Полный текст (991 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
كلمة النجاة
كلمة التوحيد هي مفتاح الجنة، ولا يدخل أحد الإسلام إلا بنطقها ومعرفة معناها والعمل بها، وقد بين العلماء التوحيد وما ينافيه من الشرك، وبينوا معنى العبادة وأركانها، فلابد لمن أراد النجاة معرفة ذلك والبحث عنه.
стр. 772
أعظم نعيم المؤمنين في الدنيا والآخرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم.
أما بعد: فقد فطر الله عباده على توحيده وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
والحنيف هو: المائل إلى الله، المعرض عن غيره، فهم بفطرتهم يميلون إلى ربهم، ويشتاقون إليه، لا يقر لهم قرار إلا بمعرفته وتوحيده ومحبته وطاعته، ولا يجدون سعادة في هذه الدنيا إلا إذا توجهت قلوبهم وجوارحهم إلى خالقها وبارئها دون من سواه، وإنما الشقاء في هذا العالم يرجع إلى توجه القلوب والوجوه إلى وجهة أخرى غير ما فطرت عليه، ويرجع ذلك إلى إعراضها عن ذكر ربها.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
ولهذا كان أعظم نعيم في هذه الدنيا حب الله وعبادته، والأنس به والشوق إليه، كما أن أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله ﵎.
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وقد جمع بينهما النبي ﷺ في دعائه فقال: (أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة).
فالشوق إلى لقاء الله هو نعيم الدنيا، والنظر إلى وجه الله هو نعيم الآخرة.
стр. 773
أول واجب على العباد
من رحمة الله وفضله على عباده أن جعل أول واجب عليهم هو: معرفته وتوحيده وعبادته بكل أنواع العبادة، فإن غاية وجودهم وحياتهم هي: إفراده تعالى بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، من أجل هذا أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجله قام الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، ومن أجله وعليه تنصب الموازين يوم القيامة، وتؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، وينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 774
بيان أهمية الدعوة إلى التوحيد
التوحيد فرض عين، على كل مكلف أن يعلمه ويعمل به قبل الصلاة والزكاة وسائر الواجبات، ولهذا كان التوحيد هو أول دعوة للرسل، ولأتباع الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وفي حديث ابن عباس عن معاذ: (أن الرسول ﷺ أرسل معاذاً إلى اليمن فقال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي رواية البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: (فادعهم إلى أن يوحدوا الله، فإذا هم عرفوا الله فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة).
فتبين بهذا ما يجب على الدعاة إلى الله من البدء بالدعوة إلى التوحيد وبيانه للناس، حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون ربهم؛ لأن أهل الكتاب يقرون بوجود الله، فمعرفة الله هي التي قال عنها ﷺ : (فإذا هم عرفوا الله) أي: إذا هم وحدوه.
إذاً: الذي يدعي أنه يعرف وجود الله أو حتى يدعي التوحيد وهو لا يوحده حقيقة لا يعرف الله.
فإذاً: لا بد أن يدعى إلى معرفة الله، وإلى توحيد الله.
ولذلك نقول: إن أولى الأولويات في الدعوة إلى الله هو الدعوة إلى التوحيد، وليس بالمناهج الكلامية ولا بالطرق الفلسفية، ولا بمعرفة محاذير الشرك فقط، بل بالتوحيد الذي هو أول واجب، والذي هو فرض على العباد أن يأتوا به، وأن يتركوا عبادة غير الله، وأن يحبوا الله ويرجوه ويخافوه ويرغبوا إليه ويتوكلوا عليه، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
فأول وأولى الأولويات بدء الدعوة بالتوحيد، حتى أولئك الذين يزعمون أنهم يعرفون ربهم، ولكنهم في الحقيقة يشركون به، فالمعلوم أن أهل الكتاب يقرون بوجود الله، ويزعمون توحيده ومعرفته، ومع ذلك أمر النبي ﷺ معاذاً أن يدعوهم إلى توحيد الله، فقال له: (فإذا هم عرفوا الله)، فدل ذلك على أن من لم يوحد الله لم يعرفه، وإن أقر بوجوده، وأقر ببعض أسمائه وصفاته.
стр. 775
ثمار الدعوة إلى التوحيد
الدعوة إلى التوحيد دعوة مجربة الثمار والآثار، بدأها الرسول ﷺ فأخرج الله به خير أمة مسلمة.
فدعوة التوحيد هي سبب إخراج الصحابة ﵃ إلى هذه المنزلة العظيمة، فقد أخرجتهم من أرجاس الشرك والجاهلية، إلى نور التوحيد والعلم، وبها ساد أصحاب ذلك الجيل الفريد الذين هم خير الناس وأفضلهم بعد الأنبياء، جيل الصحابة ﵃ الذين كانت حياتهم ودعوتهم وجهادهم في سبيل الله، وطاعتهم في كل صغيرة وكبيرة لله وللرسول ﷺ ، فحياتهم هذه كانت أثراً جلياً لدعوة عقيدة التوحيد التي استقرت في قلوبهم، ونحن إذا أردنا العمل لذات أنفسنا والفوز برضوان ربنا، والسعي لنصرة دينه وإعلاء كلمته في الأرض، والرغبة في عودة الإسلام عزيزاً كما كان، وعودة الخلافة على منهاج النبوة التي بشر بها النبي ﷺ ؛ فلا بد لنا من السير على نفس طريقهم، وسلوك نفس منهجهم الذي أصله ونقطة البدء فيه تحقيق التوحيد علماً وعملاً.
стр. 776
بيان عدم الارتباط بين التوحيد وعلم الفلسفة والكلام
لا شك أن التوحيد قد ارتبط في أذهان الكثيرين وللأسف بعلم الكلام والفلسفة، كأثر من آثار الابتعاد عن الكتاب والسنة، كمصدر للعقيدة والعمل والسلوك، فعند الناس أن العقيدة أصبحت علم الكلام، والسلوك أصبح تصوفاً، والعمل أصبح تقليداً للمتأخرين، واتباع المذاهب، وهذه من أعظم المخاطر التي حدثت في الانحراف، وأدت في نهايتها إلى انهيار الخلافة في أطول مدة انهيار إلى الآن، وهي الفترة التي حصلت بعد انهيار الخلافة العثمانية، وقد كانت بلا أثر في معظم أرجاء العالم الإسلامي، بل كانت كل بلاد العالم الإسلامي -تقريباً- محتلة قبل الحرب العالمية الأولى، وسبب ذلك أنه كان هناك انفصال عن الكتاب والسنة، فالعقيدة أصبحت عبارة عن علم الكلام وتأويله، وأصبح السلوك تصوفاً مبتدعاً على أعلى درجات البدع وأسوئها، وأصبح العمل تقليداً أعمى للمذاهب دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، والبعض ارتبط بذلك في ذهنه كالفقه الذي ارتبط بالمسائل الكلامية الفرعية الدقيقة والمتون الصعبة العسيرة التي لا يمكن فكها إلا كما تحل الألغاز! فالسلوك ارتبط بالطرق الصوفية، مما أدى بالبعض إلى الظن أن مسائل العقيدة هي مسائل الترف العقلي، كما ظنوا أن التقليد هو الفقه، فقالوا: نحرق كتب المذاهب، وكما قال البعض: التصوف كله باطل، فأهمل التهذيب، وأهمل إصلاح القلوب.
فكل هذا انحرف أدى إلى خلل كبير جداً في الأمة الإسلامية، فما الدين إلا الإيمان والإسلام والإحسان، والرسول ﷺ بين الإسلام والإيمان والإحسان، والإسلام العمل، والإيمان الاعتقاد، والإحسان عمل القلوب.
والقول بأن الكلام في العقيدة ترف عقلي قول كان يقوله الغزالي قديماً، واليوم أيضاً يقول يوسف القرضاوي: الكلام في العقيدة وفي التوحيد ترف عقلي، يجب أن تصان عنه الدعوة الإسلامية خاصة في مسيرة الصحوة الحاضرة! وكم سمعنا ذلك من الاتجاهات الإخوانية؛ خصوصاً أيام مجاهدة الأفغان، والثمرة معلومة، إنها الثمرة التي بدأت بمنهج آخر غير منهج الأنبياء، فحصل فيه تقصير شديد أدى إلى انحراف الناس بعدما حصل التوحيد، فلم يحصل قيام دولة الإسلام المرجوة، وإنما حصل التقاتل المذموم، فالبعض يقول: إن أهم شيء الآن أننا لا نكلم الناس ولا نتكلم حول العقيدة؛ لأن الأفغان عندهم شركيات كثيرة، وعندهم بدع، وعندهم تصوف، فيقول لك: لا أحد يتكلم في هذه الأمور، ونفس الأمر يحدث في مواطن عديدة.
فالمسلمون بلا شك في خطر من جراء هذه الطريقة من التفكير؛ لأنها علاج الخطأ بخطأ أكبر وأعظم وأخطر، صحيح أن علم الكلام مفسدة، وصحيح أن التقليد مفسدة، وأن التصوف مفسدة، لكن علاجه ذلك ليس بإهمال الجانب كله وإهمال الأمر كله.
يعني: لا نقول: إن دعوة الإسلام لا تقوم أبداً بدون عقيدة التوحيد، لكن الواجب على المسلمين أن يتعلموا هذه القضية بنفس الطريقة التي تعلم بها الصحابة، ومن بعدهم من أئمة العلم، بأدلة الكتاب والسنة الصحيحة، كما فهمها سلفنا الصالح من أهل السنة والجماعة، وهي تشمل أوضح الأدلة العقلية والسمعية معاً.
стр. 777
بيان خطأ من يظن أن الكلام في مسائل العقيدة والتوحيد يفرق المسلمين
كذلك من الخطأ البين والخطر الظاهر أن يظن أحد أن الكلام في مسائل العقيدة والتوحيد يفرق المسلمين، وينفر الكثيرين منهم، وأن المسلمين اليوم في حاجة إلى التوحد والتجمع! وللجواب عن هذا الشبهة نقول: إن الله قد قضى بعدله وحكمته أن الفرقة والاختلاف في التزام البدع، وأن الوحدة والائتلاف في التزام السنة، فمنهجنا في ذلك تحقيق كلمة التوحيد، ليحقق الله لنا وحدة الكلمة؛ فبتحقيق كلمة التوحيد منا يحقق الله لنا وحدة الكلمة.
وأما من سعى إلى توحيد الصفوف مع السكوت عن البدع، أو موافقتها فلعل هذه أخطر قضية نختلف فيها مع منهج الإخوان، أو كثير من المناهج الأخرى التي تتبنى نفس الموقف، فمثلاً: جماعة التبليغ تقول: لا تكلموا الناس في العقيدة؛ لأن هذا سيؤدي إلى التفرق، وسيؤدي إلى نفرة الناس، وإنما كلموا الناس في الصلاة، وفي فضائل الأعمال الكثيرة.
فلن يفلح من سعى إلى توحيد الصفوف بهذه الطريقة، سواء بالسكوت على البدع، أو بموافقتها، فمن أجل أن يتقرب منهم يقوم بمشاركتهم، مثل الذي يقول: إننا ينبغي أن ننصب خيامنا في الموالد، ونقول أشعارنا وإنشادنا الذي يخالف إنشاد الصوفية قليلاً، فقد أوجدنا لهم البديل، ونحو ذلك.
وإن القريبين من الاتجاهات السلفية من الإخوان لا يعملون هذا، لكن هناك اتجاهات كثيرة يعملون هذا، فلو ضعف الاتجاه السلفي، ولم يصبح يُعمل له حساب، فإن هذه الانحرافات ستظهر بقوة شديدة جداً؛ إذ إنها موجودة في أصل المنهج، فقوة المنهج السلفي في مكان ما يجعل أصحاب البدع يستحيون من أنهم يعلنون بدعتهم بصراحة، فلن يقولوا الكفر البواح الذي يعتقدونه في كثير من المواقف، فهم سيخافون أن يقال عنهم: إنهم يدعون غير الله لكن قد يقولون: يجوز لنا أن نقول: يا سيدي فلان ادع الله لي، لكن لا يقول: ارحمني واغفر لي وأغثني.
والمعتزلة كانوا سبباً في إسلام كثير من المتفلسفة؛ لأنهم ردوا عليهم بقوة في الدفاع عن الإسلام، وكذلك الأشاعرة، لكن من يسعى إلى مخالفة منهج السلف فلن يزيد سعيه للمسلمين إلا فرقة واختلافاً، لكونه لم يسلك القاعدة النبوية عند الاختلاف، وإن سلك ما أسماه بالقاعدة الذهبية، لكن القاعدة الذهبية النبوية السلفية هي قول رسول الله ﷺ : (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة).
стр. 778
أهمية العلم بمعنى (لا إله إلا الله)
لما كانت كلمة التوحيد: لا إله إلا الله عنوان التوحيد وعمدته كان معرفة معناها ومقتضياتها ولوازمها والعمل بذلك من أهم ما يجب على المكلف، ومن أهم ما يجب على الداعي أن يدعو إليه.
وكلمة: (لا إله إلا الله) أمر الله بالعلم بها فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
قال البخاري: بدأ بالعلم قبل العمل.
وبوب على هذه الآية: باب العلم قبل العمل، فبوب بهذه الآية، وترجم لهذه الآية، فإنه قبل ما يقول له: (استغفر)، قال: (فاعلم).
وقال رسول الله ﷺ : (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
وقال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، والاستثناء هنا منقطع، يعني: لكن من شهد بالحق وهم يعلمون ينجون عند الله، أو يشفعون.
أما جنس الشفاعة فلله ، كما قال : ((وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ)).
فلا يملك الشفاعة إلا الله، لكن الذين يشفعون هم الذين استثناهم بقوله: ((مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أي: وهم يعلمون أن لا إله إلا الله، والبعض قال: هم ممن يدعى، مثل الأنبياء والصالحين، والآية عامة، ومن ضمنهم عيسى والملائكة، فهؤلاء يشفعون عند الله ، لكن الراجح أن الاستثناء منقطع، يعني: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه.
