Полный текст (991 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
بيان شرف العلم وعلو منزلة صاحبه
قال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٣].
شرف العلم عظيم، به يعلو الصغير على الكبير، ويرتفع الابن على الأب، ويكون الإنسان فوق غيره؛ لأن الله يرفع العبد درجات بالعلم، كما قال : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].
فالله يرفع الدرجات بالعلم.
وقوله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي))، هذا علاج لمرض ينتشر في كثير من الناس، وهو أنه لا يقبل الحق من الصغير، ولا يقبل الحق ممن دونه في السن أو دونه في المنزلة عند الناس، فإبراهيم يذكر أباه بأنه قد جاءه من عند الله من العلم ما لم يأته، فليست العبرة بطول العمر، ولا بكبر السن، ولا بالمنزلة الاجتماعية لدى الناس، وهذا أمر يستفيد المؤمن منه في دعوته إلى الله ، إذ يبين للناس أن العبرة باتباع من جاءه العلم من عند الله، والعلم من عند الله هو العلم بالوحي المنزل على رسوله ﷺ ، فمن كان عنده من العلم شيء فينبغي اتباعه، سواء أكان كبيراً في السن أم صغيراً.
كما وكان عمر ﵁ يدني القراء، وكانوا في عهده رضي الله تعالى عنه أصحاب مجلسه ومشورته، كهولاً كانوا أو شباناً؛ فكان القراء الحافظون لكتاب الله هم أصحاب مجلس عمر، وكان منهم الحر بن قيس.
ولم يكن رضي الله تعالى عنه يقدم أي أحد لكبر سنه، وإنما لمنزلته وعلمه، وقد قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأكبرهم سناً).
فالإنسان إنما تكون له المنزلة بالسن إذا استوى في غيره من الفضائل مع غيره، وأما أن يحترم الكبير فنعم، ولكن لا يلزم من هذا الاحترام أن يكون متبعاً على أي حال، وإنما يحترم ويعرف قدره، كما قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه).
ولكن هذا الاحترام وهذا التوقير ليس معناه قبول كل ما يقوله الكبير.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣].
أهدك بمعنى: أبين لك، وإلا فهداية القلب لا يملكها إلا الله، وهو أعلم حيث يجعل هدايته، وحيث يجعل رسالته، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالظالمين، فإنه يضع الهدى في مواضعه، كما قال : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] فهو سبحانه يعلم من يستحق الهدى، ومن يناسبه، ومن يقبل الهدى فينبت أنواع الطاعات ونور الخيرات في قلبه؛ لأن الأرض، والمحل قابل لهذا الخير.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣].
أي: مستقيماً معتدلاً قصداً، وهو الذي يوصل إلى الله .
стр. 737
النهي عن عبادة الشيطان
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
أكثر الخلق يعبدون الشيطان، وإن كانوا لا يظهرون ذلك، وربما لا يشعرون بذلك، فلا يوجد إلا قلة هي أقرب إلى المجانين لا بل إلى البهائم بل أسوأ من ذلك ممن يقرون بعبادة الشيطان صراحة! ولكن أكثر أهل الأرض يعبدون الشيطان بطاعته في الكفر، وبعبادة ما يأمرهم بعبادته من الأوثان، والأشخاص والآلهة الباطلة من دون الله، أو مع الله تعالى الله عن شركهم علواً كبيراً.
فقوله: ((يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)) يعني: بطاعته في دعوته إلى الكفر، وكل من عبد غير الله فقد عبد الشيطان في الحقيقة؛ قال : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧ - ١١٨] فهم عبدوا الشيطان حين أطاعوه فيما شرع لهم من الكفر والشرك، وكل عابد لغير الله ومكذب لأنبيائه الله ورسله وكتبه فهو عابد للشيطان؛ إذ هو الذي أمر بعبادة غير الله، وأمر بتكذيب الرسل، ولذلك كان كل كافر مشركاً، وكل مشرك كافراً؛ لأنه غير فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها، فهناك تلازم بين الشرك والكفر، والله حذر بني آدم من عبادة الشيطان، ألا يعبدوه بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢].
نسأل الله أن يعيذنا من عبادة الشيطان.
فكثير من الناس يسبه ويلعنه، ولكنه مطيع له وعابد.
كما أن أكثر الناس إذا اتبعوا أهواءهم ربما ينفون عن أنفسهم ذلك -أي: عبادة أهوائهم-، لكنهم طالما اتبعوا الهوى في الكفر كان ذلك عبادة له، كما قال : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وهذا كحال من يعبدون الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة مع أنهم يذمون طالب الرياسة، ويجعلونها مذمة، كما ذم قوم فرعون موسى وهارون بالباطل حين قالوا لهما: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٧٨]، فهما بزعمهم يريدان الكبرياء، وهذه مذمة، مع أن قوم فرعون هم الذين يريدون الكبرياء.
وأهل الرياسة والملك هم الذين يريدون الملك والرياسة ويقتتلون من أجل ذلك، ومع ذلك يذمون من يريد الملك والرياسة، ويزعمون أنهم لا يريدونها إلا لمصلحة الناس، ومن أجل أن يحافظوا على الطريقة المثلى، ووالله! ما هي بمثلى، ولكن هذا شأن هؤلاء القوم الذين يعبدون الشياطين، وفي نفس الوقت يذمونها.
ويعبدون الأهواء، ويزعمون التبرؤ من الهوى.
ويعبدون الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة ويذمون من يريد ذلك، ويقولون: هذا إنسان تابع للمال، ويشترى بالمال، ويذمون المال، ويقولون: نحن لا نحبه، مع أنهم يقتتلون من أجله، فهؤلاء لا يغني تبرؤهم عنهم شيئاً.
وكونهم لا يسمونها عبادة مع كونها عبادة لا يغني عنهم شيئاً، ولذا كان من يعبد غير الله من الأموات وإن لم يسم فعله عبادة يعبد عابداً لهم، كما أن من يعبد غير الله من الكبراء والأحبار والرهبان ممن يقبل تشريعهم من دون الله وإن لم يسم فعله عبادة فقد عبدهم، ولا ينفعه ذلك بعد بلوغ الحجة، ووصولها إليه؛ لأن هذه عبادة له من دون الله.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
انظر إلى هذا التعليل، وتأمل وتدبر كيف أنه جعل طاعة الشيطان لا تجوز، ولا تنبغي؛ لأنه عاص للرحمن.
стр. 738
سبب النهي عن عبادة الشيطان واختيار اسم الرحمن
وذكر الله باسمه الرحمن المتضمن صفة الرحمة الظاهرة في الكون ظهوراً واضحاً جلياً بيناً لكل من يتأمل.
وتظهر آثار هذه الرحمة العامة فيما خلق من البشر، وخلق في قلوبهم من أنواع الشفقة والرحمة على ذويهم، وأولادهم، وجعلها كذلك في الدواب، وآثار رحمة الله لأهل الأرض بالمطر وبالأنهار وبالليل والنهار، وبأنواع الرحمات، وهذا أمر ظاهر، لا يخطئه متأمل.
فذكره بأن الرحمن يريد بنا الرحمة، ويريد أن يرحمنا، والشيطان عصي له، فلا تعبده بطاعته في الوقوع في الكفر والعياذ بالله! ولذا كانت هذه العلة مقتضية بأن كل من كان للرحمن عصياً لا تجوز طاعته، ولا متابعته.
وقوله: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا))، الشيطان عصي للرحمن، وشياطين الإنس كذلك عصاة للرحمن، وكل من عصى الله فلا يطاع في معصية الله ، ولا يتابع، وإلا كان ذلك من عبادته، أو مؤدياً إليها، نعوذ بالله من ذلك.
فالإنسان لا بد أن يعلم لمن تكون طاعته ومتابعته، فلا يتابع إلا الحق، ومن يأمر به، من يدعو إلى عبادة الله، وأما من يطيع غيره ممن عصى الله فإنما يصل إلى الشقاء، ويُمنع من الرحمة.
نسأل الله العافية من ذلك.
стр. 739
طاعة العصاة سبب الشقاء
والشقاء في هذا العالم إنما هو بسبب طاعة من كان للرحمن عصياً، وأعظمهم إبليس، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤].
فلا تجوز طاعة الأثمة والكفرة، قال : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
وقال لإبراهيم: ((لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))، فالظالمون ليس لهم إمامة للناس، كما قال : ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤].
فليس الظالمون داخلين فيمن أمرنا باتباعهم وطاعتهم، ولذا ولاية الناس يجب أن تكون فيمن اتقى الله ، ولا يجوز أن يولى على الناس من يأمرهم بعبادة غير الله، وبمخالفة شر عه، فكيف يقال للناس: إنه يلزمكم أن تطيعوا طالما أنكم في سلطان الكفرة الذين ينهونكم عن طاعة الله ، وهذا هو حقهم عليكم طالما كانوا كفاراً؟! نعوذ بالله من الظلال والطمس على القلوب؛ إذ كيف يكون الباطل سبباً لرد الحق، ولإحقاق الباطل، وكيف يكون الكفر -والعياذ بالله- سبباً لأن يكون الإنسان من حقه أن ينهى غيره عن عبادة الله.
فهل الأرض أرض الكفرة والظلمة والمجرمين أم هي أرض الله، والعباد عباده؟ فلا بد أن يطيعوا ربهم .
بل نقول لكل مؤمن ومؤمنة في كل مكان في الأرض: لا تطيعوا من يعصي الرحمن؛ ولا تطيعوا من يأمر بمخالفة شرعه ، وإن غلب الإنسان على أمر، فلا بد مع الإكراه من طمأنينة القلب بالإيمان، وليس لمجرد المصالح الوقتية الدنيوية التي يستغني الإنسان عنها، وإنما يكون الإنسان عند المخمصة والمهلكة، والضرورة التي تعجزه عن الحياة أو تفقده حياته وضروراته.
أما لمجرد نيل شيء من حطام الدنيا عند الناس، فلتذهب الدنيا بأهلها إن كانت في معصية الله.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب، ويرضى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 740
من صفات الداعي إلى الله
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد: قال عن إبراهيم ﵇ في دعوته لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٤ - ٤٥].
فينبغي على الداعي إلى أن يظهر الشفقة والخوف على من يدعوه إلى الله ، وهكذا كانت الرسل دائماً يخافون على أقوامهم، ويظهرون ذلك لهم؛ لأن ذلك من أسباب إيقاظ العلاقة الحسنة التي يريد الشيطان أن لا يشعر الإنسان بها، حتى لا تستجيب الفطرة السليمة لها، وهي العلاقة الطيبة التي يستجيب بها هذا الأب لابنه ويظهر أنه مشفق عليه.
وقد قال المؤمن الذي من آل فرعون نفس هذه الكلمة، قال الله عنه في دعوته لقومه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٠ - ٣٢].
فلا بد أيها الداعي إلى الله من أن تكون خائفاً على الناس، لا تريد أن يدخلوا النار، أو يحكم عليهم بها، أو يحكم عليهم بأنواع العقاب، وإنما عليك أن تحب لهم الخير، تريد لهم النجاة.
فتخاف وتشفق عليهم فعلاً؛ لأن الدعاة إلى الله هم أتباع الأنبياء، فيخافون عليهم كالأنبياء.
وهذه الشفقة تحيي في قلوبهم الفطرة السليمة في اتباع من هذا شأنه، والله أرحم بعباده من الأم بولدها، فأنت إذا أظهرت صفات الرب كان ذلك من أسباب قبول الخير من هذا العبد وإظهار شفقتك على الناس له أساليب بأنواع مختلفة بحسب حال الداعي والمدعو.
