← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بيان أقل الطهر بين الحيضتين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً ولا حد لأكثره]. هذا مبني على أن أقل الطهر يوم وليلة, وأكثره خمسة عشر يوماً, والقول الثاني: أنه لا حد لأقله؛ لأنه قد يكون أكثر من ثلاثة عشر يوماً. قوله: (ولا حد لأكثره) لأن الطهر بين الحيضتين طهر وإن طالت مدته.

стр. 107

بيان أقل سن تحيض له المرأة وأكثره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين, وأكثره ستون]. يعني: أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين؛ لقول عائشة: إذا بلغت المرأة تسع سنين فهي امرأة. وهذا هو المشهور في المذهب أن أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين, وعلى القول الثاني أنه إذا جاءها الدم عشرين ساعة, أو خمسة عشر ساعة وهو مستقر يعتبر حيضاً, لكن قول الأكثرين أنه لابد أن يكون يوماً وليلة, فإن زاد فإنها في أول مرة لابد أن تغتسل بعد يوم وليلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمبتدأة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثله جلست, فإذا انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض, وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض]. يعني: إن جاوز الحيض يوماً وليلة ولم يعبر أكثر من خمسة عشر يوماً فهو حيض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا تكرر ثلاثة بمعنى واحد صار عادة, وإن عبر ذلك فالزائد استحاضة]. يعني: إذا انقطع الدم لعشرة أيام تغتسل وتصوم وتصلي, ثم جاء الشهر الثاني كذلك عشرة أيام ثم الثالث, إذا تكرر ثلاث مرات يعتبر عادة؛ لأن هذا يدل على حالها واستمرارها, فلابد أن يتكرر ثلاث مرات. فإن عبر أكثر من خمسة عشر يوماً فالزائد استحاضة.

стр. 108

ما يجب على الحائض عند آخر الحيض مع استمرار نزول الدم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض]. يعني: إذا أفرط عليها الدم تغتسل عند بلوغ خمسة عشر يوماً، وتعتبر هذه المدة حيضاً, وما زاد فاستحاضة، تغتسل وتتنجى وتتحفظ وتصلي، هذا إن زاد على خمسة عشر يوماً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتغسل فرجها وتعصبه, وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي]. يعني: بعد الخمسة عشر يوماً.

стр. 109

حكم من به سلس البول وما في معناه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا حكم من به سلس البول وما في معناه]. يعني: الذي عنده سلس البول أو ريح أو غير ذلك كل هؤلاء يتوضئون عند دخول الوقت, فالذي عنده سلس يجعل على ذكره كيساً حتى لا يلوث ثيابه, وكذلك المرأة تجعل حافظة على فرجها وتربط, وتستنجي وتتوضأ لكل صلاة, ولا تصلي فرضين, ولا تتوضأ إلا إذا دخل الوقت, وإذا جاء الوقت الآخر تتوضأ, ومن به سلس البول يتوضأ بعد دخول الوقت، لكن إذا لم يخرج منه شيء صلى بهذا الوضوء صلاة أخرى. ومثله أيضاً من تخرج منه غازات مستمرة لا يتوضأ إلا إذا دخل الوقت, وإذا كان هناك وقت ينقطع فيه هذا الخارج فإنه يتوضأ في هذا الوقت ويصلي ولو فاتته الجماعة.

стр. 110

أقسام المستحاضة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر, فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها, وإن لم تكن معتادة وكان لها تمييز, وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخيناً وبعضه رقيقاً أحمر فحيضها زمن الأسود الثخين, وإن كانت مبتدأة أو ناسية لعادتها ولا تمييز لها فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة؛ لأنه غالب عادة النساء]. هذه أقسام المستحاضة: إذا أطبق عليها الدم إن كانت تعرف عادتها فالعادة مقدمة، كأن تكون عادتها ستة أيام أو سبعة أيام وأطبق عليها الدم فتجلس ستة أو سبعة أيام من أول ما جاءها الدم, سواء من أول الشهر أو وسط الشهر أو من آخره, فإن نسيت الوقت فإنها تجلس من أول كل شهر فيه ذلك ستة أيام أو سبعة أيام, فإن لم تكن معتادة أو نسيت عادتها ولها تمييز فهذه هي المستحاضة الثانية، وهي التي لها تمييز فتميز الدم، فتجلس أيام دم الحيض, وتصلي أيام دم الاستحاضة, ودم الحيض يكون أسود ثخيناً منتناً، ودم الاستحاضة أحمر أو أصفر رقيق. فالأيام التي فيها الدم الأسود الثخين المنتن تجلس فيه ولا تصلي ولا تصوم, والأيام التي فيها الأحمر الرقيق تغتسل وتصلي, هذه هي صاحبة التمييز. فإن لم يكن لها تمييز ولم يكن لها عادة فهي تسمى مستحيضة، يعني: تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها: أمهاتها وجداتها وعماتها وخالاتها، فإذا كن يحضن ستة أيام فتمكث ستة أيام, أو سبعة أيام فسبعة أيام من أول ما جاءها الدم، فإن لم تعلم فمن أول كل شهر هلالي تجلس ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها, هذه أقسام المستحاضة. إذاً: فالمعتادة هي التي تعرف عادتها، فهذه تجلس أيام العادة إذا كانت تعرف العادة, فإن لم تكن لها عادة أو نسيت العادة وكان لها تمييز فتعمل بالتمييز, فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة فهي مستحيضة, يعني: تتحيض، ومثلها المبتدأة, ومثلها من نسيت عادتها تجلس ستة أيام على عادة نسائها، ثم تصلي من الشهر أربعاً وعشرين أو ثلاثاً وعشرين.

стр. 111

حكم الدم الخارج أثناء الحمل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحامل لا تحيض]. الصواب أن الحامل لا تحيض؛ لأنها إذا حملت حبست الدم فصار غذاء للولد، فلا تحيض, فإذا رأت دماً فهو دم فساد, فلا تترك العبادة, بل تتحفظ وتصلي. القول الثاني: إنها تحيض، وهو اختيار الشافعي، إذا رأت الدم وكان منتظماً فإنها تجلس. والأقرب والصواب أن الحامل لا تحيض. قال ﵀: [إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيوم أو يومين, فيكون دم نفاس]. يعني: إذا رأت الدم قبل الولادة بيوم أو يومين مع الطلق مع أمارة يكون نفاساً, وأما بدون أمارة فلا.

стр. 112

النفاس

стр. 113

تعريف النفاس وحكمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النفاس. وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط به]. النفاس حكمه حكم دم الحيض, فتجلس المرأة ولا تصوم ولا تصلي ولا يجامعها زوجها, وحكمه حكم الحيض فيما يحل ويحرم ويمتنع, وإذا انقطع الدم جاز الطلاق وجاز الصيام, ويجب به البلوغ فهو مثل الحيض فيما يحل ويحرم ويجب, فتمتنع من الصلاة وليس عليها صلاة، ويجب عليها قضاء الصوم كالحيض سواء.

стр. 114

بيان أكثر النفاس وأقله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأكثره أربعون يوماً ولا حد لأقله]. يعني: أن أكثره أربعون يوماً، وقيل: خمسون، وقيل ستون يوماً، والصواب أن أكثره أربعون يوماً كما في حديث أم سلمة قالت: (كانت النساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً أو أربعين ليلة). قوله: (ولا حد لأقله) لأنه وجد من النساء من تلد بدون دم فلا حد لأقله. فإذا استمر الدم بعد أربعين يوماً فإنها تتحفظ وتصلي، إلا إذا وافق عادة الحيض فتجلس عادتها.

стр. 115

حكم من رأت الطهر أثناء النفاس ثم عاودها الدم في مدة الأربعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومتى رأت الطهر اغتسلت وهي طاهر, وإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس أيضاً]. يعني: إذا طهرت في أثناء الأربعين فهي طهارة كاملة، فتصوم وتصلي ويجامعها زوجها, فإن عاد مرة أخرى قبل الأربعين فإنه يعتبر نفاساً فتجلس. وذكر في زاد المستقنع أنه إذا عاد الدم فمشكوك فيه، فتصوم وتصلي وتقضي الصوم. والصواب أنه ليس مشكوكاً فيه, بل يعتبر طهارة كاملة.

