← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

مصير المؤمنين والكافرين في الآخرة الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: ذكر الله عقب ذلك مصير الكفار، فبدأ بذكر مصير المؤمنين، وما هم فيه من الحب الذي يحيط بهم من كل جانب، والذي يحصل لهم من الكائنات كلها، ومنهم ملائكة الله تعالى، ويكفيهم شرفاً أن الملأ الأعلى يذكرهم، وأشرف من ذلك أن الله يذكرهم في الملأ الأعلى، كما قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]. ثم ذكر في المقابل المقت والكراهية التي يحيط بالكفار من كل جانب، وهذا مقتضى عدله ! فإياك أن تغتر فتختار طريق البغضاء والكراهية والمقت من أجل زخرف الدنيا، ومن أجل تقلب سريع في البلاد سرعان ما يزول، وإياك أن تغتر بأن تترك سبيل الحق لأجل أن أهله مبعدون مطاردون، أو أن أهله عندهم من أنواع البلايا والمحن ما عندهم، وإياك أن تختار سبل الباطل أو تختار واحداً منها؛ فإن ذلك عذاب قبل العذاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، فحين دعي الكافر إلى الإيمان فكفر مقته كل شيء، ومقتته نفسه، فصار يحيا في المقت والكراهية، والله إنه لمن أعظم العذاب، وذلك حين يعيش الإنسان في كون يكرهه فيه كل شيء، ومقت الله أكبر من ذلك كله، كما قال النبي ﷺ في ذكر الفريقين: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض)، فيعيش في المقت حتى من الأرض التي يمشي عليها، كما قال النبي ﷺ : (مستريح ومستراح منه، أما المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وتعبها، وأما الكافر أو الفاجر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) فالشجر والبلاد والأرض تمقت الكافر والفاجر وتكرهه والعياذ بالله، ومقت الله أكبر، فنعوذ بالله من غضبه ومقته وعقابه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠]، أي: عذاب أشد من أن يعيش في مقت الله أبد الآبدين هذه بشارتهم يوم القيامة، وينادون بذلك: مقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم، لأنهم دعوا إلى الإيمان فكفروا: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، فيريدون الرجوع إلى الدنيا، ويريدون فرصة أخرى لكنهم لا يجدون، فالآن في الدنيا ما زالت الفرصة بين أيديهم ولن تتكرر في غير الدنيا، قال عنهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١] أي: كنا أمواتاً قبل خلقنا، ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]، ((أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ))؛ فالموتة الأولى قبل الولادة حين كنا ماءاً وطيناً، والثانية بعد الولادة، ثم نحيا يوم القيامة: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] وليس هناك من سبيل، لماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، فليس كما كنتم تدعون أن الحكم لغيره، وأن الأمر لسواه، بل الحكم لله العلي الكبير سبحانه، الذي له كل معاني العلو: علو القدر وعلو الشأن، وأنه فوق العرش ، فهو الكبير الذي أحاط بكل شيء، وهو أكبر من كل شيء. فالحكم لله العلي الكبير حين دعوا إلى الإيمان فكفروا، ودعوا إلى التوحيد فأشركوا وردوا دعوة الرسل، وحينها كتب عليهم ذلك المقت وذلك الغضب وذلك العذاب، فيريدون الخروج من النار ومن الغم والكرب، وإنما صارت النار عذاباً لمقت الله ؛ وذلك مقتض لأنواع الآلام الأخرى المستلزم لها والعياذ بالله، فالألم الحسي إنما هو فرع عن الألم المعنوي؛ لأن الله إذا مقت عبداً مقته كل شيء، فالنار تتغيظ على الكفار من أجل أن الله مقتهم؛ لأنهم كفروا، فانظر إلى نعمة الله عليك؛ لكيلا تغتر بزخرف الدنيا، وتنسى حقيقة هذا الدين. هناك نعمة عظيمة أنعم الله بها عليك، وهي أنك تقول: لا إله إلا الله بسهولة ورفق، ومن فضله عليك أن جعلك موحداً لا تشرك به شيئاً ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٢ - ١٣] فدليل التوحيد ودليل أن الحكم لله أنه هو الذي يريكم آياته، وينزل لكم من السماء رزقاً، ومع ذلك فلا يتذكر إلا من أناب، فإذا وجدت قلبك بعيداً عن الاتعاظ فتب إلى الله وارجع إليه، فسوف يفتح لقلبك نوافذ من الخير تطلع منها على حقيقة الخير كله: من معرفة الله ومحبته، والتعبد له . ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] أي: لا تظنوا أنهم سيرضون عن عبادتكم لله، وعن دعوتكم إليه، ولذا لا تجعلوا رضاء الناس عن دينكم هو الميزان، ولكن التزموا ولو كره الكافرون، وأخلصوا لله عز وحل ولو كره المجرمون، وتمسكوا بطاعة الله ولو كره أهل الدنيا؛ فإنه: (لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)، ولكن وطن نفسك على أنك لن تترك الحق ولو كرهه الناس جميعاً. ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٤ - ١٥]، والروح هو: الوحي؛ لأنه حياة القلوب: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٥ - ١٦] وكان الملك قبل ذلك له ، ولكن الناس ينازعون فيه، فأتى اليوم الذي لا منازع لله فيه، وظهرت حقيقة الأمر، فكن أنت ممن يوقن بأن الملك لله في الدنيا والآخرة قبل أن يوقن الناس جميعاً يوم القيامة بأنه لله الواحد القهار. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] سوف يعتدل الميزان، وترجع الحقوق إلى أهلها، ويرد الأمر إلى نصابه، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] كما أخبر الله في كتابه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]. نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين وأصحاب الضلالة أجمعين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك رهابين، لك مطواعين، إليك مخلصين أواهين منيبين، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت أقدامنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، والشيشان، وكشمير. اللهم احفظ المسجد الأقصى ورده إلى المسلمين، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، ربنا انصرنا على القوم المفسدين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

стр. 597

ولا تهنوا ولا تحزنوا كتب الله الخير والشر وقدره على بني آدم مؤمنهم وكافرهم، وهذا القدر الكوني قدره الله لحكمة عظيمة، فهو عذاب على الكافرين وابتلاء وتمحيص للمؤمنين؛ حتى يميز الخبيث من الطيب، ويتبين الصادق من الكاذب، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء؛ ولذا لا يحزن المؤمن ولا يهن لما أصابه.

стр. 598

الأمراض التي حذر الله منها الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٤٨].

стр. 599

مرض الوهن حذر الله أهل الإيمان من عدة أمراض تقع للأمم المهزومة، منها: مرض الوهن الذي أصله حب الدنيا وكراهية الموت، وتعلق القلوب بشهوات الدنيا ورغباتها، وعدم التفكر في لقاء الله وفي الآخرة، وهذا مرض مهلك للأمم والشعوب والطوائف والأفراد، فيهلك الإنسان ويبعده عن الله ، ويجعله يرى الدنيا كبيرة جداً، ويهون عليه أمر الآخرة، فيهون على الله ، فينسى ذكر الله فينسى نفسه. وكما ذكرنا أن هذه الأمراض تقع للأمم المهزومة المغلوبة في معاركها مع أعدائها، والحقيقة أن الأعداء لا يحققون الانتصار بمجرد الكثرة في ميدان القتال، وإنما إذا وقع الانكسار في القلوب، وتعلقت القلوب بالدنيا، وكرهت لقاء الله ، وكرهت التفكر في الموت، ونسيت لقاء الله ، وعلى العكس من ذلك: فإذا حصل لأهل الإيمان حب للقاء الله ، وتعظيم أمر الآخرة وتهوين أمر الدنيا، صغرت الدنيا في أعينهم ولم يؤثر الانكسار في ميدان القتال على قلوبهم.