ومن أمثلة الاستثناء المنقطع قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦].
فإن الموتة الأولى كانت في الدنيا، وليست في الجنة.
فقوله: ((إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أي: شهد أن لا إله إلا الله وهو يعلم معناها، ويعلم حقيقتها، وهو موحد، فهؤلاء يشفعون، وإن كانوا لا يملكون الشفاعة، بل يستأذنون الله .
فالعلم بمعنى هذه الكلمة العظيمة شرط في نفع صاحبها في الآخرة، ودخوله الجنة؛ ولم نقل: إنها شرط في نفع صاحبها في الدنيا لأن العلم هذا عمل في القلب، فهذا التصديق القلبي عمل قلبي، ونحن لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس، فالظاهر أن العربي إذا قال: لا إله إلا الله فهو يعلم معناها على الأقل، فهذا العلم إذاً مرده في حكمه عند الله في الآخرة، فأحياناً ينتفع به صاحبه فيدخل به الجنة لأول وهلة، وذلك إذا كان يعلم معناها ويعمل بمقتضاها كذلك.
ولكن العلم يتفاوت ومراتبه تختلف، فإن أصل العلم بمعنى كلمة التوحيد من إثبات الألوهية لله وحده ونفيها عن دونه ركن من أركان الإيمان الباطن الذي لا يثبت بدونه، أما ظاهراً فيجب إثبات الإسلام بنطقها، وحمل أمر من ينطقها على السلامة حتى يتبين منه ما يناقضها.
إذاً: الأصل في أي واحد ينطق الشهادة أنه مسلم، وأنه عارف معناها، ولسنا مأمورين أن نبحث عن معرفته لمعناها، وإنما يوضح له معناها ضمن دعوته إليها.
مثل قول الرسول ﷺ : (أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين) وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤].
والرسول ﷺ بين لهم أمور الدين إجمالاً.
وأنا أذكر هذا الكلام لغرض مهم جداً وهو أن أناساً كثيرين لما نقلوا ووجدوا في كتب علماء كثر: أن العلم بمعناها والعمل بمقتضاها شرط في حصول التوحيد، دفعهم ذلك إلى أنهم يقولون: كل الناس يقولون: لا إله إلا اله، ولكن لا يعلمون معنى لا إله إلا الله، فأدى ذلك إلى انتشار جبهة التكفير أو التوقف، أو غيرها من البدع التي من هذا النوع.
وذلك بسبب الخلط في قضية العلم بمعنى لا إله إلا الله بين الإجمال وبين التفصيل، وبين الظاهر وبين الباطل.
فلو تبين لنا أنه نطقها ظاهراً من غير أن يدري نهائياً أي معنى لها، كمثل شخص رصت له حروف بلغته اللاتينية مثل: لا إله إلا الله، وقيل له: قل هكذا، فنطق حروف لا يعرف معناها نهائياً، فلا يثبت إسلامه، ولو قالها بالإنجليزية ولا يعرف أن يقولها بالعربية وهو يعرف معناها يثبت إسلامه.
وأما إذا امتنع منها لأنها شعار، ولو قال: أسلمت لله، وهو يعرف أن المطلوب منه قول: لا إله إلا الله، فلا يكفي، وذلك مثل الأسير الذي قال للرسول ﷺ : (يا محمد! إني مسلم، فقال له: لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت وأنجحت).
ومثل نصارى نجران لما قالوا للنبي ﷺ : نحن أسلمنا، فقال: (يمنعكم من ذلك عبادتكم للصليب، ويمنعكم من ذلك ادعاؤكم لله ولداً وقولكم: المسيح ابن الله)، فكونه يقول: أنا أمسلم، وهو عارف أن المطلوب أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، فهذا لا يكفي.
أما الذي لا يعرف أن يقولها، فقال: صبئنا، صبئنا، فإنها تقبل منه.
فالذي لا يعرف أن يقولها، وذلك بأن كانت صعبة عليه، فهو يريد أن يقول: أنا أريد أن أدخل في الدين هذا، لكن لا يعرف أن يقول إلا صبئنا.
فصبئنا هذه تقبل منه، ويصبح مسلماً بذلك، ويعامل كمسلم في أحكام الدنيا، وأما أحكام الآخرة فحسابه عند ربه، فلو كان قلبه صادقاً، فيكون قد دخل في الإسلام فعلاً، فإن الرسول ﷺ بعث لهؤلاء الناس الذي قالوا صبئنا بالدية؛ لأنهم كانوا مسلمين وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد).
стр. 779
تعريف الإله
الإله لغة: المعبود بحق أو بباطل، ثم غلب على المعبود بحق، قال في لسان العرب: الإله: الله ، وكل من اتخذ من دونه معبوداً هو إله عند متخذه، لكن الاستعمال الأغلب أنه المعبود بحق.
وإن كان يطلق في اللغة على الاثنين، ومنه قوله ﵎: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، فهذه الآية بينت أن إلهه هواه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف:٢٨]، فهذه آلهة باطلة.
أما قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فالمعنى: لو كان فيهما آلهة بحق إلا الله لفسدتا؛ لأن هناك آلهة بالباطل، ولكنها لا تعبد بحق، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] فهو اتخذه إلهاً بالباطل.
فنحن نقدر كلمة بحق على الاستعمال الأغلب.
فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.
فإذاً: نجعل جواب لا النافية (بحق) فنحتاج إلى تقدير (بحق)؛ لأن الجواب (إلا الله).
تطلق على الأصنام، سميت بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها.
وأسماؤهم تتبع اعتقادهم، لا ما عليه الشيء في نفسه، وهذا معنى أنها آلهة بالباطل.
فهي آلهة في اعتقادهم فقط.
ومعنى هذا الكلام: أنهم هم الذين سموها آلهة، فهي تتبع اعتقادهم، والحقيقة أنها معبود باطل.
قال أيضاً عن أبي الهيثم: وأصل إله: ولاه، فيكون أصله: همزة لام هاء، أو واو لام هاء (وله) فيكون هناك أله ووله.
وهما وجهان في التفسير لمعنى الإله.
ومعناه: أن الخلق يولهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم، فإذاً يولهون إليه بمعنى: يدعونه، ويتضرعون إليه، ومن أجل هذا كان الدعاء من أخص معاني العبادة؛ لأن الإنسان يلجأ إلى ربه كما يوله كل طفل إلى أمه.
وقال أيضاً عن ابن سيده: والألوهة والألوهية: العبادة.
وقيل: إنه مأخوذ من أله يأله إذا تحير؛ لأن العقول تأله في عظمته.
يعني: الذي تتحير العقول في عظمته، وهو معنى حق، وإن كان المشهور الأول.
стр. 780
بيان خطأ من يفسر (لاإله إلا الله) ببعض لوازمها
الإله هو المعبود بحق، فمعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، ولا يلجأ العباد ويضرعون ويفزعون في كل ما ينوبهم إلا إلى الله.
أي: التضرع بحق والفزع بحق، وإلا فالكثير يفزعون إلى غير الله، ولكن هذا فزع بباطل، وتضرع بباطل.
وكذلك لا عظيم تحار العقول في عظمته، ولا تدرك حقيقته ، إذ كل من دونه حقير ذليل فقير إليه.
ومن هنا تعلم خطأ من ظن أن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله فقط.
فإن هذا هو جزء من لوازم المعنى فقط؛ لأن الذي يتضرعون إليه، والذي يملك أن يجيبهم، والذي يعبدونه، لا بد أن يكون هو الذي خلقهم.
فهذا متضمن بالمعنى.
فلو اقتصروا عليه لأصبح هذا غير صحيح؛ ولذلك فإن المشركين الذين أبوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، كانوا يقرون أن لا خالق إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وكذلك من معاني الإله.
أنه الذي تشتاق إليه القلوب، وتميل إليه.
وهذا أحد معاني الوله، كما في لسان العرب.
وفي الأثر عن وهيب بن الورد قال: إذا وقع العبد في ألهانية الرب -يعني: شوقه إلى الله- ومهيمنية الصديقين، -يعني مراقبة الصديق فيراقب ربه ، فإن الصديق هذا أشد الناس مراقبة لله-، ورهبانية الأبرار -الرهبانية: الانقطاع، والبار: المخلص التام- لم يجد أحداً يأخذ بقلبه.
فلو أن الإنسان وصل إلى هذا فلن يبقى شيء يعجبه في الدنيا، ولا يحب شيئاً إلا الله.
ورهبانية الأبرار معناها: الانقطاع إلى الله ، ولهذا سُمي الجهاد رهبانية؛ لأنه انقطاع عن الدنيا، وعن الشهوات كلها، وفرقة للأهل والوطن والمال، واستعداد لمفارقة النفس والروح، فهو فعلاً رهبانية الأمة، وليس الانقطاع بمعنى: ترك الزواج ونحو ذلك؛ فهذه هي الرهبانية المبتدعة.
فالقلوب إذاً إنما تستقر وتسكن بتوجهها إلى الله وحده، فالقلب الإنساني فيه فقر وحاجة شديدة إلى إلهه الحق سبحانه، ولا يسدها سوى عبادته والتوجه إليه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فالغرض من ذكر هذا الأثر بيان معنى الإله فإنه الذي تشتاق القلوب إليه.
стр. 781
معنى العبادة
العبادة تدور حول معنى المحبة والتعظيم، وحول معنى التضرع واللجوء، فالعبادة بصفة عامة هي الحب والذل والخضوع تابع لذلك، أي: الخضوع الذي هو الذل، ولذلك يقولون: طريق معبد، أي: طريق مذلل مهيأ، ولذلك كانت العلمانية كفراً؛ لأنها: رد حكم الله، وهي عدم الخضوع؛ لأن العلماني يرى أن الخضوع لله لا يلزمه.
فحتى لو أحبه فإن حبه هذا لا ينفع، ما دام يرى أن شرعه هذا ليس ملزم للناس، ولا له هو والعياذ بالله، وإنما يأخذ الذي يريده، ويترك الذي يريده.
فأين الذل والخضوع هنا؟ فهو يزول من أصله.
ولذلك قضية تحكيم الشرع ليست قضية متعلقة بالقوانين فقط، بل هذه جزء صغير منها.
وإنما القضية هذه تشمل حياة كل إنسان في خاصة نفسه، وفي جميع أمور حياته.
فالقضية هنا في رؤية الإنسان أنه يجب عليه أن يخضع لله ، أما أن يرى أنه فوق أمر الله، وأنه حر في أمر الله؛ فإن هذا منافي لأصل كلمة لا إله إلا الله.
стр. 782
عظم التوحيد وبيان بعض أدلته
الحقيقة أن طمأنينة القلب بالتوجه إلى الله دون ما سواه من أعظم أدلة توحيد الألوهية، ولكن لا يشعر بطمأنينة القلب ولا يجدها إلا المؤمنون المحبون الصادقون الذين جربوا الفرق الهائل بين الحياة والموت، وبين السعادة والشقاوة، وبين النور والظلام، وبين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر.
والذي جرب هذا يعرف أن القلب فعلاً محتاج لهذا.
ومن أجل أن يعرف الإنسان قدر التوحيد ينظر إلى غيره، ويتعظ بهم، فينظر إلى الكفار كيف يعيشون وكيف أنهم يحيون أسوأ حياة، وأشقى حياة والعياذ بالله! وهذا دليل على أن التوحيد دليل وجودي، يعني: يجده الإنسان ويتذوقه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، فهذه الآيات احتج بها الله على أن المؤمن لا يستوي مع الكافر؛ إذ لا يمكن أن يستووا، كما أنه لا يستوي الأحياء والأموات كما لا يستوي الأعمى والبصير.
ولن يقول هذا الكلام إلا الذي عرف الفرق، والحي هو الذي يعرف الفرق.
أما الجماد فلا يدرك الفرق، وإنما الحي هو الذي يدرك الفرق بين الحي والميت.
أما توحيد الربوبية فهو الدليل الظاهر بالضرورة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، ولذلك كان الاحتجاج به على توحيد العبادة أكثر في القرآن، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس:٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] فأي عاقل يقول: الذي خلق وحده هو الذي يستحق أن يعبد، يعني: يلزم من توحيد الربوبية توحيد الخالق، أي: بأن الله وحده هو المعبود، قال تعالى عن موسى لما سأله فرعون: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] أي: الذي تدعوا إلى عبادته: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
وكلمة (لا إله إلا الله) تتضمن في شطرها الأول نفي، وهذا هو الكفر بالطاغوت، وتتضمن الإيمان بالله في شطرها الثاني (إلا الله)، وهذا هو الإثبات، قال تعالى في بيان هذا المعنى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
قال سعيد بن جبير والضحاك: العروة الوثقى: (لا إله إلا الله)، وكما قال رسول الله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله، وحسابه على الله).
فالنطق بها علامة على الكفر بما يعبد من دون الله؛ نقول هذا من أجل البعض الذي لم يفهم كلام محمد عبد الوهاب الذي يقول في تفسير هذا الحديث: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله) أنه لا يعصم دمه وماله بالنطق بالشهادة ولا بكونه لا يدعو إلا الله، بل لا يعصم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما عبد من دون الله؛ ففهم منها بعضهم أن كل واحد لا يكفيه النطق بلا إله إلا الله، بل لابد معها من الكفر بما يعبد من دون الله.
فنقول: هذا الكلام غير صحيح؛ فإن الشيخ كان يتكلم على نوعية معينة من الناس، وليس كل الناس، بل أراد الذين كانوا يعبدون غير الله، فهؤلاء هم الذين لابد لهم عند الشهادة من الكفر بما يعبد من دون الله، أما غيرهم فإن لا إله إلا الله ذاتها علامة على ذلك؛ لأن شقها الأول: (لا إله) معناها: أنا أكفر بما يعبد من دون الله.