стр. 116

الأسئلة

стр. 117

حكم اغتسال المستحاضة لكل صلاة السؤال هل على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة أم يكفيها الوضوء؟ الجواب يكفيها الوضوء, فتغتسل مرة واحدة عند انقطاع دم الحيض, وتتوضأ لكل وقت صلاة, وإن اغتسلت فهو أفضل؛ لأنه قد جاء في بعض الأحاديث أن بعض الصحابيات كانت تغتسل لكل صلاة، وبعضهن كانت تجمع؛ لأنها مريضة, فتجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً, وتجمع المغرب والعشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً, وتغتسل للفجر, لكن هذا من باب الاستحباب, وإلا فالواجب الوضوء لكل صلاة.

стр. 118

حكم الكتابة على اللوحات الإرشادية ولعن فاعله السؤال هل الكتابة على اللوحات الإرشادية التي على الطرق تدخل في اللعن؟ الجواب هذا هو الظاهر إذا كانت الإرشادات صحيحة ثم غيرها، فإنه يدخل في اللعن، أو كتب عليها كتابة عكسية فهذا يدخل في اللعن، فينبغي تجنب ذلك.

стр. 119

حكم سعي الحائض بين الصفا والمروة السؤال هل الصفا والمروة داخلان في الحرم فتمنع النساء الحيض من السعي بينهما، أم أنه ليس من المسجد الحرام؟ الجواب المعروف عند العلماء أن المسعى ليس من المسجد الحرام, ولهذا قال العلماء: إذا حاضت المرأة بعد الطواف جاز لها أن تسعى في المسعى, ولو كان من المسجد لما جاز لها السعي بينهما.

стр. 120

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [١] شرع المولى جل وعلا الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، وشدد في وجوبها، وحكم على تاركها أنه كافر على أرجح أقوال أهل العلم. ويشرع للصلاة المفروضة الأذان والإقامة، ولهما أحكام معروفة.

стр. 121

ما جاء في الصلاة

стр. 122

تعريف الصلاة لغة وشرعاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الصلاة]. الصلاة مشتقة من الدعاء على الصحيح في اللغة, وهي مشتقة من الصلوني وهما عرقان في ظهر الإنسان, وقيل: إنها مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته, وقيل: مشتقة من الصلي وهو ملازمة الشيء والأرجح أنها مشتقة من الدعاء. وشرعاً: هي عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. أو هي عبادة ذات ركوع وسجود وأفعال وأقوال مشروعة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. وهي أعظم الواجبات بعد توحيد الله .

стр. 123

حكم ترك الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة, ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد, إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)]. هذا الحديث احتج به من قال: إن ترك الصلاة ليس بكفر, لكنه حديث ضعيف (لا يصح، والعجيب أن المؤلف ما وجد إلا هذا الحديث المتكلَّم فيه يستدل به على عدم جواز ترك الصلاة, مع أن الأحاديث كثيرة في هذا, ولو صح هذا الحديث فهو محمول على ما جاء في رواية ابن ماجة من أتى بها ولم ينتقص شيئاً منها. فالمقصود أن الحديث ضعيف؛ لأن الحديث يدل على عدم كفر تارك الصلاة, ولأنه قال: من أتى بها كان له عند الله عهد، ومن لم يأت بها لمن يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء لم يعذبه) , لكنه لا يصح, والأحاديث الصحيحة دالة على كفر تارك الصلاة، كحديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة). وحديث: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). وحديث: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله). وحديث: (من ترك الصلاة متعمداً فقد برأت منه ذمة الله). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. وقول جمهور العلماء وهو الصواب: أن ترك الصلاة كفر وردة ولو لم يجحد وجوبها, أما إذا جحد وجوبها فهذا بالإجماع, وهذا الحديث ضعيف لا يصح، فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة:٥] لا يدل على كفر تارك الصلاة؛ لأن ترك الزكاة ليس كفراً، يعني من غير جحود، فهل هذا صحيح؟ أقول: لقد جاء الوعيد الشديد لتارك الزكاة, فقد ورد في الحديث: (أن صاحب الإبل والبقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها تبطح لها بقاع قرقر، ثم تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها, وكلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم بعد ذلك يرى سبيله إما إلى الجنة وإما النار). فدل على أنه ليس بكافر؛ لأنه لو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة, فهذا النص أخرج الزكاة وبقيت الصلاة على الحكم الأصلي، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فهنا علق العقوبة على ثلاثة أمور: التوبة والصلاة والزكاة, والزكاة جاء ما يصرفها وبقيت الصلاة.

стр. 124

بيان من تجب عليه الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء, فمن جحد وجوبها لجهله عُرِّف ذلك]. يعني: الحائض والنفساء ليستا مخاطبتين بوجوب الصلاة, فلا تجب عليهما ولا يقضيانها بإجماع العلماء، ما عدا الخوارج فإنهم يوجبون على الحائض والنفساء قضاء الصلاة, ولهذا لما جاءت امرأة إلى عائشة تسأل وتكثر السؤال وتقول: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟! ثم قالت: هكذا كنا على عهد رسول الله ﷺ ، نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة).

стр. 125

حكم من جحد الصلاة وحكم تأخير الصلاة عن وقتها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن جحد وجوبها لجهله عرف ذلك، وإن جحدها عناداً كفر]. وهذا بالإجماع أن من جحد الصلاة عناداً فقد كفر بإجماع المسلمين، أما إذا كان جاهلاً فيُعلَّم، ومثل له أهل العلم بمن أسلم في بلاد بعيدة، أو في بادية بعيدة بأن نطق بالشهادتين، وأنكر وجوب الصلاة وهو لا يعلم، فإنه يعرف؛ لأنه معذور لا يعلم بأن الصلاة واجبة، وأنها فرضت في اليوم والليلة خمس مرات، فإذا عرف بذلك وأصر على تركها حكم بكفره بعد ذلك. قال المؤلف ﵀: [ولا يحل تأخيرها عن وقت وجوبها إلا لناوٍ جمعهان أو مشتغل بشرطها]. فليس له أن يؤخرها عن وقتها إلا إذا نوى الجمع، كالمريض أو المسافر، فالمسافر يرخص له في صلاة الظهر والعصر أن ينوي جمعهما مع بعض، وكذلك المريض لكن المسافر يقصر الرباعية، والمريض لا يقصر، وهذا يغلط فيه بعض الناس حيث يظنون أن المريض إذا جمع يقصر، وليس كذلك، بل المريض يجمع، ويتم الصلاة، فيجمع الظهر مع العصر أربعاً، ويصلي الظهر أربعاً والعصر أربعاً، وكذلك إذا كان مشتغلاً بشرطها مثل أن يتطهر ويتوضأ فخرج الوقت بدون اختياره، أو مثلاً: كان يخيط ثوبه، كأن يكون عارياً ولا يوجد له ثوب غيره، فيخيط الثوب مشتغلاً بالشرط؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فهذا لا بأس به، أما لغير عذر فلا يجوز التأخير. وكذلك الناسي والنائم حتى يستقيظ، وحتى يتذكر. أما إذا أخرها بدون عذر فقد اختلف العلماء إذا أخرها وليس ناسياً ولا جاهلاً ولا مشتغلاً بشرطها ولا متأولاً فقال بعض أهل العلم: أنه يكفر ويكون مرتداً؛ لقول النبي ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله). وقال آخرون: أنه لا يكون مرتداً، ولكن جريمته أعظم من جريمة الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه والمرابي، نسأل الله السلامة والعافية. ولم يجد ثوباً فإنه يصلي، ولكن قال أهل العلم: له أن يصلي جالساً. وظاهر كلام المصنف أنه إذا كان مشتغلاً بشرطها ففي هذه الحالة يؤديها ولو تأخر، كأن ينشغل باستخراج الماء من البئر، فيتوضأ ولو في آخر الوقت. وإذا قدم الطعام فالأصل أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها، لكن إذا قدم الطعام فهذا عذر في ترك الجماعة إذا كان هذا يشوش ذهنه فيأخذ ما يكفيه؛ حتى يقبل على الصلاة، ولا يؤديها وهو منشغل بالطعام، لكن إذا كان الوقت سيخرج فيصلي. أما تأخير الصلاة في الفريضة متعمداً حتى يخرج وقتها، فقد أفتى جمع من أهل العلم بأنه يكون مرتداً، وهذا ما أفتى به سماحة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه، بأن الذي اعتاد أن يؤخر الصلاة فلا يصلي الفجر إلا بعد الشمس فإنه مرتد. وقال آخرون: لا يكون مرتداً إذا صلاها، لكن يكون كفره كفراً أصغر، وتكون جريمته أعظم من جريمة الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه، وحجة من قال بكفره: حديث البخاري عنه ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقط حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر. وقوله ﷺ : (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله). ولا يجمع إلا من كان له عذر كالمريض المسافر، وليس كل من له عمل، فإن هذا فتح لهذا الباب ولاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأعمال، ولو فتح الباب فإن كل النساء ستجمع، وكذلك أيضاً الخباز الذي يقول: إنه يشتغل أربعاً وعشرين ساعة في المخبز، والذي في المناجم، والذي في المعامل، فهذا فتح لباب الأعمال.

