أعني سورة غافر أو سورة المؤمن- قص الله علينا فيها قصصاً، وضرب لنا فيها من الأمثلة ما تتثبت به أفئدة المؤمنين، ويعرفون به طريقهم إلى الله ، ويزداد به إيمانهم، ويسيرون على نور من ربهم، قال : ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣]، فهذه جملة من أسماء الله وصفاته تعرف العباد بربهم ، فالله هو الإله المعبود العزيز الذي قهر كل شيء، وغلب كل شيء ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وهو سبحانه العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، فما أراده كان وما لم يشأه لم يكن، وهو ناصر دينه وأولياءه وعباده المؤمنين، كما قال : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، وهو العليم بمواقع الأشياء ومواضعها، والعليم بدقائق الأمور وظواهرها وبواطنها، وقد شرع الشرائع بعلمه ، وقدر المقادير بعلمه وحكمته.
﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٢ - ٣]، وهذا من أعظم ما يتعلق به المؤمنون، فهم يعرفون دائماً أن ما أصابهم من مصائب ومحن فهو بسبب الذنوب، ولذلك هم دائماً يفرون إلى الله منه ، فيفرون إلى الله بالاستغفار والتوبة والإنابة والرجوع الدائم ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، والرسل جميعاً دعوا قومهم إلى أن يستغفروا ربهم، فهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، وكذلك قال الأنبياء من بعده: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٩٠]، هكذا كانت دعوة الأنبياء، ويجب أن تكون دعوة المؤمنين وحياتهم دائماً كذالك: فيها توبة واستغفار، وهو غافر الذنب، وإذا غفر الذنوب وسترها وقى العباد شرها وعافاهم من عقوباتها.
((وَقَابِلِ التَّوْبِ))، وهو كما قال : ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، وهو قد فتح باباً للتوبة قَبِل المغرب يسير الراكب في عرضه مسيرة أربعين أو سبعين خريفاً، ولا يزال مفتوحاً للتوبة حتى تطلع الشمس منه، والله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
((شَدِيدِ الْعِقَابِ)) لمن خالف رسله، وخالف شرعه، وحارب أولياءه.
((ذِي الطَّوْلِ)) أي: ذي الغناء والعطاء العظيم والمن والفضل .
((لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: لا معبود بحق سواه.
((إِلَيْهِ الْمَصِيرُ))، فهو الذي قدر مقادير الخلائق وجعلها ترجع إليه؛ للحساب والسؤال والثواب والعقاب، فليست الدنيا آخر المطاف.
فهذا ملخص عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر: معرفة الله بأسمائه وصفاته التي تظهر آثارها في حياة الناس، والذين يدركون هذه الآثار هم أهل الإيمان، وذلك عندما يوقفهم ربهم على مقتضى أسمائه وصفاته، وارتباطها بواقعهم.
стр. 593
وسائل الكفار للصد عن سبيل الله
لقد بين الوسائل التي يستخدمها الكفار للصد عن سبيله، فقد يجادلون ويناقشون، فإن غُلبوا لجأوا إلى الحرب والبطش، فقال الله تعالى: ((مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا))، وذلك لأنها آيات بينات واضحات، ولكن الكفار لا ينفع معهم حجة، ولا تزجرهم آية، ولا يتعظون بموعظة، فيظلون على الجدال بالباطل، ومهما ظهرت الحجج العقلية والنقلية، والمعجزات الحسية، فهم يأبون الانقياد، ولو كان الحق أوضح من الشمس في رابعة النهار ما استجابوا له، ولو أن الله حشر عليهم كل شيء، وكلمهم الموتى ما كانوا ليؤمنوا؛ لأن الله طبع على قلوبهم، ولولا الخذلان لما وقع ذلك، وما طبع على قلوبهم إلا بسبب من أنفسهم.
((مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا))، وهذه المجادلة المقصود منها أن يمنعوا فائدتها، وأن يفسدوا على الناس الانتفاع بها، وهذه المجادلة تكون بالطعن فيها، أو بالطعن في من يقرأها ويتلوها ويأت بها من الرسل ثم من أتباعهم بعد ذلك، أو بمحاولة تحريفها وتأويلها إذا زعموا الإيمان بها، أو بمحاولة صرف الناس عن حقيقتها أو حقيقة معانيها؛ لكي لا تطبق في الحياة، أو لتكون مجرد أقوال تقال دون أن تكون عملاً وسلوكاً يتغير به حال الناس إلى ما يوافق أمر الله وشرعه.