стр. 600

مرض الحزن كذلك مرض الحزن الذي حذر الله منه، ذلك المرض الذي يجعل الإنسان يأسى على ما فات، فيصيبه ذلك الأسى بالإحباط واليأس والشعور بالفوات، وأن كل شيء قد ضاع منه، فيلقي ما بيديه ويترك السير في الطريق، بخلاف ما إذا استبشر بفضل الله ، وعلم أن الطريق لا بد فيه من آلام، وأنه لا بد أن يصاب فيه ما قدره الله عليه؛ فإنه حينئذ لا ينكسر ولا يبأس ولا يأسى ولا يحزن، فيعظم أمر الآخرة عنده، وتصغر كل قوى الباطل في عينيه كما صغرت في أعين الذين يظنون أنهم ملاقو الله من أصحاب طالوت -وكان فيهم داود ﵇ وذلك حين رأوا الجموع الكثيرة: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، هذا هو والله الاستعلاء بالحق، وهذا هو العلو بالإيمان الذي ذكره الله ، فلم تضعف نفوسهم ولم تهن، ولم تحزن ولم تبتئس؛ لأنها أيقنت بأنها ستلقى الله ، فعند ذلك يحصل العلو بالإيمان على أهل الباطل، ولا ينكسر انكسار القلوب الذي يريده الأعداء، وأنت ترى والله أن معارك تقع في الأرض كثيرة جداً تتفاوت فيها موازين القوى، ولا تنتهي المعركة إلا لمن ثبت قلبه ولم ينكسر ولم يضعف. وإذا ضعفت القلوب انهار كل شيء، وإذا انكسرت القلوب ضاع كل شيء، فهل هذه الانكسارات المتعددة لأهل الإسلام تؤثر فيهم؟ وما الذي يغير نظرتهم؟ وما الذي ماذا يغير الأمراض في حسهم؟ يغيره في حسهم ما أرشد إليه القرآن، فيجعل هذه الانكسارات لا تؤدي إلى انكسار القلوب، ولا إلى التنازل عن الطريق، ولا إلى التوقف عن السير، ولا إلى المساومة على المبادئ، ولا إلى التعلق بالدنيا، ولا إلى الحزن على ما ضحى الإنسان به في سبيل الله، فإن ما يضحي به الإنسان في سبيل الله هو أغلى وأعظم ما يقدمه لنفسه يدخره لآخرته، وهو الذي يعده ليوم فاقته، فهو قد بذل ما يحبه الله في سبيله ، بذل من نفسه وماله وجهده وأنواع لذاته كلها، بل قد بذلها، وهو مستعد أن يبذلها مرات لله ، يغيره طريقة التفكر كما ذكرنا، والتدبر فيما أرشد إليه القرآن، والنهي عن الوهن الذي أصله حب الدنيا وكراهية الموت، والنهي عن الحزن وتعظيم ما فات الإنسان من الخسائر، يعظمه ويأسى عليه، لا، والله ما كان حزناً على أهل الإيمان أبداً أن ضحوا في سبيل الله بشيء، بل ذلك يفرح قلوبهم دائماً. إنما تحزن القلوب الجاهلة التي لا تدري أن ما تبذله في سبيل الله هو لها، وأن ما يبقى في أيديها هو لغيرها كما قال النبي ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! كلنا مالنا أحب إلينا من مال وارثنا، قال: فمالك الذي قدمت، ومال وارثك الذي أخرت)، أو كما قال النبي ﷺ ، أعني بذلك: أن المؤمن لا يحزن على شيء قد أصابه في سبيل الله، وذلك لأنه يراه مكسباً ومغنماً لا مغرماً كما قال عن مؤمني الأعراب: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة:٩٩]، فهو يراها غنيمة يكتسبها، فقد أخذ حين أعطى، وقد أخذ كثيراً حين بذل، وقد منح ووهب حين بذل وأعطى ما أمره الله أن يعطيه، وذلك يجعله لا يحزن أبداً؛ ولذا قال بعض السلف في قول الله عن أهل الإيمان في الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤]، والله ما حزنوا على شيء أعطوه لله ، ولكن يعنون حزن من دخل النار، فأذهب الله عنهم حزن دخول النار، وأما حزن فوات الجنة، فهو الحزن الحقيقي، فلا تحزن أخي المسلم على شيء أصابك في سبيل الله، فهذا أشرف ما يمكن أن تتعرض له، ولا تتصور أنه يمكن أن تخلو حياتك من ألم، ولا يمكن أن تخلو حياة بشر من ألم، لذلك الآيات بعدها ترشد الإنسان إلى هذه القضية، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]. أترون أعداءكم مستريحين؟ أترونهم لا يصيبهم ألم ولا قرح ولا خوف؟ والله بالعكس! بل الآلام عندهم مضاعفة كما قال : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، فأنت مع مرارة الألم معك حلاوة الصبر التي تذهب هذه المرارة، وربما غبت بهذه الحلاوة عن أصل وجود المرارة، وذلك إذا قويت حلاوة الإيمان حتى تصل إلى درجة الرضا الذي لا تجد معه ألماً أصلاً، وهو موجود، لكن قد غطي وغلب عليه حلاوة الإيمان، قال تعالى: ((وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ))، نور الرجاء الذي يبدل ظلمات اليأس، ويذهب مرارة الألم. فهل تظن أن أعداء الله ليس عندهم خوف؟ والله عندهم خوف مضاعف، خوف سببه أصلاً الشرك الأكبر والظلم، فكلما ظلم الإنسان ازداد رعباً وخوفاً قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١]. أما المؤمن فحين يخاف فعنده ما يذهب ألم الخوف من الأمن والإيمان والاهتداء بالله ، واستشعار قرب زوال الدنيا، وأنها بأسرها سوف تنتهي قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. وقال على لسان إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢].

стр. 601

شقاء أهل الدنيا والشهوات أتظن أن أهل الدنيا في غناهم وفي شهواتهم سعداء؟! والله إنه يمسهم أنواع من القرح، فكلما ازداد مالاً ازداد خوفاً عليه وتعباً من أجله، وكلما ازداد شهوة كلما ملها وقل استمتاعه بها. فأنت ترى كم أغرق الغرب بشعوبه المختلفة في حمى الجنس، وفي الشهوات الجنسية المدمرة، وترى عندهم -رغم كل مظاهر الشهوة الجنسية المبثوثة في العالم من زبالتهم وسخافة عقولهم وسلوكهم- عدم الاستمتاع بهذا الأمر، والشقاء به ما يخبرنا به الذين دخلوا في هذه المجتمعات، أي: قد أصابهم الملل من هذه الأمور حتى وهم غارقون فيها، فمثلهم مثل الغريق يشرب ماءً كثيراً حتى يغرقه في الماء، وعمره لا يلقى للماء طعماً أبداً والعياذ بالله، بل يجد عذاباً فيها، فكل غارق في الشهوات من هذا الباب ينال منها إلى غاية ما يزهق منها، فالله جعل عذاب الإنسان في بعده عن الله ، وفي عدم إيمانه بالله ، ولذا لا تتصور أنك ستسلم من الألم، وأنك ستسلم من القرح قال تعالى: ((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ))، أي: إن أصابكم قتل وجراح في أحد فقد أصاب المشركين قبلها في بدر، فالله قد قدر الشقاء والألم على كل من ينزل إلى هذه الأرض. قال تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، فعلاً الشقاء ملازم، ولكن مع المؤمن ما يزيل به أثر هذا الشقاء، والألم موجود ولكن معه حلاوة، والدواء المر يوضع معه شيء من الحلوى أو العسل فيذهب مرارته، فهذا إذا كان قوياً كان الصبر، وإذا كان أقوى منه كان الرضا، وعند ذلك يزول الألم بإذن الله ﵎. فالصبر هو الذي يحصن النفس على ما تكره ابتغاء موعود الله ، وأعظمه الصبر على طاعة الله وعلى ما يصيب الإنسان في سبيل طاعة الله، وذلك أن ما يصيب الإنسان في سبيل الله يجمع أنواع الصبر كلها، الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، وهنا الصبر على الوهن والحزن وموافقة المشركين وأهل الباطل على ما يريدون، وغير ذلك من أنواع المعاصي التي ترتبط بفترات المحن والهزيمة والانكسار. فهذا الذي يصيب الإنسان في سبيل الله تجتمع فيه كل أنواع الصبر؛ ولذا يعظم أجره جداً، وهو مغنم لا مغرماً بفضل الله .

