Полный текст (991 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وصف ساعة الاحتضار في القرآن
أخبر القرآن بوجود حياة في القبر بداية من ساعة الاحتضار، كما قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣].
قوله: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))، غمرات جمع غمرة، وسميت بذلك لأنها تغمر الإنسان، أي: تغطيه، بحيث لا يرى ما أمامه، والمحتضر عينه زائغة وعندما تكلمه لا يسمع، وقبل هذا كان معباً جداً، وكان يقول: لا أقدر أن أتنفس، ثم يزداد ألماً وضعفاً إلى أن يصل إلى درجة عدم القدرة على تحريك لسانه، فبالتأكيد أن الألم تضاعف جداً وزاد، والقوة ضعفت جداً لدرجة أنه لا يقدر أن يتكلم، وبدأ ينحبس نفسه، وتوجد أشياء تغطيه عن الواقع، تقول له: ماذا تعمل؟ لا يرد ولا يعرف، ربما بعد هذا لا يستطيع أن يتكلم، وبعد حين لا يسمع أصلاً، والبعض منهم يتكلم بكلام وينادي آخرين، هذه تحصل كثير جداً، فهو ينظر إلى حياة نحن لا ننظرها، ولا يعرف ماذا يريد، لكنه متعب جداً.
ساعة الاحتضار -فعلاً- تغمر الإنسان وتجعله لا يحس بمن حوله، ولا يحسون بما يلاقيه، هم يرونه يتألم ويغيب عن الوعي مدة، وبعد ذلك يتوقف القلب والنفس ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤].
فغمرات الموت يخبر الله عنها نبيه فيقول: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))، أي: إذا رأيت أمراً عظيماً وهولاً مفزعاً، ((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ))، فدليل أن الملائكة تحضر هذا الميت، وتأمر أرواح الظالمين بالخروج ((بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ))، أي: بالضرب وبالسوء؛ لأن هذه الروح إذا رأت الملائكة فزعت وخافت وأبت الخروج، فتخرج بالقوة، وتنزع نزعاً (كما ينزع السفود من الصوف المبلول)، الخطاطيف الحديد حين تتعلق بالصوف المبلول أو الشوك لما يكون لاصقاً في الصوف المبلول يصعب انتزاعه، ولا أن يكون نزعه إلا بالشدة، كما قال : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١]، أي: الملائكة النازعة بشدة، (غرقاً) يعني: بالغت في الشدة في النزع، استغرق الشيء يعني: المبالغة فيه، ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١]، يعني: التي تنزع أرواح الكفار بشدة والعياذ بالله، فهناك نزع للروح من الإنسان حتى تفارقه، وهي لحظات شديدة جداً، لدرجة أن نفس الإنسان تبقى بصعوبة بالغة، والأطباء عندما ينصبوا مراكز التنفس في المخ فإن النفس الاعتيادي يكون في كل حوالي أربع أو خمس ثواني مرة، وبعد ذلك يحدث في كل خمسة عشر ثانية.
قال : ((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ))، أي: اليوم يبدأ عذاب الهوان ومعنى: عذاب الهوان، أي: العذاب المهين، والمراد باليوم: يوم الاحتضار، من ساعة خروج الروح وقوله: ((الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)).
كل كافر ومبتدع، ومفت بالباطل، وكل من يقول على الله غير الحق له نصيب من هذه الآية، وكل من قال عن الله ما لا يجوز كاليهود لما قالوا عن الله: إنه فقير، وكذا من قالوا: اتخذ الله ولداً كالنصارى، ومن قالوا عن الله : إنه ثالث ثلاثة، ومن أشركوا بالله وقالوا: اتخذ الله شركاء وأنداداً، ومن قالوا: إن لله أعواناً في هذا الكون كل هؤلاء يقولون على الله غير الحق والعياذ بالله، وكلهم لهم نصيب من هذه الآية: ((فاليوم تجزون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ))، ومن قال عن الحرام: إنه حلال، وعن الحلال: إنه حرام، وأنكر ما جاء به الكتاب والسنة فله نصيب فيها؛ لأنه قال على الله غير الحق.
قوله سبحانه: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)).
سيأتي الإنسان فرداً، وساعة الاحتضار هذه من أشد اللحظات التي تؤكد أن الإنسان يكون فرداً لا أحد معه أبداً، ولا طبيب يساعده، ولا حبيب يقف بجواره، يضعون له الأجهزة وهو فاقد الوعي يعيش في غيبوبة.
стр. 667
عذاب الأرواح في البرزخ
أثبت القرآن أن العذاب يبدأ من لحظة الاحتضار، قال الله عن مؤمن آل فرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].
هذه الآية صريحة جداً في أن هذا العرض قبل يوم القيامة؛ لأنه قال: ((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا))، معنى (غدواً): أول النهار (وعشياً): آخره، كل يوم من أيام الدنيا وفرعون وجنوده وأتباعه وهامان معهم وكل الكفرة والظلمة الذين كانوا يعظمونه، والحاشية التي كانت معه ضد الإسلام وأهله، كل هؤلاء يومياً في الصبح وفي آخر النهار يعرضون على النار، ويقال لهم هذه النار التي سوف تصلونها، وهذا مصيركم الذي ينتظركم، وبعض هذه الأرواح تكون في النار فعلياً ويعرض عليها وهو فيها والعياذ بالله.
هذا قبل أن تقوم الساعة، ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ))، والعياذ بالله، وكما قال عن قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، مع أن القيامة لم تقم بعد، لكن أدخلت الأرواح النار، (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً)، إذاً: أرواح قوم نوح في النار في هذا الوقت -والعياذ بالله- ويوم القيامة تسلك الأرواح في الأجساد بعد أن تعاد نشأة أخرى، ثم تخلد في نار جهنم، لكن بعض أرواح العصاة والمجرمين والكفار تدخل النار الآن، كما قال النبي ﷺ في الحديث يوم كسفت الشمس: (رأيت في النار عمرو بن لحي يجر قصبه في النار).
وعمرو بن لحي هو أول من ابتدع بدعة عبادة الأصنام في العرب، فعشرة قرون بعد إسماعيل ﵇ كانت على التوحيد إلى أن جاء هذا الرجل الجاهل المطاع في قومه -أي: عمرو بن لحي الخزاعي - فكان أول من سيب السوائب، وبحر البحائر، وأتاه الشيطان في منامه وأمره أن يأتي صاحب جدة فيجد عنده أصناماً معدة محفورة، وهذه هي أصنام قوم نوح التي دفنها الطوفان، وأمره أن يخرجها في العرب، وأن يعطي كل قبيلة صنماً تعبده: وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وصارت هذه الأصنام التي كانت لقوم نوح لقبائل العرب تعبدها، فرآه النبي ﷺ يجر أمعاءه في النار، فبدنه في الأرض وروحه جعلت في النار، وصورت بصورة رجل أمعاؤه خارج بطنه يجرجرها والعياذ بالله.
والواحد منا لو أصيب بقرحة طولها واحد سنتيمتر في المعدة لا يستطيع أن يأكل أو يشرب فكيف بمن هو في النار يجر فيها الأمعاء والعياذ بالله؟ ورأى النبي ﵌ في هذا المقام في النار: (المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، فهي تنهشها إلى يوم القيامة) معنى هذا: أن روح الهرة في النار، والهرة هذه تعذب المرأة وتنهش منها وتنتقم، فما بالك بمن يعذبون بني آدم ظلماً وعدواناً؟! إذا كانت هذه المرأة التي عذبت قطة بأن حبستها وتركتها جائعة إلى أن ماتت فرآها النبي ﷺ تعذب بها في النار فكيف بغيرها؟! ورأى النبي ﷺ صاحب المحجن الذي كان يسرق الحجاج به، والمحجن: عصاة ملوية، يأخذ بها متاع الحاج، فإذا انتبه له قال: تعلق به محجني، وأنا لا أقصد شيئاً، ولكن عصاتي هي التي تعلقت في متاعك، وإن لم ينتبه إليه ذهب بما تعلق بمحجنه، فجعل في النار؛ لفعله هذا.
كما أن النبي ﷺ رأى أرواحاً أخرى في النار، ولذلك نقول: إن الآية تدل دلالة واضحة على عذاب البرزخ، والآية هي: ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ))، أي: بسبب خطيئات قوم نوح ((أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا))، أي: عذبوا من الماء إلى النار مباشرة ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥].
وكما قال الله في المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، فقوله: (سنعذبهم مرتين) أي: مرة في الدنيا ومرة في القبر، ثم بعد ذلك يكون لهم العذاب العظيم يوم القيامة، ففي الدنيا عذاب الأموال والأولاد كما قال سبحانه: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
إذاً: فيمكن أن يكون بلاء الإنسان وعذابه بالمال والولد، فهو يجمع المال بالتعب، ويبقى في قلق عليها، ثم تحصل له مصيبة.
وكذا أولاده يتعب في تربيتهم، ثم يصيرون عاقين له، ومن ثم يفقدهم ويتألم بسببهم، ويبقى هذا الأمر سبباً للنكد والشقاء والعياذ بالله من حيث يطلب السعادة.
هذا عذاب الدنيا للمنافقين، والكفر دائماً يحول أي سبب للخير للشر.
والعذاب الثاني في القبر، والمرة الثالثة في قوله: ((ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)).
стр. 668
وصف ساعة الاحتضار من السنة
وردت في السنة الصحيحة أحاديث كثيرة في إثبات هذا الأمر العظيم: روى الإمام أحمد ﵀ وأبو داود وابن ماجة والنسائي والحاكم في المستدرك وعبد الرزاق في مصنفه وأبو نعيم والبيهقي وأحمد وهو حديث على شرط البخاري ورواه أيضاً مسلم وأصله في البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد)، اللحد: هو الشق في جانب القبر، والشق هو الموازي للقبر، وهو حفرة في اتجاه القبلة يوضع فيها الميت، بحيث يصير شكل القبر كالحرف لام، بخلاف القبور عندنا فكلها شق فقط، حيث يوضع الميت ويدفن من فوق، وكلاهما جائز، ولكن السنة اللحد.
قال: (فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير)، أي: صامتين، فليس من السنة المظاهرات عند القبور أو الهتافات والدعوات الجماعية، وإنما إن وعظ واعظ فليستمع له الناس، وإن لم يكن فليدع كل إنسان في سره للميت.
قال: (وفي يده عود ينكث به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس).
هذا فيه دليل على أنه يسبق الموت مباشرة نزول ملائكة الموت، الذين هم رسل الله ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وهم أعوان ملك الموت، وهناك آيات وردت بأن ملك الموت واحد، وهنا وردت آيات بأنهم مجموعة كقوله: (توفته رسلنا) وكقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، في هاتين الآيتين أنه ملك واحد.
والظاهر: أن ملك الموت واحد وله أعوان، وهذا الحديث يوضحه، وأن الأعوان الذين يقبضون أرواح المؤمنين بيض الوجوه: (كأن وجوههم الشمس)، أي: وجوههم منيرة مضيئة.
(معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة) الحنوط: طيب يجعل للميت، فالبشر يضعون في الجنازة حنوطاً في الأرض، ويعدون الكفن، والملائكة معها كفن للروح، والناس تجعل طيباً مع الكفن في البدن، والملائكة معها أيضاً حنوط، ولكن من حنوط الجنة للروح المؤمنة.
قال: (حتى يجلسوا منه مد البصر)، كمن ينظر إلى البحر فلا يدرك آخره، هكذا يجلسون منه إلى غاية ما ينتهي بصره (ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان)، فإعلان النتيجة، والنجاح الحقيقي الذي يجب على الإنسان أن يعمل له؛ إذ ليس يعقل أن الإنسان يعمل لمستقبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة، ومن ثم لا يعمل لمستقبل مئات أو آلاف السنين، والله أعلم كم سيبقى الإنسان في قبره وما بعد ذلك من المستقبل؛ لأن يوم القيامة خمسين ألف سنة، إذاً: فأين المستقبل؟ وبعد هذا الجنة أبداً أو النار أبداً.
(أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء).
انظر إلى هذه النقطة وهي تقع من الكأس تقع بسهولة جداً فكذا روح المؤمن (كما تسيل القطرة من فيِ السقاء)، يعني: تخرج كانسياب قطرة ماء من فم قربة أو إناء.
قال: (فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين)، يعني: الملائكة الأعوان مستعدين للعمل بسرعة.
إذاً: كل روح تقع في يد ملك الموت فيأخذها أعوانه.
ولم يثبت في حديث صحيح أن اسم ملك الموت عزرائيل، إنما هي آثار غير صحيحة، ونحن نعلم أن من صفة ملك الموت ما قاله الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، ووردت روايات إسرائيلية أن اسمه عزرائيل، لكن لا تصح عن النبي ﵊، فالله أعلم باسمه.
قال: (فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض) تخرج رائحة طيبة ساعة خروج الروح؛ لأنها كانت روحاً طيبة، وكانت في جسد طيب يعبد الله.