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] أي: أنهم يتمكنون مدة من الزمن قدر الله مدتها، وهو الذي جعلهم يتقلبون في البلاد ذهاباً وإياباً، وأمراً ونهياً، وتملكاً وتسلطاً فيما يبدوا للناس، وأكثر الناس يغرهم ذلك، ويقولون: هذا هو الحق؛ لأنها هي القوة، فالحق عندهم مع من كانت القوة في صفه وفي صالحه، ومن كان السلطان عونه، ومن كان الأمر في الناس أمره، فيغترون بذلك ثم يتابعون الباطل، ويشاركون في المنكر؛ لأن صاحبه يتقلب في البلاد، والأنهار تجري من تحته، وله الملك في أنحائها -نسأل الله العافية- وقد حذر الله عباده المؤمنين أن يغتروا بذلك وإن كان الخطاب للرسول ﷺ .
والمقصود أن هذا التغلب في البلاد هو إلى حين، فله نهاية حتماً، ولابد من أن تشرق الشمس من جديد، وأن يزول تمكن الباطل؛ فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
والله حين قدر أن تكون الأيام بين الناس دولاً إنما قدر ذلك ليستخرج من قلوب عباده المؤمنين أنواع العبودية، والمعرفة بأسمائه وصفاته، والتعلق بالله سبحانه، وصدق التوكل عليه، وحسن الظن به، وكمال التفويض إليه، وإلجاء الظهور إليه، كما كان النبي ﷺ يقول عندما يأوي إلى فراشه كل ليلة: (اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت).
إن الذي يستشعر أنه يرغب إلى الله ويرهب منه، وأنه قد فوض الأمر إليه، وأنه ليس له ملجأ إلا إلى الله ، فألجأ ظهره إلى الله، وأسلم نفسه لله، وفوض أمره إلى الله، وتوكل على الله؛ فهذا الذي قد أيقن بأسماء الله وصفاته، وأحسن الظن بالله ، وذلك إنما يقع ويكون بالصبر على أنواع من المقدورات التي قد لا يحب الله كثيراً منها ولا يرضاها، ولكنه قدرها لما يترتب عليها من أنواع المحبوبات له ومن أنواع العبودية، والتعرف للعباد بآثار أسمائه وصفاته، ومن كونهم يتضرعون إليه، فيجيب دعوتهم، ولذلك فلا تظنن أن الظلام هو من صنع أهل الظلام، إنما يستغلون الفرصة، وإنما جعل الليل والنهار، والظلمات والنور خالقُ الكون كله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، فالظلمات قدر الله أن توجد كما قدر وجود الليل، وقدر أن يطلع النهار بعد ذلك، فكذلك سيظهر نور الحق فلا يغررك إذاً ما تراه من تقلب الذين كفروا، فالذي جعلهم يتقلبون والذي مكن لهم وسلطهم هو الله .
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩]، وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٣].
فمن أين يأتي الغرور لمن أيقن بذلك كله؟ فالله هو الذي قدر وأعطى ومنع وابتلى عباده المؤمنين، قال الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦].
стр. 594
الأرض مكان الصراع بين الحق والباطل
((فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ)) فمن أين يأتي الغرور لمن عرف أسماء الله وصفاته، وعرف أنه هو الذي قدر المقادير، وآمن بالقدر خيره وشره، وفوض الأمر إلى الله؟ إنما يغر الإنسان إذا ضعف إيمانه أو زال، وإنما يغر الإنسان إذا وزن الأمور بموازين أهل الدنيا، وبقوة أهل الأرض، ولكن المؤمن ترتفع نفسه إلى آفاق أعلى زماناً ومكاناً.
وانظر إلى هذه الآيات التي توسع أفق المؤمن، وتجعله يرى الدنيا من أولها إلى آخرها كحلقة واحدة تتضمن أنواعاً أو حلقات من الصراع بين الحق والباطل ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥].
وتأمل ما يجعلك ترى الدنيا من أولها إلى آخرها زماناً صغيراً جداً تتكرر فيه هذه الصراعات التي حقيقتها صراع بين الإيمان والكفر، ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)) أي: قبل قريش، وقبل كل أمة سارت على طريقها وعلى نهجها، وقبل كل قوم كفار، فكان قوم نوح على تكذيبهم لرسلهم، والأحزاب من بعدهم، وهذه سنة قدرها الله أن تكون، وأن تتحزب الأمم وقوى الباطل، وتجتمع على رسلهم أصحاب دعوة الحق، ((وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ))، ومن الأحزاب فرعون وثمود والجنود التي جندوها ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:١٧ - ٢٢].
