Полный текст (991 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
عدم جواز الكذب أو الحلف كذباً، وجواز استعمال التعريض في حالة الظلم
السؤال
هل يجوز أن يحلف الإنسان ليتخلص من ظلم وقع عليه في الضرائب مثلاً، وهل يجوز أن يكذب دون حلف؟
الجواب
لا يتجنى بالحلف، بل يستعمل التعريض خروجاً من الكذب، والتعريض: هو خروج من الكذب، فلا يحلف في ذلك، وليس هناك حاجة إلى الحلف للضرائب وغيرها.
стр. 877
حكم من ألزم ابنه بحلق لحيته معلقاً ذلك بيمين الطلاق لأمه
السؤال
أنا شاب ملتزم، ونظراً لظروف خاصة أقسم والدي بيمين الطلاق معلقاً لأمي إذا ما حلقت لحيتي، ما حكم هذا اليمين؟
الجواب
واضح أنَّ أمك ليس لها دخل بالموضوع، وإنما يريد هو أن يلزمك بحلق اللحية، وبراً بأبيك وأمك لا تحلق إن شاء الله وإنما مُره أن يُكَفَّر، لأنك لو أطعته في هذا لتحمل من الأوزار على الدوام، فكل لحية تحلقها يأخذ عليها ذنْباً، فأنت تريد أن تبره أليس كذلك؟ فبراً بأبيك ورحمة به وشفقة عليه لا تطعه في هذا الأمر، وعليه أن يكفر عن يمينه في الطلاق.
стр. 878
كفارة اليمين على الترتيب، والخيار يكون بين الثلاثة الأوَل
السؤال
هل كفارة اليمين على الاختيار أم لا؟
الجواب
الخيار حاصل ما بين ثلاثة كفارات وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، لكن لا بد من الترتيب، بمعنى: أنه لا يجوز أن يصوم إلا إذا عجز عن واحدة من الثلاثة، لكن أي واحدة من الثلاثة تجزئ، فيأتي مثلاً بكسوة للمساكين، فيكسو كل مسكين بما يستر به عورته ويجزئه ذلك.
أو يطعمهم طعاماً يشبعهم، كأن يكون كيلواً وربعاً من أرز لكل مسكين مثلاً، أو يحرر رقبة، فهو مخير بين الثلاثة، فإذا عجز عن الثلاثة ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام متتابعة.
стр. 879
من يحلف بكتاب يلزمه كفارة يمين
السؤال
رجل حلف بالمصحف أن لا يفعل كذا، ما كفارة هذا؟
الجواب
الحلف بكتاب الله يلزمه كفارة يمين.
стр. 880
حكم من أقسم ألا يعمل مع صاحب العمل، ثم أراد أن يعود للعمل
السؤال
شخصٌ أقسم ألا يعمل مع صاحب العمل إلا أن يعطيه أجرة معينة، ولم يعطِهِ أجرة، ويريده أن يعود إلى العمل؟
الجواب
يكفر عن يمينه ويعود، فيطعم عشرة مساكين، ويطعم كل مسكين كيلواً وربعاً من أرز.
стр. 881
حكم الرجل يكون عليه نذر وله دين عند أحدهم فيأمر المستدين بالوفاء بالنذر عنه
السؤال
شخص عليه نذر مائة جنيه وله دين مائة جنيه فهل يلزم من عليه الدين بدفعه عنه؟
الجواب
لا، وإنما يقبضه ثم يدفعه بنفسه.
стр. 882
حكم من نذر في وقت محدد أو في غير وقت محدد ثم لم يستطع الوفاء بالنذر
السؤال
رجل نذر أنه عندما تلد امرأته فسوف يذبح خروفاً، ولم يتمكن من ذلك فماذا يفعل؟
الجواب
إن كان نذره في وقت محدد يكفر عن يمينه وإن كان النذر ليس لوقت محدد وإنما عندما تلد في أي وقت فإنه ينتظر، ويكون النذر في ذمته إلى أن ييسر الله له قضاء هذا النذر والوفاء به.
стр. 883
النذر المعلق بالمشيئة حكمه حكم الحلف تماماً
السؤال
ما حكم النذر المعلق بالمشيئة، كأن يقول: إن رد الله علي غائباً فسأتصدق بألف جنيه إن شاء الله؟
الجواب
هذا لا يجعله نذراً، وإنما هو مثل الحلف، فإذا لم يتصدق فليس عليه شيء، ولكن الأولى أن يفعل.
стр. 884
النذر المعلق على معصية معصية
السؤال
ما حكم من نذر أنه إن فعل معصية فعليه كذا وكذا؟
الجواب
إذا علق النذر عليه فهو معصية، يعني: لو أن واحداً قال: لله علي إن نظرت إلى امرأة أجنبية أن أصوم شهراً، وإلا عمل المعصية المعلقة بالنذر، كمثل بعض الناس يحاول أن يمنع نفسه مثلاً من فعل معاصٍ متعود عليها، كشرب السجاير أو ممارسة العادة السرية أو عمل أي شيء خطأٍ، فيرغم نفسه ويخوفها، فيتعبد بعبادة معينة.
فهذا يلزمه ويحرم عليه فعل المعصية، لكن إن وقع النذر المعلق بالمعصية، فهو نذرٌ مكروه كما ذكرنا، ويكره أن العبد لا يفعل شيئاً إلا بمقابل.
стр. 885
حكم من أراد تزويج ابنته من رجل صالح وهي تريد الزواج من رجل آخر
السؤال
رجل يريد أن يزوج ابنته من رجل صالح، وهي تريد الزواج بآخر، هل يجوز لها أن تجعل غير أبيها ولياً لها، كأن يكون عمها أو خالها ولياً لها، وما الحكم إن زوجها أبوها ذلك الرجل؟
الجواب
أولاً: إذا لم تكن راضية بالزواج من ذلك الرجل الصالح فهي حرة ولا يزوجها أبوها رغماً عنها، ثانياً: إذا امتنع أبوها من أن يزوجها بالرجل الذي تريد -إذا كان صالحاً- سقطت ولايته وانتقلت الولاية إلى غيره فيجوز أن تجعل عمها ولياً لها، أما الخال فليس بولي.
يعني: شرط أساسي في الرجل الذي تريد أن تتزوجه أن يكون صالحاً، أما لو كان فاسقاً فمن حق الأب أن يعترض؛ لأن الكفاءة معتبرة في الدين.
стр. 886
حكم رفض الفتاة لشخص يتقدم لخطبتها بسبب عدم إطلاق اللحية
السؤال
هل يجوز للفتاة رفض شخص يتقدم لخطبتها بسبب عدم إطلاق اللحية؟
الجواب
نعم، يجوز لها ذلك، هي كما تشاء جزاها الله خيراً، ثبتها الله على ذلك.
стр. 887
حكم الرجل يكتب إرثه لإحدى زوجاته وأحد أبنائه هرباً من الظلم لا قصداً للتمليك، مع العلم أن هناك ورثة غير هذه المرأة وابنها
السؤال
هذا رجل كان عليه قضايا، وتخلصاً من القضايا كتب المنزل لزوجة له، وكتب السيارة باسم أحد أبنائها وهو يعرف جيداً أن حق الورثة محفوظ، ثم توفي الوالد، والظاهر أن الورثة لم يستطيعوا الحصول على هذه الأوراق ولكن عندهم تصوير من أن أباهم إنما كتب ذلك للتخلص من الظلم الذي يقع عليه فقط، ولا يقصد التمليك.
فأرادت زوجته أن تأخذ البيت وهي تقول: إنه لا حق لأحد فيه؟
الجواب
طالما أنه على يقين من أن والده قد كتب هذا المنزل للتخلص من الظلم فقط، ليس على سبيل الهبة، فكونهم أخذوا بصمة الزوجة على عقد البيع دون علمها، يعني: بحيلة لهذا المنزل، فهذا أمر ليس مخالفاً للشرع، إنما هو إعطاء كل ذي حق حقه، فطالما أنها ستأخذ حقها في المنزل وفي السيارة فذلك لا بأس به، والله أعلى وأعلم.