قوله: (إن العبد المؤمن) إذاً: في هذا تحقيق للعبودية، وتحقيق للإيمان، ومن هنا تخرج روحه بهذه الطريقة السهلة.
قال: (فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان.
بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا)، وذلك أنه كان له ألقاب في الدنيا بعضها حسن مثل: عابد صائم مجاهد عالم كريم وليس: بيه وباشا وأفندم، ولكن الأسماء الطيبة التي كان يسمى بها في الدنيا هي أسماء الأعمال الصالحة التي كان يفعلها، قال: (حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له).
إذاً: هناك أبواب للسماء الدنيا، كما قال في حق الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٤٠]، ونحن قد لا نرى هذه الأبواب؛ لأن أمامنا كل هذه الملايين من السنين الضوئية أو مليارات السنين الضوئية، وإذا كنا نحن لا ندرك ذلك كله من محيط السماء الدنيا، فكيف نعلم بعد ذلك بوجود أبواب؟ فيقول البعض: أين الذي تقولون عنه هذا؟ نقول: الله أخبر به، وإذا وصلتم هناك انظروا، لكنكم تعجزون أن تصلوا، فلا يمكن أن تصلوا إلى هذا النجم القريب؛ لأن الوصول إليه عبر مسافة تستغرق مثلاً مليون سنة وكل هذه المسافة فوق طاقة البشر.
قال: (فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة).
إذاً: هناك جنازة للروح يتولاها المقربون من كل سماء، الملائكة وأرواح الأنبياء وأرواح الصالحين يشيعون هذه الروح التي أضيفت إلى أرواح المؤمنين.
قال: (حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين) عليين مأخوذة من العلو، وكلما علا ارتفع واتسع، فكتابه مكتوب في مكان واسع.
قال: (وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه)، هذا دليل على أن الروح سوف يحصل لها اتصال بالبدن الذي يوضع في القبر، وأن هذه المرحلة هي التي ما بين خروج الروح وبين وضعه في قبره، حيث يشيع الناس البدن إلى القبر، والروح شيعت وصعدت إلى السماء، ثم أمر الله أن تعاد الروح مرة أخرى إلى الأرض.
قال: (فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟)، أي: من أين عرفت؟ وهذا من الفتنة، أي: لما أن يسألوه بصيغة المجهول ينتظرون ما يقول؟ لكن كل عبد سوف يسأل عن محمد ﷺ ، فهذا يدل على أن من كفر بمحمد ﷺ فهو كافر بالله، وكافر برسل الله جميعاً، وليس بمؤمن بنبيه، (فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه من روحها).
الروح: هو برد نسيم الريح.
(فيأتيه من روحها وطيبها)، الرائحة الطيبة، وكذلك الروح الفرح والسرور، والراحة، كما قال : ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٤]، الحلقوم: هو الحلق، فإن الروح تبلغ الحلق بعدما تنزع من داخل البدن: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٦]، هلا إن كنتم غير محاسبين؟ ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة:٨٧]، أي: ترجعون الروح إلى البدن إن كنتم صادقين، هذا لو كان الأمر بأيديكم، ولكن ليس بأيديكم، بل لابد أن تنزع روحه رغماً عنه، قال الله : ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩].
مصداق هذا في الحديث: (يأتيه من روحها وطيبها)، الروح هو الراحة والسرور وبرد النسيم، والريحان هو الطيب الذي يأتيه من الجنة ((وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)).
قال: (فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يوم الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح)، المسوح: هو كساء من الشعر الغليظ، وغالباً ما يكون أسوداً.
قال: (فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق روحه في جسده -تفزع وتخاف- فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول)، السفود: هو حديدة معطوفة ملتوية ذات شعب يشوى بها اللحم، والسفود عندما يتعلق في الصوف لا يمكن نزعه منه بسهولة.
(فيأخذها فإذا أخذها
стр. 669
قال إني جاعلك للناس إماماً
لقد جعل الله تعالى إبراهيم ﵇ إماماً للناس، متصفاً بصفات الإمامة، من الرحمة بالمدعوين والمضي في الدعوة إلى الله تعالى دون توقف، وكثرة الضراعة إليه تعالى والعبادة له، والصبر على الأذى في سبيله، وللمتبع له المتصف بصفاته نصيب من تلك الإمامة في الدين بقدر اتباعه، وأما المخالف لهديه فهو الظالم، الذي لن ينال ذلك العهد من الله تعالى بالحصول على الإمامة، وعاقبته الخسران في الدنيا والآخرة.
стр. 670
إمامة إبراهيم ﵇ للناس
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وعليه وعلى آله وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد جعل الله إبراهيم ﵇ إماماً للناس، وأوحى إلى نبيه ﷺ : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، وهذه الإمامة نالها إبراهيم بتوفيته للمقامات التي ابتلي بها كلها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وإنما تنال الإمامة في الدين بتوفية مقامات العبودية حقها، قال : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، ومن مقامات هذه العبودية الدعوة إلى الله والصبر على الأذى، والتوكل على الله ، والتضحية بالنفس والوطن والأهل والولد في سبيل الله .
стр. 671
الصبر في الدعوة إلى الله وثمرته
من هذه المقامات -أي: مقامات العبودية- مقام الصبر في الدعوة إلى الله مع قلة المستجيبين، قال : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وهذا المقام مقام عظيم الأهمية في حياة المسلم، وفي حياة الداعي إلى الله ، فإبراهيم ﵇ مع إمامته، ومع توفيته للدعوة إلى الله حقها؛ لم يؤمن له من قومه إلا لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وامرأته سارة التي تبعته على الحق، والله قدر هذا الأمر للأنبياء جميعاً، قال عن نوح ﵇: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وقال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
فأكثر الخلق في غفلة، والناجون قلة، كما قال النبي ﷺ : (ينادي الله يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: يا آدم! أخرج بعث النار.
فيقول: من كلٍّ كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون).
وهذا الأمر يثمر ثمرة عظيمة الأهمية في حياة المؤمن، ومن ذلك أنه لا يزال خائفاً من الله ، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، ويعلم الخطر الذي يقدم عليه هو والناس أجمعون، هو خطر الوقوف في المحشر، ورؤية أهوال القيامة، والمرور على الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف، من تحته النار يحطم بعضها بعضاً، قعرها سبعون خريفاً، يهوي فيها من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وينجو من الألف واحد فقط من هؤلاء البشر، نسأل الله العافية! فإذا كان الأمر كذلك، وعلمنا قلة من ينجو، خفنا على أنفسنا من هذه المواقف، والخوف من أعظم أسباب الأمن عند الله ، فهو من أسباب دخول الجنة، كما أنه من أسباب التمكين في الأرض، قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]، وقال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
والخوف عبادة ضرورية لحياة القلب، فهو الذي يوقظه من غفلة الشهوات والضلالات، ويبعده عن أن يغره الغرور، وأن تغره الحياة الدنيا، وهذا من أعظم أسباب التوفيق في سيره إلى الله ، وهو الذي يدفعه حتى يستمر في سيره إلى الله.
стр. 672
البعد عن الاغترار بكثرة أهل الباطل
ومن ثمرة الصبر في الدعوة مع قلة المستجيبين، أن لا يغتر الإنسان بالكثرة، وأن لا يزهد في القلة، فالله من أجل القلة المؤمنة يغير موازين الحياة، وينصر رسله والذين آمنوا رغم قلتهم، ينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ويملي للظالمين الكثرة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، يملي لهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون؛ لمتانة كيده ، قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥].
والاغترار بكثرة من ضل حتى يصير الإنسان في ركب من يضل عن سبيل الله هو العلة التي من أجلها كفر أكثر البشر، واتبعوا الباطل بالتقليد الأعمى، والمتابعة لآبائهم وأجدادهم، ولمن حولهم من مجتمعاتهم.
والمؤمن لا يرضى بهذا التقليد، ولا يتبع الكثرة إذا كانوا على الباطل، وإنما يوطن نفسه على أن يكون على الحق ولو كان وحده، والله قد قال: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤].
стр. 673
الهجرة في سبيل الله
بين هجرة إبراهيم ولوط عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام فقال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٧١].
وهذا يدل على أن أهل الإيمان عليهم أن يفارقوا أهل الباطل إذا بلغت الدعوة إلى الله غايتها بإقامة الحجة على الخلق، وبلوغ الحق لكل مكلف، فبعد ذلك عليهم أن يفارقوا أهل الباطل، وأن ينشئوا مجتمعاً صالحاً يعيشون فيه، فالله جعل هذه العلاقة بين أهل الإيمان سبباً للرحمة العاجلة في الدنيا، فالله يبدلهم بعلاقتهم التي ضحوا بها في سبيله خيراً منها، ويعوضهم العلاقة الوطيدة في الله ، التي بها يجد أهل الإيمان برد الود، بدلاً من جو مليء بالحقد والكراهية والحسد والبغضاء، وهذه العلاقة لا بد أن نحرص عليها، ولا بد أن تكون قوية متينة بين أهل الإيمان، فإذا استجابوا جميعاً لدعوة الحق فلا بد أن نستثمر هذه العلاقة، وأن نقوي روابط المحبة بين أهل الإيمان، والاجتماع على طاعته .
стр. 674
أهمية صحبة أهل الإيمان
جعل الله الثواب لإبراهيم ﵇ على تضحيته بابنه إسماعيل أن وهبه إسحاق ويعقوب نافلة، والله جعل صحبة أهل الإيمان والصلاح علامة على سعادة الإنسان، وسبباً لرحمته في الدنيا والآخرة، وحصول المغفرة له، والله يأمر الأعلى بصحبة الأدنى رغم أنه السبب في هدايته، فكيف بالأدنى الذي يحتاج إلى أن يصحب الأعلى؟! كأمر الله نبيه ﷺ أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فقال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
فإذا كان النبي ﷺ مأموراً أن يصحب الذين هداهم الله به إذا كانوا يريدون وجهه، وهو ﵊ سبباً في إسلامهم، فما بالك بمن دونه ﵊، فالصبر معهم واجب، فيصبر على صحبتهم وعلى معاشرتهم، وهذا أمر من أعظم الأمور أهمية في حياة المؤمن، وإذا كان الأمر كما ذكرنا في حق الأعلى بالنسبة إلى الأدنى، فكيف بصحبة الأدنى لمن هو أعلى منه قدراً؟! فالإنسان دائماً يبحث عمَّن يعاونه على طاعة الله ، ولا أفضل من صحبة الأخيار، فانظر من تخالل، وانظر من تصاحب؛ فإن الله جعل صحبة أنبيائه ورسله غاية مقصودة يطلبها النبيون والصديقون، قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣].
وقال النبي ﷺ : (اللهم في الرفيق الأعلى) وكان هذا آخر ما مات ﷺ .
وكان النبي ﵌ يرغب في مجالسة أهل الصلاح، ويحذر من مجالسة أهل الفساد، فيقول: (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)، وقال ﵊: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي).
стр. 675
الدعوة إلى الله تعالى سائرة لا تتوقف
وإبراهيم ﵇ حين آمن له لوط وهاجر معه إلى الأرض المقدسة لم يتوقف، ولم تتوقف الدعوة إلى الله ، بل أرسل الله لوطاً إلى قرية سدوم ليدعوهم إلى الله .
وهذا دليل على أن الدعوة إلى الله لا تتوقف في أي مكان، بل حيث ما وجد الناس ووجد من يخالف شرع الله ووجد الإنسان فتبقي الدعوة إلى الله قائمة.
وإبراهيم ﵇ قد أتاه الأضياف في طريقهم إلى إبلاغ قوم لوط، والله جعل من إبراهيم ﵇ إماماً للناس، وهو كذلك في الحلم والصبر وعدم اليأس من استجابة الناس للدعوة إلى الله.
فلوط ﵇ حين أرسل إلى قومه لم يؤمن به رجل واحد، ولم يؤمن به إلا أهله فقط.
وهذا يؤكد المعنى الذي ذكرناه من أن قلة من استجاب للأنبياء لا تمنع الداعي إلى الله من ممارسة الدعوة.
стр. 676
حلم الداعية ورحمته بالمدعوين
إبراهيم ﵇ حين مرت به الملائكة بشروه بهلاك قوم لوط، وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، كما قال عن امرأته: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]، فالله بشر امرأته سارة بذلك على لسان الملائكة جزاء على صبرها واحتسابها، وبعد ذلك جعل إبراهيم يجادل في قوم لوط، فقال : ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٤ - ٧٥].
فهو يجادل في قوم لوط في تأخير العذاب عنهم، حيث قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت:٣٢].
فهو يريد منع العذاب العام على قرى قوم لوط؛ لأجل وجود لوط ﵇، وهذا من حلمه ﵇، وقد وصف كذلك بكثرة دعائه وقنوته لله ، كما قال تعالى: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ)) أي: مسبح ذاكر لله ، قانت لله كثير الإنابة، فهو حليم لا يعجل ولا يريد إنزال العقوبة بسرعة، بل يريد تأخير العذاب لعل الله أن يهديهم، وقد كان ابنه نبينا محمد ﷺ صبوراً حليماً، سيما عندما رد عليه قومه ما جاء به، وأتاه جبريل بملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين إن شاء، فقال: (بل أستأني بهم، فلعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً)، وقد كان.