فتحزبت الأحزاب، واجتمعت القوى؛ لكي تزهق الحق، فثبت الحق وزهق الباطل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥]، فيزداد الكيد والمكر عبر مرور الأيام والشهور والسنين للدعوة إلى الله ، ويصل الأمر إلى أن قرر الكفار بأن يجتثوا الدعوة من أصلها، ويأخذوا رسولهم ويمنعوه بالكلية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
وحين ترى أن الله جعل ذلك مثالاً للمؤمنين لكي يتعظوا، فاعلم أن هذا الأمر يتكرر، وأن الكفار يريدون أن يجتثوا دعوة الرسل، فالذين قتلوا الأنبياء بالأمس هم الذين يريدون قتل دعوتهم في كل زمان ومكان، وهم لهم نصيب من ذلك، ولذلك ذم الله بني إسرائيل في عهد النبي ﷺ وقال لهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]، فجعلهم من قتلة الأنبياء مع أنهم لم يتمكنوا من قتل النبي ﷺ ، ولكن لما أرادوا قتل دعوته، وهموا بقتله، وأرادوا قتل أولياء الله ، وحزبوا الأحزاب من أجل إبادة الدعوة وإيقافها، جعلهم الله كالذين من قبلهم، وهي مسألة تتكرر في الأزمنة والأمكنة المختلفة، فطالما عادوا أولياء الله لأجل ولياتهم لله، وعادوا الدعاة إلى الله لأنهم يدعون إلى الله سبحانه، وعادوا أهل الإسلام لأنهم أسلموا، وتجد أن هذا الأمر يتكرر في المشارق والمغارب، فتجد من يحارب من التزم بالدين؛ لأجل التزامه بالدين، فهذا يحارب الله ويحارب رسوله ﷺ ، وهذا منهم، وكلهم يريدون أن يأخذوا دعوة الرسل ليوقفوها، فإن فعلوا ذلك فإن الله سيأخذهم، قال سبحانه: ((وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ))، ولهم وسائل متعددة، فقد هموا بأن يأخذوا الرسل، وكذالك جادلوا بالباطل، فاستعملوا جميع الوسائل المتاحة لهم من القوة المادية والمعنوية ليصدوا الناس عن سبيل الله، ومحاولة إقناع الناس بأن ما جاءت به الرسل ليس هو الحجة، فإن استجابوا لهم وإلا أخذوا الرسل وبطشوا بمن تبعهم.
((لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)) فما كان الجزاء؟ (فأخذتهم) أي: أخذهم الله وأبطل كلا النوعين من المكر، وأبطل ما أرادوا من أخذ الرسل، بل أخذهم هو ؛ لأن الله من ورائهم محيط، والقوة له جميعاً ، ولا حول ولا قوة إلا به ، ولا يملك العباد شيئاً: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
فأما ما يدعو به النبي ﷺ فهو كي تستيقظ القلوب من وزن الأمور بميزان أهل الدنيا، ولكي تدرك حقائق هذا الوجود، وتدرك أين القوة ولمن تكون، يقول النبي ﷺ : (اللهم! رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم! أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اللهم! اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر).
فما أعظم أدعية النبي ﷺ ! فهي أدعية تجعل الإنسان يتجاوز زمانه ومكانه، ويستحضر أن أوامر الله نازلة، وأن أعمال العباد إليه صاعدة، وأن الدنيا كلها في قبضته ، وأن صغير الأمور وكبيرها هو مالكها ومدبر أمرها: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، فعندما يدرك المؤمن ذلك، ويتحرر من قيود الزمان والمكان يعظم إيمانه، فترجح كفته، وينتصر بإذن الله وتنتصر طائفته.
وإنما ترجح كفة ميزان أهل الإيمان بمقدار الإيمان في قلوبهم، فتتغير الموازين من أجلهم، وينمحي الباطل بدعائهم، وإنما يكون ذلك باستحضارهم عظمة ربهم، فهؤلاء الكفار أخذهم الله قبل أن يأخذوا رسولهم، وقبل أن يوقفوا الدعوة، وفي كل مرة يظن الظان أن أمر الدعوة وصل إلى طريق مسدود، وأوشك على الانتهاء.