стр. 888
عدم جواز أكل لحمٍ لم يذكر اسم الله عليه، والأصل في المسلم السلامة
السؤال
إذا دخلت المنزل فوجدت لحماً مثلاً، أنا أشك في أن البائع يذكر اسم الله عليه عند الذبح، فهل آكل أم لا، مع أنه مسلم؟
الجواب
طالما وأنه مسلم فالأصل فيه: أنه يسمي الله تعالى؛ لأن الأصل في المسلم السلامة.
стр. 889
حكم اللحوم المستوردة وذبائح الكتابيين
السؤال
أفتى الإمام محمد عبده بأكل ذبائح الكتابيين، فعلى أي أساس كان هذا الإفتاء؟
الجواب
قلنا: إن الشيخ محمداً عبده والشيخ ابن باز يفتيان بذلك ويحلان اللحوم المستوردة بناءً على أنهم من أهل الكتاب، وأن الأصل في ذبائحهم: الحل، لكن الكلام يبقى في توصيف الواقع، والخلاف في هذا في تحقيق المناط وفي تطبيق الفتوى على الواقع.
فهل هم أهل كتاب أم لا؟ وهل هم يذبحون أمْ لا؟ وهل يسمون بالله أم لا؟ فالواقع الآن: أنهم في الغالب والأعم لا يسمون ولا يذبحون، والاختلاط بينهم وبين الذين ليس لهم دين عندهم كثير جداً في بلاد أوروبا؛ ولذلك نقول: الأصل فيه: الذبح حتى نتأكد.
والحكم في ذبح الرقبة كاملة، فإن وصل الذبح إلى آخر الرقبة فهو خلاف السنة، لكن إذا بدأ بالذبح من الحلق حلت الذبيحة؛ لأنه حصل الذبح في الشرع قبل موت الذبيحة، والذبائح المحلية كالهمبرجر والكفتة إذا كانت مذبوحة على الشريعة، كأن تكون مذبوحة في مصر، فالأصل فيها: الحل.
والآكل في المطاعم مثل: ماكدونالد والدجاج كنتاكي نسأله: هل هو دجاج مستورد أم مصري؟ فالدجاج إذا كان مصرياً حلَّ أكله، وإذا كان مستورداً فلا يجوز وإن كان مكتوباً عليه: ذبح بالشريعة الإسلامية.
واللحوم المستوردة الراجح فيها: المنع، حتى نتأكد أنه مذبوح على الطريقة الإسلامية من مسلم واحد.
стр. 890
حكم التجسس لصالح الكفار
السؤال
هل حكم التجسس لدولة مثل إسرائيل، القتل أم السجن؟
الجواب
هذا مرده إلى إمام المسلمين، وإمام المسلمين هو من ينظر في المصلحة وفي مدى تكرر هذه الجريمة، فجريمة التجسس تبيح قتل هذا الإنسان الذي يتجسس، وتبيح عقابه بما هو أقل حسب المصلحة، وحسب تكرر هذا الأمر، والضرر الذي وقع من هذا الرجل.
стр. 891
حكم حرق الكفار بالنار أثناء المعارك
السؤال
هل يجوز حرق الكفار بالنار أثناء المعارك؟
الجواب
إن معظم الحروب المعاصرة وجلها فيها استعمال للنار، فلا نزاع حالياً في جواز هذه الأمور في قتال الكفار.
стр. 892
الجمع بين قوله تعالى: (وجاهدهم به جهاداً كبيراً) وقوله ﷺ : (إنما جئتكم بالذبح) وبين أمر النبي ﷺ أصحابه بالصبر خلال فترة الاستضعاف، وغضبه لما أراد خباب الاستنصار منه
السؤال
كيف نجمع بين قول الله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] وأن النبي ﷺ كان يأمر أهله بالصبر خلال فترة الاستضعاف، وقتد غضب لما أراد خباب الاستنصار، وبين قوله ﵇: (إنما جئتكم بالذبح).
الجواب
هذا يكون في المستقبل، فقد أمر النبي ﷺ بالجهاد الكبير لهذه الدعوة، والبيان لهذه الحجة، وأمرهم بالصبر عن جهاد اليد والسنان إلى أن يحين وقته، وقوله: (إنما جئتكم بالذبح) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] حيث نزلت هذه الآية ولم يكن هناك جمع، ولم يكن هناك للمسلمين جيش، ومع ذلك نزلت بأنه سوف تقع ونحن على يقين كما نجزم الآن يقيناً وقطعاً أننا سنقتل اليهود، فإن أردنا أن نقتلهم الآن، وذهب ذاهب منا إلى الحدود مثلاً يريد أن يطبق ذبح اليهود كما أخبر به النبي ﷺ ، فلا شك أنه سيرد ويمنع ويحبس وربما يقتل.
ولذلك نقول: كفوا أيديكم الآن إلى أن يأتي وقت الذبح، ونحن جئناهم بالذبح عندما يكون هناك حاجة إليه.
والأمر متفاوت في هذا، فأحياناً تكون هناك شدة، وأحياناً يكون هناك تغليظ في الكلام ودعاء عالمي عليهم، ويظهر أثره بإذن الله ﵎، وهذا من الأمور العظيمة في الدلالة على أهل الحق، ولا مانع في ذلك، بل هذا مشروع مستحب، وقد يجب أحياناً أن يغلظ عليهم في مواقف معينة وتظهر لهم القوة، وكما ذكرنا فإنه يُدعى عليهم كما دعا عليهم النبي ﷺ علناً.
وعند ذلك يظهر بإذن الله ﵎ أثر هذا فيعلمون أنه الحق، لأنهم يوقنون أن الدعاء من أهل الإيمان مستجاب بإذن الله، وهناك شواهد عديدة في ذلك ليس في الزمان الماضي ولكن في زماننا.
стр. 893
قبول الجزية من الكفار الوثنيين هو الصحيح، والخلاف في تكفير الحجاج خلاف ضعيف جداً
السؤال
ما هو الراجح في الكفار الوثنيين، هل تقبل منهم الجزية أم لا؟ وهل الخلاف في تكفير الحجاج خلاف سائغ؟
الجواب
الراجح في الوثنيين وفيمن يدفعون الجزية هو قول مالك ﵀، وقول أبي حنيفة في غير مشركي العرب ورواية عن أحمد، وهذا أصبح موافقاً لقول مالك فهو قول الجمهور: إن كل الكفار من جميع الملل إن عرضوا الجزية قبلت منهم، أما تكفير الحجاج فقول ضعيف جداً مرجوع، والخلاف فيه ضعيف وليس بخلاف.
стр. 894
حكم من قاتل من المسلمين في صفوف الكفر ضد المسلمين
السؤال
ذكر أهل العلم: إن المسلم الذي يقاتل في صفوف الكفار ضد المسلمين يعامل معاملة الكفار، فكيف يتفق هذا مع ما روي أن رسول الله ﷺ أمر المسلمين بعدم مقاتلة نفر من المسلمين خرجوا مع كفار مكة لمقاتلة المسلمين؟
الجواب
إن الرسول ﷺ ما أمرهم بترك مقاتلتهم، وإنما أمرهم بترك قتلهم لعل الله أن ينجيهم من هذه المعركة، فيتوبون إلى الله ، فهم لم يكونوا يريدون حرب الإسلام ولكن ننظر فيمن قتل من هؤلاء، فإن بعضهم كان شباباً غير معروفين من الأنصار فقتلهم الأنصار؛ لأنهم وقفوا مع المشركين.