وبهذا تحصل للإنسان المراتب العالية من الحلم والصبر والاحتساب عند الله ، وكثرة الدعاء والإنابة والرجوع إلى الله ، نسأل الله أن يجعلنا من الأواهين المنيبين.
стр. 677
فزع المؤمن إلى ربه في الشدائد
كان إبراهيم ﵇ عندما يصيبه أمر يفزع إلى الله ، ويلتجئ إلى الصلاة والدعاء، كما في قصته مع جبار مصر حين أتى بامرأته سارة إلى مصر، وعلم إبراهيم أنه لو أخبرهم أنها امرأته لقتلوه وأخذوها، فقال لها: ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، وأنت أختي في دين الله، فأخذها الجبار وأراد أن يتناولها، ووقف إبراهيم يصلي ويدعو الله .
وهكذا المؤمن كثير الدعاء، يدعو ربه في الشدائد والمحن، ويلجأ إلى الله أن يعصمه وأهله، وأن ينجيه من كل سوء كرب.
فأخذ الله ذلك الجبار الظالم الذي أراد أن يتناول سارة، وأكرمها وعصمها منه مرات متتابعة، فكان كلما أراد أن يهوي بيده إليها أخذ وشلت يده، حتى قال: اذهبوا بها، إنما أتيتموني بشيطان ولم تأتوني بإنسان، اذهبوا بها وأعطوها هاجر.
فرجعت إلى إبراهيم ﵇ وهو واقف يصلي، فلما انتهى من الصلاة قال: مهيم -أي: ما شأنك-؟ فقالت: رد الله كيد الفاجر، وأخدم هاجر.
وكان ذلك من فضل الله .
فالعبد المؤمن كثير الدعاء، والدعاء يسمعه الله من عباده المؤمنين، وبه تتغير موازين الناس، والله يرفع ويخفض، وهو سبحانه كل يوم هو في شأن، يفرج كرباً، ويغفر ذنباً، ويفك أسيراً، ويطعم من يشاء، ويغني ويفقر، ويميت ويحيي، ويسعد ويشقي، وجعل من أسباب الخير لابن آدم كثرة الدعاء، وإبراهيم إمام في الدعاء والتضرع إلى الله .
فعلينا بهذا السلاح العظيم الذي لو صدقنا الله فيه، ودعونا الله بانكسار وضعف وشعور بالفقر والحاجة إليه لغير الله ما بنا، وذلك بشرط عدم الاستعجال، فكثير من الناس يقولون: نحن ندعو منذ سنين ولم يتغير الحال، ونقول: بل قد تغير بفضل الله ، فقد كانت الأمة قبل عقود قليلة من الزمن بعيدة تمام البعد عن الله ، وأكثر شبابها ورجالها ونسائها لا يعرفون حتى الصلاة، ولا يؤدونها، بل كان أمراً معتاداً منذ سنوات ليست بالكثيرة أن يكون كل الشباب لا يحافظون على أداء الصلاة، وأن تكون المساجد خاوية من أهلها، وأن لا يكون هناك علم بالكتاب ولا بالسنة، وإنما يسير الناس في شهواتهم ورغباتهم.
وإن تسلط الأعداء على الأمة فإن ذلك من أسباب ردها إلى الله ، وعودة المسلمين إلى الله ارتبط بأحداث جسام تقع لهم، وهذا من أسباب رحمة الله بهم، كما قال في بني إسرائيل حين ذكر تسليط الأعداء عليهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨]، فمن كان عنده بقية من إيمان، وسلط الله عليه أنواع البلايا والمحن فلأجل أن يزداد إيماناً وتسليماً، ولأجل أن يرحمه الله ، ولا يجوز أن نقول: دعونا فلم يستجب لنا، فإن ذلك من موانع إجابة الدعاء، يقول النبي ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي).
والاستعجال آفة خطيرة في الإنسان، وإنما تقاس أعمار الأمم بعشرات السنين بل بمئاتها، وليس بأعمار أفرادها، فكم من التغيرات تقع في حياة بشر لها مقدمات في الأجيال التي سبقتهم.
стр. 678
حكمة ابتلاء المسلمين بالمصائب
وعلى قدر ما يقع في قلوب أهل الإيمان من إيمان وإسلام وإحسان يرفع الله عنهم تسلط عدوهم عليهم، وبقدر صدقهم وامتثالهم وتذللهم لله بقدر ما يرفع الله ما نزل بهم، والله يبتلي عباده ليسمع تضرعهم، قال : ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) [الأنعام:٤٣]، فالله يبتلينا لنتضرع.
وقال : ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢]، فلنفقه لماذا نبتلى بأنواع البلايا من الغلاء، والأوبئة، والمحن، وتسلط العدو، واحتلال البلاد، وأخذ الكبار والصغار والأولاد أسرى، وغير ذلك من أنواع البلايا، فإن ذلك لكي نزاد انكساراً لله ودعاء وتضرعاً له ، فالكسير يجبره الله الجبار ، ومن تجبر وطغى يكسره الجبار العزيز الانتقام.
والله ينزل بأسه بالناس ليعودوا إليه ، فإن لم يعودوا وازدادوا طغياناً فتح عليهم أسباب الرخاء في الدنيا ثم يأخذهم بغتة، كما قال : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
فنحن بحاجة إلى الدعاء، وأن نقتدي بإبراهيم ﵇ في الدعاء والتضرع إلى الله ، وكمال التوكل عليه، وصدق اللجوء إليه حتى يرفع ما بأمتنا من أنواع البلايا والمحن.
وإبراهيم ﵇ إمام في تصديق وعد الله ، وفي إيمانه بأنه سميع الدعاء ولو طالت المدة، فإبراهيم سأل الله أن يهب له من الصالحين وهو مهاجر فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٠].
ودعا إلى الله وهو شاب ومع ذلك قدر الله أن تستجاب هذه الدعوة بعد كبر السن، فإنما وهب له إسماعيل وهو ابن بضع وثمانين سنة، ووهب له إسحاق بعد ذلك بثلاث عشرة سنة، وعند أهل الكتاب أنه بعد أن تجاوز المائة، فقال إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩].
فاليقين بالله والثقة به من أعظم أوصاف الأئمة في الدين، قال : ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥ - ٥٦].
فإياكم والقنوط -عباد الله- من رحمة الله، فقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، وذلك بعلمه وحكمته، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧].
فهو كما جعل في المطر حياة للبشر من بعد يأسهم، فكذلك في كل الكروب ينزل ما يغيث به الناس، وينشر رحمته من بعد أن يقنطوا وييأسوا، غير أن أهل الإيمان لا يقنطون من رحمة الله أبداً، وإنما يشفقون على أنفسهم من أن يصيبهم بسبب ذنوبهم عقاب الله ، ولكنهم لا يقنطون من رحمة الرحمن الرحيم، وكيف يقنطون وهم يرون آثار الرحمة تملأ هذا الكون؟! ورحمته سبحانه وسعت كل شيء، فلا تقنطوا من رحمة الله، وقولوا كما قال إبراهيم: ((وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ))، وهو يضيق الأرزاق؛ ليعلم الناس أن الأمور ليست بأيديهم، وأنه هو وحده الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وأنه بعباده الخبير البصير، وهو الذي يدبر الأمر بالعلم والحكمة، وبخبرته وبصره بعباده، يعلم أحوالهم، ويسمع دعاءهم، ويعلم عواقب أمورهم، وهو الذي يرى عباده أزلين قنطين مشفقين يائسين فيضحك؛ لعلمه أن فرجهم قريب.
وهو يفعل ذلك ليسمع تضرعنا، وليرى ثقتنا بوعده وحسن ظننا به ، والله عند ظن عبده به كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فأحسنوا ظنكم بالله، وثقوا في وعده، وهو سميع الدعاء، وإذا دعونا الله ونحن موقنون بذلك مع الضعف والانكسار كان ذلك من أعظم أسباب النصرة، كما قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم) أي: بدعائهم وتضرعهم لله ، وكم من مستضعف يقسم على الله فيبره ، كما قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
فلماذا كانت هذه الصفة المذكور أولاً؟ إنها لبيان ضعفه وانكساره، وقال النبي ﷺ : (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره) أي: من أهل الإيمان الكمل الذين يوقنون بوعد الله، ولو أقسموا على الله في الدعاء لأجاب قسمهم.
فهذا المرء عند أهل الدنيا مستضعف فيهم ليس عنده من أسباب القوة الظاهرة ما يجعلهم يعتبرون بمنزلته، ولا يعتدون بمقامه.
стр. 679
عاقبة المتبع لإبراهيم ﵇ والمخالف له
تلك بعض صفات إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي جعله الله بها إماماً يقتدى به ويتبع، ومن كان من ذريته على شيء من هذه الصفات فهو إمام كذلك بقدر ما فيه.
وأما من ظلم ولو كان من ذرية إبراهيم فليس له عهد الله بالإمامة في الدين، ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].
فهناك عهد من الله تعالى له بأن يكون هناك أئمة من ذريته، ولكن لا ينال هذا العهد الظالمون، فإن الله لا يقبل لهم ولاية، ولا شهادة، ولا يجعل لهم أمانة؛ لأن الظالم عند الله مبعد عن الله ، وعند الله مغضوب عليه وملعون، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨].
فاحذروا -عباد الله- من الظلم الأكبر، ومن ظلم بعضكم لبعض، وظلم أنفسكم، وإمامة إبراهيم ﵇ ينالها كل من تبعه واتصف بصفاته حتى ولو كان من غير نسله؛ فإن الله قال عن الإسلام: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨].
وهو يعلم دخول العرب والعجم في ذلك، فإبراهيم إمام لكل من تبعه على دينه وملته من ذريته ومن غيرهم، فإنما الصلة بين أهل الإيمان بالأعمال، (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) كما قال النبي ﷺ ، وقال ﷺ : (ألا إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن وليي الله والملائكة وصالح المؤمنين) أو كما قال النبي ﵊.
اللهم ارزقنا مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
стр. 680
مكة المكرمة دعوة إبراهيم ﵇
إن دعوة الأنبياء ﵈ لها ميزات كثيرة، وخصائص غزيرة، فهي مجابة في الحال والمآل، والعاقبة لهم في سائر الأحوال، ومن بركات دعوة إبراهيم ﵇ نشأة مكة التي كانت بقعة قفراء، فعادت عامرةً بالناس والسكنى، وهوت إليها أفئدة البشر، وأخرج الله بها زمزم وفجر، حتى إذا شب إسماعيل قام هو وأبوه ببناء البيت العتيق، وصارت الأجيال من ذرية إبراهيم وإسماعيل لها حق الصدارة، والنبوة والريادة، والديانة والصيانة، وكل هذا بفضل دعاء أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وما محمد سيد الأنبياء وحبيب الرحمن إلا ثمرة دعوته.
стр. 681
دعاء نبي الله إبراهيم واستجابة الله له
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٤١].
الدعاء من أعظم أسباب تغيير الحياة على وجه الأرض.
والله قدر أموراً وقدر لها أسبابها، ومما قدره : تعمير مكة المكرمة، وتعمير بيته الحرام بالطواف والقيام والركوع والسجود والاعتكاف وسائر أنواع العبادات.
стр. 682
مكانة مكة والخروج بهاجر وإسماعيل إليها
لقد جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، أي: به يقوم أمر الناس، وإذا أوشكت الدنيا على الانتهاء أذن الله قدراً في هدمه، فمن أشراط الساعة بعد زوال الإيمان في الأرض كلها أن يهدم الكعبة ذو السويقتين وهو من الحبشة، وأما قبل ذلك فلا قوام للناس إلا ببيت الله الحرام، وبتوجه المتوجهين إلى هذه القبلة المشرفة، فكيف عمرت هذه البقعة؟ وكيف اتجهت إليها قلوب الملايين؟ فالملايين من الناس في كل عام يذهبون إلى هذه البقعة المشرفة وما حولها من البقاع المقدسة، لأداء فرض الحج الذي افترضه الله على الناس وأمر بأدائه، وجعله ركناً من أركان الإسلام, قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).
وقد عمرت هذه البقعة بدعوة مباركة من إبراهيم ﵇، إذ أمره الله أن ينقل هاجر وولدها إسماعيل بعد أن وقع شيء بينها وبين سارة التي صحبت إبراهيم ﵇ في هجرته، والتي كرمها الله بأن كانت من أول المؤمنين به، ورد الله عنها كيد الملك الكافر عندما ذهب بها إبراهيم إلى مصر، فأراد الجبار أن يأخذها ويعتدي عليها، فقامت تدعو الله ، وظل إبراهيم ﵇ بعيداً يدعو ربه ، فكلما أراد أن يتناولها شُلَّت يده، وأخذت أخذاً شديداً، فيطلب منها أن تدعو الله له ويتركها، وفي الثالثة تركها وقال: إنما أتيتموني بشيطان ولم تأتوني بإنسان اذهبوا بها وأعطوها هاجر.
