Полный текст (991 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تسلية الله للمؤمنين في الآيات
ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين: ((وَلا تَهِنُوا)) أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى.
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتلت منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم مثل ذلك كما حصل يوم بدر، فقد قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠] قال ابن عباس: (ليعلم) أي: لنرى وليبين أنه ليس علماً مستأنفاً جديداً لم يكن معلوماً من قبل، بل هذا علم مشاهدة بعد أن كان علم غيب، والله عالم الغيب والشهادة، يعلم ما في غد، فإذا وقع وشهده واقعاً علمه واقعاً، لهذا قال ابن عباس في مثل هذه الآيات: لنرى من يصبر على منازلة الأعداء.
قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: يقتلون في سبيلي، ويبذلون مهجهم في مرضاتي.
قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١] أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما هو فيهم.
قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] أي: إنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم، نسأل الله أن يمحق الكافرين.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
فلهذا قال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيلي، والصابرين على مقاومة الأعداء.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] أي: قد كنتم أيها المؤمنون! قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو، وتتحرقون عليهم، وتودون أن لو تنالوا منهم، فقد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا واصبروا.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).
فلهذا قال تعالى: ((فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)) أي: الموت، وشاهدتموه وقت لمعان السيوف، وحد الأسنة، واختلاس الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، يتخيل الموت أمامه! وهو: مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس، كما تتخيل الشاة صداقة الكلب وعداوة الذئب، أي: تحس بها وتدركها بهذا النوع من التخييل.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 702
وقفات مع قصة يوسف ﵇
إن قصة يوسف ﵇ من أعظم القصص التي ذكرها الله في كتابه، وفيها عظات وعبر عظيمة للشباب الذي تواجهه اليوم كثير من أسباب الانحرافات والفتن، وقد واجه نبي الله يوسف الفتن في حالتي السراء والضراء، ولكنه اجتاز هذه الفتن بفضل الله ولجوئه إليه؛ فرفعه الله في الدنيا والآخرة، واصطفاه وجعله ممن يقتدى بهداه.
стр. 703
برهان الله الذي رآه يوسف ﵇
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال الله في قصة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] أي: رأى علامة على لزوم ترك هذا الأمر، وقد قيلت أقوال كثيرة في بيان هذا البرهان، وكلها لا دليل عليها، والصحيح: أن نطلق البرهان كما أطلقه القرآن.
فقد قيل: رأى آيات من القرآن مكتوبة على الجدار، ولعلها معاني بعض آيات القرآن مما كان موجوداً في الكتب السابقة.
وقيل: إنه رأى يعقوب عاضاً على إصبعه.
وقيل إنه قرأ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢].
والظاهر -والله أعلم- أنه رأى علامة بينة -يعني أراه الله برهاناً ربه من عنده ، ولم يكن البرهان ظاهراً لمن عنده، وليس المراد بربه هنا العزيز، بل الله سبحانه، أي: رأى دليلاً وعلامة من عند الله .
стр. 704
سجن الظالمين أهون من سجن الهوى
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ [يوسف:٣٥] ليس للنساء فقط بل للكل، للنساء وأزواجهن والملأ، ﴿بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ﴾ [يوسف:٣٥] أي: علموا براءة يوسف عندما رأوا قميصه قد من دبر، وعرفوا تماماً أنه بريء، ومع ذلك رأوا أن إسكات القضية تكون بسجن يوسف، وذلك حفاظاً على سمعة امرأة العزيز، وقد أقنعتهم بكيدها ومكرها أن يسجن يوسف حتى تنفذ تهديدها له، بقولها: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]، ويوسف ﵇ لو استجاب لها لكان في سجن الهوى وهو أشد، ولصار من الصاغرين فعلاً، ولو استجاب لها لصار هناك طابور طويل ينتظر الدور، وليست امرأة العزيز وحدها، وإنما كما قال عنه: ((وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ)) يعني: أن البداية ستكون مع امرأة العزيز ثم مع هؤلاء النسوة، وستكون صورة فظيعة غير محتملة لو فعل، لكن الله ثبته، فنسأل الله أن يثبتنا! وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف:٣١] أي: أعظمنه، وهبنه في قلوبهن، فله هالة عجيبة، وهكذا المؤمن الصادق عندما يراه الكفرة صامداً يكون له عندهم قدر من التعظيم.
وكما قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] فقد كانوا يقولون عنه: أمين، فـ أبو سفيان مع كل العداوة التي بينه وبين النبي ﷺ ، عندما سأله هرقل: هل جربتم عليه كذباً؟ قال: لا.
يعني: أنهم يشعرون بعظم منزلته ومكانته.
فالنساء أكبرن يوسف وأعظمنه، فله هيبة وجلال، ولما رآه الملك قال: ((إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)) ومعنى مكين: أي: ذو مكانة، وأمين أي: مستأمن.
стр. 705
كذب إخوة يوسف
ثم قال تعالى عن إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧] وهذا كذب عليه، وهم كذابون في هذه القضية، فسيدنا يوسف لم يسرق قبل ذلك، وفي الأخبار الإسرائيلية قالوا: إنه سرق صنماً لجده أبي أمه فكسره وهو صغير، وقالوا: اتهمته عمته أخت إسحاق -وقد كانت تحبه حباً عظيماً- بسرقة منطقة إسحاق حتى تأخذه لديها، وكانت تحتضنه ولا تريد أن يرجع إلى يعقوب، وهذان الاحتمالان ضعيفان؛ لأنه لا يجوز أن نتهم صهر سيدنا يعقوب بأنه كان يعبد الأصنام.
وأيضاً: فإن عمته بنت نبي وأخت نبي وعمة نبي، فلا يمكن أن نتهمها بالكذب، فتقول: إن يوسف هو الذي سرق المنطقة؛ لكي تأخذه من أبيه، وقد كان في شريعتهم: أن من سرق شيئاً دفع إلى المسروق منه، فقالوا: كانت تريد أن تأخذ يوسف لتحتضنه، فحيلة منها أتت بمنطقة إسحاق التي عندها فلفتها على وسطه لكي تأخذه، ففتشوا من الذي أخذها فوجدوها على يوسف فأخذته إلى أن ماتت.
وهذه الأخبار الإسرائيلية هي أولى بالرد من القبول؛ لأن هذه تهمة لابنة نبي وأخت نبي وعمة نبي، فلا يجوز ذلك عليها، والصواب: أنهم كذبوا في اتهامه بالسرقة كما كذبوا من قبل في قولهم: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف:١٧ - ١٨]، وبسبب الحقد العظيم الذي في قلوبهم كذبوا عليه بعد سنين كثيرة، وما تخلصوا من الحقد إلا لما انكسروا، وأول كلمة ندم بدأت تظهر منهم هي قول كبيرهم: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٠] وهذا هو أول شعور بالتفريط بعد سنين كثيرة، لكن إلى اللحظة الأخيرة كان لا يزال عندهم حقد على يوسف، وتشفوا بأخيهم الثاني، وحتى لو كان فعلاً قد حصل هذا من يوسف فما كان ينبغي لهم أن يظهروا هذا الأمر لعزيز مصر، وهو رجل غريب أجنبي، وكأنهم أرادوا بقولهم ذلك: أن السرقة عريقة فينا، وبعد هذا قالوا: ((فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ)) وهذا شيء عجيب جداً!! فالحقد يعمل في الإنسان أشياء سيئة جداً، فكيف يقولون: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧]؟! هذا هو الحقد الدفين.
стр. 706
كرم يوسف ﵇
انظر إلى كرم سيدنا يوسف ﵇ حيث سمع منهم كلمة تسيء إليه وهو قادر أن يعمل فيهم ما يشاء، ولكنه أسرها في نفسه ولم يعمل معهم شيئاً! ومن أول الوقت الذي رآهم فيه كان يستطيع أن يأمر بسجنهم فيسجنوا، أو بضربهم فيضربوا، بل لو أمر بقتلهم لقتلوا، ومع ذلك لم يعمل شيئاً من هذا، وغاية ما كان منه أنه قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩]، فكل ما عمل بهم أنه عاتبهم بهذه الكلمة فقط، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، فقد سئل النبي ﷺ : من أكرم الناس؟ فقال: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، نبي الله يوسف بن نبي الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم).
والله! إن هذا شرف عظيم، وهو أن يكون أكرم الناس نسباً ﵇، وأنه تربى في بيت النبوة، وكرم يوسف ﵊ تجده من أول كلمة في القصة، وفي أدبه مع أبيه، فانظر وقارن بين أدب يوسف وإخوته؛ لأن بعض الناس يقولون: إن يعقوب ﵇ فاضل بين أولاده، ولأجل ذلك وقع منهم ما وقع، وهذه كلمة خاطئة؛ فسيدنا يعقوب ما فاضل المفاضلة المذمومة.
وقول النبي ﷺ : (اعدلوا بين أولادكم) أي: في العطاء، فواجب الأب والأم عندما يعطيان الأولاد أن يعدلا في العطاء المادي، أما في الحب فهذا مبني على الصفات، فمن أدب يوسف أنه قال: يا أبت! فهذا أدب عظيم، فكلمة (أبت) فيها الأدب والاحترام والرقة، والكسرة التي في التاء في كلمة (أبت) فيها انكسار وخضوع، يقول الله جل وعلا: ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ))، فالمسألة فيها خضوع، و (يا أبت) تختلف عن (يا أبي) مع أن (أبي) كلمة جميلة، لكن أبت فيها رقة أكثر، فكان بين يوسف أبيه ود واحترام عظيم، وفي نفس الوقت إخوة يوسف يقولون عن أبيهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ففيها سوء أدبهم مع أبيهم، وهو نبي الله، وهم لا يُعذرون بالجهل، فاتهموا أباهم وهو نبي ابن نبي ابن نبي بأنه في ضلال مبين، وهم يعرفون ما يجوز إطلاقه على الأنبياء وما لا يجوز، وقالوا مرة أخرى: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] ويحلفون جازمين بذلك، فانظر إلى هذه الكلمات الفظيعة والعياذ بالله! فمقياس التفضيل هو: الصفات الطيبة، كالتعليم والكرم والإحسان، فسيدنا يوسف أي إنسان يراه يهابه ويقدره، فالملك لما كلمه ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] وهو في تلك الرفعة.
وصاحبه في السجن يقول: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦]، وصاحباه في السجن بمجرد ما دخلا السجن قالا له: ((إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)).
وإخوته وهم لا يعرفونه قالوا له: ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨]، فسيدنا يوسف كرمه بائن جداً، فهو كريم فعلاً، والكرم هذا قد ظهر منه ظهوراً بيناً، فصفات النجابة ظاهرة عليه؛ ولذلك أحبه يعقوب، عندما تقرأ القصة ستحب يوسف وتبغض إخوته قطعاً، فتخيل ما مدى حب أبيه له! فعندما استأذنوه أن يخرج معهم ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف:١٣]، فيشق عليه مفارقته مدة قصيرة من النهار، ولكن لحاجته إلى اللعب أذن لهم؛ لأنه محتاج أن يرتع ويلعب، ولكن كان حزيناً عليه في هذه المدة، ثم يأتيه الخبر أنه: أكله الذئب، يعني: لن تراه بعد الآن، فبقي عدة سنين وهو متألم لفقد يوسف ﵇، فحبه ما زال في قلبه.