стр. 602

مداولة الأيام بين الناس لن يفر الإنسان من ألم في هذه الحياة كما ذكرنا، بل لا بد أن يصيبه من قرح، ولا بد أن يصيبه من تعب، ولا بد أن يصيبه من شقاء بدرجة ما، فليحتمل في سبيل الله أفضل من أن يحتمل في غير ذلك، وهو في معصية الله ويجري عليه قدر الله ، ولذا طريقة التفكير فيما يصيب الإنسان في سيره إلى الله تجعله إما أن يستفيد من أيام المداولة بين الناس من كل فترة حياته، ومن كل أحوال سيره، فإنه يكون بين الشدة والرخاء، وبين العسر واليسر، وبين المنشط والمكره، فهو سوف تتقلب به الحياة، والله هو الذي يقلبها قال تعالى: ((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ))، وتأمل هنا جيداً! فالله هو الذي يداول الأيام بين الناس، وليس الناس هم الذين يصنعون عسرهم ويسرهم، وليس الناس هم الذين يصنعون نصرهم وكسرهم، وليس الناس هم الذين يصنعون سعادتهم وشقاءهم، فقد كتب على ابن آدم قبل أن يولد أشقي هو أم سعيد، وذلك يشمل كل لحظات السعادة واللذات التي وجدها، وكل لحظات الشقاء والألم التي وجدها طول حياته فضلاً عن نهاية المطاف يوم القيامة، شقي هو في النار أم سعيد في الجنة. فتلك الأيام يداولها الله بين الناس، قال تعالى: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ))، فلا بد أن تستحضر هذا جيداً، فهو ليس من صنعك ولا من صنع أعدائك، وهم لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً، إذ لم يملكوه لأنفسهم فكيف يملكونه لك؟! كيف يكون بأيديهم صنع المقادير نعوذ بالله كما يقول البعض: إن أوراق اللعبة كلها في أيديهم. لا والله ما بأيديهم من شيء، هم يخوضون ويلعبون، ويظنون أنهم يملكون، وهم مربوبون مملوكون تحت قهر الله الواحد القهار، يداول عليهم عسرهم ويسرهم كما يداول علينا ذلك، ونحن معنا فضل الله إذ أيام العسر عندنا فيها من أنواع اليسر ما هو أضعاف العسر، كما قال : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]. وقال النبي ﷺ : (لن يغلب عسر يسرين)، وذلك أن العسر معرف بالألف واللام، فهو عسر مكرر، والمذكور في الآية الثانية هو الذي في الأولى، وأما اليسر فمنكر، ولذلك يقتضي أنه يسر جديد ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥]. وقال : ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧]، فأثناء وجود العسر يوجد يسران، وأثناء نزول البلاء وحصول المشقة يوجد أنواع من النعيم واللذات، والألم عند المؤمن مصحوب باللذة، فالمؤمن ما بيده من الدنيا فهو زائد عن الحاجة كما ذكرنا عن سلمان الفارسي أنه بكى عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: عهد إلينا رسول الله فقال: (ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب)، وحولي هذه الأساود، وإنما كان حوله المطهرة والقربة والنعلان، وقد قومت تركته بخمسة عشرة درهماً، ويرى نفسه أنه قد تجاوز الحاجة. فمثل هذه الأمور العجيبة تجعل المؤمن دائماً يستحضر أن الله يداول بين الناس، وأن الدنيا سوف تنتهي بألمها ولذتها، وبنعيمها وشقائها، وبحزنها وفرحها، وأنه يبقى بعد ذلك ما أعده الله لأهل الإيمان، وما أعده الله لأهل الكفر من أنواع العذاب الدائم المستمر الذي لا يزول ولا يتحول، نعوذ بالله من ذلك! قال تعالى: ((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ))، والله نحتاج جداً أن نتوقف كثيراً وطويلاً عند هذه الآيات لنعالج بها أمراض قلوبنا، ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) يقلب الأحوال كما ذكرنا بين الناس، وهذه تشمل المؤمن والكافر وتشمل الناس عامة، وكما قال الشاعر: يوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر وما من إنسان إلا وفي عمره لحظات من الألم واللذة! فلماذا قدر الله ذلك على أهل الإيمان الذين يحبهم ويكره مساءتهم؟ فخيرة الخلق أنبياء الله وأولياؤه يقدر الله عليهم أنواع المحن والبلايا، وهو يكره مساءتهم كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته). فانظر إلى هذا الأمر العجيب لتعلم منزلة المؤمن عند الله ، فالمؤمن يكره الموت بالفطرة الإنسانية؛ لأن كلاً منا فيه فطرة بأن يهرب من الموت، أو من أي شيء مهلك، ولذا لو لسعتك كهرباء فإنك ستجد نفسك أنك بعدت عنها ورميت نفسك وابتعدت بأي طريق وأي وسيلة، فالله قدر الموت على المؤمن لأنه لا بد له أن ينتقل من هذه الدنيا، فالحياة لا تستمر، ولا بد أن ينال الخير العظيم الذي عند الله بالموت، ومع ذلك الله يكره مساءة المؤمن؛ لأنه يسوءه الموت والله يكره مساءة المؤمن كما ترون فيما قبل ذلك، وفي الدنيا أنواع الآلام التي بعضها قد يفضل الناس الموت عليها، ولذا الناس يقولون لك: الموت أرحم، ومع ذلك يقدره الله على أهل الإيمان، وعلى أوليائه وأصفيائه من خلقه لما فيها من أنواع الحكم العظيمة، حكم بالغة لمصلحة أهل الإيمان قال تعالى: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ))، وتأمل في الواو هذه ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ)) ليس (ليعلم) مباشرة بدون واو، إذاًَ: استقرت قاعدة: ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ))، على أنها جملة مستقلة. ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ)) أي: وبالإضافة إلى أن تشهد أن الله الذي يقدر، وأن الله الذي يداول الأيام بين الناس، وأن الله الذي يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء. بالإضافة إلى شهود المشيئة والإرادة الإلهية والملك له تأمل مع ذلك الحكم البالغة، فالله له الملك وتشاهده من قوله: ((نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ))، وله الحمد وتشهدها من قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١].

