← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأماكن المنهي عن الصلاة فيها قال المؤلف ﵀: [والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها، إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق]. فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام)، أما المقبرة فلأنها ليست مكاناً للصلاة؛ لأن الصلاة فيها من وسائل الشرك فلا تجوز الصلاة فيها. وأما الحمام فلأنه مكان انكشاف العورات، وهي كذلك لا تجوز في الحمامات التي تؤجر، وهي التي تكون تحت الأرض، وفيها ماء حار وبارد؛ لأنه جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار)، والحمامات يكون فيها اجتماع وأحياناً يكون فيها من يغسل ويدلك، فلابد من أن يكون على المغتسل إزار يستر ما بين السرة والركبة والعورة؛ ولهذا قال في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار). المراد بالحديث الحمامات التي تؤجر، ويكون فيها ناس يستحمون. وأما الحش: فيعني به: مكان قضاء الحاجة ومحل النجاسات. وأما قارعة الطريق؛ فلأن الصلاة فيها تكون فوق مكان تقرعه الأقدام؛ لأنه مكان مشي الناس، والصلاة فيه تضييق للطريق وفيه خطر على المصلي من المارة فلا يصح أن يصلي في قارعة الطريق. وكذلك أعطان الإبل، لما جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أعطان الإبل) والمراد بأعطانها: أي المكان الذي تقيم فيه مدة، كمباركها عند الماء ومراحضها في الليل، فأما المكان الذي تمر فيه وتبرك فيه وتذهب فهذا لا يسمى أعطاناً وإنما أعطانها: مباركها عند الماء وفي الليل، والمقصود: أن الصلاة في أعطان الإبل لا تصح، بخلاف الصلاة في مرابض الغنم. وقال بعضهم: وفوق ظهر بيت الله والمجزرة والمزبلة، فينهى عن الصلاة في سبعة أماكن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، والحش، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله. يعني: لا تصح؛ لأنه لم يستقبل القبلة. وكذلك يقولون: لا تصح الفريضة داخل الكعبة ولا فوقها؛ لأنه لم يستقبل جزءاً منها وإنما لابد أن يكون خارجها، وتصح النافلة داخل الكعبة، هذا هو الذي قرره الفقهاء.

стр. 142

استقبال القبلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلي حيث كان وجهه]. ولابد أن يستقبل الإنسان القبلة، وإن كان بعيداً فتكفي الجهة، وأما إن كان يشاهد الكعبة فلابد من أن يصيب عينها، وهذا في الفريضة وأما في النافلة فيجوز للإنسان أن يصلي على الراحلة وهي: الدابة، وعلى السيارة إلى أي جهة ولو كان في جهة الشرق أو جهة الغرب، إلا أن الأولى أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام فقد جاء في أبي داود أنه كان ﷺ يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يصلي إلى جهة القبلة؛ لأن النافلة يتسامح فيها، وكان النبي ﷺ يصلي على راحلته الوتر وغيره، وأما الفريضة فإنه ينزل ويصلي في الأرض، ويستقبل القبلة فالنافلة يتوسع فيها ما لا يتوسع في الفريضة.

стр. 143

بعض الأحكام المتعلقة باستقبال القبلة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فيصلي كيفما أمكنه]. فالعاجز عن استقبالها لخوف معذور، وكذلك المطلوب الذي يطلبه العدو فإنه يصلي ولو إلى غير جهة القبلة، وكذلك في الحرب في صلاة الخوف فإن المحارب يصلي وهو يمشي ويركض إيماء، إن خاف من العدو، فهذا مستثنى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره، فيصلي كيفما أمكنه، ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبلاً الكعبة]. ويدخل في الخوف القتال.

стр. 144

صلاة الخوف وقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وقال الإمام أحمد: وردت صلاة الخوف على سبعة وجوه كلها ثابتة عن النبي ﷺ منها: أنه ﷺ صلى مرة تجاه العدو، فصفهم صفين، يكبر ويكبرون، ويركع ويركعون، فإذا جاء السجود سجد هو والصف الذي يليه، وجلس الصف الثاني يحرس فإذا قام من الركعة الثانية تقدم الصف الثاني، وتأخر الصف الأول، ثم يركعون جميعاً، ثم يسجدون، ويبقى الصف الثاني يحرس، فإذا سلم الإمام قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة هذا وجه من الوجوه وهناك وجوه أخرى، منها: أن النبي ﷺ صلى بهؤلاء ركعتين، وبهؤلاء ركعتين. ومن الأوجه أيضاً: أن النبي ﷺ صلى بهم ركعة، ثم أتموا لأنفسهم وذهبوا يحرسون ثم جاءت الطائفة الثانية وصلى بهم ركعة وسلم بهم، فقد جاءت على أنحاء مختلفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها]. أي: أنه إذا كان قريباً من الكعبة يشاهدها فلابد من أن يصيب عينها، وبعض الناس في المسجد الحرام تجده مائلاً عن الكعبة، فلا تصح الصلاة، بل لابد أن يكون مواجهاً للكعبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان بعيداً فإلى جهتها، وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى، ولا إعادة عليه]. أي: أن هناك فرق بين الحضر والسفر، فإذا كان في البلد فيسأل، ويستدل على المسجد، وينظر إلى محاريب المساجد، فإن اجتهد وصلى إلى غير القبلة فيجب عليه أن يعيد صلاته؛ لأنه غير معذور ما دام في البلد، بل لابد أن يسأل أو ينظر في المحاريب، وأما في البر فإنه يجتهد بحسب العلامات التي يعرفها، فإذا كان في الليل فينظر إلى نجم القطب، وينظر إلى الشمس وإلى القمر، ويسأل من يثق به، فإذا صلى إلى القبلة فصلاته صحيحة، فإن تبين بعد ذلك أنه صلى إلى غير جهة القبلة فلا يعيد؛ لأنه معذور، بخلاف إذا كان في الحضر. وإذا صلى المصلي أمام الإمام فلا تصح صلاته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه، ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه]. فإذا كان هناك شخصان في السفر ثم اجتهدا، فقال أحدهما: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا. فكل منهما يعمل على اجتهاده، ويصلي وحده، ولا يصليان معاً وإنما هذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد، وهذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد. والأعمى يقلد أوثقهما، فإذا كان هناك أوثق فيصلى معه، وكذلك الذي ليس عنده علامات، والذي لا يعرف فهو مثل الأعمى فيقلد أوثقهما. وكل منهما صلاته صحيحة، وكل له اجتهاده.