وانظر خداع إخوة يوسف حين قالوا: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف:٩]، والأمر بالعكس، فعندما يؤذوا يوسف لن يخلوا لهم وجه أبيهم، وإنما سيزداد حباً له وبغضاً لهم، وهكذا الشيطان يزين المنكر، ويصور للعاصي أنه سيحصل على أعظم المكاسب، ولكن الحقيقة على العكس، مثل إخوة يوسف، فلم يخل لهم وجه أبيهم، بل ظل يعقوب على حبه ليوسف رغم أنوفهم.
ثم شمَّ ريحة يوسف ﵇ على مسافة مئات الكيلومترات؛ لأنهم خرجوا من مصر وهو في فلسطين، قال الله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٩٤] فبمجرد خروج العير من مصر وانفصالها منها؛ شم رائحة يوسف، فجاءوا بقميصه وبخبر الفرج، فلما شم ريحة يوسف رد الله له بها بصره.
فحب يعقوب ﵇ ليوسف كان له ما يبرره قطعاً بلا شك، فهو الذي نشأه ورباه وعلمه، وهو يعلم أن الله سيصطفيه، ويعلم أن الله سيجعله نبياً، فيعقوب ﵇ وضع الأشياء في مواضعها، وأحب يوسف؛ لأنه ينبغي أن يحب، ولم يحب إخوته مثله؛ لكونهم ليس فيهم الصفات التي في يوسف ﵇، بل اجتمعت فيهم خصال المنافقين، كما في الحديث: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان) فاكتملت هذه الصفات فيهم، وهذه القصة من ضمن الأدلة على أن النفاق أكبر وأصغر؛ لأن هؤلاء اجتمعت فيهم هذه الصفات ولم يكفروا.
стр. 707
معنى قولهم: (هذه بضاعتنا ردت إلينا)
وقوله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: ﴿مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يوسف:٦٥] يعني: ما نريد بعد هذا؟! فبضاعتنا ردت إلينا من رجل يكرمنا كرماً بالغاً، فهم يتوسلون إليه بإحسان عزيز مصر أي: هو رجل محسن قد أحسن إلينا وضيفنا، وفي نفس الوقت رد إلينا البضاعة، يعني: أعطانا المتاع من غير ثمن، إذاً: فهو يريد أن يحسن إلينا حتى نزداد إحساناً، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف:٦٥]، وهذا البعير ينفعنا كثيراً.
стр. 708
أم يوسف
أم يوسف ﵇ مذكورة في قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [يوسف:٩٩]، وعندما ذكر أنه رأى الشمس والقمر والكواكب ساجدين له، كان تأويل الرؤيا أن الشمس أبوه، والقمر أمه، ولم تذكر القصة تفاصيل خبر أمه مثل أبيه؛ لأن دور سيدنا يعقوب في تربية يوسف ﵇ وتوجيهه أعظم بكثير.
стр. 709
نسخ جواز سجود التكريم في الإسلام
سجود يعقوب وأم يوسف وإخوته له هو سجود تكريم، وقد كان ذلك مشروعاً في الشرائع السابقة بلاشك، وآدم ﵇ سجدت له الملائكة سجود تكريم وهو عبادة لله، فسجود التكريم كان مشروعاً في الأمم السابقة، ونسخ في الإسلام، قال النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ولكن لم يكن ليفعل ذلك ﵊.
стр. 710
اهتمام القرآن بالعبر والمعاني العظيمة في القصص دون التفاصيل
هذه السورة هي معجزة فعلاً؛ لأنها أولاً تنبه الإنسان، وهي موافقة لصفات أهل الكهف في الجملة لا في التفصيل، لكن الذي يقارن بين القصتين يجد أن مضمونهما واحد، ولكن تجد تفاوتاً هائلاً في المعاني التي ترشد إليها هذه السورة، من معاني التوحيد والإيمان، فلا يوجد موضع إلا وهو مرتبط بالعقيدة، بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وآثار هذه الأسماء والصفات، ويبين ويكشف تماماً شخصيات الأنبياء والصفات العظيمة التي فيهم، فيعقوب ﵇ في صبره وحلمه واحتسابه واستعانته وتعلقه وعلمه به ، ورجائه فضله سبحانه، وعدم يأسه من رحمته يضرب أروع الأمثلة في الإيمان بالله ورجائه، ويوسف ﵇ في العفو والصفح والكرم والجود والحلم والصبر والاحتساب، وهذه الصفات تجد الكلام عنها في قصة أهل الكهف، ولا يمكن أن تتوفر في إنسان عادي.
وعندما تقارن القرآن بكتب اليهود والنصارى تجد أن هناك بوناً شاسعاً، فنجد القرآن لا يهتم بتفاصيل؛ لأنها لا تهم المسلم، لكن بني إسرائيل دائماً يُسهبون في كل القصص، فهم أتوا بقولين في امرأة العزيز: القول الأول: أن يوسف ﵇ تزوجها فوجدها عذراء، فقالت: إن زوجي كان رجلاً لا يأتي النساء، وكنت امرأً جميلاً؛ فاعذرني، فولدت له إسرائيل بن يوسف، قالوا: وهو والد يوشع بن نون.
القول الثاني: أنها وقفت على الطريق سائلة، فقال: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، وجعل العبيد ملوكاً بطاعته، والله أعلم.
لكن القرآن أهمل مثل هذه الأقوال؛ لأنها لا تفيد، وبلا شك فإن الله أعلم بالذي حصل لها، لكن الله سكت عن ذكرها حتى ننشغل بما هو أعظم وأهم.
وكذلك قضية الأسماء، فقالوا: امرأة العزيز اسمها زليخا، ولم يرد ذكر هذا الاسم في القرآن.
ويطيل أهل الكتاب في ذكر قصة لحظة اجتماع يوسف بامرأة العزيز ويأتون بأشياء وادعاءات تسيء إلى يوسف ﵇، فهم مغرمون بتهمة الأنبياء؛ لكي يبرروا لأنفسهم الفظائع التي يعملونها؛ فإذا كان الأنبياء عندهم زناة وشراب خمرة، وفعلوا الأفاعيل، وقتلوا ظلماً وعدواناً؛ فلا مانع عندهم من ممارسة هذه الأشياء التي فعلها الأنبياء بزعمهم.
وعندهم أشياء منكرة، لكنك تجد القرآن لا يذكر الأحداث في اللحظات الحساسة، بل قال مثلاً: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا))، فالحديث نفسه وقع في خاطره وزال بسرعة؛ ليثاب، ولكي يكون قدوة للشباب في كل وقت، فقد وجد في نفسه الرغبة ولكنه قاومها، وتركها لله لكي يبقى قدوة لغيره، ولكي لا يظن الناس أن الأنبياء لا يقع في قلوبهم ما يقع في قلوب الناس من الشهوات، فقد كان عنده ما عند الشباب، وكان غريباً ووحيداً، والفاحشة لا تسيء في حق الغريب، فهو ليس من أهل البلد؛ ولذلك تجد الذين يسافرون إلى الخارج يكون من السهل عليهم أن يقعوا في الفواحش؛ لأنهم غرباء، وخصوصاً أنه شاب وأعزب ورقيق، والتي تطلبه هي أولاً سيدته، وثانياً: هيأت الأمر له كما قال سبحانه: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣]، فكأنها تملكه نفسها، فتقول: تهيأت لك، أو تعال إلي، فلفظة (لك) هذه فيها تمليك، وهي سيدته، فهذا امتحان صعب بلا شك.
стр. 711
أدب يوسف وافتقاره إلى الله
امتحن سيدنا يوسف في السراء والضراء، ونجح في كل الامتحانات ﷺ ؛ ليكون قدوة للعالم.
وسبب هذه العصمة هو الإخلاص، فداء العشق وداء الشهوة يعالج بشدة الإخلاص وإرادة وجه الله، فيطرد من القلب إرادة غيره، ففي قراءة قال الله عن يوسف: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، وفي أخرى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وهذا يدلك على أنك بتوفيق الله سوف تعصم، وباللجوء إلى الله يعصمك سبحانه، ويصرف عنك كيد الكائدين، وسيدنا يوسف عمل هذا فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣] أي أن: نفسه ستودي به لكن يا رب! أنت الذي تعصمني وأنت الذي تنجيني: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾، فاتهم نفسه، وشك فيها أيضاً، فافتقر إلى الله، ودعاه أن يصرف عنه إرادة نفسه أن تميل إليهن، وقال: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] فربنا هو الذي يعلمه.
ولذلك نجد سيدنا يوسف في كل المواطن ينسب الفضل إلى الله، ولا ينسبه إلى نفسه أبداً، مثل قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف:١٠١] حتى الدين يفتقر في التوفيق فيه إلى الله ، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
ويقول الله على لسان يوسف: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠] فالرؤيا قد تحققت ولكن من أدب سيدنا يوسف أنه قال: ((قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)).
وكذلك من أدبه أنه لم يقل: وقد خرجت من السجن، وإنما قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠].
وكذلك لم يقل: وجئتم من البدو، وإنما قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف:١٠٠].
وانظروا أدبه: حيث وعد إخوته ولم يخلف الوعد، وعدهم بقوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] فلا لوم ولا عتاب، ولذلك لم يقل: من بعد أن نزغ الشيطان في قلوب إخوتي، ومن بعد أن عمل إخوتي ما عملوا، ومن بعد أن آذوني هذا الأذى، بل قال: ((مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)).
وكل هذه الأشياء من تعليم أبيه بعد تعليم الله ؛ لأن أباه هو الذي قال له: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]، فنسب الفعل إلى الشيطان، وقال له: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦] وكل هذه الألفاظ التي نسب فيها يوسف الفضل إلى الله مليئة بالافتقار.
فهذه الدرجة الأولى من درجات افتقار يوسف إلى الله .
والدرجة الثانية من درجات افتقاره: أنه ﵇ في كل شيء قد نسب الفضل فيه إلى الله، ولم ينسب لنفسه فضلاً أبداً، وأبوه هو الذي علمه ذلك.
فهذه هي التربية الإيمانية العالية، والارتباط بالأسماء والصفات، وقد قال له أبوه في أول القصة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦] وقالها سيدنا يوسف في آخر القصة: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
стр. 712
الأسئلة
стр. 713
جمال يوسف ﵇
السؤال
كيف كان جمال يوسف ﵇؟
الجواب
يوسف ﵇ أجمل إنسان، فقد أعطي نصف الحسن، فلو قسم الجمال بين الناس؛ لكان ليوسف النصف وبقية البشر لهم النصف، إلا سيدنا آدم، فهو أجمل؛ لأنه سواه الله بيده، فيوسف ورث جمال آدم.