فيكفي قول: لا إله إلا الله، أو: كفرت بما يعبد من دون الله.
ولا يلزم أكثر من هذا، إلا إذا كان يقول مع لا إله إلا الله بآلهة أخرى.
стр. 783
الطاغوت
لا يتم الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، وهو: كل ما يعبد من دون الله وهو راض، وقلنا: وهو راض؛ لأن هناك من يعبد وهو غير راض، ولذلك عندما يقال: (تتبع كل أمة ما كانت تعبد) فإن الذين كانوا يعبدون عيسى لا يذهبون مع عيسى؛ لأنهم لم يطيعوا عيسى، وإنما يذهبون مع شياطينهم وطواغيتهم، ولذلك يقال: (ويتبع من كان يعبد الطواغيت)، ومن ضمن الطواغيت: هؤلاء الأحبار والرهبان الذين قالوا لهم: اعبدوا غير الله.
وأما عيسى ﵇ فبعيد عنهم.
стр. 784
رءوس الطواغيت
رءوس الطواغيت خمسة: الشيطان الداعي لعبادة غير الله؛ ولذلك كل عبادة لغير الله مردها في النهاية إلى عبادة الشيطان، ولذلك كل كافر بالله مشرك؛ لأنه عبدٌ للشيطان؛ ولأنه عبد غير الله .
فالشيطان هو الداعي إلى عبادة غير الله، كما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠].
والمبدل لأحكام الله طاغوت، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن المبدل ينسب الأمر هذا إلى الدين، ويقول: إنه إلينا، فيعتقد الناس أن له حق التبديل، مثل اعتقاد اليهود والنصارى في علمائهم وأحبارهم ورهبانهم، بأن لهم الحق أن يشرعوا لهم، فيحللون لهم، ويحرمون عليهم -والعياذ بالله- من دون الله.
فمثلاً: تجد النصارى في العالم كله يأكلون الخنزير، مع أنهم معتقدون بأن الكتاب المقدس -العهد القديم والعهد الجديد- يحرمه عليهم، والعهد القديم بإجماع العقلاء كلهم فيه تحريم الخنزير، واليهود يحرمون الخنزير، ولكنهم تركوا كتاب الله؛ بسبب قرار مجمع من مجامعهم الذي قرروا فيه إباحة لحم الخنزير! وهذا يوضح تماماً اعتقادهم في أن الناس من حقهم أن يبدلوا.
ومن الطواغيت الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وليس بشرط أن ينسبها للدين، وإن كان البعض يحاول أن يقصرها على ذلك، والحاكم بغير ما أنزل الله أسوأ؛ لأنه يدعي لنفسه حق التشريع مبدئياً من غير ما ينسبها للدين والعياذ بالله! وكلاهما طاغوت، ومتجاوز للحد، فإن بعض الدساتير تنص على أن مصدر السلطات كلها هو في يد الملك، وحتى التشريعات تصدر باسم الملك، وفي الدول الجمهورية تصدر باسم رئيس الجمهورية، وهو يقول: باسم الشعب، بل في النظام الملكي في كثير من البلاد أن الدساتير كلها هبة من الملك، فمثلاً: الدستور الياباني كل شيء يصدر عندهم باسم الإمبراطور، والإمبراطور هو مصدر السلطات، وهذه كلها -والعياذ بالله- من المناقضة لتوحيد الله .
وأصل الطاغوت من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من جاوز حد العبودية، وزعم لنفسه حقاً أو صفة من حقوق أو صفات الألوهية، فهو طاغوت.
فالشيطان الذي يدعو الناس إلى عبادته وطاعته في الكفر بالله ورسوله، وفي مخالفة شرعه، قد جعل لنفسه حقاً من حقوق الإله الحق، وهو: الطاعة المطلقة، فمن أطاعه طاعة مطلقة حتى في الشرك والكفر وتكذيب الرسل فقد عبده، وعلى هذا فإنا نقول بأن الشعب يصبح عبداً للشيطان إذا أطاعه طاعة مطلقة، وليس كل عاصٍ يصبح عابداً للشيطان، وإنما في حالة الطاعة المطلقة التي تشمل أنه مستعد لأن يطيعه ولو في الكفر، ولو في تكذيب الرسل.
كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]، فإنه من المعلوم أن أكثر العالم كانوا لا يعبدون الشيطان بالصلاة والسجود له، أو اعتقاد ألوهيته، بل إنما كانت عبادتهم له بطاعته في الكفر.
ويجب التنبيه هنا إلى أن طاعة الشيطان في المعاصي من الشرك، وإذا وجد في القلب الإنكار الباطن الذي يجعل العبد وإن عصى ربه يقر على نفسه بالذل، ويعترف بالذنب، فلا تصبح هذه المعصية عبادة للشيطان تخرج الإنسان من الإيمان، وقد قال الأبوان: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
والحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله قد جاوز العبودية التي تستلزم تلقي أحكام الله بالقبول والإذعان، وعدم المنازعة، ونسب لنفسه صفة الربوبية بالتشريع، قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فلو ادعى لنفسه أن له الخلق مثل الساحر فقد طغى أي: جاوز الحد، فهو طاغوت.
ولو أن شخصاً قال: لي الأمر، فقد طغى وجاوز الحد.
فالله ﵎ كما تفرد بالخلق، فهو متفرد بالأمر شرعاً وكوناً، شرعاً بمعنى: التشريعات، وكوناً بمعنى قوله: (كن) فيكون.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠].
فاعتقاد أن التشريع أو الحكم لله وحده من معاني توحيد الربوبية، ثم إن تطبيق ذلك بأفعال العباد بالتحاكم والحكم بما أنزل الله على رسوله ﷺ من معاني توحيد العبادة والإلهية، فهذا الخضوع هو التوحيد العملي، والأول اعتقادي؛ ولذلك كان من أعظم عبادة الطاغوت تحكيمه في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم وأرواحهم.
وكذلك المبدل لأحكام الله الذي يدعي لنفسه حق تبديل الأحكام التي أنزلها الله حسبما يراه بعد إقراره وعلمه بأن الله أنزله، كالأحبار والرهبان الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [التوبة:٣١] وتفسيرها: أنهم اتبعوهم على تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وإذا كان الله قد أنكر على المشركين طلبهم من الرسول ﷺ أن يبدل القرآن فقال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس:١٥] فكيف يتصور أن يكون هذا الحق لغيره؟!! فالظن بأن لأحد من الخلق أن يبدل أحكام الله حسب نظره وهواه من ظن الجاهلية والعياذ بالله! والساحر طاغوت؛ فإنه جاوز الحد، ونسب لنفسه ملك الضر والنفع، وتقليب القلوب حباً وبغضاً وتأليفاً, وقد يزعم الخلق والإحياء والإماتة، وقد يقول: أنا سأجعل العظم حياً، أو أنا سأوقع بين فلان وفلان كذا، أو أحبب فلاناً في فلانة ونحو ذلك.
وكل هذا من الطغيان؛ إذ هذه كلها من صفات الله وأفعاله وحده لا شريك له.
والكاهن طاغوت، وهو الذي يدعي لنفسه صفة علم الغيب التي اختص الله بها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩].
فكل واحد من هؤلاء قد طغى، وجاوز الحد، فصار بذلك طاغوتاً يجب الكفر به، حتى يتحقق معنى النفي في (لا إله إلا الله).
стр. 785
كيفية الكفر بالطاغوت
صفة الكفر بالطاغوت أن يعتقد الإنسان بقلبه بطلان ما زعموه لأنفسهم من صفات الربوبية، أو حقوق الإلهية، وأن يصرح بلسانه بذلك، وأن يعلم أنه حين ينطق بلا إله إلا الله فإنه يعني تكذيبه لكل هؤلاء أو غيرهم، ممن يعبد من دون الله.
ثم يكون عمله مطابقاً لقوله واعتقاده، فلا يطيع الشيطان، ولا يستجيب لدعاته فيما يأمرون به من الكفر والمعاصي.
والكفر بالطاغوت: اعتقاد وقول وعمل، فكمال الكفر بالطاغوت ألا يطيع الشيطان في شيء من المعاصي، ولا يتحاكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله، ولا إلى من بدل شرع الله، ولا يأتي السحرة والكهنة.
فاعتقاده الأول أنهم طواغيت باطلة فيما زعموا هذا الأصل، ونطقه بقوله لهم: ليس لكم من الأمر شيء، وعمله: أنه لا يذهب إليهم، ولا يأتيهم، بل يكذب ذلك بالجهاد وباليد والمال والنفس، لإبطال عبادة الطواغيت من على ظهر الأرض كلها، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣].
فالفتنة شرك، ولذا كان الجهاد ذروة سنام الإسلام.
стр. 786
بيان كون الهوى من الآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله
إن من الآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله: الهوى، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] هذه الآية نص واضح بأن الهوى إله يعبد من دون الله، ونحن نفرده بالذكر لأجل أن واقع الحياة المعاصرة -والحياة الغربية على وجه الخصوص- ونمط الحياة الذي يراد للناس أن يَعيشوها، هي قضية الحرية وتعظيم ما يهواه الإنسان هي القضية الأولى، وربما تكون أعظم الآلهة التي تعبد هي الشهوات، وليس لمجرد اتباع الشهوات، ولكن لعبادة الهوى، وهذا فرق بين أن يتبع الإنسان الشهوة، وبين أنه يجلس يؤسس ويؤصل اتباع الهوى.
فهناك فرق مهم بين شخص يقول: أنا مخطئ، وأنا أتبع هواي دون الرجوع إلى الشرع، وبين آخر يؤصل بأن كل إنسان حر في أن يفعل ما يشتهي؛ فإن الحرية هذه هي المبدأ الأول للثورة الفرنسية، وأن الناس أحرار فيما يأتون ويذرون، وعليها أسست نظام الحياة الغربية، فعندهم أن كل إنسان حر فيما يشتهي، وفيما يفعل.
ولذلك مثلاً: تجد أن الدنيا تقوم ولا تقعد لو حكم على أحد بالتفريق بينه وبين زوجته بسبب الكفر فيقولون: أين الحرية؟ هو حر يفعل ما يشاء كما يشاء.
وتجد أيضاً قضية الشهوات الجنسية مفتوحة تماماً في الغرب، بحيث إنه يمكن للمرأة أن ترفع قضية على زوجها أنه اغتصبها؛ لأنه جامعها بغير رغبتها! في حين أنه لو جامع غير زوجته - زنى- فإن ذلك لا يعد جريمة! فتجدهم يؤصلون قوانين الزنا، ويبينون ما هو الزنا، وما هو المحرم منه؛ فلا يكون محرماً إلا عن طريق الغصب والإكراه، ومن أجل هذا يقولون: من واقع أنثى بغير رضاها فإنه يعاقب بالأشغال الشاقة! وكل هذا تأصيل لقضية عبادة الهوى والعياذ بالله! وهذا فرق مهم جداً ينبغي أن يعيه جهلة جماعات التكفير والتوقف وأمثالها ممن يرى أن سلوك الإنسان بمجرده يحكم به على صاحبه بأنه متبع لهواه، فمثلاً: يرى المرأة المتبرجة، أو شخصاً تاركاً لبعض الواجبات، أو فاعلاً للمحرمات، فيقول: هذا إنسان يعبد الهوى، ويستدل بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣].
أو يجد شخصاً يحب الكرة أو يحب الموسيقى أو يحب المغني الفلاني، فيقول: إنه يعبد ذلك الشيء! فلا بد أن نفرق بين هذا وبين تأصيل حق الإنسان في اتباع هواه، وأن اتباع الهوى حق للإنسان والعياذ بالله! وبين شخص يفعل ذلك على جهة المعصية، ويرى أنه مخطئ إذا فعل ذلك، أو إذا كان عنده شبهة فتبين له إذا كان يرى أنه على الصواب، فهناك فرق عندما يقول أحد: الموسيقى ليس فيها شيء، وليست حراماً، وهناك علماء يقولون كذا، وأين الدليل من الكتاب والسنة؟ فإن هذا أصبح عنده أصل: أن الناس عليهم أن يرجعوا إلى الدين، ولكن القضية أن نظام الحياة العلمانية ترى أن الإنسان حر في أنه لا يرجع إلى الدين، فتأصيل مثل هذا هو عبادة الهوى.
ومن أجل هذا أدخلناه في الطاغوت، مع أن المشهور أنهم يقولون: الطواغيت خمسة، لكنه فعلاً من الآلهة التي تعبد، بل ربما يكون أعظم طاغوت في واقعنا هو الهوى.
قال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] قال: مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان هذا الشيء دينه ومذهبه.
وإنما يكون هذا شركاً أكبر إذا كان اتباع الهوى يقود إلى الكفر والتكذيب والشرك بالله، وأما إذا كان فيما دون ذلك فهو شرك أصغر؛ ولهذا كانت المعاصي كلها من شعب الشرك، وإن لم يكن حكمها حكم الشرك الأكبر.
والواجب على الإنسان أن يجعل هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، حتى يتم إيمانه، ولابد أن يعرض رغباته وغاياته وخطراته على الكتاب والسنة، فما وافقهما أخذ به، وما خالفهما ألقاه وراءه ظهرياً.
فإن المعاصي في حكم الشرك، وتسمى كذلك في الجملة، لكننا في الحقيقة لا نسمي المعاصي شركاً أصغر إلا إذا ورد تسميتها بذلك، فمن ذلك -مثلاً-: عبد الدرهم، وعبد الدينار، والفواحش، مع أن الرسول ﷺ سمى الرياء شركاً أصغر، وسمى الحلف بغير الله شركاً أصغر، فنحن نقول: إن المعاصي التي وردت فيها تسمية لا شك أننا نسميها كذلك، وإن كان في الجملة حكم المعاصي كلها أصلاً من باب الشرك الأصغر؛ يطلق ذلك عليها إجمالاً، كما نقول: المعاصي بريد الكفر، أو البدع بريد الكفر، أو المعاصي من شعب الكفر، وليس المقصود به كفر الخروج من الملة، وإنما المراد أنه شرك أصغر؛ لأنه اتباع للهوى، وذريعة للأكبر؛ ولأن كل المعاصي تقود في النهاية إلى الكفر، فمن الممكن أن تقود الإنسان إلى الكفر فعلاً إذا وصل إلى الكفر والتكذيب والشرك بالله، فهذا هو عبادة الهوى من دون الله.
