Полный текст (991 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حكم وضع اليدين بعد الرفع من الركوع
السؤال
ما حكم وضع اليد بعد الرفع من الركوع؟
الجواب
يستدل على هذا بعموم فعل النبي ﷺ أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى عند القيام في الصلاة، وهذا قيام، فالسنة إن شاء الله وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع، وهذا فيه خلاف سائغ.
стр. 632
حكم الاغتسال لمن تاب بعد ردته
السؤال
هل لابد على من يسب الدين، أو يقول لفظاً شركياً أو كفرياً أن يغتسل ويتشهد، وكذلك من لا يصلي إذا أراد أن يصلي؟
الجواب
من سب الدين عليه أن يتشهد، وأما الغسل فإذا كان قد أجنب حال ردته فلا بد أن يغتسل، وحتى لو اغتسل دون أن يتشهد لم يجزه الغسل حتى يتشهد ثم يغتسل، والله أعلم.
وأما إذا لم يكن أجنب وتاب من ساعته لم يلزمه إلا الشهادة على الصحيح، والأحوط أن يغتسل على أي حال خروجاً من الخلاف في المسألة؛ لأن بعض العلماء يقول: الاغتسال واجب للإسلام مطلقاً سواء أجنب حال كفره أو لم يجنب.
أما من يقول لفظاً شركياً أو كفرياً، فهذا الكلام لا بد من النظر فيه هل هذا شرك مخرج من الملة أم لا؟ وهل توفرت الشروط وانتفت الموانع أم لا؟ فإذا ثبتت ردته فإنه يتشهد ويغتسل كما ذكرنا.
وأما من لا يصلي فإذا كان تاركاً للصلاة جاحداً لوجوبها فهذا خروج من الملة فعلاً، وكان ناشئاً وسط أهل الإسلام كبلادنا مثلاً وغيرها من بلاد المسلمين التي انتشر فيها علم وجوب الصلاة، فإذا كان كذلك كان جاحداً بأن يقول: الصلاة ليست فرضاً، فهذا خرج من الملة، فعليه أن يتشهد ويقول الصلاة فرض.
وأما إذا كان تركها تكاسلاً فهذا فيه قولان للعلماء أرجحهما وهو قول جمهور العلماء: أنه لا يكفر كفراً ناقلاً عن الملة، فهو كافر كفر دون كفر، كفر لا يخرجه عن ملة الإسلام؛ لذا لا يحتاج إلى الشهادة مرة أخرى.
стр. 633
حكم من يرى أن قاطع الصلاة قد يكون أفضل من المصلي
السؤال
قال لي رجل لا يصلي: الذي لا يصلي قد يكون أفضل عند الله من الذي يصلي، قلت له: لا، الذي يصلي أفضل، فهل أكون تأليت على الله بهذا القول؟
الجواب
إن شاء الله ما تأليت على الله، وهذه ليست متصورة فقط إلا في المنافق، فقد يكون شخص منافق نفاقاً أكبر يصلي، يبقى: ممكن واحد لا يصلي تكاسلاً، وفي قلبه أصل الإيمان، فيكون أفضل من المنافق، لكن غير ذلك قطعاً لا يتصور يعني: الزاني والسارق والقاتل وشارب الخمر الذي يصلي أهون شراً من الذي لا يفعل ذلك ولا يصلي، وترك الصلاة أغلظ باتفاق أهل العلم من كل الكبائر.
стр. 634
ولقاؤك حق
إن الموت نهاية كل إنسان، فلابد من لقاء الله ، ليحاسب كل إنسان على ما قدم في حياته، ولا بد لكل فرد من أن يقف بين يدي ربه، ليلاقي جزاء عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولذلك فإنه حري بكل إنسان أن يحاسب نفسه، ويتدارك ما فاته في عمره؛ لأن لقاء الله حق، والمصير إما إلى جنة أو إلى نار أمر لابد منه.
стр. 635
إعداد العدة للقاء الله
إن الحمد الله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق:٦ - ١٥].
هذه الآيات تحث على إعداد العدة للقاء الله ، فلنعلم أننا ملاقو الله ، كما قال النبي ﵌: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -أي: أيسر منه- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يجد إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، وقال النبي ﵌ في دعائه الجامع العظيم: (ولقاؤك حق)!.
فلقاء الله حق لابد أن يتحقق ولابد أن يقع، وكل عبد يلقى الله فرداً كما قال : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]، وقال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤].
стр. 636
هول يوم الحساب
استحضر يا عبد الله هذا الموقف الهائل العظيم، وأنت في وسط الجموع الهائلة الكثيرة من أول من خلق الله إلى آخر واحد منهم إنسهم وجنهم، وقد اجتمعوا في صعيد واحد، ونزلت الملائكة من السموات تنزيلاً، وأحاطت بهم، واجتمعت عليهم الأهوال، ودنت الشمس من الرءوس، وصمت الخلق جميعاً، فلا تسمع صوت أحد يتكلم، إنما تسمع نقل الأقدام إلى أرض المحشر، ومن ينادى عليه للقاء ربه ، كما قال : ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، وينادى على العباد فبعضهم ينادى عليه ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود:١٨ - ١٩].
стр. 637
حساب الله للكافر والمنافق
سأل الصحابة النبي ﵌: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، فيلقى أحدكم ربه فيقول: يا فلان! ألم أزوجك؟ ألم أسودك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟).
(وأذرك) أي: أتركك تصبح رئيساً في قومك، وتأخذ المرباع، كما كانوا في الجاهلية يأخذ زعيم القبيلة ربع الغنيمة ويسمى المرباع، فهو قد ربعهم أي: أخذ ربع غنيمتهم في الحروب، وكما يفعل كل من ترأس في الناس فإنه يأخذ من أموال الناس عامة ما يخص به نفسه، إلا ما ﵏ من أهل الإسلام القائمين بالقسط والعدل.
يقول: (يا فلان! ألم أزوجك؟ ألم أسودك؟ -أي: جعلتك سيداً- ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ قال: بلى قال: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني) نعوذ بالله!.
(ويلقى أحدكم ربه فيقول له مثل ذلك فيقول: يا رب! صمت، وصليت، وتصدقت! ويثني بخير ما استطاع فيقول: اليوم نبعث عليك شاهدنا فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم الله على فيه -أي: على فمه- ويقال لأركانه: انطقي، فتتكلم أركانه بما كان يعمل ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً! فعنكن كنت أناضل).
أجزاؤه هي التي تتكلم فيشهد فخذه، وتتكلم جوارحه، كما قال تعالى ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فالله سوف ينادي كل واحد من الناس فيما بينه وبينه، ويقرره على ما فعل، والكفار والعياذ بالله يقرون، ويعترفون بذنوبهم، ويؤخذون إلى العذاب عياذاً بالله! وكذا المنافق كما جاء في هذا الحديث أنه يثني بخير على نفسه ما استطاع، ويقول: صليتُ! صمتُ! تصدقتُ! فإذا نطقت أركانه وجوارحه بما كان يعمل، ثم خُلي بينه وبين الكلام يقول: بعداً لكن أي: جوارحه؛ يدعو على نفسه وأجزائه التي شهدت عليه، فهي شاهده الذي يبعثه الله عليه من نفسه، فهذا عدله ، فهذا هو المنافق الذي يغضب الله عليه، وذلك الذي يعذر من نفسه.
стр. 638
حساب الله للمؤمن
ثبت من حديث ابن عمر ﵄ أنه سئل: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شيئاً في النجوى.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدني الرب عبده المؤمن فيلقي عليه كنفه -أي: ستره-، فيذكره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا؟! أتذكر ذنب كذا؟! فيقول: نعم)، لا يستطيع أن ينكر (حتى إذا ظن أنه قد هلك فيقول الله : قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيؤتى كتابه بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]).
فتخيل وتصور هذا الموقف الهائل العظيم، فوالله لو لم يكن في أمر الآخرة من شدة إلا تلك اللحظة التي يتصور المؤمن فيها أنه قد هلك؛ لأن الله يذكره بذنوبه، ويقرره بها، ويعترف العبد بها حتى يتصور أنه قد هلك.
стр. 639
شدة عذاب النار وهوله
الهلاك الذي لا نجاة بعده هو عذاب النار، يتعذب فيها الإنسان فيها بكل شيء، وفي كل لحظة من لحظاته، وفي كل جزء من أجزائه، فهو يتعذب بالنَفَس كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، ويتعذب بالطعام كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٣].
(ذا غصة) أي: طعام ذا شوك يأخذ في حلق الكافر فيظل في حلقه لا يستطيع ابتلاعه، ولا يستطيع لفظه، فيمسك بحلقه ذلك الشوك فلا يستطيع خلاصاً منه، ويتعذب بالشراب فإن شرابهم من حميم والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، وقال تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٦].
فالغساق: هو ما يسيل من عيونهم وصديدهم وجروحهم في غاية البرودة والنتن والعياذ بالله! ويتعذبون بالملابس التي يلبسونها قال : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢] نعوذ بالله من ذلك! والمقمعة: هي التي يضرب بها الفيل، وهي: حديدة عظيمة يضرب بها الفيل على رأسه، فينقمع هذا في الدنيا فكيف بمقامع الآخرة؟! ويعذبون في فرشهم كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١] نعوذ بالله من النار!
стр. 640
لقاء الله حق
المؤمن الذي يؤتى كتابه بيمينه -أي: قد رجحت حسناته على سيئاته- ينادى عليه من وسط صفوف البشر، فإن البشر يأتون يوم القيامة صفاً، وكلهم عارٍ كما ولدته أمه، كما قال النبي ﷺ : (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم).
وتأمل هذا الحديث جيداً؛ لتعلم أن كل أحد يحشر عارياً، حتى الأنبياء يحشرون عراة حفاة كما ولدتهم أمهاتهم، ثم يكسى الأنبياء، وأول من يكسى إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما في الحديث: (ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم)، فلن يستثنى أحد، ولن يحشر أحد في لباس، وإنما هم قائمون في أرض المحشر شاخصة أبصارهم، ينتظرون فصل القضاء، وكلهم صامت ساكت، والملائكة قد أحاطت بهم، ثم ينادى عليهم واحداً واحداً، ويلقي الله سبحانه على المؤمن كنفه، أي: ستره، ثم يقرره بذنوبه حتى يظن أنه قد هلك.
فهذه اللحظة التي يظن فيها المؤمن أنه قد هلك هو كما هو في إطلاق الحديث: كامل الإيمان، الذي رجحت حسناته على سيئاته، بدليل أنه قد أوتي كتابه بيمينه، وأنه ينادي: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] أي: أنه أيقن أنه ملاق حسابه عند الله ، فهذا حال المؤمن في تلك اللحظة، فكيف بمن كان مفرطاً؟! وكيف بمن يعذب بذنوبه؟! وكيف بمن يلقى في النارنعوذ بالله من ذلك؟!.
إن لقاء الله حق للمؤمن والكافر، فأما الكافر فيلقاه لقاء العبد الآبق من سيده الغاضب عليه والعياذ بالله من ذلك! فيراه رؤية يعلم بها أن الله حق وأن لقاءه حق، فليست رؤية تكريم ولا تنعم، بخلاف أهل الإيمان فإنهم يلقون ربهم فيرونه وينظرون إليه، وينظر إليهم برحمته ، فينظر إليهم نظرة يترتب عليها أنواع من الرحمات والكرامات والإنعام -حتى يدخلوا الجنات- ما لا يخطر ببال أحد، ولم تسمع به أذن، ولم تره عين، كما قال النبي ﷺ : (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
стр. 641
قصر الدنيا بالنسبة للآخرة
اعلموا عباد الله أنكم ملاقو الله ، وأعدوا للقاء الله عدته، فهي لحظات طويلة، فكم يبلغ يوم القيامة من السنين؟! وكم تساوي حياتنا بالنسبة لها؟ فقد قال تعالى عن طوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، فلنتدبر هذه الكلمة جيداً ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥].
إن عدد الأيام من أيام الفراعنة إلى اليوم يقولون: سبعة آلاف سنة.
فكم من الأديان مرت خلال هذه الفترة؟ وكم من الأحداث على الأرض وقعت؟ إن تاريخ البشر المعروف لا يتجاوز عشرة آلاف سنة على أي حال من الأحوال، والله يخبر فقط عن يوم القيامة أنه خمسون ألف سنة، فكم تساوي متع الحياة التي يتنافس الناس فيها، والتي من أجلها يقتل بعضهم بعضاً، ويسفك بعضهم دماء بعض، ويغتاب بعضهم بعضاً، وينم بعضهم على بعض، والتي تقطع فيها الأرحام، ويفسد من أجلها في الأرض؟ فكم تساوي هذه اللذات المشوبة بالنغص والنكد؟ فإنه لا تسلم لأحد لذة منها إلا ومعها ما ينكدها، ولو لم يكن إلا الملل منها بعد حصولها لكفى به منغصاً، فما من لذة من اللذات إذا ذاقها الإنسان إلا وشعر بالزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، وحب التحول عنها، وأما اللذة التي لا يتحول المرء عنها فهي في الجنة فقط، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨].