فقال بعض المسلمين: استغفروا لهؤلاء فإنهم كانوا سالمين، يعني: كانوا قد أسلموا، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
فدل ذلك على أنهم كفار، وكذلك لم يُعطِ النبي ﷺ أحداً منهم دية، فقد أمر النبي ﷺ العباس أن يفدي نفسه وابن أخيه، الفضل بن أبي طالب ونوفل كذلك.
فلو أنه كان مسلماً لكان ماله حراماً، ولا يجوز أن يؤخذ منه مال، ولكنه استدل بذلك: على أنه يعامل معاملة الكفار؛ لأن ذلك كان هو الظاهر، ومثلما أمر النبي ﷺ بعدم قتلهم نصيحة، لعل الله أن يبقيهم فيتوبون إلى الله، كذلك حينما جاء ملك الجبال واستأذن النبي ﷺ أن يطبق عليهم الأخشبين وقد كانوا يستحقون ذلك، ولو حدث ذلك لماتوا كفاراً، ولكن أبى النبي ﷺ ذلك فقال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً)، فطلب حياتهم لعل الله أن يتوب عنهم.
стр. 895
طلاق الحامل طلاق سنة وتنتهي عدتها بوضعها حملها
السؤال
طلق رجل زوجته وهي حامل، فهل يقع هذا الطلاق؟
الجواب
اتفاق بين العلماء: أن طلاق الحامل طلاق سنة، فإذا كانت حاملاً فقد وقع الطلاق بالاتفاق، ومدتها وضع الحمل، فلو طلقها ثم بعد تسعة أشهر، أو يومين، أو يوم واحد، أو لحظة، وضعت انتهت العدة، قال الله : ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].
стр. 896
الطلاق الذي يقصد به التهديد عليه كفارة يمين على الأصح
السؤال
رجل قال لزوجته: أنت طالق إن أنا أتيت باللبن فما حكم ذلك؟
الجواب
كان ينوي التهديد؛ لأنه لم يأت باللبن، فيكفر عن يمينه على الصحيح، وكم من الناس يحلفون بالطلاق وتختلف الصيغ، فلا بد أن ينظر في كل واقعة فيما قال.
فالذي يقول: علي الطلاق، يسمونه: حلفاً بالطلاق، والذي يقول لامرأته: إن عملت كذا فأنت طالق، ينظر في الأمر، فإن كان القول صريحاً فلا يبحث عن نيته.
فإن قال لامرأته: أنت طالق، ثم يقول: أنا لم أنوِ الطلاق، فهذا لا يجدي؛ لأن اللفظ الصريح لا عبرة بمخالفته، وإن قال لها: أنت طالق إذ لم تفعلي كذا أو قال: علي الطلاق ينظر، هل يقصد الطلاق أم يقصد التهديد والوعيد؟ فإن كان يقصد الطلاق طلقت، وإذا فعلت خلاف ما أمر وهو يقصد التهديد فعليه الكفارة، وهذا هو الأصح.
стр. 897
من زار مريضاً فأكل أو شرب عنده فلا حرج في ذلك
السؤال
هل من زار مريضاً فأكل أو شرب عنده يضيع أجره؟
الجواب
لا، ليس في هذا أثر فيما أعلم، بل لا بأس أن يقبل ما ضيفه به المريض فإنه ينزل ضيفاً عليه، ولا حرج أن يقدم له أو أن يأكل عنده.
стр. 898
انتفاع الميت بما يهديه له الحي من النوافل إلا صلاة الفريضة
السؤال
هل ينتفع الميت بمن يهدي له صلاة أو صياماً أو صدقة جارية؟
الجواب
الصحيح نعم، إلا صلاة الفريضة.
وصل اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 899
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين
إن النظر في عواقب الماضين، وقراءة تاريخ السابقين، يولد عند الإنسان العبرة والعظة، حيث يرى عاقبة المتقين وعاقبة المكذبين، ومآل كل منهما، ولهذا أمر الله عباده بالتفكر في العواقب، ولكن لن يستفيد من التاريخ إلا من نظر إليه نظرة إسلامية، وعرف حقيقة الصراع الدائر بين الأمم من خلال النظر الإسلامي الصحيح.
وإن ما نراه اليوم من الضعف والوهن في الأمة هو بسبب النظرة الخاطئة في أصل الصراعات القائمة بين الأمة، فعلى الأمم النهوض من غفلتها ورفض الوهن والضعف، والتمسك بحبل القوي العزيز.
стр. 900
سورة آل عمران معلم أساسي في تاريخ الأمة
قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٤٨].
سورة آل عمران معلم أساسي في تاريخ أمة الإسلام، ودرس للمؤمنين عبر العصور وفي كل الأزمنة والأمكنة، وبيان لسنة الله ، وقراءة إسلامية للتاريخ، يحتاج إليها المؤمنون في كل زمن وفي كل حال من أحوالهم.
فالأحوال دائماً في تغير وتبدل، والله يداول أيام العسر واليسر، والكثرة والنصرة بين الناس، فهو قد جعل للأمم سنناً يسير عليها البشر في الأزمنة المختلفة، وإن كانت أعمار الأمم لا تقاس بالسنوات وإنما تقاس بعشراتها أو مئاتها، وتقاس بالقرون، وإن أمة لم يتجاوز سلطانها مائة أو مائتين من السنين ثم تتعرض للاضمحلال والزوال لهي أمة مهينة، ولننظر في تاريخ أمة الإسلام لننظر ولنعلم كيف استقر بفضل الله سلطانها قروناً متعددة، وبما انتصرت؟ وفي كم انتصرت من الزمن؟ ولماذا ضعف سلطانها وتسلط عليها أعداؤها؟ وفي كم من الزمن وقع ذلك أيضاً؟ حتى لا يغرنا تقلب الذين كفروا في البلاد، وحتى لا تغرنا القوة الزائفة الزائلة التي يقدرها الله لأهل الكفر في أزمنة مختلفة ليبتلي بها عباده، بذلك ويختبر ما عندهم، وينظر ماذا يعملون، ولو تأمل متأمل في الأرض والسموات لأيقن وجزم وقطع لمجرد التأمل أن البشر وجودهم وقوتهم وملكهم وما بأيديهم لا يساوي شيئاً، فتأمل وجود البشر بالنسبة إلى الأزل وإلى الأمد، بل بالنسبة إلى ما مضى فقط من حياة البشر على ظهر الأرض وما بقي منها، وكم يعيش الإنسان بالنسبة إلى هذا الدهر الطويل، لتعرف قدر الإنسان في الزمان بأنه كالهباء فعلاً، أو كاللحظة العابرة، أو كالخاطر الذي يخطر على البال أو أقل من ذلك، فوجودنا أصغر بكثير مما يشعر به الكثيرون منا من أن حياتهم طويلة، وتأمل حجمنا في المكان، وانظر إلى مصير كل منا في الأرض، كم يشغل منها بالنسبة إلى مساحتها الكلية؟ وكم تشغل الأرض من هذا الكون الواسع الفسيح؟ وكم تشغل من المجموعة الشمسية مثلاً؟ وكم تشغل من المجرة؟ وكم تشغل المجرة من آلاف الملايين من المجرات مما لا طاقة للبشر ولا علم ولا سمع ولا بصر يصل إليه فضلاً عن أن يحيط به؟ وكل هذا في السماء الدنيا، وكلما ارتفعنا اتسع الأمر لتعلم صغر الإنسان.