والشرك الأكبر صاحبه مخلد في النار، والشرك الأصغر هو من جنس المعاصي في قضية خلود صاحبه في النار.
وقد جاء عن الرسول ﷺ أنه قال: (الطيرة شرك).
فوجدنا أن فيها قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر.
ووجدنا أن في الحلف شركاً أكبر، وشركاً أصغر.
فنحن محتاجون لبيان هذه الأقسام، ومن أجل هذا وضع العلماء الفرق بينهما، حيث إنه ورد أن الرسول ﷺ عامل أناساً ممن كان فيهم ما سماه شركاً معاملة المسلمين، فتبين لنا بذلك أن الرسول ﷺ عنى أنه من ضمن أن الطيرة فيها ما هو شرك أصغر، ومن ضمن أن الحلف فيه ما هو شرك أصغر، فتبين بذلك أن الرسول ﷺ قصد ذلك.
стр. 787
بيان خطر المال والجاه
من الآلهة التي يعبدها الناس من دون الله وهم لا يشعرون: المال والجاه، كما قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخمصية، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
وقوله: (انتكس) يعني: رجع إلى الحال السيئ الذي كان عليه، والتعاسة خبر أو دعاء، يعني: إما أن الرسول ﷺ يخبر عنه وهذا الخبر صادق لا يخلف، أو أنه دعاء قد أجابه الله ، فدعا عليه بالتعاسة والانتكاس، وأنه إذا شيك -أي: إذا دخلت في قدمه أو في جسمه شوكة- فلا انتقش، يعني: لا أُخرجت بالمنقاش.
فما أشقى هذا العبد الذي دعا عليه رسول الله ﷺ ، أو أخبر بتعاسته، من أجل أنه رضي لنفسه أن يكون خادماً لما خلق من أجله أصلاً؛ فإن المال واللباس والقطيفة والخميصة خلقت لأجل الإنسان، فإذا به يجعل نفسه خادماً لهذا الذي خلق من أجله؛ إذ إن المفروض أنه يكون خادماً لك، مسخراً لك، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣].
فالإنسان إذا صار المال والجاه وكلام الناس عنه في هيئته وثوبه وغير ذلك هو كل همه في هذه الدنيا فإنه يصبح من أجله يحب ويبغض، ويوالي ويعادي، ويطلبه من حلال أو حرام، وهذا من أعظم الآلهة التي تعبد في زماننا، وخصوصاً في نمط الحياة الغربية التي يراد للناس أن يقلدوها، فإن قضية المال هي من أعظم الأشياء عندهم، أو هي كل شيء عندهم، فبالمال تغير الأديان، والرسول ﷺ أخبر أن هذا يكثر في فتن آخر الزمان، حيث قال ﵊: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فالرسول ﵊ بين أن الفتن التي ستأتي في آخر الزمن هي من هذا النوع، فأحدهم قد يبيع دينه بعرض من الدنيا.
فلا بد للدعاة إلى الله وأهل الحلم والدين أن ينتبهوا لهذا النوع، فإن الناس ممكن أن يحاربوا من بعيد اللات والعزى، وإن كانت معظم عبادة الناس ليس في اللات والعزى، مع أن الناس في الحقيقة مدفوعون دفعاً إلى أن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا، فأحدهم مستعد أن يكفر بالله لو أعطي مالاً، أو أعطي منصباً، ومستعد لأن يترك ما أمره الله به من الولاء والبراء وكل الدين بسبب أنه يخاف على منصبه أو يخاف على مركزه أو يخاف على ماله أن يضيع، والعياذ بالله! فلابد من الانتباه لهذه الفتنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (يبيع دينه بعرض من الدنيا)، فلابد للإنسان أن ينتبه لهذه الفتنة المقبلة، فقد أصبح الإنسان في هذا الزمان من أجل المال يحب، ومن أجله يبغض، ومن أجله يوالي ويعادي، ويطلبه من حلال أو حرام، ولو طلبوا دينه ثمناً لعرض منها لكان أسرع شيء إلى البيع بالثمن البخس، ولذا قال ﵊: (يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا).
وهو مع ذلك لا يناله من الدنيا إلا ما كتب له، كما في الحديث الصحيح: (من أصبح والدنيا نيته، فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة نيته، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن حبان في الصحيح، وابن ماجة، والطبراني بإسناد لا بأس به.
وفي الحديث القدسي: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً).
ولذلك نقول: إن طبيعة العمل التي تستغرق وقت الإنسان وعمره تجعله غير متفرغ لكي يبذل شيئاً في سبيل الله؛ فلا يجد وقتاً لعبادة الله وذكره، ولا يجد وقتاً للدعوة إلى الله، ولا يجد وقتاً للتعلم والتعليم ونشر الخير، وهذه علامة أكيدة على أن القلب بعيد عن الله ؛ لأنه قال: (يا ابن آدم! لا تباعد مني فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً)، فتجده دائماً ويداه مشغولة.
وقد يقول قائل: الناس كلهم الآن أشغالهم تستهلك اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وأكثر من اثنتي عشرة ساعة، وكلام النبي ﵊ عن الله يبين أن هذا سبب البعد عن الله.
فلو أن القلب قريب من الله فإنه سبحانه يفتح لعبده من حيث لا يحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
فلابد للإنسان من أن يجعل الهم هماً واحداً، وليس معنى ذلك أن يقول: نترك العمل، ونجلس في المسجد.
فهذا كلام غير صحيح، وإنما المطلوب أن تكون همة الناس همة الدين، فعند ذلك يفتح الله لهم أبواب الرزق، وأبواب الطاعة، وأبواب الخير.
فالعودة إلى التوحيد الصافي من الكتاب والسنة، ونبذ الشركيات بأنواعها، واستدلال الناس على التوحيد بآيات القرآن والسنة، وإحياء القضايا الإيمانية التي في القرآن والتي أهملت في عصور التقليد خير عظيم.
فأبواب الخير مفتوحة، ولكنها تريد همة عالية في التقرب إلى الله ، بحيث لا يكون هم الإنسان إلا هماً واحداً، كما قال ﵇ عن ربه أنه قال: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً).
فهذا وعد من الله ، وإذا وجدت غير هذا فتأكد بأن هناك غلطاً، وأن هناك خللاً.
وقوله: (الخميلة): كل ثوب له خمل، و (الخميصة): أيضاً نوع من الثياب الحسنة الجميلة.
ولا يتصور في مؤمن يوجد في قلبه شيء من الإيمان أن يضحي بعقيدته لمن يدفع أكثر، سواء كان من الشرق أو من الغرب، أو يرضى بالكفر ويتابع عليه من يظن أنه إن لم يعطه جاع أو عطش، وقد غاب عنه قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
وقد صارت هذه المصيبة -والعياذ بالله- مبرراً للكثيرين في المتابعة على الكفر والفسوق والعصيان؛ بل على حرب الإسلام وأهله دون جريمة؛ إلا أنهم يلتزمون بالإسلام.
وذلك منهم إرضاء للمجرمين والكافرين، ومن أجل أموالهم، بل صار معلوماً أن الصفقات تعقد على ضرب الإسلام في مقابل الأموال التافهة الحقيرة، أو من أجل الاستمرار في كراسي الحكم والسلطة، فهذا الذي نراه هو حقيقة ما أخبر به الرسول ﷺ عن هذه العبودية للمال في أبشع صورها.
فأما من لا يوصله حب المال إلى الكفر، ولكن يوصله لفعل المعاصي -والعياذ بالله- فله نصيب من الشرك الأصغر، فما زالت هناك عبودية، لكن هذه العبودية شرك أصغر، نسأل الله أن يعيذنا من العبودية لغيره، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.
стр. 788
حقيقة العبادة
كلمة (لا إله إلا الله) مشتملة على شقين: نفي وإثبات، فالشق الأول فيه الكفر بالطاغوت، وقد تكلمنا على الآلهة التي تعبد من دون الله.
والشق الثاني فيه الإيمان بالله، وحقيقة العبادة.
أما الشق الثاني من كلمة التوحيد -وهو إثبات الألوهية- فهو حقيقة الإيمان بالله؛ لأن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
والعبادة هي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
وبهذا يظهر التطابق بين حقيقة الإيمان: أنه قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وبين حقيقة العبادة، ومن أجل هذا قلنا: إن العبودية لله هي إثبات الألوهية، وحق العبادة لله هو حقيقة الإيمان.
стр. 789
أركان العبادة
أصل العبادة: كمال الذل وكمال الحب، فهما ركنان لا تقوم العبادة إلا بهما.
فلابد للإنسان الذي يقول: أنا أعبد الله أن يكون عارفاً بالركنين في الجملة إجمالاً، ويحققهما في ذات نفسه، أما من يدعي أنه يحب الله ولا يخضع له، فهذا لم يحقق العبودية لله ، وهذا موجود في تصورات قطاع كبير من البشر، فإن ملايين من البشر يقولون: نحن نحب ربنا، ولكن لا يلزم أن نسمع كلامه، ومعظم الغرب يقرون بوجود الله، ولكن لا يوجد منهم خضوع له، ولا انقياد لشرعه، وعلى هذا فليس عندهم عبودية لله ، حتى لو أحبوه.
فالركنان اللذان لا تقوم العبادة إلا بهما: كمال الحب، مع كمال الذل.
فخضوع الانقياد هو أن العبد لا يمكن أن يضحي بأمر الله أمام أي مقابل، كما أنه لا يمكن أن يقدم على حبه لله أي حب.
والعبادة كذلك لا تصح إلا بالحب والخوف والرجاء، فلابد من العبادة في كل عمل من الأعمال، فلابد للعبد في كل عمل من أعماله أن يكون محباً لربه جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وأن يكون خائفاً من ربه، خوف المقام بين يديه، وخوف وعيده.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وفيهما معنيان: الأول: الذي سبق وهو خوف المقام بين يدي الله.
وأما الثاني فالمراد: أنه خاف مقام الرب عليه بالاطلاع، فهي مضافة إلى الفعل، والمعنيان صحيحان.
فمقام الرب بالربوبية: الاطلاع في كل وقت، أما مقام العبد بين يدي ربه فسيكون يوم القيامة للسؤال وللحساب.
стр. 790
الرد على من يقول: إنه لا يخاف النار، ولا يرجو الجنة
على العبد أن يخاف الوعيد والعقاب، ولا يكون كمن من يقول: أنا لا أخاف النار، قال : ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]، وكذلك يجب أن يكون العبد راجياً فضل الله ورحمته وثوابه وجنته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فنسب الرغبة إلى الله، والحسب في التوكل على الله، والإيتاء نسبه إلى الله ورسوله ﵌.
وقال عن آل زكريا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
فالأنبياء وصفوا بذلك، والمؤمنون وصفوا بذلك، ومدحوا على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، فمن زعم أنه يعبد الله حباً فقط، بلا رغبة ولا رهبة فهو منافق زنديق كاذب في دعواه، فلو أحب الله لأطاعه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، فإنه يقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] فلو أحب ربه لرهبه، وقالت رسله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت:٣٦]، وقال سيدنا شعيب: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت:٣٦]، فكيف تصدق دعوى الحب لله مع مخالفة أمره؟ وكيف تصح العبودية بغير خوف ورجاء؟ وكثير من الناس اغتروا بالكلام المنسوب إلى رابعة العدوية -والله أعلم بحقيقة النسبة إليها- وهو قولها: اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في الجنة فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأدخلني فيها! وظنوه دالاً على علو شأن المحبة.
واغتروا بالتفسير المنقول عن الشيخ الشعراوي في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] قال: والجنة تعتبر أحداً! وهذا معناه: أن الذي يطلب الجنة مشرك والعياذ بالله! فالله يقول لأزواج الرسول ﷺ : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، فهل هن مشركات؟! وهل الله يرغب في الشرك؟! نعوذ بالله! وهل عندما قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) [الأحزاب:٢١] رغب في الشرك؟! فعندكم أن رجاء الله ورجاء اليوم الآخر شرك.
نعوذ بالله! وهذا الكلام ضلال مبين، وهو كلام حقيقته الكفر، يترفع عنه حال الأنبياء والأولياء، وإنما أصله سوء اعتقاد في الله ورسله كما هو حال الصوفية والفلاسفة، فإن عندهم أنه من الممكن أن يقول الله للناس كلاماً غلطاً من أجل أنه لا ينفع معهم إلا هذا، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
من الفلاسفة من يقول: إن الرسل أصلاً كانوا فاهمين، لكن الناس لا ينفع معهم إلا هكذا! وبعضهم يقول: إن الرسل يخدعون الناس، وأن الرسل لم يكونوا يفهمون ما هو الموضوع، والعياذ بالله! فهؤلاء المتدينون من الفلاسفة يقولون: إن الرسل كانوا يخدعون الناس، وهذا معناه أنهم كذابون.
والعياذ بالله! ويقولون: بأنهم لا يفهمون أصلاً، وأن طرق الحكمة غير طرق الرسل، وهؤلاء أكفر الفلاسفة والعياذ بالله! فهذا كلام فضيع جداً، والذي يقرأ كتاب مفصل الاعتقاد لشيخ الإسلام ابن تيمية يجد فعلاً أن كلام الفلاسفة مبني على ذلك، وهم في أحسن أحوالهم يقولون: الرسل أذكياء جداً، لكن العوام من الناس لا ينفع معهم غير هذا، والذي يتلمح مثلاً عنوان كتاب الغزالي (إلجام العوام عن علم الكلام) يجده لم يلغ علم الكلام بالكلية، وإنما يلجم العوام الذين لا يفهمون.