стр. 145

النية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها]. والنية معناها: أن ينوي أن الصلاة التي سيصليها هي صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو صلاة المغرب، ولابد منها؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وكذلك النية تقيد العمل، يعني: هل هذه صلاة فريضة أو نافلة أو راتبة أو وتر أو صلاة تراويح. ولا تنتقل الصلاة من نافلة إلى فريضة، ولكن الفريضة تنتقل إلى نافلة، وذلك مثل: إذا كان يصلي الظهر وحده وفي أثناء الصلاة جاء جماعة يصلون فيحولها إلى نافلة، وينويها نافلة ويصلي، ثم يدخل معهم إذا كان الوقت واحداً، أما إذا انتهى من الصلاة فليس له ذلك، فقد انتهى وانقضى الأمر، ولكن في أثناء الصلاة له أن يحول الفريضة إلى نافلة حتى يدرك الإمام ويصلي جماعة.

стр. 146

التطهير بالبخار والبخار لا يكفي للطهارة، وإنما لابد من الماء، إلا إذا قيل: إنه يخرج منه ماء، فهو لا يكفي وحده، إلا على مذهب الإمام أبي حنفية ﵀ الذي يرى أن النجاسة تطهرها الشمس والريح، والصواب أنها لا تطهر إلا بالماء، وأما أنها تطهر بالشمس والريح والاستحالة فهذا قول لبعض أهل العلم، والصواب: أنه لابد من الماء، ولا يزيل النجاسة البخار ولا الشمس ولا الريح. ولهذا لما بال الأعرابي في المسجد أمر النبي ﷺ بأن يُصب عليه ذنوباً من ماء ولو كانت الشمس تطهره لتركه حتى تشرق الشمس فتطهره ولا يصب عليه الماء. وهو عبارة عن محاليل كيماوية، وهذه مشكلة؛ لأنه لا يجوز استعمالها إذا كان فيها مادة مسكرة، والمقصود: أنه ينبغي ألا تغسل الثياب النجسة إلا بالماء.

стр. 147

آداب المشي إلى الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب آداب المشي إلى الصلاة. يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه]. أي: أن يمشي بهدوء ووقار، فيكون عليه وقار وطمأنينة؛ لأنه يقدم على بيت من بيوت الله ليؤدي هذه الفريضة العظيمة، فينبغي أن يكون على قدر من السكينة والوقار، ولا يتعجل ويسرع، والركض ينافي الأدب، فإن الأدب أن يأتي الإنسان إلى بيت الله وإلى الصلاة بسكينة ووقار وهدوء وطمأنينة. ويقارب بين خطاه حتى تكثر الحسنات؛ لأن إحدى خطاه تكتب له فيها حسنة، والأخرى يكفر بها عنه خطيئة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يشبك أصابعه]. أي: لا يشبك بين أصابعه إذا كان في ذهابه إلى المسجد وفي انتظار الصلاة، لما جاء في الحديث: (لا يشبكن أحدكم بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)، يعني: أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، أما إذا كان خارج الصلاة فلا بأس في التشبيك، وثبت في الصحيح في حديث ذي اليدين: (أنه لما صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي وسلم من ركعتين ذهب إلى خشبة معروضة منصوبة خلف المسجد فشبك بين أصابعه، واتكأ عليها، كأنه غضبان) يعني: يعتقد أنه انتهى من الصلاة، وقد بقي ركعتان عليه، (فدعا ذو اليدين فقال: أنسيت أم قصرت الصلاة؟) والشاهد: أنه شبك بين أصابعه، فدل على أنه بعد الصلاة لا بأس به، ولكن قبل الصلاة لا يشبك وإذا خرج إلى المسجد فهو في حكم المصلي، وكذلك وهو جالس قبل الصلاة فإنه في حكم المصلي، فلا يشبك بين أصابعه.

стр. 148

ما يقوله المصلي إذا دخل المسجد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول: باسم الله ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] الآيات إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]]. وهذا يحتاج إلى دليل، فإن المعروف أنه إذا دخل المسجد يقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. وأما هذه فلم يذكر هل يقولها عند دخول المسجد، أو يقولها وهو ينتظر الصلاة. وإذا اعتقد أنه المشروع في هذا المكان وليس له دليل فهو بدعة، ولكن إذا فعله على أنه دعاء عام فلا بأس، ولكن إذا كان يعتقد أنه مستحب وما عليه دليل فهو بدعة فلا يزيد ويأتي بشيء من عنده، فإن هذا يحتاج إلى دليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت]. وهذا جاء في حديث أبي سعيد، ولكن في سنده عطية العوفي وهو ضعيف وذكره الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة المشي إلى الصلاة بأنه يقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء، ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، -وفي لفظ أن تعيذني من النار- وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلى أنت)، وهذا الحديث فيه ضعف، وفيه: توسل بحق السائلين، ولكن لو صح فإن المراد بحق السائلين: الإجابة والإثابة، وهما من أفعال لله، فلو صح فليس هناك محذور ويمكن تأويله: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وحق سائلي الإجابة؛ لأن الله وعد السائلين بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، ولكن الحديث ضعيف فيُكتفى بما ورد، ويقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً اللهم أعطني نوراً، وزدني نوراً).