стр. 603

تمحيص الله للمؤمنين بالشدائد تجد والله أمراً عظيم الأهمية لا يمكن إلا أن تحمد الله عليه، تحمد الله على ما أصاب المسلمين في أحد من هذه السنين الطويلة ألف وأكثر من أربعمائة سنة، تحمد الله ؛ لأنه حصل فيها من الخير الذي نلمسه بأنفسنا الآن، ولولا ذلك الذي وقع لما وجدنا أنواع الخيرات، ولما كانت هذه الآيات تخاطب قلوباً وعتها جيداً، هذه القلوب التي وعت الدروس وتتكرر عبر التاريخ قصة غزوة أحد، فليست خاصة بالزمن الذي وقعت فيه، فهي في الحقيقة قصة متكررة، وأهل الإيمان في كل زمن يصيبهم هذا الانكسار، فيقدر الله عليهم الآلام رغم أنه يكره مساءتهم ، ويكره ما يقع في قلب المؤمن من كراهية الموت، ويتردد ، ومعنى التردد: أنه يجتمع إرادتان؛ إرادة أمر محبوب وإرادة أمر مكروه عند الله ، ولكن لا بد من الموت، لا بد من أمر معين، لا بد من أن يقدر الله ذلك المكروه ليحصل ذلك المحبوب، أما ترون أن الله يكره مساءة المؤمن للموت، فما أشد على المؤمن أن يرى مثلاً موتاً بأيدي الكفرة الظلمة المجرمين! وأن يرى تمثيلاً بالجثث! وأن يرى انتهاكاً للحرمات في خيرة خلق الله! هذا المؤمن العادي يكره الله مساءته، فما بالكم بـ حمزة رضي الله تعالى عنه وهو يراه النبي ﷺ قد بقر بطنه وأخرجت كبده ولاكتها هند ولفظتها مقطعة، وجدعت أنفه، ما ترون في كراهية الله لذلك؟! يكرهه النبي ﷺ ، ويكرهه أهل الإيمان، وتتألم نفوس المؤمنين عبر التاريخ من هذه الصورة. ما ترون في مصعب بن عمير ﵁ وهو الذي جعله الله سفير أهل الإسلام إلى المدينة، وقد دخل أهل المدينة في الإسلام على يديه، ويموت وهو حامل اللواء رضي الله تعالى عنه؟! مصعب بن عمير الذي أسلم أكثر أهل المدينة من الأنصار على يديه رضي الله تعالى عنه. ما ترون في هذه الأمور؟! لا شك أنها أمور يكرهها الله ويقدرها؛ لأن هناك من ورائها أنواعاً من الحكم والغايات المحمودة، والخيرات والعبودية لأهل الإيمان لا تحصل إلا من خلال هذا الأمر المكروه؛ ولذا نحمد الله عليه. كما أنك سوف تطبق هذه المسألة على كل ما يصيبك كشخص، وعلى كل ما يصيبك كطائفة مؤمنة في كل زمن من الأزمنة، وطبق هذا على واقعك، فالله يداول الأيام علينا وعلى أعدائنا. من ضمن الحكم: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، ليعلم علماً يحاسبهم عليه، ليعلم علم شهادة بعد أن علمه علم غيب، فهو قبل أن يخلق الخلق علم ما الخلق عاملون، علم من سيؤمن ومن سيكفر، علم من سيطيع ومن سيعصي، ولكن هو يحب أن يرى ذلك أمراً واقعاً؛ ولذا فسر ابن عباس هذه الآية الكريمة: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، قال: وليرى، كما ذكره ابن كثير ﵀؛ لأن (يرى) فيها دلالة على علم الشهادة أن الله يعلمه أمراً قد وقع وأحبه واقعاً، كما أراده قبل أن يقع، أراد وجود هذا الإيمان وأحبه قبل أن يوجد، وأحبه حين وجد، ولذا قال: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، آمنوا بالفعل، ووقع الفعل منهم، ولفظ (الذين آمنوا) هم كانوا مؤمنين قبل ذلك، فذكرهم هنا بلفظ الإيمان، لأن الإيمان هنا يرتفع ارتفاعاً هائلاً في مثل هذه اللحظات، أي: لحظات المعارك الفاصلة، ولحظات التضحية والبذل، ولحظات الألم الذي يصيب أهل الإيمان والمحن التي تصيبهم، فهناك أنواع من الإيمان تحصل في مثل هذه المواقف لا تحصل في غيرها، ولذا قال: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، ولم يقل (وعملوا الصالحات)، لأنها شملت العمل الصالح، وكما ذكرنا أن أنواعاً من الإيمان تقع في هذه اللحظات لا تقع في غيرها ولا تحصل بدونها، من حب الله ، والتوكل، والرجاء، والاستعداد للبذل والتضحية، وهوان الدنيا في أعينهم، كقولهم: (ما تصنعون بالحياة بعده؟). فهذه مواقف تغير مسار التاريخ، ويستشعرها أهل الإيمان عبر العصور المختلفة فيجدون أمراً لا يمكن أن يوصف إلا أن يوجد ويذاق، كما يقول عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم: (اللهم إني أسألك أن تلقيني غداً رجلاً من المشركين شديداً حرده، شديداً كفره، فيقاتلني فيقتلني) شيء عجيب والله! لا يريد أن يقتله هو! أما نحن فنقعد نفرح، أننا انتصرنا على الكفرة وأبدناهم، هذا خير، لكن فكر في هذا المعنى الإيماني عند هذا الصحابي الجليل عبد الله بن جحش (شديداً حرده، شديداً كفره، فيقاتلني فيقتلني، ثم يجدع أنفي، ويبقر بطني؛ فتسألني يوم القيامة: فيم ذلك يا عبد الله؟ فأقول: فيك يا رب). فهذا معناه أنه مستعد للبذل والتضحية، فهو يريد أن يُفعل به هذا الفعل في سبيل الله ، وتجده عند عمر عندما يرى ضعفاء المسلمين يضربون في مكة فلا يهدأ له بال، وهو يرى نفسه ممتنعاً من الكفار بقوته فيذهب يضرب المشركين ويغيظهم، ويقرأ القرآن جهراً عند الكعبة ليضربوه ويضربهم! فهذه معاني نادرة جداً أن توجد في القلوب؛ لأن النفوس أصلاً تفر من هذه الأمور، وتفر من هذا الألم ولا تريده، ولكن تحصل لحظات تجعل الإنسان يرى هذا الأمر نعيماً في الله ؛ لأنه أصابه في الله . وهذه المعاني الإيمانية التي حصلت لـ أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، حيث وقع منه إيمان عظيم القدر لم يوجد مثله، ولا يمكن أن يوجد مثله، وذلك عندما يجد في الطريق سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن فرحاً بأن سعد قد صار من أهل السماء، سعد بن معاذ الذي قال النبي ﷺ فيه: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه). أنس بن النضر هو الذي يثبته على الهدى! أنس بن النضر هو الذي يقول لـ سعد حين لقيه وقد ترك المعركة أو القتال فقال له: مالك؟ فقال: قد مات رسول الله ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! فقوموا فموتوا على ما مات عليه، قال: واهاً يا سعد لريح الجنة! والله إني لأجده دون أحد! معاني إيمانية عظيمة حصلت في هذه اللحظات، وتفيض روح أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، يقول أنس ﵁: فما عرفته أخته إلا ببنانه، فوجدناه قد قتل وبه بضعة وثمانون ما بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح، وما عرفته أخته إلا ببنانه أي أنه قد أصيب من جميع الجهات رضي الله تعالى عنه، فهذه المواقف الإيمانية العظيمة التي حصلت الله يحبها ، كما قال: ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ))، فقد آمن من استشهد، وآمن من صبر، آمنوا إيماناً زائداً على ما كانوا عليه قبل ذلك، آمنوا إيماناً أكمل وأعظم مما كان قبل ذلك، فازدادوا إيماناً عند الله في هذه اللحظات، والتي كانت قوة دافعة لهم في أثناء المعركة وبعد المعركة، بل أخذوا زاداً منها إلى أن فتحوا العالم بفضل الله . الإعداد الذي أعده المسلمون في بدر وأحد والأحزاب هو الذي فتح المسلمون به العالم، هذا الإعداد الذي تحولوا بعده إلى غزو الكفار واستمروا على ذلك كان بداية الانطلاق، فهذه هي الأحوال الإيمانية التي حصلت في قلوبهم وليس فقط للأبدان، فهم حصلت لهم معاني إيمانية بالأبدان كالعمل الصالح والثبات، والتضحية في سبيل الله ، والقتال في سبيله رغم الهزيمة التي وقعت، والعودة حين سمعوا النداء لمن عاد والدفاع عن رسول الله ﷺ ، فهذه معاني إيمان عملية وقلبية تمت بفضل الله في قلوبهم، وارتفعت أسهم الإيمان في قلوبهم. قال تعالى: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، وهذا يحصل في كل ما يشابه هذه الواقعة، فيحصل من أنواع الخير في قلوب المؤمنين ما لا يمكن أن يوجد بدون تقدير الأمر المؤلم الذي هو القرح، الذي يؤلم أهل الإيمان ويسوءهم والله يكره مساءتهم، ولكن يقدر ذلك المكروه المسيء للمؤمنين لما يتضمنه من الخير الذي يحبه الله، ولما يتضمنه من الإيمان الذي يحبه الله ، الخوف من الله دون من سواه شجاعة باهرة لـ أنس بن النضر ﵁ وأمثاله، وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جبير قائد الرماة، والعشرة الذين ثبتوا معه حتى قتلوا جميعاً دون من فر من الرماة الذين بقوا، وكل من استشهد رضي الله تعالى عنهم. السبعة من الأنصار الذين يقول النبي ﷺ والمشركون يطلبونه: (من يردهم عني وله الجنة؟!)، فيقوم رجل من الأنصار فيقاتل حتى يقتل ﵁، فيقول النبي ﷺ : (من يردهم عني وله الجنة؟)، فيقوم رجل آخر من الأنصار، ثم ثالث، ثم رابع، ثم خامس، ثم سادس، ثم سابع من الأنصار، سبعة من الأنصار! حتى قال النبي ﷺ : (ما أنصفنا أصحابنا) أي: الذين فروا، أو (ما أنصفنا أصحابنا)، أي: المهاجرون الذين لم ينصفوا الأنصار حين تركوهم كذلك، فقام طلحة ﵁ فقاتل قتال السبعة جميعاً، بل هو الذي ردهم عن الرسول ﷺ ، وهذه كلها معاني إيمانية، وهذا إيمان تجدد، فـ طلحة ﵁ هو الذي أرهقهم، وهو الذي أجلاهم عن النبي ﵊، سبعة قتلوا في محاولة رد المشركين وما يزال المشركون يطلبونه، وطلحة ﵁ هو الذي يقاتل حتى يجلي المشركين عن رسول الله ﷺ ، ومع كل هذا القتال يقي النبي ﷺ بيده رضي الله تعالى عنه -نحن نقول: الواحد يأتي له خطر يبعد يده كذا- ولذلك يقول بعض من رآه من التابعين: رأيت يد طلحة شلاء التي وقى بها رسول الله صلى ا