وله كتاب آخر اسمه: (المضنون به على غير أهله)، قال ابن العربي: شيخنا أبو حامد دخل الفلسفة فأراد أن يخرج منها فلم يستطع يعني: أنه ما زالت بقايا الفلسفة مؤثرة فيه، ففي كتابه (المضنون به على غير أهله) يقول: إن هناك أسراراً يضن بها على العوام! ولذلك تجدهم كلهم متفقين على أن الخوف والرجاء والرغبة والتوكل والإخلاص كل هذه من عبادة العوام، يعني: أن الخواص مترفعون عن ذلك، وهذا الكلام ذكره في مدارج السالكين، وفي كل مكان فيه صوفية تجد هذا الكلام موجوداً.
ولذلك كلام الفلاسفة هذا خطير للغاية، وفساد فعلاً في الاعتقاد، وهو يرمي إلى تجريد الرسل أصلاً، فإن الفلسفة لما دخلت أثرت على الناس في عقائدهم، وبمرور الزمن أدت إلى أن يكون كلام الكفار هو الذي يعتقده قطاع عريض من أتباع الرسل إلا أمة محمد ﷺ ، فالأكثرية -والحمد لله- تأبى ذلك، إلا أن هناك أناساً منتسبين إليها يفعلون ذلك، فإن عقيدة النصارى منبعها من الفلاسفة الكفار، وعامة النصارى يعتقدون هذه العقيدة الكفرية والعياذ بالله! ولو أن أحداً اعتقد أن الجنة هي أكل وشرب ونكاح فإنه يصبح جاهلاً بالدين مبتدعاً؛ لأنه ينكر رؤية الله، وينكر القرب من الله؛ ولذلك فإن الجهمية من شرار الخلق؛ لأنهم ينكرون أعظم نعيم لأهل الجنة وهو القرب، فهم يقولون: إن الله لا يقرب، ولا يقرب منه؛ لأنه يلزم من ذلك الجسمية.
قالوا: ولا يرى في الآخرة؛ لأنه يلزم من ذلك أنه محدود؛ ولذلك أنكروا هذا وقالوا: إن الجنة أكل وشرب ونكاح فقط، وهؤلاء من أهل البدع والضلال، فإنهم لما تركوا ذكر الله، وتركوا القرآن، وتركوا حديث الرسول ﵊؛ وقعوا في الضلال الذي ما أنزل الله به من سلطان.
فحقيقة هذا الكلام هو الضلال والزندقة؛ إذ كيف يسأل الرسول ﷺ ويسأل أفضل أولياء الله الصالحين -وهم الصحابة ﵃ الجنة، ويستعيذون بالله من النار، ثم يتبرأ مسلم من ذلك، أو يزدري هذه النماذج في الاعتقاد، تارة بأنها عبادة العبيد أو التجار، مثل الكلمة المشهورة الموجودة: الخوف عبادة العبيد، والرجاء عبادة التجار، وأما الحب فهو عبادة الصديقين؟ فهل كان الصحابة وآل زكريا من العبيد والتجار؟ هل أصبح هؤلاء أحسن منهم؟! كما يقول ذلك ابن عربي وغيره، وهو محي الدين الصوفي، وأما أبو بكر بن العربي فهو المالكي.
وهذا الكلام ليس إلا إعراضاً عن القرآن والسنة وإجماع علماء المسلمين، بل قد صرح أئمة العلماء بكفر من قال: أنا لا أخاف القيامة، قال النووي: ولو قال: لا أخاف القيامة كفر.
فانظر إلى هذه الهاوية التي سقط فيها أولئك القوم، وفتنة الناس بهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 791
يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة
جاء الدين الإسلامي فألغى كل مظاهر الفساد في جميع نواحي الحياة: في الاعتقاد، أو الأخلاق، أو المعاملات.
ومن أعظم ما عمل على إلغائه وإنهائه: الربا، الذي هو خطر على جميع الناس، ويكفي فيه أنه: محطم للاقتصاد، مبدد للثروات، ولعل أعظم فساده وضرره: تسببه في تعرض المتعاملين به لغضب الله وسخطه وحربه، قال تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله).
стр. 792
الجنة وصفات أهلها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٨].
стр. 793
الحث على المسارعة إلى الجنة، وصفتها
قال الإمام ابن كثير ﵀: يقول الله تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين إما أن تقضي، وإما أن تربي، -تربي أي: تزيد، والربا أصلاً من الزيادة، يربو: يزيد-، قال: فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر، -في قدر الدين وصار مضاعفاً-، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر الله تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى -في الأولى الدنيا، والأخرى: الآخرة-، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: كما أعدت النار للكافرين، وقد قيل: إن معنى قوله: ((عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) تنبيهاً على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] أي: فما ظنك بالظهائر، إذا كانت البطانة من الحرير فالظهارة دائماً تكون أفضل من البطانة.
وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله -كالكرة- والله أعلم بصفة ذلك، وهذا ليس عندنا ما يدل عليه عبارة صريحة.
يقول: وقد دل على ذلك كما ثبت في الصحيح: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن).
هذا الحديث رواه البخاري، ولكن ليس صريحاً في أن الجنة كالقبة، فالله أعلى وأعلم.
فالكيفية مجهولة بالنسبة لنا، ولكن الفردوس أعلى الجنة وأوسطها، وسقفه عرش الرحمن.
قال: وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١] الآية.
قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد: (أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ : إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ : سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار) حديث ضعيف.
ورواه ابن جرير عن يعلى بن مرة قال: (لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخاً كبيراً قد فند)، فند أي: بلغ الهرم، وضعف جداً، (فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فتناول الصحيفة رجل عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ قالوا: معاوية فإذا كتاب صاحبي)، ومعاوية هو الذي يقرأ الكتاب للنبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ ليس بقارئ، وقوله: (فإذا كتاب صاحبي) أي: فإذا كتاب هرقل فيه الآتي: (إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار).
وقال الأعمش وسفيان الثوري، وشعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب: إن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة.
يعني أن هذه الحجة موجودة في التوراة بهذه الطريقة والله أعلم، رواه ابن جرير من ثلاثة طرق.
ثم روى عن يزيد بن الأصم: أن رجلاً من أهل الكتاب قال: يقولون: جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال ابن عباس ﵄: أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل؟ أي: حيث يعلم الله ، وملك الله أوسع من السماوات والأرض، فالله يفعل ما يشاء ويخلق ما يشاء .
فمضمون الحجة أنه يكون حيث شاء الله، وملك الله أعظم من السماوات والأرض كما ذكرنا.
قال: وقد روي هذا مرفوعاً، رواه البزار عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: ((جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [آل عمران:١٣٣] فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله، قال: وكذلك النار تكون حيث شاء الله .
يقول: هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون اثنان وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله وهذا أظهر، كما تقدم في حديث أبي هريرة عند البزار.
والثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر كما هو معلوم الآن أن الليل يكون في جانب، والنهار في جانب آخر.
فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السماوات تحت العرش، وعرضها كما قال الله : ((كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار، والله أعلم.
стр. 794
من صفات أهل الجنة: الإنفاق
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة، فقال: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)) أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:٢٧٤]، والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وقوله تعالى: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)) أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يُعِملُوه -ولم يعملوا بمقتضاه، فلم يعملوا غيظهم في الناس-، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم.
وقد ورد في بعض الآثار يقول الله تعالى: (يا ابن آدم! اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبتُ، فلا أهلكك فيمن أهلك) رواه ابن أبي حاتم.
وقد روى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره)، وهذا حديث غريب وفي إسناده نظر، وإن كان المعنى ثابتاً من أدلة الكتاب والسنة الأخرى.
وقوله: ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره، يعني: التوبة.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة) الصرعة: الذي يصرع الناس، قال: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه، رواه الشيخان من حديث مالك.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه)؛ لأن ماله هو الذي يتصرف فيه، قال: (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله).
وحقيقة الحال: أن أكثر الناس مال وارثهم أحب إليه من أموالهم، وذلك كما قال ﷺ : (ما لك من مالك -أي: ليس لك من مالك- إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرت).
وأكثر الناس يحبون ادخار الأموال، وهذه الأموال المدخرة تعود للورثة، فهو ليس مالهم، وإنما مالهم ما ادخروه عند الله، قال: وقال رسول الله ﷺ : (ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب).
قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تعدون فيكم الرقوب؟ قلنا: الذي لا ولد له، قال: لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً)، الذي لم يمت في حياته أحد من أولاده، فهذا الذي كأنه لا ولد له؛ لأنه لا يدري هل من يعيش من أولاده ينفعونه أم لا؟ وأما من مات من أولاد المسلمين فهم شفعاء في آبائهم وأمهاتهم.
أخرج البخاري الفصل الأول منه: الذي هو: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث من رواية الأعمش.
حديث آخر رواه الإمام أحمد: عن رجل شهد النبي ﷺ يخطب قال: فقال: (أتدرون ما الرقوب؟ قالوا: الذي لا ولد له، قال: الرقوب كل رقوب: الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئاً، قال: أتدرون ما الصعلوك؟ قالوا: الذي ليس له مال، فقال النبي ﷺ : الصعلوك كل الصعلوك: الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً، قال: ثم قال النبي ﷺ : ما الصرعة؟ قالوا: الصريع) صريع: تطلق على فاعل ومفعول، يقال: بل سقط صريعاً أي: مصروعاً، والصريع بمعنى: الصارع، أي: الذي يغلب الناس بالصراع، (قال: فقال: الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه)، وفي بعض النسخ: (فيصرعه غضبه) وقوله: فيصرع غضبه: أي يغلب غضبه.
стр. 795
كظم الغيظ من صفات أهل الجنة
وروى الإمام أحمد: عن الأحنف بن قيس عن عم له يقال له: جارية بن قدامة السعدي أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! قل لي قولاً ينفعني وأقلل علي لعلي أعيه، فقال رسول الله ﷺ : لا تغضب، فأعاد عليه حتى عاد عليه مراراً كل ذلك يقول: لا تغضب).
وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام.
وفي الراوية الأخرى: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! قل لي قولاً وأقلل علي لعلي أعقله، فقال: لا تغضب) قال ابن كثير الحديث انفرد به أحمد، مع أنه رواه البخاري، وهذا وهم من ابن كثير ﵀.
حديث آخر: رواه الإمام أحمد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رجل: (يا رسول الله! أوصني، قال: لا تغضب، قال: الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله) انفرد به أحمد.
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: أنه كان يسقي على حوض له، فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه -يورد عليه: يدخل إبله على إبله أثناء سقياها- وكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع، فقد أغاظ أبا ذر هذا الرجل جداً، وهؤلاء القوم كانوا يريدون أن يغيظوا أبا ذر فكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر، لم جلست ثم اضطجعت؟ فقال: (إن رسول الله ﷺ قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.
ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده.
وحديث آخر رواه الإمام أحمد أيضاً عن أبي وائل الصنعاني قال: كنا جلوساً عند عروة بن محمد إذ دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أغضبه قام، ثم عاد إلينا وقد توضأ فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي وقد كانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أُغضب أحدكم فليتوضأ) وهكذا رواه أبو داود وضعفه الشيخ الألباني.
وحديث آخر: رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أنظر معسراً أو وضع له) أنظره أي: أخر عنه المدة، ووضع له أي: ترك شيئاً من الدين الذي عليه، (قال: من أنظر معسراً أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثاً، ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن) عمل الجنة حزن يعني: في الصعوبة، مثل مكان مرتفع يحتاج إلى صعود، ولن يجد الإنسان سهولة في الصعود إليه، ومثله قول النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره)، (ألا وإن عمل النار سهل بسهوة) أي: أرض منبسطة، يعني: أن عمل النار سهل، (وحفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) هذا هو المعنى، والله أعلم.
قال: (والسعيد من وقي الفتن) نسأل الله أن يقينا من الفتن، (وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً).
انفرد به أحمد وإسناده حسن ليس فيه مجروح، ومتنه حسن.
حديث آخر في معناه: رواه أبو داود عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه ملأه الله أمناً وإيماناً، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو أقدر) قال: بشر المنصور -هو: بشر بن منصور أحد الرواة- أحسبه قال: (تواضعاً) أي: (ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعاً كساه الله حلة الكرامة، ومن روج لله كساه الله تاج الملك) بمعنى الدعوة، والله أعلم.
وروى الإمام أحمد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) هذا حديث حسن.
والذي قبله ضعفه الشيخ الألباني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
حديث آخر: رواه عبد الرزاق عن رجل من أهل الشام يقال له: عبد الجليل عن عم له عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)) أن النبي ﷺ قال: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً) حديث ضعيف، لكنه شاهد لما قبله، رواه ابن جرير.
وروى ابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجراً من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله) وكذا رواه ابن ماجة.
فقوله تعالى: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)) أي: لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند الله .
стр. 796
العفو من صفات أهل الجنة
ثم قال تعالى: ((وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)) أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد -أي: غيظ وغضب وضيق من أحد- وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) وهو من مقامات الإحسان.
وفي الحديث: (ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله) حديث صحيح أخرجه مسلم، ولا التفات إلى ما ذكر في بعض النسخ من تضعيفه، فهو حديث صحيح بلا شك، وبعض المحققين ذكر ضعفه وليس بضعيف، بل هو صحيح.
وروى الحاكم في مستدركه عن عبادة بن الصامت عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: (من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه).
قوله: من سره أن يشرف له البنيان أي: يرفع له البنيان عند الله في الجنان، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال الذهبي: أبو أمية ضعفه الدارقطني وإسحاق لم يدرك عبادة، وإسحاق بن يحيى بن طلحة هذا فيه انقطاع، لكن له شواهد متعددة، وقد أورده ابن مردويه من حديث علي وكعب بن عجرة وأبي هريرة، وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك، لكن أصل هذا الحديث ثابت إن شاء الله؛ لأن له طرقاً متعددة.