стр. 714
سبب تأخير يعقوب للاستغفار لأبنائه
السؤال
لماذا قال يعقوب لأبنائه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف:٩٨] ولم يستغفر لهم في ذلك الوقت؟
الجواب
أخرهم إلى السحر، فقال لهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف:٩٨]؛ لأن السحر وقت إجابة، فهو يريد وقت إجابة الاستغفار؛ رفقاً بهم وشفقة عليهم.
стр. 715
بطلان تفسيرهم عن يوسف بأنه هم أن يضرب امرأة العزيز
السؤال
ما رأيكم في تفسير قوله تعالى: ((وَهَمَّ بِهَا)) أي: هم أن يضربها؟
الجواب
إذا كان كذلك فأين السوء والفحشاء التي صرفها الله عنه، فربنا قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف:٢٤]، وضربها شيء جيد، لكن من أدبه أنه لا يؤذي الرجل الذي أحسن إليه في امرأته بأن يضربها، فهذا الفعل ليس مناسباً، فكيف يضرب التي ربته، وهي زوجة الذي أحسن مثواه، والظلم ليس مناسباً بيوسف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] ومن أعظم أسباب البعد عن الزنا أن يعلم الإنسان أن الزنا ظلم لمجموعة من الناس، وإذا رضيت المرأة التي تزني بها فلا تستطيع أن تتخلص من حقوق الآخرين، وهم: أخوها وأبوها وزوجها وابنها، كل هؤلاء ماذا ستقول لهم؟ فإذا تخلصت من ذنب بينك وبين الله وبقية حقوق المخلوقين ماذا ستفعل فيها يوم القيامة؟ فلأجل هذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣].
ولأجل هذا قال الرسول ﷺ لمريد الزنا: (أترضاه لأمك؟! أترضاه لأختك؟! أترضاه لخالتك؟! قال: لا، فقال النبي ﷺ لا يرتضونه)، فأنت ستؤذي أناساً بالفاحشة، فعندما تفكر في هذا سترتدع عنه؛ لأنك لن تستطيع أن تتخلص من الحقوق.
стр. 716
أم يوسف
السؤال
هناك من يقول: إن أم يوسف ماتت قبل ذهابهم إلى مصر؟
الجواب
قد قيل: إنها خالته، وأمه قد ماتت، لكن هذا الكلام خلاف ظاهر القرآن، فما الذي يجعلنا نقبل الإسرائيليات؟! والقرآن يثبت أن أباه وأمه وإخوته سجدوا له.
стр. 717
يوسف وإخوته ليسوا من أم واحدة
السؤال
هل كان يوسف وإخوته من أم واحدة؟
الجواب
لا، كان يوسف وأخوه من أم، والعشرة الآخرون من أم ثانية.
стр. 718
الأسباط
السؤال
من هم الأسباط؟
الجواب
الأسباط هم: أنبياء بني إسرائيل الذين من نسل الأحد عشر.
فإسرائيل هو يعقوب ﵇، وبنوه الإثنا عشر يوسف وإخوته، وذريتهم كان فيهم أنبياء عبر التاريخ، فأسباط بني إسرائيل هم الأنبياء، وليسوا الأحد عشر أبناء يعقوب ﵇.
стр. 719
سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب
الصراع بين الحق والباطل سنة من سنن الله الكونية، فقد ابتلى الله أهل الحق بأهل الباطل؛ ليمحص أهل الحق وينقيهم، كما أن الله يؤيد أهل الحق بالنصر والغلبة في النهاية، ويقذف في قلوب أعدائهم الرعب وإن كانوا أكثر عدداً وعدة، فعلى أهل الحق الثبات عليه والدفاع عنه، فبقدر ثباتهم على الحق ينزل الله عليهم النصر.
стр. 720
التحذير من طاعة الكفار والمنافقين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال الله : ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥١ - ١٥٥].
فقد نهى الله في هذه الآيات البينات أهل الإيمان عن طاعة الكفار، وبين عاقبة طاعتهم، وأنها تؤدي إلى الردة والانقلاب على الأعقاب والخسران المبين، وبين من أسمائه وصفاته في هذا المقام ما تتعلق به قلوب المؤمنين؛ حتى لا يتكلوا على أنفسهم أو عملهم أو جهادهم، ولكن ليتكلوا على الله ، مولى المؤمنين وخير الناصرين، فهو الذي يتولى شأنهم بالإصلاح، وهو الذي يحفظهم ويعافيهم من طاعة الكفار.
قال ابن كثير ﵀: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تورث الردى -يعني: الهلاك- في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩].
ثم أمرهم بطاعته، وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٥٠].
- ومسألة طاعة الكفار من أخطر الأمور في حياة الناس، وذلك أن الكفر والنفاق والظلم والعدوان لا يتحقق إلا بطاعة طائفة من الناس لرءوس الكفر والنفاق، ولا يستقيم للكفار كيان ولا أمر إلا إذا وجد من يطيعهم، وقد ذكرنا ما ذكره ابن كثير ﵀ في هذه الآية الكريمة: أن الله حذر عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، مع أن المنافقين لم يأت لهم ذكر، ولكن طاعة هؤلاء من أخطر الطاعات؛ لأن هؤلاء المنافقين يتدثرون بدثار الإسلام، ويبثون معاني الكفر والنفاق في المجتمع المسلم، ولذا كان التحذير من طاعة الكفرة والمنافقين متلازم، كما قال : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١].
والآيات في التحذير من طاعة الكفرة ومن متابعتهم كثيرة جداً في القرآن العظيم، منها قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٥ - ٢٨].
فبين سبب ردة هؤلاء الذين سول لهم الشيطان وأملى لهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد:٢٦]، وهم الكفرة والمنافقون الذين يكرهون القرآن ويكرهون الالتزام بالإسلام، ويكرهون ما بعث به النبي ﵊، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد:٢٦] فكيف بمن يطيعهم في الأمر كله؟ فإن طاعتهم في بعض الأمر أدت إلى الردة، ولذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٥ - ٢٦]، وذلك لأن النفاق كان في الزمن الماضي سراً وأصبح اليوم علانية.
قال حذيفة ﵁: (كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ سراً، وأصبح اليوم علانية) فكيف لو رأى حذيفة ﵁ ما يقع في أزماننا من الإعلان بطاعة الكفرة عياناً جهاراً نهاراً بلا خفاء، بل وتأكيد لزوم هذه الطاعة ولزوم هذه التبعية؟ نعوذ بالله من ذلك.
قال : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]، فجزاء هؤلاء الذين يطيعون الكفرة في بعض الأمر أن تتوفاهم الملائكة بالعذاب والعياذ بالله! وقوله: ((يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)) السبب: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ)) فطاعة الكفرة في بعض الأمر تسخط الله، وهم بذلك يقعون في كراهية ما يرضاه الله، وهذا أمر متلازم؛ فإن من أطاع الكفرة فلا بد أن يكره ما يرضي الله، فهم يكرهون مرضاة الله ، يكرهون ما يحبه، ويحبون ما يكرهه بطاعة الكفار في بعض الأمر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، أي: أنه كانت لهم أعمال، وكانوا قد تابعوا الهدى، ثم زال ذلك، وحبط العمل بالنفاق والعياذ بالله! وبالردة التي سببها طاعة الكفار في بعض الأمر، والله إنما أمر بطاعة من يأمر بطاعة الله دون من يأمر بمعصية الله ولو كان مسلماً، فكيف إذا كان كافراً؟!
стр. 721
وجوب طاعة أولي الأمر في غير معصية
قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
فأمر الله بطاعة أولي الأمر، ولكنها طاعة مقيدة بما بينه النبي ﷺ في قوله: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وقال: (لا طاعة لمن عصى الله)، وقال الصديق ﵁ في أول خطبة خطبها بعد وفاة رسول الله ﷺ : (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
فإذا كان الصديق لو أمر بمعصية فلا طاعة له، فكيف بمن دونه؟! فلا طاعة لأحد من أب أو أم أو ولي أو كبير أو عالم أو شيخ أو إمام أو ملك أو رئيس أو صاحب عمل أو أي أحد في معصية الله ؛ لأن ذلك يقدح في أصل عظيم من أصول الإيمان، وهو أن الله أوجب طاعته وطاعة رسله على الخلق جميعاً، فكيف بمن يلزم الناس بخلاف ما أمر الله به؟! فهذا خطر عظيم والعياذ بالله! ولذا كان على المسلم أن يكون منتبهاً لقضية الطاعة والمتابعة.
وقد حذر الله من اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فقال : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩].
وقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣]، فلا بد أن يعرف المسلم لمن تكون طاعته وتبعيته، فيطيع الله ويطيع الرسول ويطيع أولي الأمر من المؤمنين وهم العلماء والأمراء الذين يقودون الناس بكتاب الله، فإن خالفوا ذلك لم تكن لهم طاعة، بل ولا يطاعون إلا إذا كانوا يتبعون ما أنزل الله ، ويتبعون الرسول ﷺ ، كما قال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
وأمر الله إتباع نبيه ﵌، وبين أنه مبلغ عن الله أمره فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
فقضية المتابعة للنبي ﷺ جزء من العقيدة الإسلامية الإيمانية، وقد أمر باتباع سبيل المؤمنين وحذر من اتباع غير سبيل المؤمنين، فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، والمقصود هنا: اتباع الإجماع، وذلك أن المؤمنين إذا كانوا جميعاً على أمر فهذا الأمر هو الحق قطعاً ويجب اتباعه، ويلزم أن يكون الإنسان عليه، فإذا خالفه فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، فيوليه الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيراً.
стр. 722
مراتب طاعة الكفار والمنافقين وشروط الإكراه
وحذر الله المؤمن من طاعة ومتابعة الكفرة والمنافقين والظلمة الآثمين؛ لأن طاعتهم تقود إلى الخسران فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩].