стр. 604

اصطفاء الله شهداء من الناس قال تعالى: ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ))، حكمة أخرى بالغة عظيمة: يتخذ الله شهداء، ويدخل في هذا موت من مات، وقتل من قتل؛ لأنه لم تذكر صيغة (قتل المشركون المسلمين) إنما قال: ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ))، فالله هو الذي يتخذ، وتأمل هذه الآيات من أولها: قال تعالى: ((نُدَاوِلُهَا))، ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ))، ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ))، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] كلها أفعال الرب . ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)) فالله هو الذي اتخذهم! الله الذي اجتباهم! الله الذي اختصهم! الله الذي اختارهم لهذه المنزلة! منازل عند الله في الجنان لا تبلغها أعمال العباد، يقدر الله عليهم من أنواع البلايا والمحن، ويقدر لهم -أقول لا عليهم- أن يثبتوا عندها، وأن يضحوا في سبيل الله إلى أن تبلغ التضحية بالأنفس التي هي أغلى ما عند الإنسان، وما يملكه الإنسان، فكل شيء بدون النفس لا يساوي شيئاً، ماذا يصنع الميت بالمال؟! ماذا يصنع بالشهوة؟! ماذا يصنع بالأهل والأولاد؟! كل ذلك قد ضاع من الميت، الشهيد قد ضحى بذلك كله حين ضحى بنفسه في سبيل الله، فالله قد كتب له وثبته حتى قتل شهيداً في سبيل الله؛ ليشهد على الناس يوم القيامة؛ وليشهد منزلته في الجنة، فسمي الشهيد شهيداً لأنه يشهد دار الكرامة وما أعد الله له فيها، بل يستمتع فيها في برزخه؛ ولأنه شهيد على الناس، وهذه الشهادة أمر عظيم، فهي اجتباء من الله واختيار، فكم طلبها طالبون! وكم كان منهم صادقون! وكم كان منهم غير صادقين! لذا قال النبي ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء). هذه الشهادة ليست فقط فائدة عظيمة الأهمية للشهيد نفسه، بل هي فائدة عظيمة الأهمية لا يمكن أن تتقدم الطائفة المؤمنة إلا بها، فهي فائدة للمؤمنين جميعاً، وللطائفة المؤمنة في وقتها، فبالبذل والتضحية تسير القافلة، وبدون بذل ولا تضحية لن يتحرك أهل الإسلام خطوة واحدة، وهذا أمر مشهود والله، دماء الشهداء التي تسيل في معارك أهل الإسلام مع أعدائهم هي الوقود الذي تسير به الطائفة المؤمنة، وهي الوقود الذي يزداد به الإيمان في قلوب الباقين، وتزداد الرغبة في التضحية بدون الشهادة في سبيل الله ، وبدون البذل والتضحية، وبدون الجرح والألم لن يحصل تقدم، ولن توجد الأسوة الحسنة، ولن تنجذب القلوب بمثل ما يحصل عند وجود هذه التضحية العظيمة، فعندما نسمع نحن قصص الشهداء عبر التاريخ تتحرك القلوب حركة عظيمة للبذل والتضحية في سبيل الله، والعمل بطاعة الله ، والاستهانة بالدنيا، وعدم الاستكانة للعدو، ومزيد من الثبات والالتزام بفضل الله . ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ))، هذه منازل عالية، أعلى المنازل بعد النبيين والصديقين، فالله قد جعلهم بأفضل المراتب عنده لما بذلوا أنفسهم في سبيل الله . ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) حتى لا يتوهم متوهم أن ما قدره الله من تمكين الكفرة، ومن قتل خيرة خلقه بعد أنبيائه والصديقين من أتباعهم أن ذلك حباً من الله للظالمين، كما قد يظن كثير من الناس أن كل نعيم دنيوي هو علامة على حب الله لهم. ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٥ - ١٧] ليس هذا هو مقياس الإكرام ولا الإهانة، أكثر أهل الدنيا يرون الله قد أكرمهم وأنه يحبهم حين أعطاهم شيئاً من الدنيا، فهؤلاء الظلمة يرون أنفسهم مقربين عند الله؛ لأن الله أعطاهم السلطان والتمكن من المؤمنين حتى تمكنوا من قتلهم، ولذلك عقب فقال: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) فلا تظنوا أن تسليط الله الكفرة على المؤمنين حتى يقتلونهم شهداء أن ذلك حباً من الله للظالمين، لا والله! الله لا يحب الظالمين، وهذا أعظم تحذير من الظلم، أن الله لا يحب الظالمين، فلا بد أن من أبغضه الله أبغضته الخلائق كلها حتى نفسه تمقته؛ لأن الله لا يحبه ومقته ، فمن هان على الله حتى جعله ظالماً فهذا أحقر الخلائق وأضلها وأبخسها حظاً نعوذ بالله! قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] فالكافر يمقت نفسه حين كفر بالله . ((إِذْ)) حين ﴿تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] ويمقته من حوله من البشر: (إن الله إذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه؛ جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه؛ فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض). لا تظنوا أن من حول الظلمة من أهليهم أو أولادهم أو جنودهم أو أعوانهم يحبونهم، لا والله ثمرة من ثمرات: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) أن البغضاء تملأ قلوب بعضهم لبعض، بعضهم يكره بعض، حتى أنفسهم كما ذكرنا تكرههم، حتى الجدران والحيطان كما قال النبي ﷺ : (فأما المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وتعبها، وأما الكافر فيستريح منه البلاد والعباد، والشجر والدواب)، كل العباد والبلاد حتى الأرض نفسها، وكل ما كان من جنسها تكرههم، الأرض التي يمشون عليها تكرههم، وتستريح منهم عندما يموتوا قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩] كائنات لها إدراك! لها شعور! تكره الكافر والظالم فضلاً عمن جعل الله في قلوبهم أصلاً كمال الإحساس الذين هم البشر، فلا بد أن يكره بعضهم بعضاً، وإن ظهر في ظاهر الأحوال حب عظيم، وتفخيم وتكبير لهم، واستعداد أنهم يموتون في سبيلهم، ومدح وثناء وغير ذلك من أنواع التعظيم الدنيوي، لكن يفعل ذلك وقلبه مليء بالمقت والكراهية. ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) فإياك أن تظن أن هذا الذي قدره الله من أن يسلط الكفرة على المؤمنين ليقتلوهم وينتصروا عليهم أن ذلك لأن الله يحبهم! لا والله: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) بل الله هو الذي اتخذ شهداء؛ لأنه لا سبيل إلى وجود هذه التضحية العظيمة بالنفس وبالدنيا بأسرها إلا بأن يتسلط الكفرة على أهل الإسلام، فهذه العبوديات التي وقعت لا سبيل إلى وجودها إلا بأن يقدر الله الأمر المكروه، فمن أجل المحبوب قدر الله المكروه، ومن أجل أن يتعبد له أهل الإيمان بأنواع العبودية -في عسرهم وفي مكرههم وفيما يسوءهم، ويبذلون في سبيل الله ما أعطاهم حتى الحياة نفسها يبذلونها- قدر الله ذلك، لا حباً للظالمين ولا رضاً بالظلم: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)). فائدة أخرى ذكرها ابن القيم ﵀ في قوله: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)): تحذير من ترك ما أوجب الله على عباده -كأنه يراها تحذيراً لأهل الإيمان- عن أن يظلموا أنفسهم بترك الطاعة في فترات الشدة، كمن فر، فالله لا يحب من عصى، ولا يحب من ظلم، لكن الفائدة الأولى أقرب إن شاء الله وأولى، والثالثة ليست ممتنعة.

стр. 605

الأسئلة

стр. 606

حكم التحدث مع النساء ودعوتهن بالمايك السؤال ما حكم التحدث مع النساء ودعوتهن بواسطة (المايك)؟ الجواب الحديث مع النساء في (المايك) من البلايا والمحن التي تصيب القلوب لا الأبدان، فهي فتنة عظيمة أن ينشغل الإنسان بمثل ذلك، ويضيع عمره، وما معنى أن يتكلم مع النساء؟ يريد أن يدعو إلى الله؟! يدعو الرجال إلى الله، ويترك النساء تدعو النساء، فهذا باب فتنة خطير يقع فيه الكثيرون ويستدرجهم فيه الشيطان، وإذا ضبط بالضوابط فنعم، لكن الواقع يؤكد أن هذا باب فتنة، فنسأل الله العافية. فالحذر من استدراج الشيطان في مثل هذه الوسائل، وكل واحد أدرى بنفسه، فإذا تلذذ بمحادثة النساء بهذه الطريقة فهذا يدل على ما في قلبه من الإثم والمرض الذي طمع الشيطان من أجله.

стр. 607

حكم الاستمرار في معاتبة من قارف ذنباً ثم تاب منه السؤال إذا أخطأ الإنسان ثم تاب إلى الله ، وظل سنوات في طاعة الله فهل يعامل بذنبه الأول ويظل يعاتب عليه؟ الجواب قال الله : ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١] فإذا حصلت التوبة وحسنت فإن الله يقبلها، وهو الذي أنعم على العبد بكل النعم بما فيها نعمة الحياة والوجود، فإذا تاب العبد تاب الله عليه، فينبغي ألا يثرب عليه، كما قال النبي ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت فليقم عليها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت فليقم عليها الحد ثم لا يثرب عليها، فإن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر). فإذا كان الحال الآن أننا نعجز عن إقامة الحدود لكن ذلك لا يمنع من تحصيل التوبة الصادقة، والكلام في تفسير الآيات كان على التدافع بين المؤمنين والكافرين، وأن المؤمنين مأمورون بدفع ظلم الكافرين فكيف بظلم المسلم لأخيه المسلم؛ بسبب أمور دنيوية وشهوات وحب الترأس وغير ذلك؟! دعها له إذا كانت تؤدى إلى ترك طاعة الله ، ولا تنافسه في هذه الدنيا، وإنما نافسه في الآخرة، نافسه في طاعة الله ، وانشغل أنت بما تركه هو من الطاعة، من سلامة الصدر، وسامحه فيما فعل، وعلى أي الأحوال: اجعل قضية الطاعة هي التي تحركك بمعنى: هل تتم الطاعة إذا تركتها له؟ طبعاً لاشك أن التعلق بالدنيا يمنع بركة الطاعة، لكن من أين تجزم بذلك؟ إذا كانت شهوات دنيوية فدعها ولا تنافسه عليها.

стр. 608

المعاصي والذنوب سبب ضعف الإيمان في القلوب السؤال نرى أنفسنا نبتلى بالمعاصي والفتن، هل معنى ذلك أننا ضعاف الإيمان، وأنه لم يقو بعد في قلوبنا؟ الجواب لاشك أن هذه المعاصي والفتن من أشد أنواع البلايا، وهي فعلاً دالة على نقص الإيمان، فلا بد أن نزيد من الأعمال الصالحة، ونزيد من أعمال القلوب، ومن التفتيش في عيوب النفس حتى نعافى من هذا النوع من البلاء، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يفتح لنا أبواب الفضل والخير والرحمة منه ، ولكن لا تطلب البلاء بأي نوع كان، سل الله العافية مطلقاً.