وأما لذات الدنيا مثل الطعام الذي تشتهيه وتحبه وأنت جائع فإذا أكلت منه لقيمات شبعت منه وقلت: لا أستطيع الزيادة، ولا أريد المزيد منه، وكذا الشراب تشرب مرة أو مرتين ثم تزهد فيه، وكذلك الشهوة الجنسية لحظات وثوان معدودة ثم يزهد بعدها الإنسان ويرغب في غيرها، ولا يريد البقاء فيها! وكذلك لذة الملك، لا تأتي إلا بالكرب والغم والخوف والقلق والصراعات والنزاعات بما لا يتمتع معه بشيء من أمور الحياة.
إن هذه الحياة لا تخلو من ألم، ولابد فيها من شقاء وألم بحكم وجودنا في الأرض، فإن خروجنا من الجنة ترتب عليه شقاؤنا، قال تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧].
ومع ما في الدنيا من لذات إلا أنها تكون مشوبة بالآلام والمتاعب والنكد والاختلاف الذي يؤدي دائماً إلى ضيق الصدر وعدم انشراحه، اختلاف بين البشر حتى في الأسرة الواحدة يقع ذلك كله، فكم تساوي لذة الدنيا هذه؟! ومع ذلك فالإنسان يبقى ثلث حياته نائماً لا يشعر بشيء، وثلثها الأخير أو ربعها الأخير بعد الأربعين أو الخمسة والأربعين أو الخمسين تدب إليه الأمراض، فيعاني منها أنواع المعاناة، وأمراض الشيخوخة لا يكاد يسلم منها إلا أفراد من الملايين، وإلا فالأكثر تصيبه الأمراض والآلام، وما بين ذلك أيضاً طفولة مليئة بالبكاء، فأول ما يبدأ به الإنسان في الحياة البكاء، ويظل يبكي طوال حياته، وإن ضحك قليلاً فإنه يبكي كثيراً.
وكم تساوي الدنيا في يوم القيامة في أهواله العظيمة؟ وإننا لو قارنا هذه الحياة بفترة البرزخ فقط لكان الميزان لصالح ما بعد الحياة، ولذا لا تكون الحياة الدنيا حياة فيقول الإنسان يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤]، وقال : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]، فلا يعذب مثل عذاب الله أحد، ولا يوثق مثل وثاق الله أحد، هذا الوثاق الذي يقيد به الأسرى، وتعصب به أعينهم، ويقيدون به خلف ظهورهم كم هو مؤلم، فتخيل قول الله : ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢]، فهذه الأغلال ليست في الأيدي فقط، وإنما هي في الأعناق مع الأيدي والأرجل، كما قال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١]، فتجمع قدمه إلى ناصيه في سلسلة واحدة، قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]، أي: ليت الموتة التي متها كانت القاضية ولم أبعث: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] أي: هلكت عني حجتي أو أصحاب السلطان الذين كان لهم سلطان في الدنيا يقولون يوم القيامة: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩]، فيقول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]، فإذا قال الله : (خذوه) ابتدرته الملائكة أسرع من البرق يأخذون هذا الذي أمر الله أن يؤخذ، وقوله: (فغلوه) أي: اجعلوا الأغلال في عنقه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١]، الناس يخافون من أن يحبسوا في سجون يأكلون فيها ويشربون، وينامون على أرض ليست بنار، ويتغطون بغطاء ليس بنار، ويلبسون ثياباً ليست من نار، قال بعض السلف: لو توعدني الله أن يحبسني في الحمام لكان والله أجدر بنا أن نخاف وأن نرعب من هذا، فكيف وقد توعدنا أن يحبسنا في نار جنهم نعوذ بالله من النار؟! ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] فلا يقيد بها فقط، بل يسلك فيها أي: تجعل السلسلة في فمه، وتدخل في أمعائه حتى تخرج من دبره مثل الطيور التي تشوي، ويجعل فيها ذلك السيخ الحديدي، فهذا الكافر يسلك في السلسلة كما تسلك حبات العقد في سلكه نعوذ بالله من ذلك! ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٦]، وهو غسالة جروحهم والعياذ بالله ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٧].
نعوذ بالله من ذلك.
стр. 642
خوف الأنبياء ﵈ من أهوال يوم القيامة
يوم القيامة يخاف الأنبياء من غضب الرب ويقولون واحداً بعد واحد: نفسي! نفسي! نفسي! فيقولها آدم ﵇ الذي أسجد الله له ملائكة، وكلمه قبلاً، وخلقه بيده، وعلمه أسماء كل شيء، وتاب عليه وهدى، واجتباه ربه سبحانه، وجعله نبياً، ويقولها نوح ﵇، ويقولها إبراهيم ﵇ خليل الرحمن الذي وقف المواقف العظيمة الذي أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، وبقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، فإبراهيم ﵇ يقول: نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، وكذلك موسى ﵇ الذي وقف في مواجهة فرعون وكلمه الله ، وقربه نجياً يقول نفسي! نفسي! كذلك عيسى ﵇ لا يذكر ذنباً، ولكن يقول: لا أسألك إلا نفسي؛ فيأتي رسول الله ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها أي: الشفاعة.
فانظروا عباد الله إلى هذه المواقف العظيمة، واعلموا أنكم ملاقو الله، فلقاؤه حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، فهل ندرك حقائق هذه الأشياء؟ وهل نحن مؤمنون بها كما أخبرنا بها القرآن؟ إن أكثر ما ذكرنا إنما هي آيات في كتاب الله الذي يقول المسلمون كلهم عنه: نحن نؤمن به قطعاً ويقيناً وصدقاً، ولكننا نحتاج إلى أن نتدبر، وأن نستحضر هذه المواقف الهائلة التي تنتظرنا، حتى تصغر الدنيا في أعيننا، وحتى تكبر الآخرة في قلوبنا، وحتى كأننا نرى الجنة وقد دخلها أهلها وهم يتنعمون فيها، والنار وقد دخلها أهلها وهم يتعذبون فيها، وحتى كأننا ننظر إلى عرش ربنا بارزاً، وقد جاء سبحانه لفصل القضاء بين العباد الذين هم في عرصات يوم القيامة، في أرض عفراء بيضاء كقرص نقي ليس فيها معلم لأحد، أي: كرغيف الخبز المصنوع من الدقيق الذي يكون بياضه مشوباً بشيء من الصفرة، ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض، قال : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] أي: ولا ترى فيها ارتفاعاً ولا انخفاضاً، ولا ترى فيها وادياً، فالعوج وهو الأرض المنخفضة، ولا أمتاً، وهو الأراضي المرتفعة عن الأرض، فيذر الأرض قاعاً أي: أرضاً مستوية، ملساء، صفصفاً أي: ملساء، لا ترى فيها ارتفاعاً ولا انخفاضاً، ولا ترى فيها وادياً ولا رابيةً، بل هي أرض مستوية، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وهذا كله يتضمنه قول النبي ﷺ : (ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق).
نسأل الله العافية، ونسأله أن يدخلنا الجنة، وأن يعيذنا من النار، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 643
صفة الجنة
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: يطلب الإنسان السعادة، ويطلب اللذة، ويريد ما تشتهيه نفسه، ولكن لا لذة في هذه الدنيا تبقى، بل كل شيء فيها يفنى، فنعيمها إلى زوال، وألمها إلى زوال، وإنما العاقل من يطلب نعيم الجنة، فالجنة حق والنار حق.
وقد أخبرنا الله أن نعيم أهل الجنة أعظم نعيم من كل شيء، وقد ادخر الله : (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) كما قال النبي ﷺ ، ومصداق ذلك قوله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
وقد جعل الله أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجهه ، وهو الزيادة على الجنة المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقد فسره النبي ﷺ بأنه: (النظر إلى وجه الله ، وقال : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، وقد فسره غير واحد من الصحابة والتابعين والسلف: بأنه النظر إلى وجه الله ، وقال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥]، فهي باسرة أي: عابسة خائفة مرتعبة، وهي وجوه الكفار، (تظن) أي: أيقنت وعلمت أنها سيفعل بها ما يكسر فقار ظهرها، فهي سوف تقيد، وسوف تحبس، وسوف تدخل النار فتصيبها الفواقر التي تكسر فواقر ظهرها، هذه هي الفاقرة عياذاً بالله.
أما أهل الإيمان فإن وجوههم قد أتتها نضره عظيمة من نظرها إلى وجه الله، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٨ - ١٠] أي: شديداً ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:١١]، وإنما أتت النضره للوجوه من نظرها إلى وجه الله ، وإنما سرت النفوس لما علمت برضا ربها عنها، فهو فوق نعيم الجنة كلها، كما قال النبي ﷺ : (يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة! تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟! ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟! فأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
وفي الحديث الآخر: (فيسألون النظر إلى ربهم فيرفع الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله سبحانه)، فلا يكون النعيم نعيماً إلا بالقرب منه ، وبالنظر إليه سبحانه، وذلك لمعرفة العبد بأن الله قد رضي عنه، وقال : ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٤ - ٥٨]، فربهم الرحيم سبحانه هو الذي رحمهم تلك الرحمة الخاصة، فرحمهم في الدنيا بالهداية والتوفيق للإسلام، ورحمهم في قبورهم بأن فتح لهم أبواباً إلى الجنان، ورحمهم في الآخرة بأن أظلهم في ظل عرشه سبحانه الرحيم الرحمن، ثم رحمهم رحمة خاصة بأن سلم عليهم وكلمهم من فوقهم بقوله: سلام عليكم يا أهل الجنة، فهذا الذي يسعد به الحزين، ويأمن به الخائف، وهو الذي يكون به نعيم الجنة نعيماً، ولا يحصل نعيم الجنة لأحد دون رضا الله ، وإنما صارت الجنة جنة بالقرب من الله ، وبرضاه سبحانه في أنها دار كرامته، ودار من رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهي لا تحصل إلا لمن أطاع الله بتوحيده واتباع رسله، وترك الشرك والكفر بما يعبد من دون الله، والكفر بالطاغوت: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨].
стр. 644
آيات في ذكر صفة نعيم الجنة
الله وصف نعيم أهل الجنة بأوصاف تجعل العبد يكاد يطير قلبه شوقاً إليها، وإلى رضوان الله فيها، قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، وتأمل أنه بدأ أولاً بذكر القرب من الله كما ذكرنا؛ لأنه لا نعيم إلا بالقرب منه، ولا يتنعم إلا بقربه ، والنعيم المعنوي مقدم على النعيم الحسي.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٣] أي: جماعة كثيرة من أول هذه الأمة على أصح القولين إن شاء الله ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤]، أي: من آخر هذه الأمة، وفي كل قرن من أمة محمد ﷺ سابق ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة:١٥] أي: منسوجة من الذهب، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٦] أي: يقابل بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحدهم في ظهر أخيه أو في قفاه، بل من شدة حبهم وتلاقيهم تقابل وجوههم وجوه بعض ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٦ - ١٧] أي: مخلدون على هيئة الولدان، فلا يسبون ولا يلغطون ولا يكبرون، وهم في غاية الجمال ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤]، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨] أي: من الكأس التي فيها الخمر، من عين جارية على أرض الجنة، وليست في أخدود كأنهار الدنيا، وهذه الأنهار يجري فيها الخمر والعسل والماء غير الآسن واللبن كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] فلا يحتاجون لآلات لرفعها، وهي معين، أي: ظاهرة على أرض الجنة، سارحة منكفة بنفسها، فلا تسيل على جوانب هذه الأنهار، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها المسك الأذفر.
قال تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] أي: لا يصيبهم صداع كما تصيب خمر الدنيا أهلها الذين يشربونها، ولا تزول عقولهم كما تزيلها خمر الدنيا نعوذ بالله منها! ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:١٩ - ٢١].
إن المؤمن في الجنة ليتمنى الطير الذي يطير ويسرح في الجنة فيخر بين يديه مشوياً، فيأكل منه ما شاء، ثم يطير حيث شاء الله ، ولهم فيها ﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢].
قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] وعندهم حور عين، أو: ويطوف عليهم حور عين، والأول أقرب؛ لأن المؤمن هو الذي يطوف على أهله، قال النبي ﷺ : (للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن يرى بعضهم بعضاً)، وتصور هذه اللؤلؤة في طولها في السماء، وربما عرضها على أرض الجنة مثل ذلك أو أكثر أو أقل والله أعلم، هذا طولها فقط في السماء، فكيف بما فيها من خيام وقصور وأنواع اللذات! ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] الحوراء: هي واسعة العين، والمرأة الحوراء: هي التي بياض عينها أنقى بياض، وسواد عينها أفضل سواد، وعين: هي المرأة العيناء، وهي واسعة العين، وهذا من جمال المرأة.
﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٣] أي: المستور الذي لم تمسه الأيدي كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٤].
ثم ختم الآيات بنعيم معنوي آخر فقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة:٢٥] أي: لا يسمعون كلاماً باطلاً لا فائدة فيه، وإنما يسمعون التسليم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٦]، أعلاه سلام الرب كلاماً منه لهم، وبعد ذلك سلام الملائكة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
ثم يسلم الأنبياء والمرسلون، ثم الصديقون والشهداء والصالحون، فهم في حب وود عظيم لا يرى مثله.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [مريم:٦٢] أي: لا يسمعون فيها كلاماً باطلاً، واللغو عذاب يعذب به الإنسان، ويشقى به من الغيبة والنميمة والكذب، فهو نوع من أنواع العذاب الذي يعذب به الإنسان، والإثم: هو كل كلام فيه إثم يعذب به الإنسان، فأهل الجنة لا يسمعون سباً ولا شتماً ولا فحشاً، ولا يسمعون إلا الكلام الطيب ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].
стр. 645
نعيم أصحاب اليمين
قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] هو شجر النبق المنزوع الشوك ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩] هو: شجر الموز المنتظم في هيئة بديعة عند جمهور أهل التفسير، ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] أي: ظل شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] أي: على أرض الجنة منكف بنفسه ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٢ - ٣٤] فيها نساء ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٦] فكلما أتاها زوجها وجدها بكراً، لا يشتكي قبلها، ولا يفتر ذكره ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٦ - ٣٧]، المرأة العروب هي: المتحببة إلى زوجها، التي تتذلل حباً لزوجها، وتظهر رغبتها فيه، وهن أتراب متساوية أعمارهن في سن الشباب ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٨ - ٤٠].
стр. 646
عذاب أصحاب الشمال
قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٢] السموم هي: الريح الحارة التي تدخل مسام الجلد، واليحموم هو: الدخان الأسود ليس ظلاً وإنما هو عذاب والعياذ بالله ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٣ - ٤٦] أي: على الشرك بالله، ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٤٧ - ٥٢]، فآكلون منها ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٣ - ٥٥] أي: الإبل العطاش المريضة التي لا ترتوي ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦].
стр. 647
فتح أبواب الجنة في رمضان
عباد الله! بعد أيام تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران كما قال النبي ﵊: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين)، إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت أي: سلسلت الشياطين فإذا فتحت أبواب الجنة رجا الناس، ورغبوا في أعمال أهل الجنة، وإذا غلقت أبواب النار يترتب على ذلك صعوبة أو عدم ميل النفوس إلى أعمال أهل النار، فاغتنوا الفرصة عباد الله، ونسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يوفقنا فيه لما يحب ويرضى، وأن يبلغنا ليلة القدر، وإن يوفقنا لصيام هذا الشهر وقيامه، وقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً.
عباد الله! فلنجتهد في استحضار هذه المعاني في القلوب، فإن الإيمان بها ليس مجرد معرفة، ولا مجرد تصديق، بل لا بد مع ذلك من انقياد وخوف ورجاء، وحب لله ، وإيقان بلقائه وانتظاره، ورجاء لذلك اللقاء، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٥].
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين والدعاة إليك في كل مكان، اللهم انصرنا على القوم المفسدين، اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدي لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك بكائين، ولك شكارين، ولك مطواعين، ولك رهابين، ولك مخبتين، وإليك أوابين منيبين، ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا.
اللهم إنا نسألك الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبينك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد ﷺ .
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 648
خطبة عيد الفطر
يوم العيد يوم فرحة وشكر؛ فرحة بإتمام الصيام على الوجه الذي يرضي الله ، وشكر لله على أن وفق عباده لصيامه، وما أولاه عليهم من النعم، ومن لوازم شكر الله المداومة على العبادة والصيام، والحذر من المعاصي والآثام، وصلة الأقارب والأرحام، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين.
стр. 649
الفرحة الحقيقية للمؤمن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
إنه لا يفرح قلب الإنسان، بل قلب كل عبد من عباد الله إلا أن يتفضل الله عليه بفضله وبتوفيقه بعبادته وإعانته على ذكره وشكره.
فهذه هي الرحمة المستمرة الباقية المتصلة بالرحمة في القبر وبالرحمة يوم القيامة، ويكون العبد برحمة الله في الجنة.
إن الله جعل السعادة في القرب منه سبحانه، وجعل الشقاوة والتعاسة والألم والعذاب في الدنيا والآخرة في البعد عنه ، والبعد عن شرعه وعما جاء به رسوله ﷺ .
ولما كان شهر رمضان فيه من ألوان العبادات ما لا يحصل في غيره من الشهور من الصيام والقيام، وتلاوة القرآن، والنفقة والجود، والزكاة الواجبة، وغير ذلك من أنواع الخيرات التي لم يزل المسلمون يتقربون بها إلى الله ، كان كماله فرحة.
وكان من تمام فضل الله ورحمته على المؤمنين أن جعل لهم لياليه ليجدوا فيها بداية الفرح، وليدركوا كم يكون الفرح يوم لقاء الله ، كما قال النبي ﷺ : (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
فاجعلوا عباد الله عيدكم العيد الباقي، فقد أتى العيد وسوف يمضي ولن يبقى إلا ما كان متصلاً بالله ، فاجعلوا عيدكم عباد الله يوم لقاءه .
عباد الله! إن الله شرع لعباده الصيام ليحققوا التقوى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
فمن أراد أن يعلم: هل قبل صومه؟ هل قبل قيامه؟ فلينظر إلى بعد رمضان: هل هو أتقى لله وأقرب في عبادته سبحانه وتوحيده ومعاني الإيمان به مما كان قبل ذلك؟!
стр. 650
أنواع الذنوب والمعاصي التي تقع فيها الأمة اليوم
عباد الله! إن أمة الإسلام تمر بظروف في غاية الصعوبة، قد اجتمع عليها من بأقطار الأرض، وتكالبوا على محاولة نزع التوحيد منها، وبعدها عن هذا الدين، فلا يريدون إلا بقاء اسمه، بل لو استطاعوا أن يزيلوا اسمه لفعلوا، ولكن كما قال الله : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٣].
فهذا الدين قد يئس الكفار من إزالته، ولكن لم ييئسوا من تحريفه وتبديله وتغييره في نفوس أتباعه؛ لذلك نجد هذه الحرب في كل مكان.
وهذه الأمور التي تقع في أهل الإسلام من تسلط الأعداء عليهم، ومن سفك دمائهم، وانتهاك حرماتهم، واحتلال بلادهم، هو ثمرة تقصير طويل المدى لا يعالج إلا بإزالته، فلن يتغير حال أمة الإسلام إلا إذا تغير أبناؤها، فإن الله حكم عدل، ومما حكم به قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فلا بد من تغيير حقيقي جذري في كل واحد منا، لا بد أن يراجع كل منا نفسه مراجعة صادقة، ولا نلقي على عاتق غيرنا مسئولية تدهور حال أمة الإسلام.
قل لنفسك: أنت بتقصيرك بذنبك بمخالفتك لشرع الله، سبب من أسباب تخلف هذه الأمة، ونزول البلاء بها، فإن مجموع التقصير قد وصل إلى الحال التي رأينا.
إن أهم الواجبات التي افترضها الله على عباده الإسلام: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، فهذه أصول الإسلام وأركانه، وتتمة ذلك التزام الحلال واجتناب الحرام في كل المعاملات، فلا بد أن يبحث الإنسان عما شرع الله ، فلننظر إلى التقصير في باب الإسلام فنتداركه، ولننظر إلى شهادة التوحيد كم تتعرض لما يناقضها من أصلها، أو يناقض كمالها الواجب فضلاً عن كمالها المستحب فنحذر منه.
إن الله جعل الشرك أعظم المحرمات، قال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فقضية التوحيد هي أعظم قضية على الإطلاق، فهي وصية الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
فانظر -عبد الله- إلى الشرك المنتشر في أرجاء الأمة فيما يتعلق بصرف العبادة لغير الله وارث الحال أمتك، إن الشرك يقع فيه كثير من الناس باعتقاد الضر والنفع في غير الله، وبناءً على ذلك أنداداً لله ويطلبون منهم المدد، ويذبحون وينذرون لهم، ويطوفون حول قبورهم والعياذ بالله، وتصرف لهم أنواع العبادات الأخرى من الخوف والرجاء والتقرب إليهم، والحلف بهم وتعظيم قبورهم، بالسفر إليها ونحوه، وهذا من أعظم مظاهر الخطر على الأمة.
وللأسف نجد من يحاول إحياء هذه الأمور التي قد ماتت عند الكثيرين، فيحاول أن يحيي تعظيم الأموات والصالحين المبالغ فيه، ولقد قال النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
وهو ﵊ الذي أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] فالأمر كله لله، إليه يرجع الأمر كله، فلا يملك نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا ولي صالح مع الله شيئاً.
وانظروا كذلك إلى الشرك الذي يقع فيه كثير من الناس بإبائهم شرع الله ، وردهم أوامره ، ولقد قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال عن اليهود والنصارى محذراً المسلمين من سبيلهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وقد فسرها النبي ﷺ حين سأله عدي بن حاتم بقوله: (إنا لسنا نعبدهم -قال ذلك قبل أن يسلم- فقال النبي ﷺ : ألم يحرموا الحلال ويحللوا الحرام فاتبعتموهم؟ قال: بلى.
قال: فتلك عبادتهم).
فالله وحده هو الذي يشرع لخلقه ما شاء: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
وهذه المسألة ليست فقط عند التخاصم والاختلاف بين البشر، وعند وجود الجرائم والمخالفات، وإنما في كل حالة من حالات الإنسان، ففي كل أحواله وأوقاته لا بد أن يعود إلى شرع الله، وأن يطبق شرعه ، قابلاً له، راضياً به، وإلا فإن الإباء والرد لشرع الله والاستكبار عنه من خصال إبليس التي صار بها من الكافرين قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] فلم يكن تركاً مجرداً، وإنما كان إباءً ورداً نعوذ بالله من ذلك! وما أكثر من يوجد عندهم الرد لشرع الله بعد إقامة الحجة عليهم مما يقعون فيه من مخالفة لا إله إلا الله، فكثير من الناس يعتقد صلاحية أي ملة غير ملة الإسلام، ويصدق أن عبادة غير الله كعبادة الله، وكلها في نظره سواء مقبولة، وقد قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وما أكثر التفريط في أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، وقد قال النبي ﵊: (أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢].
стр. 651
وجوب تعلم أركان الإسلام والعمل بها
عباد الله! إننا نحتاج إلى أن نراجع أنفسنا في صلاتنا، وأن نؤديها في أوقاتها، ونتعلم أحكامها، فنتعلم فقه الصلاة والطهارة ونطبق ذلك، ونهتم كذلك بالخشوع فيها، ونؤديها بقلب حاضر قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
ولا بد أن نتعلم الزكاة، وكيف نؤديها على الوجه المرضي الذي شرعه الله ، فكم من أصحاب الأموال لا يؤدون الزكاة لأنهم لا يعلمون كيف تؤدى، أو لا يؤدونها بالطريقة المشروعة الواجبة عليهم من حسابها في موعدها، فلا بد أن تتعلم فقه ذلك، وسل نفسك: هل حضرت درساً في فقه الزكاة؟ هل قرأت كتاباً في فقه الزكاة؟ وكذا في فقه الصيام، وكذا في فقه الحج والعمرة، فقه هذه المسائل لابد منه حتى تؤدي هذه العبادات كما ينبغي.
وسل نفسك: هل تعلمت ما يلزمك من الحلال في كسبك، وفي عملك، وفي معاملتك لوالديك ولجيرانك وأرحامك؟ وفيم تتعامل به في المال والمعاشرة مع الناس، وسيما أهلك؟ فيم تتعامل به من النساء الأجنبيات عنك؟ فهل تعلمت فقه ذلك وطبقته في واقع حياتك؟
стр. 652
تعلم الصلاة والزكاة وتطبيقهما
стр. 653
معرفة أركان الإيمان والإحسان وأسماء الله وصفاته
يجب علينا أن نعرف أركان الإيمان التي ذكرها النبي ﵊ بقوله: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
فلا بد أن تعرف ربك بكمال أسمائه وصفاته، وكمال ربوبيته، وألوهيته، فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ولا بد أن تتعلم كيفية الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، تفاصيله، ابتداءً من القبر وأهوال القيامة وما يكون في الجنة والنار، ولابد أيضاً من الإيمان بالقدر، فكل ذلك لا بد أن نتعلمه ونطبقه، وإذا نظرت إلى قدر التقصير في هذا الباب لوجدت شيئاً هائلاً، وهو الذي أدى بالأمة إلى هذه الحالة التي هي عليها اليوم.