стр. 149

كراهة السعي إلى الصلاة وقت الإقامة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن سمع الإقامة لم يسع إليها لقول رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)]. إذا سمع المرء الإقامة فلا ينبغي له أن يسرع ويركض إليها ركضاً، لقوله ﷺ في الحديث: (إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا). ومثل الإقامة تكبيرة الركوع فلا ينبغي أن يركض أو يعجل الإنسان عند سماعها؛ لأنه إذا أسرع وركض يكون قد أتى بفعل مناف للأدب والوقار والسكينة، ويقبح بالمصلي أن يأتي إلى الصلاة وهو يلهث ولا يرتد إليه نفسه إلا بعد مدة، وإذا تأخر الإنسان عن تكبيرة الإحرام لعذر كعمل يستدعي بقاءه أو غيره من الأعذار وكان من عادته التبكير فسيكتب له أجره، أما إذا كان غير معذور، أو متساهل فلا يكتب له أجر التبكير، وكان عليه أن يمشي بسكينة. قال العلماء: إنه لا بأس أن يسرع المرء خطوة أو خطوتين، إذا كان في هذا إدراك للركعة.

стр. 150

إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة]. هذا لفظ حديث، ومعنى قوله: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، أي: إذا أقيمت الفريضة فليس له أن يبتدئ صلاة نفلٍ، وكذلك تلغى الصلاة التي هو فيها، فلا صلاة ابتداءً ولا صلاة استمراراً بل عليه إن كان قد بدأ بصلاة أن يقطعها إذا أقيمت الصلاة، ولا يحتاج إلى سلام، فالنية كافية، أما إذا كان في الركعة الأخيرة وقد رفع رأسه من الركوع، فإنه يتمها بشكل سريع ويكمل مع الإمام، أما إذا كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها. وقد يستدل البعض على عدم قطع النافلة إذا أقيمت الصلاة بحديث: (لا تبطلوا أعمالكم). و الجواب أن هذا عام، وحديث: (لا صلاة إلا المكتوبة) خاص، والخاص يقضي على العام عند أهل العلم، فقوله: (لا تبطلوا)، أي: لم تقم الصلاة، فإذا لم تقم الصلاة فالمستحب أو الأولى أنك تبقى وتتم صلاة النافلة.

стр. 151

ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك]. وقد جاء في دعاء دخول المسجد وهيئتها في عدة أحاديث، وبعضها فيها انقطاع؛ لأنها من رواية فاطمة الصغرى عن فاطمة الكبرى وهي فاطمة بنت النبي ﷺ ، إلا أن مجموع الأحاديث يدل على ثبوت هذا، والتسمية تؤخذ من الأدلة العامة فيكون مجموعها فيه كلام طويل من عدة أحاديث، ومنها: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وأعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال هذا الدعاء إلا أنه يقول: افتح لي أبواب فضلك، بدلاً عن أبواب رحمتك؛ لأنه في دخوله يسأل رحمة الله وفي خروجه يسأل الله من فضله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩ - ١٠].

стр. 152

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٣] يقول ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليقطع بذلك أي توسع وأي زيادة أو نقصان في الصلاة، وذلك لأهميتها فإنه لا ينبغي على الإنسان أن يصلي لله وينتهج منهجاً غير الذي رسمه وبينه ووضحه الرسول الكريم ﵊.

стр. 153

صفة الصلاة

стр. 154

تكبيرة الإحرام وصفتها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صفة الصلاة. وإذا قام إلى الصلاة، قال: الله أكبر، يجهر بها الإمام وبسائر التكبير، ليسمع من خلفه ويخفيه غيره]. من السنة، أن يجهر الإمام بالتكبير، وأن يسرالمأموم. وأول أركان الصلاة تكبيرة الإحرام، ولا تنعقد الصلاة إلا بها، ومعلوم أن النية تتقدمها، وكذا استقبال القبلة، والطهارة، فكل هذه شروط تتقدمها، ثم إن أول ركن من أركان الصلاة أن يقول: الله أكبر، ولا يجزئ غيرها، فإذا قال: الله الأعظم أو الأجل لا يصح، ولا بد من الإتيان بها للإمام والمأموم والمنفرد، فمن لم يكبر بتكبيرة الإحرام فصلاته باطلة، وقوله: (يجهر بها الإمام حتى يسمع من خلفه)، لا يخصها وحدها بل كذلك ينبغي أن يجهر بباقي التكبيرات، وقد كان بنو أمية يسقطون التكبيرات، وهذا من الأشياء التي أحدثوها وهي خلاف السنة، فالسنة إثبات التكبيرات -تكبيرة الإحرام وتكبيرة الانتقال- إذ إن لكل صلاة تكبيرات انتقال مع تكبيرة الإحرام، وعددها اثنان وعشرون تكبيرة في الرباعية، وسبع عشرة في الثلاثية، وست عشرة في الثنائية، وكلها لا بد منها، لكن التكبيرة الأولى وهي تكبيرة الإحرام ركن بالاتفاق، ومن لم يأت بها بطلت صلاته، ولا بد أن تكون بلفظ التكبير، فإذا أبدله بغيره لم يصح، وهذا يروى عن أبي حنيفة أن يقول: إنه يصح أن يقال: الله الأعظم أو الأجل، وهذا ضعيف ولا يعتمد عليه. وقد يقول قائل: كيف كان بنو أمية ينتقلون من ركن إلى ركن بدون تكبير؟ و الجواب أنهم كانوا يسكتون، ولهذا لما كبر بعضهم أنكر عليه بعضهم وقال: ما رأيت شيخاً أحمق من هذا الشيخ كان يكبر على أن تلك هي السنة، وقيل: أن بعض التابعين روى ذلك عن ابن عباس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه]. ومن السنة أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام حتى تكون حذو منكبية، أو إلى فروع أذنيه، وذلك لما جاء في الصحيحين وغيرهما أنه كان يحاذي منكبيه، وجاء في حديث آخر أنه كان يحاذي فروع أذنيه، وقد اصطلح العلماء في الجمع بينهما، فمن العلماء -كـ النووي وغيره- من قال: إن أطراف الأصابع تحاذي فروع الأذنين، والكف يحاذي المنكبين. والقول الثاني: أن يفعل الصفة الأولى تارة والثانية تارة، وهذا هو الصواب، ويكون هذا الاختلاف من اختلاف التنوع لا التضاد، يرفع المصلي يديه في أربعة مواضع في: تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعن الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، ويكون الرفع في هذه المواضع الأربعة، تارة إلى فروع الأذنين، وتارة إلى حذو المنكبين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه ويجعلهما تحت سرته]. قوله: يرفع عند التكبير، أي: يبدأ الرفع عند التكبير وينتهي عند التكبير، وهذه هي السنة، أما ما يفعله بعض الناس من رفع قبل التكبير أو لا يرفع إلا بعد التكبير فهو خلاف السنة، إنما السنة أن يرفع يديه عند ابتداء التكبير وينهيه مع نهاية التكبير. أما جعل اليدين تحت السرة فهو ضعيف؛ لأنه ورد من حديث علي ﵁: (من السنة قبض اليمين على الشمال وجعلهما تحت سرته)، وهذا حديث ضعيف، والصواب حديث قبيصة بن هلب أنه يضعهما فوق صدره، فيضع اليمين على الشمال ويضعهما فوق صدره، وهذا هو الثابت والسنة. وعلى كل حال فالرفع كله سنة، لكن السنة أن يكون عند ابتداء التكبير وينهيها مع انتهاء التكبير، ولو ترك هذا لا يأثم، لأن ذلك ليس بواجب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجعل بصره إلى موضع سجوده]. ومن السنة في الصلاة كذلك أن يجعل بصره إلى موضع سجوده؛ حتى لا يتشتت فينظر يميناً وشمالاً، وإنما يجعل بصره على موضع سجوده؛ ليكون بذلك أخشع له.