стр. 609

حكم كشف المرأة لعينيها السؤال نحن نواجه مشكلة من الأخوات بسبب النقاب السعودي الذي يبين أعينهن؟ الجواب بعض أجزاء الوجه قد تظهر، فقد تكون الأخت وضعت كحلاً على عينيها، وهذا يفتن أكثر الناس، وأنت أيها الشخص! ما الذي جعلك تنظر إليها؟ اشغل نفسك بشيء آخر، ومالك ومال الأخوات؟! إذا وجدت حاجة سوداء أمامك انظر إلى مكان آخر، وأنا والله ما أعرف شكل النقاب السعودي، والفتاوى الصادرة من بعض العلماء المعاصرين التي فيها التحريم فيها نظر، ومسألة كشف العينين أو جزء من الوجه هذا فيه خلاف بين العلماء؛ لأن كشف الوجه كله فيه خلاف، وهو خلاف سائغ، فأنت اجتهد في غض بصرك واستعن بالله، واشغل قلبك بشيء آخر، وقضية الشهوة هذه علاجها الأساسي بعد غض البصر أن القلب يكون مشغولاً بحاجات أخرى، لكن عندما تفكر فيها قبل النوم، وعندما تسرح تفكر فيها، وعندما تقعد تفكر فيها، فهذا الأمر سيسيطر على قلبك، ولن يجعلك تغض بصرك، لكن لو كنت مشغولاً بأشياء أخرى فستنصرف عن ذلك، وهذه هي قضية إصلاح القلب، وعبادة لله ، بأن يقرأ القرآن بالتدبر، أو يتعلم العلم، أو يدعو إلى الله ، وقضايا الإسلام كلها هي التي تشغله، وآلام المسلمين تشغله فيدعو لهم ويتألم لآلامهم، فهذه الأشياء ستغير كثيراً جداً من قضية الشهوة عنده.

стр. 610

كيفية الانتفاع بالطاعة وتأثيرها على العبد السؤال عندما نفعل الطاعة لا يكون تأثيرها إلا مؤقتاً في قلوبنا، ولا يتعدى تأثيرها تأثير المسكنات فما هو العلاج؟ الجواب لا تشبه الطاعات هكذا أبداً، فهذا تشبيه خطأ وخطر، فالطاعة هي مسكنات تأتي بالسكينة دائماً، وليس معنى المسكنات عندنا أنها حاجة ليس لها لزوم كبير، فالطاعات هي سبيل النجاة بإذن الله ﵎، والطاعات الجليلة مثل: الصلاة والصيام والقيام والدعاء والبكاء، المواظبة عليها والاستكثار منها أمر مطلوب، وأداؤها بروح طيبة مطلوب، فالعبادة إذا أديت ولو كانت كثيرة لكن بدون روح لا تؤدي الثمرة المطلوبة، لكن إذا أديت بما يلزمها من خشوع كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] فكلما خشعت في الصلاة تأثرت تأثراً لا يمكن أن ينكر، ثم إن الإنسان بطبيعته يتغير ويتقلب، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه كما يقال، فالقلب يتقلب على الإنسان في اليوم الواحد مرات، الرسول ﷺ يقول: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ﷺ ، هو ﵊ المعصوم يصيبه الغين ويستشعر من قلبه فتوراً فيستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة أو مائة مرة ﷺ ، فلابد أن يراقب الإنسان نفسه، ولا يصلح للإنسان أن يقعد طوال الأسبوع ينشغل بالحياة ولا يفكر في نفسه، أزاد أو نقص الإيمان؟ وإلى حال قلبه ماذا جرى له؟! يترك نفسه هكذا والأمراض تعشش في قلبه ثم يقول: نحن لابد أن نفتش فيها، فإذا وجدت العبادة بالخشوع المطلوب فيها فسوف تغير فينا تغييراً جذرياً، ثم نقول بعد ذلك: هذا وضع طبيعي أن القلب يتغير بسرعة، فكلما تقلب عليك أكثر من الطاعة قال ﷺ : (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).

стр. 611

حكم القراءة من المصحف في صلاة الفريضة السؤال ما حكم القراءة في المصحف في صلاة الفريضة؟ الجواب خلاف الأولى؛ لأن الفريضة ليست مبنية على التطويل، وإنما تجوز القراءة من المصحف في صلاة القيام لحاجته إلى التطويل.

стр. 612

حكم قطرة الأذن والأنف للصائم السؤال ما الحكم لو وضع الصائم قطرة في أذنه أو أنفه فوجد طعمها في فمه فابتلعها؟ الجواب الصحيح عندي أنه إن فعل ذلك فقد أفطر، وأما إذا لم يجد الطعم لم يفطر، وخصوصاً في الأذن، فالأذن لن يجد طعم القطار في الحلق إلا إذا كانت مخرومة، وإذا لم يكن فيها ثقب فلن تصل إلى الجوف ولا ينزل طعمها بالأولى، لكن الأنف موصولة بالحلق، وقد قال النبي ﷺ : (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فإذا وضع قطرات في أنفه ووصل حلقه فقد بالغ في الاستنشاق، وأنا أنصح أن تأخذ قطرتين على قطنة وتحطها في أنفك وأنت واقف، فأنت لو حطيتها وأنت واقف لن يحصل شيء.

стр. 613

مدى صحة خبر: أن سيف رسول الله في مسجد الحسين بالقاهرة السؤال يقال: إن في مسجد الحسين في القاهرة يوجد سيف النبي ﷺ هل هذا صحيح؟ الجواب يقولون هذا، ولا أعرف صحته، ولو كان هو فعلاً نجزم به، لكن ليس عندنا إسناد في ذلك، ويبقى هناك فائدة وهي: التبرك بآثار النبي ﵊.

стр. 614

الجمع بين رفع الأعمال في شعبان وما جاء في رفعها يوم الاثنين والخميس السؤال أعرف أنه في شهر شعبان ترفع الأعمال، فما الفرق بين هذا الرفع للأعمال وبين حديث: (تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس)؟ الجواب الظاهر أن عرض الأعمال يوم الإثنين والخميس يكون عرضاً في كل أسبوع مرتين، وأن عرض شعبان هو عرض السنة قبل رمضان، نسأل الله أن يتقبل منا، وأن يغفر لنا، وأن يبلغنا رمضان، وأن يوفقنا فيه لما يحب ويرضى، فهذا وقت الإعداد لرمضان، فقد ترفع أعمال السنة فليراجع الإنسان فيها نفسه، وهذا مثل التاجر الذي يعمل جرداً كل سنة، فيحاول يعمل جرداً خلال السنة الماضية حتى يستعد لرمضان بقلب تائب منيب، نسأل الله العافية.

стр. 615

كيفية إقناع الزوجة بوجوب النقاب السؤال زوجتي ترتدي الخمار، وأنا أريد أن ترتدي النقاب فتأبى وتقول: إنه ليس بفرض؟ الجواب الخمار فرض وإن قلنا: إنه سنة فلماذا لا تطبقي السنة؟ وعندما تقتنع فسوف ترتديه، وأعطها كتاب الشيخ محمد المقدم، الذي فيه الأدلة على وجوب الحجاب، وعلى كل الأحوال اصبر عليها.

стр. 616

المطلوب من العبد بعد أركان الإسلام السؤال أنا أصلي وأصوم وأزكي وأقوم بالعمرة إن استطعت، وأعبد الله كما أمرني، وأسعى على كسب رزقي فما المطلوب مني أكثر من ذلك؟ الجواب هذه أركان الإسلام التي أنت قلتها: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ومطلوب منك أن تتعلم ما يلزمك من الحلال والحرام، كفقه المعاملات بين الناس، فهذا فرض عين عليك، حتى تتعامل بالحلال وتترك الحرام فيما يتعلق بالأكل والشرب والمال والعين والأذن، فما هو الذي تسمعه؟ وما هو الذي تنظر إليه؟! وما هو الذي تمسكه بيدك؟! وهكذا تتعلم فقه حقوق الآخرين، كمعاملة الناس، فهذا فقه واجب تتعلمه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ومعاملة الأهل والأولاد، وتتعلم إصلاح عيوب النفس وأمراضها، وتتعلم التخلص من الحسد والحقد والرياء والسمعة والضغينة للمؤمنين والتشبه بالكافرين. وتتعلم ما يلزمك من العبادات القلبية من حب الله، والخوف منه، ورجائه، والتوكل عليه، وكل واحدة من هؤلاء لها بابها الذي يتعلمه. ثم نتعلم فرضية أن ندعو إلى الله ، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر على ما توجبه الشريعة، وأن نسعى لنصرة الإسلام، وأن تقترب من إخوانك فتحبهم في الله وتصحبهم في الله ، وتستعين بالله على حقوق هذه الصحبة في الله ، وتسعى لنصرة الإسلام بكل ما يمكنك، وتصلح نفسك ومن حولك وجيرانك وزملاءك، وقدر كبير جداً من الواجبات مطلوب منك أن تعملها حتى إذا تغيرنا جميعاً تغير الواقع الذي نحن فيه، فهذا الواقع الذي نعيشه نجد فيه تقصيراً منا، فنحن ليس لنا دعوة بأقوالنا وأفعالنا، ومع أدائك لكل ذلك ترى نفسك مقصراً كما ذكرنا حديث النبي ﷺ : (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة). ومن رأى في نفسه كمالاً وأنه أدى ما عليه فهو لم يؤد بعض ما عليه، فهو لم يؤد شيئاً مما عليه، بل أنت تعمل بالطاعة وترى نفسك دائماً مقصراً والله المستعان! وليس هذا تواضعاً، وإنما هذا لأنك أنت تنظر دائماً لعيوبها، كأن تصلي ركعتين فتسأل نفسك كم كنت مركزاً فيهما؟ وكم كنت مستحضراً لقراءة الآيات والأذكار فيهما؟ وهكذا أول ما تسلم تقول: أستغفر الله! أستغفر الله! أستغفر الله!