وانظر إلى إبراهيم ﵇ وقد ألقي في النار والظن بلا شك لكل من يزن بموازين الأرض أن دعوته قد توقفت وانتهت وماتت، وإذا بالأمور تنقلب، وإذا بذكر إبراهيم يظل إلى الآخرين: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]، ويظل إبراهيم إماماً للمتقين، رغم أنه ما آمن به من قومه إلا لوط، وهكذا جعل الله موسى ﵊ عندما أقسم أتباعه أنهم لمدركون: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فهكذا أخذ الله الكفرة.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٥ - ٦] فكما فعل الله بمن مضى من المكذبين سيفعل بمن يأتي منهم، ففي كل زمن، وفي كل أرض، وفي كل صراع يوجد من هذه النوعية، وإنما يريد الله أن يقع عقابه على الكافرين بالحق، ولم يعذبهم باطلاً، ولم يدخلهم النار ظلماً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]، أترون البغي والعدوان والظلم والطغيان الذي يرتكبه أعداء الله وعلى رأسهم اليهود الغادرون المكذبون الطغاة المجرمون، الذين ينشرون الفساد في مشارق الأرض ومغاربها، أتظنون أن ذلك يغيب عن الله، أو أنه خارج عن سلطانه؟ لا والله! ولكنه سبحانه يملي لهم؛ لأن كيده متين، ولأنه سبحانه يريد أن يدخلهم النار.
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]، فلقد كان دخولهم النار حقاً وعدلاً بما اقتضته أعمالهم وبما كسبته أيديهم، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧]، وهم بطغيانهم هذا يقتربون من النهاية، وذلك حكم الله وإرادته في جبر المنكسرين، وكسر المتجبرين وإذلالهم وإصغارهم، كما قال سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]، فإرادته ماضية في ذلك، كما حكى الله عن قوم موسى قولهم لموسى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٩]، ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦].
стр. 595
المؤمنون هم الأكثرون في الحقيقة
ثم بعد تجاوز حدود الزمان تجاوز أيها المؤمن حدود المكان؛ لتعلم أن الكون كله مطيع لله، فهناك عرش تحمله ملائكة كرام يسبحون الله ليلاً ونهاراً، ومن حول العرش يعظمون الله أكبر تعظيم، ويقدسونه ويسبحونه، وترى الكون كله كذلك يسبح، وأنت مرتبط بهذا الكون، بل إن الله جعل لك شأناً عظيماً؛ حيث سخر ملائكة كراماً من حملة العرش -وما أعظمهم-، فقد أذن للنبي ﷺ أن يحدث عن ملك منهم ما بين شحمة أذنه إلى عاتقة مسيرة سبع مائة سنة، وقد جعلهم الله يستغفرون لك، ويدعون لك بالتثبيت، وهم مع كونهم منشغلون تمام الانشغال بعبادة الله، فقد جعل من عبادتهم الدعاء للمؤمنين، فأنت لست وحدك وإن كنت ترى نفسك فرداً ذليلاً ضعيفاً، لكن جنود الله أكثر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فجعل الله ملائكته يدعون لعباده المؤمنين، ويستغفرون لهم، ليقيل عثراتهم، ويكفر سيئاتهم، ويثبتهم، وينصرهم، ويؤيدهم، قال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧].
وكم عدد الكفرة في الأرض؟ والله مهما بلغوا الملايين، ومهما اعترضوا وأبوا واستكبروا أن يسبحوا ربهم فإن المؤمنين والملائكة سيسبحونه وهم أكثر وأعظم، وكما قال النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد، لا يفترون عن التسبيح والذكر وعبادة الله)، فلذلك إذا كثر الكفار فجنود الله أكثر، وإذا كثر الظلمة فمن يعبد الله ويسبحه أكثر ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٤]، فيظنون أنفسهم كثرة ويقولون: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٦] وقالوا: ((نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ))، ومع ذلك فهم قليل، وسيعلمون ذلك إذا رأوا حقائق هذا الكون على ما هي عليه عندما ينجلي الغبار، وعندما يفيق الناس من رقدة الحياة الدنيا.