стр. 155

دعاء الاستفتاح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك]. وهذا الدعاء يسمى: دعاء الاستفتاح، فبعد أن يكبر تكبيرة الإحرام، يسن له أن يستفتح بهذا الدعاء ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. فقوله: (سبحانك) تنزيهاً لله، أي: ننزهك يا الله! تنزيهاً لائقاً، قوله: (وبحمدك) أي: أجمع لك بين التنزيه والتحميد، وقوله: (وتبارك اسمك) من البركة، أي: تبارك اسمك يا الله! فإن البركة تنال باسمك، وقوله: (وتعالى جدك) أي: ارتفعت عظمتك، فالجد معناه هنا: العظمة، والجد له معان: فيطلق على العظمة كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:١ - ٣]، أي: عظمته. ويطلق الجد على أب الأب، ويطلق الجد على الحظ، ومنه الدعاء الوارد بعد الصلاة: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينفع صاحب الحظ منك الحظ، والمراد بصاحب الحظ أي: حظه من الجاه والمال والغنى والسلطان، كل ذلك لا ينفع إلا إذا استعمله المرء في طاعة الله. قوله: (ولا إله غيرك): فالإله هو المعبود، والمعنى: ولا معبود بحق سواك. ويزيد بعض العامة: (ولا معبود سواك) وهذا غلط؛ لأن معنى: (لا معبود سواك) هو نفسه: (لا إله غيرك) فتصبح زيادته تكراراً لا معنى لها. وهذا الدعاء هو أقصر ما ورد في الاستفتاح، وهو أفضل الاستفتاحات؛ لأن المرء إذا أتى به فقد أتى بتنزيه وثناء على الله، وثبت أن عمر ﵁ كان يلقنه الناس على منبر النبي ﷺ ، وهناك استفتاح آخر وهو أصح منه، وهو أن يقول: (اللهم! باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم! نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم! اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وقد رواه الشيخان عن أبي هريرة، وإن كان الأول ثابت لكنه أفضل في ذاته؛ ولأن فيه ثناء وتنزيه لله وإن استفتح باستفتاحات أخرى مثل ما جاء في حديث عائشة في صحيح مسلم: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، فحسن. وقد ثبت استفتاح آخر وهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحيياي ومماتي لله رب العالمين، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) وهو استفتاح طويل، وقد وردت في قيام الليل استفتاحات طويلة، في بعضها الشهادة بأن الجنة حق وأن النار حق وأن النبيين حق وأن الساعة حق وهو استفتاح طويل رواه ابن عباس، كذلك: (اللهم رب جبرائيل)، ورد في قيام الليل، أما في الفريضة فيستفتح بأحد الاستفتاحين: إما: (سبحانك اللهم وبحمدك)، أو (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، فهما استفتاحان مختصران، أحدهما أصح من الآخر، والثاني أفضل في ذاته وأخصر ويحفظه العامة والخاصة، أما: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، فهو وإن كان أصح فقد رواه الشيخان إلا أن بعض الناس لا يحفظه، والأمر في هذا واسع، ودعاء الاستفتاح غايته أنه مستحب وليس بواجب وهو سنة. وكل صلاة لها استفتاح، سواء نافلة كصلاة التراويح والرواتب والقيام، أو فريضة كالصلوات الخمس. ولا يشرع الجمع بين الاستفتاحين، ولكن يستفتح بهذا تارة وهذا تارة، وهذه هي السنة. ولو قال قائل: هل يستفتح إذا جاء المصلي أثناء الصلاة؟ و الجواب أنه إذا كانت الصلاة سرية ولا يخشى أن يركع الإمام فيستفتح، أما إذا خشي المصلي أن يركع الإمام فيقتصر على الفاتحة؛ لأن الفاتحة واجب في حق المأموم، ودعاء الاستفتاح مستحب، أما إذا جاء في الصلاة الجهرية فلا يستفتح، بل يقتصر على الفاتحة؛ لأنه مأمور بالإنصات، والفاتحة مستثناة على الصحيح، وجمهور العلماء يرون أن الفاتحة لا تقرأ في الصلاة الجهرية، وأن قراءة الإمام كافية. ومن الاستفتاحات الواردة أيضاً: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وإذا استفتح بهذا فهو حسن.