ثم تأمل ما بأيدي الناس من القوة في دنياهم التي يعيشون بها على ظهر هذه الأرض، ثم قارن بينها وبين القوة التي أودعها الله عز وحل في شيء واحد فقط فضلاً عن أشياء متعددة، في البحر مثلاً، كم من الطاقة في هذه البحار التي لو أمرها الله أن تغرق الناس لأغرقتهم؟ كم في الرياح من طاقة وقوة هائلة تدمر ما بأيدي البشر في لحظات معدودة؟ ففي أيام معدودة وليال يدمر الله أمماً بأسرها، ويقع ذلك في كل زمان، وليس هذا فقط في زمن عاد، بل يتكرر أمام أعين البشر في زماننا في كل عام مرة أو مرتين، فتسمع عن إعصار، وتسمع عن غرق، وتسمع عن حرب، وتسمع عن دمار، وتسمع عن زلازل، فهناك قوة مودعة في الأرض، هذه الأرض التي لو أمرها الله أن تبتلع الكفرة والظلمة والمنافقين لابتلعتهم في لحظة، ولضيقت عليهم، وانشقت بهم، ولو أمر الله ما في السموات من المذنبات أن تحصد الأرض وتصيب ما شاء الله أن تصيب لكان شيئاً واحداً منها مدمراً لقارات بأكملها، فسبحان الله! أبعد هذا يغتر المغتر ويظن أن الأمر بأيدي الناس؟! ما يملك البشر وما بأيديهم إنما هو أصغر من الهباء بالنسبة إلى ما أودع الله في بعض مخلوقاته من القوة، فالقوة لله جميعاً، لذا تأكد وأيقن أن الأمور تجري بمقدار من عند الله ، وهي أثر من آثار قدره الماضي سبحانه، وأثر من آثار السنة التي قد مضت فيمن قبلنا، وأثر من آثار قوة الله وقدرته على خلقه حتى لا تغرنا البدايات، وحتى لا نيئس من النهايات، وحتى لا نزن الأمور بموازين ما بأيدي الناس، حتى كأن القوة الوحيدة هي ما بأيديهم، حتى كأن التخطيط والتدبير إنما هو الذي يصنعونه، والأمر ليس كذلك، فهناك تدبير آخر، وهناك سنن يقدرها الله ، ويجعلها هداية لأهل الإيمان، وموعظة لهم، ويبين بها لسائر الناس ما يفعله بأوليائه وأعدائه؛ ليظهر لكل أحد أن الأمور من عنده نازلة، فالله يقلب الأمور، ويداول الأيام، ويغير الأحوال والموازين، فإذا لحظنا ذلك بقلوبنا، ووعته أفئدتنا، كان ذلك سبباً لسلوكيات وأفعال معينة من طاعة الله ، ومن الصبر والثبات، والتخلص من أمراض عديدة تصيب الأمم في فترات الضعف والمحن، كالوهن، والحزن، والاستكانة للعدو ولباطلة، والمتابعة له على الباطل، فكل ذلك بسب عدم ملاحظة سنن الله أن الأمور من عنده .
стр. 901
الأمر بالتفكر في أحوال السابقين لمعرفة سنن الله في خلقه
قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
فهذا أمر، والأمر للوجوب، فهل انتبهنا إلى هذا الأمر ونظرنا في عاقبة المكذبين ونحن نسير في الأرض؟ حتماً ويقيناً أن أكثرنا لا ينظر، بل كل البشر إلا من رحم الله، فنستثني أقل القليل ممن ينظر في عواقب الأمور وفي نهايات المطاف، ويقرأ التاريخ قراءة إسلامية، وقد ذكر الله الأمر بالنظر في سنن من قبلنا مرات عديدة في كتابه، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨].
وقال : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وآيات كثيرة متكررة بهذا المعنى تأمر بالسير في الأرض؛ لننظر، لا لمجرد الأكل والشرب، ولكسب المكاسب، ولكن لنقرأ التاريخ قراءة إسلامية.
стр. 902
القراءات الفلسفية الأرضية لحقيقة الصراع
أكثر الفلسفات والتفجيرات البشرية الأرضية تحاول أن تقرأ التاريخ؛ لتعرف مواطن الصراع ومحاوره بين البشر، وطالما لم يستضئ القارئ بنور الوحي المنزل على رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم ينشرح قلبه لحقائق الإيمان، فإنه يذهب مذاهب شتى في تفسير التاريخ والصراع الذي يجري على وجه الأرض، ويحاول أن يستخلص النهايات على حسب فهمه وإدراكه، وإذا لم يكن هناك إيمان بما جاء به الرسول ﵊ كان هناك التخبيط وخلط الأمور، ولذا يسيرون سير العميان، بل أسوأ من ذلك، يسيرن في وسط وهاد وأودية مهلكة تهلكهم والعياذ بالله، ويلعبون كالمجانين، وأعني بذلك الكفرة والمجرمين الذين يحادون الله ورسوله ﷺ ، ويسعون في الأرض فساداً، ويحاربون دينه، فيظنون أن الأمور بأيديهم، ويتكبرون في الأرض بغير الحق ويقولون: من أشد منا قوة؟! ويعيثون في الأرض فساداً، ترى آثارهم فسادهم في المشارق والمغارب، وتلف من أمثالهم وأشباههم ممن جعلهم الله عبرة وعظة للمؤمنين، وإنما ينتفع بقراءة التاريخ قراءة صحيحة من هداه الله.
إنما يهتدي البشر بنور الوحي المنزل من عند الله ، فقد تكلم أناس كثيرون في أن حقيقة الصراع الذي يجري بين البشر محوره المال، والسلطان التابع له، والقوة الاقتصادية عندهم هي المحرك الحقيقي لكل الصراعات، ولهذا تجد أحدهم يلقن لطوائف أو لملايين من البشر من الشعوب المختلفة، أن معظم الحروب التي قامت، هي من أجل المال والثروة والسلطان، وقد يتأكد ذلك في حس الكثيرين بأنواع الحروب القائمة المعاصرة على الثروات المختلفة، وصراع البشر من أجل المال، ونظروا بناء على ذلك أن الإنسان إنما قيمته ما معه من المال، وأصلوا أننا سوف نحارب، ونسالم، ونوالي، ونعادي، على حسب الأموال، فمن يعطينا أكثر نكون تبعاً له، نظرة تجد أمماً وشعوباً تصدقها، بل آلاف الملايين من البشر قد استوعبت هذه الفكرة واقتنعت بها، وعاشت من أجلها، ولو نظرت من حولك في الناس الذين يعيشون معك لوجدت من هذا النوع ملايين متعددة، لا تعيش إلا لأجل المال، وبعضهم يرضى بأقل القليل من لقمة العيش، لا يعرفون من الدنيا إلا الحصول عليها، ولو بأن يبيعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل ليس بعرض ذا بال عند أهل الدنيا، بل بعرض رخيص لا يساوي شيئاً، يبيعون دينهم من أجله؛ لأنهم اقتنعوا بأن الإنسان إنما يساوي ما معه من المال.
والأمم المفتونة بالمال ليت فقط آحاد البشر، بل شعوب كاملة المال هو المحرك الأساسي لها، والصراع عندهم ليس صراعاً بين أولياء الرحمن وأوليا الشيطان، إذ لا يعرفون إلا أولياء الشيطان فقط، وإنما الصراع من أجل المال.
ومن النظرات التي تفرع منها وهي نظرة مادية محضة، النظرية الشيوعية، والاشتراكية التي مدراها على الصراع بين الطبقات من أجل المال، وأنه لابد أن تسود الطبقة العاملة، وأنشأها عمال في بداية الأمر، ثم انتقلت النظرية إلى بلاد فيها فلاحون، وقالوا: لابد أن تسود هذه الطبقة على غيرها، ومن هنا جعلوا في مجالسهم التشريعية نسباً معينة لهذه الطبقة؛ لتكون هي السائدة، ولتكون هي الغالبة، نظرية عاش البشر بها نحواً من ثمانين سنة أو ما زال بعض البشر يعيشون في ظلها إلى يومنا هذا، شقوا بها، وأشقوا غيرهم، ومات ملايين بل آلاف الملايين، وأجيال تلو أجيال عليها فشقيت بهذه النظريات، وأصلت الصراع بين طبقات المجتمع بدلاً من التعاون بين طبقاته، وزرع التواد والتحاب، فقراءة معينة للتاريخ أخرجت هذا الفكر الذي أخرجه ماركس، ثم طبقه لينين، وسار عليه بقية الأنعام، وما اختلفوا كثيراً عن أمثالهم ممن يعظم المال، بل القضية واحدة، فنظرية الرأس مالية التي عاش ويعيش الناس بها حقبة من الزمن، قد شقوا بها أنواع الشقاء، وهذه النظرية مدارها على الربا، الذي حذر الله منه، فبها يزداد الغني غناً وسلطاناً، ويطحن الفقير طحناً، وأمم تحاول أن تستغل كل ثروات الآخرين، وتأكل ما بأيديهم وتعيشهم أذل حياة والعياذ بالله.