أنت أيها المؤمن! تستشعر ذلك في هذه الحياة، فتسعد بها أعظم سعادة مهما كان الضيق في الأرض، فأنت ذا أفق أوسع، فالدنيا كلها بمثابة يوم، وهناك اليوم الآخر.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، وليس فقط حملة العرش فهناك غيرهم، ولكن الله ذكر أشرف مخلوقاته ليذكر إيمانهم واستغفارهم لعباد الله المؤمنين، وإلا فالكائنات كلها تسبح له كما قال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة:١]، وقال: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف:١]، وقال : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
فإذا استشعرت القلة والذلة والضعف فانظر إلى الكائنات من حولك، وانظر إلى الأرض التي تمشي عليها، والسماء التي يصعد إليها عملك، والطير وهي صافة بأجنحتها، وتأكد أن الكل يعبد الله، وهو يحبك، وهو يريدك أن تثبت، فيحبك إذا كنت مؤمناً، كما قال عن آل فرعون: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩]، إذاً: فالسماء والأرض تبكيان على المؤمن؛ لأنهما تحبانه وتريدان أن يبقى عمله الصالح فيهما، وكما أخبرنا النبي ﷺ : (أن الحيتان في البحر وهوامه، والطير في السماء تستغفر لمعلم الناس الخير).
وكل مؤمن فإن الكون من حوله يؤيده، كما أن المؤذن يشهد له كل ما سمع صوته من الكائنات من مدر وحجر، وكذلك الملبي يشهد له يوم القيامة بذلك، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا، فالكائنات تسبح الله، حتى الملائكة فإنها تسبح بحمد الله.
إذا رأيت ذلك ارتفعت نفسك عن هذه الدنيا الصغيرة الحقيرة، الضعيف أهلها، الفقراء أصحابها، فالعاجزون الذين من تمسكوا بها، وحرصوا عليها.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧]، لا بد من وجود الذنوب ولكن كن تائباً، فإن (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فسر على طريق الله ، والتزم بطاعته، واتق الله ليسخر الله لك من خلقه من يستغفر لك، ويطلب لك المغفرة، فقد تذنب وقد تخطئ وقد تعصي الله، ولكن كن سائراً في طريق الله، ولا تكن على خلاف ذلك، ولا تكن سائراً في غيره؛ فإنك إن كنت متجهاً إلى عبادة غير الله فأخطاؤك لن تغفر، وليس هناك من يستغفر لك، لذلك إذا كنت في الجملة مطيعاً لله ، باحثاً عن رضوانه، راغباً في ثوابه، راهباً من عقابه، محباً له، خائفاً منه، راجياً فضله؛ فعند ذلك يستغفر لك كل شيء، ويستغفر لك ملائكة الله سبحانه ويقولون: ((فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا)).
((وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ))، فالتزم بسبيل الله.
﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر:٧ - ٨]، فهؤلاء الذين تخشى عليهم إذا فارقتهم، وتخاف عليهم حين يصيبك مكروه أكثر من خوفك على نفسك، (أحبب من شئت فإنك مفارقه)، ومع ذلك فإنما الاجتماع هناك، فهناك السعادة الحقيقة، فكم يكون فراق أهلك ومالك ستون سنة، سبعون سنة؟ لكن هذه هي سنته سبحانه في أكثر الخلق، وأعمارهم لا تصل إلى أكثر من ذلك في الغالب، ومع ذلك فلابد من الفراق، واعلموا أنكم لن تدخلوا الجنة إلا إذا كنتم مطيعين لله.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] فالملائكة يتوسلون إلى الله بأسمائه وصفاته من أجل أن يجمعك بأحبابك في جنته التي هي كل رضوانه .
قال : ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٩]، وهي دعوة شاملة في الدنيا والآخرة، فالملائكة تدعوا ربها أن يقي المؤمنين السيئات، ومن ضمن السيئات ما يمكره أعداء الله بالمؤمنين، كما قال في نفس السورة عن المؤمن: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥]، فالله يقي المؤمن السيئات في الدنيا، والقبر، والآخرة، وهو محض فضل الله تعالى، وإذا وقي الله المؤمنين السيئات يوم القيامة فهذه هي الرحمة: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩].