стр. 617

حكم الإفتاء بغير علم السؤال شخص استوقفه شخص آخر في الطريق وسأله أنه أقسم يمين طلاق وخالف ما أقسم عليه، فأجبته بما كنت أعلم: أنه إذا نوى الطلاق فقد وقع وإلا فليس عليه شيء، ثم علمت آنفاً أن عليه كفارة يمين في حالة عدم نية الطلاق، ولا أعرف هذا الشخص؟ الجواب أنت أخطأت أولاً في التجرؤ على الإفتاء بدون علم، وكان الواجب عليك أن تنصحه أن يسأل أهل العلم حتى يجيبوه الإجابة الكاملة الصحيحة، فتستغفر الله وتأتي لطلب العلم ولا تعد مرة ثانية، ولعل ربنا ييسر له من يفتيه بما يلزمه.

стр. 618

حكم من نذر مبلغاً لله ثم صرفه في صالح المسجد السؤال نذر مبلغاً لله، وبعد فترة وجد أن المسجد في حاجة للمبلغ، حيث إنه سيشتري به أشرطة وتجعل في المسجد، فهل يخرج هذا المبلغ لله أم يشتري به الأشرطة؟ الجواب ممكن الأشرطة تكون لله، ويبدو أن نيتك مقيدة بكلمة: (نذرتها لله)، والنذر لله يصح في كل ما كان طاعة، لكن هل أنت نذرتها للفقراء؟ أي: خصصت نيتك بأن (لله) أي: الفقراء، فإذا كان للفقراء يبقى هذا المبلغ تنفقه في صالح الفقراء. وأما إذا لم يكن في نيتك في ساعة النذر هذا التخصيص فكل ما كان في سبيل الله يجزي.

стр. 619

علاقة الأعمال الظاهرة بالإيمان السؤال الأعمال الظاهرة هل هي شرط كمال أم شرط صحة؟ الجواب من يقول: إن الأعمال الظاهرة شرط كمال واجب في الإيمان وليس بشرط صحة ليس مرجئاً، ومن يتهمه بالإرجاء يكون مبتدعاً، ويتهم عامة علماء الأمة بالإرجاء، ولا أعين أحداً، وممكن يكون متأولاً أو جاهلاً، لكن أنا أقول: إن اتهام من يقول بأن الأعمال الظاهرة شرط كمال واجب في الإيمان، وليس شرط صحة طالما وجد أصل الإيمان في القلب وعلى اللسان، فإن الذي بدَّعه ويقول عليه: مرجئ يكون هو المبتدع. والإيمان المطلق معناه: الكامل، ومطلق الإيمان معناه: أصل الإيمان، والإيمان المطلق صاحبه يدخل الجنة لأول وهلة؛ لأنه كمل ما عليه، فأدى الواجبات وترك المحرمات، ومطلق الإيمان هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وعنده أصل الإيمان لكن لا يخلد في النار.

стр. 620

حكم تقبيل أيدي العلماء السؤال هل يجوز أن نقبل أيدي العلماء؟ الجواب هذا الأمر ورد مرة عن الصحابة لما بشرهم النبي ﷺ بعد عودتهم من غزوة انسحبوا منها، فقال لهم المسلمون: (أنتم الفرارون، فقال: بل أنتم الكرارون) فقبلوا يده، لكن لم يكن هذا الفعل عادة وسنة أن الصحابة ﵃ كلهم عندما يرون النبي ﷺ ينكبوا على يده، مع حبهم وتعظيمهم له أشد التعظيم، فمسألة أن تقبيل اليد يصبح سنة فهذا فيه غلو، لكن إذا وقعت نادراً فقد ثبتت أدلة تثبت ذلك كما قال: قبل زيد بن ثابت يد ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهذا لم يزل موجوداً لكن على سبيل الندرة لا على سبيل العادة، والله أعلى وأعلم.

стр. 621

حكم قول سيدنا ومولانا للعلماء السؤال هل يجوز أن نقول للعلماء: سيدنا أو مولانا؟ الجواب نعم، يجوز ذلك وليس ذلك بالمحدث من القول، لكنت ليست سنة راتبة أيضاً، فأنت لا تجد الصحابة يقولون دائماً: سيدنا أبو بكر سيدنا عمر، وإنما يذكرون الكنية، لكن هل هذا الأمر يعد بدعة ضلالة؟ لا، ليس كذلك، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال عن سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم). وقال: (لا تقولوا للمنافق سيداً؛ فإنه إن يك سيداً فقد أغضبتم ربكم)، فدل ذلك على أن من ليس بمنافق ولا بكافر وهو المسلم الذي لا يعرف عنه فسق يجوز أن يقال له سيد. وأما مولانا فقد قال النبي ﷺ لـ زيد: (أنت أخونا ومولانا)، فالمولى لفظ يطلق على نحو عشرين معنى، منها عدة معاني صالحة للأخوة في الله، وهي: المحبة والقرب والتناصر على الدين، فهذه كلها معاني الموالاة الصحيحة، فليس هناك منع من ذلك، لكن كما ذكرنا أنها لا تصبح شعاراً بمعنى أنها تكرر مثل تقبيل اليد كما قلنا: لا ينكر مطلقاً ولا يغالي فيه، ولكن يحجم.

стр. 622

حكم التنفل مع المفترض السؤال صليت العشاء ثم جئت المسجد، وكانت الصلاة لم تنقض بعد، فدخلت بنية النافلة هل هذا صواب؟ الجواب نعم، ما فعلته هو الصواب، تصلي نافلة مع الجماعة، فإن أدركت ركعة صليت أربعاً، وإن أدركت أقل من ركعة صليت ركعتين.

стр. 623

حكم بيع ماكينات الحلاقة والمعجون في الصيدلية السؤال عامل في صيدلية يبيع ماكينات الحلاقة والمعجون فما حكم ذلك؟ الجواب معجون الحلاقة وماكينات الحلاقة للحالقين لا يجوز بيعها؛ لأنهما تستعملان في المعصية.

стр. 624

معنى حديث (من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى) السؤال ما معنى حديث عدي بن حاتم ﵁ أن رسول الله ﷺ يقول: (من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى)؟ الجواب أي: يكفر عن يمينه ويأتي ما هو أتقى لله، كأن حلف على حاجة لا يعلمها، فقال: والله لن أذهب إلى أقربائي مرة أخرى، هل هو أتقى لله أنه لا يذهب إليهم أو أنه يذهب إليهم ليزورهم؟ يذهب إليهم ليزورهم، فيصل الرحم، ويفعل التقوى ويكفر عن يمينه. والحديث هو مرسل؛ لأن التابعي قال: قال رسول الله ﷺ .

стр. 625

حكم الصلاة بالملابس النجسة السؤال شخص يعمل في شركة للأدوات الصحية في الصب يقول: فعندما نأخذ التراب الذي نصب به يكون مخلوطاً بماء الصرف الصحي، ودائماً ما يصيب الملابس، وعندما يؤذن المؤذن للصلاة أضطر للصلاة في هذه الملابس، وحتى المسجد مليء بهذا التراب بسبب الطاحنات؟ الجواب لا، هذه الملابس لا تصلح للصلاة إلا أن يكون الذي أصابها رذاذ يسير لا يدرك، لكن إذا كان يدرك، فلابد أن تعد ثوباً للصلاة، وبالنسبة للمسجد لا بد أن تفرشه بشيء نظيف يمنع من هذه الأتربة المختلطة بالنجاسة، وهذه نجاسة لا بد من الحذر منها، وقد قال النبي ﷺ : (استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه)، فالبول والغائط من هذا الباب، فهذا خطر، وهو من أسباب عذاب القبر والعياذ بالله! فتلبس ملابس نظيفة وتصلي فيها، تأخذها معك ووقت ما يأتي موعد الصلاة تخلع ملابس العمل وتصلي في الملابس النظيفة، والمسجد نفسه إذا كان فيه نجاسة فهذا أمر محرم لا بد أن تزال النجاسة من المسجد، وأقل شيء أنهم يفرشون شيئاً نظيفاً.