فطريقة تفكير وقراءة للتاريخ أنبتت هذه النظريات المنحرفة وآخر يرى في التاريخ أن الصراع الحقيقي بين البشر والمحرك الأساسي له هو الشهوة الجنسية، فالبشر إنما يعيشون لأجل شهوة الرجل للمرأة والمرأة للرجل، ولذا يقدسون هذا الأمر، ومن علامات تقديس ذلك عندهم الكم الهائل من الشهوات المطروحة على البشر، وتعظيم من عنده هذه البضاعة من أهل الإعلام والفن والشهوات المحرمة كلها، وما يدور حول هذا المحور من أنواع التجارات والأعمال، وإنفاق الملايين على الأفلام والأغاني والملاهي التي تدور حول قضية واحدة هي قضية الجنس، وأعمار تنفق لأجل هذه القضية، وتجد هناك من يعيش جامعاً هذه الخزعبلات، ويفسر التاريخ على ذلك، وأسس نظريته على هذه الخزعبلات، وأقنع بها الكثيرين، ثم صارت هذه الأمور هي التي بها تدرك الشخصيات، ويقدم أناس ويؤخر غيرهم، ويملك أناس ويزال غيرهم، بتخطيطات كلها تدور حول هذه المسألة، وحول الشهوات المحرمة في ذلك، وأنواع أخرى كثيرة من النظريات التي مبناها على قراءة خاطئة للتاريخ، ومحاولة باطلة لتفسير السنن التي يقدرها الله .
стр. 903
قراءة أهل الإيمان لحقيقة الصراع
أما أهل الإيمان فيرون أن ما يجري على الأرض صراعاً بدأ بالصراع بين آدم وحواء ﵉، وبين إبليس العدو اللدود للإنسان، والصراع حول قضية الطاعة والمعصية، طاعة الله أو معصيته، فهناك من يطيع الله فيعبده ويوحده، ويتبع رسله، وهناك من يكفر به ويعصيه، ويخالف رسله ويعاديهم، ويسعى في الأرض فساداً، وهذا هو الذي يجري عليه محور الصراع، إذ بين البشر هو بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وحول قضية التوحيد والشرك، وقضية الإيمان والكفر.
ومن هنا يفهم أهل الإسلام والإيمان الذين اتعظوا بمواعظ القرآن أنهم لا يصح لهم بحال من الأحوال أن يغفلوا عن هذه الحقيقة، أو يقبلوا خداع الشيطان وأولياءه من زخرف القول الغرور، الذي يوحيه بعض الشياطين من الإنس والجن إلى بعض؛ لصرف الناس عن حقيقة الصراع؛ ولكي يقعوا في دوامات الفتن، ويغفلوا عن مصدر القوة الحقيقية، ومصدر النصر الآتي بإذن الله لأهل الإيمان والإسلام.
فإذا فقدوا فهمهم وقراءتهم للتاريخ قراءة صحيحة وفق كتاب الله فسوف يغرقون في فتن عجيبة، وإذا جعلنا محور الصراع الذي يقع في الأرض هو حول المال، أو الجنس، أو الأرض، أو حول علو قومية معينة فلنبشر بالدمار، فهناك خمسة وخمسون مليون إنسان قتلوا من أجل فكرة خطرت في بال واحد، هي أن الجنس الألماني هو الذي لابد أن يسود، فالحرب العالمية الثانية قامت من أجل ذلك، فوقع خمسة وخمسون مليون إنسان قلتى، والجرحى أضعاف ذلك، كل ذلك لأجل فكرة سيطرت على إنسان وأقنع بها ملاييناً فساروا في حروب مدمرة، فـ هتلر هو الذي رأى أن الجنس الألماني يجب أن يسيطر، وأن الأمم الأخرى لابد أن تخضع، ومثلها وإن كانت أوسع قليلاً نظرية التفرقة العنصرية ووجوب علو الجنس الأبيض، وما زالت هذه قائمة في الحقيقة، حيث يرى الأوروبيون البيض وأمثالهم من الأمريكان أن الأمم الأخرى لابد أن تكون حقيرة وذليلة لهم، واليهود يفكرون بنفس الطريقة، حيث يقولون: إنهم سادة العالم، فلذا يريدون السيطرة على العالم من خلال كل الوسائل، فالمال يسخرونه، والجنس يسخرونه، والصراعات دائماً يسخرونها؛ لأجل سيطرتهم على العالم.
فهل نغفل نحن عن حقيقة أو مفتاح الصراع بين البشر؟ فإن الصراع الحقيقي يدور بين الإيمان والكفر، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومحور الصراع: هو قضية التوحيد والشرك، وقضية الطاعة والمعصية، فنريد أن نطيع الله، وأن يطيعه البشر ويتبعوا رسله ويصدقوهم، ويلتزموا أوامرهم، ونريد أن يعبد الله وحده لا شريك له في الأرض كلها، ويريد أعداء الإسلام غير ذلك، فيريدون أن يعبد الشيطان، وأن يعبد المال، وأن تعبد الشهوات، وأن يعبد البشر، وأن تعبد الأحجار والأشجار وغير ذلك، والصراع يقع ويجري، وسنة الله في هذا الصراع عبر التاريخ واحدة، وموازينه تسير في مراحل ثابتة، وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة في توقيت يعلمه الله ، بناء على صفات وأحوال الأمم والأفراد المنتمية لهذه الأمم، ولذا كانت تلك المقدمة بالغة الأهمية، ونعني: الآيات التي وردت ذكرت صفات المؤمنين، من أول التحذير من الربا وعدم أكله، ثم ما تلا ذلك من الأمر بأوامر عظيمة الأهمية من تقوى الله ، والمسارعة والمنافسة في جناته التي عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين قال الله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٤ - ١٣٥].
стр. 904
زمن انتهاء الصراع وكيفيته
علمنا مفتاح تغير الموازين والقوى، لكن كيف ستتغير موازين القوى وخرائط الواقع؟ وكيف سينتهي هذا الصراع ونحن حلقة من حلقاته؟ ولكي تعرف الجواب ارجع إلى ما بدأنا حديثنا به من أن أعمارنا صغيرة جداً، ولكننا كجزء من حلقات هذا الصراع لا نقيس هذا الصراع بأعمارنا نحن، فنحن صغار دائماً، وعمرنا صغير دائماً، ولكن وسع أفقك قليلاً؛ لتعرف أن أعمار الأمم كما ذكرت أوسع من أعمار البشر، وهذا كله بالنسبة إلى الأجل والأبد شيء يسير جداً، والله هو الذي يقدر مقادير الأمور كلها.
قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
فأمر التكذيب لرسول الله ﷺ ولرسل الله جميعاً له عاقبة معينة، وانظر في تاريخ الأمم لتعرفها، فهذه آثار عاد في حضرموت في جنوب جزيرة العرب تنبئك عن أثر تكذيب عاد لنبيهم هود، وهذه ديار ثمود في شمال جزيرة العرب تنبئك عن أثر تكذيب ثمود لصالح، وهذه آثار قوم لوط في الأردن تنبئك عن الدمار الذي حل بهم لما كذبوا لوطاً، وهذه آثار الفراعنة تؤكد أنهم كانوا أمة قد ضربت بأوتادها في الأرض قوة وتمكناً، وسلطاناً، وعتواً، وملكاً ظاهراً تام السيطرة عليها وعلى من حولها من الأمم، ثم ترى كل ذلك قد زال، أمم سادت ثم بادت، وزلت وهانت، وأبيدت بالكلية بعد أن تسلط عليها أعداؤها مدة.