стр. 741
دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه ورحمته به
وقوله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ)) تأمل في هذه الألفاظ، فمجرد مسيس عذاب يخاف على أبيه منه فهو لا يخاف فقط أن يلقى في النار، وإنما يخاف أن تمسه النار، فهو يظهر له مدى شفقته، وأن مجرد أدنى مس للعذاب يخاف عليه منه، فتأمل ذلك! فلو كان قلب أبيه يتحرك لتحرك، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
ولكن إنما ذلك ليكون أسوة حسنة في الدعوة إلى الله، في الصبر والاحتمال، حتى ولو لم ير أثراً لذلك.
وقوله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ))، فإذا عذبك الرحمن فمن يرحمك إذاً؟ فالرحمن الذي صفته الدائمة اللازمة له الرحمة إذا عذب فمن يرحم؟ فالله سبحانه إذا لم يرحم عبده فلن يرحمه أحد، فهو الرحمن وحده.
وإنما استوجب العبد العذاب لما فعله واجترمه، وليس لأن الله لم يرحمه؛ لأن الله لم يحرمه ما يستحق.
وإنما هو الذي فعل ما استوجب به عذاب الرحمن.
أما الرب سبحانه فالرحمة أحب إليه من العذاب والعقاب، ورحمته سبحانه تغلب غضبه كما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي، أو: إن رحمتي تسبق غضبي) أو كما قال ﷺ فالله قد كتب على نفسه الرحمة، كما قال : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢] فرحمته وسعت كل شيء، فإذا عذب فقد أخرج الإنسان من رحمته وأي رحمة، ولذا لا ترحمه الملائكة، ولا المؤمنون، ولا شركاؤه في النار، ولا يرحمه أحد، بل لا ترحمه نفسه، فيمقت نفسه ويبغضها، فينادي مع أهل النار.
مالكاً: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
ولهم نداء آخر ذكره الله بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠]، ويسترحمون المؤمنين بقولهم كما أخبر الله عنهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
نعوذ بالله من ذلك، فإذا كان الإنسان قد خرج عن رحمة الرحمن الرحيم، فلن يقع في رحمة أحد، ولن يرحمه أحد.
стр. 742
نعيم القرب من الرحمن وشقاء القرب من الشيطان
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥].
أي: فتكون من أولياء الشيطان، ومن المقربين منه.
فتشقى شقاء لا نعيم بعده أبداً.
وإنما يشقى الإنسان بقربه من الشيطان، ويتنعم بقربه من الرحمن، وإنما صارت الجنة جنة؛ لأنها قريبة، وأهلها مقربون إلى الله ، وإنما النعيم أصلاً في القرب منه.
وإنما يتنعم الإنسان في الدنيا إذا تقرب إلى الله، وإن كان لا يمكنه أن يتقرب ببدنه وإنما يتقرب بروحه، قال : ((وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)).
ولذلك يسعد المقربون من الله، ويسعد من تقرب إليه سبحانه، والله يقترب منهم رحمة وإثابة منه ؛ لتقربهم إليه، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيه هرولة).
فمن قرب إلى الله سعد واستراح، وسكنت نفسه، ومن قرب من الشيطان تعس وشقي.
وقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥] النار إنما هي بعد وعذاب، ولذا كانت اللعنة بعداً؛ لأن فيها الطرد والرجم، وصف الشيطان بالرجيم أي: المطرود المبعد، كما قال : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٨].
أي: عليه الإبعاد، فهو مبعد من رحمة الله.
والبعد عن الله أعظم شقاء للإنسان، والمعاصي من أسباب البعد، وإنما يشقى الإنسان بالمعصية والكفر؛ لأنه بعد عن الله ، وقرب من الشيطان.
فالشياطين إنما تأوي إلى كل قبيح، ولذا كانت مخالطة شياطين الإنس والجن والجلوس معهم في مجالس الفسوق والعصيان عذاب للإنسان، نعوذ بالله من ذلك.
ونعوذ بالله من ولاية الشيطان، ومن القرب منه، ومن طاعته، وكلها متلازمة، فإن من أطاع الشيطان واتبع أمره وقرب منه صار عدواً للرحمن، وولياً للشيطان، فكان -والعياذ بالله- معذباً في دنياه قبل أخراه، نسأل الله أن يبعدنا عن الشيطان، وعن سبله، وأن يقربنا منه ، وأن يرزقنا القرب منه في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
اللهم انصر عبادك المجاهدين في سبيلك في كل مكان، وانصر الدعاة إليك في كل مكان، ونج المستضعفين من المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.
اللهم إنا نسألك الغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة والنجاة من النار.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 743
القلب السليم
صلاح القلب وسلامته هو الأساس لصلاح الفرد والمجتمع، والقلب السليم يعد من أسباب النجاة يوم القيامة، بل لا ينجو في ذلك اليوم إلا من كان له هذا القلب.
والقلب السليم هو سبب للتمكين في الأرض، فإن سنة الله في الأرض أن لا يمكَّن لأناسٍ مرضى القلوب؛ حتى لا يسلب بعضهم بعضاً ويقتل بعضهم بعضاً، فيجب على المسلم الاهتمام بقلبه، وأن يتجرَّد لله وحده، وأن يعمل العمل يبتغي به وجه الله، فلا يلتفت إلى الناس ولا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً، وهذا هو الإخلاص الذي هو علامة سلامة القلب.
стр. 744
وجوب الحرص على سلامة القلب وتزكية النفس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول : ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:١ - ٤٥].
عباد الله! لقد خوفنا الله وعيده، وأخبرنا رسول الله ﷺ بقرب الساعة فقال (بعثت أنا والساعة كهاتين، وإن كادت لتسبقني)، فرسول الله ﷺ بين يدي الساعة، فهل أعددنا لهذه الساعة العمل الذي يناسبها مما أمرنا الله به؟ وهل هربنا من وعيد الله وخفنا من عقابه؟ واعلموا أنه لا ينجو بين يدي الله يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، كما قال الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في دعائه: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩].
فسلامة القلب هي أول صفة يجب على المكلف أن يحرص عليها، والحقيقة أن الإيمان الكامل الواجب لا يكون إلا بسلامة القلب مما لا يحبه الله ولا يرضاه، من سائر الأمراض التي كرهها الله وأمر العباد أن يعالجوها في أنفسهم، وأن يداووها حتى لا تستفحل فتقضي على ما في القلوب من إيمان، والشرك من أعظم الأمراض خطراً، وكذلك الكبر، والعجب، والغرور، وسائر أمراض النفس التي تنشأ منها أنواع البلايا والعياذ بالله تنشأ منها صراعات الناس فيما بينهم على هذه الدنيا، وينشأ منها الشرك والعناد والكفر والنفاق؛ كل هذا بسبب أن الإنسان لم يداو نفسه، ولم يسع إلى علاج جهلها وظلمها، فالإنسان ظلوم جهول، إلا من ﵀ وجعل في قلبه العدل بدل الظلم، والعلم بدل الجهل، فهو يعلَّم عباده بوحيه ويأمرهم أن يداووا أنفسهم، مع أنه أخبرهم أنه سبحانه هو الذي يشفي هذه القلوب ويحييها بعد موتها، ليعلمهم أنه سبحانه يفعل ذلك بأسباب كما في كل قضاء قدَّره؛ فإنه يتم من خلال الأسباب، ولذا أمر العباد أن يزكوا أنفسهم، وأمرهم أن يداووا أمراضهم، وهم موقنون مع ذلك أن الله وحده هو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه ، ولذا كان واجباً علينا أن نسعى في الأخذ بالأسباب في علاج أمراض النفوس، وفي تسليم القلوب لله ، مع اليقين بأن فضل الله أسبق، وأنه هو الذي يزكي نفوسنا، فهو خير من زكاها، ولذا كان ﵊ -وهو العبد الشكور- يقول في دعائه: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها).
فالله هو الذي يزكي النفوس، وقد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه، وإن كانت التزكية أو التدسية التي تكون إنما هي عدل من الله أو فضل، ففضل الله سبحانه ينال أهله الذين أهَّلهم الله لذلك، وعدل الله يقع على من يستحقه، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 745
سلامة القلب سبب التمكين في الأرض
إن سلامة القلوب وصلاحها لا يكون إلا بفضل الله، والعون منه ، لكن علينا أن نسعى إلى سلامة قلوبنا وصلاحها؛ لأن تسليم القلوب لله وسلامتها وصحتها من الأمراض سبب لنجاة العبد يوم القيامة، وسبب لتمكين الله للطائفة المؤمنة في الأرض، فإن الله إنما يغير موازين الكون وسننه التي يسير عليها من أجل الطائفة المؤمنة القليلة المستضعفة، التي ليس عندها من أسباب القوة أو العدد والعدة ما تفوق به غيرها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا سلمت قلوبها لله تعالى، فإن الله سوف يعطيهم رقاب العباد والبلاد، فإذا كانت النفوس لم تتزكَّ بعد ولم تنطرح ولم تسلم، فإنها إذا تمكنت أوشكت أن تجعل العباد عبيداً لها من دون الله، والله لا يقبل من السعي إلا ما كان خالصاً لوجهه، وأما ما كان من عجب وغرور وكبر وعمل لغير الله فإنه مضمحل باطل لا يقبله الله سبحانه، فإذا تمكنت هذه النفوس وهي لا تزال تتعلق بالدنيا، وبنصيبها وبرؤية الناس لها، فهذا أمر لا يحصل معه الخير ولا تحصل معه الغاية من تمكين المؤمنين، والتي هي كما قال ربعي: (إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد).
стр. 746
الإخلاص علامة لسلامة القلب
إن الغاية المقصودة أن يعبد الناس ربهم وحده لا شريك له، ولذلك كان الإخلاص لله علامة لسلامة القلب، وهو الذي أُمرت به الأمم من قبلنا، قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال لنبيه ﵊: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤ - ١٥]، والإخلاص عزيز نادر فلا بد على الإنسان أن يحرص عليه، وفي نفس الوقت يعلم أنه لا يناله إلا بالمجاهدة المستمرة، ولا يناله إلا بمراقبة نفسه ونيته، فلا يتركها هكذا بغير مراقبة؛ فإن من أيسر الأمور على الشيطان الدخول على النية، وأيسر شيء عليه هو أن يغير الأمر بعد استقراره، وهذا أمر عظيم الخطر، لا بد للإنسان أن يراقب نفسه على الدوام، ومن هنا فاز السابقون وانتصر المجاهدون على أنفسهم، وكان لهم عند الله المنازل العالية بالمراقبة الدائمة والمحاسبة للنفس.
كما أمر الله بالمحاسبة والمراقبة والنظر إلى العمل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩]، ونسيان الله إنما يحصل إذا انشغل الإنسان بحظ نفسه ونصيبها، وهذا الذي يدفعه إلى أن يراقب الناس، وأن يحاسب نفسه على ما يقتضيه موقفه عند الناس، فينسى ربه وينسى نفسه والعياذ بالله، فلا بد للمسلم أن يعمل العمل وهو متصوّر لهذا العمل والغاية منه وما موقفه بين يدي الله من هذا العمل، وماذا سوف يجيب ربه عندما يسأله، نسأل الله ألا نناقش الحساب؛ فإنه من نوقش الحساب عُذِّب، كما أخبر الرسول ﷺ .
стр. 747
النظر إلى مدح الناس وذمهم سبب الهلاك والخسران
إن العبد الذي يكون مع الله هو العبد المخلص الذي يراقب نفسه ولا يتركها تطمح وتطمع فيما عند الناس، ولا فيما يقوله الناس ويظنونه به، هذا هو الذي ينجو بإذن الله ﵎، أي: من يكون مع الله بلا نظر إلى مدح الناس وذمهم، ومدح الناس هو الذي يسعى إليه أكثر الخلق إلا من رحم الله، ومن هنا كان هلاكهم نعوذ بالله من ذلك، فقول الناس وما يظنونه دفع أناساً إلى الحسد وإلى الكفر وإلى العناد رغم علمهم بالحق، فما الذي دفع كفار قريش إلى أن يكفروا بمحمد ﵊؟ ألم يكن ذلك بسبب ما يقوله الناس: إن بني هاشم سبقوا وقالوا: منا نبي فمن أين لهم أن يكون منهم نبي وليس منا نبي؟! ولذلك قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] فكلام الناس هو الذي يخافون منه، وهذا من أعظم الخطر.