وروى من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم وخذوا أجركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة) نسأله ذلك.
стр. 797
التوبة والاستغفار من صفات أهل الجنة
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً أذنب ذنباً، فقال: رب إني ذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله : عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي) قوله: علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به) أي: عاقب، فهو يعلم قدرة الله على العفو وقدرته على العقاب، فرجا عفو الله ومغفرته وخاف عقابه فاستغفر لذلك.
قال: (ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفر، فقال : عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) أي: طالما ظل على تلك الحال، ووافى الله تائباً، أخرجاه في الصحيحين.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: (قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد، فقال: لو أنكم تكونون على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم، قلنا: يا رسول الله! حدثنا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: لبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، تحمل على الغمام -على السحاب- وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) رواه الترمذي.
والحديث له شواهده الكثيرة.
ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء قال مسعر: فيصلي، وقال سفيان: ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له).
وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأهل السنن وابن حبان في صحيحه، والبزار، والدارقطني، وقال الترمذي: هو حديث حسن، وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي أبي بكر الصديق ﵄.
ومما يشهد بصحة هذا الحديث: ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه توضأ لهم وضوء النبي ﷺ ، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه).
فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، كما دل عليه الكتاب المبين من أن الاستغفار من الذنوب ينفع العاصين.
وقد قال عبد الرزاق بسنده عن أنس ﵁ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] الآية: بكى.
ورواه الحافظ أبو يعلى عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون).
قال ابن كثير: عثمان بن مطر وشيخه: ضعيفان، والحديث ضعيف ولا يصح مرفوعاً.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (قال إبليس: يا رب! وعزتك لا أزال أغوي عبادك، مادامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي! لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) حسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.
وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال: (جاء رجل فقال: يا رسول الله! أذنبت ذنباً، فقال رسول الله ﷺ : إذا أذنبت فاستغفر ربك، فقال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب، قال: فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك، فقالها في الرابعة: استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور) أي: الذي ترجع عليه الحسرة.
هذا حديث غريب من هذا الوجه ضعيف، لكن المعنى ثابت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم ذكرناه قبل وفيه: (قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء).
وقوله تعالى: ((وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)) أي: لا يغفرها أحد سواه، كما روى الإمام أحمد عن الأسود بن سريع: (أن النبي ﷺ أتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله) أيضاً لا يصح، مرسل من مراسيل الحسن.
وقوله: ((وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية، أو يصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، والتكرار غير الإصرار، فالإصرار معناه: أن يعزم أن يعود إلى الذنب فيكون قلبه عازماً على العودة، والتكرار: يمكن أن يكون مع إصرار، ويمكن أن يكون بغير إصرار؛ لأنه سيفعل الذنب ثم يتوب، ثم يرجع إليه مرة ثانية، فهو قد تكرر منه الذنب ولم يصر، وإذا أصر ولم يتكرر منه الذنب فهو أشد ممن تكرر منه الذنب.
قال: ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما روى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أبي نصيرة عن مولى لـ أبي بكر عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة).
رواه أبو داود والترمذي، والبزار، وقال علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، ضعفه الترمذي لأجل مولى أبي بكر، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر؛ ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير ويكفيه نسبته إلى أبي بكر الصديق فهو حديث حسن، والله أعلم.
وقوله: ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير: وهم يعلمون أن من تاب تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة:١٠٤]، ((أَلَمْ يَعْلَمُوا)) فهم يعلمون من صفات الله أنه يغفر الذنوب، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠].
ونظائر هذا كثيرة جداً.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : (أنه قال وهو على المنبر: ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) صححه الألباني، وتفرد به أحمد.
стр. 798
الأعمال سبب النجاة أو الهلاك، والنصر أو الهزيمة
ثم قال تعالى بعدما وصفهم بما وصفهم: ((أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) أي: جزاؤهم على هذه الصفات مغفرة من الله ((وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) أي: من أنواع المشروبات: من خمر، وعسل، ولبن، وماء غير آسن، ((خَالِدِينَ فِيهَا)) أي: ماكثين فيها، ((وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)) يمدح الله تعالى الجنة.
هذه الآيات الكريمة في وسط الآيات في سورة آل عمران في ذكر غزوة أحد، وقد يستغرب البعض من ذكرها في هذا الموضع بعد قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً))، ثم حذرهم من النار، وبين صفات أهل الجنة، فنقول: العلاقة بين ما ذكر قبل وبعد قصة غزوة أحد وثيقة جداً؛ وذلك أن المؤمنين إنما يواجهون عدوهم ويواجهون الصراع بين الحق الذي معهم والباطل الذي يعانيهم؛ إنما يواجهونه بأعمالهم فإذا كانت أعمالهم وصفاتهم على الوجه الذي يحب الله ويرضى وعلى وفق ما جاء به النبي ﷺ كان في ذلك النصر بإذن الله.
ولذا بوب البخاري باب: عمل صالح قبل القتال.
وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم، وإذا كان الناس يحاربون الله ، ويحاربون رسوله ﷺ بأكل الربا فكيف يتصور أن يكونوا ناصرين لدين الله، وهم لم ينصروه في أنفسهم؟ وكيف يتصور أن ينتصروا على عدوهم عدو الله، وهم لم ينتصروا على أنفسهم؟ فكان هذا الأمر وثيق الصلة بأمر القتال والحرب، بل وبكل صراع يجري بين الحق والباطل، فإذا كان الربا منتشراً في أمة فهذا من علامات خرابها وضياعها، وقد يقول البعض: فالكفار يتعاملون بالربا فلماذا يسودون؟ نقول: إن الله يعامل أهل الإيمان والإسلام بغير ما يعامل به أهل الكفر والنفاق والعياذ بالله؛ وذلك أن الله يبتلي أهل الإيمان والإسلام ليرحمهم، ويسلط عليهم عدوهم ليكفر عنهم سيئاتهم ، كما قال : ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] فلما ابتعد أهل الإسلام والإيمان عن دينهم سلط عليهم بذنوبهم أعداءهم، قال : ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٧ - ٨].
أما أهل الكفر فإنه يملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
قال : ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
قال النبي ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته).
فالله يبتلي أهل الإيمان والإسلام ومن خرج منهم عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بما يبتليهم به ليطهرهم، فلذلك لا يقولن أحد: لماذا الكفار ممكنون في الأرض؟ فهذا من إملاء الله لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم .
أما أهل الإسلام فلهم شأن آخر، إذا أكلوا الربا أضعافاً مضاعفة -وسيأتي الكلام أن ذلك ليس له مفهوم- فلا ينتصرون على عدوهم؛ ذلك أن الربا حرب لله ولرسوله ﷺ ، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، فكيف ينتصر من يحارب الله ويحاربه الله ؟ لذلك إذا رأينا أمة الإسلام تترنح تحت سلطان عدوها فلنعلم أن من أعظم أسباب ذلك انتشار الربا في مشارق أرض أهل الإسلام ومغاربها، وأكله صريحاً وبالشبهات، وبالحيل المحرمة التي حرمها الله ، وأوضحه: الاقتراض بالفائدة مع الزيادة سواء يقترض الإنسان أو يقرض، سواء كان ذلك مع أفراد أو مؤسسات، فإن ذلك كله من الربا المحرم بلا شبهة ولا تردد، فإن توقيف ووضع الأموال في المؤسسات المالية كالبنوك وغيرها عند أهل القانون أنه كالدين والقرض، وإن سمي بأسماء أخرى، فأهل الاقتصاد متفقون على أن هذا حكمه حكم الدين، فهو يداين المؤسسة البنكية بهذا المبلغ، وبعض البنوك تقرض الناس ويسمى قرضاً صراحة، وإن سمي ائتماناً فليس بائتمان، وإنما هو قرض بزيادة، وهذا مما لا يختلف فيه أهل الاقتصاد أنفسهم في توثيق هذا العقد، وفي توثيق هذه المعاملة، والذي أتى بهذه الأشياء واصطنعها هم أهل الغرب، وهم يسمون هذه الأشياء على حقيقتها، ويوثقون العقد توثيقاً صحيحاً، فأكل الربا وتأكيله -والعياذ بالله- من أعظم أسباب المصائب التي نزلت بالمسلمين نسأل الله العافية.
ثم بين الصفات الواجبة التي يجب أن توجد في أهل الإيمان والمستحب منها حتى ينتصروا على عدوهم، ولذا سمعنا الحديث: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وهذه الصفات الحسنة الجميلة لابد أن يقف الإنسان عندها، ويتأمل في نفسه، ويتدبر هل حققها أم لا؛ ليعلم لماذا ينتصر المسلمون؟ ولماذا ينهزمون؟ فإنهم ينتصرون إذا تحققوا بهذه الصفات، وينهزمون إذا تخلفت هذه الصفات المذكورة في قوله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
إذاً: هناك ارتباط وثيق بين المعركة في الخارج والمعركة في الداخل، فالمعركة في الخارج مع الأعداء الذين نريد أن ننتصر عليهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالانتصار في المعركة الداخلية في داخل كل واحد منا مع نفسه، هل انتصر عليها أم لا؟ ولذا ثبت في الحديث الصحيح: (والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله) ولا نقول كما في الحديث الضعيف الآخر: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، بل نقول: إن الجهاد للأعداء هو الجهاد الأكبر، ولكن هذا الجهاد الأكبر مبني على أسس وقواعد كالبناء المرتفع، ولابد أن يكون له قواعد في الأرض، وإذا كان فوق الأرض بلا قواعد ما أسهل أن تأتيه أدنى هزة فتزيله وتهدمه، فكذلك نقول: الجهاد الذي هو جهاد أعداء الله في الخارج فرع على جهاد النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، والشهوات المحرمة في الداخل، وكذلك الأمة المؤمنة عندما تجاهد عدوها، فهذا الجهاد فرع على الجهاد الداخلي داخل المجتمع المسلم نفسه حتى يتهيأ ويعد بوجود الصفات الصالحة في أفراده، والتوافق والبناء على طاعة الله بين أفراده؛ ولذلك إذا دخلنا معركة وقد انتشر الربا، ولم يتق الناس الله ربهم، وانتشرت الصفات القبيحة، وقلَّت الصفات المحبوبة لله ، فما الظن بنتيجة هذه المعركة؟ ما نظن قبل الدخول إلا ما أخبرنا ، وهذا من معرفة سنن الله التي قال عنها بعد هذه الآية: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
وهناك ارتباط وثيق جداً بين صفة الأفراد وصفة المجتمع وبين نتيجة المعركة إذا دخلها المسلمون، ولا يلزم من ذلك أن يكون أهل الكفر على نفس الموازين، لا، بل أهل الكفر لهم موازين أخرى؛ لأن الله يملي لهم؛ لأنه يفتح عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون .
إذاًَ: المسألة كما ذكرنا صراع في أحد طرفيه، فأهل الإسلام لابد أن يعرفوا سنن الله في الصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الإيمان، وبين أهل الكفر، وأن ذلك مرتبط بالأعمال وبالصفات الأساسية، لذلك لا نستغرب ولا نتعجب مما أصاب المسلمين في المشارق والمغارب، وما حل ببلادهم وشعوبهم من أنواع المكاره، كيف لا؟ والربا على تلك الحال المعروفة في أكثر بلادهم إن لم نقل كل بلادهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 799
النهي عن الربا
стр. 800
تحريم الربا والترهيب منه
ورد في الترهيب من الربا جملة من الأحاديث: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة -أي: مطهرة- فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، -أي: رماه بحجر في فمه فليتقمه، ويرجع حيث كان- فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قالا: آكل الربا).
رواه البخاري في البيوع مختصراً هكذا، وهو حديث طويل رواه البخاري في مواضع مختلفة.
فآكل الربا: كأنه يأكل لحوم الناس ودماءهم، ولذا كان جزاؤه أن يلقم الحجارة، ويسبح في نهر الدم والعياذ بالله.
وخصوصاً الربا الذي صار اليوم منتشراً بكثرة، حتى إذا أراد الشخص أن يتوب لم يدر لمن يرد الحقوق، فهو يتعامل مع ملايين من البشر، فيظلمون، وتغلوا أسعارهم، وتزداد الأمور فساداً بسبب النظام الربوي الذي يتربع على عرشه اليهود في العالم والعياذ بالله.
وقد وصفهم الله بقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦١].
ومعلوم أن أكبر البنوك العالمية يملكها اليهود، وهي التي تقرض الدول بفوائد تظل تسددها من قوت شعوبها أضعافاً مضاعفة، فالديون التي تدان بها دولة مصر مثلاً قد سددت عدة مرات، وما زالت الديون كما هي بحالها، ونسأل الله العافية؛ ولو كانت هذه المعاملة مباحة لكان مباحاً ما يجري في شعوب الأرض الفقيرة التي تسام بألوان العذاب بسبب النظام الربوي العالمي الذي يزداد به الغني غنىً والفقير فقراً، ونعوذ بالله.
فلذلك كان الربا نظاماً محرماً بين الدول وبين الأفراد، فهو نظام في منتهى الخبث، وأكل للحوم الناس ومص لدمائهم.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله) رواه مسلم.
وفي رواية: (وشاهديه وكاتبه) رواها ابن حبان وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم.
الذي يأكل الربا: هو الذي يأخذ الفائدة، والذي يؤكل الربا: الذي يدفع الفائدة، وكاتبه: الذي يكتب لهم عقد الربا، وكذا الذي يحسبه ويرتبه لهم.
وشاهديه: من يشهد عليه ويحضره والعياذ بالله، فكل هؤلاء ملعونون، وهذا يدل على الطرد من رحمة الله، وأن هذا من الكبائر، قال: (هم سواء) أي: في الإثم والعياذ بالله.
وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصورين).
الواشمة: التي تصنع الوشم.
والمستوشمة: التي تطلب من يفعل بها ذلك، وآكل الربا ملعون، وموكله الذي يدفع الفائدة.
ونهى عن ثمن الكلب، وهو محرم عند الجمهور إلا كلب صيد كما ثبت في رواية النسائي، وكسب البغي هو: مهر الزانية.
ولعن المصورين: أي: الذين يرسمون أو ينحتون صور ذوات الأرواح.
وعن أبي هريرة ﵁ الله عنه عن النبي ﷺ قال: (أربع حق على الله ألا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه) فيه ضعف، ولكن ذكرناه كشاهد لما قبله.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاث وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) قال الحاكم: هذا إسناد صحيح، قال الإمام المنذري: والمتن منكر بهذا الإسناد ولا أعلمه إلا وهماً، لكن ثبت بأسانيد أخرى.
وعن ابن مسعود أيضاً أن النبي ﷺ قال: (الربا بضع وسبعون باباً، والشرك مثل ذلك).
ورواته رواة الصحيح.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الربا سبعون باباً أدناها كالذي يقع على أمه) رواه البيهقي بإسناد لا بأس به.
وعن عبد الله بن سلام ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام) رواه الطبراني في الكبير من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله ولم يسمع منه، ورواه ابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهما موقوفاً على عبد الله وهو الصحيح.
ولفظ الموقوف: قال عبد الله: (الربا اثنان وسبعون حوباً -حوباً أي: ظلمة- أصغرها حوباً كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية) وهذا الحديث روي من وجوه متعددة.
وروى أحمد بإسناد جيد عن كعب الأحبار قال: لأن أزني ثلاثاً وثلاثين زنية أحب إلي من أن آكل درهم ربا يعلم الله أني أكلته حين أكلته ربا، نعوذ بالله من الربا.
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية) رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح، والحديث بطرقه حسنه الشيخ الألباني.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) رواه الطبراني في الأوسط من رواية عمر بن راشد وقد وثق.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الربا سبعون حوباً أيسرها أن ينكح الرجل أمه) رواه ابن ماجة والبيهقي.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تشترى الثمرة حتى تطعم) أي: حتى يبدو صلاحها.
وقال: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وسكت عنه المنذري.
وعن ابن مسعود ﵁ ذكر حديثاً عن النبي ﷺ قال فيه: (ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله) رواه أبو يعلى بإسناد جيد.
وعن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة -القحط-، وما من قوم يظهر فيهم الرشا -الرشوة- إلا أخذوا بالرعب) رواه أحمد بإسناد فيه نظر.
نسأل الله العافية.
والأحاديث كثيرة جداً في التحذير من الربا.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بين يدي الساعة يظهر الربا، والزنا، والخمر) رواه الطبراني وراوته رواة الصحيح، وهذا فيه إيذان بخراب الدنيا، فانتشار الربا والزنا والخمر علامة على قرب خراب الدنيا، وعلى قرب القيامة.
نسأل الله العافية.
وعن القاسم بن عبد الواحد الوراق قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ في السوق في الصيارفة -جمع: صراف- فقال: يا معشر الصيارفة، أبشروا قالوا: بشرك الله بالجنة بما تبشرنا يا أبا محمد؟ قال: رسول الله ﷺ : (أبشروا بالنار)، وذلك لكثرة تعامل الصيارفة بالربا والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه الطبراني بإسناد لا بأس به.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة)، كلما يكثر من الربا يئول أمره إلى القلة والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه ابن ماجة والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وفي لفظ له قال: (الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُل) أي: إلى قِلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره) رواه أبو داود وابن ماجة من رواية الحسن عن أبي هريرة، والجمهور على أنه لم يسمع منه.
стр. 801
شبهات حول الربا والرد عليها
ذكرنا بعض ما ورد في التحذير من الربا الذي هو أحد أكثر الأمراض انتشاراً في زماننا، والناس من أجل التحسينات -وليس الحاجات أو الضرورات- يتعاملون بالربا، وما أيسر أن يقترض الرجل بالربا -والعياذ بالله- لكي يهيئ مسكناً، أو يزين المسكن الذي يسكن فيه، أو لكي يعطي أولاده دروساً خصوصية مثلاً، أو لكي يأتي لهم بملابس جديدة؛ لأنهم يلحون عليه عند دخول المدارس وفي الأعياد أنه لابد أن يعطيهم ملابس جديدة، نسأل الله العافية؛ وذلك من أعظم أنواع البلاء.
فمثلاً: شخص يريد أن يفتح مشروعاً فيتعامل بالربا؛ لأجل أن يوسع على أهله، أو لكي يشتري سيارة، أو يشتري منزلاً أحسن مما هو فيه، وغير ذلك من أنواع التعاملات الخطيرة التي لا تدخل في باب الحاجات فضلاً عن الضرورات، بل هي من التحسينات، والذي يتعامل بالربا ولو درهم منه شر من ست وثلاثين زنية -والعياذ بالله- يزنيها الرجل في الإسلام، فأكل الربا من أعظم أسباب الهزيمة والنكال والخسران الذي يقع للمسلمين.
وقوله : ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] لا يفهم منه أنه يجوز أكل الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة، فمفهوم المخالفة ضعيف في هذا الموطن؛ لأنه وصف للحال الذي كان واقعاً، أو غالب تعاملاتهم كانت كذلك، ولم يزل هذا كذلك، فغالب التعاملات في الربا أنه يؤكل أضعافاً مضاعفة؛ لأن المال يتضاعف عبر السنوات، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن له مفهوم، وإذا خرج الكلام مخرج الغالب لم يكن له مفهوم، بل لو أكل حبة من الربا، وليس درهماً لكان -والعياذ بالله- من أعظم الكبائر، ولو لم يكن مضاعفاً، كما سمعنا: (درهم من الربا شر من ست وثلاثين زينة)، فكيف بالأضعاف المضاعفة؟! فهذا وصف للحال الأغلب الذي كان عليه المشركون في الجاهلية: أنهم كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة، فليس للكلام مفهوم في أن الربا غير المضاعف يجوز، بل لا يجوز باتفاق المسلمين، ومن ينازع في ذلك يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ويجب قتله؛ لأن هذه ردة عن الإسلام والعياذ بالله، والقول بأنه يجوز الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة لا يقوله عالم، ولا يقوله مسلم في الحقيقة.
ومن الشبهات الباطلة قول من يقول: إن الربا إنما حرم إذا كان في القرض الاستهلاكي، ولم يحرم في القرض الإنتاجي أو الاستثماري، وهذا أيضاً -والعياذ بالله- من أنواع الشبهات المضلة التي تخرج بصاحبها عن حد الإسلام، وإن كان متأولاً أو جاهلاً بين له الأمر، وأقيمت عليه الحجة، ولا يكفر معين حتى تقام عليه الحجة.
والربا الاستهلاكي والربا الإنتاجي والاستثماري كله واحد بإجماع المسلمين، بل أكثر ربا الجاهلية كان في التجارات، ولم يكن من أجل إطعام الطعام، ولا كسوة العريان، وقد كان عندهم الكرم والجود، وما كانوا يتركون أحدهم يجوع ولا يوجد من يطعمه حتى يأكل الربا، وإنما كان أكثر رباهم فيمن يتاجر فيخسر فيرابي بأزيد لأجل أن يعوض الخسارة، وهكذا تستمر المسألة، فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)) لا يفهم منه أن هناك بعض الأنواع جائزة.
وقول من قال من العلماء: إن هذه الآية قد نسختها: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)) لا يعنون النسخ الاصطلاحي، بل يعنون: بينتها الآية الأخرى، فعندهم بيان المجمل يسمى نسخاً، بمعنى: نسخت وأزالت الإجمال الذي قد يفهمه البعض من أن الأضعاف المضاعفة هي المحرمة، وأما ما كان رباً يسيراً فليس بمحرم، ليس كذلك، بل الآية الأخرى بينتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨].
стр. 802
كيفية التوبة من الربا
قال النبي ﷺ في حجة الوداع: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله).
كان العباس من أكثر الناس رباً في الجاهلية فوضعه النبي ﷺ ، أي: أبطلة.
والتوبة إلى الله من هذا الذنب تكون: أولاً: بالامتناع من المعاملة، فلا تضع مالك مع من يتعامل بالربا، وتجعله وسيلة للتعامل بالربا، ولا تقبل أنت التعامل بالربا في حال من الأحوال، بل تتعامل فيه بما أحل الله من المضاربة والتجارة الحلال بالبيع والشراء.
الأمر الثاني: أن يرد الحقوق إلى أهلها، بمعنى أن الفوائد التي أخذها والزيادة التي أخذها على أصل المال لابد أن يردها إلى أصحابها إذا علمهم، وإن لم يعلمهم تصدق بها عنهم كوكالة عنهم، لا أنه يريد الثواب بذلك، بل تخلصاً من الحرام، فإذا تصدق بها عنهم يرجى له أن يكون قد تاب إلى الله ، فهذا هو العمل في مال الربا، أنه يأخذ رأس ماله ويترك ما زاد، قال : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
ومن ورث مالاً فيه شيء من الربا فليعلم أنه لم يكن مال مورثه فضلاً أن يكون ماله؛ لذلك لا يصح ميراثه منه؛ لأن المال الموروث لابد أن يكون مملوكاً للمورث الذي مات، فإذا كان رباً لم يكن مملوكاً له، لأن عقد الربا عقد باطل، كما أنه عقد محرم، ولا ينتقل به الملك، ولذلك لا يثبت ملك على تلك الزيادة.
فإذا كان كذلك لم يصح ميراثه، فمن ملك شيئاً من ذلك وجب أن يرده إلى أهله كذلك، فإن لم يعلمهم تصدق به عنهم.
وكذلك من وضع ماله وهو صغير في البنوك الربوية، وزاد ماله أضعافاً مضاعفة بسبب هذه المعاملات الربوية، فإذا تمكن من ماله وجب عليه أن يخرج الزيادات الربوية، ولا ينفقها على مصلحة نفسه إلا أن يكون محتاجاً فقيراً يأخذ كما يأخذ فقراء المسلمين، وأما أن ينتفع بها في نفسه فلا يجوز، حتى ولو كان لا إثم عليه لأنه ليس الذي أمر بوضع المال في هذه المعاملات الربوية، ولكن بمجرد تمكنه من إيقافها، وإخراج المال من هذه المعاملة واجب عليه، ولم يثبت له ملك على الزيادة؛ لأن عقد الربا عقد محرم، وعقد باطل، ولا ينتقل به الملك.
ومن هنا نقول: إن انتشار الربا في الأمة من أعظم أسباب خسارتها، ومن أعظم أسباب ضياعها، ومن أعظم أسباب هزيمتها على أيدي أعدائها، لذلك كان هذا التوافق في السياق بين النهي عن أسباب الهزيمة أولاً وآخراً في غزوة أحد، والنهي عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة والأمر بتقوى الله .
стр. 803
أنواع الربا
الربا يشمل: ربا الفضل وربا النسيئة، ربا النسيئة: هو التأخير، وهو القرض بفائدة، وقد ذكرنا أن تحريمه معلوم بالضرورة.
وأما ربا الفضل فهو: بيع الذهب بالذهب مع عدم التساوي، والفضة بالفضة مع عدم التساوي، وكذلك أصناف الطعوم: الملح بالملح، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، فهذه الأصناف الأربعة يقاس عليها عند بعضهم كل ما كان مثلها من الطعام الذي يكال.
والعلة في الطعام: الطعم، وبالنسبة للذهب والفضة فالعلة النقدية، فهذا ربا الفضل، فإذا تعامل بها مقايضة بمعنى ذهب بذهب فلابد أن يكون مثلاً بمثل ويداً بيد، ولا يجوز التفاضل فيه، وهذا كما تعود الناس عليه اليوم: من بيع الذهب القديم بالذهب الجديد مع التفاضل إما بالوزن نفسه، أو التفاضل في إعطاء مال إلى أحد الطرفين، فيكون البيع ذهباً ومالاً بذهب متفاضلاً مع عدم تساوي الذهب بالذهب في الوزن، وكذا الفضة بالفضة، وهذا نوع من الربا منتشر.
ويدخل في الربا التعامل بالتقسيط في الذهب والفضة بمعنى أن يشتري ذهباً بالتقسيط، وكذلك التعامل في العملة بالتقسيط، فإن ذلك كله من ربا الفضل، فقد قال النبي ﷺ : (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، فجعل اختلاف الأصناف مبيحاً للتفاضل كذهب بفضة، فيجوز فيه اختلاف الوزن، ولكن لابد أن يكون يداً بيد؛ لأنه قال: (فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
فإذا اتفق الجنس والعلة وجب أن يتفق الوزن بالنسبة للذهب والفضة، وبالنسبة للنقود الحالية يجوز التفاضل بشرط أن يكون الجنس واحداً والعلة واحدة، والعلة هي: النقدية التي في الذهب والفضة، والطعم في الأربعة الآخرين، وإذا اتفق الجنس واتفقت العلة فلابد أن يكون مثلاً بمثل ويداً بيد، ولا يصح أن يأخذ شخص خمسة عشر جنيهاً مجتمعة بتسعة عشر جنيه مفكوكة، أو واحداً وعشرين جنيه فكة بعشرين جنيه مجمدة، أو يأخذ مائة وخمسة جنيهاً مفكوكة بمائة مجتمعة، فمثل هذا نوع من الربا، وكما ذكرنا يجوز إذا كانت العلة واحدة والجنس مختلف كذهب بفضة، وذهب بنقود، ونقود بنقود مختلفة العملة كالدولارات والريالات، ولابد أن يكون يداً بيد، ولابد أن يسلم ويستلم في نفس اللحظة، ولا يجوز أن يؤجل ولا يوماً واحداً أو ساعة واحدة؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
وكذلك بالنسبة للأرز بالقمح أو الأرز بالتمر شرطها أن تكون متقابضة في نفس المجلس.