وطاعة هؤلاء وكذا متابعتهم على مراتب وأنواع، فإن طاعتهم في الكفر كفر طالما لم يكن هناك إكراه، وأما المكره فهو مطيع بظاهره كاره عاص للذي أكرهه بباطنه، والله قد وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كما قال : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وأما من يطيع اختياراً في الكفر لأجل دنيا يصيبها أو لأجل مال أو رياسة أو جاه دون إكراه معتبر شرعاً فلا عبرة بإرادته الأولى، وأعني بالإرادة الأولى: ما كان يختاره لو لم يعرض عليه ذلك، فكثير من الناس يعرض عليه الكفر والفسوق والعصيان بثمن بخس من الدنيا فيقول: أنا لا أريد أن أفعل ذلك، ولكن ماذا أصنع والدنيا تحتاج إلى هذه الأمور؟! وماذا أصنع وأنا لا أستطيع أن أكتسب جاهاً أو منزلة أو مالاً أو وظيفة إلا بالكفر والفسوق والعصيان؟ فيكفر دون أن يوجد الإكراه المعتبر شرعاً، والذي ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
وباستقراء أدلة الشرع استنبط العلماء شروطه: وهو أن يكون الإنسان المكره عاجزاً عن التخلص ولو بالفرار، وأن يكون المكرِه قادراً على إيقاع ما يهدد به، فأما إذا كان المكرِه عاجزاً وكان المكرَه قادراً على الرد وعلى أن يمنع نفسه من ذلك فليس بإكراه؛ فإنه منافٍ لأصل الكلمة، وكذا إذا كان قادراً على التخلص من إكراه المكره بالفرار في الأرض، وأرض الله واسعة، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
وهذه الآية نزلت فيمن خرج كارهاً لا مكرهاً من شبان قريش مع قريش لقتال المسلمين في غزوة بدر، وقد نهى النبي ﷺ عن قتل بعضهم لما يعلم من أنهم لا يريدون حربه ابتداءً، ولكن إرضاء العشيرة دفعهم إلى الخروج، وكان منهم العباس عم رسول الله ﷺ ، ومع ذلك قتل بعضهم؛ لأن الأنصار كانوا لا يعرفونهم، وإنما يعرفهم المهاجرون، ولقد كان يرمى أحدهم بالسهم فيُقتل أو يضرب ضربة بالسيف فيُقتل، فقال بعض الصحابة: استغفروا لإخوانكم، فأنزل الله: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ))، وقد بوب عليه البخاري في صحيحه، باب: من كره أن يكثر سواد أهل الظلم والفتن، فجعلها عامة في كل من زعم الاستضعاف وشارك في ظلم وفتنة وفساد في الأرض، حتى ولو وقع ذلك من ناس مسلمين ظالمين، ولذا نهى أبو الأسود الدؤلي رحمه الله تعالى بعض التابعين عن الاشتراك في الجيوش التي تغزو عبد الله بن الزبير في الفتنة التي وقعت، واستدل بما قص ابن عباس من تفسير هذه الآية كما رواه البخاري.
والمقصود: أن المكره إذا كان قادراً على التخلص ولو بالفرار لم يكن مكرهاً، وكذا إذا كان هناك فسحة من الزمن، فلا يكون الإنسان مكرهاً إلا إذا كان الإكراه فورياً وغلب على ظنه أنه يوقع به ذلك، فأما إذا لم يكن فورياً أو لم يغلب على ظنه ذلك لم يكن مكرهاً.
والشرط الرابع في ذلك: ما ذكره الله في كتابه في قوله: ((وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)).
فأما من فعل وطاوع في كفر أو في معصية من غير إكراه فحكمه حكم من فعل، ويلزمه ذلك الحكم، فإن كان كفراً كان كافراً والعياذ بالله! فمن أطاع غيره في الكفر حتى ولو كان لا يريد ذلك ابتداءً وإنما يفعله إرضاءً لغيره أو يفعله كسباً لدنيا فإنه لا يعد مكرهاً بل يكون كافراً.
وأما إذا أطاعه في معصية وليس في كفر فهذا يختلف باختلاف الحال، فإذا كان معتقداً أن أمر الله هو الواجب وأن معصيته محرمة ولكنه أطاعه لنيل شهوة ولم يكن الفعل كفراً كان عاصياً ولم يكن كافراً، وإن كان له نصيب من العبودية لغير الله وقع في الشرك الأصغر؛ لأنه أطاع غيره في معصية الله، وشابه الكفار الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، لكنه إذ لم يبع أصل الدين، وإنما باع جزءاً منه لنيل شهوة، أي: ترك طاعة لله لنيل شهوة فهذا له نصيب من العبودية، فلا يصل إلى الشرك الأكبر؛ لأنه بقي معه أصل الدين فلم يبعه، فلو قيل له مثلاً: اكفر بالله حتى نعطيك من المال كذا أو نعطيك الوظيفة الفلانية أو الرئاسة الفلانية أو نحو ذلك فأبى أن يطيع، فأمروه بالمعصية فقط كأن يظلم مسلماً مثلاً، أو أمروه أن يأكل رباً، أو أمروه أن يفعل فاحشة ففعل لكنه أبى أن يكفر بالله وهو معتقد أنه آثم ومعتقد أنه عاصٍ، ومعتقد أن طاعة الله هي الواجبة وأن معصية الله محرمة؛ فهذا لا يخرج من الملة، ولكنه عبد لذلك الشيء، من الدرهم أو الدينار أو القطيفة أو الخميصة التي ترك من أجلها طاعة الله، وهذه عبودية شرك أصغر لا تخرج صاحبها من الملة وإن كانت عظيمة من العظائم.
وأما إذا أطاع غيره في معصية الله وهو يرى أن له عليه الطاعة ولو خالف أمر الله ، أو يرى أن له الطاعة المطلقة، أو يرى أن لهذا الغير أن يبدل ويغير شرع الله ويعتقد ما قاله لازماً دون لزوم شرع الله ؛ فهذا كافر، وهذا تجده كثيراً فيمن تعود على التبعية وتعود على الطاعة العمياء؛ فإنه يرى أنه لو أمر بمعصية الله فيلزمه أن يطيع، وأنه لا دخل له بذلك، فإنما عليه الطاعة، حيث تربى على ذلك ونشأ عليها، فلو أمروه بأي أمر لفعل، نعوذ بالله من ذلك! فهذا الذي اعتقد لزوم طاعة غير الله في معصية الله واستحل مخالفة شرع الله في هذه المعصية قد استحل المعصية، وهذا -والعياذ بالله- أيضاً يكون كافراً.
أما إذا رأى طاعته الطاعة المطلقة التامة في أي أمر ابتداءً، فيرى أنه لو أمره بالكفر لكفر دون أن يأمره ذلك الآمر بالكفر فإنه يكون كافراً، وهذا في الطاعة المطلقة التامة؛ لأنها تتضمن الأمر بالكفر -والعياذ بالله- ويدخل فيها ذلك فيكون كفراً.
إذاً: فطاعة الذين كفروا بمخالفة شرع الله على أقسام: منها ما يكون طاعة مطلقة، ومنها ما يكون طاعة تفصيلية.
فالطاعة المطلقة: تقتضي طاعتهم ومتابعتهم في أبعاض وأجزاء ما هم عليه، وذلك متضمن للكفر، ومن يرى أن عليه أن يطيع ولو أمر بالكفر فهو -والعياذ بالله- عبد لمن أطاعه، ولا ننتظر فيمن قال ذلك أو اعتقده أن يأتي بأمر كفري لننظر في شأنه، بل من صرح بشيء فإننا نحكم عليه به؛ لأننا لا نعرف ما في باطنه إلا بأن يقول ويصرح، ولكن نقول فيما هو الحكم عند الله : إذا اعتقد أنه يطيع الكفار طاعة مطلقة ولو أمروه بالكفر لكفر فإن هذا كافر، وهناك طائفة من الناس تربت على ذلك تربية من صغرها ومن أول نشأتها، فربي أحدهم على أن يطيع ولو أمر بالكفر، ولو أمر بالسجود لغير الله، ولو أمر بقتل الأنبياء، ومنهم من يوطن نفسه على ذلك، وبعضهم قد يتكلم بذلك ويصرح به ويقول: لو أمرونا أن نحارب الأنبياء لحاربناهم!! ولو وقف في وجههم النبي لكان واجباً علينا أن نطيعهم دون أن نطيع النبي!! وهم يصرحون بذلك، واليهود لا يأمرون بذلك فضلاً عمن دونهم، لكن هذا الذي اعتقد ذلك وتربى عليه قد خرج من الملة؛ لأنه صار عبداً عند الذي أطاعه وعزم على طاعته هذه الطاعة المطلقة، حتى ولو لم يأمره في حياته أمراً ما؛ فإن من الناس من يكون بعيداً عمن لهم الأمر، ولكنه يعتقد في نفسه أنهم لو أمروه بالكفر لكفر، ولو أمروه بالمعصية لعصى، وأنه يطيعهم الطاعة المطلقة؛ فهذا كافر.
وأما الطاعة التفصيلية في أجزاء معينة فهذا الذي ذكرنا فيه التقسيم: فما كان من طاعة في الكفر فهو كفر إذا كان بغير إكراه، وأما إذا كان مكرهاً فهو معذور، وكذا سائر الموانع، فإذا كان بغير قصد أو بغير علم فإنه يبين له الأمر أولاً، فبالنسبة لشخص بعينه فلا بد أن تستوفى الشروط وتنتفى الموانع، فطاعتهم في الكفر كفر، وطاعتهم في المعصية مع اعتقاد أنها معصية معصية، وأما مع اعتقاد لزوم طاعتهم دون طاعة الله وطاعة الرسول، أو اعتقاد ما قالوه دون ما قال الله وقال الرسول فهذا من الشرك، وهو الذي ذكره الله عن اليهود والنصارى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١]، قال عدي بن حاتم: إنا لسنا نعبدهم، فقال النبي ﷺ : (ألم يحرموا الحلال ويحللوا الحرام فاتبعتموهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم).
أي: فاتبعتموهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
وهذه قضية مهمة، ولابد من الانتباه لما في هذا الحديث؛ لأن كثيراً من الناس قد لا يحسن فهمه ويظن أن أي طاعة في معصية الله تكون عبادة شركية مخرجة من الملة، فالنبي ﷺ قال: (ألم يحللوا الحرام ويحرموا الحلال فاتبعتموهم؟)، أي: اتبعوهم على التبديل، وعلى التحليل والتحريم، وعلى التشريع، وليس أنه أطاعهم طاعة مع اعتقاد حل ما أحل الله وتحريم ما حرمه.
فمثلاً: هناك من يقول: إن الزنا أمر لا بأس به، وإنه حرية شخصية.
وهناك من يرد عليه ويقول: بل الزنا حرام حرمه الله ، ولكنه يزني، وإذا قال له: تعال نزني بعد أن قال له: الزنا حرام، فسيذهب ويزني ويفعل ما حرم الله ، فهذا ليس بكافر؛ لأنه رد عليه تحليله وتحريمه ولم يتابعه على التحليل والتحريم، وإنما تابعه في الفعل المحرم.
ومن الناس من يكون بعيداً عن هذا، ولا يكلف ذلك، ومع
стр. 723
الحذر من التشبه بالكفرة والمنافقين والفاسقين
وكذا من متابعتهم: التشبه بهم، كما قال النبي ﵌: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).
فهو يشمل ما ذكرنا في الطاعة، ففيه التشبه المطلق: وذلك بأن يتشبه الإنسان بهم في كل شيء حتى في كفرهم، فلو أنكروا الأديان أنكر الأديان، ولو أنكروا التوحيد أنكر التوحيد، ولو أنكروا التشريع أنكر التشريع، فيتابعهم ويرى أن ما قالوه لابد أن يؤخذ به جملة، كما يقول دعاة كثيرون في المشارق والمغارب: إن الحضارة الغربية لا يصلح أن نأخذ منها جزء التكنولوجيا والعلم الحديث دون أن نأخذ الأفكار والمبادئ والفنون والآداب، بل لابد أن نأخذها برمتها، ولا نقول: إن هذا يوافق الدين وهذا يخالفه، بل اتركوا الدين جانباً!! وهذه الكلمة لوحدها تنقل عن الملة والعياذ بالله، أعني كلمة: اتركوا الدين جانباً، فكيف يجعل المسلم دينه جانباً ولا يلتزم به في أمر من الأمور؟! فيرون أنه يستحيل أن نأخذ الطب الحديث والهندسة الحديثة والعلوم الحديثة ونحو ذلك دون أن نأخذ الفسق والفجور وإباحة المحرمات التي حرمها الله .