стр. 126

حكم تارك الصلاة تهاوناً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن تركها تهاوناً بها استتيب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل]. فإذا تركها استتيب ثلاثة أيام فإن أصر قتل حداً على مذهب المصنف ﵀. والقول الثاني: أنه يقتل كفراً، والفرق بين القولين: أنه إذا قتل حداً فإنه يغسل ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين في مقابرهم، أما إذا قتل كفراً فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم فهو يقتل على كل حال إذا ارتد لكن قتله على كفر أو حد فحكم الحاكم هو الذي يرفع الخلاف، فالقاضي إذا اختار أحد القولين وقتله كفراً حكم بكفره، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وإن قتله وحكم بعدم كفره بأن قتله حداً فإنه يغسل ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين في مقابرهم، والقاعدة عند أهل العلم: أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، فإذا كانت المسألة فيها قولان، ثم حكم الحاكم بأحد القولين فقد ارتفع الخلاف.

стр. 127

الأذان والإقامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأذان والإقامة. وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء]. الأذان هو: الإعلام بدخول الوقت، والإقامة تسمى أذاناً؛ لأنها إعلام بإقامة الصلاة، وهما مشروعان للصلوات الخمس فقط، وأما صلاة الاستسقاء وصلاة العيد فلا ينادى لها وينادى لصلاة الكسوف بالصلاة جامعة، أما صلاة العيد فلا ينادى لها، وإنما يقوم الناس إذا رأوا الإمام قائماً. والأذان والإقامة للرجال دون النساء، وأما النساء فليس عليهن أذان ولا إقامة، فتصلي المرأة بدون أذان وبدون إقامة، ولا يشرع لها؛ لأنها ليست من أهل الجهر، والأذان والإقامة جهر، فهما فرضان على الرجال دون النساء. والمنفرد إذا كان في البرية فإنه يؤذن ويقيم. والقول بوجوب الأذان والإقامة قول قوي؛ لأن كل صلاة لها أذان وإقامة، كما جاء في الحديث عنه ﷺ : (إذا كنت في غنمك فارفع صوتك بالأذان، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن شجر ولا حجر ولا إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة). وفي حديث مالك بن سهيل: (إذا كنتما في فلاة فأذنا، وليؤمكما أكبركما)، والأصل في الأوامر الوجوب، فإذا كان وحده يؤذن، ولا يتساهل، أما إذا كان في بلد وقد أُذن فيه فإذا أذن فلا يرفع صوته، وإلا فالأذان في البلد قد حصل به المقصود، ولكنه يقيم، فلابد له أن يقيم.

стр. 128

ألفاظ الأذان وعدد كلماته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه]. وهذا أذان بلال ﵁، وأما أذان أبي محذورة ﵁ فتسع عشرة كلمة، فأذان بلال خمس عشرة جملة، وهي: التكبيرات الأربع: الله أكبر في أولها، والشهادتان: أربع، وحي على الصلاة، وحي على الفلاح أربع، والتكبيرتان: الله أكبر الله أكبر والتهليلة، فهي خمس عشرة جملة. وعلم النبي ﷺ أبا محذورة أن يؤذن في مكة نوعاً آخر من الأذان، لما فتحت مكة، وكان صوته جميلاً. فلما أسلم أمره ﷺ بأن يؤذن للناس، وعلمه الترجيع والترجيع فيه زيادة أربع جمل وهي جمل الشهادتين والترجيع معناه: أن يأتي بالشهادتين سراً ثم يرفع بهما صوته فإذا كبر أربع تكبيرات قال سراً: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود فيرجع يرفع بها صوته، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهداً أن محمداً رسول الله، وسمي ترجيعاً؛ لأنه رجع إليه مرة أخرى، فيكون تسع عشرة جملة وهذا نوع من الأذان فالأذان أنواع، والإقامة أنواع والأفضل أذان بلال؛ لأنه هو الذي كان يؤذن به بين يدي النبي ﷺ ، واستمر عليه حتى وفاة النبي ﷺ ، فالإقامة أنواع، والأذان أنواع كما أن التشهد أنواع، والاستفتاحات أنواع، فإذا أتى بنوع منها فقد فعل المشروع. والظاهر أن الإقامة ينبغي أن تكون متناسبة مع الأذان، ففي الحديث: (أمر بلالاً أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإقامة إحدى عشرة]. والإقامة في أذان بلال الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والإقامة التي علمها النبي ﷺ أبا محذورة فيها زيادة على إقامة بلال، وهي قريبة من خمس عشرة جملة.