وتأمل تاريخ بني إسرائيل؛ لتعرف سنة الله فيهم وفي أمثالهم عندما يؤمنون ويكفرون، ولتعرف نهاية حلقتنا من الصراع، فإنها سنن ماضية لا تتغير ولا تتبدل، وإن كانت الموازين بأعين الناس الذين لا يبصرون إلا الأمور المادية التي بأيديهم، ولا يرفعون أبصارهم وأفئدتهم إلى ما هو أوسع من تحت أرجلهم من أرض وسماء، ولا ينظرون إلى ما قبلهم وبعدهم من الزمان، فهذه النظرة التي ينظرون بها تؤدي بهم إلى الجزم بأن الموازين في صالح أعداء الإسلام، وأن الأمر بأيدي الكفار، فلابد من السمع والطاعة لهم، الدوران في فلكهم، ونسأل الله العافية.
وهذا كله من أعظم الخطر علينا، فلابد أن نستوعب دروس التاريخ، ونعلم ما قال ربنا : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧]، فإما أن تسير بأقدامك لترى بعينك، وإما أن تكتفي بإخبار الله وسير السائرين الآخرين الذين نقلوا لك، وأنت لابد سائر، ولكن لابد أن تتأمل آثار من قبلك في سيرك، فما من موطن إلا وترى فيه قبور السابقين، وترى مصارع الناس، وترى آثار الأمم السابقة، إذ لا يوجد بلد خال من ذلك فضلاً عما يتناقله الناس، وقبل ذلك كله ما أخبر الله به عن الأمم قبلنا، وحقيقة الصراع الذي دار بين الرسل وبين أعدائهم.
стр. 905
التعرف على عاقبة المكذبين من خلال قراءة سيرهم
قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
أي: تأمل؛ لتعرف مآل المكذبين، ففي زماننا تأمل في حال الذين يكذبون كتاب الله، والذين يكذبون رسول الله ﷺ ، والذين يسعون في الأرض فساداً: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٥]، فسوف ترى أمراً عظيم الأهمية.
فـ هرقل رغم كفره كان يعرف من سنن الله ما ذكره لـ أبي سفيان حين سأله هل حاربتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف الحرب بينه وبينكم؟ قال: سجال، يدال علينا مرة، وندال عليه مرة، قال بعد أن سأله أسئلة أخرى وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، فسنة الله ماضية، وأهل الإيمان سائرون على نهج الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولذلك السنن ماضية متكررة، ليس في وجود الأنبياء فقط، بل في كل صراع يوجد بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بين ما جاءت به الرسل وأوليائهم من جانب، وبين التكذيب والمخالفة والإباء والرد والصد عن سبيل الله من أعداء رسله من جانب آخر، أتظنون أن أبا جهل وأبا لهب هما أعداء الرسول ﷺ فقط؟ أو أن فرعون هو عدو موسى فقط؟ ليسوا هم الأعداء فقط، بل كل من يعادي ما جاء به الرسول ﷺ ، ويعادي ما جاء به موسى وعيسى، ويعادي ما جاء به إبراهيم، ونوح، وهود، وصالح من التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل، والقدر، وكلما جاءت به الرسل من التزام شرع الله ، فهم أعداء محمد ﷺ ، وهم أعداء موسى وعيسى وإبراهيم، وهم والله! كثيرون، بل هم أكثر أهل الأرض، بل هم أهل الأرض إلا من رحم الله، نسأل الله العافية.
فالعداوة والتكذيب لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تكون بالإباء والرفض لما جاءوا به، وهو أمر لم يزل مستمراً قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يأذن بهلاك الكفر وأهله من الأرض كلها.
стр. 906
فائدة القرآن وبيانه لا تكون إلا للمؤمن
قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٨]، أي: قد حصل البيان بأن بلغ الرسول ﵊، وهذا القرآن العظيم فيه بيان الأمور على حقيقتها كما يقول ابن كثير، وكيف كانت الأمم قبلنا مع أعدائهم، فمن كذب القرآن جملة فقد قامت عليه الحجة بذلك، ومن صدقه جملة نفعه ذلك نفعاً إجمالياً، إلا أنه لن ينتفع نفعاً تفصيلياً، ولم يعتدل الأمر معه اعتدالاً حقيقياً كاملاً إلا بأن يعرف تفاصيل هذا البيان، ويستضيء بنور القرآن وثنائه، فيرتفع به عن الأرض وموازينها وشهواتها.
وتأمل أن البيان للناس والهداية والموعظة للمتقين؛ لتنظر كيف تنتفع بالقرآن، وكيف تجد طعمه، وكيف ترى نوره، فليس كل الناس يهتدي بهذا البيان، وقد بين الله بهذا الكتاب العظيم ما تقوم به الحجج، فمن قصر في طلب العلم منه فهو آثم، ومن أعرض عنه بالكلية فهو الكافر والعياذ بالله.
وإنما ينتفع به من اتقى الله، فإن كنت تريد أن تنتفع بالقرآن، وتهتدي به وتتعظ بمواعظه، فاعمل بما علمت منه، واعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وتجنب معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله، وتستشعر وقوفك بين يديه، وحضورك يوم القيامة مسئولاً عن القليل والكثير، والنقير والقطمير، والكتاب الذي يعرض عليك ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فتخاف وتتقي، فأنت إن عصيت تسير في طريق شوك، وهذا الشوك الذي يؤلم أجرك هو معاصي الله، ومخالفة شرعه، رغم أن أكثر البشر يظنون أنهم يسعدون بهذه الشهوات، ونسال الله العافية.
فأنت كماش في طريق الشوك ينظر أين يضع قدمه، وكم من الأشواك في حياتنا، بل قل: ألغاماً تنفجر كل يوم، تصيب أحدنا فتدمر قلبه، وتدمر إيمانه وإسلامه، وتذهب بطاعته لله ، وأكثر الناس لا يشعرون، ويستمرون في مشيهم دون أن ينظروا إلى مواضع الأقدام، فتقوى الله العمل بطاعته، وعلى قدر ما علمت يفتح لقلبك هدايات، قال تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] فلا يهتدي ويتعظ إلا من اتقى الله قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فإذا أشكلت عليك الأمور، واضطربت الأحوال، فلا تدري ما تأتي وما تذر، فاعمل بما تيقنت أنه طاعة من صلاة وصيام، وقراءة قرآن، وغض بصر، وحفظ فرج، وترك ظلم، رباً وغيرها، واترك ما تشك فيه، فإذا عملت بهذا فسوف تهتدي، لكن المشكلة أننا قاعدون ولم نتغير كما ينبغي، ولا ينبغي أن ننظر إلى ما نقدر عليه ثم نتباكى على عجزنا.
стр. 907
تغير حال الأمة يكون بتغير الشعوب لا بتغير آحادهم
أمة الإسلام لديها طاقات وثروات هائلة، ولديها ملايين البشر القادرين ببضعة آلاف منهم على تغيير وجه العالم بالكلية، ولو وجدت هذه النوعية من الآلاف المؤمنين المتقين في بلد واحد فقط لتغيير وجه العالم بأسره، لكن بشرط أن يكونوا ملتزمين التزاماً حقيقياً، وعندهم تقوى حقيقية، فبمثل هؤلاء تنصر الأمة.