وكذلك الإحسان منه قدر واجب، وهو أداء العبادات القلبية الواجبة: كحب الله ومراقبته، والإخلاص له، كما قال النبي ﵊: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
فإيمانك بأن الله يراك فرض عليك وعلى كل مسلم ومسلمة، لا يحصل الإيمان والإسلام والإحسان إلا بأن توقن أن الله يراك، وإذا أيقنت أن الله يراك فستراقبه؛ فتخلص له وتتوكل عليه، فتعمل بشرعه، وتلتزم بما جاء به نبيه ﵌.
والإحسان بينك وبين الله يثمر لك كذلك إحساناً في معاملة الخلق، فبر الوالدين ثمرة من ثمرات إحسان القلب فيما بينه وبين الله، وكذا صلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، وهذه كلها من الواجبات، فعقوق الوالدين وإيذاء الجار من الكبائر، وكذلك قطيعة الرحم من أسباب الفساد في الأرض، ومن أسباب نزول البلاء على الأمة، ومع ذلك فهي من ثمار الإحسان.
فاحرصوا عباد الله على الإحسان فيما بينكم وبين أهليكم وبين جيرانكم وزملائكم، ولا تكن العداوة والبغضاء هي الأصل في العلاقة بين المسلمين، وهي وأسبابها منهي عنها كما في الحديث: (لا تباغضوا، لا تحاسدوا، ولا تدابروا).
قال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] فحذر الله من الغيبة.
ولابد عليك أيها السملم أن تصدق في الحديث، وتؤدي الأمانة وتجنب الخيانة، ولا بد أن تفي بالوعد، فإن الرسول ﷺ قد حذر من خصال النفاق فقال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).
стр. 654
التغيير الجذري باطناً وظاهراً
لا بد عباد الله أن نغير من أنفسنا، ومن داخلنا حتى يغير الله ما بنا، لابد أن نكون ملتزمين بالإسلام التزاماً صادقاً لا التزاماً مظهرياً فقط.
وإن كثيراً منا قد يكتفي بأنه أدى بعض العبادات، أو أتى ببعض المظاهر الإسلامية المحمودة، ولكن لا يكفي ذلك، بل لابد أن نزن أنفسنا حتى تتغير موازين الصراع بين الحق والباطل بين الأمة الإسلامية وأعدائها وستكون الغلبة لصالح أمة الإسلام بعون الله، فنحن لا ننتصر إلا بطاعة الله كما قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧].
فهذه هي العبودية لله، وهذا هو الصلاح الذي أمر الله به مع الإيمان دائماً، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم بالنصر، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، فمن حقق عبودية الله بغير شرك وعمل الصالحات كان مؤمناً وهو الموعود بالتمكين.
стр. 655
القيام بحق الأخوة في الدين
عباد الله! نحتاج إلى أن نترابط فيما بيننا، يحب بعضنا بعضاً في الله، ونتآخى فيه ، وننصح بعضنا بعضاً حتى نؤدي الدين لقول النبي ﷺ : (الدين النصيحة قيل: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فلا بد لكل منا أن يكون ناصحاً لأمته، ناصحاً لإخوانه في الله ، محباً الخير للعالم، يريد أن يظهر هذا الدين حتى تعم الرحمة وينتشر الخير، فإن الخير هو في اتباع شرع الله لا غير ذلك أبداً.
عباد الله! لابد أن نكون متعاونين على البر والتقوى، قال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وكل ما يعين على معصية الله فهو من التعاون على الإثم والعدوان، وكل ما يعين على طاعة الله وهو محمود شرعاً فيرجى أن يقبل من صاحبه، ولابد أن يعان عليه.
فكل من طلب منك عوناً على طاعة الله فلا بد أن تعنه، ولنكن يداً واحدة، فإن المسلمين كالجسد الواحد كما قال النبي ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
ونحن وفي يوم العيد وقد فرحنا بإتمام نعمة الله علينا بالصيام والقيام، وفرحنا باجتماعنا في اعتداء صلاة العيد، ونتذكر آلافاً أو ملايين من المسلمين في المشارق والمغارب منهم من فقد أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً بسبب الظالمين والمجرمين والكفرة على بلاد الإسلام، فنذكر آلام المسلمين ونتألم لألمهم، ونفرح لفرحهم، وندعو لهم.
نحتاج إلى أن نستشعر هذه الوحدة في الجسد الواحد للأمة في كل أجزائها، فإن ذلك من نعم الإيمان، ومن معاني الإسلام التي أمر بها القرآن والسنة، فلا بد لنا أن تكون قضايا الإسلام هي قضايانا، ولا بد أن نعين المسلمين بكل ما نقدر عليه، وإن عجزنا فلا أقل من أن ندعو لهم في كل مكان أن يفرج الله كربهم، وأن ينصرهم على عدوه وعدوهم.
стр. 656
وصايا لابد منها
عباد الله! اجتهدوا في يوم العيد في صلة الأرحام، وفي الإحسان إلى الناس عموماً، فإنه يوم بهجة وسرور.
اجتهدوا في يوم العيد في البعد عن الحرام، فليس انتهاء رمضان معناه أن نعود مرة ثانية إلى ما حرم الله علينا، من سماع المنكرات كالمعازف والأغاني التي لا يشك عاقل فضلاً عن عالم بتحريمها، قال النبي ﷺ : (ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف).
احذروا شباب الإسلام من كل مسكر ومفتر من هذه المسكرات والمخدرات بأنواعها المختلفة، فإنها من أعظم الضرر ومن أعظم الخطر على أهل الإسلام، وإن من يعين على نشرها ولو كان لتحقيق كسب سريع فهو والعياذ بالله من المفسدين في الأرض، ويأكل الحرام ويعيش فيه.
إن المعاونة على نشر هذه المخدرات في أوساط الشباب بأي درجة من درجات الإعانة أو البيع أو التجارة في قليل أو كثير من كبائر الذنوب نعوذ بالله من ذلك! احرصوا عباد الله على تجنب الربا فإنه محق للبركة قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، وهو مؤذن بحرب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:١٧٨ - ٢٧٩].
فكيف ننتصر على عدونا والله هو الذي يحاربنا؟! فإنا إذا أكلنا الربا فقد حاربنا الله، نعوذ بالله من ذلك! عباد الله! احذروا من الرشوة، فكل موظف وكل من قام على أمر من أمور المسلمين فلابد أن يعلم أنه لخدمتهم، ولمصلحتهم، وإنما يأخذ أجراً من أموالهم العامة، على أداء الخدمة لهم، على أن يكون رفيقاً ناصحاً لهم، مؤدياً لخدماتهم التي ألزم بها، بل ويزيد على ذلك.
ولقد انتشرت الرشوة في كل مكان، فاحذروا عباد الله منها، لا تطعم نفسك وأولادك حراماً، فما يغني عنك الصيام في رمضان إذا كنت تأكل الحرام، وتغصب أموال الناس، وإذا ترتشي وفي الحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أي: الذي يسير بينهما بالواسطة في هذه الرشوة.
فاحذروا عباد الله من هذه المحرمات، واحذروا من أذية المسلمين في دمائهم وأعراضهم وأموالهم قال ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
إن انتشار المنازعات بين المسلمين في شوارعهم، حتى يقع الواحد منهم في عدة حدود في الدقيقة الواحدة، فيقذف الرجل ويقذف أباه، ويقذف أمه -وكلها من الكبائر- فيرد الآخر عليه، قال النبي ﷺ : (من الكبائر شتم الرجل والديه.
قيل: أيسب الرجل والديه يا رسول الله؟! قال: يسب أبا الرجل؛ فيسب أباه، ويسب أمه؛ فيسب أمه) نعوذ بالله! إن انتشار استعمال الأدوات التي تؤذي المسلمين من أسلحة أو غير ذلك من أعظم الأمور خطراً، والسكوت على ذلك من أسباب الهلاك، حتى سهل على كثير من الشباب أن يطعن أخاه، أو يضربه، أو يسفك دمه متهاوناً بذلك، فلابد أن نتقي الله في أعراض المسلمين.
إن انتشار الفواحش من أعظم أسباب هلاك هذه الأمة وضياعها، ولقد هلكت بنو إسرائيل عندما اتخذت النساء الشعور المستعارة، أي: الواصلة والمستوصلة كما حذر النبي ﷺ من ذلك ولعن فاعله، حيث قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة، والمتفلجات بالحسن، المغيرات لخلق الله).
عباد الله! إن التبرج من أعظم الأمور خطراً على الأمة، وهو من أسباب رجوعها إلى الجاهلية، قال الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
يا نساء المسلمين! اتقين الله ، فإذا خرجتن من بيوتكن فاخرجن في الهيئة الشرعية، إياكن وحجاب التبرج! كثير من النساء قد علمت وجوب الحجاب قطعاً ويقيناً، بل صار هذا بفضل الله وبانتشار الدعوة إلى الله أمراً يكاد يكون معلوماً من الدين بالضرورة جملة، ولكن كثيراً من الأخوات من النساء إذا التزمن بالحجاب التزمن بحجاب ليس شرعياً، وإنما هو أقرب إلى تبرج الجاهلية الأولى، وذلك أن المرأة كانت في الجاهلية لا تشد خمارها على رأسها، كان لها خمار ولكنها لا تشده، فتظهر خصائل من شعرها، ويظهر بعض صدرها، وقد أمر الله بالضرب بالخمار على الجيب أي: على الصدر والعنق، كما قال : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
فلا بد أن تغطي المرأة صدرها بالكامل بحجابها، حتى لا يظهر ارتفاع صدرها، وهذا أمر من أعظم الأمور خطراً، أي: أن نظن أننا قد ألزمنا بناتنا ونساءنا بالحجاب وهن لسن ملتزمات به.
احذروا من الاختلاط المحرم الذي يقع بين الشباب والفتيات، والرجال والنساء في كثير من بلاد المسلمين، وفي كثير من شوارعهم وطرق مواصلاتهم، فاتق الله أيها المسلم ولا تلمس بيدك امرأة أجنبية؛ فقد قال النبي ﷺ : (لأن يطعن رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).
وإياك أن تزاحم بمنكبك امرأة قد خرجت لأي سبب من الأسباب، ووقعت في نفس وسيلة المواصلات! ولا يجوز هذا في أمر العورة ولو من فوق الثياب، فلا بد أن تفصل بينك وبين من بجوارك من النسوة؛ حتى لا تلمس بدنها الذي هو عورة ولو من فوق الثياب، فلقد قال النبي ﷺ : (المرأة عورة)، فكما لا يجوز باتفاق المسلمين أن يضع رجل يده على فخذ امرأة ولا صدرها، فكذلك لا يجوز بالأولى ولو من فوق الثياب أن يضع فخذه ملامساً لفخذها.
فاتقوا الله عباد الله، إن كثيراً من المنكرات تقع في شوارع المسلمين، وفي طرق مواصلاتهم، وهي بمجموعها تؤدي إلى الخلل الذي يحصل لنا في حياتنا، والذي يؤدي إلى تسلط أعدائنا علينا، فإن الله ما ولى الظالمين أمور المسلمين إلا لأجل وجود الظلم فيهم، وما جعل عدوهم يأخذ بعض ما بأيديهم إلا بسبب مخالفتهم للشرع.
إن احتلال الكفار لبلاد المسلمين إنما هو ثمرة هذا التقصير وهذه المنكرات، وثمرة المخالفة لشرع الله ، فإذا تبنا إلى الله ، وكل منا له دوره في إصلاح نفسه، ثم في إصلاح أسرته، ثم في إصلاح المخالفين له، فيكون ناصحاً لأمته، داعياً إلى الله ، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر كما شرع الله، فلنبشر بالخير والنصر.
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥].
فلا تقل للناس: غيروا المنكر بأي طريقة أو اسفكوا الدماء، أو انتهكوا حرمات المسلمين، فإن ذلك من أعظم الأمور خطراً، وإن سفك دماء المسلمين بدعوى إقامة الدين لهو من أعظم أسباب ضياع ثمرة العمل الإسلامي، حين ينتسب إلى العمل الإسلامي من لا يراعون حرمات المسلمين، ويسعون إلى قتل من أرادوا القتل ولو على دماء المسلمين الأبرياء، ولقد قال في صلح الحديبية: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥].