فلما رجعت إلى إبراهيم قال: مهيم؟ فقالت: رد الله كيد الفاجر، وأخدم هاجر.
وضربت سارة مثلاً في التضحية؛ إذ وهبت هاجر خادمتها التي وهبت لها لإبراهيم ﵇، وكانت سارة عقيماً لا تلد إلى ذلك التاريخ، فضربت مثلاً في التضحية والحب الحقيقي، وفي الطاعة لله ، فاتخذ إبراهيم هاجر سُرِّية، فولدت له إسماعيل، فوقع في قلب سارة ما وقع، وكان الله قد قدر تعمير بيته الحرام بإسماعيل ﵇ وذريته، فأمر الله إبراهيم أن يأخذ هاجر ويهاجر بها إلى موضع مكة المكرمة.
وفي هذا المكان القفر الذي لا أحد فيه لا أنيس ولا جليس ترك إبراهيم ﵇ هاجر وابنها الرضيع إسماعيل ﵇، وترك لهما جريب تمر، وشنة ماء -أي: قربة ماء-، وتركهما عند دوحة قريباً من موضع زمزم، ولم يكن قد بني البيت بعد، وإنما كان مثل الأكمة المرتفعة -أي: التل المرتفع- وتركهم وحدهم في هذا المكان الذي ليس به أحد، وليس فيه نبت ولا زرع ولا ماء ولا شيء على الإطلاق من مقومات الحياة، لكن الله اختارها يوم خلق السماوات والأرض لتكون بقعة عبادته وتوحيده إلى آخر الزمان.
إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ولم يحرمها الناس كما قال النبي ﵊، فاجتبى الله تعالى هذه البقعة، وجردها سبحانه من مقومات الحياة الطبيعية، وقدر أن تكون أزحم بقعة على وجه الأرض بمن يعبد الله ، وهذه آية عظيمة من آياته.
стр. 683
أثر دعوة إبراهيم وبركتها على مكة المشرفة
إذ كانت هذه دعوة من إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥].
وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة:١٢٦] فكانت الدعوة قبل تكون البلدة وبعد تكونها، وكان هذا الدعاء هو الذي غير وجه الحياة على ظهر هذه الأرض، والذي نشر الله به التوحيد في مشارق الأرض ومغاربها، إذ من ذرية إبراهيم وإسماعيل ﵉ ولد محمد ﷺ ، الذي أراد الله بحكمته وعلمه أن يكون هو الذي يرفع لواء دعوة التوحيد، وهي دعوة الأنبياء جميعاً في أرجاء الأرض كلها، وتكون أمته من بعده حاملة هذا اللواء، فتنشر توحيد الله ، وتعلن الكلمة الخالدة: لا إله إلا الله شعاراً للحياة وشعاراً للأمة الإسلامية، فلا توجد أمة من الأمم سواء ممن تنتسب إلى الأنبياء أو ممن لا تنتسب إليهم ترفع هذا الشعار، أو تطبقه في الحياة، أو تسعى إلى إعلاء هذه الكلمة في الأرض، وإنما تجد الأمم حتى ممن تنتسب إلى الأنبياء ترفع شعارات خاصة بها على خلاف ما أوصى به الأنبياء، وهذه الوصايا مسجلة عندهم، وأول هذه الوصايا جميعاً: أن يعبد الله وحده لا شريك له.
فهذا موجود في وصايا موسى العشر كما هو في التوراة، وهي وصية المسيح كما في الإنجيل، وإنما يرفع هذه الكلمة بفضل الله ويطبقها في الحياة أهل الإسلام الذين يتجهون من كل مكان إلى هذه البقاع الطاهرة، ويخرجون في اليوم الثامن قاصدين منىً ثم عرفات، ثم يفيضون بعد ذلك إلى المشعر الحرام، ثم إلى منى، ثم إلى البيت العتيق مرة ثانية، قاصدين بذلك مرضات ربهم؛ لأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.
ولقد قدر الله أن يأتي إبراهيم بإسماعيل ﵉ مع أمه ويتركهما في ذلك المكان، فتقول له هاجر: إلى من تتركنا في هذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا أحد؟ وكأن هذا السؤال ما كان ينبغي أن يكون؛ لذا لم يجبها إبراهيم، ولم يلتفت إليها، فكيف تظن به -وهو الرفيق الرحيم، الشفيق بالخلق- أن يكون قاسياً على ولده فلذة كبده! وعلى امرأته التي عاشرها وعاش معها ووحدت الله على يديه؟! وكيف يمكن أن يظن به ذلك، وهو يدعو لمن عصاه بالمغفرة والرحمة؟!
стр. 684
أثر دعوة إبراهيم لذريته وأتباعهم
من دعاء إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦] أي: الذين دعوا إلى عبادتها أضلوا كثيراً من الناس، وليست الأصنام نفسها تضل كثيراً من الناس، فهو يعتبر بحال الأكثر، وكان يخشى على نفسه وبنيه أن يقعوا فيما وقع فيه الناس، ولذا قال من قال من السلف: من يأمن البلاء بعد إبراهيم، أي: من يأمن أن يقع فيما حذر الله منه من الشرك بعد أن دعا إبراهيم بالنجاة له ولبنيه منه، وقد استجاب الله دعوته، فلم يكن أحد من بنيه وعصبته مشركاً، وإنما وقع الشرك في الأجيال التالية بعد عشرة قرون متتابعة، فانظر كيف تكون الدعوة مستمرة الأثر أجيالاً متتابعة.
وكذلك أثرت هذه الدعوة في حياة البشر وفي هذه البقعة إلى يومنا هذا؛ فدعوة التوحيد هذه جددها النبي ﷺ ، وقام بها في الأرض كلها بعد أن كان الأنبياء يقومون بها في أقوامهم، فبعث ﵊ إلى الأحمر والأسود، وأرسل أصحابه إلى المشارق والمغارب، وقام بذلك من بعدهم، وأمر أمته بالجهاد لإعلاء كلمة الله في كل مكان، فانظر كيف يكون أثر تلك الدعوة، فيقول إبراهيم: ((وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ))، فمن أمن الشرك على نفسه فهو جاهل، ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟! قال إبراهيم: ((رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)) وهذا هو النسب الحقيقي: اتباع إبراهيم ﵇، ولذلك قال : ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] فإبراهيم أبو المؤمنين وإن لم يكونوا من نسبه، فهو أبوهم بالروح والقلب؛ لأن ولادة قلوبهم كانت بدعوته، والنبي ﷺ أب للمؤمنين، قال : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وذلك لأن ولادة القلوب كانت على يديه ﷺ ، وكان النبي ﷺ ثمرة دعوة أبيه إبراهيم؛ إذ دعا ربه أن يبعث في ذريته رسولاً يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، وتوسل إلى الله بعزته وحكمته، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩].
فكان محمد ﷺ دعوة أبيه إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمه التي رأت أن نوراً خرج منها فأضاء قصور الشام، فكيف يكون الدعاء من أعظم وأمضى الأسلحة؟
الجواب
يكون عظيماً بحسب قرب الداعي من ربه ، وبحسب استعاذته بحول الله وقوته، فحينئذ يؤثر الدعاء تأثيراً عجيباً يمتد لآلاف السنين بقدرة الله .
يقول إبراهيم ﵇: ((فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، فإذا كان إبراهيم يدعو لمن عصاه بأن يغفر الله له، ولا يغفر الله الشرك إلا بأن يتوب العبد منه، فإن من مات على الشرك وقد بلغته الحجة فإن الله لا يغفر له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقوله: ((وَمَنْ عَصَانِي)) تشمل من عصى الله بالمعاصي التي هي دون الشرك، التي يكون الاستغفار مؤثراً فيها بإذن الله، وأما من أشرك فإبراهيم يدعو له بأن يتوب الله عليه، وهذا لمن لم يمت على الشرك، أما من مات عليه فإن إبراهيم يتبرأ منه، كما تبرأ من أبيه آزر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤].
فإبراهيم الأواه الحليم المنيب الذي جعل يطلب تأخير العذاب عن قوم لوط المجرمين والسفلة المنحطين، الذين فعلوا الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين، واستهزءوا بنبيهم وأرادوا إيذاءه، ومع ذلك فإبراهيم يدعو لهم لشفقته ورحمته بالخلق والله يحب منه ذلك، حتى إنه دعا في بعض الأحيان لمن لا يستحق أن يغفر له، ولمن لا يستحق أن يؤخر عنه العذاب، وأمر الله نافذ فيه، لكن الله يحب الحلم والإنابة، ويحب الأواه -أي: كثير الدعاء- وإبراهيم كان كذلك.
والله يحب هذه الصفات التي ترتب عليها هذا الدعاء، حتى وإن وقع في غير موضعه، فكيف يمكن أن يظن به ألا يكون شفيقاً رحمياً بولده وأم ولده؟! وذلك مما لا يتصور، فكيف تسأل هاجر وتقول: إلى من تتركنا؟ وكيف يمكنها أن تتصور أنه يتركهم إلى غير أحد؟ فتكرر السؤال، فيعلمها إبراهيم بأن السكوت أبلغ من الكلام فلا يلتفت إليها ولا يجيب عليها، وفي الثالثة تكرر السؤال وهو لا يجيب ولا يلتفت، فتنتبه بعد ذلك فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فهنا يجيب إبراهيم فيقول: نعم، وذلك أنه كان ينبغي أن تدرك هذا الأمر من البداية، وهذا هو الذي ينبغي أن يؤكد في النفوس، أي: أن نمتثل أمر الله، اقتداءً بإبراهيم ﵇ حين لبى أمر ربه.
والمؤمنون حين يلبون ويسمعون تلبية الحجاج: لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك لبيك! إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، إنما يتبعون أنبياء الله ، ويجيبون الدعوة التي بلغها إبراهيم بأمر الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] فنادى إبراهيم قائلاً: إن لله بيتاً فحجوه، وناداهم بغير مكبر صوت أو إذاعة تملأ إرسالاتها الكرة الأرضية، ومع ذلك كان لهذه الكلمة أثراً عجيباً في البشر عبر العصور، والأزمنة ما لا تؤثره كل الوسائل الأخرى، والناس اليوم عندهم من وسائل توصيل الكلمة إلى بقاع الأرض المختلفة ما تعلمون، أو ما يسمى: بوسائل الإرسال والاستقبال، ومع ذلك! فكم من ملايين الكلمات تذهب هدراً، ولم تذهب كلمة إبراهيم هدراً؛ وللوعد الذي جعله الله وعد صدق، حيث تكفل الله بإيصال هذه الدعوة؛ فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك! فكل من لبى في تلك اللحظة فسوف يذهب إلى هذه البقاع ملبياً مجيباً دعوة إبراهيم ﵇، فنحن نمتثل أمر الله مهما كان في الظاهر شاقاً وصعباً، فهو اليسر في الحقيقة، وهو الراحة والطمأنينة والسكينة.
تأمل هذه البقعة المجردة من أسباب الحياة بأسرها في ذلك الوقت، ومع ذلك يترك إبراهيم ولده وأم ولده، ويأخذ بأسباب لا تغني في حقيقة الأمر، وهي جراب تمر وقربة ماء، ثم يتركهم ويذهب إلى بيت المقدس في الشام، وهي مسافة في ذلك التاريخ تقضى في أكثر من شهر، ومع هذا يرحل إبراهيم ويتركهم لله ، وهنا ترضى هاجر وتقول حين تعلم أن هذا هو أمر الله: إذاً: لا يضيعنا، وهذه ثقة عظيمة بالله وتوكل عليه.
ولك أن تقارن بين تلك اللحظات وبين اللحظات اليوم التي لا يوجد موضع قدم في تلك البقعة المباركة إلا وسكنت، إلا ما شاء الله ، فيرحل إبراهيم حتى إذا كان خلف الأكمة حيث لا يريانه يتوجه بهذا الدعاء: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ)).
فإنما كانت هذه الرحلة والهجرة لأجل إقامة الصلاة في هذه البقعة، فهو يتوسل إلى الله بإظهار الفقر والحاجة، وذلك في قوله: ((بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)).
стр. 685
فضل ماء زمزم وكيفية ظهوره
من الآيات البينات ماء زمزم التي نبعت على يد إسماعيل عندما رضيت هاجر ﵍ بالله مدبراً معيناً، وحافظا وكيلاً، وقالت: إذاً لا يضيعنا، وجعلت تأكل من جراب التمر وتشرب من الماء حتى نفد الماء والتمر وجاع ابنها، والله يقدر البلاء ثم يأتي الفرج، والفرج لا يأتي من البداية، وإنما يأتي بعد محنة فيها منحة عظيمة، وهكذا نبعت زمزم بعد المحنة التي تعرضت لها هاجر وابنها.