ألم يكن سبب كفر فرعون هذا الكبر والعياذ بالله، ورؤية كمال النفس التي هي في الحقيقة من أفقر وأضعف وأحقر النفوس، ولكن الشيطان هو الذي يغذي هذا الأمر في نفس كل إنسان، فمن قاومه أفلح ونجح، ومن ترك نفسه على ما يغذيها الشيطان به من أنه هو الأفضل وهو الأحسن وهو الأعلى فهذا هو الذي يغلبه شيطانه، ففرعون قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢].
فإن هذه هي المشكلة الواضحة عند فرعون، وهي اعتقاده بأنه أفضل من موسى، فالعقدة في نفسه هل موسى أفضل منه أم هو أفضل من موسى؟ ولذلك يوازن عند قومه بينه وبين موسى، فكان كفره بسبب هذا الكبر والعياذ بالله، ولذا قال النبي ﵊: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وهذا هو الذي أدى إلى كفر إبليس والعياذ بالله، قال تعالى حاكياً عنه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
стр. 748
خطورة النظر إلى النفس بعين الكمال
النظر إلى النفس بعين الكمال ينافي حال الأنبياء والصالحين، كيف ينظر إنسان عاقل إلى نفسه على أنه الأكمل والأحسن وهو يعلم أن رسول الله ﷺ أكمل الخلق على الإطلاق وأعلاهم عند الله منزلةً يقول في دعائه: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت) ومع كل هذا الأمر يقول في خاتمة دعائه: (وما أنت أعلم به مني)، فهو يستشعر التقصير في السر والعلن، ويستشعر النقص والذنب والخطيئة فيما قدم وفيما أخر، وبعد كل هذا يقول: (أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير)، إذا كان هذا هو حال رسول الله ﷺ القائل للناس: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وهو ﵊ المعصوم من الذنب، وهو الذي لا يتعمَّد مخالفة أمر الله ومعصيته بإصرار أو بمعرفة قبل ذلك، وإنما ذنبه ﵊ إنما هو خطأ أو نسيان أو ترك لبعض الأَولى أو فتور عن ذكر مستحب، وهو مع ذلك يقول هذا الكلام، فكيف بمن دونه؟! وهذه نظرة المؤمن دائماً إلى نفسه؛ بأن يرى نفسه هالكاً إلا أن يرحمه الله ، وليس عنده عمل يستحق أن يقبل إلا أن يتفضل الله عليه، لسان حاله يقول في خطابه لربه: وجئنا ببضاعة مزجاة، فما الذي جعل إخوة يوسف يطلبون منه هذا الطلب ويطمعون فيه مقابل البضاعة المزجاةٍ، أي: البضاعة البائرة التي لا تروج ولا تقبل، وبسبب طمعهم في كرمه قالوا له: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨]، فهم يرجون منه الإكرام وأن يوفي لهم الكيل مع أن بضاعتهم مزجاة، وهكذا لسان حال المؤمن في معاملته لربه يرى نفسه المقصر الذي لا يستحق أن يقبل له عمل، ولكن طمعه في فضل الله ورحمته يجعله يتقرب إلى الله بهذا العمل اليسير، فقد قال رسول الله ﷺ : (واعلموا أنه لن يدخل أحدَكم الجنة عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فانظروا فيم كان الرجاء؟ وعلام كان التوكل؟ وبم تكون الاستعانة؟ ليس بالعمل! مع كونه ﵊ في غاية الكمال بالنسبة إلى البشر؛ لأنه فيما بينه وبين الله قد حقق ما ينبغي أن يكون عليه العبد من الذل والاستكانة والانكسار بين يدي الله؛ وما ذلك إلا لكمال هذه العبودية عنده، فهو نظر إلى النقص والتقصير ولم ينظر إلى الكمال، نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين.
стр. 749
ضرورة معالجة أمراض القلوب
لا شك أن القلوب تحتاج دائماً إلى مداواة لأمراضها؛ وهذا ينبني عليه تذكر الموقف بين يدي الله، وتذكر الآخرة، ومعرفة صفات الله على وجه الكمال، ومعرفة عجز البشر ونقصهم وضعفهم وخطيئتهم وذنوبهم، وأنه مهما كان حال العبد فإنه لا يمكن أن يصل إلى ما ينبغي أن يكون عليه، فإن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من عملهم.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 750
النظر إلى النفس بعين التقصير من علامات الكمال
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن الله عز جل أغنى الأغنياء عن الشرك، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، ولذا كان العمل الذي فيه نية إرادة الناس مع إرادة وجه الله غير مقبول عند الله تعالى، فقد سئل النبي ﵊: (أرأيت الرجل يقاتل يلتمس الأجر والذكر؟ قال: لا شيء له)، فهذا الرجل قاتل من أجل شيئين: الأجر من الله، والذكر من الناس، بأن يذكره الناس ويعرفوا مكانه، فقال ﵊: (لا شيء له) فالله هو الغني الكريم، وهو الغني الحميد، ومن غناه أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجه، ولذا كان على الإنسان أن يراقب نيته، وأن يكون مع الله دون نظر إلى الناس، وعندما ينظر الإنسان إلى نفسه بعين التقصير والنقص فإنه سوف يكون في معاملته مع الناس كذلك؛ لا يرى حقاً لنفسه، ولا شك أن هذا من علامات كمال النفس وأنها استغنت بالله ، فينبغي أن يكون الإنسان في معاملته للناس ألا يرى نفسه صاحب حق، ولا صاحب منزلة، ولا يرى نفسه أكمل منهم وأنهم لا بد أن يعطوه حقه، فإن هذا فضل الله عليه، فليس له من الخير نصيب وإنما هو الذي يجري على ألسنتهم أو أيديهم ما يكون فيه مصلحته، فكيف يطلبه منهم؟! ولذلك يكون عنده من الجود والكرم والسماحة ما يستغني به عن الانتقام لنفسه، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم لله فرسول الله ﵌ في معاملته مع الناس لا يراعي حق نفسه، والله لم يضيعه أبداً، ولم يجعل أحداً من الناس يناله بالسوء والأذى، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] بل جعل أصحابه يتسابقون إلى معرفة قدره وإلى تعظيم حقه، وإلى مراعاة منزلته ﵊.
إذاً: لم يكن ﵊ ينتقم لنفسه قط، وما طلب لنفسه حقاً، وإنما جعل الله قلوب الناس هي التي تفيء إليه بالحق، وهي التي تعطيه هذا الحق امتثالاً لأمر الله من غير طلب منه، وهذا هو الجود والكرم، فالإنسان الذي قد جاد بحقه، ولا يرى لنفسه حقاً، ولا يرى أنه قد قُصِّر في حقه؛ هذا هو الذي قد استغنى بالله ، فكان مع الخلق بلا نفس يراعي حظها، ويراعي نصيبها، فهو لم يطالبهم بما له عندهم، ولذلك كان هذا من المرحومين، كما قال النبي ﵊: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى، وكان فيمن كان قبلكم رجل كان من خلقه الجواز، كان يعامل الناس وكان يداينهم فكان يقول لغلمانه: يسروا على الموسر، وأنظروا المعسر أو ضعوا عن المعسر، فقال الله : نحن أولى بذلك منه، تجاوزوا عنه)، لم يكن له من عمل صالح كما قال ﵊ إلا أنه من خلقه التجاوز والتسامح والعفو والصفح، وهكذا كان رسول الله ﵌.
وهذه قصة ابن عم النبي ﵊ وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وتحريضاً عليه، مع أنه كان ينبغي له أن يكون من أشد الناس حرصاً على النبي ﵊؛ لأنه ابن عمه، فلما فتح الله على نبيه مكة وأسلم أبو سفيان بن الحارث كان النبي ﷺ يعرض عنه لما كان من أذاه له ومن شدته عليه، فاشتكى أبو سفيان بن الحارث إلى علي رضي الله تعالى عنه ما يجد من رسول الله ﷺ ، فقال له: (ائته من قبل وجهه وقل له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولاً منه، فجاءه من قبل وجهه وقال له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فالتفت إليه النبي ﵊ وقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢])، فهكذا كان ﵊ أحسن قولاً ورداً كما كان يوسف ﵇ أحسن قولاً ورداً؛ لأنه استغنى بالله ، والغنى بالله يجعل الإنسان في غير حاجة إلى ما عند الناس، ولا إلى ما يقولون أو يفعلون معه، ولا يلتفت هل أدوا إليه حقه أم لا؟ فإنه استغنى عن ذلك بالله ، استغنى بعبوديته لله سبحانه فاضمحل ما في أيدي الناس في نظره، ولم يلتفت إليهم قط، فإن عملوا شيئاً له فهم يعاملون الله به، وإن قصروا في شيء نحوه لم يشعر بهذا التقصير، ولم يلتفت إليه، فكان هذا الأمر من أخلاق النبيين.
فكان ﵊ يحسن استقباله بعد ذلك، ويرى فيه بديلاً عن حمزة رضي الله تعالى عنه.
стр. 751
الاستغناء بالله تعالى عما سواه
إذاً: فالإنسان الذي يستغني بالله بافتقاره إليه دون من سواه، فإن الله يغنيه عن كل ما سواه، ويجعل نفسه كريمة، فيها الجود وفيها السماحة، وفيها سهولة التعامل، وهكذا تضمحل الأمراض الأخرى من الحسد والتباغض، ومن التنافس على الدنيا، ومن حب الشهرة والرئاسة على الخلق، ومن حب الملك والسلطان، وما ترون في العالم كله من السعي إلى الدمار والهلاك والحرب والتنافس، وسفك الدماء وانتهاك الحرمات إلا من أجل ذلك.
كذلك من افتقر إلى الخلق أفقره الله ؛ لأن النفس خلقت فقيرة إلى الله وحده، تميل إلى أن تذل وتخضع لله وحده، فمن وجد فقره إلى الله كان أسعد السعداء، ومن ظن أنه سيستغني بشيء من المخلوقات مالاً كان أو جاهاً أو سلطاناً أو وجاهة عند الخلق، فإنه لا يزال في فقر، ولا يزال في ضنك وضيق؛ لأنه لم يخلص لله ، فالقلوب إذا سلمت وأخلصت لله استغنت به عما سواه، وتذللت له وانكسرت بين يديه سبحانه.
ومن أعظم أسباب حب الله للعبد هو انكساره بين يدي ربه، وأن يرى نعمه عليه ويرى عجزه وضعفه، وبذلك ينال درجة المحبوبية، وما العبودية إلا حب وانكسار وذل، بذلك يرتفع الإنسان ويعلو شأنه، وبذلك يكون قد حقق التوحيد وأخلص لله، ولم يشرك به شيئاً، فيستحق التمكين، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
فهذه العبودية الكاملة لله لا تحصل إلا بالانكسار والذل والخضوع لله ، ولا يحصل ذلك مع العجب والكبر والرياء، وطلب مدح الناس أو الخوف من ذمهم.
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.
اللهم ارزقنا الإخلاص في أعمالنا كلها.
اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في بورما، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فدمره تدميراً.
اللهم اجعل بأس الظالمين عليهم وكف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 752
أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله
الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان؛ لأن به يعلم الإنسان ضوابط علاقته مع المسلمين والكافرين، ومما يحتِّم وجود هذا الأمر الآن ما نراه من دعواتٍ تسارع في إرضاء الكفار وموالاتهم، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى الحذر منهم ومن أفكارهم التي هدَّمت المجتمعات، فيجب على المسلم أن يوالي الله ورسوله وعباد الله المؤمنين، وأن يتبرأ من الكفر والكافرين، وأن يحذر من الوقوع في أي مظهر من مظاهر الولاء والنصرة لهم.