لكننا نقول: ندعو إلى الله بما شرع الله، وندعو بعلم وبصيرة قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
يا أخي في الإسلام! إن كنت قد سمعت في شهر رمضان أو في هذا اليوم الكريم بفضل الله شيئاً كنت مقصراً فيه، من ترك لطاعة، أو فعل لمحرم، فاليوم اعزم عزماً أكيداً على أن تبدأ في التغيير، وعلى أن تبدأ في الطاعة، وأن تبدأ في ترك المعصية، ولنتب إلى الله جميعاً عسانا أن نفلح قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
وكلنا ينوي التغيير إلى الأفضل والأحسن، ولا سبيل لذلك بأن نرجع إلى الله ، فاستعينوا بالله على عبادته، فهذا هو السبيل الوحيد الذي به يصل الإنسان إلى ما يحبه الله ويرضاه، فمن استطاع منكم أن يأتيه الأجل وهو في عمل الله فليفعل، واعلموا أنكم لن تنالوا ذلك إلا بالله .
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.
اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً فغفرت له، واجعلنا ممن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً فغفرت له.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هداة مهتدين.
اللهم انصر المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج كرب المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والهند وكشمير، وفي مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان.
اللهم أنج المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين.
اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا.
الله
стр. 657
سرعة الرحيل
إن انقضاء رمضان وسرعة رحيله ليذكرنا بالقدوم على الله ، وسرعة رحيل هذه الدنيا التي من عمرها بذكره سبحانه فقد فاز بالآخرة، ومن خربها فقد خرب آخرته، فعلى الإنسان أن يستعد للرحيل، ويتصف بصفات المتقين من التزود والاستعداد ليوم شديد الأهوال، فلا نجاة للعبد إلا بالعمل الصالح، ولا فوز له إلا بطلب رضاه .
стр. 658
وقفات رمضانية
стр. 659
الاستعداد للقاء الله والرحيل الأكبر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما أسرع مرور الأيام! ها هو شهر رمضان قد أصبح مرتحلاً، ولم يبق منه إلا هذه الأيام المعدودات، فلنتذكر من ذلك سرعة رحيلنا عن هذه الحياة، وغروب شمس بقائنا على ظهر هذه الأرض، كما قال عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه: (إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم).
ومعنى: (إن الدنيا قد آذنت بصرم) أي: قد أعلمت بالانقضاء، وذلك كما قال : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، وكما قال : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١].
وكان النبي ﷺ يكثر أن يقول في خطبته محذراً الناس: (بعثت بين يدي الساعة)، وقال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بإصبعه السبابة والوسطى يقول: وإن كادت لتسبقني).
فما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى منها إلا كما يشرب الإنسان من كوب أو نحوه، فتبقى قطرة بعد أن يشرب، فيريد أن ينهي ما بقي فيصب هذه القطرة في فمه.
وهذا معنى قول عتبة: (ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها) أي: يحتاج إلى أن يميل الإناء ليفرغ هذه القطرة في فمه.
عباد الله! هذه هي حقيقة الدنيا، فمنذ بعث النبي ﷺ وقد اقتربت الساعة، وقد آذنت الدنيا بالانقضاء.
وهذا معنى قول عتبة: (وولت حذاء) أي: مسرعة، وهذا حق فما أسرع مرور الأيام خصوصاً مع تقارب الزمان! فإن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان حتى تصير السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، فما أسرع ما يمر بنا الزمان! عباد الله! كما أوشك رمضان أن يرتحل، فقد ارتحل أناس قبلنا، كانوا معنا في العام الماضي وصاروا الآن أحاديث: كان فلان وفعل فلان ﵀، ويوشك أحدنا أن يكون كذلك بعد حين، فاستحضر نفسك وقد نزل بك ملك الموت من السماء مع أعوان ملك الموت، ووقف منك مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول للنفس المؤمنة: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، ويقول للكافر والمنافق: اخرجي أيتها الروح الخبيثة في الجسد الخبيث كنت تعمرينه، يقول للمؤمن: اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان! ويقول للكافر والمنافق: اخرجي إلى سخط من الله وغضب إلى سموم وحميم وظل من يحموم.
فاستحضر هذه اللحظات فإنها ليست ببعيدة، فقد مرت بملايين من البشر قبلنا، وإلا لما وجدنا وما بقينا على ظهر هذه الأرض قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - س١٧].
وقال : ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٣].
فكل من كان بيننا وبين أبينا آدم ﵇ قد انتهوا إلا من له أب أو جد وعلى أقصى التقدير أن يكون أبو جده حياً، وإلا فأكثرنا ليس بينه وبين أبيه آدم أب حي، كلهم قد رحلوا.
فلنتذكر هذه اللحظات حتى لا تغرنا الدنيا، ولا تشغلنا زخارفها، فالله قد حذرنا من غرورها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٥ - ٦].
هل استعددنا لهذا اليوم حتى يكون يوم عيد كما نستعد الآن للعيد؟! الناس اليوم يستعدون للعيد بلبس الجديد، ويستعدون له بإعداد النفقات، والأطعمة المناسبة لهذا اليوم الذي هو يوم فرحة، فهل تعد حتى يكون يوم رحيلك عن هذه الحياة هو يوم عيد لك ويوم فرحة، وإن حزن الناس على هذا الفراق لكنك تكون فرحاً بلقاء الأحبة، فهل تعد لهذا اليوم عدته؟ وهل تريد أن يكون عيد لقائك بالرسل الكرام وبأصحابهم رضوان الله ﵎ عليهم، فتلقى الله وهو عنك راض؟ إن رمضان فرصة عظيمة لهذا الاستعداد، فرصة عظيمة إذا أحسنا استغلالها، وقد بقي منه أيام، ولله في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء من النيران، فهناك من يعتق في الليلة القادمة، وهناك من يعتق في التي تليها وهكذا، فهناك آلاف من المعتقين، فهل نكون نحن من هؤلاء؟ نسأل الله أن يجعلنا منهم.
стр. 660
الغاية التي شرع لها الصيام
عباد الله! من أراد أن يعلم هل قبل صومه وقيامه، وتلاوته للقرآن أم لا، فلينظر هل حقق الغاية التي شرع الله من أجلها الصيام؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فهل صرت أتقى لله من ذي قبل؟! وهل صرت أكثر خوفاً من الله ؟! فلابد أن تستحضر موقفك بين يديه ، وتستحضر هول السؤال وخطر الحساب، فلو أن الناس لم يكن بين أيديهم من خطر إلا فزع الموقف في القيامة لكفى به فزعاً وهولاً، فهل استشعرت الخوف من الله ؟! لو لم يكن من خطر إلا أن تظن أنك هالك حين تعرض سيئاتك على الله ، ويعرفك بها، كما في حديث ابن عمر لما سئل: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في النجوى شيئاً؟ فقال سمعته يقول: (يدني الرب عبده المؤمن يوم القيامة، ويلقي عليه كنفه -أي: ستره- فيقول: أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ فيعرض عليه ذنوبه، حتى إذا رأى أنه قد هلك يقول: سترتها لك في الدنيا وأغفرها لك اليوم)، قال عتبة ﵁ في هذه الخطبة التي خطبها: إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولقد أخبرنا أن الحجر يهوي من شفير جهنم، فيظل يهوي فيها سبعين خريفاً حتى يصل إلى قعرها، والله لتملأن.
(حتى إذا رأى أنه قد هلك، أي هلاك هذا عباد الله؟! أي حبس هذا الذي يظنه المؤمن؟ أي خوف يقع فيه في تلك اللحظة الرهيبة؟ (يقول الله : إني سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم، فيؤتى صحيفة أعماله بيمينه) فيعود إلى أصحابه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، فهذا في الناجي يا عباد الله! هذا في الذي حسابه العرض، تمر عليه هذه اللحظة الهائلة التي يظن أنه قد هلك فيها، ويظن أنه داخل فيها النار نسأل الله العافية!
стр. 661
شروط التمكين في الأرض
عباد الله! وعد الله بالإسكان في الأرض والتمكين فيها لمن خاف وعيده ، قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]، فإن أكثر الظالمون من الإفساد في الأرض، وانتهاك الحرمات، فوعد الله لا يخلف، فهل نحن الذين حققنا هذه الصفات؟! ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:١٣]، فإن الله يهلك الظالمين لأجل عباده المؤمنين الذين يخافون مقامه ووعيده، فإذا استفتح الظالمون خابوا عند استفتاحهم وعند دعائهم، وعند طلبهم من ربهم أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق وهو خير الفاتحين كما قال تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥]، فهل حققنا عباد الله هاتين الصفتين -أي: الخوف من مقام الله ومن وعيده- وهل أخذنا من رمضان عدة حتى نتهيأ لهذه الصفات؟ ومعنى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، أي: لمن خاف مقامه بين يدي الله، ولو لم يكن إلا العرض لكفى به خوفاً، فكيف وأنت لا تدري ما شأنك غداً يا عبد الله؟! كيف وأحدنا لا يدري أيناقش الحساب فيعذب، ويكون ممن يقول: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]؟! فهذا الذي ينبغي أن تخاف منه خوفاً يذعن له القلب عن ورطة وسنة الغفلة، ويوقظه للرحيل عن هذه الدنيا، ويخاف وعيد الله ، يخاف النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
فهذه عباد الله هي أهم صفات المتقي: الخوف من الجليل، فهو يخاف من الله ، وهي من أهم صفات الممكنين في الأرض، إن الله إنما يمكن لعباده المؤمنين ليعبدوه وليعبدوا غيرهم له، لا ليستعلوا على الناس، ولا ليطلبوا الملك والرئاسة، فهذا قد فعله غيرهم من أهل الدنيا، وعندما يكونون كذلك يمكن الله لهم، ويهلك عدوهم من أجلهم، ويسكنهم الأرض من بعدهم؛ لكي يعبدوه ، ولا يحصل ذلك إلا بالخوف منه ، وخوف مقامه ووعيده قال تعالى: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)).
أأدركتم عباد الله مفتاح النصر على الأعداء؟! إن المسلمين في مواجهة أعدائهم، وقد مكروا مكراً تزول منه الجبال، وأحاطوا بهم من كل جانب، فلهم مفاتيح دنيوية للنصر، وسيخيب عند وجود أسباب التمكين كل الجبارين المتكبرين الذين أرواحهم وأنفسهم ونواصيهم بيده .
فيري الله العباد آياته، وأن البشر لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ففي لحظة يزول الإنسان عن هذه الحياة، فلا نطلب الفتح إلا إذا كنا قد حققنا الخوف من الله ، فعند ذلك يخيب الجبارون والمتكبرون والمعاندون، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧]، فيأتيهم الموت الذي يفر الناس ويفزعون منه الآن، وهو بالنسبة إليهم أعظم المصائب، وهو الرعب الذي لا يوجد مثله، ترونه أمنية الكافر في النار، فأمنيتهم أن يموتوا، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، نعوذ بالله من النار! الخوف من الله أحد أهم صفات المتقين، ولا تظفر برحمته ، حتى تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وتجتنب معاصي الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله، فهذه التقوى.
فالتقوى كما عرفها بعضهم هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، وكل هذه تعريفات متلازمة، فانظر إلى حال قلبك أثناء رمضان أولاً، وبعد رمضان ثانياً، لتعرف هل قبل صومك أم لا؟ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المقبولين، أقول قولي هذا أستغفر الله لي ولكم.
стр. 662
أحكام صدقة الفطر
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]، ومن ضمن ما يكون في عموم التزكية التي ذكرها الله الزكاة الواجبة، ومن ضمنها صدقة الفطر، فلقد فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، أي: قبل صلاة العيد، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
وصدقة الفطر فرضها النبي ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً أقط، وهذا يدل على أن القيمة ليست معتبرة؛ لأنه لو كانت معتبرة لقيمت هذه الأشياء ليس بالصاع وإنما بما يساويه قدر معين من كل منها، فإن صاع الزبيب يختلف عن صاع الشعير، وقد قدر النبي ﷺ قدراً واحداً منهما وهو الصاع رغم اختلاف قيمة هذا عن هذا، فدل ذلك على أن المعتبر هو القدر المثيل لا القيمة المادية، وذلك أنها فرضت طعمة للمساكين.
والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم: أن زكاة الفطر لا بد أن يخرجها صاحبها طعاماً، أي: لا بد أن يخرج صاعاً من طعام كما كان الصحابة ﵃ يفعلونه، وقد كانت بأيديهم الدراهم والدنانير سيما بعد أن وسع الله عليهم، ومع ذلك فما زالوا يخرجونها طعاماً، وظلوا يخرجونها كما كانوا يخرجونها على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، كما قاله أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
ولقد فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، فيجب على كل واحد أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته، فإن حديث النبي ﷺ في الإخراج عن الحر والعبد دليل على ذلك دلالة واضحة؛ فإن العبد لا يملك مالاً في حال من الأحوال ومع ذلك وجبت زكاة فطره على سيده، فدل ذلك على أن الصغير كذلك حتى ولو لم يكن له مال، وكذلك الأنثى سواء كانت زوجة أو بنتاً، فكل إنسان عليه أن يخرج صدقة الفطر، وهي صدقة وزكاة واجبة، وليست بمعنى صدقة التطوع، فيخرج المسلم صدقة الفطر عمن تلزمه نفقته من أهله وأولاده وأقاربه.