стр. 156

حكم الاستعاذة والبسملة قبل قراءة الفاتحة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم]. ويسن للمصلي كذلك بعد التكبير والاستفتاح أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى (أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا الله! من شر هذا الشيطان العدو اللدود، الذي يريد أن يفسد علي عبادتي، فهي استعاذة والتجاء واعتصام واحتماء بالله من شر الشيطان. ولا يصح أن يتعوذ في كل ركعة، بخلاف (البسملة) فإنها مستحبة في كل ركعة قبل الفاتحة وقبل أول كل سورة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ولا يجهر بشيء من ذلك: لقول أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم]. والسنة عدم الجهر بالبسملة، وهي مستحبة في كل ركعة كما سبق، أما التعوذ فيكون في الركعة الأولى، ولا يجهر بها كما في حديث أنس وفي رواية أخرى: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أرهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءتهم ولا في آخرها)، وجاء في غير الصحيح: أنهم كانوا يسرون، والسنة الإسرار فيتعوذ سراً ويبسمل سراً، وإن جهر بها بعض الأحيان لتعليم الناس فلا بأس، فإن أبا هريرة جهر بها والشافعية يرون الجهر بها، لكن الأفضل والسنة عدم الجهر بل يسر بها، ويبدأ الجهر بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]. ولا يشرع لمن جهر بها سجود السهو؛ لأن العلماء يقولون: الجهر والإسرار من السنن.

стр. 157

الأقوال الواردة في قراءة المأموم للفاتحة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه]. ولا بد لكل مصل أن يقرأ الفاتحة، سواء كان إماماً أو منفرداً، ومن لم يقرأها في كل ركعة لم تصح صلاته، وذلك لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، ولا بد أن يأتي بها كاملة بحروفها، وهي إحدى عشرة شدة، إذا أسقط حرفاً من حروفها بطلت الصلاة، ولا بد أن يأتي الإمام بالفاتحة فإنها ركن في حقه، أما المأموم فقد اختلف العلماء في حكمها، فقال جمهور العلماء: إنها تسقط عن المأموم ويكتفي بقراءة الإمام ولا سيما في الصلاة الجهرية، وقال آخرون: يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية، وقال آخرون: إن قراءة الفاتحة مستثناة ولا بد من قراءتها، لقول النبي ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فتكون مستثناة من الأمر بالإصغاء للإمام، والأقرب أن يقرأها المأموم ولو في الجهرية فإن سكت الإمام قرأها مترسلاً، وإلا سردها، لما جاء في الحديث أن النبي قال: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟! قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، وهو حديث سنده جيد وهو من حديث عبادة بن الصامت، فتكون الفاتحة على الصحيح مستثناة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقد أجمع العلماء على أن هذا الأمر بالإصغاء تدخل فيه الصلاة، فيجب الإنصات إلا عند قراءة الفاتحة، وفي صحيح مسلم في الحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا)، يستثنى منه الفاتحة وتكون الفاتحة مستثناة ويقرؤها المأموم. ومن قال: يقرأ في السرية والجهرية، استثنى فيما إذا أدرك الإمام راكعاً فإنها تسقط عنه في هذه الحالة لحديث أبي بكرة أنه جاء والنبي ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم دب دبيباً حتى دخل في الصف، فلما سلم النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، أي: لا تعد فتركع قبل أن تدخل في الصف، ولم يأمره بقضاء الركعة، فدل على أن الفاتحة تسقط عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً. وذهب آخرون من أهل العلم أنها لا تسقط حتى لو أدرك الإمام راكعاً، ويقضي هذه الركعة إذا لم يقرأ الفاتحة، وممن ذهب إلى هذا الإمام البخاري ﵀، وشدد في هذا وألف مؤلفاً خاصاً سماه (جزء القراءة). فتكون الأقوال في هذا: القول الأول: تسقط عن المأموم مطلقاً سواء في السرية أو الجهرية، فلا يقرأ المأموم مطلقاً. القول الثاني: يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية. القول الثالث: لا بد من قراءتها في السرية والجهرية إلا أنها تسقط عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً. القول الرابع: لا تسقط ولو أدرك الإمام راكعاً. وأرجح هذه الأقوال كما تقدم هو أن المأموم يقرؤها في سكتات الإمام، فإذا لم يكن للإمام سكتات سردها، إلا إذا أدرك الإمام راكعاً فإنها تسقط عنه جمعاً بين النصوص. ولا يدخل المسبوق في قول النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، فإنه معذور ولم يستطع قراءة الفاتحة، ولذا يتحملها عنه الإمام، وتسقط عنه في هذه الحالة، ومن لم يستطع قراءتها وجاء في آخر الركعة له حكم من أدرك الإمام راكعاً، وكذلك إذا نسيها فإنه يكون معذوراً؛ لأنها واجب مخصص، وكما لو قلد من يقول من أهل العلم بأن المأموم لا يقرأ في الجهرية فصلاته صحيحة؛ لأنها واجب مخصص أقل من الركن، بخلاف الإمام والمنفرد فهي ركن في حقهما، فلا تسقط مطلقاً. والمسبوق الذي يجد الإمام ساجداً أو جالساً أو على أي حال فيدخل معه ولا ينتظر حتى يقوم إلى ركعة جديدة. ومن تركها سهواً أو عمداً أو جهلاً بطلت صلاته، وإذا ترك الإمام في ركعة سقطت هذه الركعة وصارت الركعة التي بعدها عوضاً عنها، أما المأموم: فقد اختلف العلماء فيها على أقوال: منهم من قال أنها مستحبة في السرية والجهرية واستدل بحديث: (من كان له إمام فقراءته له قراءة)، لكنه حديث ضعيف عند أهل العلم. وقال آخرون: تجب في السرية وتستحب في الجهرية، وهذا مذهب الجمهور. وقال آخرون من أهل العلم: إنها واجبة، لكنها واجبة واجباً مخصصاً، وليست ركن في حقه في الجهرية والسرية، واستدلوا بقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقالوا إن هذا عام، وأنها مستثنى مخصص لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقوله ﵊ في صحيح مسلم: (وإذا قرأ فأنصتوا)، يعني: الإمام، فاستثنوا منه الفاتحة، واستدلوا بحديث: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم، قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، وهو حديث لا بأس به من أحاديث البلوغ، فيكون مخصصاً للعموم، وهذا هو الأرجح، فيقرأها في سكتات الإمام إن كان له سكتات، وإن لم يكن له سكتات سردها، وهذا هو الأحوط. فإذا جاء والإمام راكع سقطت، أو إذا جاء ولم يتمكن من قراءتها أو نسيها أو قلد من يقول بأنها ليست واجبة تسقط في حقه.