стр. 129

شروط المؤذن وذكر مستحبات الأذان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وينبغي أن يكون المؤذن أميناً، صيتاً، عالماً بالأوقات]. هذه صفات المؤذن أن يكون أميناً صيتاً عالماً بالأوقات. أما كونه أميناً فلأنه مؤتمن على الناس، يخبرهم بدخول الوقت فيصلون، يعلمهم بدخول وقت الفجر فيلزم الصائم الامتناع عن الأكل، ويعلمهم بدخول وقت المغرب فيفطر الصائم، فلابد أن يكون أميناً، وصيتاً حتى يُسمع صوته، وعالماً بالوقت، فلابد من هذه الصفات أن تتوفر في المؤذن، فإذا كان ليس أميناً بأن كان غير ثقة فلا ينبغي أن يكون مؤذناً، وكذلك إذا كان صوته ضعيفاً لا يبلغ الناس، وكذلك إذا لم يكن عالماً بالأوقات لا يعرفها، بل لابد أن يكون له عناية بالأوقات، ولابد أن يكون صيتاً وأميناً، فهذه الصفات لابد من توافرها في المؤذن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يؤذن قائماً، متطهراً، على موضع عال، مستقبل القبلة]. وهذا من باب الاستحباب، فيكون قائماً على مرتفع، حتى يُسمع صوته، مثل: أن يكون قائماً على سطح المسجد، أو على منارة أما الآن فقد جاءت المكبرات. ويكون متطهراً، أي: على طهارة، فلو أذن وهو على غير طهارة فلا بأس، ثم يذهب ويتوضأ، حتى ولو كان جنباً على الصحيح، لكن الأفضل أن يكون متطهراً متوضئاً، فلو أذن وهو على غير طهارة فلا بأس؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحواله. وإن كان قائماً فهذا هو الأفضل، ولو أذن جالساً فقد حصل المقصود، ولكن خلاف الأفضل، وكذلك الأفضل أن يكون على مرتفع وعلى علو حتى يسمعه الناس وكل هذا من باب الاستحباب. وكذلك يستحب أن يكون مستقبل القبلة، فلا يؤذن والقبلة عن يمينه أو عن شماله. وأما أن يكون متطهراً فلما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) رواه الترمذي، وروي موقوفاً على أبي هريرة والصواب: أنه لا يصح من قول النبي ﷺ ، وإن صح فهو موقوف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً، ولا يزيل قدميه]. فيلتفت يميناً وشمالاً قائلاً: حي على الصلاة، حي على الفلاح، حتى يبلغ أهل جهة اليمين وأهل جهة الشمال، ولا يزيل قدميه عن مكانهما، يعني: لا يستدير وقال بعض العلماء: يستدير في الحيعلتين، والصواب: أنه لا يستدير، بل تكون قدماه ثابتتين، وإنما يستدير ويلتفت بعنقه وأما جسمه فيكون ثابتاً. وأما في حالة وجود المكبرات الآن فالأولى ألا يلتفت؛ لأن الحكمة معروفة وهي التبليغ، وإذا التفت عند الأذان بالمكبر اختل الصوت وضعف، ومن قال: إنه يلتفت الشيء اليسير -يعني: عملاً بالسنة- فله وجه. وفي الترمذي عن أبي جحيفة قال: قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في قبة حمراء من أدم)، يعني: من جلد. (وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح) متفق عليه، وفي لفظ: (ولم يتجه، وأصبعاه في أذنيه) رواه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. والحكمة واضحة في هذا، بأنه إذا وضع أصبعيه في أذنيه، فإنه أندى للصوت، فهذا يدعوه إلى أن يرفع صوته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجعل أصبعيه في أذنيه، ويترسل في الأذان، ويحدر الإقامة]. وهذه هي السنة، أن يترسل، يعني: لا يسرع في الأذن؛ لأنه إعلام بدخول الوقت بل يكون ساكناً، فيقول: الله أكبر، ثم يسكت قليلاً، ثم يقول: الله أكبر، والأولى ألا يقرن بين التكبيرتين كما يفعل بعض المؤذنين قائلين: الله أكبر الله أكبر، وإن فعل هذا فلا حرج، ولكن الأفضل أن يقف على رأس كل جملة وأن يقرأ كل جملة مستقلة، وأما الإقامة: فإنه يحدرها، ويسرع فيها؛ لأنها إعلام بإقامة الصلاة للحاضرين، بخلاف الأذان فإنه إعلام بدخول الوقت للغائبين ولمن لم يكن في المسجد، ولهذا أمر بلال أن يترسل في الأذان وأن يحدر الإقامة، ومعنى يحدر أي: يسرع. فالأصل أن يقف على جمل الأذان، كما أن الأفضل في قراءة القرآن الوقوف على رأس كل آية. وأظن أن من المسائل التي يقع فيها بعض المؤذنين بسبب الجمع بين الجمل أن بعضهم يلحن الأذان، ويطرب به وبعضهم أيضاً يجعل التكبيرتين غير متناسبتين، فالتكبيرة الأولى يسرع فيها، والثانية يمدها، وينبغي أن تكونا متناسقتين، أما أن يسرع في التكبيرة الأولى، ويمد التكبيرة الثانية فإن هذا ناشئ عن الجمع بين التكبيرتين، وإذا ترسل، وفصل كل تكبيرة عن الأخرى فلن يكون هناك داعياً لأن يخالف بين التكبيرتين، فيكون الصوت متناسباً. قال المؤلف ﵀: [ويقول في أذان الصبح بعد الحيعلة: الصلاة خير من النوم، مرتين]. وهذا خاص في أذان الفجر، وليس في الأذان الأول الذي ينادى به كما يظن بعض الناس، فبعض الناس يظن أن (الصلاة خير من النوم) تقال في الأذان الأول، والأذان الأول إنما هو للتنبيه، وقد تكون الصلاة خير من النوم وقد لا تكون في ذلك الوقت؛ لأنه قد يكون الإنسان محتاجاً في ذلك الوقت للنوم، ولكن الفريضة على الإطلاق خير من النوم، بلا شك، ولكن بعض الناس تعلق بما جاء في بعض الروايات أنه جعل الصلاة خير من النوم في الأذان الأول، والمراد بالأذان الأول في هذه الروايات: هو الأذان الذي يؤذن به في صلاة الفجر، والأذان الثاني هي: الإقامة؛ لأن الإقامة تسمى أذاناً ثانياً، والأذان الأول إعلام بدخول الوقت، والثاني إعلام بإقامة الصلاة، ويدل على هذا حديث: (بين كل أذانين صلاة)، يعني: بين الأذان والإقامة فتسمى الإقامة أذاناً. إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم، فيقول المستمع الصلاة خير من النوم؛ فقد جاء في الحديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول). وفي لفظ: (إلا في الحيعلتين تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) فإذا قال: حي على الصلاة، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، أما إذا قال: الصلاة خير من النوم، فقل: الصلاة خير من النوم، وذكر بعض الفقهاء كالحنابلة وغيرهم أنه إذا قال: الصلاة خير من النوم فيقول: صدقت وبررت، ولكن هذا اجتهاد ليس عليه دليل والحديث عام: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، ولم يستثن إلا في الحيعلتين. وكذلك عليه أن يجيب في الإقامة على الصحيح؛ لأنها أذان ثانٍ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها؛ لقول رسول الله ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)]. يعني: لا يجوز الأذان قبل الوقت في الأوقات الأربعة: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويحرم الأذان قبل دخول الوقت، إلا للفجر خاصة فإنه يجوز له أن يؤذن قبل الوقت، لكن بشرط أن يؤذن مرة أخرى إذا دخل الوقت، أو يكون معه مؤذناً آخر؛ لقول النبي ﷺ : (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فحتى لا يغر الناس إذا أذن قبل الفجر، فلابد أن يؤذن مرة أخرى بعد دخول الفجر، أو يكون معه مؤذن آخر حتى لا يغر الناس، أما الأوقات الأربعة الأخرى فلا يؤذن لها إلا بعد دخول الوقت. ولا يجوز قبل الوقت أبداً ولا بشيء يسير؛ لأن هذا أولاً: لا يجوز، وهو محرم؛ لأنه ما دخل وقت الصلاة، فهو إخبار بغير الواقع، فينادي: حي على الصلاة قبل دخول الوقت. وثانياً: أنه يترتب على هذا أنه ربما بادر المريض وصلى، أو امرأة فصلت في بيتها قبل دخول الوقت، فيترتب على ذلك مفاسد، وربما أفطر أيضاً الصائم قبل دخول الوقت، فلابد أن يتحقق، وإذا كان عنده شك فليصبر. وإذا أفطر الصائم على هذا قبل دخول الوقت فالمسألة فيها تفصيل، فإن كان يغلب على ظنه أن الوقت قد دخل فصومه صحيح، وأما إن كان يغلب على ظنه عدم دخول الوقت، أو يشك في دخول الوقت فيقضي هذا الصوم؛ لأن الأصل بقاء النهار فيقضي هذا اليوم. وكذلك الأذان الثاني الذي بين يدي الإمام في يوم الجمعة وهذه المسألة فيها كلام لأهل العلم، وينبغي أن يكون الأذان الثاني بعد دخول الوقت، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وأنه لا تصح صلاة الجمعة إلا بعد دخول الوقت، حتى إن البخاري ﵀ جزم في ترجمته بأن الأذان بعد دخول الوقت، فذكر أن النبي ﷺ كان يدخل إذا انتصف النهار، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄. فلا تصح الجمعة إلا بعد دخول الوقت، وذلك لأن جمهور العلماء يرون أنها لا تصح الصلاة والجمعة إلا بعد الأذان، هذا أولاً. وثانياً: أن هذا فيه فتح باب للكسالى من الذين يفتحون البقالات والمحلات التجارية وقت الصلاة، وإذا سئل عن ذلك قال: صليت مع الخطيب المبكر، ومع الإمام المبكر ومع هذا لا يزال بعض الخطباء يصرون على الأذان قبل دخول الوقت، مع أن أكثر العلماء يرون أن الصلاة غير صحيحة وإن كان الصواب أن صلاة الجمعة تصح قبل دخول الوقت؛ لأنه جاء في الأحاديث في السنن ما يدل على جوازها وهو مذهب الحنابلة وغيرهم ولكن مع هذا كله ينبغي الاحتياط، خاصة وأن أكثر العلماء وجماهير العلماء على أنها لا تصح إلا بعد دخول الوقت فإذا دخل الوقت على التقويم، وعلى العادة يؤذن المؤذن وإلا الصواب: أنها تصح قبل دخول الوقت. وأما الأذان الذي هو قبل دخول الوقت فهو للتنبيه، ولا بد أن يكون كافياً فإنه لم يكن على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان إلا أذاناً واحداً، وهو الأذان الذي بين يدي الإمام، فلما كثر الناس أمر عثمان مؤذناً أن يؤذن على الزوراء لينبه الناس. وأما أن يكون الأذان الثاني مقارباً للأذان الأول فلا يحصل المقصود

стр. 130

استحباب إجابة المؤذن إلا في الحيعلتين قال المؤلف ﵀: [ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول؛ لقول رسول الله ﷺ : (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول)]. يعني: يجيبه إلا في الحيعلتين، كما جاء في الحديث الآخر، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويشمل هذا قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، فتقول مثله. وبعد الأذان يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. وجاء في صحيح مسلم: إذا انتهى من الشهادتين يجيب ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً. والأذان في الراديو إذا كان على الهواء فلا بأس أن يجيب؛ لأنه مؤذن حقيقة، أما إذا كان تسجيلاً فلا يجيبه الإنسان.