стр. 626

وقوع الطلاق في الحيض السؤال هل الطلاق في الحيض مسألة خلافية؟ الجواب هي مسألة خلافية، لكن الخلاف عندي غير سائغ، فهو خلاف ضعيف جداً؛ لأنه ثبت النص عن رسول الله ﷺ بأنه قال: (هي واحدة) والحديث صحيح، وأئمة العلماء على ذلك، والأئمة الأربعة على وقوع الطلاق في الحيض، فعندنا لا يعرف عن أحد من السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة أهل الإسلام خلاف في المسألة، وإنما الخلاف من شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم توهماً بفهم حديث مسلم أنه لم يعدها شيئاً، وهذا خطأ في فهم الحديث، فالمسألة عندي أنها لا يسوغ فيها الخلاف لصحة النص، والشيخ الألباني ذكر للحديث عشر طرق، الذي هو أن رسول الله ﷺ عدها واحدة، أي: في طلاق ابن عمر في الحيض، فأنا لا أشك في وقوع الطلاق في الحيض وأرى الفتوى بخلافها فتوى باطلة مردودة.

стр. 627

حكم الاشتراك في موقع البزناس السؤال ما حكم موقع البزناس؟ الجواب هذا من الميسر الذي يخدع به الناس؛ حيث يبيعون شيئاً وهمياً أو شيئاً لا قيمة له في الحقيقة بقيمة بالغة بناءً على احتمال ورود الأموال من المخدوعين الجدد، فيأتي بعض الناس يقول لك: نعمل عليها شركة، فأنت سوق لي (الكباية)، وكل شخص يأخذ شخصاً ويقول: ما رأيكم؟ نقعد نشتري بمائة دولار، وأنت لو بعت واحد في المائة من الكباية سنعطيك، وهكذا من هذا الكلام الفارغ الذي لا قيمة لها، والناس الذين يدخلون كلهم ليسوا داخلين من أجل أن يستفيدوا من الموقع، ولن يدخل أحد إلا من أجل أن يوضع اسمه على قائمة، ويأتيه الذين يسوق عندهم، وهو لا يسوق ولا شيء، وإنما هذا يخدعهم، فالبزناس هذا ميسر بلا شك وهو بيع وهمي، ولذلك أنا أقول: أن البزناس هذه أمر محرم غير جائز. فإنه من بيع الاحتمال، وهذا ميسر، وهذا بيع غرر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر؛ لأنك لن تستفيد منه غالباً، وأنا أقول: إن اليهود وراء هذا الموضوع، فهذا بيع غرر بلا شك، والغرر الذي فيه هو: أنه يدفع في الحقيقة ويدخل في هذا الشيء من أجل احتمال أنه غيره سيعطيه وسيأخذ عمولة منه، فهذا بناء على هذا الاحتمال، وليس أن هناك سلعة مقصودة.

стр. 628

حكم حضور دروس العلم مع كراهة الوالدين لذلك السؤال أبي وأمي يكرهان ذهابي إلى دروس العلم من أجل المذاكرة مع أنني أذاكر هل هذا عقوق؟ الجواب إذا كنت تذاكر فليس هذا بعقوق، بل واجب عليك أن تحضر دروس العلم ولو من ورائهم، لكن واجب عليك أن تذاكر دروسك من أجل ترضيهم.

стр. 629

كيفية المضمضة والاستنشاق السؤال هل هناك دليل على أن الاستنشاق يكون بالشمال؟ الجواب لا، هو يأخذ غرفة بيمينه فيتمضمض ويستنشق منها، ثم يستنثر بالشمال، فهذا دلت عليه الأحاديث. والحديث في صحيح مسلم، والتكريم يكون لليمين، والشمال لما سوى ذلك، فالاستنثار مما سوى ذلك.

стр. 630

حكم من طلق امرأته قبل الدخول بها السؤال كم طلقة تكون للعاقد؟ الجواب العاقد إذا طلق امرأته ولم يدخل بها فقد بانت منه، فإذا أراد أن يرجع رجع بعقد جديد؛ لأنها بانت منه، وإذا طلق امرأته قبل الدخول وعقد عليها من جديد، ثم طلقها ثانياً قبل الدخول فعقد عليها من جديد، ثم طلقها ثالثاً بانت منه حتى تنكح زوجاً غيره، لكن إذا أرجعها بدون عقد جديد يصير العقد باطلاً، وبعض الناس يطلقها في شجار حصل بينهم، فينحرج أن يقول لأهلها فيقول لها: قولي لي: زوجتك نفسي فيقول لها: رجعتك انتهى، فيراجعها وممكن بعد مدة يطلقها، والطلقات التي وقعت بعد هذا وقعت في غير زواج، فهي ليست امرأته فهو قد طلق أجنبية فلا تحسب.

стр. 631

حكم وضع اليدين بعد الرفع من الركوع السؤال ما حكم وضع اليد بعد الرفع من الركوع؟ الجواب يستدل على هذا بعموم فعل النبي ﷺ أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى عند القيام في الصلاة، وهذا قيام، فالسنة إن شاء الله وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع، وهذا فيه خلاف سائغ.

стр. 632

حكم الاغتسال لمن تاب بعد ردته السؤال هل لابد على من يسب الدين، أو يقول لفظاً شركياً أو كفرياً أن يغتسل ويتشهد، وكذلك من لا يصلي إذا أراد أن يصلي؟ الجواب من سب الدين عليه أن يتشهد، وأما الغسل فإذا كان قد أجنب حال ردته فلا بد أن يغتسل، وحتى لو اغتسل دون أن يتشهد لم يجزه الغسل حتى يتشهد ثم يغتسل، والله أعلم. وأما إذا لم يكن أجنب وتاب من ساعته لم يلزمه إلا الشهادة على الصحيح، والأحوط أن يغتسل على أي حال خروجاً من الخلاف في المسألة؛ لأن بعض العلماء يقول: الاغتسال واجب للإسلام مطلقاً سواء أجنب حال كفره أو لم يجنب. أما من يقول لفظاً شركياً أو كفرياً، فهذا الكلام لا بد من النظر فيه هل هذا شرك مخرج من الملة أم لا؟ وهل توفرت الشروط وانتفت الموانع أم لا؟ فإذا ثبتت ردته فإنه يتشهد ويغتسل كما ذكرنا. وأما من لا يصلي فإذا كان تاركاً للصلاة جاحداً لوجوبها فهذا خروج من الملة فعلاً، وكان ناشئاً وسط أهل الإسلام كبلادنا مثلاً وغيرها من بلاد المسلمين التي انتشر فيها علم وجوب الصلاة، فإذا كان كذلك كان جاحداً بأن يقول: الصلاة ليست فرضاً، فهذا خرج من الملة، فعليه أن يتشهد ويقول الصلاة فرض. وأما إذا كان تركها تكاسلاً فهذا فيه قولان للعلماء أرجحهما وهو قول جمهور العلماء: أنه لا يكفر كفراً ناقلاً عن الملة، فهو كافر كفر دون كفر، كفر لا يخرجه عن ملة الإسلام؛ لذا لا يحتاج إلى الشهادة مرة أخرى.

стр. 633

حكم من يرى أن قاطع الصلاة قد يكون أفضل من المصلي السؤال قال لي رجل لا يصلي: الذي لا يصلي قد يكون أفضل عند الله من الذي يصلي، قلت له: لا، الذي يصلي أفضل، فهل أكون تأليت على الله بهذا القول؟ الجواب إن شاء الله ما تأليت على الله، وهذه ليست متصورة فقط إلا في المنافق، فقد يكون شخص منافق نفاقاً أكبر يصلي، يبقى: ممكن واحد لا يصلي تكاسلاً، وفي قلبه أصل الإيمان، فيكون أفضل من المنافق، لكن غير ذلك قطعاً لا يتصور يعني: الزاني والسارق والقاتل وشارب الخمر الذي يصلي أهون شراً من الذي لا يفعل ذلك ولا يصلي، وترك الصلاة أغلظ باتفاق أهل العلم من كل الكبائر.

стр. 634

ولقاؤك حق إن الموت نهاية كل إنسان، فلابد من لقاء الله ، ليحاسب كل إنسان على ما قدم في حياته، ولا بد لكل فرد من أن يقف بين يدي ربه، ليلاقي جزاء عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولذلك فإنه حري بكل إنسان أن يحاسب نفسه، ويتدارك ما فاته في عمره؛ لأن لقاء الله حق، والمصير إما إلى جنة أو إلى نار أمر لابد منه.

стр. 635

إعداد العدة للقاء الله إن الحمد الله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق:٦ - ١٥]. هذه الآيات تحث على إعداد العدة للقاء الله ، فلنعلم أننا ملاقو الله ، كما قال النبي ﵌: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -أي: أيسر منه- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، وقال النبي ﵌ في دعائه الجامع العظيم: (ولقاؤك حق)!. فلقاء الله حق لابد أن يتحقق ولابد أن يقع، وكل عبد يلقى الله فرداً كما قال : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤].
следующие страницы →