يجوع إسماعيل وهو معد لأن يكون نبياً رسولاً صادق الوعد بانياً مع أبيه لبيت الله الحرام، ناشراً للتوحيد في قومه وفي ذريته من بعده أجيالاً متتابعة، ويقدر الله عليه أن يجوع طفلاً صغيراً، حتى كاد يهلك، فأخذ يبكي والأم تتألم؛ لأنها ترى ابنها يكاد يموت من الجوع والعطش وهي لا تدري ما الحل، فنظرت إلى أقرب جبل وهو جبل الصفا، فجعلت تأخذ بالأسباب وتصعد عليه تبحث لعلها تجد مغيثاً لهما، فتخرج فتصعد على الصفا وتنظر يميناً وشمالاً فلا ترى أحداً، فتنظر إلى أقرب جبل من الصفا فتجد جبل المروة فتتجه نحوه باحثة عن مغيث لهما -وفي بطن الوادي مسافة ممهدة الآن ميسرة بين العلمين الأخضرين- فأخذت تسعى سعي الإنسان المجهود، حتى إذا صعدت مشت، حتى أتت المروة فصعدت عليها -مع أن هذا الوقت تكون فيه الشمس حارقة، ولا يستطيع الإنسان السعي في هذا الوقت في عصرنا مع وجود الشراب والمكيفات، ومع ذلك تحملت هاجر ﵍ هذه المحنة لتكون منحة لنا جميعاً في الوقوف في هذه الأماكن، متبعين هذه السنة في السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، كما فعلت بين الصفا والمروة، سعت بينهما هاجر ﵍، تبحث عن مخرج، فهي لا تستطيع أن ترى ابنها وهو يموت، حتى كانت المرة السابعة بعد الإجهاد التام والجهد الكامل، وبعد أن بذلت آخر الأسباب في النجاة، جاءت المنحة من عند الله تعالى.
سمعت هاجر صوتاً فقالت لنفسها: صه، أي: تسكت نفسها، ثم قالت تخاطب من لا تدري أين هو لكنها تسمع صوته: أغث إن كان عندك غوث، فإذا هي بالملك جبريل ﵇ عند ابنها الذي يتلوى جوعاً وعطشاً ويوشك على الهلاك، فيضرب جبريل الأرض بعقبه أو بجناحه فتنبع زمزم، فتفرح بالماء فرحاً عظيماً، ويدركها حرص الإنسان، فتقول لها: زم زم، وكانت لا تجد قطرة ماء، يقول النبي ﷺ : (رحم الله أم إسماعيل لو لم تقل لها: زم لكانت زمزم عيناً معيناً)، يعني: لو لم تجمع الماء ولو لم تجعل له حوضاً، لكانت زمزم عيناً ظاهرة ونهراً جارياً، فلا يحتاج إلى آلة رفع، لكن حرص الإنسان دائماً ينقص عطاؤه، ومع تعلقه بالأسباب ينقص رجاؤه، وبقدر نقص الرجاء، ينقص العطاء، وكلما انقطعت الأسباب وعظم الرجاء عظم العطاء، فكانت زمزم المباركة التي قال عنها النبي ﵊: (إنها طعام طعم، وشفاء سقم)، وقال ﵊: (ماء زمزم لما شرب له)، وبقي أبو ذر ﵁ أربعين يوماً وليلة لا طعام له ولا شراب في مكة إلا زمزم، قال: حتى سمنت وتكورت بطني.
أي: صار سميناً وصار هناك ثنايا في بطنه من السمنة بزمزم فقط، قال النبي ﷺ : (إنها مباركة).
نسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله.
стр. 686
بناء إبراهيم وإسماعيل لبيت الله الحرام
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
عندما نبع ماء زمزم شربت أم إسماعيل من الماء ورضعت ابنها، وأتت قبيلة جرهم لتسكن بجوارهم؛ لأجل الماء الذي لم يكن موجوداً في هذا المكان، وكانت أم إسماعيل تحب الأنس فأنست بهم، واستجاب الله دعوة إبراهيم، ثم شب إسماعيل وتزوج منهم امرأة لم تكن تشكر نعمة الله وتعرف قدرها، فأمره أبوه أن يطلقها وأن يستبدل غيرها خيراً منها.
ورزقه الله امرأةً أخرى راضية، فدعا إبراهيم لهم بالبركة في اللحم والماء.
ثم يأتي إبراهيم إلى إسماعيل ويقول: إن الله أمرني بأمر، قال: فافعل ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: نعم، قال: إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، فبنيا بيت الله الحرام، وجعل إسماعيل ينقل الحجارة وإبراهيم يرفع البناء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
أي: يبنيان لله بيتاً لعبادته وتوحيده ويخافان ألا يتقبل الله منهما، ولذلك دعوا بالقبول وردا علم نيتهما إلى الله، ودعاؤهما هو: ((رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)).
فمن الذي يجزم لنفسه بالإخلاص بعد ذلك، فيجب على العبد أن يعمل الصالحات ويرجو القبول من الغفور الشكور بفضله وعطائه ومنته، ونسأل الله أن يجعلنا من المقبولين.
وبني بيت الله الحرام، ونادى إبراهيم بالحج، وكانت هذه السنة الماضية في كل عام إلى يومنا هذا.
стр. 687
مسائل في يوم عرفة وأيام التشريق
يشرع التكبير من فجر يوم عرفة بعد الصلوات المكتوبات إلى آخر أيام التشريق، يعني: أن اليوم الثالث من أيام التشريق هو رابع أيام العيد، فيشرع التكبير إلى صلاة العصر، والظاهر أنه يشرع جماعة؛ لأن ابن عمر وأبا هريرة كانا يكبران في أيام العشر وفي أيام منى حتى ترتج منى تكبيراً.
وكان عمر يكبر فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، فيسمعهم أهل السوق فيكبرون، حتى ترتج منى تكبيراً، وهذا لا يقع إلا من الاجتماع عليه، وقد جرت عادة المسلمين بالتكبير عقب الصلوات، فلا حجة لمن يقول: هي بدعة، وإنما هي سنة إن شاء الله ﵎.
ويوم العيد وأيام التشريق كلها أيام أكل وشرب، ويجزئ ذبح الأضاحي في كل هذه الأيام، والأفضل أن تذبح يوم النحر؛ وذلك لأنه أعظم الأيام عند الله .
وهي أيام أكل وشرب، فيحرم صيام هذه الأيام بما فيها يوم الثالث عشر، فيوم الثالث عشر من ذي الحجة لا يشرع صيامه، بل يحرم صيامه، إلا لمن لم يجد هدياً من الحجاج، فيصوم أيام التشريق، وأما من سواه فيحرم الصيام، وإنما من أراد أن يصوم الأيام البيض فليصم الرابع عشر والخامس عشر، ويصوم أي يوم في الشهر بعد ذلك إن أراد.
وصوم يوم عرفة يكفر سنة ماضية وسنة باقية كما قال النبي ﷺ ، وهذا لمن ليس بعرفة، ومن بعرفة يستحب له الفطر ليتقوى على الدعاء.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 688
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم
لقد أمرنا الله بأوامر ونهانا بنواهٍ في معرض آيات سورة آل عمران، فمنها: الأمر بطاعة الله والرسول، والنهي عن أكل الربا، والنهي عن اقتراف الذنوب والمحرمات، والحث على المسارعة إلى طلب المغفرة والجنة، لكن أهل الجنة لهم صفات عليا لا يتصف بها أحد غيرهم، فلابد من البحث عنها والاتصاف بها حتى نكون من أهلها.
стр. 689
الربا حرب لله ورسوله
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٨].
ذكر الله هذه الآيات الكريمات -في أثناء سياق الكلام عن غزوة أحد- في ما يلزم أهل الإيمان حتى ينتصروا على أعدائهم من الانتصار على أنفسهم من داخلها، وترك ما حرم الله عليهم، وإتيان ما افترض الله عليهم، وعلو هممهم وإرادتهم عن هذه الدنيا وزخارفها، والتي إذا ما وقع فيها الإنسان شغلته وانهزم من داخله، فانهزمت الطائفة المؤمنة أمام عدوها.
وهذا هو وجه الارتباط -والله أعلى وأعلم- بين هذه الآيات التي قد يبدو للبعض أنها ليست مرتبطة بسياق غزوة أحد وبين باقي الآيات.
فالربا حرب لله ولرسوله ﷺ ، فكيف يتسنى لأمة ينتشر فيها الربا بأنواع كثيرة أن تنتصر على عدوها وهي تحارب الله، وقد آذنها الله بحرب منه ؟! كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
стр. 690
التقوى سبب للفلاح
ثم أمر بتقواه، والتي هي سبب الفلاح، فقال: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) وليس هناك في العربية كلمة أجمع للخير في الدنيا والآخرة من كلمة (الفلاح).
وتقوى الله سبب لتحصيل الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)).
والتقوى هي: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثوابه، وأن تجتنب معاصي الله على نور من الله تخاف عقابه.
ونلحظ من خلال هذا التعريف -الذي ذكره طلق بن حبيب أحد فضلاء التابعين رحمه الله تعالى- عمل الجوارح والقلب والعلم النافع الذي هو: (النور) أي: أن تقوى الله : أن تعمل بالطاعة وتترك المعصية وأنت راج خائف، وأنت على نور من الله ، وهذا هو العلم النافع الذي في القلب، والذي يُبصَّر الإنسان بما حوله من حقائق، وليس مجرد علم اللسان، وإنما على نور من الله.
стр. 691
التحذير من النار
ثم حذر من النار، فقال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] وهذا جزء من تقواه ، أي: أن تتقي ما يؤدي إلى دخول النار التي أعدها الله أصلاً للكافرين، وإن كان قد يدخلها بعض أهل التوحيد لذنوب اقترفوها، لكن هي أصلاً أعدت لتبقى ويبقى أهلها من الكفار.
فهذه الآيات قد تضمنت التحذير من النار والترغيب في الجنة، قال تعالى: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) وهذا لكي يعرف المؤمن مدى تقواه لربه .
ثم ليعلم المسلم أن مفتاح هذا الخير والفلاح: أن يستحضر أمر الجنة والنار دائماً، وأن يستحضر مدى الخطر الذي ينتظره وينتظر البشرية كلها، إذا هو لم يتق الله ، ولم يجعل لنفسه وقاية من سخط الله وعقابه.
وهذه الآية الكريمة مما استدل به أهل السنة والجماعة على أن النار والجنة مخلوقتان وموجودتان الآن، وأنهما قد أعدتا لأهلهما، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ في وصف من رآهم من أهل النار وأهل الجنة، فإن النبي ﷺ رأى الجنة والنار، وقد أراهما الله من شاء من خلقه من ملائكته ومن أرواح أنبيائه.
стр. 692
الرد على المرجئة
قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] ليس فيه حجة للمرجئة الذين يقولون: لا يدخل النار مؤمن ولو عصى، لأن النار قد أعدت للكافرين ابتداء وأصلاً، فهم أهلها الأصليين، وأما المؤمنون فوجودهم في النار عارض، وليس وجوداً مستقراً مستمراً، وإنما أناس أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتة، ثم يخرجهم من النار ويحييهم.
стр. 693
حصول الرحمة بطاعة الله ورسوله
قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] إن طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ليس كما يقال: إنها تؤدي إلى المفاسد والضنك، أو إلى الشقاء والتعاسة والمتاعب، وإنما هي من أسباب النصر والفلاح، ومن أسباب الرحمة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [آل عمران:١٣٢] وهذه الرحمة ذكرت مطلقة، فهي رحمة في الدنيا والآخرة، فيرحم الله من أطاعه وأطاع رسوله ﷺ ، فهل يتصور أن من أقبل على الله وأطاعه، وأقبل على رسوله ﷺ وأطاعه، أن يشقيه الله ؟ وهل يتصور ذلك من الرحمن الرحيم ؟! أيها المؤمن! مهما حذرت من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، ومن الالتزام بالدين، وما سوف يترتب على ذلك من المتاعب والاضطهاد والأذى، ومن ضياع المصالح الدنيوية، فتأكد أن كل ذلك من خداع الشيطان، فإنك إنما أمرت بهذه الطاعة لترحم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وطاعة الله لا تأتي إلا بالخير، ومعصية الله لا تأتي إلا بالشر، ولا يتصور غير ذلك كما أخبرنا ربنا ، فهو يبتلي عبده المؤمن ليرحمه، فإذا أصابه بما يؤلمه فإنما فعل ذلك لينعمه وليكرمه وليرفع درجته، وهو جعل الرحمة مرتبطة بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وجعل الشقاء والضنك لمن أعرض عن ذكره وعن متابعة رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].
فكل رحمة وصلت إلى العباد فمن أسبابها طاعة الله ، وإلا فالرحمة من الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن من أعظم أسبابها: الطاعة لله وللرسول ﷺ ، والشقاء الذي يصيبهم من أعظم أسبابه: معصية الله ومعصية الرسول ﷺ .
стр. 694
المسارعة إلى مغفرة الله والجنة
ثم أمر الله عباده بطلب الجنة، وهذا أمر لا بد أن نتنبه لأهميته، قال تعالى: ((وَسَارِعُوا)) وليس فقط أن تطلب الجنة وتريدها، أو أن تدعو إليها فقط، وإنما تسارع: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وكما في الآية الأخرى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١].