стр. 158

استحباب قراءة سورة من القرآن بعد سورة الفاتحة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوسطه]. والسنة أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في جميع الصلوات في الركعة الأولى والثانية من الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وتكون في الفجر من الطوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، والمفصل من أول سورة (ق)، وطواله إلى (عم) ومن (عم) إلى الضحى من أوساطه، ومن الضحى إلى آخر القرآن من قصاره، وينبغي للإمام أن يقرأ في الأغلب من طواله، وإنما يقرأ كثيراً من المفصل لما فيه من فائدة للمأمومين بحفظ سور المفصل، وإن قرأ من غير المفصل فلا حرج. وأول المفصل سورة (ق) فيقرأ مثلاً: (ق)، والذاريات والنجم والطور والمجادلة والحشر والصف وهكذا وإن قرأ بغيرها فلا بأس، وكان النبي ﷺ يقرأ الستين إلى المائة في الفجر كما جاء في الأحاديث الصحيحة. (وفي المغرب من قصاره)، يعني: في الغالب، ولكن لا مانع أن يقرأ من طوال السور في بعض الأحيان، فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ: القمر والمرسلات والطور، وثبت أنه قرأ أيضاً بسورة الأعراف، وقد فعلها مرة واحدة وهي جزء وربع، ولا ينبغي للإمام أن يكثر من قراءتها؛ لأن هذا قد يشق على الناس، وقد يسبب فتنة لبعضهم، إلا إذا كان في مكان خاص، أو في بلدة خاصة، أو في مزرعة، واتفق أن يقرأ معهم سورة الأعراف، فلا بأس أن يفعل السنة، فالنبي ﷺ قرأها مرة واحدة، وينبغي للإنسان أن ينوع ولا يلازم القصار دائماً، وقيل: إن ملازمة القصار في المغرب سنة مروان الحمَّار، أما الرسول ﷺ فكان يقرأ أحياناً وأحياناً، وقراءته في الغالب من القصار، وفي بعض الأحيان يقرأ من الطوال، كما قرأ النبي ﷺ بالمرسلات، فيقرأ الإمام المرسلات تطبيقاً للسنة، وله في بعض الأحيان أن يقرأ من سورة الطور، أو من سورة القمر، لكن ينبغي أن تكون غالب قراءته من القصار، وفي الظهر والعصر والعشاء من السور متوسطة الطول، وقد صح أن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (أفلا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١]). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك]. ومن السنة أن يجهر الإمام في الفجر وفي الأوليين من المغرب والعشاء، وفي الجمعة وفي صلاة الكسوف وفي صلاة العيد ويسر فيما عدا ذلك.

стр. 159

الركوع وصفته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول]. ويسن أن يكبر للانتقال للركوع والسجود والرفع، وهذه تكبيرات مستحبة عند جمهور العلماء، والقول الثاني: أنها واجبة وهو مذهب الحنابلة، والقول بوجوبها قوي، فتكبيرات الانتقال، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: رب اغفر لي، وسبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، كلها مستحبة عند الجمهور وهي واجبة عند الحنابلة؛ لأن النبي ﷺ حافظ عليها، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والركوع هو الركن الرابع من أركان الصلاة، وبعد تكبيرة الإحرام والقيام والفاتحة، وهو أن يهوي ويضع يديه على ركبتيه، ويلقم راحتيه ركبتيه، ويمد صلبه ويجعل رأسه محاذياً لظهره لا يرفعه ولا يخفضه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ويجعل رأسه حياله، ثم يقول: سبحان ربي العظيم. ثلاثاً]. فالركوع ركن كما تقدم، أما كونه يلقم يديه ركبتيه ويفرج بين أصابعه ويمد صلبه ويجعل رأسه حياله، فهذا من المستحبات ومن كمال الصلاة، والواجب هو الهوي، فإذا هوى ووصلت يداه إلى ركبتيه فقد أدى الواجب، لكن كونه يمد صلبه، ويلقم يديه راحتيه، وكونه يجعل رأسه حياله، كل هذا من المستحبات ومن كمال الصلاة. والبعض يرفع يديه بعد القيام من الركعة الرابعة وهذا ليس بمشروع، وكذلك عند السجود وعند الرفع من السجود، وقد جاء في حديث ضعيف رواه بعض السلف لكنه لا يصح، والصواب: أنه لا يشرع الرفع إلا في المواضع الأربعة المذكورة، ويبين لمن يفعل ذلك فربما أنه اطلع على حديث ضعيف أو قلد، فيبين له أن المشروع إنما هو في المواضع الأربعة. ومن قال ذلك فقد استند إلى حديث ضعيف، وهو حديث ابن عمر ﵁ أنه كان يرفع يديه عند السجود، وعند الرفع من السجود، والحديث في سنن أبي داود وغيره، فلا يعمل به، وإنما السنة الرفع في هذه المواضع الأربعة الثابتة في الصحيحين.

стр. 160

الرفع من الركوع وما يقال عند القيام من الركوع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كرفعه الأول]. ومن الأركان الرفع من الركوع، ورفع اليدين عنده سنة كما سبق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد]. وهذا الذكر واجب عند الحنابلة، ومستحب عند الجمهور، وقول: ربنا لك الحمد، فيه أربع سنن: الأولى: ربنا ولك الحمد. الثانية: ربنا لك الحمد. الثالثة: اللهم ربنا ولك الحمد. الرابعة: اللهم ربنا لك الحمد. بحذف الواو وإثباتها، وكل هذه الصيغ ثابتة في الأحاديث الصحيحة، والواجب: ربنا ولك الحمد، وما زاد عليه مستحب، فيستحب أن يتبعها بقوله: حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. والإمام والمنفرد يجمع بين قوله سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، أما المأموم فلا يجمع بينهما، بل يقول: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجمع بينهما واستدلوا بحديث لكنه حديث ضعيف، ويدل على هذا أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) ولم يقل: فقولوا سمع الله لمن حمده، أما ما ذهب إليه بعض العلماء من الأحناف وغيرهم من كون المأموم يجمع بين التسميع والتحميد فهو ضعيف، إنما يجمع بين التسميع والتحميد الإمام والمنفرد، أما المأموم فيقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد].