стр. 131

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٢] فرض المولى جل في علاه الصلاة على عبيده لتكون بمثابة همزة الوصل التي تربط بين العبد والمعبود، ولا تصح صلاة العبد إلا بشروط بينها الرسول الكريم ﵊ في سنته، وينبغي على المصلي أن يكون على هيئة حسنة عند إتيانه إلى الصلاة، وأن يتمثل آداب المشي إلى الصلاة.

стр. 132

شروط الصلاة قال ﵀: [باب: شروط الصلاة. وهي ستة:].

стр. 133

الطهارة من الحدث قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الطهارة من الحدث؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ)]. وهذا الباب معقود للشروط التي تتقدم الصلاة وتسبقها، بخلاف الأركان والواجبات فإنها تكون في صلب الصلاة وأما الشروط فتكون متقدمة على الصلاة. الشرط الأول: الطهارة من الحدث، وأيضاً من الأنجاس، وهذا شرط لصحة الصلاة فأما الطهارة من الحدث فنعني الحدث الأكبر والحدث الأصغر. أما الحدث الأصغر فلقول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه الشيخان، ولقوله ﷺ : (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) رواه الإمام مسلم في صحيحه، فلا تصح الصلاة إلا بالطهارة. وكذلك لابد أن يتطهر الإنسان من الخبث في بدنه، ويكون طاهر الثوب، والبدن والبقعة فيكون ثوبه طاهراً، وبدنه طاهراً، والبقعة التي يصلي عليها طاهرة. فإن صلى بغير وضوء فلا تصح صلاته بإجماع المسلمين ويجب عليه أن يعيد الصلاة، أما إذا نسي النجاسة في ثوبه، أو بدنه أو بقعته فالصواب أن الصلاة صحيحة؛ لأن هذا من باب التروك، والوضوء من باب الإيجاب فإذا صلى بغير وضوء فإنه يعيد الصلاة، وإذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة، فإن علم أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الشيء الذي فيه النجاسة إن أمكن، فإذا كانت النجاسة في الثوب فإنه يخلع الثوب، ويكمل الصلاة إذا كان عليه سروال ساتر، فإن لم يمكن قطع الصلاة، وغسل النجاسة، وصلى.

стр. 134

دخول الوقت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط الثاني: الوقت، ووقت الظهر من زوال الشمس إلا أن يصير ظل كل شيء مثله]. فلابد أن تكون الصلاة في وقتها، فإن صلى قبل دخول الوقت فلا تصح صلاته بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، أي: مفروضاً في الأوقات. وثبت عن النبي ﷺ أنه أمه جبرائيل يومين متواليين، فأمه لصلاة الظهر في اليوم الأول في أول وقتها، وصلاة العصر في أول وقتها، والمغرب في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، والفجر في أول وقتها، ثم جاءه في اليوم الثاني وأمه في الظهر في آخر وقتها قرب العصر، وأمه لصلاة العصر عند اصفرار الشمس، وأمه لصلاة المغرب عند مغيب الشفق، وأمه لصلاة العشاء قبيل نصف الليل، وأمه لصلاة الفجر قبيل طلوع الشمس، ثم قال: الصلاة ما بين هذين الوقتين فلابد أن تكون الصلاة في الوقت، فإن صلى قبل الوقت فلا تصح بإجماع المسلمين، وإذا صلى وهو يظن أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه لم يدخل أعاد الصلاة. ووقت الظهر من زوال الشمس، أي: إذا زالت الشمس إلى جهة الغروب دخل وقت الظهر، إلى أن يصير ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال ثم يدخل وقت العصر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووقت العصر -وهي الوسطى- من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس]. وصلاة العصر هي الوسطى على الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (شغلونا عن الصلاة ملأ قلوبهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى)، صلاة العصر، هذا هو الصواب، وقيل: الصلاة الوسطى: صلاة الفجر، وقيل: صلاة الظهر، والصواب: أنها صلاة العصر؛ لأنها صلاة بين صلاتين نهاريتين، وصلاتين ليليتين، وقال بعض العلماء: الصلاة الوسطى، يعني: من الوسط، وهو الخيار، لقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وأول وقت صلاة العصر إذا خرج وقت الظهر إلى وقت اصفرار الشمس. ثم يدخل وقت الضرورة وهو من اصفرار الشمس إلى غروبها، ومن مصير ظل الشيء مثله إلى اصفرار الشمس فهذا وقت الاختيار. قال المؤلف ﵀: [ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، ووقت المغرب إلى أن يغيب الشفق الأحمر تعالى]. فوقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يقارب ساعة وعشر دقائق تقريباً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل، ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر]. يعني: من مغيب الشفق إلى نصف الليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس]. يعني: أن وقت الفجر من طلوع الفجر الصادق، هو خلاف الفجر الكاذب، فإنه يكون في وسط السماء، مثل ذنب السرحان ثم يظلم وأما وقت الفجر الصادق فإنه ينتشر في السماء قبل المشرق والأصل في هذا حديث جبريل، وفي حديث أبي برزة في تحديد الأوقات، وأن النبي ﷺ حدد الأوقات هكذا، قال: (وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر إلى طلوع الشمس). والصلاة في أول وقتها أفضل، إلا العشاء فالأفضل تأخيرها إذا لم يشق عليه، ويكون تأخيرها إلى ثلث الليل، هذا هو الأفضل وإذا كان في بلد فيصلي مع الناس حتى لا يشق عليهم؛ لأنه بذلك تحدث مشقة على الناس، فهناك من له حاجة، فإن منهم من يريد أن ينام ولكن لو كانوا جماعة في مزرعة أو في بلدة صغيرة واتفقوا على تأخيرها ولم يشق عليهم فالأفضل التأخير في صلاة العشاء، وقد كان النبي ﷺ أحياناً يقدمها وأحياناً يؤخرها، كما في الحديث إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم تأخروا أبطأ. وتحديد نصف الليل يختلف باختلاف الليل في الشتاء والصيف، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فتقسمه نصفين، من غروب الشمس، فإذا كان غروب الشمس مثلاً الساعة الخامسة والنصف، وطلوع الفجر الساعة الخامسة والربع فاقسمه على اثنين، فيكون اثنتي عشرة ساعة إلا ربعاً، فيكون النصف ست ساعات، فتكون الساعة الحادية عشرة وربعاً تقريباً، أو الحادية عشرة تكون نصف الليل.

стр. 135

بعض الأحكام المتعلقة بأوقات الصلوات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها]. أي: أن من كبر للصلاة قبل خروج الوقت فقد أدركها في الوقت فإذا كبر للعصر قبل غروب الشمس فقد أدركها في الوقت، إذا كان معذوراً، مثل الحائض إذا طهرت ثم صلت، ولكن لا يجوز للإنسان أن يؤخرها إلى بعد اصفرار الشمس، إلا إذا كان من أهل الضرورة فإن كبر فقد أدرك الوقت؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)، يعني: في وقتها، وهذا إذا كان معذوراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة في أول الوقت أفضل إلا في العشاء الآخرة]. فالصلاة في أول الوقت أفضل؛ وذلك لقول النبي ﷺ لما سئل: (أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) أخرجه البخاري. فالصلاة في وقتها أفضل الأعمال.