فلا بد أن تستشعر بأنك في سباق، ولا بد أن تبذل كل ما عندك لكي تصل إلى الجنة، وليس فقط أن تطلبها بضعف، أو أن تطلبها وكأن الأمر قد برم لك، فأنت تسير سيراً متمهلاً لا يقلقك ولا يزعجك فوات وضياع هذا الذي تريد، لا، بل إنما ترجو طلب الخير وتخاف أن يفوتك، ولذا فأنت تسارع في الخير، وفي نفس الوقت تسابق غيرك.
وليست هذه المسابقة فقط بأن تنظر إلى من حولك من المطيعين، بل انظر إلى من حولك ممن سبقك، وهذه هي المنافسة عبر العصور التي يستحضرها أهل الإيمان الكمل.
فهذا موسى ﵇ يبكي حينما رفع النبي ﵌ فوقه، فقال: (غلام أرسلته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي!) أو كما قال ﵊.
وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم عندما قال النبي ﷺ في الحديث -وإن كان فيه مقال-: (للعابد في أيام الفتن أجر خمسين، قالوا: خمسون منا أو منهم؟ فقال: بل منكم).
فانظر إلى هذه المنافسة والمسابقة العجيبة! رغم أنهم لم يأتوا بعد، ومع ذلك فهم يريدون ألا يكون أحد أسبق إلى الخير منهم، قال تعالى: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)).
وهذه المسارعة إلى المغفرة وإلى الجنة لابد أن تظهر في سلوك كل مسارع، فلا يترك خيراً يفوته أبداً، ولذا فسرها السلف رضوان الله عليهم بتفسيرات رائعة جميلة: قال أنس رضي الله تعالى عنه كما حكى القرطبي عنه في تفسير قوله: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: إلى تكبيرة الإحرام.
وقال غيره: إلى الجهاد، وقال آخر: إلى النفقة في سبيل الله، وكل منهم يذكر شيئاً ينبغي أن يسارع الإنسان فيه، ويذكرون ذلك على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، فإن كل عمل من أعمال الخير لابد أن تسارع فيه وتسابق غيرك.
وهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يمشي مع بعض الصحابة، فلا يلمح مسلماً آتياً إلا ابتدره بالسلام قبل أن يسبقه فيسلم عليه، ثم قال للصحابي الذي يمشي معه: ما لي أراك يسبقك الناس إلى الخير؟! فانظر إلى هذه المسابقة منه ﵁! وهو السابق من هذه الأمة، ومع ذلك يسابق أصحاب النبي ﷺ ، ويحرص على أن يبتدر من يلقاه بالسلام قبل أن يبتدره الآخر، فهو يريد الحصول على الفضيلة.
فانظر إلى نفسك هل تجد في نفسك هذا الحرص، وأنت تلحظ هذه المسابقة والمسارعة في أمر يسير جداً يقع في حياة المسلم كل يوم مرات عديدة؟ إن المسابق والمسارع هو الذي يستشعر مدى خطر تعرضه لعقاب الله، وخطر فوات الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، فيسارع في كل خير ويبادر إليه، لذا فلا ينبغي أن نكون دائماً من المتأخرين عن حضور صلاة الجماعة حتى تفوتنا تكبيرة الإحرام، أو أن نصلي جماعة ثانية، وقد رغب النبي ﷺ في التبكير والتهجير، فقال: (لو يعلم الناس ما في التهجير والعتمة لأتوهما ولو حبواً).
والتهجير: أن يأتي في الهاجرة قبل الزوال ليحضر صلاة الظهر، والوقت الذي بين الأذان والإقامة من أوله، فانظر إلى هذا الخير العظيم، والنبي ﷺ قال: (لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ونسأل الله ألا يؤخرنا عن طاعته، لكن الإنسان صاحب الهمة العالية يسارع إلى مغفرة الله ، ويبحث عن كل حسنة يتقرب بها إلى الله، فيسارع إلى طلب العلم، ويسارع إلى النفقة في سبيل الله، ويسارع إلى الجهاد في سبيل الله، ويسارع إلى حضور الجماعة في أولها، ويسارع إلى الجمعة، ويسارع إلى كل أبواب الخير، ولا يرضى بأن يسبقه إلى الله أحد.
فهذا أحد التابعين عندما رأى رؤية فقصها على أحد السلف -وأظنه مالك بن دينار - فقال: رأيت أن منادياً قد نادى: هلموا إلى الجنة، فلم يقم إلا محمد بن واسع، فغشي على مالك بن دينار أو غيره عندما سمع هذه الرؤيا؛ خوفاً من أن يكون غيره قد سبقه إلى الله ، فهو يريد أن يكون هو السابق إلى الله.
والمسابقة والمسارعة تؤدي إلى مزيد من الترابط بين أفراد المجتمع المسلم، فهي ليست كالمسابقة والمنافسة على الدنيا التي تؤدي إلى التباغض والحسد والضغينة، وإنما تؤدي إلى مزيد من الحب والود، كما كان حال أبي بكر وعمر وهما يتنافسان في طاعة الله ، ومع ذلك كان كل منهما شديد الحب لصاحبه.
وهكذا كان أصحاب النبي ﷺ يتسابقون إلى الخير، ومع ذلك يزدادون حباً لبعضهم البعض، فإذا وجدت مسابقة ما أو مسارعة ما، ثم يعقبها نوع من الحسد والضغينة والبغضاء فتأكد أن الدنيا من وراء ذلك، وليست هي المسارعة إلى الآخرة؛ لأن المسارعة إلى الآخرة تزيد من الإيمان والحب في الله، ومعنى الحب: أنك تحب أخاك لأنه يطيع الله ، فإذا علمت أنه يسارع مثلك إلى طاعة الله، ويسابقك إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ازددت له حباً؛ لأن الله جبل قلوب أهل الإيمان على محبة من يطيع الله ، كلما ازداد الإيمان ازداد الحب في الله، والإيمان يزداد بالطاعة فتزداد المحبة، وتقل المحبة لقلة المنافسة على الخير، وإن أخذ صورة في الظاهر أنه يسارع إلى الخير ولا يوجد من يسابقه، ولو كان كذلك لأدى إلى زيادة المحبة بإذن الله ﵎.
لكن لماذا يقع التنافس المذموم؟ ولماذا يقع التحاسد والتباغض والتفرق؟ بسبب دخول الدنيا تحت ستار المسارعة إلى الخير، فلا بد أن ننظر في هذه المسألة جيداً، وننظر في همتنا، فإن الله لم يأمرنا فقط بطلب المغفرة بل أمرنا بالمسارعة إليها، ولم يأمرنا فقط بطلب الجنة بل بالمسارعة والمسابقة إليها، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وانظر وتأمل في كيف كان حال أهل الإسلام في غزواتهم الكبرى التي أدت إلى حصول النصر العظيم؟! من المسابقة والمنافسة على الخير، فقد تنافس الناس بالأذان وتسابقوا فيه، فأقرع بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، فخرجت القرعة لأحدهم فأذن، وصدق النبي ﷺ إذ يقول: (لو يعلم الناس ما في الأذان ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه) وبالفعل لم يكن هناك وسيلة لتحديد من يؤذن إلا الاستهام، فأقرع بينهم سعد فخرجت قرعة أحدهم فأذن.
فلننظر في أحوالنا لماذا تأخرنا رغم أننا نؤدي ما ينبغي علينا أن نؤديه؟ أم لأننا فعلاً نسارع إلى أنواع من نعيم الدنيا ولذاتها ورغباتها، ونترك غيرنا يسبقنا إلى الله ، فننفق الأوقات الطوال في غير منفعة، وفي غير مسارعة إلى الجنة وإلى المغفرة من الله .
стр. 695
صفات المتقين
стр. 696
الإنفاق في السراء والضراء
ثم ذكر الله جملة من الأعمال التي هي من صفات المتقين المسارعين إلى المغفرة وهي: قوله تعالى: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)) والنفقة في السراء والضراء علامة على بذل الإنسان لنفسه وماله في سبيل الله، وعلامة على حبه الصادق لله ، وليس فقط يعبد الله على حال واحده، ويترك العبادة على الحال الآخر، بل إنه ينفق في كل الأحوال، ويعبد الله بكل أنواع العبادة، فلا يحجزه حاجز عن التعبد لله ، وليس هناك إطار محدد لا يستطيع أن يعبد الله خارجه، لا، بل هو يعبد الله بكل ما تيسر له من أنواع العبادة وعلى أي حال.
قوله: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)) والنفقة في الضراء أعظم ثواباً عند الله من النفقة في السراء، كما قال النبي ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم قالوا: وكيف؟ قال: كان لرجل درهمان فتصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها) فسبق الدرهم مائة ألف درهم، وذلك أنه أنفقه في الضراء.
قال النبي ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وبالفعل فقد تصدق بعض أصحابه ﵃ بشق تمرة، ولم يكن عندهم غيرها، وذلك لشدة حرصهم على الخير، وكان أصحاب الصفة ﵃ يحاملون على ظهورهم بالنهار، ثم يتصدقون ويكفون أنفسهم عن السؤال، ويقومون بالقرآن في الليل.
فلذلك سبقوا إلى الله هذا السبق العظيم، ولم يكن عندهم مسكن ولا أهل ولا مال، ومع ذلك كانوا يعملون حمالين، وتخيَّل إنساناً لا يجد عملاً إلا أن يحمل على ظهره، كأن يسقي الماء مثلاً، أو يحمل أثقال الناس على ظهره، وهو من قراء القرآن الذين يقومون بالليل، ثم يجهدون بالنهار لكي يتصدقوا وهم فقراء.
وهذه شربة لبن يصف أبو هريرة ﵁ حاجته إليها، فيأمره النبي ﷺ أن يدعو أصحاب الصفة جميعاً ليشربوا من شربة لبن -سبعين أو ثمانين رجلاً- فشربوا جميعاً من شربة واحدة؛ لأنه لم يكن عندهم شيء، ومع ذلك يحرصون على الصدقة.
وقد جاء بعض الصحابة بصاع من شعير ليتصدق به، فكانوا يجتهدون في النفقة في سبيل الله على كل حال، فلا ينفقون في السراء دون الضراء، وإنما ينفقون في السراء والضراء، وأقل من ذلك من ينفق في السراء، ويمسك في الضراء، وأسوأ الأحوال من يمسك في السراء والضراء والعياذ بالله! وذلك أنه في الضراء في هم الفقر والحاجة، وفي السراء في بخل الغنى والحرص على المزيد، وأكثر الناس كذلك، أكثر الناس كما وصف الله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]، فلابد أن يعود الإنسان نفسه على النفقة، وأن ينفق ولو شيئاً يسيراً.
وقد كان بعض السلف يتصدق بأي شيء كل يوم، ولو لم يجد إلا بصله، فكان يجعلها في كمه ويقول: يا الله! لم أجد غيرها، فيأتي فيجعلها في كف المسكين، وما أيسر أن يتصدق الإنسان بهذا الشيء، ولكن الشيء العظيم أن يعود الإنسان نفسه على البذل، كما قال النبي ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي) أي: يفرغ من إنائه الذي هو ملآن شيئاً يسيراً، لكنه شيء يؤدي إلى الحب والود، ويعود الإنسان على البذل والعطاء، ويؤكد صدق حبه لله ، فهذه سلوكيات مهمة جداً لا بد أن نهتم بها ونسعى إليها.
وفي الحقيقة أن النفقة في سبيل الله تحرر الإنسان من أسر الناس، وتحرره من شح النفس، وتعبده لله وحده لا شريك له، وترفعه فوق روابط الأرض وجاذبيتها التي تمنع روحه من الانطلاق، فإذا تصدقت وأنفقت وكنت محتاجاً فهذه أفضل الصدقة، كما قال النبي ﷺ : (أفضل الصدقة جهد المقل) والمقل: من ليس معه مال ومع ذلك يبذل جهده في أن ينفق في سبيل الله.
стр. 697
كظم الغيظ
سلوك آخر: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)) فليس الجود بالمال فقط، بل بالسلوك والمعاملة، وكظم الغيظ أن تكظم غيظك ولا تنفذه فيمن تقدر على إنفاذه فيه ممن جعلك الله فوقهم منزلة أو سلطاناً، وليس الحلم أن تحلم مع الأقوياء، وأن تحلم مع من هو فوقك وتتأدب معه بأنواع الأدب، وأن تسيء الخلق وتتكبر وتستعلي على من هم تحتك، فهذا والعياذ بالله من أسوأ الأخلاق، بأن يكون الإنسان ضعيفاً مع القوي، ومتقوياً مع الضعفاء، وإنما كظم الغيظ: أن تكون قادراً على إنفاذه فتكظمه لله ، وهذه سلوكيات مهمة لو تمسكنا بها لانحلت عنا معظم المشكلات في داخل البيوت وخارجها، وفي المعاملات المادية والاجتماعية وغيرها؛ لأن أكثر الناس إذا ركبهم الغيظ تسلط عليهم الشيطان، وتحكم فيهم أعظم التحكمات، ولذا لو نظرت إلى حال الناس في نزاعاتهم وصراعاتهم لوجدت أنواع البلايا والمصائب تخرج من أفواههم وأيديهم بسبب الغيظ والغضب، ولوجدت سفك الدماء، وقطع الأرحام، وأنواع السباب والفسوق والعصيان، وأحياناً قد تجد كفراً والعياذ بالله! -يغيظه غيره فيسب الدين- وقذف الآباء والأمهات، وسل السلاح على إخوانه المسلمين.