стр. 753
الولاء والبراء وأهميته
الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: فلما كان حب الله هو أصل هذا الدين، وأصل تحقيق العبودية له ، مع الخضوع والذل له، ولما كان حب رسول الله ﵌ هو أصل متابعته والتصديق به، فإن تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله لا يحصل إلا بذلك، فكان بيان هذه المسألة ولوازمها والحذر مما يضادها من أوجب الواجبات، وذلك أن الله لم يكتف من عباده بأن يعبدوه حتى يتبرءوا من كل ما يعبد من دونه، قال : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وقال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]، وقال ابن عباس ﵁ وغير واحد في تفسير هذه الكلمة الباقية: هي كلمة (لا إله إلا الله)، جعلها الله كلمة باقية في نسل إبراهيم، فلا يزال في نسله من يقولها، فجعل هذا الموالاة لله والبراءة مما يعبد من دونه هي كلمة: (لا إله إلا الله).
فلا يصح إسلام وإيمان عبد حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، ومن هنا نعلم أن بغض من يعبد غير الله هو أصل من أصول الإيمان، ولا يتم إيمان العبد حتى يحصل ذلك.
стр. 754
الولاء الواجب
إن من أخص معاني الولاء والبراء: الحب في الله والبغض فيه، وهنا نجد أن أنواع الولاء والبراء هي: الولاء الواجب: والبراء الواجب، والولاء المحرم، والبراء المحرم.
والولاء الواجب: هو الحب الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا بوجوده، ولو كان ضعيفاً فلا بد من وجود أصله؛ فإذا زال أصل الحب لله ولرسوله ﷺ زال أصل الإيمان، وإذا نقص نقص الإيمان، وإذا اكتمل اكتمل الإيمان.
فالحب الواجب هو حب الله وحب رسوله ﷺ ، وحب المؤمنين، وحب الإيمان والعمل الصالح، وحب من أطاع الله ، كما قال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
تضمن هذا الحديث: الحب الواجب، والبراء الواجب، وهو كراهية الكفر، وكراهية من يعبد غير الله تابعة لذلك.
وقد أوجب الله حب الإيمان، قال : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
وقال النبي ﷺ : (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار).
فقد تضمن هذا الحديث الولاء الواجب، وتضمن البراء المحرم الذي هو بغض من آمن بالله ، فإن من تبرأ ممن نصر الدين فإنه يبغض الله ورسوله ﷺ ، ومن يبغض شيئاً من الدين فهذا والعياذ بالله من علامات الكفر والنفاق، كما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من نواقض الإسلام: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به.
إن المؤمن لا يتم إيمانه ولا يذوق حلاوة الإيمان حتى يكون الكفر عنده بمنزلة الإلقاء في النار، قال ﷺ (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
ولذلك نقول: إذا عَرضْتَ هذه النصوص القرآنية على ما يُدعى إليه الناس من التحاب في الإنسانية كلها، دون نظر إلى دين أو طاعة أو معصية، وأن الدين لا يفسد للود قضية، وأن الإنسان ينبغي أن يحب كل من ينتسب إلى الإنسانية، مع كون أصحاب هذه الدعوة لا يطبقونها، بل هم أعداء الإنسانية في الحقيقة، وإنما يعرفون حقوق الإنسان الذي هو من جنسهم، أما غيرهم فكأنهم لا يرونهم من البشر، بل يرونهم من الكلاب، كما نسمع هؤلاء الكفرة المجرمين، ومنهم ذلك الرجل المجرم الذي يعبر عن كراهته للإسلام وللمسلمين، ذلك اليهودي الكافر الذي صار عندهم من المقدمين، حتى صار مرشحاً لرئاسة وزرائهم، وهذا الخبيث يقول: إني أشعر بسعادة بالغة عندما أرى دم فلسطينيٍ أو عربيٍ أو مسلمٍ يراق، وذلك أن هؤلاء الكلاب ليس لهم عندنا إلا ذلك، يقصد المسلمين.
وبعد ذلك يقال: إننا لا بد أن نعاملهم بالحسنى، وأن نعاملهم بالاحترام والتوقير، ولا بأس أن نقدمهم في المجالس ونحو ذلك!! وقول هذا الخبيث يدل على مدى الكراهية والبغضاء التي تستوجب منا مزيداً من الكراهية، والله قد حذر المؤمنين من اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء، وذكر السبب وهو أنهم كفروا، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]، فكيف إذا انضاف إلى ذلك مزيد من الظلم والعدوان، بأن أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، وآذوا المسلمين لأنهم شهدوا أن لا إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وإذا كان الإنسان ملتزماً عندهم بشيء من شعائر الدين فله من الأذى والتعذيب أضعافاً مضاعفة عمن لم يلتزم بذلك، فهذا يستوجب مزيداً من العداوة لا مزيداً من التقرب والموالاة والمتابعة، قال الله : ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١].
هذا التحذير في الآية، مع أن ما فعله حاطب بن أبي بلتعة ﵁ كان إسراراً بالمودة من غير حقيقة وجودها، ولم يكن تصريحاً بالود، وإنما كان في صورة نصيحة، وذلك عندما راسل المشركين ببعض أمر رسول الله ﷺ ، وإنما راسلهم بما يفت في عضدهم في الحقيقة، حيث قال: إن محمداً قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فانظروا في أمركم.
وما فعل ذلك إلا مصانعة لهم على أهله وماله، فإذا كان من فعل ذلك من أجل حماية الأهل والمال فقد ضل سواء السبيل، فكيف بمن يحبهم ويتولاهم ولا يبغضهم؟! فهذا الحب والعياذ بالله لما هم عليه يعتبر من الكفر فضلاً عن أن يكون حباً من أجل الكفر، فهذا والعياذ بالله ينافي الإيمان بالله واليوم الآخر.
إذاً: فالولاء الواجب هو حب الله، وحب رسوله ﷺ ، وكذلك حب المؤمنين لأنهم أطاعوا الله، ولا يكون الحب في الله إلا مع استحضار طاعة الله ، ومتابعة شرعه في النفس، فلا يحبه لأجل موافقة الطباع، ولا لأنه يحسن إليه في المعاملة، بل يستحضر طاعته لله وانقياده لشرع الله، وحبه لله ولرسوله ﷺ فيحبه من أجل ذلك، وهذا الحب لا ينقص مع التباعد والاغتراب، بل ربما ظل الحب كما كان قبل ذلك، مع تباعد الأقطار، ومن هنا قال النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
فلم تفرقهم الدنيا بل ظل الحب باقياً، ولم تؤثر فيه تلك المباعدة التي قدرها الله عليهم، ومن هنا كان حب المؤمنين لرسول الله ﷺ ، ولأنبياء الله قبله، ولأصحاب رسول الله ﷺ وأصحاب الأنبياء حاصل رغم تباعد الأزمنة ذلك البعد الطويل.
فإذا سمع الإنسان قصصهم ورأى صفاتهم تتلى عليه في كتاب الله أحبهم، ولا بد من أن يحبهم إن كان في قلبه الإيمان، فهذا هو الحب الواجب أو الولاء الواجب.
стр. 755
الولاء المحرم
أما الولاء المحرم فهو حب الكافرين على كفرهم، أو من أجل كفرهم، كأن يقول: إن كفرهم لا يضر، أو أمر دينهم لا يعنيني واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
فمن يرى أن اختلاف الدين وأن عبادة غير الله لا تفسد للود قضية، أهذا يمكن أن يكون محباً لله ؟! أهذا يمكن أن يكون قد آمن بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]؟! إن العذر الذي يتعللون به أنهم يخشون الدائرة؛ يخشون أن تنزل هزيمة بالمسلمين، فتراهم يصانعون المشركين والكافرين من اليهود والنصارى، وهكذا كان يفعل المنافقون: ((يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ))، قال الله : ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٣].
إن هذا أمر عجيب يتعجب منه المؤمنون، يقولون: أيمكن أن يكون هؤلاء منكم وهم في نفس الوقت يسارعون في اليهود والنصارى؟! قال : ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥٣]، فموالاة الكفار موجبة لحبوط العمل وموجبة للخسران في الدنيا والآخرة، وجالبة للردة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٤ - ٥٦].
إن شروط العضوية في حزب الله هي كالآتي: أن يكون الإنسان مؤمناً، مقيماً للصلاة، مؤدياً للزكاة، يركع ويخضع لله ، لا ينحني لسواه.
أرأيتم حزباً من أحزاب أهل الأرض اليوم يشترط في شروط عضويته تلك الشروط؟! بل يحرم عند القوم أن يقوم الحزب على أساس من الدين.
إذاً: لا بد أن يقوم حزب الله على الدين؛ حتى ينال النصر والتمكين والغلبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] وإن ظن الناس أنهم قلة، وأنهم أذلة، وأنهم مهزومون الآن، لكن عاقبة الأمر لهم.
ومن الولاء المحرم: محبة الكافرين لأنهم فصلوا الدين عن الحياة، كم من يقول: إنهم إنما تقدموا عندما أخروا الدين وتركوا هذه الخزعبلات، أو يحبهم لأنهم حاربوا الدين، كمن يحب ماركس ولينين مثلاً من الشيوعيين الذين يعتقدون أن الدين أفيون الشعوب، لا أنهم لم يطبقوا الدين في نظم الحياة، وأنهم جعلوا الدين مسألة شخصية، فهو يرى أن الفصل بين الدين والحياة هو المطلوب، وأن ذلك هو الواجب، وكمن يحب من يمنع من إقامة الحدود وغيرها بزعم أنها وحشية وتخلف ورجعية، فهذا لا يحبهم رغم كفرهم، بل يحبهم من أجل كفرهم، وهذا أشد والعياذ بالله ممن يحبهم رغم كفرهم.
بل قد تجد أناساً كثيرين يحبون الكفرة لأنهم يؤذون المسلمين ويحاربونهم، فهذا شر أنواع الكفر.
стр. 756
أمور لا تعد موالاة للكفار
أما المحبة الطبيعية التي قد توجد في الإنسان لقرابته ومن يعاشرهم، كمن يتزوج مثلاً امرأة كتابية يهودية أو نصرانية، فقد دلت أدلة القرآن والسنة على جواز ذلك، لكن لا بد أن يبغضها لدينها، فإن كان يحب عشرتها، أو شكلها أو نحو ذلك، فليحول حبه الطبيعي ذلك إلى حبه لإسلامها وهدايتها.
ومثل ذلك في الأب والأم وغيرهما، يحسن إليهما لعلهما أن يهتديا، مع لزوم البغض على الدين إلى أن يؤمنا، وإذا مات أبوه كافراً تبرأ منه كما تبرأ إبراهيم من أبيه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤] أي: لما مات على الكفر وتبين عداوته لله تبرأ منه، ولذا لم يأذن الله لنبيه ﵊ أن يستغفر لأمه، ولم يأذن الله لنبيه ﷺ في أن يستمر في الاستغفار لعمه، بل قد استغفر له فلم يقبل استغفاره، مع أنه كان يحوطه ويحميه، ولكن كما قال : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣].
وهذا الحب الطبيعي يلزم معه وجود البغضاء على الدين، وإن أحسن عشرته، فهناك فرق بين الإحسان والبر والقسط والعدل، وبين الموالاة والمحبة، كما قال : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
قال الإمام الشافعي ﵀ في هاتين الآيتين: فكان ما أمروا به من البر والإقساط غير ما نهوا عنه من المحبة والموالاة.