وهذه الزكاة شرعت طعمة للمساكين في العيد، ولذا جاء في الصحيح: أنها لا يصح إخراجها إلا قبل العيد بيوم أو يومين، كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وكانوا يجمعونها قبل العيد كما في حديث أبي هريرة في قصة الشيطان الذي جاء يسرق من صدقة الفطر التي جعله النبي ﷺ عليها، حتى أمسكه أبو هريرة ولم يتركه إلا بعد أن علمه آية إذا قرأها عند نومه لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] آية الكرسي، فقال له النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب).
والحديث في أوله أن أبا هريرة جعله النبي ﷺ على صدقة الفطر، فدل ذلك على أنها تجمع قبل ذلك، فتصل إلى المساكين قبل العيد بيوم أو يومين، وعلى حديث ابن عمر إلى صلاة العيد، ومن أخرها عن صلاة العيد فقد أساء، ويجب عليه أن يخرجها إلى غروب الشمس من يوم العيد، وإلا فقد بخل بالزكاة الواجبة، وهو آثم إثماً عظيماً، فمن الكبائر تأخير زكاة الفطر عن غروب الشمس من يوم العيد، ويلزمه قضاؤها بعد ذلك أيضاً؛ لأنها حق معلوم للسائل والمحروم، ولو فرط عدة سنين في زكاة الفطر فإنه يلزمه قضاؤها الآن فوراً، فإن هذا الحق للمساكين لا يجوز أن يؤخر عنهم.
فإن زكاة الفطر لرمضان الذي هو فيه تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، فمن بقي حياً أو وجد في هذا الوقت فقد وجبت عليه زكاة الفطر، وأما من مات قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان أو ولد بعد غروبها فلا تجب زكاة الفطر عليه، وإن استحب بعض السلف إخراجها عن الجنين لكنها ليست واجبة، وإنما هي صدقة تطوع لمن أحب.
وهذه الزكاة مصرفها مصرف الزكاة، وإن كان الأولى أن تكون للفقراء والمساكين، حتى يغنوا عن السؤال في هذا اليوم.
والتوكيل في إخراجها جائز، فيجوز أن توكل غيرك ممن هو أعلم بالمساكين، ولكن يجب التنبه إلى أنه يجب إخراجها بتحديد عدد الصاعات؛ لأنها واجبة على كل واحد من المسلمين، فلا يجوز أن تدفع مثلاً قدراً من المال إلى وكيل دون أن تحدد له العدد الذي يخرج عنه، فإنه ربما أخرج من صنف لا يكفي المال الذي دفعته لصاع عن كل واحد ممن تخرج الزكاة عنه، والأفضل -بل عند كثير من العلماء هو الواجب- أن يكون من غالب قوت البلد، وغالب قوت أهل بلدنا هو الأرز، فالأولى أن يكون من غالب قوت البلد؛ لأنه أنفع للناس، وإن كان الصحيح أنه يجزئ غير ذلك كالتمر مثلاً، وإن كان عندنا بمنزلة الفاكهة لا بمنزلة القوت الذي لا يستغني الناس عنه، فهذه بعض الأحكام في زكاة الفطر التي يجب أن نؤديها كما أمرنا النبي ﷺ ، وهي زكاة للإنسان وطهرة له.
فالصدقة المقصود منها: أن يتطهر القلب من الشح والبخل، قال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وهي تشعر المسلم بحاجة إخوانه من المسلمين، فهذه القضية العظيمة التي يجب أن تظل حية في نفوسنا أي: قضية الجسد الواحد حتى نستشعر انتماءنا لهذا الجسد الواحد، قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم وتماسكهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
عباد الله! ما أكثر شكوى المسلمين! ما أكثر آلامهم! فهل نرحمهم، وندعو لهم، ونتألم لألمهم، ونفرح لفرحهم، وندعوا على أعدائهم أن يكف الله سبحانه أيديهم عنهم؟! هل نستشعر آلام المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان؟! في مشارق الأرض ومغاربها آلام كثيرة! عباد الله! سيمر علينا العيد فتذكروا أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يكون العيد عليهم ألماً وحزناً لما فقدوه ولما حرموا منه ظلماً وعدواناً، من قريب قد مات وعائل قد فقد وأب قد حبس وأسير قد أسر يمر عليهم العيد في آلام تقتضي منك شفقة ورحمة، ورأفة ورقة، ودعاءً وتضرعاً لله أن يفرج كرب المكروبين، وأن يفك أسر المأسورين، وأن يرفع الظلم عن المظلومين، وأن يرحم ضعفاء المسلمين، وأن ينجيهم من عدوهم، وأن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين! اللهم من ولي أمراً من أمور المسلمين فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي أمراً من أمور المسلمين فرفق بهم فارفق به! اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار! اللهم ول أمور المسلمين خيارهم، ولا تول أمورهم شرارهم، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا! اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا! اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر سبلنا، وانصرنا على من بغى علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأعطنا ولا تحرمنا، وقربنا ولا تبعدنا! اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا! اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا! اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وبرد العيش بعد الموت، والرضا بعد القضاء، ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.
стр. 663
عذاب القبر ونعيمه
كما أتى الإنسان إلى دنياه بلا إرادة فسوف يرتحل عنها كذلك بلا إرادة، ثم يحيا حياة أخرى في قبره وهي إما حياة نعيم أو جحيم، وهذا بعد أن يمر بساعة تلخص له حياته الدنيا، وهي ساعة الاحتضار، فمن كانت روحه طيبة فلها الهناء والسعادة، ومن كانت العكس فلها الشقاء والتعاسة.
стр. 664
علاقة حياة الأرواح بحياة الأجساد
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فإنه من كمال عقل الإنسان أن يعمل لمستقبله، وأن يفكر فيما هو مقدم عليه؛ لأنه يرى كل ما في هذا الكون يتغير وينتقل من حال إلى حال، يرى نفسه ولد من أبيه وأمه ضعيفاً عاجزاً لا يفقه أو يعلم شيئاً، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، ثم نما بعد ذلك وكبر، وأعطاه الله العقل والأيدي والأرجل والأبصار والشهوات والرغبات، ثم هو ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الشباب، ثم إلى الرجولة، ثم إلى الكهولة، ثم إلى الشيخوخة، ثم يرى نفسه بعد ذلك فجأة قد انتقل عن هذه الحياة ودفن تحت الثرى كما يرى كل يوم عشرات من الناس ينتقلون عن هذه الحياة، وقد كانوا بالأمس أحد الذين يأكلون ويشربون ويتنفسون ويعيشون وسط أهليهم، ثم صاروا وحدهم في قبورهم خلوا بالشقاوة أو السعادة ولا يوجد معهم أحد، أهلوهم يتلقون العزاء في السرادقات أو في البيوت على حسب التزامهم بالكتاب والسنة.
والمقصود: أن كل من دفن فهو متروك في قبره وحيداً، وأهله رغم حبهم الشديد له، ورغم معزته عندهم إلا أنهم تركوه وحده، ولا يملكون غير ذلك، وليس لهم إلا أن يستمروا في الحياة بدونه؛ فنحن نولد قهراً ونموت قهراً، نولد بلا استشارة منا، ونموت أيضاً بلا استشارة منا، والذي يتأمل مدة الحياة على ظهر الأرض بالنسبة إلى ما مضى وإلى ما سيأتي، وبالنسبة إلى مدة حياته في القبر، وما بعد ذلك من البعث والنشور؛ يعلم أن أقل مدة يعيشها الإنسان هي حياته على وجه الأرض.
الإنسان خلقت روحه قبل جسده، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].
مسح الله ظهر آدم بيده فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها، ونثرهم وكلمهم فقال: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا))، أي: استنطق هذه الأرواح قبل أن توجد الأجساد، بعد أن خلق أبيهم آدم، وكم مرت من السنين بين تلك اللحظة وبين لحظة ميلادنا! مئات الآلاف من السنين ونحن لا ندرك ذلك، ليس لأن هذا لم يقع ولم يحدث، بل لأنه لم يكن عندنا الآلة التي نستذكر بها ذلك، كما أن كل واحد منا كان جنيناً في بطن أمه، فهل تتذكر وأنت تتحرك في بطن أمك؟ وهل تتذكر صراخك وأنت طفل ولماذا كنت تصرخ؟ ما الذي كان يؤلمك وعمرك بضعة أيام أو أسابيع أو شهور؟ وما الذي كنت تبتسم له؟! أنت لا تتذكر ذلك، مع أنك متأكد من أن هذا قد حدث، وأنك كنت تبكي، وتبتسم وتضحك عندما كانوا يلاعبونك، كما أنك تشاهد كل الأطفال يفعلون ذلك.
أليس في جسمك أثر جرح أصابك وأنت صغير ثم أنت لا تذكره على الإطلاق؟ كل ذلك قد حدث ولكن العقل الإنساني في تلك المرحلة ليس عنده قدرة لاستيعاب تلك الأحداث.
كما أن كل واحد منا لا يتذكر مرحلة النطفة والحيوان المنوي الذي كان يجري بحثاً عن البويضة، فكل واحد منا كان في يوم من الأيام حيواناً منوياً وبويضة، والحيوان المنوي هذا كان وسط مائة مليون حيوان منوي، وكان بويضة لا ترى إلا بالميكروسكوب، وهذا الحيوان المنوي يتسابق مع هذه الملايين الأخرى، ولو سبق حيوان منوي آخر لوجدت احتمالات أخرى تماماً، وكان المولود له شكل وجنس وصفات ثانية، فهل تتذكر ذلك؟ بالقطع لا، فالإنسان عقله لا يستوعب تلك اللحظات، وليس في عقله ما يستوعب تلك اللحظات، فبالأولى ما كان قبل ذلك، فلماذا لا نشعر بهذه المدة الطويلة بين خلق الأرواح إلى ميلاد كل واحد منا؟ لم يكن هناك أجسام أصلاً، كنا ماء وتراباً، كل واحد منا كان طيناً وماء، ثم تحول بالتدريج إلى أن صار هذا الإنسان، ولا يتذكر شيئاً على الإطلاق مما قد حدث له خلال هذه المدة، ولا أين كانت روحه في مستقر الأرواح عند الله ، حتى أذن الله أن تنفخ هذه الروح في هذا الجسد، فبدأت تحيا في بطن أمك ثم ولدت ثم كبرت، ثم تأتي مرحلة أخرى عندما تفارق الروح الجسد مرة أخرى، ويرحل الإنسان عن هذه الحياة، وتبدأ مرحلة جديدة من ملايين أو مئات الآلاف من السنين على الأقل.
والآن يقول العجوز لك: عمري سبعون سنة، وهذا يعني أنه في أواخر العمر، ومن كان في الأربعين يكون قد مضى من عمره أكثر مما بقي، والموت لا يعرف تاريخاً محدداً، فيموت الصغير ويموت الكبير، يموت الطفل ويموت الشيخ، والكل جازم بهذه النهاية، وما من يقين مثل الموت، وكل إنسان مؤمن وكافر مقر بذلك، ولا يوجد إنسان خلد في هذه الحياة.
стр. 665
أدلة عذاب القبر الحسية
القبر لا علم للإنسان به بالكلية إلا ما علمه الله ، وبعض الكفرة والمنافقين والزنادقة والذين يزعمون أنهم يأخذون الأمور بالعقل ينكرون عذاب القبر، ويقولون: من قال لكم: إن بعد الموت حياة في القبر؟ هذا كله خزعبلات، ووالله هذا ليس بالعقل؛ لأن العقل السليم يقول: أنا لا أعرف؛ لأني لم أجرب، وما نظرت.
العقل السليم يقول لمن لا يعرف: اسأل من يعرف، اسأل من قدر هذا الأمر على الإنسان من غير إرادة منه، ويسوقه رغماً عنه يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة، وتحمله الأيام والليالي إلى هذا المصير، اسأل الذي خلقه فأوجده فهو وحده الذي يعلم، وهو برحمته أرسل رسله، وأنزل كتبه، وأعلمنا بما يقع للإنسان عند احتضاره وبعده وبعد أن يدفن في قبره، فقد أخبرنا النبي ﷺ بما يكون من حياة الإنسان في القبر.