стр. 136

حكم تأخير الصلاة عن وقتها وأما تأخير الصلاة عن وقتها فالخلاف في هذا مشهور، فمن العلماء من رأى أنه إذا أخرها متعمداً دون عذر، من نسيان أو تأويل أو نوم يعذر فيه؛ لأن بعض الناس قد يؤخرها ناسياً، فهذا الإنسان لا حيلة له وقد يؤخرها لأنه نام نوماً يعذر فيه. وأما من تعمد ذلك مثل: من يقوم بتوقيت الساعة على وقت العمل، ويتعمد عدم توقيتها على وقت الصلاة فإن هذا ليس معذوراً، وقد يؤخرها متأولاً، مثل: أن يكون مريضاً في المستشفى، فيؤخر الصلاة إذا كانت ثيابه نجسة، حتى يخرج، ثم يقضيها، فهذا متأول أما إذا أخرها ولم يكن نائماً نوماً يعذر فيه، ولا ناسياً، ولا متأولاً فهو على خطر وقد حكى جمع من أهل العلم بأنه يكون مرتداً، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر. وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلوات كلها أما إذا كان يصلي بعض الصلوات فلا يكفر. وذهب بعض الفقهاء المتأخرين: إلى أن كفره كفر أصغر والصواب: أنه كفر أكبر، وهذا هو الذي تدل عليه النصوص، من أنه إذا أخرها متعمداً وليس له عذر فإنه يكفر كفراً أكبر، وقال بعضهم: إلا إذا كانت تجمع مع غيرها، مثل صلاة الظهر فإنها تجمع مع العصر، فلا يكفر حتى يخرج وقت العصر، فيحكم بكفره، كذلك صلاة المغرب تجمع مع العشاء، وأما صلاة الفجر فلا تجمع مع غيرها، فإذا أخرها إلى بعد أن تشرق الشمس متعمداً حكم بكفره -نسأل الله السلامة العافية- فإذا كان ديدنه وعادته ذلك، وليس له عذر فالأمر خطير، وهذا هو الذي قرره الصحابة والذي أتى به الصحابة كما نقل عبد الله بن شقيق العقيلي: أجمع الصحابة على أن ترك الصلاة كفر، ونقل ابن حزم وإسحاق بن راهويه: الإجماع على أن ترك الصلاة كفر. نسأل الله العافية. ولذلك فلا بد للإنسان من أن يجعل له أسباباً توقظه، مثل: أن يجعل ساعة، أو يكلم بعض أهله أو أصحابه لينبهوه، فإن لم ينبهوه وفاتته الصلاة، وهو يريد أن يصلي، ولكن بدون اختياره، فهذا معذور، وليس التفريط من عنده أما أن يوقت الساعة على العمل مثل بعض الناس الذين لا يريد أن يستيقظ لصلاة الصبح، وتكون عادته الاستمرار على هذا فهذا ليس معذوراً؛ لأن هذا معناه تعمد ترك الصلاة ولهذا عندما كان النبي ﷺ في بعض أسفاره وأراد أن ينام في آخر الليل فقال: (من يكلنا الصبح، فالتزم بلال، وقال: أنا) وهذا هو الأصل بأن يجعل له أسباباً توقظه. قال المؤلف ﵀: [والصلاة في أول الوقت أفضل إلا في العشاء الآخرة، وفي شدة الحر في الظهر]. فالصلاة في أول وقتها أفضل، إلا في العشاء الآخرة فإذا لم يشق التأخير فلا بأس، وأما إن كان في البلد فلا تؤخر؛ لأن فيه مشقة على الناس فيصلي مع الناس في أول الوقت حتى لا يشق عليهم، فإن لم يشق عليهم بأن كانوا محصورين وليس معهم أحد، كأن يكونوا في قرية أو مسافرين أو في مزرعة وليس معهم أحد فاتفقوا على التأخير فيؤخرون؛ لأن هذا هو الأصل، وأما في البلدان والمدن فلا يمكن هذا، فيصلي الصلاة في أول وقتها؛ لأن التأخير فيه مشقة على الناس. وكذلك الظهر في شدة الحر فإن الأفضل تأخيرها؛ لقول النبي ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم).

стр. 137

ستر العورة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط الثالث: ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة]. هذا الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو ستر العورة بما لا يصف البشرة، فيسترها بثوب، أو بشيء لا يصف البشرة فإن كان يصف البشرة فلا يعتبر ساتراً، والذي لا يصف البشرة هو: الذي يرى لون البشرة من ورائه، كأن يرى الحمرة أو السواد أو البياض، فهذا يصف البشرة وبعض الناس تكون عليه ثياب خفيفة وتحته سروال، لكنه سروال قصير يصف البشرة، وهذا مما ينبغي ملاحظته، فمن كان عنده سروال إلى نصف الفخذ وترى من ورائه البشرة، فهذا لا يجزي إذا كانت البشرة ترى من ورائه، ولا بد من أن يكون السروال إلى الركبة، أو يكون الثوب صفيقاً، ولا يكون خفيفاً. إذاً: حد الثوب الذي لا يستر هو: أن يصف البشرة، بأن تُرى البشرة من ورائه، ويُرى لونها من ورائه. وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، وكذلك الأمة التي تباع وتشترى، وأم الولد، وأما المرأة الحرة فكلها عورة، إلا وجهها في الصلاة إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كان عندها رجال أجانب وجب عليها ستر الوجه. وأما قوله: (وجهها وكفيها) فهذا قول لبعض أهل العلم والصواب أن وجهها وكفيها لابد من سترهما وبعضهم أيضاً ذكر الخلاف في رجليها، ولكن الصواب: أن الرجلين عورة وأنه إذا بدت رجليها فلا تصح صلاتها، لحديث أم سلمة ﵂ كما في أبي داود لما قالت: (يا رسول الله! أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال: نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)، فلابد من تغطية الرجلين، وأما الكفان ففيهما خلاف على قولين لأهل العلم، والصواب: أنها تستر الكفين وتكشف الوجه إذا كانت في بيتها وليس عندها أجانب، فإن كانت في محل فيه رجال أجانب فتستر وجهها. وأما البنت الصغيرة فكالرجل والأمة كذلك، ولكن الأمة إذا كانت جميلة فإنه يخشى منها الفتنة فوجب ستر الفتنة، والغالب أن الإماء لا تفتن، ولهذا جاء في بعض الآثار: أن إحدى الإماء لما سترت وجهها، ضربها عمر وقال: تتشبهين بالحرائر؟! والمعروف أن الأمة تباع وتشترى وينظر إليها سيدها ليشتريها، ولكن إذا خيف الفتنة وجب سترها دفعاً للفتنة، وإلا فالأصل أنها ليست كالحرة؛ لأن الحرة لها شأن، وهذه كالمتاع تباع وتشترى والحرة لها أحكام الخاصة. والدليل من السنة أن النبي ﷺ لم يكن يأمر الأمة بالحجاب؛ لأنها تباع وتشترى. وبعض الناس اليوم يجعل الخادمات مثل الإماء، وليس كذلك؛ لأن الخادمات الآن حرائر، ولا يجوز للإنسان أن يخلو بها، ولا يجوز لها أن تكشف أمامه، والإماء إنما يوجدن إذا كان هناك عبيد، ووجودهن يدل على قوة الإسلام، فإذا وجد الجهاد في سبيل الله وجاهدنا الكفار، وغنمنا نساءهم وأموالهم فقد صارت نساءهم إماء لنا، ورجالهم أرقاء، ثم يتناسلون، ويكون أولادهم أرقاء، لكن الآن لا يوجد جهاد. والله المستعان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة]. يعني: وعورتها من السرة إلى الركبة حتى تتحرر. ويجب على الرجل ستر العاتقين؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). ومن الأدلة على أن عورة الأمة من السرة إلى الركبة ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورتها، وإنما تحت السرة إلى الركبة عورة يريد الأمة) رواه الدارقطني، وقال: حديث حسن، وأخرجه أبو داود وأحمد. وهذا الأصل، ولكن التستر مطلوب فعورة الرجل من السرة إلى الركبة، ولكن لا يصح أن يمشي الآن أحد هكذا، فيستر العورة فقط، ولا شك أن من الكمال أن يستتر، وهو الأصل.