إننا نحسن إلى من لم يحاربنا في الدين، ونعدل مع كل الخلق، حتى إننا نعدل مع من حاربنا ولا نظلمه، وإن قاتلناه وحاربناه، حتى في قتله نحسن القتلة، كما قال النبي ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة).
إذاً: هناك فرق كبير بين أن نحسن معاملة من نريد دعوته إلى الإسلام، وبين المحبة والموالاة التي نهى الله عنها؛ لأنه ليس كل من نحسن معاملته نكون محبين له.
إن البر والإحسان إلى الكافر أو العاصي هو أن تطعمه إذا جاع، وتكسوه إذا عري، وتمرِّضه إذا مرض وتعوده، فهذا مما لا بأس به إذا كان يعود عليه بالنفع، وذلك بدعوته إلى الإسلام، أو كف شره عن المسلمين أو نحو ذلك.
وكذلك يجب التعامل معه بالعدل، كأن تبيع منه وتشتري، وتفي له بالعقد، وأن تعمل معه في إجارة أو في شركة أو مضاربة، فإن هذا لا يستلزم موالاة، ولا محبة، وإن كان الأولى أن تعامل المسلم وأن تنفعه، لكن حسب المصلحة، فلقد باع النبي ﷺ واشترى من المشركين من أهل الحرب ومن أهل العهد، وكان النبي ﷺ يقر أصحابه على البيع والشراء والسفر إلى بلاد الكفار للتجارة، ويقر مجيء الكفار إلى بلاد المسلمين للبيع والشراء، وذلك عندما جاء نبطي من أنباط الشام يبيع الطعام في المدينة، فلم تكن الموالاة في البيع والشراء، كما يحاول بعض الجهلة أن يوهموا المسلمين أن مجرد البيع والشراء موالاة للكفار.
стр. 757
حكم المقاطعة التجارية
إن البيع والشراء مصلحة، والإجارة والاستئجار مصلحة، ويمكننا أن نقاطع البيع والشراء، ويمكننا أن نبيع ونشتري، فقد فعل النبي ﷺ الأمرين، وهذا حسب المصلحة، فإن ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه كان قد أسرته خيل المسلمين مشركاً قبل إسلامه، فجيء به إلى النبي ﷺ ، فربطه في المسجد؛ ليغير وجهة نظره عن الإسلام، بصحبة المسلمين ورؤيتهم في أثناء عبادتهم، وقد كان أبغض شيء إليه هذا الدين، فحبسه ثلاثة أيام، ففي اليوم الأول قال له النبي ﷺ : (ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ ، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك يا محمد: إن تمنن تمنن على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ ، فلما كان في اليوم الثالث قال له مثل ذلك فقال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة).
فمنَّ عليه النبي ﵊ وأحسن إليه، وكان ثمامة قد تغير في هذه الأيام الثلاثة، فانطلق ثمامة ﵁ ولم يكن قد أسلم عند ذلك، وأبى أن يسلم وهو في الأسر، فأطلقه النبي ﷺ ، وهذا من الإحسان والمن والبر به، من غير فداء، ومن غير قتل، فانطلق إلى أقرب بستان فيه ماء فاغتسل وعاد إلى المسجد، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وقال: (والله يا رسول الله! ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فصار أحب الدين إليَّ، وما كان من وجه أبغض إلي من وجهك، فصار أحب الوجوه إلي، وما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فصارت أحب البلاد إليَّ).
انظر كيف يفعل الإسلام بمن يخالفه، فـ ثمامة لم يكن قد رأى النبي ﷺ قبل ذلك ولا سكن ببلده، ولكن حبس ثلاثة أيام في المسجد، فتغير كل شيء عنده، وصار أحب شيء إليه الإسلام، ووجه النبي ﵊، وبلد النبي ﵊، ثم إنه اعتمر فقيل له: صبأت وتابعت محمداً، فقال: بل أسلمت لله ، ووالله لا تأتيكم حبة من سمراء اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
وكان ثمامة سيد بني حنيفة، فنهى عن بيع القمح وقاطعهم مقاطعة شديدة حتى أكلوا الوبر والعلهز، وحتى أكلوا فضلات الحيوانات وأكلوا الميتة، حتى راسلوا رسول الله ﷺ يناشدونه الله والرحم أن يأذن لـ ثمامة في أن يرسل إليهم الميرة من القمح؛ لأنهم قد جاعوا، فأذن له النبي ﷺ بالبيع والشراء، وامتنع عندما كانت المصلحة في ذلك.
فالعبرة بالمصلحة، فما دام البيع حلالاً، ولم يكن فيه إعانة على معصية فهو جائز، أما إذا كان فيه إعانة على معصية كمن يبيع العنب لمن يتخذه خمرًا، أو يبيع السلاح في الفتنة، أو يبني لهم كنيسةً أو معبداً، أو يؤجر لهم ما يستعملونه في المنكر والعياذ بالله، أو يعينهم على شيء من كفرهم وباطلهم، فإن هذا من المحرمات، قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، وربما دخل في الكفر والعياذ بالله إذا كان مقراًً بكفرهم.
стр. 758
حكم قبول هدية الكافر والإهداء له وتهنئته بعيده
إن الإنسان يمكن أن يحسن إلى قريبه الكافر ويهدي له، ويقبل هديته، فإن عمر أرسل بحلة إلى أخيه المشرك بمكة يتألفه بها، وقبل النبي ﷺ هدايا بعض المشركين؛ لكي يتألفهم بها، ورد هدايا بعضهم، وقال: (إني نهيت عن زبد المشركين) أي: عطاياهم، وذلك أن من يريد بهديته المحبة والموالاة ترد هديته، ومن يريد أن تداهنه في الدين، كمن يهدي إليك في العيد لتحرج وتضطر إلى الإهداء إليه في عيده فلا تقبل منه، ولا تهدي إليه في عيده؛ لأنه لا تكون التهنئة إلا في الأعياد المشروعة، التي هي عبادة لله سبحانه وطاعة فلا يجوز أن تسوي بين الحق والباطل، بأن تهنئ الكافر بعيد يحتفل فيه بالشرك بالله، وبميلاد الرب أو بموته، أو نحو ذلك، فإن الله لا يرضى بالتهنئة على المعاصي، فيكف على الكفر؟! ولو أن إنساناً سب أباك أو سب قريباً لك تحبه، ثم إنك في موعد سبه من كل عام تأتي له بهدية، وتقول له: كل عام وأنت بخير، أيعقل هذا؟!! وهل يمكن أن يتصور أن من يفعل هذا يحب أباه أو قريبه؟! لا يمكن ذلك أبداً، فإذا كانوا قد سبوا الله ، وقد قال النبي ﷺ : قال الله : (شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، قال: وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً).
فكونك تأتي في موعد السب وفي موعد الضلال وتأتي له بهدية أو تشاركه في حفله بذلك أو تهنيه على ذلك فهذا لا يفعله من يفهم شيئاً من توحيد الله ، ويوقن بما أمر الله به من الولاء في الله، والعداء من أجله .
والبراء الواجب هو بغض الكافرين، كما قال عن إبراهيم والذين معه لما قالوا لقومهم الكافرين: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا﴾ [الممتحنة:٤]، أي: ظهر ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤ - ٥].
هذه هي الأسوة الحسنة، مع أن إبراهيم ﵇ لم يؤمر بقتال، وكثير من الناس يخلط بين القتال وبين العداوة والبغضاء، ويظن أن هناك تلازماً بينهما، ويظن أن كل من عاديناه لا بد أن نحاربه، وهذا غير صحيح، فيمكن أن تبغضه وتعاديه وأنت لا تحاربه ولا تقاتله؛ لأن هناك محاربة من نوع آخر، وهي فراق في الاعتقاد، وبغض بالقلب واللسان، والمعاملة التي أمر الله أن نعامل بها الكفار بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] وقوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، فالقتال لا يلزم في كل الأحوال؛ فإن النبي ﵌ قد ترك قتال المشركين مدة من الزمن ولم تكن هناك موالاة.
стр. 759
شبهة القول بجواز حب وموالاة المعاهدين والذميين والجواب عنها
إن البعض من أهل الجهل والضلال -إن لم أقل: من أهل الزندقة والنفاق-والبعض ممن ينتسب إلى الدين أو الدعوة، ربما حاول صرف الآيات التي وردت في النهي عن موالاة اليهود والنصارى، وقال: إنما هذه في المحاربين فقط دون المعاهدين والذميين، وأما المعاهدون والذميون فلا بأس في حبهم.
أقول: إن هذا هو الضلال المبين؛ فإن الله ما أذن في حب كافر أصلاً حتى ولو كان معاهداً أو ذمياً أو قريباً أو بعيداً أياً ما كان؛ لأن المرء مع من أحب، فندعو الله أن يجعل هؤلاء مع من أحبوهم، وإن كانوا معاهدين أو ذميين أو مستأمنين أو غير ذلك، فضلاً عمن تزداد أذيته للمسلمين حيناً بعد حين.
ومعلوم أن الآيات وهي على عمومها لا ينازع في عمومها عالم من أهل العلم، وإنما كما ذكرنا الذي يترك أحياناً القتال والمحاربة بالسيف، أما العداوة والبغضاء فهي من أعمال القلوب ولا تترك أبداً، فإبراهيم ﵇ ومن معه من المؤمنين به قالوا: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فلم يجعل هناك غاية من المصالح مثلاً أو غاية من العهد والهدنة، أو ترك القتال، أو قال: إنهم أصبحوا لا يؤذوننا الآن، أو قال: إنهم ردوا بلادنا إلينا، وما قال: إنهم أرجعوا الذين أخرجوهم من ديارهم إلى ديارهم، أو أقروا بحقهم في العودة أو نحو ذلك، فإنهم لو ردوا كل شبر إلى المسلمين وأرجعوا المسلمين إلى ديارهم آمنين، فإن رجوع المستضعفين من المسلمين إلى ديارهم تحت حكم اليهود أو المشركين ليس هو العود الذي يرضي المسلمين، إنما الذي يرضيهم أن يعودوا يعلوهم سلطان الله وحكم الله وشريعة الله، فهذا هو العود الذي يستحقونه، وأما أن يعودوا مواطنين من الدرجة العاشرة تحت سلطان اليهود أو غيرهم فما هذا بالرجوع المطلوب شرعاً، على أنهم لو أرجعوهم وردوا كل الحقوق إلى أصحابها، وذهبوا من الأرض التي احتلوها، وخضعوا للمسلمين خضوعاً تاماً، بل لو أدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لما جاز أن تترك العداوة والبغضاء بيننا وبينهم حتى يؤمنوا بالله وحده.
هذا هو نص القرآن الذي لا يحتمل الأمر بياناً بعد هذا البيان: إنما تزول العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، أما القتال فيزول بالعهد، ويزول بالهدنة، ويزول بعقد الذمة، ويزول بالأمان، فيمكن أن نترك القتال لمصلحة نراها بعد ذلك، ولا يكون ترك القتال دالاً على زوال البغضاء كما يزعمون، فهذا أمر لا يقوله من آمن بكتاب الله وبسنة رسوله الله ﷺ ومن آمن بالله واليوم الآخر.
стр. 760
البراء المحرم
أما البراء المحرم فهو البراءة من المسلمين لأجل إسلامهم وطاعتهم لله ، كما ذكرنا قول النبي ﷺ : (آية النفاق بغض الأنصار)، وكما قال علي بن أبي طالب ﵁: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليَّ: ألا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق).
فمن أبغض المؤمنين لإيمانهم وأبغض ما جاء به الرسول ﷺ أو شيئاً منه، أو أبغض الملتزم بالطاعة لأجل التزامه بها، فهذا لا يكون مؤمناً، بل هذا كافر أو منافق؛ وذلك لأن بغضه ذلك يدل على بغضه للطاعة وبغضه لأمر الله ، وهذا لا يصدر من مسلم أبداً، كمن تجده مثلاً يحب إنساناً ويتعامل معه بالحسنى، فإذا علمه محافظاً على الصلاة أو تالياً لكتاب الله بدل المجلات العارية، أو أنه يذهب إلى مجالس العلم بدلاً من أن يذهب إلى السينما ونحوها، اتخذ منه موقفاً عدائياً، وكره ذلك منه، فهذا البغض محرم.