فالتشبه المطلق هو مثل الطاعة المطلقة في تضمنها لأجزاء من الكفر؛ وقد وجدنا أناساً من هؤلاء -والعياذ بالله- يصرحون كثيراً في كتاباتهم وأحاديثهم بالطعن في القرآن، والطعن في الرسول ﵊، وترديد شبهات الكفرة حول القرآن من أنه ألفه الرسول ﷺ ، وأن فيه أخطاء في كذا وكذا!! وتجد هؤلاء معظمين جداً عند القوم، وخاصة في بلاد الغرب، فإنهم يعظمونهم جداً ويقولون: هؤلاء دعاة حرية، وهؤلاء دعاة المدنية، وهؤلاء دعاة التطور، ونحو ذلك، بل ويُعطون الجوائز الغالية والثمينة على سبهم للقرآن وعلى طعنهم في الرسول ﵊ فضلاً عن الطعن في الصحابة ﵃ والطعن في معاني الإسلام كلها، بل طعنهم في الأنبياء جميعاً، ومع ذلك ما زالوا يعظمونهم أعظم وأكبر تعظيم والعياذ بالله! فهم يسخرون من الأنبياء جميعاً، بل من ذات الرب ، ويعلمون أنهم ما أخذوا الجوائز الثمينة عندهم الحقيرة الدنيئة عند أهل الإسلام إلا لأجل أنهم طعنوا في الله وطعنوا في رسله الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويقومون بالمدح والتفخيم والتبجيل لشخصيات لا يمكن الاقتراب منها، نسأل الله العافية.
فهذا كله من التشبه المطلق، وهو مثل الطاعة المطلقة.
وأما التشبه الجزئي فهو أيضاً كالطاعة التفصيلية، فالتشبه في بعض ما هم عليه ينظر فيه، فإن كان كفراً أو شعاراً عن الكفر كان التشبه بهم في ذلك كذلك، وإن كان في معصية كان معصية بشرط اعتقاد أنه معصية.
وأما إذا تشبه بهم معتقداً صحة ما فعلوه دون ما شرع الله فهذا -والعياذ بالله- يكون من المتابعة الشركية.
وأما إذا فعل شيئاً يفعلونه واتفق أن فعله الطرفان دون أن يكون أحدهما أخذه عن الآخر فليس هذا من التشبه المحرم وإن سمي تشبهاً في بعض الأحوال، لكنه ليس بالتشبه المحرم، كما قال النبي ﷺ : (غيروا الشيب لا تشبهوا باليهود)، فهذا الأمر يقع فينا بغير اختيار منا، فالإنسان لا يختار أن يشيب وإنما يشيب هو ويشيب غيره، فأنا لم أقع في التشبه قاصداً، وإنما وقع في هو، فإذا تركت التغيير سمي هذا تشبهاً، لكن لا يكون تشبهاً محرماً، فلذلك كان هذا النهي ليس للتحريم، فقوله: (لا تشبهوا باليهود) أي: في ترك تغيير الشيب، فيستحب أن يغير الشيب، ولكن لا يحرم أن يتركه، ولذا ترك النبي ﷺ بعض شعرات في وجهه ﵊، ولكنه أمر بتغييره استحباباً.
وأما الذي كان مأخوذاً عنهم أو فعله لأجل أنهم فعلوه مثل الموضة، فبعض الناس يفعلون الموضة لأجل أن غيرهم فعلها، فالموضة أن الناس يلبسوا هكذا، فيفعلون مثل ما فعل هؤلاء تماماً لأجل أنهم فعلوه، تقول لبعضهم: أنت تربي شعرك تربية غير صحيحة، فيقول لك: هذه موضة، فهذا أشد من التشبه.
وهناك درجة ثانية للتشبه: وهي أن الإنسان يفعل الشيء لا لأجل أنهم فعلوه ولكن لمصلحة في نفسه، فمثلاً: عندهم يوم من الأيام يفرحون فيه كأن يكون عيداً من أعيادهم فيريد أن يلعب في هذا اليوم، لكنه ليس في ذهنه الاعتقاد الفاسد الذي بني عليه ذلك العيد، فهذه درجة من درجات التشبه، وإن كان هذا التشبه أهون من الأول، لكنه داخل في التشبه المحرم، وإن كان يقول: أنا لا أريد ذلك، أنا ليس لي غرض في التشبه بهم، لكن طالما أن هذا الفعل مأخوذ عنهم فهو من التشبه بهم.
وأما إذا كان وقع اتفاقاً كالملابس المشتركة بين المسلمين والكفار فهذا ليس بطاعة ولا بتشبه في الحقيقة، وإن سمي تشبهاً، فتركه هو الأفضل من أجل المخالفة.
وقد تكون المخالفة في فعل شيء مع هذا الشيء، كأمر النبي ﷺ بصيام تاسوعاء مع عاشوراء مخالفة لليهود، وهذا مستحب، ولو صام العاشر فقط لما كان ذلك محرماً عليه، بل يجوز أن يصوم العاشر من محرم فقط ولا يحرم عليه ذلك.
وهكذا الخلاف بين العلماء في صيام يوم السبت فمنهم من يقول: هو حرام، ومنهم من يقول: هو مكروه إذا صامه منفرداً، وإنما تقع المخالفة إذا صام معه الجمعة أو صام معه الأحد، فإذا قرن معه غيره لم يكن ذلك مكروهاً؛ لأنه خالفهم حينئذٍ بعدم موافقتهم.
стр. 724
طاعة الأمة المنتصرة مرض من أمراض الأمة المهزومة
فهذه القضية قضية عظيمة الأهمية، ولذا تكررت في القرآن كثيراً، وهي من أمراض الأمم المهزومة، فطاعة الكفار أو طاعة الأمة المنتصرة من أمراض الأمم المهزومة، ولذا جاء هذا التنبيه بعد قوله : ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] إلى قوله : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٨]، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، فدل ذلك على أن طاعتهم تؤدي إلى الخسران، ودرجات الخسران تكون على حسب درجة الطاعة والمتابعة والتشبه بهم، نسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك.
стр. 725
قذف الله الرعب في قلوب أعدائه ونصره لنبيه وأوليائه
يقول ابن كثير ﵀: ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعداءهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم مع ما ادخره الله لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر)، وبالتخصيص بمسيرة شهر يدل على أنه رعب شديد، فمسافة شهر مسافة طويلة، والمسلمون ضعاف وقلة وبعاد ومع ذلك يخافهم أعداؤهم، فالنبي ﷺ نصر بالرعب مسيرة شهر، وهذه خصوصية له ﵊ بالنسبة للأنبياء قبله، وأمته وارثته، فالأمة تنصر، ورعب أعدائهم منهم يتفاوت بحسب شدة التزامهم بسنة الرسول ﷺ ، فكلما التزموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كلما اشتد رعب أعدائهم منهم، وكلما ابتعدوا عن الالتزام بالسنة كلما هانوا على عدوهم، نسأل الله العافية.
قال النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) وهذا الحديث متفق على صحته.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: (فضلني ربي على الأنبياء - أو قال: على الأمم - بأربع، قال: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحلت لي الغنائم) ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني.
وروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (نصرت بالرعب على العدو) رواه مسلم.
وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت خمساً: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي) لأن من كان قبلنا كانت تأتي نار من السماء تأكل الغنيمة؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها، ثم أحلها الله لهذه الأمة.
ومعنى كون الأرض مسجداً وطهوراً: أنه يتطهر بها بالماء أو التراب، ففي أي مكان في الأرض أدركت الإنسان الصلاة فعنده ما يتطهر به، وكذا عنده مسجد يصلي في أي مكان، بخلاف من كان قبلنا فإنهم كانوا لا يصلون إلا في البيع والكنائس وأماكن العبادة، ولو فاتتهم هذه الأماكن ما استطاعوا أن يصلوا، فالحمد لله الذي جعل الله لنا الصلاة في أي بقعة من الأرض.
قال: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهراً، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سئل شفاعته) أي: سأل الدعوة التي وعده الله أن يجيبها له وأن يشفع لأحد بها، فتعجلوها.
قال: (وإني اختبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئاً) وهذا لكمال شفقته ﵊.
стр. 726
قذف الله الرعب في قلوب المشركين يوم أحد
وقد روى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ((سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)) قال: (قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة).
وهذه من الأعاجيب والبينات الظاهرة، فالكفار مرعوبون من أهل الإسلام حتى في حال انتصارهم، فقد رجع أبو سفيان وهو منتصر إلى مكة مرعوباً، مع أنه لم يكن بينه وبين دخول المدينة شيء، لأن المنافقين خذلوا المسلمين، وارتد كثير ممن حضر الوقعة فاراً إلى المدينة، ولم يثبت مع النبي ﷺ إلا قلة قليلة، والعجب أن أبا سفيان عاد إلى مكة مرعوباً! وهذا الذي تجده في كل مكان يقع فيه صراع بين من تمسك بالكتاب والسنة وبين أعداء الإسلام، فرغم انتصارهم فهم في رعب شديد من أهل الإسلام.
قال: رجع إلى مكة فقال النبي ﷺ : (إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب)، أي: أصاب طرفاً من الذين قتلهم في غزوة أحد.
رواه ابن أبي حاتم.
стр. 727
سبب هزيمة المسلمين يوم أحد
قال تعالى: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)) قال ابن عباس: وعدهم الله النصر.
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]، ففي تفسير هذه الآية قولان: القول الأول: أن هذا الوعد كان يوم بدر، والقول الثاني: أنه كان يوم أحد، وهذا أقرب.
يقول: وقد استدلوا بهذه الآية: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ)) على أن ذلك كان يوم أحد؛ لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار لأهل الإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة عن الاستمرار في القتال تأخر الوعد الذي كان مشروطاً بالثبات والطاعة، ولهذا قال تعالى: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ)) أي: أول النهار.
((إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)) أي: تقتلونهم، والحس: القتل، أي: تقتلونهم بإذنه، وبتسليطه إياكم عليهم.
((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ)) قال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل: الجبن.
((وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ)) كما وقع للرماة.
((مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ)) وهو ظفركم بهم.
((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)) وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة.
((وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ)) أي: ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم.
стр. 728
عفو الله عما حصل من المسلمين يوم أحد
((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك -والله أعلم- لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم، فإن عفو الله لا يكون إلا بتوبة أهل الإيمان، وبما يعلم في قلوبهم من حب الله وحب رسوله ﷺ ، وأن ما وقع منهم من الفرار لم يكن رغبة عن الدين، ولكن عن ذهول حصل لهم من هجوم العدو فجأة.
فالذي سبب العفو عنهم ما علم الله في قلوبهم من الإيمان، والله يغفر للمؤمنين ما لا يغفر لغيرهم.
قال ابن جريج في قوله: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) قال: لن يستأصلكم.