стр. 161

السجود وصفته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يخر ساجداً مكبراً ولا يرفع يديه]. وهذا هو الصواب، أي: أن يخر ساجداً بدون رفع يديه، وما جاء في بعض الأحاديث أنه كان يرفع يديه فهو ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه]. قوله: (أول ما يقع على الأرض ركبتاه ثم يداه)، عملاً بما جاء في حديث وائل بن حجر: (إذا سجد أحدكم فليسجد على ركبتيه ويديه، لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير)، وأما حديث أبي هريرة ففيه: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)، وقد اختلف العلماء في التوفيق بين الحديثين، ذكر العلامة ابن القيم ﵀، أنه حصل انقلاب من بعض الرواة، في حديث أبي هريرة: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)، والأصل: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، وذلك؛ لأن البعير إنما يضع يديه قبل ركبتيه، فإذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد شابه البعير، فالبعير إذا برك بدأ بيديه، وعلى هذا فيكون حديث أبي هريرة: (لا يبرك أحدكم في السجود كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)، وحدث انقلاب من بعض الرواة، والأصل: أن يضع ركبتيه قبل يديه. وقال آخرون: بل إن هذا هو مقصود النبي ﷺ أي: وضع الركبتين قبل اليدين؛ لأن ركبتي البعير في يديه، وعلى كل حال في المسألة اختلاف بين أهل العلم، وفيها كلام للشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، وقد أقر أنه يضع يديه قبل ركبتيه، لكن الأولى الذي عليه جمهور العلماء والذي قرره المحققون ومنهم العلامة ابن القيم والذي عليه أئمة الدعوة: أنه يضع ركبتيه قبل يديه، أي: يبدأ بالأقرب فالأقرب، فيبدأ بالركبتين ثم اليدين، وبالعكس عند النهوض فينهض بيديه ثم ركبتيه. والقول الثاني على العكس من الأول، وهذا كله من باب الاستحباب، وإلا فلو وضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه. فلا حرج عليه. ويستحب العمل بذلك إذا لم يكن على الإنسان مشقة، أما إذا كان مريضاً، أو كبير السن فلا حرج كونه يضع يديه؛ لأن الأرفق به أن يضع يديه قبل ركبتيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه]. وهذا هو المختار والمستحب إن تيسر، وهذه هي الأعضاء السبعة التي لا بد أن يحرص المصلي أن يسجد عليها، وهي يديه وركبتيه، وأطراف القدمين، والجبهة والأنف، فلو رفع واحداً منها من أول السجود إلى آخره لم يصح السجود، لكن لو رفع عضواً منها في بعض السجود ثم أعاده فلا شيء عليه. وكل هذا من باب الاستحباب، والأمر فيه سعة والحمد لله، ولا ينبغي التشدد في مثل هذا الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجافي عضديه عن جنبه وبطنه عن فخذيه، ويجعل يديه حذو منكبيه]. والسنة المجافاة: وهي أن يجافي عضديه عن جنبيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويجافي فخذيه عن ساقيه، ويجعل يديه حذو منكبيه، أي: يجعل اليدين تحاذي المنكبين مثل رفع التكبير فتضع يديك حذو المنكبين، ويكون الرأس بين اليدين. وعلى هذا فلا يشرع مد الصلب مداً طويلاً كما يفعل بعض الشباب، ولا ينبغي أن يتكلف الإنسان في مد صلبه بل يجب أن يفعل كفعل النبي ﷺ ، فإنه كان يجافي حتى لو مرت بهيمة بين جنبيه لدخلت. أما بالنسبة للمرأة فإن الفقهاء يقولون: تضم نفسها، أي: لا تجافي؛ لأنها عورة، لكن ظاهر الأحاديث أنها كالرجل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكون على أطراف قدميه]. أي: يثنيهما حتى يستقبل المصلي بأطراف القدمين القبلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحان ربي الأعلى. ثلاثاً]. ومن السنة أن يقول المصلي: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وتجزئ الواحدة، وأعلاها في حق الإمام عشر، فقد كان يحسب للنبي ﷺ عدد تسبيحات الركوع والسجود، كما وصف أنس صلاة النبي ﷺ ، فذكر أنها عشر تسبيحات مع التدبر، وكان يطيل هذين الركنين، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، وقف حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجود قال: رب اغفر لي، وجلس حتى يقول القائل: قد نسي، الملاحظة أن بعض الأئمة لا يطيل في هذين الركنين، بل يقصر ولا سيما الأحناف؛ لأن الأحناف يخلون بالركنين، فما أن يتم الإمام قوله: سمع الله لمن حمده، حتى يهوي قائلاً: الله أكبر، ولا يستتم قائماً، وكذا في الجلوس بين السجدتين ما إن يتم قوله: الله أكبر رب اغفر لي، حتى يكبر للسجدة الثانية من دون طمأنينة، وهذا الفعل غير صحيح بل ينبغي الطمأنينة في هذين الركنين وعدم العجلة. وإذا أفرط المصلي في ترك الطمأنينة بطلت الصلاة، إذ لا بد منها في كل ركن، والطمأنينة: هي السكون والركود حتى يعود كل مفصل إلى موضعه، لكن إذا وجد أدنى طمأنينة حصل الركن. لا يوجد شك، قال الإمام أحمد ﵀ في رسالة الصلاة صليت بمائة مسجد في الصف الأول فما وجدت أحداً يقيم صلاة كصلاة رسول الله ﷺ ، وقال: أخشى أن يكون هذا الزمان الذي جاء فيه الحديث، (يأتي زمان على الناس يصلون ولا يصلون)، أي: يصلون صلاة صورية ولا يصلون صلاة حقيقة، فكيف بالقرون المتأخرة؟ وعندما يسجد المصلي ينبغي أن يفرق بين قدميه، أي: ينزل بينهما فرقاً يسيراً، فقد جاء عن عائشة أنها قالت: (فقدت النبي ﷺ فوضعت يدي على قدميه)، وبه استدل بعضهم على أن النبي ﷺ لا يفرق بينهما، وهذا لا يدل على أنهما متلاصقتين؛ لأن يدها قد تمس القدمين كل واحدة على حدة وإن كان بينهما فرجة. مداخلة: إذا كان المصلي خلف الإمام، فهل يقدم الطمأنينة على المتابعة؟ الشيخ: إذا كان لا يطمئن الإمام فإن الصلاة غير صحيحة إذ إن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فإذا كان لا يستطيع أن يطمئن قائماً، ولا يستطيع أن يطمئن في السجود حتى يعود كل مفصل إلى موضعه أو في الركوع فإن الصلاة باطلة، وعلى ذلك تقدم الطمأنينة. لكن لا أظن -إن شاء الله- أن يوجد مثل هذا، وإن وجد فهو قليل.