وإذا كان البغض من أجل موقف دنيوي فإنه لا يجوز، ويدخل في المحرمات لا في الكفر والنفاق؛ لقول النبي ﷺ : (لا تباغضوا)، فلا يجوز أن نتباغض على الدنيا، ولا يجوز أن نتباغض من أجل فوات حظ منها، فكيف بمن يبغض إنساناً لأجل أنه رآه يصلي! فهذه كراهية للصلاة، أو أن يبغض امرأة محجبة لأنها تحجبت، وقد علمتم قصة تلك التركية التي دخلت البرلمان وهي متحجبة، وقامت الدنيا ولم تقعد، وأخرى في تركيا أيضاً طردوها من الكلية، بل حرموها من الجنسية، وقالوا: لا يجوز أن تكون هذه المرأة من الأمة التركية؛ لأنها تحجبت، فلا يمكن أن يكون هذا إلا بغضاً للحجاب، وبغضاً للطاعة، وبغضاًَ لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هذا إذا كان الإنسان قد علم أنه من الدين، ولا يمكن أن يحتمل الأمر عنده جهلاً، فإن هناك أموراً قد يجهلها الإنسان ويظن أنها تطرف كاللحية مثلاً، فقد يظن أن اللحية من التطرف، فيبغض الملتحي لأجل أنه متطرف، أما إذا علم أن الكتاب والسنة قد دلا على إعفاء اللحية، وعلم أن الرسول ﷺ كان ملتحياً وأمر بإعفائها، ثم حاربه بعد ذلك وأبغضه من أجل ذلك، فهذا يدخل في النفاق والعياذ بالله، وهذا من البراء المحرم.
стр. 761
الفرق بين الكراهية والإكراه وضابط كل منهما
هناك فرق بين الكراهية والإكراه، فليس كل كاره يكون مكرهاً، فالكراهية عمل من أعمال القلب، والإكراه لا بد فيه من ضرر معتبر شرعاً يقع على الإنسان، سواء كان في نفسه أو في ماله أو عرضه بما يتناسب مع الأمر المكره عليه، فإذا غلب على ظنه أنه يوقع به ذلك الضرر أو تيقن وعلم أنه لا يقدر على ذلك، وعجز عن التخلص ولو بالفرار، وكان الإكراه فورياً، وكان قلبه مطمئناً بالإيمان، جاز له أن يفعل ما طلب منه ولو أن ينطق بكلمة الكفر، ولم يجز له أن يعتدي على مسلم؛ لأن حق أخيه ليس بأقل من حقه، فأنت لا تفدي نفسك بأخيك، ومن هنا أجمع العلماء كما نقل القرطبي على أنه لا يصح الإكراه على قتل مسلم، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، بل لا يصح الإكراه على قتل معصوم ذمي مثلاً؛ لأن الإكراه إنما هو فيما بينك وبين الله في حقوق الله ، كما لو أمروك أن تسجد لصنم، فانو السجود لله، ولو كان لغير القبلة، ولا يستطيعون منك غير ذلك.
أما أن تكره على انتهاك عرض مسلم أو أذيته بضرب وتقول: ماذا أصنع إنما أنا عبد مأمور، فهذا الأمر لا عذر فيه بالإكراه، بل الإنسان مسئول عن تصرفاته في ذلك، فإن أتى كفراً فهو كافر، وإن أتى معصية فهو عاصٍ، فأحياناً يطلبون منه أذية مسلم بضربه، وأحياناً يطلبون منه ما هو أشد من ذلك، كأن يقولوا له: كل من وجدت من المسلمين فاقتله مثلاً، أو فحاربه، أو كل مظهر من مظاهر الإسلام فحاربه، فهذا إن أطاع في ذلك لا يكون مكرهاً.
وكذلك هناك فرق بين الكراهة والإكراه؛ إذ إن هناك من لا يكره، ولكن يحرج ويكون كارهاً للأمر ويتمنى ألا يقع، وهولم يهدد ولم يرغم على ذلك، فيختار الكفر والعياذ بالله، وهذا قلبه ليس مطمئناً بالإيمان، كالرجل الذي دخل النار في ذباب، فإنه إنما دخل النار في ذباب بمجرد أن طلبوا منه ذلك قدم الذباب، كما قال النبي ﷺ : (مر رجلان على صنم لا يجوزه أحد إلا قرب شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: لا أجد شيئاً أقرب، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب شيئاً لأحد دون الله، فضربوا عنقه فدخل الجنة)، فهذا يدلنا على أنه ليس بمجرد الطلب ولا بمجرد العرض تقبل أن تقع في الكفر.
стр. 762
البراء الواجب
أما البراء الواجب فهو عداوة الكفار، وهذا يتضمن السعي في إزالة باطلهم، لا السعي في تأسيسه وتقويته ونشره في الناس، ويتضمن منع المسلمين من أن ينال هذا الباطل وهذا الكفر شيئاً منهم، ويتضمن السعي في إزالة عبادة الطواغيت من على وجه الأرض، وذلك واجب على كل مسلم كوجوب الكفر بالطاغوت؛ لأن الكفر بالطاغوت يقتضي بغضه ومعاداة أهله، والسعي في إزالة عبادة الطواغيت كما قال ربعي ﵁: (إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
أما أن يكون راضياً مقراً -وهي درجة دون المحبة والنصرة- بأن يعبد غير الله فذلك دليل على أنه لم يشهد أن لا إله إلا الله بصدق؛ لأنه يشهد أن من عبد غير الله على حق، وكذلك يشهد أن محمداً رسول الله وفي نفس الوقت يشهد لمن كذبه أنه على حق، ويكون ذلك عنده كله سواء، كالمذاهب المختلفة التي توصل إلى المطلوب، وأن الخلاف معهم إنما هو في دائرة النبوة فقط، كما قال قائل يوماً: إن الخلاف مع النصارى ليس في التوحيد وإنما هو في النبوة فقط! أقول: كلا الكلمتين كفر، أي: الذي يقول: إن الخلاف معهم ليس في التوحيد، والذي يقول: إن الله ثالث ثلاثة، هما سواء في الكفر بنص القرآن.
إذاً: ليس معنى البراء الواجب أننا سوف نسفك دماءهم، وأننا ننتهك كل حرمة لهم، بل يمكن أن نحسن عشرتهم، وليس الحل للمشكلة أننا نقر بدينهم من أجل أن نعايشهم؛ بل نعايشهم بما أمر الله من غير ظلم ولا عدوان، وبحدود شرع الله ، ولا يعني ذلك أن نقر الباطل، أو أن نقر الكفر والعياذ بالله؛ لأن هذا نقض لشهادة أن لا إله إلا الله، كذلك الذي يقول: إن عبادة غير الله لا بأس بها، فهذا نقض شهادة أن لا إله إلا الله، والذي يقول: إن الخلاف لم يكن إلا في أمر النبوة، ولو سلمنا ذلك فمعنى كلامه أن الذي يكذب النبي ﷺ يبقى الخلاف معه يسير وسهل، ولا يفسد للود قضية والعياذ بالله، أو أن الخلاف فيه سائغ مثلاً، كما قال رجل منهم يوماً من الأيام: إن المؤمنين في اصطلاح القرآن ليسوا أتباع دين خاص، ولكنهم المؤمنون بالإله الواحد! يعني: أن المكذبين للأنبياء مؤمنون بالإله الواحد، وأن من كذب النبي ﷺ يقال له: لا بأس، أنت لم تشهد أن محمداً رسول الله؛ لأنك تجوز تكذيبه، نقول لهذا وأمثاله: إن من يكذب الرسول ﷺ ، ويكذب القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] من كذب ذلك فقد كذب الله، وهل نشهد لمن صدقه بالحق ونشهد لمن كذبه بأنه على حق أيضاً؟ لا يمكن ذلك أبداً، فهذا يكذب قول الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
إذاً: المعاملة بما شرع الله هذا باب آخر لا بد أن نعلم الفرق بين الأمرين؛ لأن الخلل في ذلك خلل خطير جداً، وهناك من يحتج على حب الكفار بقول الرسول ﷺ : (ابدءوا بجارنا اليهودي)، نقول: الإحسان إليه ليس دليلاً على الموالاة، مع أن الحديث في سنده نظر، لكن قد قبل النبي ﷺ الهدية من الكفار، وأجاز الإهداء إليهم، والرسول ﷺ قد أرسل بعض الهدايا إلى الكفار، وأقر إهداء بعض الصحابة لأقربائهم الكفار، وأمر أسماء أن تصل أمها، وهذا حق لا شك فيه، ولكن فرق بين هذا وبين الرضا والإقرار وترك العداوة، فالعداوة هي: أن تسعى إلى إزالة هذا الباطل، وإذا مكنك الله من إهدار الباطل كما أمر الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أذلاء، فهذا هو الواجب الذي لا يجوز غيره.
стр. 763
من معاني الولاء: الطاعة والمتابعة
من معاني الولاء: الطاعة والمتابعة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيْمَاً حَكِيْمَاً﴾ [الأحزاب:١]، وقال : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
والولاء الواجب في ذلك هو أن تطيع الله ورسوله وأولي الأمر من المؤمنين، وهم العلماء والأمراء الذين يقودون الناس بكتاب الله، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩].
والمتابعة: هي أن نتبع ما أنزل الله إلينا، نتبع سنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، ونتبع ما عليه جماعة المؤمنين، ولا نتبع سبيل الكافرين؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
стр. 764
مظاهر الولاء المحرم
من مظاهر الولاء المحرم: طاعة الكافرين ومتابعتهم في الكفر -كما ذكرنا- من غير إكراه.
ومن مظاهر الولاء المحرَّم: أن يرفع الصليب مثلاً، أو يعظم كفرهم وباطلهم والعياذ بالله، أو يطيعهم في أن يسب الله أو رسوله ﵌.
ومن المظاهر: أن يطيعهم في أن يهين المصحف مجاملة لهم، أو أن يخرج من الدين ويقول: إننا سواء بسواء مجاملة لهم، فهذه المتابعة تقتضي طاعةً في الكفر فيكون صاحبها كافراً.
أما إذا أطاعهم في المعصية فذلك على حالين: إما أن يعصي وهو يقر بأنها معصية، ويقر على نفسه بالذنب، فهذا حكمه حكم أصحاب الذنوب، وإما أن يطيعهم أو يتابعهم مع اعتقاد أنهم طالما أمروا أو فعلوا فيلزم متابعتهم حتى ولو خالفوا الشرع، ولا يجوز هذا من مسلم، لكن أن يقول: طالما أني أعمل عنده وأني موظف لديه فلو أمرني بأي شيء فلا بد أن أجيب ولو خالف أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، فمثل هذا إذا استحل مخالفة الشرع، وإذا استحل المعصية، أما لو كان يريد نشر الإباحية في بلاد المسلمين، فهو لو أتيحت له الفرصة لفعل، لكن هو يرى أنه آثم عاصٍ ومقصر، ولو تكرر ذلك منه ولو عزم أن يفعله مرة ثانية، فهذا له حكم أصحاب الذنوب، أما إن كان يقول: هذه هي الحرية والمدنية، هذا هو التقدم، دعوكم من التقاليد البالية التي تقيد هذه المشاعر الإنسانية النبيلة، مثل الحب والعشق والغرام، فهذا كفر بالله تعالى.