يعني: أن العقوبة نزلت ولم يقع معها استئصال، وهل كان بينهم وبين أن يدخلوا المدينة شيء؟ فجيش قريش كان ثلاثة آلاف قتل منهم نحو العشرة أو أكثر قليلاً بينما تفكك جيش المسلمين، لذا تعجبوا من أنفسهم فقالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم.
أي: لم تأسروا، ولم تسبوا النساء، ولم تأخذوا الغنائم، وهذا شيء عجيب! ولكن الله قدر ذلك عفواً منه عن المؤمنين، فلو عاملنا الله بما نستحقه لاستأصلنا الكفرة، فما هو الذي يمنعهم أن يبيدوا المسلمين؟ وهل يوجد من سلاح يمنع إبادة المسلمين الآن؟ وهل يوجد من كيان يمكن أن يقف في وجوه الكفار فلولا عفو الله لاستأصلونا والله! فنسأل الله أن يعافينا والمسلمين في كل مكان.
وقوله: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) قال ابن جريج: لن يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق، رواهما ابن جرير.
стр. 729
حكاية ابن عباس لتفاصيل معركة أحد
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد يعني: ما نصر الله رسوله ﷺ في موطن كما نصره يوم أحد.
قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله؛ إن الله يقول في يوم أحد: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)) قال ابن عباس: والحس القتل.
قال: ((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)) إلى قوله: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) قال: وإنما عنى بهذا الرماة؛ وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: (احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا) وهذا تشديد وتغليظ في الثبات على ألا يفارقوا أماكنهم.
قال: فلما غنم النبي ﷺ وأبادوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعاً ودخلوا في العسكر ينهبون) ففعلوا هذا مع أن ما وقع في بدر كان قد علمهم أن الغنيمة سوف تقسم على الكل، ولكن كانت هذه عادات الجاهلية، ولذا قالوا: الغنيمة الغنيمة.
وهذا دليل على أنه لا يوجد أحد يظن بنفسه السلامة من الدنيا، فإذا فتحت الدنيا على الإنسان دائماً اشتهاها أكثر، فالذي جعل الرماة يتركون المكان هو أن الدنيا فتحت، والغنيمة موجودة، ولذلك من الخطر العظيم على الإنسان أن تفتح عليه الدنيا.
قال: ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا وشبك بين يديه.
يعني: ارتبكت الصفوف واختل الجيش، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله ﷺ ، فضرب بعضهم بعضاً، والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المهراس -أماكن في جبل أحد- وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق.
أي: بسبب الارتباك، ودائماً تجد في أوقات الشدة أناساً عندهم الاستعداد لقبول أخبار الشر والسوء، وعندهم استعداد للتشاؤم، إلى أن قال: فرقى نحونا النبي ﷺ وهو يقول: (غضب الله على قوم أدموا وجه رسول الله) ويقول مرة أخرى: (اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا) قال: حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل مرتين.
وهبل: اسم صنم من أصنام قريش، أين ابن أبي كبشة؟ يقصد النبي ﷺ ، فإنهم كانوا ينسبونه لزوج مرضعته.
قال: أين ابن أبي كشبة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يسأل عن هؤلاء الثلاثة خصوصاً؛ لأنه يعلم أنهم أساس الإسلام، ويعلم أن وجودهم بقاء لهذا الدين.
قال: فقال عمر: يا رسول الله! ألا أجيبه؟ قال: بلى، فلما قال: اعل هبل، قال عمر: الله أعلى وأجل.
والمشهور أنهم لم يجيبوا حتى قال النبي ﷺ (ألا تجيبوه؟).
قال عمر: الله أعلى وأجل.
فقال أبو سفيان: يا ابن الخطاب! قد أنعمت عينها، فعاد عنها أو فعال عنها، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وهأنذا عمر.
قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، فالأيام دول، وإن الحرب سجال.
قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
قال: إنكم تزعمون ذلك، فلقد خبنا وخسرنا إذاً، ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا، أي: عن رأي سادتنا، قال: ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه.
وهذا سياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس؛ فإنه لم يشهد أحداً ولا أبوه، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
فقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذٍ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله : ((مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ)) فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد النبي ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم ﷺ ، فلما رهقوه يعني: أدركوه قال: (رحم الله رجلاً ردهم عنا) قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضاً قال: (رحم الله رجلاً ردهم عنا) فلم يزل يقول هذا حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: (ما أنصفْنا أصحابنا أو ما أنصفَنا أصحابنا) يعني: نحن لم ننصفهم، إذ تركنا سبعة من الأنصار يقتلون ولم يقاتل واحد من المهاجرين، أو لم ينصفنا أصحابنا الذين فروا عنا، ولكن طلحة ﵁ هو الذي ردهم، حيث قاتل قتال السبعة حتى ردهم رضي الله تعالى عنه.
وقد كان الرسول يؤخر طلحة إلى اللحظة الأخيرة، حيث قام فقاتل قتال السبعة؛ لأنهم قتلوا ولم يردوا المشركين، أما طلحة فقد قاتل حتى ردهم، وانصرفوا عنه ﷺ .
قال: فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل، فقال رسول الله ﷺ : (قولوا: الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل) فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
والعزى: إله من آلهتهم، يعني: أنه يتعزز به، فقال رسول الله ﷺ : (قولوا: الله مولانا، والكافرون لا مولى لهم) فقال أبو سفيان: يوم بيوم، وحنظلة بـ حنظلة، وفلان بفلان، وفلان بفلان، ثم قال رسول الله ﷺ : (لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون)، فقال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة، وإن كانت لعن غير ملأ منا.
يعني: فليس الكبراء الذين أمروا بها، ثم قال: ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، يعني: ما حصل من المثلة، فإن أهل الجاهلية كانت عندهم كرامة، وكانوا يرون عدم التمثيل بالقتلى خصوصاً أنهم أولاد العم والأقارب، ومع ذلك فعلوا هذه الأفاعيل؛ لأن حمية الجاهلية كانت في نفسه، فهو يريد أن يتشفى شيئاً ما.
قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقرت بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ : (أكلت شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة في النار).
стр. 730
الرفق في الدعوة إلى الله
إن الله جعل إبراهيم إماماً للناس، وأوجب عليهم اتباع ملته، ووصفه بأنه أمة، وليس ذلك لشيء إلا لأنه قد وفى مراتب العبودية لله .
ولذا يجب على أهل الإسلام التأمل في سيرته ومواقفه لأخذ الدروس منها، فتعامله مثلاً مع والده الذي ما زال في شركه، كان يظهر فيه أوضح وأرقى صور الأدب والشفقة، وهذا درس عظيم جداً للدعاة، أي: أن يرفقوا بالمدعوين ويشفقوا عليهم.
وكذا كان إبراهيم في صبره وتجلده في دعوته آية من الآيات، وكذا في ثباته على دينه وإعلانه العداوة والبغضاء لمن حادوا عن دربه السوي.
стр. 731
تكريم الله لإبراهيم، وتشريفه له
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله ألله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسله، ﵌.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن الله قد جعل إبراهيم ﵇ كما قال الله: ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١] فقد جعله إمام الحنفاء، وكرمه وشرفه بأن جعله باني بيت الله الحرام، الذي أوجب الله على المكلفين حجه وقصده تعظيماً لله ، وإرادةً لوجهه، وجعل ملة إبراهيم هي الملة التي أمر النبي ﷺ باتباعها فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣].
وجعل الله له الثناء والذكر الحسن في الأمم كلها، فالكل ينتسب إليه، كما دعا بذلك ﵇ فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤].
وإن كان أتباعه حقاً إنما هم أتباع ملته الحنيفية التي بعث بها، وبعث بها كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وحين يذهب الحجاج إلى بيت الله الحرام يذهبون معظمين لهذا البيت لبانيه، وكل ذلك عبودية منهم لله ، مرددين نداء الرحمن على لسان الخليل ﵇، الذي أذن في الناس بالحج، فلباه من في أصلاب الرجال، ومن في أرحام النساء إلى يوم القيامة، حتى أذن الله لهذه البقعة أن تعمر بذكره، وذلك حين تعمر بحجاج بيت الله الحرام.
ونتذكر دعوة إبراهيم ﵇ وسيرته التي ذكرت في القرآن العظيم مرات عديدة؛ حتى نعي منها دروساً وعبراً، وحتى نعرف حقيقة التوحيد والدعوة إلى الله ، والبراءة من الشرك وأهله، والتضحية في سبيل الله.
عند أن تظهر لنا معان عظيمة من آيات الله التي قص لنا فيها أمر إبراهيم ﷺ ومواقفه المختلفة؛ نعرف لماذا اتخذه الله خليلاً، كما قال : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، والخلة: شدة المحبة، فهو حبيب إلى الله ، شديد الحب له .
والنبي ﷺ أخبر بمنزلته عند الله وهي مقترنة بذكر منزلة إبراهيم ﵇ فقال ﷺ : (ألا إن الله اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
والنبي ﷺ قال له رجل: يا خير البرية! فقال: (ذاك إبراهيم ﵇، وهذا قاله ﷺ تواضعاً، أو قاله قبل أن يوحى إليه ﷺ ، لأنه سيد الخلق أجمعين.
وأما إبراهيم ﵇ فهو أفضل الخلائق على الإطلاق بعد محمد ﷺ ، وهو أفضل من الملائكة المقربين، وأفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهو خير الخليقة على الإطلاق، بعد نبينا محمد ﷺ ، لمواقفه العظيمة وإقامته لأمر الله ، وقيامه بدعوة الحق، حتى صار من يعبد الله في الأرض من بعده ينتسب إليه.
وأعلى أمر هؤلاء العباد أن يكونوا متبعين لملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 732
أثر دعوة إبراهيم ﵇ مع قلة المستجيبين
ولقد قص الله علينا في كتابه موافق إبراهيم العظيمة في الدعوة إلى الله وتوحيده، وإقامة أمره ودينه.
مع قلة من استجاب له من قومه؛ فإنه لم يستجب له إلا رجل واحد، وامرأة واحدة، فاستجاب له لوط، كما قال : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] وأخبر أن امرأته كانت معه، فامرأته سارة وابن أخيه لوط هم ثمرة هذه الدعوة في زمنه، وإن كانت ثمرة هذه الدعوة لا تقاس في زمن الداعي فقط، وإنما تُرى آثارها في الأرض، وأنت إذا رأيت هذه البقعة التي لا زرع فيها ولا نبت ولا ماء ولا شيء يذكر، وإنما هي بين صخور صماء، ومع ذلك تجدها أكثر بقعة في الأرض يؤمها الناس؛ فإنه يؤمها ملايين من البشر في كل ليل ونهار، فضلاً عن وجوه مئات الملايين التي تتوجه إليها، إذا رأيت ذلك علمت ثمرة الدعوة إلى الله ، وكيف تكون؟ وعلمت أن دعوة صادقة تغير وجه الحياة على ظهر الأرض، كما دعا إبراهيم فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
فسبحان الله! تجد هذه البقعة التي لا ثروات فيها بوجه من الوجوه؛ فلا أرض تزرع، ولا معادن ينقب عنها، ولا سماء تمطر عليها، إلا في النزر اليسير، فلا أنهار تجري، ولا عيون تنبع، إلا عين زمزم التي إنما تفي بالشرب لا للزرع، ومع ذلك تجد هذه البقعة أكثر البقع -بحمد الله ﵎ تهفو إليها القلوب، وتحن إليها، ولا يرى أحد أنه قد قضى منها وطراً، بل هي أمل الملايين من المسلمين، ولو علم الكفار ما في الراحة والسعادة في التوجه إلى هذه البقعة، وفي التواجد فيها، وفي عبادة الله على أرضها، لما عدلوا عن الإسلام بديلاً، ولما رضوا بغير هذا الدين؛ لأن الله جعل هذا البيت هدى للعالمين، ولما لم يذوقوا طعم العبادة في هذا المكان رضوا بأن يتوجهوا إلى غيره، فقلوبهم مفطورة على أن تتوجه إلى هذه البقعة، لولا ما عفا عليها من الشرك والتبديل والتحريف، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولقد ذكر الله دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه وقومه، وبين لنا الأسوة الحسنة في الدعوة إلى الله في إبراهيم ﵇.