ومن ينظر في وسط المجتمعات الإسلامية يرى العجب مما يفعله الغضب والغيظ في أصحابه، وما يؤدي إلى المفاسد العظيمة التي تدمر المجتمع، وليس مجتمع الملتزمين بخال من ذلك، بل ما أكثر ما يقع -كما ذكرت- داخل المنازل من الخلافات الزوجية، وهذا أمر لا بد أن يكظم الإنسان فيه غيظه، فالأهل أولى الناس بحسن الخلق كما قال النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) فليس كل خطأ تراه في البيت يفجر عندك بركان الغضب والغيظ، بل لا بد أن تكظم غيظك، وكذا الأولاد والمربون، فلو استعملنا الحلم لزال عنا كثيراً من المنازعات والخصومات، وما يترتب على هذه الخصومات من ضياع هائل للأوقات، ومفاسد عظيمة تجر إلى غليان القلب -على الأقل- بأنواع الإرادات الفاسدة والعياذ بالله! قوله تعالى: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)) دخل عيينة بن حصن -وكان من المؤلفة قلوبهم- على عمر ﵁، وكان الحر بن قيس ابن أخيه من القراء، ومن أصحاب مجلس عمر رضي الله تعالى عنه، فقال عيينة بن حصن لابن أخيه: يا ابن أخي! لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، وبراً بعمه استأذن له الحر بن قيس رضي الله تعالى عنهم، فأذن له، فدخل عليه عيينة فقال: هيه يا ابن الخطاب! والله ما تحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل والعياذ بالله! فغضب عمر رضي الله تعالى عنه، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وهذا من الجاهلين، فما تجاوزها عمر رضي الله تعالى عنه، وكان وقافاً عند كتاب الله.
فتأمل هذا الغيظ الذي كظمه عمر وعفا عنه ولم يؤدبه! وقارن بين هذا الموقف وبين موقف أي شخص من كبراء أهل زماننا، ومن له سلطان على غيره دون سلطان أمير المؤمنين، أو دون سلطان رئيس الدولة بمراحل، وهل كان سيسمح بمثل هذا أو يعفو عمن فعل ذلك؟! ويكظم عمر غيظه في هذا المقام أمام الناس، وابن عيينة يقول له: هيه يا ابن الخطاب! فيقول لنفسه: يا ابن الخطاب! تصغيراً لـ عمر، وأمير المؤمنين لا يخاطب بهذا، ومن يحكم بالعدل إن لم يحكم به عمر رضي الله تعالى عنه؟! ومن يعطي بالجزل إن لم يعط عمر وقد فتحت الفتوحات العظيمة في زمنه؟! فهذا الأمر: كظم الغيظ والعفو عن الناس من صفات أهل الإيمان العظيمة التي يسهل بسببها التعامل معهم، ويقترب منهم الناس، وتفتح لهم قلوب الخلق، فيدخل فيها الإيمان بإذن الله ﵎ من خلال هذا السلوك الرائع، العفو عن الناس، ومن عفا عفا الله عنه، كما قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].
стр. 698
الإحسان إلى الخلق
قال تعالى: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) وهذه زيادة، وذلك أنه إذا كظم الإنسان غيظه، فربما كظمه في وقتٍ وأجل الانتقام لوقت آخر، فأتى بـ ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)) فهو لا يكظمه الآن لينتقم غداً، وإنما يعفو، وليس فقط يعفو، بل ويحسن إلى من أساء إليه، فهو يعفو ويصفح ويزيد، وهذا كله من الإحسان الذي جعل الله جزاءه الإحسان، وكل هذا منبعه من كمال العبودية لله .
إن الأخلاق الإنسانية مرآة عقيدة القلب، والأخلاق السوية التي أمر الله أن نتعامل بها فيما بيننا مرآة تكميل عبوديتنا لله حتى كأننا نراه، كما قال النبي ﷺ في تفسير الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا هو الإحسان الذي يملأ القلب غنىً بالله ، ومع ذلك فإن القلب مفتقر فقراً شديداً إلى عبودية الله ، وإلى الحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والشكر، والصبر، وسائر أنواع العبودية، فإذا عبد الله كأنه يراه اكتملت في القلب أو زادت واقتربت من الكمال أنواع العبودية، فحصل غنىً لهذا القلب؛ لأن طاقة القلب هي العبودية التي لا يسدها أي شيء آخر، إلا أن يكمل عبوديته لله، فكلما ازداد عبودية لله واستحضاراً لعظمة الله في قلبه ازداد قلبه غنىً، وعند ذلك سهل عليه أن يتعامل بهذا الإحسان، بأن يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويحسن إلى من أساء إليه.
فهذه هي الأخلاق العظيمة التي لا بد أن يتخلق بها المؤمن عموماً، والداعي إلى الله خصوصاً، قال تعالى: ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) وهذا من أعظم الترغيب في الإحسان إلى خلق الله، وهو ثمرة الإحسان في عبادة الله ؛ لأن الغني يسهل عليه أن يسامح في حقه، بل ويبذل ويجود، ويعطي إلى من أساء إليه؛ لأنه غني.
وهذا مثل رجل مليونير حصلت بينه وبين الناس مشاجرة على ربع جنيه، فالناس يريدون أخذه منه وهو ملكه، فماذا يعمل؟ يتركه لهم، لأنه عيب أن يتضارب مع الناس من أجل ربع جنيه.
وهكذا هو حقك الدنيوي، فلو كنت غنياً بالله لسهل عليك أن تتنازل عنه، ولا تقل: فلان قصر في حقي، بل أنت لا ترى لنفسك حقاً على الناس أصلاً، لأنهم لو أحسنوا إليك فذلك كرم منهم، وفي الحقيقة إنما يحصل ذلك لمن انشغل بما هو أعلى من ذلك، وإنما يذهل عن التفكير في الحجر والخشبة من انشغل بنظره وقلبه بملك الجوهرة، أما من امتلأ قلبه بحب الله هان عليه كل ما يقصر في حقه، بل هو لا يرى لنفسه حقاً، ولا يخاطب إلا في حق الله .
وهكذا كان هدي رسول الله ﷺ ، فهو ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله، وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله ﷺ .
إذاً: فأعظم ترغيب في خصلة الإسلام هو قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) فالمؤمن يبحث عما يحبه الله ، وهذا هو الذي يجعل قلبه يرتجف توقاً إلى الله ، وتوقاً إلى حبه، وهذا هو الذي يدفع المؤمن أعظم من طلبه الجنة، فهو يطلب أن يحبه الله أعظم من أي شيء، قال تعالى: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)).
стр. 699
محاسبة النفس والاستغفار
ثم صفة أخرى من صفات أهل الإيمان، وهي: محاسبة النفس، والاستغفار، والمراجعة، وعدم إهمال النفس على ما فيها من أمراض.
إن المعاصي والذنوب والفواحش إنما هي دلالات على انحراف في داخل الإنسان أدى إلى ظهور خلل في العمل؛ لأن هناك تلازماً وارتباطاً مثيلاً بين الظاهر والباطن.
ولذلك فالمؤمن دائماً يفتش في نفسه، ويبحث عن أمراضه، ولا يسير في هذه الدنيا تائهاً لا يدري فيما عقل، ولا يدري فيما أطلق، بل دائماً يحاسب نفسه، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ)) فالذكر يؤدي إلى مراجعة النفس في الفواحش، وإلى مراجعة النفس في ظلمها لنفسها، وفي ظلم العبد لنفسه، قال تعالى: ((ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)) وإذا كانت الصلاة ذكراً لله فإنها تذهب السيئات، فلماذا لا تثمر هذه الصلاة عند أكثرنا إن لم يكن عندنا جميعاً هذا الأثر؟! لأنها خلت من ذكر الله، والذكر هو: حضور المذكور في قلب الذاكر، ثم التعبير عن ذلك باللسان، وليس تحريك اللسان فقط، لذلك فذكر الله يؤدي إلى توبة الإنسان الدائمة، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)).
فلا بد أن تراجع نفسك وتحاسبها، وتفتش عن أمراضها وتبادر بعلاجها، ولا تترك الأمراض تستشري فتقع في أنواع المفاسد والبلايا وتسلط العدو، لأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين هذه المعاني وبين الهزيمة من الأعداء، لذا كانت هذه الآيات في أثناء سياق غزوة أحد، فمن الأهمية بمكان أن ننتبه لهذا المعنى، وهذه الصفات والمعاني عندما توجد فينا عندها ننتصر على عدونا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فهو يعلم صفات ربه ، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو ، وأنه يأخذ بالذنب؛ وهذا يدفعه إلى الاستغفار والتوبة إلى الله ، والاستغفار إذا أطلق فالمقصود به المقترن بالتوبة؛ لأن الاستغفار بغير توبة ناقص، وإذا وجد استغفار باللسان مع استهتار القلب بالذنب فهذا ذنب يضاف إلى ذنبه، كما قال بعض السلف: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
وقال بعضهم: المستغفر وهو مصر على ذنبه كالمستهزئ بربه.
وهذا كمثل إنسان تقول له: اتق الله ودع هذا الفعل المحرم، فيتناوله ويقول لك: سوف نستغفر الله، فهو يرى أنه قد أدى حق الله عليه وزيادة؛ لأنه قال: سوف أستغفر الله، وهذا حال الجاهل الذي يمن بالقبيح والناقص، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] فهو إسلام ظاهر بلا إيمان باطن ويمنون به! وأهل الإيمان الكمل يعرفون كيف يشكرون نعمة الله، ولا يمنون بها أبداً، لكن هذا حال الجاهل الضال، إما لزوال الإيمان أو لنقصه في قلبه، فيرى أنه لو استغفر الله فقد أدى ما عليه وزيادة، ولذلك هذا الاستغفار يحتاج إلى استغفار، لأنه كالمستهزئ بربه .
وكثير منهم يستغفر أثناء ممارسة الذنب، لا على سبيل طلب المغفرة بل على سبيل السخرية ممن يأمره بالاستغفار، فهذا بلا شك استهزاء والعياذ بالله! أما أهل الإيمان فهم يستغفرون الله لذنوبهم، مع اقتران ذلك الاستغفار بالتوبة إلى الله ، ولذا ذكر كل واحد منهما كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٩٠] فالاستغفار لما مضى، والتوبة للعزم والثبات على الطاعة في المستقبل، وعلى ترك المعصية في المستقبل، أو قد يقال: إن التوبة عمل القلب، والاستغفار عمل اللسان، فالاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة: الوقاية من أثر الذنب، فيطلب أن يستره الله فلا يفضحه، ومن ستره الله في الدنيا ولم يفضحه فذلك من علامات إرادة الله بالعبد خيراً في الآخرة، وأن يغفر له ذنوبه.
وهذه الآية فيها ذكر عدم الإصرار، فدل على أن هذا مصطلح شرعي قرآني، فلابد من العزم على ألا يعود إلى الذنب، والله قد نفى عن المؤمنين الإصرار.
وقد ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، وهذا القول عليه أكثر أهل العلم، فالإصرار على الصغيرة يلحقها بالكبيرة؛ لأن الله وصف أهل الإيمان بأنهم لم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون.
والإصرار غير الاستحلال والإباء والتكرار، فكثير من الناس تختلط عليه هذه المصطلحات، لأن بعضها مصطلحات وردت في الكتاب والسنة، وبعضها مصطلحات استعملها أهل العلم كالاستحلال مثلاً، فالاستحلال لفظ استعمله أهل العلم استنباطاً من الكتاب والسنة، وهو: اعتقاد العبد حل الذنب مع بلوغه الحجة، وهذا الاستحلال -حتى ولو لم يفعل الإنسان ذنباً مكفراً- يجعل العبد يخرج من الملة، فإذا استحل ما قامت عليه به الحجة بأن الله حرمه، أو استحل ترك ما بلغته الحجة أن الله أوجبه، فهذا والعياذ بالله كفر.