فهذا فيما يتعلق بربا الفضل، ومعلوم كيف صار الحال بانتشار الربا انتشاراً فظيعاً في هذا الزمان.
ومن الربا: الحيل التي تستعمل من بيع السلع بسعرين، كما قال النبي ﷺ : (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا).
ولا نعني بذلك المنع من البيع بالتقسيط مع الزيادة، فهذا أمر لا أعلم خلافاً في جوازه بين السلف، وإنما الذي يمنع منه أن يبيع بيعتين في بيعة واحدة ويجعل الأمر معلقاً في البيعة الواحدة، يعرض لها سعرين ولا يحدد أحدهما، فيقول له: نقداً بعشرة، ونسيئة بالتقسيط باثني عشر، وإذا كان على ثلاث سنين فستة عشر مثلاً، ثم يقول له: إذا جئتك بالمال بعد يوم فسآخذها بعشرة، وإذا تأخرت فهي باثني عشر، وإذا زاد التأخير فهي بستة عشر، فهذا هو الربا المقصود في قول النبي ﷺ : (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا).
ومع انتشار البيع بالتقسيط فقد دخلت هذه المسألة إلى الناس، وأصبح كثير من الناس يعقد على شيء، ثم بعد ذلك يحوله إلى شيء آخر، ويجعل هذا المال مديوناً به إن كان هو عشرة مثلاً يجعله اثني عشر بالتقسيط؛ فصار يبيع عشرة باثني عشر؛ لأن البيع تم أولاً، والسلعة استلمت، وتمت البيعة الأولى، فلا يجوز أن يغيرها، ولا أن يجعل عليه غرامة تأخير، وكثير من الجهات تجعل غرامة تأخير على التعاملات إذا تأخر في السداد، وكل هذا من الربا المحرم الداخل في قول النبي ﷺ : (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا).
стр. 804
صور ربوية منتشرة يجب الحذر منها
بيع العينة هو: أن يبيع ويشتري سلعة نقداً ونسيئة بغرض التحايل على الربا، فهو يريد أن يقترض بالربا، ولكن لا يريد أن يكون صريحاً في التعامل به، فيأتي بسلعة يعرضها للشخص الذي يريد أن يقترض منه، ويأخذ منه المال، ويقول: أبيع لك هذه بعشرة نقداً فيستلمها، وهو لا يريد بيعها، وبعد أن يتم العقد ويستلم السلعة يعطيه سلعة ويقول: بعتك إياها باثني عشر بالتقسيط، والحقيقة أن السلعة عادت ثانية، وأصبح مديوناً باثني عشر، وقبض بيده عشرة، وهذا تحايل على الربا.
والراجح حرمة بيع العينة، وهناك نص في المنع منها، واختلف العلماء في مسألة التورق، وصورتها: أن يشتري الرجل سلعة من السوق لا يريد شراءها ولا التجارة ولا الربح منها، لكن يأخذها ليبيعها بثمن بخس بأقل من ثمنها في السوق لكي يحصل على المال، وليس له غرض في السلعة، إنما غرضه الورق، وهذه تسمى مسألة التورق، ويسمونها حرق البضاعة الآن؛ لانتشار هذه النوعية من المعاملة، وحرق البضاعة لها صور أخرى، مثل: أن يبيعها بسعر بخس من المال بالاضطرار إلى البيع وهي مملوكة له من البداية، ومثلها أن يشتري سلعة بنقد بالتقسيط، ثم يبيعها بنقد تحايلاً لطرف ثالث، فهذه على الراجح ممنوعة، وهي داخلة في الربا، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، ورواية عن مالك، وثبت النهي عن ابن عباس ﵁ حيث قال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة.
والله أعلى وأعلم.
فمثل هذه المعاملات كلها من أسباب الفساد الذي يقع بين الناس، فلا يرفع عنا الغلاء والوباء إلا بالتوبة إلى الله ، والناس اليوم في أنواع من الكرب، وقد يظن كثير من الناس أن المخرج من ذلك بالاستدانة بالربا، وهذا ليس بمخرج، بل هذا يزيد الفقر، ويزيد الخراب، ويزيد الضياع، بل التوبة إلى الله هي المخرج حتى ترد الحقوق إلى أصحابها، فيرفع عنا الغلاء والبلاء، ونسأل الله العفو والعافية.
ومن الأمور الربوية المنتشرة: بيع السلع قبل قبضها، فإنها من أعظم ذرائع الربا، وهي: المرابحة غير الشرعية التي تقوم بها كثير من المؤسسات المسماة بالإسلامية، ويمكن عقدها بطريقة شرعية، ولكن كثير منها يتم بطريقة غير شرعية، وكثير من الناس يقوم بها فعلياً بنفسه، وليس فقط المؤسسات، مثل أن يريد شراء أو بيع سلع بالتقسيط وهو لا يملك هذه السلعة، ويعرف من يريد شراءها، فيقول له: اذهب فخذ السلعة التي تريد من المكان الفلاني، ثم أنا أحاسب على ذلك، ولا يتم قبض السلعة فيما بين هذا وذاك، ولابد حتى يصح البيع بالتقسيط أن تكون السلعة المشتراه مملوكة للبائع، ولابد أن يتملكها وأن يقبضها؛ لأن النبي ﷺ : (نهى أن تبتاع السلع حتى تقبض).
ويجري هذا على جميع السلع، فكل شيء بمنزلة الطعام كما قال ابن عباس.
إذاً: لابد أن يستلمها بيده، ثم يبيعها بعد ذلك، فالذي يريد أن يربح لا مانع أن يقول للمشتري صف لي الشيء الذي تريده، ولا مانع أن يذهب معه لتعيين السلعة المراد شراءها، وبعد ذلك يشتريها الشخص الذي يريد أن يربح، ويقبضها بيده، ويخرج بها من المكان الذي نهى أن تباع السلع فيه، ثم تباع.
والحديث كما ذكرت: (نهى أن تباع السلع حتى تقبض) والذي يذهب فيشتريها، ثم يقبضها ويخرج بها من المكان وتدخل في ضمانه وملكه، فله أن يبيعها له بعد ذلك، وهو قد أخذ منه وعداً بالشراء، لكن هذا الوعد ليس بيعاً، فلا يبع الذي يأخذ جزءاً من الثمن، ولا يجوز أن يعقد معه عقداً ملزماً قبل أن يشتري؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تبع ما ليس عندك)، إنما يعده أن يشتري منه، ثم بعد ذلك إذا تملك السلعة وقبض باعها له.
فهذه أنواع كثيرة من المعاملات تقع بطريقة غير شرعية، ومنها: أنه يقول له: اذهب وخذ سلعة ثم يئِّّس صاحب المحل أو صاحب المكان من استردادها، وهذا أمر فاسد خطير.
ومن هذا الباب ما تعود عليه كثير من الناس من بيع بعض الكوبونات لبعض السلع أو بعض الحجوزات، كأن يحجز سلعة اشتراها سلماً، أو لم يقبضها بعد، وهو حاجز دوراً فيها، وهي مازالت في يد صاحب السلعة الأول الذي هو الباني -مثلاً- للشقة أو المالك مثلاً للكوبون وهي البضاعة نفسها، والكوبون هذا قيمته مائة جنيه، فيذهب فيبيعه لآخر بثمانين، أو يبيع الشقة التي حجزها وهي لم تتعين بعد، أو لم تخصص له، أو لم يستلم مفتاحها، فيبيعها قبل أن يستلمها، فهذا داخل في هذا الباب، وهو نوع من التحايل على الربا؛ لأنه دفع مبلغاً، وباعه بأقل منه حالاً، فهذا مما يجب الحذر منه حتى ينجينا الله.
стр. 805
فتاوى المعاملات
стр. 806
حكم بيع البخت مقابل نقود
السؤال
يقوم بعض الأفراد ببيع ما يسمى البخت مقابل عشرة قروش، وهذا البخت ورقة مكتوب فيها الجائزة التي يحصل عليها المشتري، فهل هذا يجوز شرعاً؟
الجواب
هذا رباً، محرم بلا شك.
стр. 807
حكم من تعامل بالربا ثم امتنع عن هذا التعامل وكيفية تصريف هذا المال الحاصل من الربا
السؤال
تعاملت بالربا في بعض الوقت ثم امتنعت عن هذا التعامل، وأخذت رأس المال ومعي بعض أموال الربا، فهل يجوز أن أستغل هذه الأموال في مصالح المسلمين، كشراء المصاحف والشرائط الإسلامية، والإنفاق في سبيل الله؟
الجواب
نعم، بنية التخلص من هذا المال، فتتصرف فيه تصرفاً يقبله أصحابه يوم القيامة، لأننا لا ندري عن هؤلاء الأصحاب، إلا إن كنت تعلم أصحاب هذا المال، هذا إذا كان تعاملك ليس تعاملاً مثلاً مع البنوك، وإنما كان تعاملك مع فرد، تعرف مِمَّن أخذته، لكن إذا كان هذا التعامل مع البنوك، والبنوك هذه تعاملت مع أشخاص مجهولين بالنسبة لك طبعاً وبالنسبة لنا جميعاً وبالنسبة له في نفسه؛ لأن هؤلاء غير محصورين، ولا يمكن أن تعرف مالك هذا المال؛ لأن مال الربا تجب إعادته، أي: الزيادة تجب إعادتها.
فعليك أن تتصرف تصرفاً تعلم منه أنهم يرضون به يوم القيامة، وذلك بالإنفاق في كل مصالح المسلمين حسب المصلحة، منها ما ذكرت أو غيرها؛ لأنه لا يتصرف فيها عن نفسه، فإذا تصرف فيها عن نفسه عد مالاً حراماً، فلا بد أن يتصرف فيها عن أصحابها المجهولين.
стр. 808
حكم ترك الشخص أمواله في البنوك الإسلامية والبنوك الربوية
السؤال
هل ترك المال في البنوك الربوية أو التي نسميها حساباً جارياً حرام أم حلال؟
الجواب
البنوك الإسلامية لا بأس بها إن شاء الله؛ لأنه لو وضعه في حساب استثماري وتصدق بالربح فإن هذا أولى الأشياء، هذا إذا كان يحتاج إلى وضع المال في البنك، أو إذا كان يبحث عن مشروع يستغل به ماله فيضعه في حساب استثماري مثلاً ويتصدق بالربح، أما وضع المال في البنوك الربوية فهم يستغلون أصلاً الحسابات الجارية بنسبة معينة أقل من الحسابات الاستثمارية، لكنها تستغل أيضاً، وبالتالي يتاجر من خلالها، والنصيحة أنه يجب عليه أن يترك البنك الربوي، ولا يجوز له أن يترك المال في البنك الربوي، فإن كان لا يريد إلا البنك الربوي على أن يترك ماله في حساب جار فإن هذا افتراء.
стр. 809
حكم مشروع التكافل الاجتماعي في النقابات
السؤال
ما حكم مشروع التكافل الاجتماعي في النقابات؟
الجواب
المشروع في غالب ظني يقوم على أن أغلب النقابات تعقد تأميناً جماعياً مع إحدى شركات التأمين أو مع بعض البنوك الربوية، وهذا الأمر يجعل المشاركة فيه غير جائزة، وصيغته أصلاً فيها نوع من الزيادة والفائدة المشترطة مسبقاً.
وصفة هذا المشروع هو صفة التأمين التجاري؛ ولذلك أنا أعلم أن بعض النقابات وبعض الهيئات تعمل فعلاً عقداً تأمينياً مع بعض شركات التأمين باسم جميع العاملين في المؤسسة، فبالنسبة لهذا بلا شك لا يجوز.
ويقولون: إن الاستثمار منه خمسة وستون في المائة مشروعات استثمارية، وخمسة وثلاثون في المائة ودائع في البنوك، حتى ولو كانت هكذا البنوك الإسلامية أيضاً فإن هذا ربا محرم وليس هو أمراً إجبارياً، ولا هو هبة من الدولة ولا إلى الدولة، فهذا أمر لا يجوز.
стр. 810
حكم ربا الفضل
السؤال
هل ربا الفضل ليس بحرام محض، وأنه يأكله عن حرام محض؟
الجواب
صورته: أن أشتري ذهباً وأدفع جزءاً من الحساب ولا أستلمه حتى يكمل باقي الحساب، وهذه تفيد عظم الأمانة عند الرجل، ولا ينفع ذلك إن لم تكن أمانة، والأمانة تعني: أنَّ الرجل يضعها لوحدها ولا يأخذها، فتعد سلفاً وبيعاً مع عدم تسليم رأس المال وعدم استلام السلعة، فتصير بيعاً محرماً من عدة جهات.
فإذا كان الرجل لا يأخذ النقود، وإنما يضعها لوحدها ويصرفها، ويقول لهم: لكم عندي كذا ويكتبها في النوتة، فإن هذا لا يجوز، وكذلك إذا أعطاها للرجل والرجل يأخذها ويضعها ضمن النقود التي يضعها في خزنته، ولا يعرف من أين أتت نقود الرجل، فعشرة جنيهات بعشرة جنيهات، وكأنها أمانة في يده، ولو راحت لضَمِنَها.
فأنت إذا كنت صاحب محل، وجاء شخص ودفع لك خمسين جنيهاً، فتأخذها أنت أمانة عندك، وتعرف أنه لن يعطيك ثمنها قطعاً، فإن هذا لا يجوز لهذه الصورة المذكورة أي: أن الذي يعطي للرجل في كل فترة مبلغاً ثمَّ مبلغاً حتى يكمل ما عنده فيستلم الذهب، فإن هذا بيع بالتقسيط قبل تسليم السلعة، وهذا محرم لا يجوز.
فإذا بعت ذهباً بنقود من غير أن تكون يداً بيد فهذا لا يجوز باتفاق العلماء المعتبرين.
следующие страницы →