فقال : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٥٠].
يخبر الله عن إبراهيم أنه كان صديقاً، ومقام الصديقية جزء من مقام النبوة، وذلك أن الصديق عظيم التصديق، كثير اليقين، فهو يوقن بما أخبر الله به من الغيب، ويصدق بكل ما أخبره الله به.
ومن كان كذلك فقد وصل إلى مراتب الإيمان العليا، وإبراهيم ﵇ أراد أعلى المراتب، ولذا سأل ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠].
علم إبراهيم أن المخبر ليس كالمعاين، فأراد المعاينة لهذا الأمر الغيبي، وهو كيفية إحياء الموتى، وليس ذلك شكاً منه ﵇ كما قال النبي ﵊: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فإبراهيم لم يشك، ومحمد ﷺ لم يشك، بل آمن كل منهما، ولكن أراد إبراهيم أن يرى بعينه، وذلك أن رؤية العين أكمل في حصول اليقين، ولذلك منَّ الله بها على نبيه ﷺ في آياته الكبرى يوم المعراج كما قال : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٢ - ١٨].
فرأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها، ورأى الجنة والنار، ورأى سدرة المنتهى يغشاها ألوان لا يقدر على أن يصفها من حسنها، وغشيها فراش من ذهب، رأى النبي ﷺ ذلك بعينيه، ورُفع إلى مستوى يسمع صريف الأقلام، وهذه منزلة عالية له ﵊.
стр. 733
أهمية البدء بدعوة الأقربين
كان إبراهيم ﵇ صديقاً عظيم التصديق، وكان نبياً، وكذلك كان رسولاً إلى قومه، وبدأ ﵇ دعوته بدعوة أبيه، كما قال : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢].
وهكذا ينبغي أن يبدأ الداعي بعشيرته الأقربين، كما أنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] يعني: رهطك منهم المخلصين.
فبدأ النبي ﷺ بدعوته قومه، ودعا أهل بيته ﵊، فآمن به من آمن، ورد دعوته من رد، وهكذا ينبغي على كل أحد أن يكون تأثيره أو دعوته أولاً لأهل بيته، والمقربين إليه من أقاربه وجيرانه وزملائه، وهذا أمر عظيم الأهمية، فليست القضية برسوم معينة لا نستطيع الدعوة إلا من خلالها، أو أشكال معينة لا تقوم الدعوة إلا بها، إنما الدعوة إلى الله تكون بالقول، والعمل، والسلوك، وفي مخالطة الإنسان لمن حوله، ولو كان الإنسان صادقاً فإن الله لا يجعل عمله هباءً منثوراً، خصوصاً في أقاربه وأهل بيته ومن يخالطه، فإن الله يضع للمؤمن القبول في الأرض، ولا نعني بذلك أنه لا بد أن يهتدي كل من تدعوهم من أهل بيتك، ولكن لا بد أن تبذل معهم الجهد الكبير مقدماً إياهم على غيرهم، لا أن تتركهم فريسة للشياطين التي تريد أن تفتك بهم.
وهكذا كان أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يدعون أهل بيوتهم، وهكذا كان الدعاة إلى الله يهتمون دائماً بالمقربين منهم، ولا يعني ذلك أن تترك دعوة الأباعد والغرباء، ولكن ابدأ بأهل بيتك، واسع في إصلاح أسرتك: (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
كما قال النبي ﷺ .
فتدعو الكبير والصغير، وتدعو آباءك وأجدادك، وتدعو أبناءك وأحفادك، وتدعو إخوانك وأقاربك، وتدعو كل من حولك إلى الله .
стр. 734
أهمية الرفق في الدعوة إلى الله
ولتكن الدعوة بالأسلوب الرفيق الراقي الشفيق كأسلوب إبراهيم ﵇ في دعوته، قال الله عنه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، فناداه بقوله: (يا أبت!) ليذكره بالعلاقة بينه وبينه، والتي تقتضي كمال الشفقة، فذكره بلفظ الأبوة مضافاً إليه حرف التاء، وهذه الصيغة من أرق الصيغ التي تؤثر في نفس من شاء الله هدايته، وهذه الكسرة التي في حرف التاء تشعر الأب بانكسار ابنه له، وهذا الانكسار من الرحمة، كما قال : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]، وهذا الانكسار للوالدين لا يقع من كثير من الأبناء، فيترتب على ذلك من العقوق والقطيعة للأرحام ما لا يرضاه الله .
فالله فرض على الابن أن يرفق بأبيه وأمه، وأمه مقدمة على أبيه في البر والإحسان وحسن الصحبة والرفق واللين، كما أخبر النبي ﷺ من سأله: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك).
وقال النبي ﷺ : (أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب ورحم موصولة).
فينبغي أن تكون في أتم الحرص على إظهار هذا الرفق واللين، وإذا كان الله قد أمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون الطاغية قولاً ليناً، كما قال : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فأولى الناس بالرفق والقول اللين أهل بيتك، وأقاربك، خصوصاً والديك، وكن كما قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، وأنت ليس عليك هدى أحد، ولكن عليك أن تحسن الأسلوب؛ فإن الفظاظة وغلظة القلب -خصوصاً مع الأقارب والآباء والأمهات- من أعظم أسباب نفرة الناس عن الالتزام بالكتاب والسنة، ومن أعظم أسباب سوء الفهم الذي يقع للكثيرين، فيصدقون وسائل الإفساد التي تشوه صورة الالتزام؛ لأنهم يجدون في سلوك أبنائهم البعيد عن الشرع مبرراً لتصديق ما يروجه أهل الباطل عن دعوة الحق، فلا بد أن تكون رفيقاً شفيقاً في دعوتك، فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ولقد قال ﷺ : (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).
ولا نعني بذلك المداهنة وقول الباطل والسكوت عن الحق، وإنما نعني الأسلوب الطيب في توصيل كلمة الحق، وإظهارها، ولقد قال إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، وقال: ((إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) وقال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤].
وليس هذا من باب السب والطعن، ولكن من باب بيان الحق، فلا نقول عن الحق: إنه باطل.
فما أكثر ما يشتبه الأمر على الناس! فيصفون الباطل بأنه حق، وأنه لا بأس به، ويقولون: أسلوب حسن، ودبلوماسية في الدعوة! نعوذ بالله! فهذا هو الضلال، وهذا هو الذي يحصل به الانحراف.
وإنما الأمر يكون في طريقة العرض، وفي استغلال العلاقة الأسرية، وعلاقة البنوة والأبوة والأخوة والقرابة في بيان الحق، وإظهار الشفقة، وإظهار إرادة الرحمة، والخير بمن تدعوه، وفي نفس الوقت تبين له الحق البيان الكافي والشافي، لا أن نتركه من دون بيان، ولا بد من أن يشعر منك بصدق مشاعرك في إرادة الخير له، وفي حب الخير له، فأنت بمحبتك له تحب له الخير، وتحبه ذلك الحب الفطري، فإذا لم يكن على الهدى تحب هدايته وإرادة الخير له، كما قال أبو بكر ﵁: (لإسلام أبي طالب كان أحب إلي من إسلام أبي قحافة؛ لأن إسلامه كان أحب إلى رسول الله ﷺ ، فهو يحب إسلام أبيه، وقد حقق الله له ذلك.
فالغرض المقصود أن تكون محباً لهداية أهلك وأقاربك، مؤثراً فيهم بحسن العشرة، والسلوك الطيب، والخلق الحسن، الذي يجعلهم يحبونك رغماً عنهم، ويصدقون كلامك وإن أظهروا التكذيب، والرد؛ فأنت ببرك لوالديك وصلتك لرحمك وإحسانك إلى جيرانك تكون قد سلكت سلوكاً مباركاً في الدعوة إلى الله، إما إذا عققت والديك وقطعت رحمك وأسأت إلى جيرانك فتكون بفعلك قد قمت بأعظم أسباب الصد عن سبيل الله.
وإن كنت مظهراً أنك تدعو إلى الله، وإن كنت مظهراً أنك ملتزم بحقيقة الالتزام والدين والطاعة، فلا بد أن تكون مجتهداً في إظهار الإحسان إلى الخلق.
стр. 735
بيان ضعف وعجز الآلهة التي تدعى من دون الله
قال الله حاكياً عن إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، وفي هذا بيان لعجز كل ما يعبد من دون الله، وفقره وحاجته، وأنه لا يغني عن نفسه شيئاً، فكيف يغني عن غيره وهو لا يسمع ولا يبصر؟! وهذه متضمنة لإثبات صفة الكمال لله ، فهو السميع البصير، الغني الحميد .
فأنت تبين أن ما يعبد من دون الله لا يملك شيئاً، فلا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عن عابديه شيئاً.
فالبشر الذين يعيشون مدة يسمعون ويبصرون، وليس سمعهم بالسمع المحيط، ولا بصرهم بالبصر المحيط، ثم هم كذلك يموتون فيذهب سمعهم، ويذهب بصرهم، وكانوا قبل ذلك في العدم، ولذا فإن من يعتقد في الأموات السمع والبصر المحيط ويسألهم على ذلك، ويعتقد أنهم يرونه ويجيبونه ويغنون عنه شيئاً، فهو -والعياذ بالله- مشرك بالله العظيم.
فيقال له: ((لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)).
فالذي يعبد القبور وأصحابها، ويعبد الجن، ويعبد من يعبد من هذه الأوثان التي وضعت لترمز إلى هذه الآلهة الباطلة، فيقال له نفس الحجة: ((لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا)).
стр. 736
بيان شرف العلم وعلو منزلة صاحبه
قال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٣].
شرف العلم عظيم، به يعلو الصغير على الكبير، ويرتفع الابن على الأب، ويكون الإنسان فوق غيره؛ لأن الله يرفع العبد درجات بالعلم، كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].
فالله يرفع الدرجات بالعلم.