ومن مآسي هذه الدعوات أن امرأة فاجرة هربت مع جندي أمريكي وتزوجته في الكنيسة والعياذ بالله! فهاجت الدنيا ولم تقعد! ومع ذلك يقال: ما هذه التقاليد البالية التي تمنع هذه المشاعر النبيلة، ويقصد هؤلاء بالتقاليد البالية المحرمات الشرعية في الدين، وبعضهم يحارب العبادات الشرعية ويسميها: تقاليد، ويعني بذلك الصلاة والطواف بالكعبة وغير ذلك من العبادات، وعندما يرى الملايين من المسلمين يعظمون الكعبة يصاب بحقد فظيع، فمن تابع هؤلاء في ضلالهم، فيعمل المعصية ولا يقر أنها معصية، بل يرى أنها تقدم وحضارة ومدنية، فهو مطيع لهم في الكفر والعياذ بالله؛ لأن هذا قد استحل الكفر، كذلك لو أقر بأن الشرع قد حرم ذلك ولكن قال: إن الشرع لا يلزم هذا الزمان، ونحن في القرن الحادي والعشرين، فكيف نرجع إلى ما كان قبل أربعة عشر قرناً من الزمان؟! نقول: هذا متابعة على الكفر.
كذلك من مظاهر موالاتهم: الصداقة لهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)، وقال: (المرء على دينه خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران:١١٨]، أي: لا يقصرون في اضطراب أموركم، قال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]،أي: ودوا عنتكم وتعبكم ومشقتكم.
وقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]، يعني: هذه الصداقة يعلنها أولياؤهم علانية، وربما أظهروا الحزن عليهم أعظم مما يحزنون على المسلمين لو ماتوا، بل ربما يقتل في اليوم عشرات وأحياناً مئات من المسلمين ولا يؤبنون بمثل تأبينهم رابين مثلاً، نسأل الله العفو والعافية! هذه كلها مظاهر خطيرة تتسرب إلى المسلمين من حيث لا يشعرون، وكما ذكرت التعلل والستار في ذلك أن الشرع أمر بالبر والقسط، وأن الشرع أمر بالإحسان في المعاملة، ونحو ذلك، وهذا خلل كبير لا بد من الحذر منه، وهذه القضية لا بد أن تدرس تفصيلاً، ولا بد أن يتعلمها كل مسلم وأن يتفقه في دينه، ويعلم ما هي الحقوق وما هي الواجبات، وما هو الولاء الواجب، وما هو البراء الواجب، وما هو الولاء المحرم، وما هو البراء المحرم.
وهذه معظمها من فروض الأعيان خصوصاً ما يتعلق بأمر القلوب.
نسأل الله أن ينفعنا بما قلنا وسمعنا، ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
نسأل الله أن يعز المسلمين في كل مكان، وأن ينصر المسلمين في فلسطين وفي الشيشان، وأن يحفظ المسجد الأقصى ويرده إلى المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 765
خطبة الجمعة الأولى من شعبان ١٤٢٤ه ـ
لا يزال المؤمن مع ربه ﵎ في ارتباط واتصال، يرى بين كل وقت وآخر قدرته وحكمته، وتحقق وعده، والمؤمن مع ربه تعالى في وعوده تجاهه بين شد وجذب في الظاهر، فقد يلمح نصر ربه ويتيقن تحقق وعده فيزداد به ارتباطاً ويقيناً ومنه قرباً، وقد يبتعد نصر الله وتختفي من الكون الأمارات على تحقق وعده فهو في هذه الحال بين طريقين: إما أن يضطرب ويتشكك ويضعف إيمانه فيبوء بالخسران المبين، وإما أن يزداد به إيماناً ويقيناً، ويرى مواطن الخلل والضعف فيعالجها، ولسان حاله كما قال سبحانه عن أهل الإيمان: ((هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)).
стр. 766
الوعد الحق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الحمد الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، الحمد لله صادق الوعد لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
الله وعد المؤمنين في هذه الدنيا بالنصر والتمكين، ووعدهم في الآخرة بالرضوان والجنان بفضله، فهو الرحمن الرحيم .
قد يبدو للناظر المتأمل في أحوال أهل الأرض عندما يرى تسلط أعداء الله عليهم، قد يبدو له تأخر وعد الله ، ولكن المؤمن دائماً يرى ما أراه الله في كتابه، وما أراه الله النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من أنه صادق الوعد ، كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه الجامع: (أنت الحق ووعدك الحق) ولا بد أن يشهد المؤمن هذا المعنى ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥٥] يشهده كما أشهده الله لأم موسى حين رده إليها كي تقر عينها ولا تحزن، قال الله تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].
فالله وعده في الدنيا ووعده في الآخرة حق لا يخلف كما قال فيما وعد به المؤمنين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
стр. 767
تحقق وعد الله في الابتلاءات والمحن
يشهد المؤمن عندما يقع في أنواع المحن والابتلاء أنه إنما هو من وعد الله ، كما قال : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
فكان هذا هو وعد الله لهم، كما قال الله تعالى: ((هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ)).
مع أنه كان بالابتلاء والمحنة، وبهجوم الأعداء ومحاصرتهم للمدينة المنورة المشرفة، وأوشكوا فيما يبدو للناظرين إذا لم يوقنوا بوعد الله أوشكوا أن يستأصلوا الإسلام وأهله، ولكن كان هذا هو وعد الله الذي ذكر في قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
تخطر الخواطر في القلوب، وتأتي الواردات عليها وتتفاوت في قوتها وضعفها حين تشتد المحن على أهل الإيمان، وأهل الإيمان يرون في المحن وعد الله الذي لا يخلف، وهو وعد لهم بأنهم يزدادون في المحن إيماناً وتسليماً، ويزدادون إيماناً بمزيد حب الله الذي يفيضه عليهم، وبمزيد التصديق بأمره سبحانه، والانقياد لحكمه، وبمزيد التصديق بسننه التي أخبر بها، ويزدادون رجاءً في فضله، ويزدادون خوفاً منه، وتنقطع قلوبهم إلا من التوكل عليه ، وعن الأسباب كلها إلا من التوكل عليه، لذا كان وعداً لهم بفضله ورحمته مع أنه فيما يبدو للناظرين أمر مؤلم ومخوف، وضرر يحيط بهم فيما ينظر الناظر، ولكنه وعد الله سبحانه قدره ليرقيهم في منازل العبودية منزلة بعد منزلة، ثم تكون لهم العاقبة، كما قالها هرقل عندما سأل أبا سفيان عن النبي ﵊: قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقال: سجال، يدال علينا مرة، وندال عليه مرة، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، قال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
كلمة سابقة، ونعمة من الله سابغة على أوليائه الصالحين، وعباده المؤمنين أتباع الأنبياء والمرسلين، لا يزال وعده يتحقق لهم، قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١].
فالله ينقصها من حول الكفار من أطرافها، ولا يزال ينتشر الإسلام فيها مدة بعد مدة، ويدخل في دين الله أفراد بعد أفراد، ثم أمم وجماعات بعد جماعات، ولا يستطيع الكفار مهما بذلوا من جهد أن يمنعوا ذلك الأمر، فهو أمر الله ، بل قلوبهم يائسة من استئصال الإسلام يوم أن تم هذا الدين، كما قال : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فأنت ترى في قول الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] ومثلها من الآيات في هذا المعنى نزلت بمكة، والإسلام محاصر، والمسلمون مضطهدون، ومع ذلك ومع كل البذل الذي يبذله الكفار والنفقة التي ينفقونها ليصدوا بها عن سبيل الله فالإسلام ينتشر، تجد هذا المعنى كذلك عندما يجتمع على أهل الحق من أهل الإسلام من بأقطار الأرض، ومع ذلك يظلون على الحق ظاهرين، ومع ذلك يعلي الله بفضله كلمة الحق والدين، ومع ذلك يدخل الناس في دين الله ؛ لأنه حكم ولا معقب لحكمه أن كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم.
تسمع في وسط اجتماع أقطار أهل الأرض على أهل الإسلام: أن الإسلام في يومنا هذا وفي زماننا هذا هو أسرع الأديان انتشاراً في عقر ديار الكفار، وترى رغم الاضطهاد والأذى الذي يتعرض له المسلمون، وما يتعرضون له من إبادات في مشارق الأرض ومغاربها، ومع ذلك ترى كثيراً منهم يدفعه ذلك إلى مزيد الالتزام بالدين بفضله مقلب القلوب، فهو الذي سبقت منه الكلمة التي كتبها في اللوح المحفوظ ثم أنزلها في كتبه المنزلة في الزبر: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
هذا وعد الله الذي يجب أن يوقن به أهل الإيمان، وما أحوجنا أن نكرر هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي ﵊، حتى نوقن بهذا الأمر وإن تفاوتت في أنظار الناس الموازين، وإن رأوا أن الكفر يزداد قوة أو أن الظلم والعدوان يزداد انتشاراً، لا والله! إنه لفي مراحله الأخيرة التي يلفظ فيها أنفاسه وينتفش انتفاشة مؤقتة، كما أخبر الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
جمع الله في هذه الآية وعد الدنيا ووعد الآخرة، فلابد أن يتحسر الكفار على ما ينفقون من أموال ليصدوا عن سبيل الله، ولابد أن يغلبوا بعد ذلك، وهذا وعد الدنيا، ثم يحشرون إلى جهنم، وهذا وعد الآخرة، قدر الله ذلك ليميز الخبيث من الطيب، قال : ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٧ - ٣٨].
هذه سنة الله الماضية التي لا تخلف، ولا يخلف وعده ، أنت الحق ووعدك الحق سبحانك وبحمدك.
قال : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
فالله صدق وعده في كل المواجهات التي وقعت بين المسلمين وبين أعدائهم، حتى فيما هزموا فيه كان صادق الوعد، وهو لا يخلف الميعاد، صدقهم الله وعده حين أطاعوا الله، وحين خالفوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ وتنازعوا وعصوا من بعد ما أراهم ما يحبون من النصر، كان وعده لهم أيضاً خيراً لهم لا شراً لهم، كان مصلحة في حقيقة الأمر أن يهزم المسلمون ليعرفوا عاقبة المعصية، ولو أن الله نصر المسلمين على حالهم تلك لظنوا أن النصر بأيديهم، أو أن لهم منزلة لا يمكن أن تتغير عند ربهم، فيظنون بأنفسهم ما لا ينبغي لها، يظنون بأنفسهم إجلالاً وقدراً لا يستحقونه، فكان من وعد الله لهم أن نقاهم ومحصهم وهذبهم وغفر ذنوبهم، ورفع قدرهم، واتخذ منهم شهداء، فهذا فضله بوعده الصادق، كان وعداً منه لعباده المؤمنين حتى بالبلاء والهزيمة، وكان خيراً عظيماً، كما قال في قصة الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
стр. 768
الابتلاء رفعة للمؤمنين وسفول وانحطاط للعاصين
لو تأملنا قدر الألم الذي تألمته عائشة ﵂، وتألمه أبو بكر أبوها رضي الله تعالى عنه، وأمها، وقدر الألم الذي تألمه رسول الله ﷺ ، فهو يسمع الأذى يصل إليه في أهل بيته، ويتهم في عرضه ﵊، ويتكلم حتى أناس من خلصاء أصحابه ممن هاجروا في سبيل الله، ممن ينافح عن دين الله، ممن يدعو لهم رسول الله ﷺ بالتأييد من الله، إذا بهم يقعون في عرضه ﵊.
ثم تأمل عاقبة الأمر لتعلم كيف ارتفعت عائشة ﵂ إلى منزلة عظيمة لم تكن لتبلغها إلا بما وقع لها، فصار يقال عنها كلما ذكرت: الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سموات، وصار ما كان بالمجتمع المسلم طهارة لهم ورحمة من الله .