اللهم اغفر لنا، واجعلنا من الذين تابوا واتبعوا سبيلك، وقنا عذاب الجحيم، ربنا وأدخلنا جنات عدن واجعلنا من الصالحين وآباءنا وأمهاتنا وذرياتنا وأزواجنا إنك أنت العزيز الحكيم، وقنا السيئات ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩]، اللهم اجعلنا من الفائزين الفوز العظيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 596
مصير المؤمنين والكافرين في الآخرة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: ذكر الله عقب ذلك مصير الكفار، فبدأ بذكر مصير المؤمنين، وما هم فيه من الحب الذي يحيط بهم من كل جانب، والذي يحصل لهم من الكائنات كلها، ومنهم ملائكة الله تعالى، ويكفيهم شرفاً أن الملأ الأعلى يذكرهم، وأشرف من ذلك أن الله يذكرهم في الملأ الأعلى، كما قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
ثم ذكر في المقابل المقت والكراهية التي يحيط بالكفار من كل جانب، وهذا مقتضى عدله ! فإياك أن تغتر فتختار طريق البغضاء والكراهية والمقت من أجل زخرف الدنيا، ومن أجل تقلب سريع في البلاد سرعان ما يزول، وإياك أن تغتر بأن تترك سبيل الحق لأجل أن أهله مبعدون مطاردون، أو أن أهله عندهم من أنواع البلايا والمحن ما عندهم، وإياك أن تختار سبل الباطل أو تختار واحداً منها؛ فإن ذلك عذاب قبل العذاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، فحين دعي الكافر إلى الإيمان فكفر مقته كل شيء، ومقتته نفسه، فصار يحيا في المقت والكراهية، والله إنه لمن أعظم العذاب، وذلك حين يعيش الإنسان في كون يكرهه فيه كل شيء، ومقت الله أكبر من ذلك كله، كما قال النبي ﷺ في ذكر الفريقين: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض)، فيعيش في المقت حتى من الأرض التي يمشي عليها، كما قال النبي ﷺ : (مستريح ومستراح منه، أما المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وتعبها، وأما الكافر أو الفاجر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) فالشجر والبلاد والأرض تمقت الكافر والفاجر وتكرهه والعياذ بالله، ومقت الله أكبر، فنعوذ بالله من غضبه ومقته وعقابه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠]، أي: عذاب أشد من أن يعيش في مقت الله أبد الآبدين هذه بشارتهم يوم القيامة، وينادون بذلك: مقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم، لأنهم دعوا إلى الإيمان فكفروا: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، فيريدون الرجوع إلى الدنيا، ويريدون فرصة أخرى لكنهم لا يجدون، فالآن في الدنيا ما زالت الفرصة بين أيديهم ولن تتكرر في غير الدنيا، قال عنهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] أي: كنا أمواتاً قبل خلقنا، ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]، ((أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ))؛ فالموتة الأولى قبل الولادة حين كنا ماءاً وطيناً، والثانية بعد الولادة، ثم نحيا يوم القيامة: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] وليس هناك من سبيل، لماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، فليس كما كنتم تدعون أن الحكم لغيره، وأن الأمر لسواه، بل الحكم لله العلي الكبير سبحانه، الذي له كل معاني العلو: علو القدر وعلو الشأن، وأنه فوق العرش ، فهو الكبير الذي أحاط بكل شيء، وهو أكبر من كل شيء.
فالحكم لله العلي الكبير حين دعوا إلى الإيمان فكفروا، ودعوا إلى التوحيد فأشركوا وردوا دعوة الرسل، وحينها كتب عليهم ذلك المقت وذلك الغضب وذلك العذاب، فيريدون الخروج من النار ومن الغم والكرب، وإنما صارت النار عذاباً لمقت الله ؛ وذلك مقتض لأنواع الآلام الأخرى المستلزم لها والعياذ بالله، فالألم الحسي إنما هو فرع عن الألم المعنوي؛ لأن الله إذا مقت عبداً مقته كل شيء، فالنار تتغيظ على الكفار من أجل أن الله مقتهم؛ لأنهم كفروا، فانظر إلى نعمة الله عليك؛ لكيلا تغتر بزخرف الدنيا، وتنسى حقيقة هذا الدين.
هناك نعمة عظيمة أنعم الله بها عليك، وهي أنك تقول: لا إله إلا الله بسهولة ورفق، ومن فضله عليك أن جعلك موحداً لا تشرك به شيئاً ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٢ - ١٣] فدليل التوحيد ودليل أن الحكم لله أنه هو الذي يريكم آياته، وينزل لكم من السماء رزقاً، ومع ذلك فلا يتذكر إلا من أناب، فإذا وجدت قلبك بعيداً عن الاتعاظ فتب إلى الله وارجع إليه، فسوف يفتح لقلبك نوافذ من الخير تطلع منها على حقيقة الخير كله: من معرفة الله ومحبته، والتعبد له .
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] أي: لا تظنوا أنهم سيرضون عن عبادتكم لله، وعن دعوتكم إليه، ولذا لا تجعلوا رضاء الناس عن دينكم هو الميزان، ولكن التزموا ولو كره الكافرون، وأخلصوا لله عز وحل ولو كره المجرمون، وتمسكوا بطاعة الله ولو كره أهل الدنيا؛ فإنه: (لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)، ولكن وطن نفسك على أنك لن تترك الحق ولو كرهه الناس جميعاً.