وقوله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي))، هذا علاج لمرض ينتشر في كثير من الناس، وهو أنه لا يقبل الحق من الصغير، ولا يقبل الحق ممن دونه في السن أو دونه في المنزلة عند الناس، فإبراهيم يذكر أباه بأنه قد جاءه من عند الله من العلم ما لم يأته، فليست العبرة بطول العمر، ولا بكبر السن، ولا بالمنزلة الاجتماعية لدى الناس، وهذا أمر يستفيد المؤمن منه في دعوته إلى الله ، إذ يبين للناس أن العبرة باتباع من جاءه العلم من عند الله، والعلم من عند الله هو العلم بالوحي المنزل على رسوله ﷺ ، فمن كان عنده من العلم شيء فينبغي اتباعه، سواء أكان كبيراً في السن أم صغيراً.
كما وكان عمر ﵁ يدني القراء، وكانوا في عهده رضي الله تعالى عنه أصحاب مجلسه ومشورته، كهولاً كانوا أو شباناً؛ فكان القراء الحافظون لكتاب الله هم أصحاب مجلس عمر، وكان منهم الحر بن قيس.
ولم يكن رضي الله تعالى عنه يقدم أي أحد لكبر سنه، وإنما لمنزلته وعلمه، وقد قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأكبرهم سناً).
فالإنسان إنما تكون له المنزلة بالسن إذا استوى في غيره من الفضائل مع غيره، وأما أن يحترم الكبير فنعم، ولكن لا يلزم من هذا الاحترام أن يكون متبعاً على أي حال، وإنما يحترم ويعرف قدره، كما قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه).
ولكن هذا الاحترام وهذا التوقير ليس معناه قبول كل ما يقوله الكبير.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣].
أهدك بمعنى: أبين لك، وإلا فهداية القلب لا يملكها إلا الله، وهو أعلم حيث يجعل هدايته، وحيث يجعل رسالته، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالظالمين، فإنه يضع الهدى في مواضعه، كما قال : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] فهو سبحانه يعلم من يستحق الهدى، ومن يناسبه، ومن يقبل الهدى فينبت أنواع الطاعات ونور الخيرات في قلبه؛ لأن الأرض، والمحل قابل لهذا الخير.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣].
أي: مستقيماً معتدلاً قصداً، وهو الذي يوصل إلى الله .
стр. 737
النهي عن عبادة الشيطان
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
أكثر الخلق يعبدون الشيطان، وإن كانوا لا يظهرون ذلك، وربما لا يشعرون بذلك، فلا يوجد إلا قلة هي أقرب إلى المجانين لا بل إلى البهائم بل أسوأ من ذلك ممن يقرون بعبادة الشيطان صراحة! ولكن أكثر أهل الأرض يعبدون الشيطان بطاعته في الكفر، وبعبادة ما يأمرهم بعبادته من الأوثان، والأشخاص والآلهة الباطلة من دون الله، أو مع الله تعالى الله عن شركهم علواً كبيراً.
فقوله: ((يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)) يعني: بطاعته في دعوته إلى الكفر، وكل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان في الحقيقة؛ قال : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨] فهم عبدوا الشيطان حين أطاعوه فيما شرع لهم من الكفر والشرك، وكل عابد لغير الله ومكذب لأنبيائه الله ورسله وكتبه فهو عابد للشيطان؛ إذ هو الذي أمر بعبادة غير الله، وأمر بتكذيب الرسل، ولذلك كان كل كافر مشركاً، وكل مشرك كافراً؛ لأنه غير فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها، فهناك تلازم بين الشرك والكفر، والله حذر بني آدم من عبادة الشيطان، ألا يعبدوه بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢].
نسأل الله أن يعيذنا من عبادة الشيطان.
فكثير من الناس يسبه ويلعنه، ولكنه مطيع له وعابد.
كما أن أكثر الناس إذا اتبعوا أهواءهم ربما ينفون عن أنفسهم ذلك -أي: عبادة أهوائهم-، لكنهم طالما اتبعوا الهوى في الكفر كان ذلك عبادة له، كما قال : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وهذا كحال من يعبدون الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة مع أنهم يذمون طالب الرياسة، ويجعلونها مذمة، كما ذم قوم فرعون موسى وهارون بالباطل حين قالوا لهما: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٧٨]، فهما بزعمهم يريدان الكبرياء، وهذه مذمة، مع أن قوم فرعون هم الذين يريدون الكبرياء.
وأهل الرياسة والملك هم الذين يريدون الملك والرياسة ويقتتلون من أجل ذلك، ومع ذلك يذمون من يريد الملك والرياسة، ويزعمون أنهم لا يريدونها إلا لمصلحة الناس، ومن أجل أن يحافظوا على الطريقة المثلى، ووالله! ما هي بمثلى، ولكن هذا شأن هؤلاء القوم الذين يعبدون الشياطين، وفي نفس الوقت يذمونها.
ويعبدون الأهواء، ويزعمون التبرؤ من الهوى.
ويعبدون الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة ويذمون من يريد ذلك، ويقولون: هذا إنسان تابع للمال، ويشترى بالمال، ويذمون المال، ويقولون: نحن لا نحبه، مع أنهم يقتتلون من أجله، فهؤلاء لا يغني تبرؤهم عنهم شيئاً.
وكونهم لا يسمونها عبادة مع كونها عبادة لا يغني عنهم شيئاً، ولذا كان من يعبد غير الله من الأموات وإن لم يسم فعله عبادة يعبد عابداً لهم، كما أن من يعبد غير الله من الكبراء والأحبار والرهبان ممن يقبل تشريعهم من دون الله وإن لم يسم فعله عبادة فقد عبدهم، ولا ينفعه ذلك بعد بلوغ الحجة، ووصولها إليه؛ لأن هذه عبادة له من دون الله.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
انظر إلى هذا التعليل، وتأمل وتدبر كيف أنه جعل طاعة الشيطان لا تجوز، ولا تنبغي؛ لأنه عاص للرحمن.
стр. 738
سبب النهي عن عبادة الشيطان واختيار اسم الرحمن
وذكر الله باسمه الرحمن المتضمن صفة الرحمة الظاهرة في الكون ظهوراً واضحاً جلياً بيناً لكل من يتأمل.
وتظهر آثار هذه الرحمة العامة فيما خلق من البشر، وخلق في قلوبهم من أنواع الشفقة والرحمة على ذويهم، وأولادهم، وجعلها كذلك في الدواب، وآثار رحمة الله لأهل الأرض بالمطر وبالأنهار وبالليل والنهار، وبأنواع الرحمات، وهذا أمر ظاهر، لا يخطئه متأمل.
فذكره بأن الرحمن يريد بنا الرحمة، ويريد أن يرحمنا، والشيطان عصي له، فلا تعبده بطاعته في الوقوع في الكفر والعياذ بالله! ولذا كانت هذه العلة مقتضية بأن كل من كان للرحمن عصياً لا تجوز طاعته، ولا متابعته.
وقوله: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا))، الشيطان عصي للرحمن، وشياطين الإنس كذلك عصاة للرحمن، وكل من عصى الله فلا يطاع في معصية الله ، ولا يتابع، وإلا كان ذلك من عبادته، أو مؤدياً إليها، نعوذ بالله من ذلك.
فالإنسان لا بد أن يعلم لمن تكون طاعته ومتابعته، فلا يتابع إلا الحق، ومن يأمر به، من يدعو إلى عبادة الله، وأما من يطيع غيره ممن عصى الله فإنما يصل إلى الشقاء، ويُمنع من الرحمة.
نسأل الله العافية من ذلك.
стр. 739
طاعة العصاة سبب الشقاء
والشقاء في هذا العالم إنما هو بسبب طاعة من كان للرحمن عصياً، وأعظمهم إبليس، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
فلا تجوز طاعة الأثمة والكفرة، قال : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
وقال لإبراهيم: ((لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))، فالظالمون ليس لهم إمامة للناس، كما قال : ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].
فليس الظالمون داخلين فيمن أمرنا باتباعهم وطاعتهم، ولذا ولاية الناس يجب أن تكون فيمن اتقى الله ، ولا يجوز أن يولى على الناس من يأمرهم بعبادة غير الله، وبمخالفة شر عه، فكيف يقال للناس: إنه يلزمكم أن تطيعوا طالما أنكم في سلطان الكفرة الذين ينهونكم عن طاعة الله ، وهذا هو حقهم عليكم طالما كانوا كفاراً؟! نعوذ بالله من الظلال والطمس على القلوب؛ إذ كيف يكون الباطل سبباً لرد الحق، ولإحقاق الباطل، وكيف يكون الكفر -والعياذ بالله- سبباً لأن يكون الإنسان من حقه أن ينهى غيره عن عبادة الله.
فهل الأرض أرض الكفرة والظلمة والمجرمين أم هي أرض الله، والعباد عباده؟ فلا بد أن يطيعوا ربهم .
بل نقول لكل مؤمن ومؤمنة في كل مكان في الأرض: لا تطيعوا من يعصي الرحمن؛ ولا تطيعوا من يأمر بمخالفة شرعه ، وإن غلب الإنسان على أمر، فلا بد مع الإكراه من طمأنينة القلب بالإيمان، وليس لمجرد المصالح الوقتية الدنيوية التي يستغني الإنسان عنها، وإنما يكون الإنسان عند المخمصة والمهلكة، والضرورة التي تعجزه عن الحياة أو تفقده حياته وضروراته.
أما لمجرد نيل شيء من حطام الدنيا عند الناس، فلتذهب الدنيا بأهلها إن كانت في معصية الله.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب، ويرضى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 740
من صفات الداعي إلى الله
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد: قال عن إبراهيم ﵇ في دعوته لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٤ - ٤٥].
فينبغي على الداعي إلى أن يظهر الشفقة والخوف على من يدعوه إلى الله ، وهكذا كانت الرسل دائماً يخافون على أقوامهم، ويظهرون ذلك لهم؛ لأن ذلك من أسباب إيقاظ العلاقة الحسنة التي يريد الشيطان أن لا يشعر الإنسان بها، حتى لا تستجيب الفطرة السليمة لها، وهي العلاقة الطيبة التي يستجيب بها هذا الأب لابنه ويظهر أنه مشفق عليه.
وقد قال المؤمن الذي من آل فرعون نفس هذه الكلمة، قال الله عنه في دعوته لقومه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٠ - ٣٢].
فلا بد أيها الداعي إلى الله من أن تكون خائفاً على الناس، لا تريد أن يدخلوا النار، أو يحكم عليهم بها، أو يحكم عليهم بأنواع العقاب، وإنما عليك أن تحب لهم الخير، تريد لهم النجاة.
فتخاف وتشفق عليهم فعلاً؛ لأن الدعاة إلى الله هم أتباع الأنبياء، فيخافون عليهم كالأنبياء.
وهذه الشفقة تحيي في قلوبهم الفطرة السليمة في اتباع من هذا شأنه، والله أرحم بعباده من الأم بولدها، فأنت إذا أظهرت صفات الرب كان ذلك من أسباب قبول الخير من هذا العبد وإظهار شفقتك على الناس له أساليب بأنواع مختلفة بحسب حال الداعي والمدعو.
следующие страницы →