أما إذا فقدنا التقوى، الشعور بأننا في طريق ذا شوك فلا ننظر إلى مواقع الأقدام، وكذا إذا فقدنا الشعور بأننا في أزمة تقتضي الجدية في كل أمر من الأمور، في طلب العلم، وإصلاح النفس، والعمل، والعبادة، والذكر، والدعوة إلى الله بما شرع الله وبما نقدر عليه، فلن نغير من واقعنا، ولن نقدر على إصلاح شيء ذا بال منه، مع أن الذي نقدر عليه كثير، وما نراه اليوم من ضعف وقلة حيلة ليس لقوة الأعداء حنكتهم وإنما هو مقدر من عند الله ، وأيضاً هو بسبب التقصير الذي عند جملة الأمة، ولو وجد أفاضل البشر على الإطلاق في وسط جمع مقصر لضاع الفضل بين زخم التقصير كما سيأتي في هذه السورة، وكما قال الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
فالعشرة المبشرون بالجنة كانوا مع النبي ﷺ في جيش المسلمين في غزوة أحد، ومع ذلك وقعت الهزيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهل ندرك ما ينبغي علينا أن نعمله؟ فعلينا تقوى الله، ومعالجة أمراضنا، كمرض الوهن والحزن والاستكانة وغيرها.
قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨]، أي: كلما اتقيت الله فيما بينك وبينه، فراقبته وعاملته، وأخلصت له، وصدقته، واجتهدت في اتباع الرسول ﷺ ، كلما كان النصر حليفك، وليس يصلح أن يكون هذا في آحاد الناس، بل لابد أن يكون سمة عامة للأمة والطائفة الملتزمة بالطاعة، التي تقول إنها على الحق، لا يضرها من خالفها وخذلها حتى تقوم الساعة، أو تريد أن تكون كذلك، أما إذا كانت السمة العامة لهؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالملتزمين أو بالمتقين للجهل مثلاً أمراض القلوب، أو ضعف الحب والود، أو أنواع من الصراعات على الدنيا والتنافس عليها، فحينئذ لا يكون لهؤلاء النصر والغلبة، وعلى ذلك وجب على الأمة تغيير نفسها؛ ليغير الله حالها، فإن الأمور سنن من عند الله، وليست مجرد أمور أرضية، ولقد قال عمر ﵁ عندما أتوه بالبرذون ليركبه -وكان البرذون يتبختر به ويريدونه أن يركب عليه؛ ليليق بمقام أمير المؤمنين- فنزل منه عمر وقال: أركبتموني على شيطان، ما نزلت منه إلا أنكرت نفسي، قال: أتظنون الأمر من ههنا، أي: من الأرض؟ إنما الأمر من ههنا، أي: من السماء، وأشار إلى فوق، فلذلك لابد أن نعمل بما علمنا وبما نقدر عليه، فمن عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم، ومن عمل بما قدر عليه رزقه الله القدرة على ما لا يقدر عليه، ووالله! إن القوة كامنة كمون النار في الزناد في هذه الأمة، وشرر يسير منها يرعب الأعداء، وهم يدركون ذلك جيداً، ويعرفون السنن، ولكن هل سنستخرج هذه القوه ببديل التقوى؟ وهل نحولها من هذا الخمول إلى الواقع بالعمل بطاعة الله ؟ أم نظل مستكينين في أنفسنا؟
стр. 908
سبب ضعف الأمة وإهانتها
سبب ضعف الأمة هو وجود الوهن الداخلي في كل فرد منها ثم أدى إلى الوهن العام فيها، مع أن بأيديها من القوة ما لا يحيط به الأعداء، ولست أقصد الوهن الداخلي في المجتمع الذي نعيش فيه فقط، بل وحتى الوهن الداخلي في نفس كل واحد منا، قال الله : ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، أي: لا تضعفوا: ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، أي: على ما فات، ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أي: العاقبة والنصرة لكم، وهذه الآية في شأن غزوة أحد تنهى المؤمنين عن الضعف بسبب ما جرى، والضعف الذي يصيب الأمم المغلوبة هو محصلة وهن داخل كل واحد منها، فاجتمعت هزيمة كل فرد فهزمنا جميعاً، وأعداء الإنسان داخل نفسه هم الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء وأمراض أخرى في الداخل، وكلها تسعى في أرض القلب فساداً، فأدت إلى حصول هذا الوهن، وأدى الوهن في مقاومتها إلى الوهن العام الذي أدى بدوره إلى الضعف.
والوهن: هو حب الدنيا وكراهية الموت، والصراع على شهوات الدنيا، هذا المرض الذي يعرف الأعداء جيداً أثره فيسعون إلى نشره، وأكثر الناس يأكلون الطعم، ويتنافسون على الدنيا أحقر المنافسات، نسأل الله العافية.
والحزن أن يظل الإنسان يفكر فيما مضى، لا لينتقل منه إلى عمل في المستقبل، بل لمجرد الأسى والحزن، ويتذكر الآلام لا ليستفيد من التجربة؛ لينطلق إلى عمل جديد، ولكن لكي يتألم فقط، أو يندب حظه، وهذا دائماً يجر سلسلة أمراض منها: العتاب على القدر ولومه، والشعور بالظلم، وأنه كان ينبغي أن يقع غير ما وقع، وعتاب الآخرين ولومهم وادعاء تقصيرهم في حقه، وهو المقصر، وأنواع من الأمراض التي تؤدي إلى أمراض أخرى، كمرض الحزن، والمقصود به المنهي عنه الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى اليأس من رحمة الله، وإلى الاستسلام، والاستكانة التامة للعدو الداخلي والخارجي، فييأس من الإصلاح الداخلي، وييأس أيضاً من إصلاح ما حوله، فيقبل الواقع، ويغرق في شهوات الأرض، نعوذ بالله من ذلك قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فدلهم على الاستعلاء بالإيمان رغم الضعف الظاهر، والهزيمة في أحد، وقتل منهم سبعون، وجرح من جرح، فقد جرح النبي ﵊، وكاد المشركون أن يقتلوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والذين فقدوا من المجتمع المسلم في غزوة أحد وزنهم في ميزان البشر بأمم، فـ حمزة أسد الله رسوله ﷺ ، ومصعب بن عمير الذي أدخل الله على يديه أهل المدينة في الإسلام وأمثالهم، فكم يساوي هؤلاء الشهداء الأفاضل الذين قتلوا؟ قد أخبرنا الله بأن الواحد منهم بأمم لا بأمة وحدها، فالواحد منهم يغير مجرى التاريخ، ومع ذلك ينزل قوله الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، فكل ما فقدناه بالنسبة إلى فقد رسول الله ﷺ وحمزة ومصعب ومن معهما، ﵃ أجمعين هين وقليل، فينبغي علينا من باب أولى أن لا نهن أو نضعف، بل لابد أن يتم السير إلى الله بكل قوة، وفي الطريق الصحيح، والطاعات كثيرة جداً، فلا تقتصر على صورة معينة، بل تستطيع أن تعبد الله في كل حال وفي كل مكان، على العسر واليسر، والمنشط والمكره، وهناك أنواع عديدة من العبودية التي تؤديها في حالة الضعف والإحباط الذي يقع، والذي يملأ النفوس اليوم بسبب الأحداث الأليمة التي تمر بها الأمة في الداخل والخارج، وبسبب أنواع البلايا والمحن، وتسلط الأعداء بأنواعهم المختلفة.