стр. 138

بعض الأحكام المتعلقة بستر العورة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صلى في ثوب مغصوب، أو دار مغصوبة لم تصح صلاته]. وهذا على المذهب أن من صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته؛ لأن المغصوب منهي عنه، والغصب منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد فإذا صلى في ثوب مغصوب فهو مثل من صلى في ثوب حرير، أو صلى في ثوب عليه صورة لم تصح صلاته على المذهب، ومثله أيضاً: لو توضأ بماء مغصوب لم تصح الصلاة على المذهب، أو توضأ من البرادة مثلاً فالحكم حكم الغصب لا تصح الصلاة؛ لأن البرادة وضعت للشرب، فإذا توضأ منها فيكون مغتصباً فلا تصح الصلاة، وعليه أن يعيدها. والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم فإذا صلى في ثوب مغصوب، أو ثوبه فيه صورة، أو في ثوب حرير صحت مع الإثم؛ لأن الجهة مختلفة، فله ثواب الصلاة، وعليه إثم الغصب، وإذا توضأ من ماء مغصوب فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب وهذا هو الصواب من قولي العلماء، أما في المذهب فإنها لا تصح فإذا صلى في ثوب حرير، أو ثوب فيه صورة، أو ثوب مغصوب، أو دار مغصوبة، أو توضأ بمغصوب فلا تصح على المذهب، ومثله لو صلى خلف فاسق فلا تصح الصلاة على المذهب؛ لأنه ما أنكر المنكر، وعليه فتكون صلاته منهياً عنها، والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم فله ثواب الصلاة، وعليه إثم عدم الإنكار، وهذا هو الصواب وهذه المسألة معروفة؛ لأن النهي لا يتعلق بذات المنهي، وعليه فإن الصلاة صحيحة، بخلاف ما لو صلى في ثوب نجس، فلا تصح الصلاة بالإجماع؛ لأن هذا النهي يتعلق بذات الصلاة وبخلاف الصلاة في الثوب المغصوب، فإنه منهي عن لبسه سواء في الصلاة أو في خارج الصلاة، والأرض المغصوبة منهي عن غصبها في الصلاة وخارجها، وثوب الحرير منهي عن الصلاة فيه، والثوب الذي فيه الصورة منهي عن الصلاة فيه ومنهي عن لبسه سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، وأما الشيء الذي هو منهي عنه في نفس الصلاة فهذا هو الذي لا يصح بالاتفاق. وأما المياه التي توضع للشرب فلا يتوضأ منها، وإذا توضأ منها يكون غاصباً، وحكمها حكم الغصب، كما لو صلى في ثوب مغصوب فعلى المذهب أنه لا تصح صلاته، وعليه أن يعيد الصلاة ولكن الصواب: أنها تصح مع الإثم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولبس الذهب والحرير مباح للنساء دون الرجال، إلا عند الحاجة؛ لقول رسول الله ﷺ في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم)]. أي: أن لبس الذهب والحرير حرام على الذكور وحل للنساء، وللمرأة أن تتحلى بالذهب في يديها وفي أصابعها وفي رقبتها وفي أذنيها، وكذلك الفضة وليس لها أن تستعمل الذهب في أواني الأكل والشرب فهذا لا يجوز لا للرجال ولا للنساء وليس لهم استعمال ملاعق الذهب، ولا أقلام الذهب فكل هذا حرام لا يجوز استعماله؛ لقول النبي ﷺ : (لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، يعني: الكفرة، فالأكل والشرب والاستعمال منهي عنه للرجال والنساء وللمرأة أن تتحلى بالذهب الفضة، وكذلك لها لبس الحرير وأما الرجل فليس له أن يتحلى إلا بخاتم من الفضة في أصبعه، ولا يلبس الحرير إلا مقدار أصبع أو أصبعين أو ثلاثة أو أربعة كما جاء الاستثناء في الحديث، وذلك إذا جعل في ثوب الحرير مكان الأزرار، أو في طرف الثوب مثل أصبع أو أصبعين أو ثلاثة أو أربعة فهذا مستثنى. وأما الماس والأحجار الكريمة فالظاهر أنها ليست من الذهب ولا من الفضة، فلا تدخل في هذا، ولكن تدخل من جهة أخرى، وهي جهة الإسراف إذا كان الثمن مرتفعاً، فلا ينبغي للإنسان أن يسرف، ويلبس السرف. وأما إناء المعدن الذي يطلى بالذهب أو الفضة وهو ما يسمى بالتضبيب فهذا مستثنى من النهي، إذا كان ضبة صغيرة من فضة؛ لأن النبي ﷺ لما انكسر قدحه اتخذ مكانه سلسلة من فضة، والفضة يتسامح فيها أكثر من غيرها، فإذا جعل مكان الشق أو الكسر في الإناء ضباً يسيراً من فضة فلا بأس أما من الذهب فلا وكذلك إذا كان ضبة كبيرة من فضة. كذلك لا يجوز للرجل لبس الساعة المطلية بالذهب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك، فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين]. أي: أنه إذا لم يجد إلا ثوباً واحداً، والمراد بالثوب: القطعة الواحدة، فإنه يستر به عورته، فإن كان واسعاً ستر به كفيه؛ لقول النبي ﷺ : (إن كان الثوب واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به) رواه البخاري في صحيحه. فإذا كان قطعة كأن يكون فوطة أو رداء فيستر به عورته، وإن كان كبيراً أو واسعاً مثل الشرشف فإنه يلتحف به، ويضع بعضه على كتفيه، فإن صلى وكتفاه مكشوفتان فقد اختلف العلماء في صحة الصلاة في هذه الحالة. والأصل في هذا قول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) فذهب الجمهور إلى: أن الصلاة تصح واستدلوا على ذلك بحديث جابر ﵁ كما في صحيح البخاري: (أنه صلى في إزار، ورداؤه موضوع على المشجب فقال له بعضهم: تصلي ورداؤك على المشجب؟ قال: أردت أن يراني أحمق مثلك، فإن النبي ﷺ قال: أو لكلكم ثوبان؟). والقول الثاني: أنه لابد أن يستر كتفيه إذا كان يستطيع ذلك فإن لم يستطع فلا تصح الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). والقول الثالث: أنها تصح مع الإثم إذا كان مستطيعاً، وهذا هو الأقرب. إذاً فالأقرب أنه لابد أن يستر كتفيه جمعاً بين الحديثين فلا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء، هذا إن كان وجد ما يستر كتفيه، وبعض الناس يصلي في فنيلة أو علاقية فتبرز كتفاه، فهذا ينبغي له الانتباه لهذا، والانتهاء عنه، وبعض الناس وهم محرمين في الحج أو في العمرة إذا جاءت الصلاة يصلي وهو مكشوف الكتفين فينبغي الانتباه لهذا، والانتهاء عنه، فإذا جاءت الصلاة عليه أن يضع الرداء على كتفه؛ لقول النبي ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك، فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها]. وهذا يكون إذا كان مثل الشرشف الكبير الذي يستطيع أن يتزر ببعضه، ويضع بعضه على كتفيه. قال المؤلف ﵀: [فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين، فإن لم يكفهما جميعاً، ستر أحدهما]. أي: يستر الدبر؛ لأنه أفحش. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن عدم الستر بكل حال صلى جالساً يومئ بالركوع والسجود]. فالعاري يصلي جالساً؛ لأنه معذور في هذه الحالة، وكذلك العراة فإنهم يصلون ويكون إمامهم وسطهم، ولا يكون أمامهم، ويكون معذوراً في هذه الحالة وإن صلى قائماً صحت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن صلى قائماً جاز، ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما، ولا إعادة عليه]. وهذا لأنه معذور في هذه الحالة فإذا كان عنده ثوب نجس ولم يجد ماء ليغسله، أو ليس عنده ما يغسله فإنه يصلي فيه، ولا يصلي عرياناً، وكذلك إذا كان في مكان نجس، فإنها مثل ما لو كان عنده ثياب نجسة فيصلي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].

стр. 139

التطهر من النجاسة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها]. ومن شروط الصلاة الطهارة في بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي فيها، فلابد أن يكون بدنه طاهراً، وثوبه طاهراً والبقعة التي يصلي عليها طاهرة. قال المؤلف ﵀: [الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها، كيسير الدم ونحوه]. أي: أن الشيء الذي يعفى عنه هو يسير الدم إلا إذا كان في موضع الخارج فلا يعفى عنه ولو كان يسيراً، وأما في غيره فيعفى عن الشيء اليسير، واليسير هو: النقطة اليسيرة، أو ما أشبه ذلك.