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٤ - ١٥]، والروح هو: الوحي؛ لأنه حياة القلوب: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦] وكان الملك قبل ذلك له ، ولكن الناس ينازعون فيه، فأتى اليوم الذي لا منازع لله فيه، وظهرت حقيقة الأمر، فكن أنت ممن يوقن بأن الملك لله في الدنيا والآخرة قبل أن يوقن الناس جميعاً يوم القيامة بأنه لله الواحد القهار.
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] سوف يعتدل الميزان، وترجع الحقوق إلى أهلها، ويرد الأمر إلى نصابه، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] كما أخبر الله في كتابه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧].
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين وأصحاب الضلالة أجمعين.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك رهابين، لك مطواعين، إليك مخلصين أواهين منيبين، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت أقدامنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، والشيشان، وكشمير.
اللهم احفظ المسجد الأقصى ورده إلى المسلمين، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، ربنا انصرنا على القوم المفسدين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
стр. 597
ولا تهنوا ولا تحزنوا
كتب الله الخير والشر وقدره على بني آدم مؤمنهم وكافرهم، وهذا القدر الكوني قدره الله لحكمة عظيمة، فهو عذاب على الكافرين وابتلاء وتمحيص للمؤمنين؛ حتى يميز الخبيث من الطيب، ويتبين الصادق من الكاذب، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء؛ ولذا لا يحزن المؤمن ولا يهن لما أصابه.
стр. 598
الأمراض التي حذر الله منها
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٤٨].
стр. 599
مرض الوهن
حذر الله أهل الإيمان من عدة أمراض تقع للأمم المهزومة، منها: مرض الوهن الذي أصله حب الدنيا وكراهية الموت، وتعلق القلوب بشهوات الدنيا ورغباتها، وعدم التفكر في لقاء الله وفي الآخرة، وهذا مرض مهلك للأمم والشعوب والطوائف والأفراد، فيهلك الإنسان ويبعده عن الله ، ويجعله يرى الدنيا كبيرة جداً، ويهون عليه أمر الآخرة، فيهون على الله ، فينسى ذكر الله فينسى نفسه.
وكما ذكرنا أن هذه الأمراض تقع للأمم المهزومة المغلوبة في معاركها مع أعدائها، والحقيقة أن الأعداء لا يحققون الانتصار بمجرد الكثرة في ميدان القتال، وإنما إذا وقع الانكسار في القلوب، وتعلقت القلوب بالدنيا، وكرهت لقاء الله ، وكرهت التفكر في الموت، ونسيت لقاء الله ، وعلى العكس من ذلك: فإذا حصل لأهل الإيمان حب للقاء الله ، وتعظيم أمر الآخرة وتهوين أمر الدنيا، صغرت الدنيا في أعينهم ولم يؤثر الانكسار في ميدان القتال على قلوبهم.
стр. 600
مرض الحزن
كذلك مرض الحزن الذي حذر الله منه، ذلك المرض الذي يجعل الإنسان يأسى على ما فات، فيصيبه ذلك الأسى بالإحباط واليأس والشعور بالفوات، وأن كل شيء قد ضاع منه، فيلقي ما بيديه ويترك السير في الطريق، بخلاف ما إذا استبشر بفضل الله ، وعلم أن الطريق لا بد فيه من آلام، وأنه لا بد أن يصاب فيه ما قدره الله عليه؛ فإنه حينئذ لا ينكسر ولا يبأس ولا يأسى ولا يحزن، فيعظم أمر الآخرة عنده، وتصغر كل قوى الباطل في عينيه كما صغرت في أعين الذين يظنون أنهم ملاقو الله من أصحاب طالوت -وكان فيهم داود ﵇ وذلك حين رأوا الجموع الكثيرة: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، هذا هو والله الاستعلاء بالحق، وهذا هو العلو بالإيمان الذي ذكره الله ، فلم تضعف نفوسهم ولم تهن، ولم تحزن ولم تبتئس؛ لأنها أيقنت بأنها ستلقى الله ، فعند ذلك يحصل العلو بالإيمان على أهل الباطل، ولا ينكسر انكسار القلوب الذي يريده الأعداء، وأنت ترى والله أن معارك تقع في الأرض كثيرة جداً تتفاوت فيها موازين القوى، ولا تنتهي المعركة إلا لمن ثبت قلبه ولم ينكسر ولم يضعف.