إذاً: فلابد أن تكون لك قوة في طاعة الله، بما تقدر عليه وما تعلمه، حتى يفتح الله عليك ما لا تعلمه، وما يغيب عنك، وما لا تقدر عليه، فلابد أن لا نهن أو نضعف في أداء أي عمل في طاعة الله ، ونعمل بما في أيدينا بكل قوة، ولا نحزن على شيء قد فاتنا، إذ لاشك أن المسلمين في أحد كانوا يريدون نصرة الإسلام، وعلو كلمة الحق، أو على الأقل طائفة عظيمة منهم فيها من هذه الإرادة ما لا يوجد في الأمة اليوم بأسرها، ففيهم رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وباقي المبشرين، ولا شك أنما فات بفعل الغزوة كان أمراً عظيماً، ومع ذلك فلا يجوز الحزن عليه، أفترى وسيلة من الوسائل التي عجز المسلمون عنها اليوم بالمقارنة إلى ما فات المسلمين في أحد يقتضي منك حزناً على ما فات؟ إن ما فات المسلمون في أحد بالنسبة إلى نصرة الإسلام في الأرض أعظم من كل الوسائل، فالقتال كان وسيلة لنصرة الإسلام، ومع ذلك فقد فاتهم ما فاتهم بسبب تصرف بعضهم، ونحن قد فاتتنا أشياء عجزنا عنها، نتمناها ونرجوها، ونحدث أنفسنا بها، ومع ذلك فليس ذلك الفوت مبرراً للحزن، أو للضعف، بل تعلم أنك كلما حققت معاني الإيمان كلما علوت به من الله ﵎.
إذاً: فلابد أن نعلم جميعاً أنه كلما زاد رصيدنا من الإيمان، كلما رجحت كفتنا في الصراع مع الأعداء، وبالعكس من ذلك فإن حصل فينا داء الضعف، كحب الدنيا، وكراهية الموت، والحزن على ما فات حزناً يجذبنا إلى الأرض، ويدفعنا إلى اليأس، وإلى الإحباط، وإلى عدم التغيير المطلوب من الداخل أي: من النفوس حتى تصلح، وحتى يغير الله ما بنا من هذه الأمراض، فإنه كلما حصل ذلك كلما ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان كلما نزلنا إلى الأسوأ، فحال القلب بالنسبة لهذه الأمراض يشبه صاروخاً يريد أن يرتفع، ولكن فيه ضعف في قوته، وبه روابط تجذبه إلى الأرض، فإذا كانت قوته ضعيفة، والأربطة التي ربط بها إلى الأرض قوية فلن ينطلق، فلابد أن نتخلص من السببين: الأول: روابط الأرض التي تجعل المسلم يخلد إلى الأرض ويتبع الشهوات، ويحب الدنيا حباً مذموماً، فعليه أن يتخلص منها ويعظم الرغبة في الآخرة.
والثاني: قوة دافعة للارتفاع، وهي في الحقيقة قوة الإيمان، والإيمان علم وعمل وتصديق بما جاء به الرسول ﷺ يقيناً، وحب، وخوف، ورجاء، وتوكل، وعبادة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وعبادات تؤدى لا كصورة، ولكن بالحقائق الباطنة، فلا تصم عن الطعام والشراب، ولم تصم ألسنتنا عن الغيبة والكذب، ولم تصم قلوبنا عن الحقد والحسد والضغينة والبغضاء، ولم تصم جوارحنا عن معاصي الله، فهذا الصيام أصبح صورة لا حقيقة له، ومعلوم: أنه لن يكون باطلاً فيؤمر صاحبه بالإعادة، إلا أنه لا يثقل الميزان، ومع ذلك لا يحكم على صاحبه بالكفر؛ لأن كل واحد عنده ذرة إيمان ينجو بها من الخلود في النار، لكن هذه الذرات لن ترجح الكفة في الصراع مع الأعداء، إذ لابد من أمر ثقيل كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
فعدم علونا يدل على أننا لسنا مؤمنين الإيمان الكامل، ولا أقصد بذلك الآحاد أيضاً؛ لأن الرسول ﷺ ، والعشرة المبشرين، والشهداء الذين قتلوا، وجماعات من الصحابة، قد شهد لهم ربهم فقال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، فهناك أناس تريد الدنيا وليسوا منافقين، إذ أن المنافقين أمثال عبد الله بن أبي بن سلول رجعوا عن المعركة، والباقون هم أهل الإيمان، لكن إرادة الدنيا عندهم كانت مؤثرة على المجموع، فحصل لهم ما حصل.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
стр. 909
الأسئلة
стр. 910
حكم إحياء ليلة النصف من شعبان
السؤال
في هذه الأيام يرغب البعض في إحياء ليلة النصف من شعبان فهل صح شيء في ذلك؟
الجواب
هناك أحاديث متعددة في فضيلة ليلة النصف من شعبان، وأن الله يغفر لكل خلقه إلا مشرك أو مشاحن، أي: بينه وبين أخيه شحناء، فكل من بينه وبين أخيه شحناء فليسع إلى إزالتها حتى يغفر له إحيائها بهذا الأمر، ولكن لا يشرع الاجتماع على قيام الليل في تلك الليلة، ولم يصح شيء في دعاء مخصوص فيها يسمى دعاء ليلة النصف من شعبان، ولكن هي ليلة فاضلة؛ لأن الله ينزل فيها إلى السماء الدنيا، وهذا حديث حسن أيضاً.
وصيام يوم الخامس عشر من شعبان مشروع أيضاً؛ لأنه ضمن الأيام البيض، وإن كان لا يخصص وحده، بل ينبغي أن يصام معه الثالث عشر والرابع عشر، ويجوز صوم يوم الست إذا كان قد صام قبله يوم الجمعة، أو كان له سبب كما إذا كان من أيام البيض كما ذكرنا، والله أعلم.
وبعض الأفاضل يضعف الأحاديث، ولكن الظاهر أن لها أصلاً لا تقل عن رتبة الحسن، وقد حسنها الشيخ الألباني والإمام المنذري وغيرهما.
стр. 911
حكم قضاء الصوم لمن في صومه جهد ومشقة
السؤال
لي بنتان تصومان رمضان بجهد، فهل الأيام التي تفطران فيها بسبب الحيض يجوز لي الإطعام بدلاً عنهما، أم لابد من الصيام؟
الجواب
، لابد من صيامها طالما أنها تستطيع وليست مريضة مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، فيجب عليهما القضاء ولو في أيام الشتاء.
стр. 912
حكم أخذ الأموال من مكان الوظيفة كتعويض عند الاستقالة
السؤال
ما حكم الأموال التي تؤخذ من الشركات كتعويض للعاملين مقابل الاستقالة؟
الجواب
إن كانوا هم الذين عرضوه نتيجة فسخ العقد أو إنهاء العقد فلا بأس بذلك، لكن لا توضع في بنك ربوي، بل يسعى إلى استغلالها في أي مشروع يكون أولى وأفضل، فإن أراد وضعها في بنك فلا يضعها إلا في بنك إسلامي ويتصدق بجزء من الربح.
стр. 913
تعصيب الأخوات للبنات في الميراث
السؤال
امرأة توفيت وعندها أربع بنات فقط، ميراثها يقسم على أولادها فقط أم أخوات هذه السيدة لهن نصيب؟
الجواب
أخواتها لهن نصيب؛ لأن البنات الأربع يأخذن الثلثين، فإن كان منهن ذكراً فله الثلث الباقي؛ لقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] وإن لم يكن مع البنات إلا أخوات الميتة فهن أيضاً عصبة في الثلث؛ لقول النبي ﷺ : (اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة).
стр. 914
بيان مكان إخراج الفطرة
السؤال
من ذهب لأداء العمرة في آخر شعبان وعاد في شوال فكيف يخرج زكاة الفطر؟
الجواب
يخرجها في المكان الذي يفطر فيه، وإن أخرجها في بلده، أو وكل أحداً بإخراجها جاز ذلك.
стр. 915
حكم عمرة المرأة بدون محرم
السؤال
ذهبت أختي إلى العمرة ولم يكن عندها علم أنه يجب عليها أن تذهب مع محرم، فهل يتقبل الله منها بدون محرم؟
الجواب
إذا كانت لا تعلم مع أنه كان يلزمها السؤال فنسأل الله أن يغفر لها، وأن يتقبل منها، والعمرة صحيحة وإن كانت تأثم لسفرها بدون محرم إلا أن مسألة الرفقة الآمنة فيها اجتهاد سائغ، وإن كنا نرجح عدم جواز السفر إلا بمحرم.
следующие страницы →