والقبر لا يلزم أن يكون هذه الحفرة بل المقصود به البرزخ الذي هو ما بين الموت والبعث؛ لأن القبر قد يكون هو الحفرة في التراب، وقد يكون في جوف السباع والأسماك، وقد يكون في أعماق البحار، وقد يكون ذرات الإنسان التي ذريت في الرياح جزء منها في البر وجزء منها في البحر، وكل ذرة من الذرات لها مكان تكون فيه يكون هو القبر لهذا الإنسان، فالمقصود بالقبر ليس الحفرة التي نعلمها، ولكن الحقيقة: أن حياة القبر المقصود بها فترة البرزخ، ما بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، من ساعة الموت إلى لحظة القيام من القبور.
أخبرنا الله بما يقع لروح الإنسان وبدنه على لسان نبيه ﷺ بالتفصيل، قد يقول البعض: نحن لا نرى شيئاً مما تقولون، نحن نشاهد بعض الأموات يبقون مدة طويلة قبل أن يدفنوا، وربما أحرقوا كما في بعض الديانات الكافرة، ونرى بعض الناس قد يصلب ويبقى أياماً إلى أن يتعفن، وبعض الناس يظل في بيته محبوساً لا يدرى عن موته مدة طويلة، ونحن أحياناً نفتح بعض القبور فلا نجد ما تقولون، من أن أحداً يقعد ويسأل ويقال له كذا وكذا.
إذاً: فهذا شيء ليس موجوداً، وهذه أشياء لا يقبلها العقل.
نقول: فهل يقبل العقل الإنساني: أنه يسمع كل ما في الوجود؟ أم أن العقل الإنساني السليم يقول: إنه يوجد أصوات كثيرة جداً موجودة ولكن نحن لا نسمعها؟ العلم الحديث يقول: إن الأذن الإنسانية لها ذبذبة معينة، فما تحتها لا تسمعه وما فوقها لا تسمعه.
مثلاً جهاز الموجات فوق الصوتية: هذه الموجات وهي ذاهبة تصطدم بجسم وأنت لا تسمعها أليس كذلك؟ لأن ذبذبتها فوق مستوى الأذن الإنسانية، حتى أذن الكلاب عندها حاسة في السمع أقوى من الإنسان، لماذا؟ لأن المسافة التي ما بين هذه الذبذبة وهذه الذبذبة أوسع بكثير، فيسمع أصواتاً أقل من الذبذبة التي يسمعها الإنسان، ويسمع أصواتاً أعلى من الذبذبة التي يسمعها الإنسان.
في الوقت نفسه توجد موجات كهرومغناطيسية في هذا المكان، والدليل على ذلك: أننا لو أتينا بجهاز راديو فسوف نسمع صوت قناة القرآن الكريم ومحطة ثانية تغني، أليس كذلك؟ لكننا لا نسمع هذا لأننا لا نتملك جهازاً للاستقبال، والذي يستقبل الموجات بهذا التردد ذبذبات بالآلاف والملايين في الثانية الواحدة.
إذاً: فإذا كانت الأذن غير مهيئة لاستقبال هذه الأصوات فلا ننكرها، لكن بالتأكيد هي موجودة، بدليل أننا لو شغلنا جهاز الراديو، أو أتينا بجهاز تلفزيون فسوف يلتقط بالإريل الموجات الكهرومغناطيسية من قنوات متعددة ويحولها؛ لأن هذا الجهاز عنده قدرة على استقبال هذه الموجات، ومن ثم يحولها إلى صورة مرئية، وتنظر القناة الفلانية فيها كذا والقناة الفلانية فيها كذا والقناة الفضائية فيها كذا، وينقل لك شيئاً من أمريكا وآخر من اليابان وثالث من كوريا، ويأتي لك بالدنيا في هذا الوقت وأنت جالس، وهذا أمر موجود وإن كنا لا نراه، لماذا؟ لأننا لا نملك أجهزة الاستقبال التي تسمح بذلك.
العين الإنسانية لا تستقبل إلا الذبذبة التي هي واحد على عشرة من الثانية، الضوء يحدث خمسين ذبذبة في الثانية وأنت لا ترى ذلك، العين الإنسانية لا تدرك هذه الذبذبة؛ لأن الإنسان له طاقة محددة في الإدراك.
إذاً: فهناك أشياء كثيرة جداً موجودة ولكن لا يدركها العقل الإنساني، لكن لو وجد جهاز استقبال أو أتت أدلة على وجود الشيء حينها يقول الإنسان: لابد أقبلها.
نحن في هذا الوقت نصدق أن واحداً بالريموت يجعل باب السيارة يفتح، أليس كذلك؟ لوجود مؤثرات، ولكن أنت لا ترى هذه المؤثرات ولا تسمعها، فلماذا قبلت ذلك؟ وفي نفس الوقت رفضت أن يكون الميت يسمع ويتكلم وله أحوال معينة؟ فأنكرت أن يأتيه الملكان ويقعدانه ويسألانه، وقلت: هذا لا يقبله العقل، مع أن العقل غير السليم في الحقيقة هو الذي لا يقبل الدليل الصحيح، فلا بد أن يقبل الإنسان مثل هذا الخبر.
أمر آخر: وهو حال الإنسان أثناء النوم: لو وجد رجلان نائمان بجوار بعض.
هذا يرى شيئاً وهذا يرى شيئاً آخر، ثم لما يقوما يقول أحدهما: أنا رأيت الشيء الفلاني، وقال لي في المنام كذا، فيقول له صاحبه: أنت كذاب.
فهذا ما لا يقبله العقل، فقد كنت نائماً بجوارك وما رأيت شيئاً من هذا الذي تقوله.
فهل كلام الأول ممتنع في العقل السليم؟ لا.
كذلك الميت ما الذي أعلمك بأنه لا يرى شيئاً، ولا يسمع ولا ينظر، والنوم أخو الموت، بل النوم موت في الحقيقة ولكنه أصغر، كما كان النبي ﷺ يقول بعد أن يستيقظ: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ويقول إذا أصبح وإذا أمسى: (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور) فالإنسان بلا شك لا بد أن يقبل عقله هذه الأمور، ويصدق بالفعل بأن فلاناً الصادق هذا الذي أخبرنا بأنه رأى في المنام كذا وكذا، وأن ذلك حصل له ذلك حقيقة في المنام، فما المانع من أن يكون الميت يرى ويسمع ويشاهد ويتكلم ولكننا لا نسمعه؟ والنبي ﷺ قد أخبرنا أن الأموات يعذبون عذاباً تسمعه البهائم، وهذا من الأمور المعجزة العلمية فعلاً؛ لأن البهائم آذانها تستقبل ما لا تستقبله أذن الإنسان، لكن البهائم لا تعبر ولا تستطيع أن تخبر بلغة معينة عما تجده من أصوات، وهذا من رحمة الله بالإنسان؛ لأنه لو كان يسمع كل ما في الوجود لكانت جميع محطات الإذاعة وأصوات البشر كلها الآن في أذنه في نفس اللحظة، فلا يمكنه حينها العيش فضلاً عن أن يسمع أيضاً ما في القبور، كما قال النبي ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني)، ولو كانت الناس تخاف على موتاهم وما ترضى أن تدفنهم فلن تستقيم الحياة؛ لأن الأجساد ربما تتعفن ولا بد من الدفن، ولذلك من رحمة الله بالإنسان أن أعلمه بما يقع في القبور من غير أن يسمعه؛ لأنه لا يتحمل أن يسمع ذلك، ولا يقدر أن يراه، ولذلك كان من مصلحته أن يعلم ويصدق من غير أن يرى أو يسمع، وليكون أيضاً امتحاناً للإنسان في إيمانه، هل يؤمن بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبما أخبر به النبي ﵊ على الخصوص تفصيلاً، أم يكذب ويقول: عقلي لا يقبل ذلك؟ مع أن القرآن قد دل، وإذا كان الإنسان يؤمن بالقرآن فلا بد أن يؤمن بما أخبر به النبي ﵊.
стр. 666
وصف ساعة الاحتضار في القرآن
أخبر القرآن بوجود حياة في القبر بداية من ساعة الاحتضار، كما قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
قوله: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))، غمرات جمع غمرة، وسميت بذلك لأنها تغمر الإنسان، أي: تغطيه، بحيث لا يرى ما أمامه، والمحتضر عينه زائغة وعندما تكلمه لا يسمع، وقبل هذا كان معباً جداً، وكان يقول: لا أقدر أن أتنفس، ثم يزداد ألماً وضعفاً إلى أن يصل إلى درجة عدم القدرة على تحريك لسانه، فبالتأكيد أن الألم تضاعف جداً وزاد، والقوة ضعفت جداً لدرجة أنه لا يقدر أن يتكلم، وبدأ ينحبس نفسه، وتوجد أشياء تغطيه عن الواقع، تقول له: ماذا تعمل؟ لا يرد ولا يعرف، ربما بعد هذا لا يستطيع أن يتكلم، وبعد حين لا يسمع أصلاً، والبعض منهم يتكلم بكلام وينادي آخرين، هذه تحصل كثير جداً، فهو ينظر إلى حياة نحن لا ننظرها، ولا يعرف ماذا يريد، لكنه متعب جداً.
ساعة الاحتضار -فعلاً- تغمر الإنسان وتجعله لا يحس بمن حوله، ولا يحسون بما يلاقيه، هم يرونه يتألم ويغيب عن الوعي مدة، وبعد ذلك يتوقف القلب والنفس ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤].
فغمرات الموت يخبر الله عنها نبيه فيقول: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))، أي: إذا رأيت أمراً عظيماً وهولاً مفزعاً، ((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ))، فدليل أن الملائكة تحضر هذا الميت، وتأمر أرواح الظالمين بالخروج ((بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ))، أي: بالضرب وبالسوء؛ لأن هذه الروح إذا رأت الملائكة فزعت وخافت وأبت الخروج، فتخرج بالقوة، وتنزع نزعاً (كما ينزع السفود من الصوف المبلول)، الخطاطيف الحديد حين تتعلق بالصوف المبلول أو الشوك لما يكون لاصقاً في الصوف المبلول يصعب انتزاعه، ولا أن يكون نزعه إلا بالشدة، كما قال : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١]، أي: الملائكة النازعة بشدة، (غرقاً) يعني: بالغت في الشدة في النزع، استغرق الشيء يعني: المبالغة فيه، ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١]، يعني: التي تنزع أرواح الكفار بشدة والعياذ بالله، فهناك نزع للروح من الإنسان حتى تفارقه، وهي لحظات شديدة جداً، لدرجة أن نفس الإنسان تبقى بصعوبة بالغة، والأطباء عندما ينصبوا مراكز التنفس في المخ فإن النفس الاعتيادي يكون في كل حوالي أربع أو خمس ثواني مرة، وبعد ذلك يحدث في كل خمسة عشر ثانية.
قال : ((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ))، أي: اليوم يبدأ عذاب الهوان ومعنى: عذاب الهوان، أي: العذاب المهين، والمراد باليوم: يوم الاحتضار، من ساعة خروج الروح وقوله: ((الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)).
كل كافر ومبتدع، ومفت بالباطل، وكل من يقول على الله غير الحق له نصيب من هذه الآية، وكل من قال عن الله ما لا يجوز كاليهود لما قالوا عن الله: إنه فقير، وكذا من قالوا: اتخذ الله ولداً كالنصارى، ومن قالوا عن الله : إنه ثالث ثلاثة، ومن أشركوا بالله وقالوا: اتخذ الله شركاء وأنداداً، ومن قالوا: إن لله أعواناً في هذا الكون كل هؤلاء يقولون على الله غير الحق والعياذ بالله، وكلهم لهم نصيب من هذه الآية: ((فاليوم تجزون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ))، ومن قال عن الحرام: إنه حلال، وعن الحلال: إنه حرام، وأنكر ما جاء به الكتاب والسنة فله نصيب فيها؛ لأنه قال على الله غير الحق.
قوله سبحانه: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)).
سيأتي الإنسان فرداً، وساعة الاحتضار هذه من أشد اللحظات التي تؤكد أن الإنسان يكون فرداً لا أحد معه أبداً، ولا طبيب يساعده، ولا حبيب يقف بجواره، يضعون له الأجهزة وهو فاقد الوعي يعيش في غيبوبة.
стр. 667
عذاب الأرواح في البرزخ
أثبت القرآن أن العذاب يبدأ من لحظة الاحتضار، قال الله عن مؤمن آل فرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
هذه الآية صريحة جداً في أن هذا العرض قبل يوم القيامة؛ لأنه قال: ((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا))، معنى (غدواً): أول النهار (وعشياً): آخره، كل يوم من أيام الدنيا وفرعون وجنوده وأتباعه وهامان معهم وكل الكفرة والظلمة الذين كانوا يعظمونه، والحاشية التي كانت معه ضد الإسلام وأهله، كل هؤلاء يومياً في الصبح وفي آخر النهار يعرضون على النار، ويقال لهم هذه النار التي سوف تصلونها، وهذا مصيركم الذي ينتظركم، وبعض هذه الأرواح تكون في النار فعلياً ويعرض عليها وهو فيها والعياذ بالله.