وهكذا في كل ما يصيب المسلمين من بلاء يجعله الله كفارة وطهوراً، وتعديلاً لمسارهم حتى يدركوا ما ينبغي أن يعملوه، وينتبهوا لعيوب أنفسهم، ويتطهروا منها، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، يقدر الله من أنواع المحن ما تتطهر به نفوس المؤمنين، ما تستبصر به قلوبهم، وتستنير به صدورهم في طريقهم إلى الله ، ثم يأتي بعد ذلك وعد الله الحق الذي لا يخلف في نصرة المؤمنين، وفي هزيمة الكفرة والمنافقين، وفي عز من أطاع الله وفي ذل من عصاه، كما قال النبي ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: (هم والله! وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لفي رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه)، وأنت ترى هذا والله ظاهراً جلياً فيمن يعصي الله ، ومن يشاقق أمره ، ويشاقق رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، يوليه الله أنواع الذل والهوان والعذاب المهين، ثم يجعل له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً، وتأمل في عاقبة إبليس حين تكبر فصغر وأهبط عكس قصده؛ لأنه أبى أن يطيع الله، قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤] فجعل الله عاقبته إلى صغار، وهوان، وذل، وانحطاط وإهباط من المنازل العالية التي كان فيها، فاعتبر بهذا في كل ما يقع، وأيقن بأن وعد الله حق كما أخبر مبشراً عباده المؤمنين بعد أن أمرهم بقتال أعدائهم ووعدهم النصر على ذلك، فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٢٩ - ٣٣].
فوعده حق لا يخلف، ولابد أن نوقن بذلك؛ لأن هذا اليقين هو الذي يدفع أهل الإيمان إلى الصبر والاحتساب، وإن رأوا موازين الدنيا كلها في الكفة الأخرى فإنهم يصبرون ويثبتون ليقينهم بأن وعد الله حق، وإنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين، كما قال ربنا عن بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
стр. 769
تكرار مشاهد تحقق وعد الله تعالى
وعد الله تجده في الأمم، وتجده في الآفاق، وتجده في خاصة نفسك، تجد وعد الله لك بأنواع الإنعام، وأنواع الفضل والرحمة كلما أطعت الله، وتجد أنواع الألم والشقاء والعنت، وتجد أنواع النكد، وإن كانت الدنيا كلها في يديك إذا عصيت الله ، مصداقاً لوعد الله في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧].
وانظر حولك لتجد هذه الحقيقة متكررة في كل من ترى، وتذكر لحظات الرحيل لتعرف مآل الظالمين، لتعرف ما كان من أمرهم في نهاية المطاف حتى لا تغرك لحظات القوة الزائفة، ولحظات السلطان المؤقت، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤].
هذا وعد الله في الدنيا، ووعد الله في الآخرة تجده في هذه الآيات أيضاً فأيقن به، وتأكد من أنه واقع لا محالة، وأنه قد كتبه الله، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١].
هكذا أخبر الله ، ووعد المرسلين، ووعد عباده المؤمنين، فلابد أن نوقن بوعد الله لكي نحب في الله، ونبغض في الله، ولكي نصبر على ما ابتلانا الله ، ونصبر على طاعته، ونصبر عن معصيته، ولا نوافق أعداءه، ولا نرضى بضلالهم وكفرهم حتى يأذن الله بالفرج من عنده ، والمبشرات أكثر من أن تحصى بفضل الله، وهي كلها من كتاب الله، ثم من واقع حال الأمم، ثم من واقع حالنا بفضله ، والله يؤيد أولياءه بنصر من عنده، ويعلي كلمتهم، وقدرهم، ومنزلتهم، ويقدر لهم أنواع الخيرات، ويقدر لهم أنواع النعم المختلفة في السراء والضراء، ويمن عليهم بفضله ، نسأل الله رحمته وفضله فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 770
تحقق وعد الله في الآخرة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فعن وعد الله في الآخرة اسمع آيات الله المخبرة عما يقع للظالمين، وعما يقع للمؤمنين، وعما يقع لأعدائه أعداء الدين، الذي أشركوا بالله وصدوا عن سبيله وهم بالآخرة هم كافرون، قال : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ * وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٨ - ٥١].
نعوذ بالله من ذلك، وقال : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٥].
فالله ينزل كل إنسان منزلته، ويعطي كل إنسان حقه، ويعتدل الميزان بمثاقيل الذر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، يوم لا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتى الله بها وكفى به حاسباً .
قال النبي ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد من الشاة القرناء للشاة الجلحاء)، فالله يقضي يوم القيامة بحكمه الجزائي بين خلقه جميعاً، ويوصل كل حق إلى صاحبه فلا يظلم، ولو كان من أهل النار وله مظلمة عند أحد من أهل الجنة فلا ينبغي أن يدخل أهل الجنة الجنة ولأحد من أهل النار عندهم مظلمة، بل لابد أن يعطى حقه من المؤمن، ولو كان الكافر مخلداً في النار والمؤمن مآله إلى الجنة، لكن لابد أن تؤدى الحقوق إلى أهلها، وهذا وعده الذي لا يخلف، وهو الذي يراه المؤمنون ويشهدونه ويجدونه في أنفسهم، ويجدونه عند ربهم ، ويحمدون الله أعظم حمد عندهم، وأقصى ما يقدرون عليه من الحمد، وما يوفقهم الله له على حسب منازلهم: أن صدقهم وعده، وأورثهم الأرض يتبوءون من الجنة حيث شاءوا، فهذا فضله .
فإذا شهد العباد أن وعد الله حق، أن وعده الحق عملوا لهذا اليوم، وعملوا للقاء الله ، وصغرت الدنيا في قلوبهم وفي أعينهم، فجعلوها تحت أرجلهم، ولم يجعلوها فوق رءوسهم، ووالوا أولياء الله، وعادوا أعداءه، وأحبوا في الله، وأبغضوا في الله، حتى تتوثق عرى الإيمان في قلوبهم.
إن الإيمان بأن وعد الله حق يشمل وعده في الدنيا ووعده في الآخرة، وكلاهما الإيمان به ضروري للمؤمن في كل مراحل حياته، وفي أنواع أخلاقه وسلوكه، ومن أيقن بوعد الله ووعيده عمل الطاعات، وترك المنكرات، وأحب أهل طاعة الله، وأبغض أهل معصية الله، نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، ونج المستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم انصرنا على من عادانا، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.
اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.
اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك رهابين لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وأذهب سخائم صدرونا، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإن أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم إنا نسألك الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهم إنا نسألك من الخير ما سألك عبدك ونبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك محمد ﷺ ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم، ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين.
стр. 771
كلمة النجاة
كلمة التوحيد هي مفتاح الجنة، ولا يدخل أحد الإسلام إلا بنطقها ومعرفة معناها والعمل بها، وقد بين العلماء التوحيد وما ينافيه من الشرك، وبينوا معنى العبادة وأركانها، فلابد لمن أراد النجاة معرفة ذلك والبحث عنه.
стр. 772
أعظم نعيم المؤمنين في الدنيا والآخرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم.
أما بعد: فقد فطر الله عباده على توحيده وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
والحنيف هو: المائل إلى الله، المعرض عن غيره، فهم بفطرتهم يميلون إلى ربهم، ويشتاقون إليه، لا يقر لهم قرار إلا بمعرفته وتوحيده ومحبته وطاعته، ولا يجدون سعادة في هذه الدنيا إلا إذا توجهت قلوبهم وجوارحهم إلى خالقها وبارئها دون من سواه، وإنما الشقاء في هذا العالم يرجع إلى توجه القلوب والوجوه إلى وجهة أخرى غير ما فطرت عليه، ويرجع ذلك إلى إعراضها عن ذكر ربها.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
ولهذا كان أعظم نعيم في هذه الدنيا حب الله وعبادته، والأنس به والشوق إليه، كما أن أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله ﵎.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وقد جمع بينهما النبي ﷺ في دعائه فقال: (أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة).
فالشوق إلى لقاء الله هو نعيم الدنيا، والنظر إلى وجه الله هو نعيم الآخرة.
стр. 773
أول واجب على العباد
من رحمة الله وفضله على عباده أن جعل أول واجب عليهم هو: معرفته وتوحيده وعبادته بكل أنواع العبادة، فإن غاية وجودهم وحياتهم هي: إفراده تعالى بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، من أجل هذا أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجله قام الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، ومن أجله وعليه تنصب الموازين يوم القيامة، وتؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، وينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 774
بيان أهمية الدعوة إلى التوحيد
التوحيد فرض عين، على كل مكلف أن يعلمه ويعمل به قبل الصلاة والزكاة وسائر الواجبات، ولهذا كان التوحيد هو أول دعوة للرسل، ولأتباع الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وفي حديث ابن عباس عن معاذ: (أن الرسول ﷺ أرسل معاذاً إلى اليمن فقال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي رواية البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: (فادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا هم عرفوا الله فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).
فتبين بهذا ما يجب على الدعاة إلى الله من البدء بالدعوة إلى التوحيد وبيانه للناس، حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون ربهم؛ لأن أهل الكتاب يقرون بوجود الله، فمعرفة الله هي التي قال عنها ﷺ : (فإذا هم عرفوا الله) أي: إذا هم وحدوه.
إذاً: الذي يدعي أنه يعرف وجود الله أو حتى يدعي التوحيد وهو لا يوحده حقيقة لا يعرف الله.
فإذاً: لا بد أن يدعى إلى معرفة الله، وإلى توحيد الله.
ولذلك نقول: إن أولى الأولويات في الدعوة إلى الله هو الدعوة إلى التوحيد، وليس بالمناهج الكلامية ولا بالطرق الفلسفية، ولا بمعرفة محاذير الشرك فقط، بل بالتوحيد الذي هو أول واجب، والذي هو فرض على العباد أن يأتوا به، وأن يتركوا عبادة غير الله، وأن يحبوا الله ويرجوه ويخافوه ويرغبوا إليه ويتوكلوا عليه، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
فأول وأولى الأولويات بدء الدعوة بالتوحيد، حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون ربهم، ولكنهم في الحقيقة يشركون به، فالمعلوم أن أهل الكتاب يقرون بوجود الله، ويزعمون توحيده ومعرفته، ومع ذلك أمر النبي ﷺ معاذاً أن يدعوهم إلى توحيد الله، فقال له: (فإذا هم عرفوا الله)، فدل ذلك على أن من لم يوحد الله لم يعرفه، وإن أقر بوجوده، وأقر ببعض أسمائه وصفاته.
стр. 775
ثمار الدعوة إلى التوحيد
الدعوة إلى التوحيد دعوة مجربة الثمار والآثار، بدأها الرسول ﷺ فأخرج الله به خير أمة مسلمة.
فدعوة التوحيد هي سبب إخراج الصحابة ﵃ إلى هذه المنزلة العظيمة، فقد أخرجتهم من أرجاس الشرك والجاهلية، إلى نور التوحيد والعلم، وبها ساد أصحاب ذلك الجيل الفريد الذين هم خير الناس وأفضلهم بعد الأنبياء، جيل الصحابة ﵃ الذين كانت حياتهم ودعوتهم وجهادهم في سبيل الله، وطاعتهم في كل صغيرة وكبيرة لله وللرسول ﷺ ، فحياتهم هذه كانت أثراً جلياً لدعوة عقيدة التوحيد التي استقرت في قلوبهم، ونحن إذا أردنا العمل لذات أنفسنا والفوز برضوان ربنا، والسعي لنصرة دينه وإعلاء كلمته في الأرض، والرغبة في عودة الإسلام عزيزاً كما كان، وعودة الخلافة على منهاج النبوة التي بشر بها النبي ﷺ ؛ فلا بد لنا من السير على نفس طريقهم، وسلوك نفس منهجهم الذي أصله ونقطة البدء فيه تحقيق التوحيد علماً وعملاً.
следующие страницы →