والإباء مصطلح شرعي، قال : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] وهو: رد الحق ورفض الانقياد القلبي له والعياذ بالله! فهو يرده ولا يقبله، ولا يخضع لأمر الله ، فهو قد علم أمر الله ولكنه لا يقبل أن ينقاد له، فهو ليس عنده قبول وانقياد باطن، وهذا مثله كمثل إبليس الذي قد علم أن الله أمره بالسجود لآدم، كما في قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢]، فهو يعلم أن الله قد كرم آدم عليه، وأمره بالسجود له، ومع ذلك ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر:٣٣]، فرفض شرع الله وأمره، وما أكثر من يرى أن أمر الله لا يلزمه حتى ولو علمه! فالإباء يكون مع علم القلب، والاستحلال يكون مع زوال علم القلب، أي: أنه لا يصدق أن الله حرم كذا، أو أوجب كذا، مع قيام الحجة عليه، وإعراضه كان هو سبب استحلاله للحرام، أو استحلاله لترك الواجب الذي قد بلغته حجة وجوبه، فهذا يزول معه علم القلب وتصديقه بأن الله أوجب كذا أو حرم كذا، أما الإباء فيكون معه علم بأن الله أوجب، وأن الله حرم، ثم يرى أن أمر الله لا يلزمه نعوذ بالله من ذلك، كإبليس وغيره من الرافضين لشرع الله ، الآبين المستكبرين، والاستحلال والإباء كفر والعياذ بالله.
أما الإصرار فليس بكفر إذا لم يكن الذنب مكفراً، فهو ليس له علاقة بالكفر ابتداءً، لكن يزيد في العقوبة، وليس هو الذي يجعل الذنب مكفراً، والإصرار معناه: العزم على ألا يتوب، وهذا الإصرار يعرفه الإنسان من نفسه أولاً، بأن يعزم أن يرجع إلى الذنب متى ما قدر عليه حتى ولو كان لا يباشره الآن، بل ربما لم يفعله من قبل، ولكنه عازم عليه، فهو كالحريص على قتل صاحبه، فهو في النار عقوبة له على عزمه الأكيد، وأخذه بالأسباب التي يقدر عليها في قتل أخيه، ولذلك يعاقب معاقبة القاتل وكأنه قتل، وإن كان ربما أقل منه في الدرجة، إلا أنه معه في النار والعياذ بالله، وكأصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، فهذا إصرار على معصية؛ لأنه عزم عزماً أكيداً، ولا يحدث نفسه بالتوبة والرجوع إلى الله .
والإصرار يجعل المصر الذي تقول له: تب إلى الله، فيقول: أنا لا أستطيع أن أمتنع عن الذنب، وسوف أظل على هذا الذنب، وأنا عاجز عن التخلص منه، وهو ليس بعاجز، فهو قادر على أن يتوب ويقلع عما هو فيه؛ لأنه مكلف به، أو يقول: لن أتوب الآن، وحتى ولو قال: إلى أن أموت، فهذا ليس بكافر، خلافاً لأهل البدع الذين قالوا: من عزم في قلبه على أن يظل مصراً على الذنب إلى أن يموت فهو كافر والعياذ بالله، ومخلد في النار، وهذه من ضلالات المعتزلة والخوارج وأشباههم ممن سار على طريقتهم.
وقد يكون إصراره مع تكرار الذنب، وقد يكون مع عدم تكراره، فالذي يعزم أن يعود إلى الذنب فإنه مهما أمكنه ذلك ولو كان الآن مقلعاً عنه فهو مصر.
ومن تكرر منه الذنب وهو عازم على أن يعود فهو مصر، لكن إن تكرر منه الذنب وهو يتوب بين الذنب والآخر، فهذا متكرر منه الذنب، فهذا ليس بمصر طالما أنه يجدد التوبة إلى الله .
والدليل على عدم تكفير المصر على المعصية ولو كانت كبيرة إلا أن تكون كفراً قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فعلَّق المغفرة فيما دون الشرك على المشيئة.
ولو كان الأمر متعلقاً بالإصرار وعدم التوبة لما كان التائب من الشرك مغفوراً له، لو قلنا: إن معنى الآية ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) أي: لمن تاب، ولكان معنى الآية: إن الشرك لا يغفر نهائياً ولو تاب؛ لأنه قسم إلى: شرك وما دون ذلك، إذاً: الشرك لا يغفر، وما دون ذلك يغفر الله لمن يشاء.
وعلى هذا فالتعليق على المشيئة في قوله: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) هل هي في التائب أو في غير التائب؟ في غير التائب، والآية نص في الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون المصر على السيئة، وهذا هو الفرق بين أهل السنة وبين المبتدعة من الخوارج والمعتزلة، إذ أن الخلاف ليس فقط في ارتكاب الذنب، وإنما الخلاف والنزاع فيمن مات مصراً، وإلا فإن الخوارج يقولون: إن التائب من الذنب والكبيرة مسلم وقد يغفر له، والمعتزلة يقولون ذلك، فلا أحد يشك في التائب، وإنما المنازعة فيمن مات مصراً، ولذلك فإن هناك فرقاًَ بين الإصرار وبين الاستحلال؛ لأن البعض يحصل عنده خلط في ذلك، فيرى أن الذي تقول له: تب إلى الله، ويقول لك: لا، لن أتوب الآن، فأنا لا أقدر على ترك الذنب، وأنا مستمر على ما أنا عليه، ودعك مني أجعلت علي رقيباً؟! فيتجرأ ليكفره فيقع في الضلال، الذي هو شر من ضلال الإصرار على الذنب، فإن البدعة شر والعياذ
стр. 700
أهمية العمل الصالح
قوله : ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦] فيها دليل على أهمية العمل وأنه من الإيمان، وأنه ، يرفع منازل العباد في الجنة بأعمالهم، قال تعالى: ((وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)).
قوله : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧] قال الإمام ابن كثير ﵀: يقول تعالى مخاطباً عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون: ((قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ)) أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين.
ولهذا قال تعالى: ((فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)).
ثم قال تعالى: ((هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ)) أي: أن القرآن فيه بيان الأمور وتجليتها، وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم.
قوله تعالى: ((وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ)) أي: أن القرآن فيه خبر من قبلكم، وهدى لقلوبكم.
قوله: ((وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)) أي: زاجر عن المحارم والمآثم.
стр. 701
تسلية الله للمؤمنين في الآيات
ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين: ((وَلا تَهِنُوا)) أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى.
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتلت منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم مثل ذلك كما حصل يوم بدر، فقد قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠] قال ابن عباس: (ليعلم) أي: لنرى وليبين أنه ليس علماً مستأنفاً جديداً لم يكن معلوماً من قبل، بل هذا علم مشاهدة بعد أن كان علم غيب، والله عالم الغيب والشهادة، يعلم ما في غد، فإذا وقع وشهده واقعاً علمه واقعاً، لهذا قال ابن عباس في مثل هذه الآيات: لنرى من يصبر على منازلة الأعداء.
قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: يقتلون في سبيلي، ويبذلون مهجهم في مرضاتي.
قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما هو فيهم.
قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] أي: إنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، نسأل الله أن يمحق الكافرين.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
فلهذا قال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيلي، والصابرين على مقاومة الأعداء.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] أي: قد كنتم أيها المؤمنون! قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتتحرقون عليهم، وتودون أن لو تنالوا منهم، فقد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا واصبروا.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).
فلهذا قال تعالى: ((فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)) أي: الموت، وشاهدتموه وقت لمعان السيوف، وحد الأسنة، واختلاس الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، يتخيل الموت أمامه! وهو: مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيل الشاة صداقة الكلب وعداوة الذئب، أي: تحس بها وتدركها بهذا النوع من التخييل.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 702
وقفات مع قصة يوسف ﵇
إن قصة يوسف ﵇ من أعظم القصص التي ذكرها الله في كتابه، وفيها عظات وعبر عظيمة للشباب الذي تواجهه اليوم كثير من أسباب الانحرافات والفتن، وقد واجه نبي الله يوسف الفتن في حالتي السراء والضراء، ولكنه اجتاز هذه الفتن بفضل الله ولجوئه إليه؛ فرفعه الله في الدنيا والآخرة، واصطفاه وجعله ممن يقتدى بهداه.
стр. 703
برهان الله الذي رآه يوسف ﵇
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال الله في قصة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] أي: رأى علامة على لزوم ترك هذا الأمر، وقد قيلت أقوال كثيرة في بيان هذا البرهان، وكلها لا دليل عليها، والصحيح: أن نطلق البرهان كما أطلقه القرآن.
فقد قيل: رأى آيات من القرآن مكتوبة على الجدار، ولعلها معاني بعض آيات القرآن مما كان موجوداً في الكتب السابقة.
وقيل: إنه رأى يعقوب عاضاً على إصبعه.
وقيل إنه قرأ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢].
والظاهر -والله أعلم- أنه رأى علامة بينة -يعني أراه الله برهاناً ربه من عنده ، ولم يكن البرهان ظاهراً لمن عنده، وليس المراد بربه هنا العزيز، بل الله سبحانه، أي: رأى دليلاً وعلامة من عند الله .
стр. 704
سجن الظالمين أهون من سجن الهوى
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف:٣٥] ليس للنساء فقط بل للكل، للنساء وأزواجهن والملأ، ﴿بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ﴾ [يوسف:٣٥] أي: علموا براءة يوسف عندما رأوا قميصه قد من دبر، وعرفوا تماماً أنه بريء، ومع ذلك رأوا أن إسكات القضية تكون بسجن يوسف، وذلك حفاظاً على سمعة امرأة العزيز، وقد أقنعتهم بكيدها ومكرها أن يسجن يوسف حتى تنفذ تهديدها له، بقولها: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]، ويوسف ﵇ لو استجاب لها لكان في سجن الهوى وهو أشد، ولصار من الصاغرين فعلاً، ولو استجاب لها لصار هناك طابور طويل ينتظر الدور، وليست امرأة العزيز وحدها، وإنما كما قال عنه: ((وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)) يعني: أن البداية ستكون مع امرأة العزيز ثم مع هؤلاء النسوة، وستكون صورة فظيعة غير محتملة لو فعل، لكن الله ثبته، فنسأل الله أن يثبتنا! وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف:٣١] أي: أعظمنه، وهبنه في قلوبهن، فله هالة عجيبة، وهكذا المؤمن الصادق عندما يراه الكفرة صامداً يكون له عندهم قدر من التعظيم.
وكما قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] فقد كانوا يقولون عنه: أمين، فـ أبو سفيان مع كل العداوة التي بينه وبين النبي ﷺ ، عندما سأله هرقل: هل جربتم عليه كذباً؟ قال: لا.
يعني: أنهم يشعرون بعظم منزلته ومكانته.
فالنساء أكبرن يوسف وأعظمنه، فله هيبة وجلال، ولما رآه الملك قال: ((إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)) ومعنى مكين: أي: ذو مكانة، وأمين أي: مستأمن.
стр. 705
كذب إخوة يوسف
ثم قال تعالى عن إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧] وهذا كذب عليه، وهم كذابون في هذه القضية، فسيدنا يوسف لم يسرق قبل ذلك، وفي الأخبار الإسرائيلية قالوا: إنه سرق صنماً لجده أبي أمه فكسره وهو صغير، وقالوا: اتهمته عمته أخت إسحاق -وقد كانت تحبه حباً عظيماً- بسرقة منطقة إسحاق حتى تأخذه لديها، وكانت تحتضنه ولا تريد أن يرجع إلى يعقوب، وهذان الاحتمالان ضعيفان؛ لأنه لا يجوز أن نتهم صهر سيدنا يعقوب بأنه كان يعبد الأصنام.
وأيضاً: فإن عمته بنت نبي وأخت نبي وعمة نبي، فلا يمكن أن نتهمها بالكذب، فتقول: إن يوسف هو الذي سرق المنطقة؛ لكي تأخذه من أبيه، وقد كان في شريعتهم: أن من سرق شيئاً دفع إلى المسروق منه، فقالوا: كانت تريد أن تأخذ يوسف لتحتضنه، فحيلة منها أتت بمنطقة إسحاق التي عندها فلفتها على وسطه لكي تأخذه، ففتشوا من الذي أخذها فوجدوها على يوسف فأخذته إلى أن ماتت.
وهذه الأخبار الإسرائيلية هي أولى بالرد من القبول؛ لأن هذه تهمة لابنة نبي وأخت نبي وعمة نبي، فلا يجوز ذلك عليها، والصواب: أنهم كذبوا في اتهامه بالسرقة كما كذبوا من قبل في قولهم: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف:١٧ - ١٨]، وبسبب الحقد العظيم الذي في قلوبهم كذبوا عليه بعد سنين كثيرة، وما تخلصوا من الحقد إلا لما انكسروا، وأول كلمة ندم بدأت تظهر منهم هي قول كبيرهم: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٠] وهذا هو أول شعور بالتفريط بعد سنين كثيرة، لكن إلى اللحظة الأخيرة كان لا يزال عندهم حقد على يوسف، وتشفوا بأخيهم الثاني، وحتى لو كان فعلاً قد حصل هذا من يوسف فما كان ينبغي لهم أن يظهروا هذا الأمر لعزيز مصر، وهو رجل غريب أجنبي، وكأنهم أرادوا بقولهم ذلك: أن السرقة عريقة فينا، وبعد هذا قالوا: ((فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)) وهذا شيء عجيب جداً!! فالحقد يعمل في الإنسان أشياء سيئة جداً، فكيف يقولون: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧]؟! هذا هو الحقد الدفين.
следующие страницы →