هذا قبل أن تقوم الساعة، ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ))، والعياذ بالله، وكما قال عن قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، مع أن القيامة لم تقم بعد، لكن أدخلت الأرواح النار، (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً)، إذاً: أرواح قوم نوح في النار في هذا الوقت -والعياذ بالله- ويوم القيامة تسلك الأرواح في الأجساد بعد أن تعاد نشأة أخرى، ثم تخلد في نار جهنم، لكن بعض أرواح العصاة والمجرمين والكفار تدخل النار الآن، كما قال النبي ﷺ في الحديث يوم كسفت الشمس: (رأيت في النار عمرو بن لحي يجر قصبه في النار).
وعمرو بن لحي هو أول من ابتدع بدعة عبادة الأصنام في العرب، فعشرة قرون بعد إسماعيل ﵇ كانت على التوحيد إلى أن جاء هذا الرجل الجاهل المطاع في قومه -أي: عمرو بن لحي الخزاعي - فكان أول من سيب السوائب، وبحر البحائر، وأتاه الشيطان في منامه وأمره أن يأتي صاحب جدة فيجد عنده أصناماً معدة محفورة، وهذه هي أصنام قوم نوح التي دفنها الطوفان، وأمره أن يخرجها في العرب، وأن يعطي كل قبيلة صنماً تعبده: وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وصارت هذه الأصنام التي كانت لقوم نوح لقبائل العرب تعبدها، فرآه النبي ﷺ يجر أمعاءه في النار، فبدنه في الأرض وروحه جعلت في النار، وصورت بصورة رجل أمعاؤه خارج بطنه يجرجرها والعياذ بالله.
والواحد منا لو أصيب بقرحة طولها واحد سنتيمتر في المعدة لا يستطيع أن يأكل أو يشرب فكيف بمن هو في النار يجر فيها الأمعاء والعياذ بالله؟ ورأى النبي ﵌ في هذا المقام في النار: (المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فهي تنهشها إلى يوم القيامة) معنى هذا: أن روح الهرة في النار، والهرة هذه تعذب المرأة وتنهش منها وتنتقم، فما بالك بمن يعذبون بني آدم ظلماً وعدواناً؟! إذا كانت هذه المرأة التي عذبت قطة بأن حبستها وتركتها جائعة إلى أن ماتت فرآها النبي ﷺ تعذب بها في النار فكيف بغيرها؟! ورأى النبي ﷺ صاحب المحجن الذي كان يسرق الحجاج به، والمحجن: عصاة ملوية، يأخذ بها متاع الحاج، فإذا انتبه له قال: تعلق به محجني، وأنا لا أقصد شيئاً، ولكن عصاتي هي التي تعلقت في متاعك، وإن لم ينتبه إليه ذهب بما تعلق بمحجنه، فجعل في النار؛ لفعله هذا.
كما أن النبي ﷺ رأى أرواحاً أخرى في النار، ولذلك نقول: إن الآية تدل دلالة واضحة على عذاب البرزخ، والآية هي: ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ))، أي: بسبب خطيئات قوم نوح ((أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا))، أي: عذبوا من الماء إلى النار مباشرة ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥].
وكما قال الله في المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، فقوله: (سنعذبهم مرتين) أي: مرة في الدنيا ومرة في القبر، ثم بعد ذلك يكون لهم العذاب العظيم يوم القيامة، ففي الدنيا عذاب الأموال والأولاد كما قال سبحانه: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
إذاً: فيمكن أن يكون بلاء الإنسان وعذابه بالمال والولد، فهو يجمع المال بالتعب، ويبقى في قلق عليها، ثم تحصل له مصيبة.
وكذا أولاده يتعب في تربيتهم، ثم يصيرون عاقين له، ومن ثم يفقدهم ويتألم بسببهم، ويبقى هذا الأمر سبباً للنكد والشقاء والعياذ بالله من حيث يطلب السعادة.
هذا عذاب الدنيا للمنافقين، والكفر دائماً يحول أي سبب للخير للشر.
والعذاب الثاني في القبر، والمرة الثالثة في قوله: ((ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)).
стр. 668
وصف ساعة الاحتضار من السنة
وردت في السنة الصحيحة أحاديث كثيرة في إثبات هذا الأمر العظيم: روى الإمام أحمد ﵀ وأبو داود وابن ماجة والنسائي والحاكم في المستدرك وعبد الرزاق في مصنفه وأبو نعيم والبيهقي وأحمد وهو حديث على شرط البخاري ورواه أيضاً مسلم وأصله في البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد)، اللحد: هو الشق في جانب القبر، والشق هو الموازي للقبر، وهو حفرة في اتجاه القبلة يوضع فيها الميت، بحيث يصير شكل القبر كالحرف لام، بخلاف القبور عندنا فكلها شق فقط، حيث يوضع الميت ويدفن من فوق، وكلاهما جائز، ولكن السنة اللحد.
قال: (فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير)، أي: صامتين، فليس من السنة المظاهرات عند القبور أو الهتافات والدعوات الجماعية، وإنما إن وعظ واعظ فليستمع له الناس، وإن لم يكن فليدع كل إنسان في سره للميت.
قال: (وفي يده عود ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس).
هذا فيه دليل على أنه يسبق الموت مباشرة نزول ملائكة الموت، الذين هم رسل الله ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وهم أعوان ملك الموت، وهناك آيات وردت بأن ملك الموت واحد، وهنا وردت آيات بأنهم مجموعة كقوله: (توفته رسلنا) وكقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، في هاتين الآيتين أنه ملك واحد.
والظاهر: أن ملك الموت واحد وله أعوان، وهذا الحديث يوضحه، وأن الأعوان الذين يقبضون أرواح المؤمنين بيض الوجوه: (كأن وجوههم الشمس)، أي: وجوههم منيرة مضيئة.
(معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة) الحنوط: طيب يجعل للميت، فالبشر يضعون في الجنازة حنوطاً في الأرض، ويعدون الكفن، والملائكة معها كفن للروح، والناس تجعل طيباً مع الكفن في البدن، والملائكة معها أيضاً حنوط، ولكن من حنوط الجنة للروح المؤمنة.
قال: (حتى يجلسوا منه مد البصر)، كمن ينظر إلى البحر فلا يدرك آخره، هكذا يجلسون منه إلى غاية ما ينتهي بصره (ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان)، فإعلان النتيجة، والنجاح الحقيقي الذي يجب على الإنسان أن يعمل له؛ إذ ليس يعقل أن الإنسان يعمل لمستقبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة، ومن ثم لا يعمل لمستقبل مئات أو آلاف السنين، والله أعلم كم سيبقى الإنسان في قبره وما بعد ذلك من المستقبل؛ لأن يوم القيامة خمسين ألف سنة، إذاً: فأين المستقبل؟ وبعد هذا الجنة أبداً أو النار أبداً.
(أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء).
انظر إلى هذه النقطة وهي تقع من الكأس تقع بسهولة جداً فكذا روح المؤمن (كما تسيل القطرة من فيِ السقاء)، يعني: تخرج كانسياب قطرة ماء من فم قربة أو إناء.
قال: (فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين)، يعني: الملائكة الأعوان مستعدين للعمل بسرعة.
إذاً: كل روح تقع في يد ملك الموت فيأخذها أعوانه.
ولم يثبت في حديث صحيح أن اسم ملك الموت عزرائيل، إنما هي آثار غير صحيحة، ونحن نعلم أن من صفة ملك الموت ما قاله الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، ووردت روايات إسرائيلية أن اسمه عزرائيل، لكن لا تصح عن النبي ﵊، فالله أعلم باسمه.
قال: (فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض) تخرج رائحة طيبة ساعة خروج الروح؛ لأنها كانت روحاً طيبة، وكانت في جسد طيب يعبد الله.
قوله: (إن العبد المؤمن) إذاً: في هذا تحقيق للعبودية، وتحقيق للإيمان، ومن هنا تخرج روحه بهذه الطريقة السهلة.
قال: (فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان.
بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا)، وذلك أنه كان له ألقاب في الدنيا بعضها حسن مثل: عابد صائم مجاهد عالم كريم وليس: بيه وباشا وأفندم، ولكن الأسماء الطيبة التي كان يسمى بها في الدنيا هي أسماء الأعمال الصالحة التي كان يفعلها، قال: (حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له).
إذاً: هناك أبواب للسماء الدنيا، كما قال في حق الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٤٠]، ونحن قد لا نرى هذه الأبواب؛ لأن أمامنا كل هذه الملايين من السنين الضوئية أو مليارات السنين الضوئية، وإذا كنا نحن لا ندرك ذلك كله من محيط السماء الدنيا، فكيف نعلم بعد ذلك بوجود أبواب؟ فيقول البعض: أين الذي تقولون عنه هذا؟ نقول: الله أخبر به، وإذا وصلتم هناك انظروا، لكنكم تعجزون أن تصلوا، فلا يمكن أن تصلوا إلى هذا النجم القريب؛ لأن الوصول إليه عبر مسافة تستغرق مثلاً مليون سنة وكل هذه المسافة فوق طاقة البشر.
قال: (فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة).
إذاً: هناك جنازة للروح يتولاها المقربون من كل سماء، الملائكة وأرواح الأنبياء وأرواح الصالحين يشيعون هذه الروح التي أضيفت إلى أرواح المؤمنين.
قال: (حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين) عليين مأخوذة من العلو، وكلما علا ارتفع واتسع، فكتابه مكتوب في مكان واسع.
قال: (وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه)، هذا دليل على أن الروح سوف يحصل لها اتصال بالبدن الذي يوضع في القبر، وأن هذه المرحلة هي التي ما بين خروج الروح وبين وضعه في قبره، حيث يشيع الناس البدن إلى القبر، والروح شيعت وصعدت إلى السماء، ثم أمر الله أن تعاد الروح مرة أخرى إلى الأرض.
قال: (فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟)، أي: من أين عرفت؟ وهذا من الفتنة، أي: لما أن يسألوه بصيغة المجهول ينتظرون ما يقول؟ لكن كل عبد سوف يسأل عن محمد ﷺ ، فهذا يدل على أن من كفر بمحمد ﷺ فهو كافر بالله، وكافر برسل الله جميعاً، وليس بمؤمن بنبيه، (فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه من روحها).
الروح: هو برد نسيم الريح.
(فيأتيه من روحها وطيبها)، الرائحة الطيبة، وكذلك الروح الفرح والسرور، والراحة، كما قال : ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤]، الحلقوم: هو الحلق، فإن الروح تبلغ الحلق بعدما تنزع من داخل البدن: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٦]، هلا إن كنتم غير محاسبين؟ ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة:٨٧]، أي: ترجعون الروح إلى البدن إن كنتم صادقين، هذا لو كان الأمر بأيديكم، ولكن ليس بأيديكم، بل لابد أن تنزع روحه رغماً عنه، قال الله : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩].
مصداق هذا في الحديث: (يأتيه من روحها وطيبها)، الروح هو الراحة والسرور وبرد النسيم، والريحان هو الطيب الذي يأتيه من الجنة ((وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)).
قال: (فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يوم الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح)، المسوح: هو كساء من الشعر الغليظ، وغالباً ما يكون أسوداً.
قال: (فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق روحه في جسده -تفزع وتخاف- فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول)، السفود: هو حديدة معطوفة ملتوية ذات شعب يشوى بها اللحم، والسفود عندما يتعلق في الصوف لا يمكن نزعه منه بسهولة.
(فيأخذها فإذا أخذها
стр. 669
قال إني جاعلك للناس إماماً
لقد جعل الله تعالى إبراهيم ﵇ إماماً للناس، متصفاً بصفات الإمامة، من الرحمة بالمدعوين والمضي في الدعوة إلى الله تعالى دون توقف، وكثرة الضراعة إليه تعالى والعبادة له، والصبر على الأذى في سبيله، وللمتبع له المتصف بصفاته نصيب من تلك الإمامة في الدين بقدر اتباعه، وأما المخالف لهديه فهو الظالم، الذي لن ينال ذلك العهد من الله تعالى بالحصول على الإمامة، وعاقبته الخسران في الدنيا والآخرة.
стр. 670
إمامة إبراهيم ﵇ للناس
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وعليه وعلى آله وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد جعل الله إبراهيم ﵇ إماماً للناس، وأوحى إلى نبيه ﷺ : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، وهذه الإمامة نالها إبراهيم بتوفيته للمقامات التي ابتلي بها كلها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وإنما تنال الإمامة في الدين بتوفية مقامات العبودية حقها، قال : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، ومن مقامات هذه العبودية الدعوة إلى الله والصبر على الأذى، والتوكل على الله ، والتضحية بالنفس والوطن والأهل والولد في سبيل الله .
следующие страницы →