وإذا ضعفت القلوب انهار كل شيء، وإذا انكسرت القلوب ضاع كل شيء، فهل هذه الانكسارات المتعددة لأهل الإسلام تؤثر فيهم؟ وما الذي يغير نظرتهم؟ وما الذي ماذا يغير الأمراض في حسهم؟ يغيره في حسهم ما أرشد إليه القرآن، فيجعل هذه الانكسارات لا تؤدي إلى انكسار القلوب، ولا إلى التنازل عن الطريق، ولا إلى التوقف عن السير، ولا إلى المساومة على المبادئ، ولا إلى التعلق بالدنيا، ولا إلى الحزن على ما ضحى الإنسان به في سبيل الله، فإن ما يضحي به الإنسان في سبيل الله هو أغلى وأعظم ما يقدمه لنفسه يدخره لآخرته، وهو الذي يعده ليوم فاقته، فهو قد بذل ما يحبه الله في سبيله ، بذل من نفسه وماله وجهده وأنواع لذاته كلها، بل قد بذلها، وهو مستعد أن يبذلها مرات لله ، يغيره طريقة التفكر كما ذكرنا، والتدبر فيما أرشد إليه القرآن، والنهي عن الوهن الذي أصله حب الدنيا وكراهية الموت، والنهي عن الحزن وتعظيم ما فات الإنسان من الخسائر، يعظمه ويأسى عليه، لا، والله ما كان حزناً على أهل الإيمان أبداً أن ضحوا في سبيل الله بشيء، بل ذلك يفرح قلوبهم دائماً.
إنما تحزن القلوب الجاهلة التي لا تدري أن ما تبذله في سبيل الله هو لها، وأن ما يبقى في أيديها هو لغيرها كما قال النبي ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! كلنا مالنا أحب إلينا من مال وارثنا، قال: فمالك الذي قدمت، ومال وارثك الذي أخرت)، أو كما قال النبي ﷺ ، أعني بذلك: أن المؤمن لا يحزن على شيء قد أصابه في سبيل الله، وذلك لأنه يراه مكسباً ومغنماً لا مغرماً كما قال عن مؤمني الأعراب: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة:٩٩]، فهو يراها غنيمة يكتسبها، فقد أخذ حين أعطى، وقد أخذ كثيراً حين بذل، وقد منح ووهب حين بذل وأعطى ما أمره الله أن يعطيه، وذلك يجعله لا يحزن أبداً؛ ولذا قال بعض السلف في قول الله عن أهل الإيمان في الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، والله ما حزنوا على شيء أعطوه لله ، ولكن يعنون حزن من دخل النار، فأذهب الله عنهم حزن دخول النار، وأما حزن فوات الجنة، فهو الحزن الحقيقي، فلا تحزن أخي المسلم على شيء أصابك في سبيل الله، فهذا أشرف ما يمكن أن تتعرض له، ولا تتصور أنه يمكن أن تخلو حياتك من ألم، ولا يمكن أن تخلو حياة بشر من ألم، لذلك الآيات بعدها ترشد الإنسان إلى هذه القضية، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
أترون أعداءكم مستريحين؟ أترونهم لا يصيبهم ألم ولا قرح ولا خوف؟ والله بالعكس! بل الآلام عندهم مضاعفة كما قال : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، فأنت مع مرارة الألم معك حلاوة الصبر التي تذهب هذه المرارة، وربما غبت بهذه الحلاوة عن أصل وجود المرارة، وذلك إذا قويت حلاوة الإيمان حتى تصل إلى درجة الرضا الذي لا تجد معه ألماً أصلاً، وهو موجود، لكن قد غطي وغلب عليه حلاوة الإيمان، قال تعالى: ((وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ))، نور الرجاء الذي يبدل ظلمات اليأس، ويذهب مرارة الألم.
فهل تظن أن أعداء الله ليس عندهم خوف؟ والله عندهم خوف مضاعف، خوف سببه أصلاً الشرك الأكبر والظلم، فكلما ظلم الإنسان ازداد رعباً وخوفاً قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
أما المؤمن فحين يخاف فعنده ما يذهب ألم الخوف من الأمن والإيمان والاهتداء بالله ، واستشعار قرب زوال الدنيا، وأنها بأسرها سوف تنتهي قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
وقال على لسان إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢].
следующие страницы →