стр. 140

بعض الأحكام المتعلقة بالتطهير من النجاسة قال المؤلف ﵀: [وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن قد علم بها، أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة]. وهذا هو الصواب خلافاً للمذهب، ففي المذهب: أنه إذا رأى في ثوبه نجاسة ثم نسيها، أو جهلها فإنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد إذا كان في ثوبه نجاسة علمها، ثم نسي وصلى فيها، وصلاته صحيحة وإذا لم يعلم بها وصلى فلما صلى رآها فإن أزالها فلا يعيد على الصحيح والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ صلى مرة وفي نعليه أذى، فخلع في أثناء الصلاة) أي: أنه جاءه الوحي من الله فخلع، (فخلع الصحابة، فلما صلى ﷺ قال: ما لكم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إن جبريل أخبرني أن بها أذى، ولم يعد الصلاة)، فدل هذا على أن الفريضة إذا صلاها إنسان وفي ثوبه نجاسة قد نسيها أو جهلها فإن صلاته صحيحة وهذا بخلاف الوضوء، فإنه لو صلى بغير وضوء ثم علم بذلك فإنه يعيد الصلاة؛ لأن الوضوء من باب الإيجاب، والنجاسة من باب الشروط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن علم بها في الصلاة أزالها، وبنى على صلاته]. أي: أنه إذا علم بالنجاسة في الصلاة فإنه يزيلها إن استطاع ويبني على صلاته وذلك كأن يكون في غترته دم أو في طرف ردائه فيرمي به، ويبني على صلاته، أو يكون في ثوبه فينزعه إذا كان عليه ثوب آخر فإن لم يستطع فيقطع الصلاة ويغسلها.

стр. 141

الأماكن المنهي عن الصلاة فيها قال المؤلف ﵀: [والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها، إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق]. فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام)، أما المقبرة فلأنها ليست مكاناً للصلاة؛ لأن الصلاة فيها من وسائل الشرك فلا تجوز الصلاة فيها. وأما الحمام فلأنه مكان انكشاف العورات، وهي كذلك لا تجوز في الحمامات التي تؤجر، وهي التي تكون تحت الأرض، وفيها ماء حار وبارد؛ لأنه جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار)، والحمامات يكون فيها اجتماع وأحياناً يكون فيها من يغسل ويدلك، فلابد من أن يكون على المغتسل إزار يستر ما بين السرة والركبة والعورة؛ ولهذا قال في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار). المراد بالحديث الحمامات التي تؤجر، ويكون فيها ناس يستحمون. وأما الحش: فيعني به: مكان قضاء الحاجة ومحل النجاسات. وأما قارعة الطريق؛ فلأن الصلاة فيها تكون فوق مكان تقرعه الأقدام؛ لأنه مكان مشي الناس، والصلاة فيه تضييق للطريق وفيه خطر على المصلي من المارة فلا يصح أن يصلي في قارعة الطريق. وكذلك أعطان الإبل، لما جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أعطان الإبل) والمراد بأعطانها: أي المكان الذي تقيم فيه مدة، كمباركها عند الماء ومراحضها في الليل، فأما المكان الذي تمر فيه وتبرك فيه وتذهب فهذا لا يسمى أعطاناً وإنما أعطانها: مباركها عند الماء وفي الليل، والمقصود: أن الصلاة في أعطان الإبل لا تصح، بخلاف الصلاة في مرابض الغنم. وقال بعضهم: وفوق ظهر بيت الله والمجزرة والمزبلة، فينهى عن الصلاة في سبعة أماكن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، والحش، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله. يعني: لا تصح؛ لأنه لم يستقبل القبلة. وكذلك يقولون: لا تصح الفريضة داخل الكعبة ولا فوقها؛ لأنه لم يستقبل جزءاً منها وإنما لابد أن يكون خارجها، وتصح النافلة داخل الكعبة، هذا هو الذي قرره الفقهاء.

стр. 142

استقبال القبلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلي حيث كان وجهه]. ولابد أن يستقبل الإنسان القبلة، وإن كان بعيداً فتكفي الجهة، وأما إن كان يشاهد الكعبة فلابد من أن يصيب عينها، وهذا في الفريضة وأما في النافلة فيجوز للإنسان أن يصلي على الراحلة وهي: الدابة، وعلى السيارة إلى أي جهة ولو كان في جهة الشرق أو جهة الغرب، إلا أن الأولى أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام فقد جاء في أبي داود أنه كان ﷺ يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يصلي إلى جهة القبلة؛ لأن النافلة يتسامح فيها، وكان النبي ﷺ يصلي على راحلته الوتر وغيره، وأما الفريضة فإنه ينزل ويصلي في الأرض، ويستقبل القبلة فالنافلة يتوسع فيها ما لا يتوسع في الفريضة.

стр. 143

بعض الأحكام المتعلقة باستقبال القبلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فيصلي كيفما أمكنه]. فالعاجز عن استقبالها لخوف معذور، وكذلك المطلوب الذي يطلبه العدو فإنه يصلي ولو إلى غير جهة القبلة، وكذلك في الحرب في صلاة الخوف فإن المحارب يصلي وهو يمشي ويركض إيماء، إن خاف من العدو، فهذا مستثنى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره، فيصلي كيفما أمكنه، ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبلاً الكعبة]. ويدخل في الخوف القتال.

стр. 144

صلاة الخوف وقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وقال الإمام أحمد: وردت صلاة الخوف على سبعة وجوه كلها ثابتة عن النبي ﷺ منها: أنه ﷺ صلى مرة تجاه العدو، فصفهم صفين، يكبر ويكبرون، ويركع ويركعون، فإذا جاء السجود سجد هو والصف الذي يليه، وجلس الصف الثاني يحرس فإذا قام من الركعة الثانية تقدم الصف الثاني، وتأخر الصف الأول، ثم يركعون جميعاً، ثم يسجدون، ويبقى الصف الثاني يحرس، فإذا سلم الإمام قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة هذا وجه من الوجوه وهناك وجوه أخرى، منها: أن النبي ﷺ صلى بهؤلاء ركعتين، وبهؤلاء ركعتين. ومن الأوجه أيضاً: أن النبي ﷺ صلى بهم ركعة، ثم أتموا لأنفسهم وذهبوا يحرسون ثم جاءت الطائفة الثانية وصلى بهم ركعة وسلم بهم، فقد جاءت على أنحاء مختلفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها]. أي: أنه إذا كان قريباً من الكعبة يشاهدها فلابد من أن يصيب عينها، وبعض الناس في المسجد الحرام تجده مائلاً عن الكعبة، فلا تصح الصلاة، بل لابد أن يكون مواجهاً للكعبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان بعيداً فإلى جهتها، وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى، ولا إعادة عليه]. أي: أن هناك فرق بين الحضر والسفر، فإذا كان في البلد فيسأل، ويستدل على المسجد، وينظر إلى محاريب المساجد، فإن اجتهد وصلى إلى غير القبلة فيجب عليه أن يعيد صلاته؛ لأنه غير معذور ما دام في البلد، بل لابد أن يسأل أو ينظر في المحاريب، وأما في البر فإنه يجتهد بحسب العلامات التي يعرفها، فإذا كان في الليل فينظر إلى نجم القطب، وينظر إلى الشمس وإلى القمر، ويسأل من يثق به، فإذا صلى إلى القبلة فصلاته صحيحة، فإن تبين بعد ذلك أنه صلى إلى غير جهة القبلة فلا يعيد؛ لأنه معذور، بخلاف إذا كان في الحضر. وإذا صلى المصلي أمام الإمام فلا تصح صلاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه، ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه]. فإذا كان هناك شخصان في السفر ثم اجتهدا، فقال أحدهما: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا. فكل منهما يعمل على اجتهاده، ويصلي وحده، ولا يصليان معاً وإنما هذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد، وهذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد. والأعمى يقلد أوثقهما، فإذا كان هناك أوثق فيصلى معه، وكذلك الذي ليس عنده علامات، والذي لا يعرف فهو مثل الأعمى فيقلد أوثقهما. وكل منهما صلاته صحيحة، وكل له اجتهاده.

стр. 145

النية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها]. والنية معناها: أن ينوي أن الصلاة التي سيصليها هي صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو صلاة المغرب، ولابد منها؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وكذلك النية تقيد العمل، يعني: هل هذه صلاة فريضة أو نافلة أو راتبة أو وتر أو صلاة تراويح. ولا تنتقل الصلاة من نافلة إلى فريضة، ولكن الفريضة تنتقل إلى نافلة، وذلك مثل: إذا كان يصلي الظهر وحده وفي أثناء الصلاة جاء جماعة يصلون فيحولها إلى نافلة، وينويها نافلة ويصلي، ثم يدخل معهم إذا كان الوقت واحداً، أما إذا انتهى من الصلاة فليس له ذلك، فقد انتهى وانقضى الأمر، ولكن في أثناء الصلاة له أن يحول الفريضة إلى نافلة حتى يدرك الإمام ويصلي جماعة.
следующие страницы →