стр. 162

صفة الجلوس بين السجدتين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يرفع رأسه مكبراً ويجلس مفترشاً، فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويثني أصابعها نحو القبلة]. ومن السنة أن يفرش المصلي رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويثني أطراف أصابع الرجل اليمنى، ويكون مستقبلاً بها القبلة، وهذا من باب الاستحباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول: رب اغفر لي، ثلاثاً]. أي: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، ثلاثاً وهذا مستحب، والواجب مرة، والقول الثاني: أنه مستحب، وإذا زاد معه: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني، فإنه حسن. مداخلة: بعض الأئمة يطيلون في الصلاة مما يسبب ترك الجماعة من قبل بعض المأمومين. الشيخ: السنة حاكمة على الناس، فالذي يصلي في البيت بحجة أن الإمام يطيل معناه: أنه يريد أن ينقر الصلاة كنقر الغراب، وبعض الناس يستدل بقوله ﷺ : (أفتان أنت يا معاذ؟!)، على ذلك، ولا ينظر إلى الأحاديث الأخرى، والعلماء قد بينوا أن قوله: (أفتان أنت يا معاذ)، وكان هذا حين قرأ معاذ سورة البقرة كاملة، ومن اشتكاه إلى النبي ﷺ كان قد جاء متعباً بعد أن عمل طول نهاره في مزرعته، فلما جاء وصفَّ مع معاذ، قرأ معاذ سورة البقرة كلها فشق ذلك عليه فاشتكاه إلى النبي ﷺ فقال له: (أفتان أنت يا معاذ؟! أفلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى)، ولم يقل له انقر الصلاة نقر الغراب، كما أن الرسول ﷺ الذي قال: (أفتان أنت يا معاذ؟)، هو الذي كان يسبح عشر تسبيحات، وهنا لا يتناقض قوله مع فعله، فإنه إذا سبح عشر تسبيحات مع التدبر، قد فعل التخفيف وهو القائل: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)، وإذا سبح خمسين تسبيحة كانت تلك تطويل، والسنة أن يجمع بعضها إلى بعض، وصلاة الرسول ﷺ هي التخفيف، وما زاد عنها فهو تطويل، وقد بين ابن القيم ﵀ ذلك في رسالة الصلاة، وهي رسالة ينصح بقراءتها، فقال: بعض النقارين والسارقين لصلاتهم لا يعرفون من الأحاديث إلا (أفتان أنت يا معاذ؟!)، فيأخذونها ويتركون النصوص الأخرى، هذا إن صح، وإن كان يصلي، فلا يلزم الجمع، فلو كان للإنسان حاجة، كما لو كان يريد أن يشتري أرضاً، أو سيارة أو غيرها من العقار لجلس الساعات الطويلة في شدة الحر، أما أن يصبر خمس دقائق ليصلي مع الإمام فلا. ومن السنة أن تكون أركان الصلاة متناسبة، كما كانت صلاة النبي ﷺ ، فقد جاء في صفة صلاة النبي عن أنس أنه قال: (صليت مع النبي ﷺ فرأيت ركوعه فسجوده فرفعه من الركوع، وجلسته بين السجدتين قريباً من السواء)، وفي لفظ: (ما خلا القيام والقعود)، أي: إلا القيام الذي فيه القراءة والتشهد، أما بقية الأركان كالسجود والركوع، والرفع من الركوع، والرفع من السجود، فينبغي أن تكون متناسبة ومتقاربة، ويحدث أن بعض الناس يطيل الركوع ويخفف السجود أو يطيل السجود ويخفف الركوع، أو يطيل الرفع مع الركوع، ويخفف الرفع بين السجدتين، وهذا غير صحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى]. أي: يفعل في السجدة الثانية كما فعل في الأولى.

стр. 163

صفة الجلوس للتشهد الأوسط وما يقال فيه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يرفع رأسه مكبراً، وينهض قائماً فيصلي الثانية كالأولى. فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة]. إذا كانت الصلاة ثنائية كالجمعة والنافلة والفجر، فيضع المصلي يده اليسرى على الفخذ اليسرى، والثانية كذلك، أو يضع أطراف الأصابع على الركبتين، وقد وردت الهيئتان، وأما في التشهد الأول فتكون اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، واليد اليمنى يقبض الخنصر والبنصر ويحلق ويجعل الوسطى مع الإبهام حلقة ويشير بالسبابة، وهذه إحدى الصفات، وفي الصفات الأخرى أنه يقبضها كلها ويشير، وقد وردت في ذلك صفات متعددة وهذا كله من باب الاستحباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشير بالسبابة في تشهده مراراً] والسنة أن تكون منصوبة إشارة إلى التوحيد وفيما ذكره المؤلف خلاف وكأنه يشير بها في بعض الحالات، والسنة أنها تكون منصوبة ويحركها عند الدعاء إشارة إلى التوحيد. ولا يفعل المصلي هذا بين السجدتين فالمعروف عند العلماء أنه لا يفعل هذا إلا عند التشهد، وقد جاء في حديث عند الإمام أحمد بهذا وهذا يحتاج إلى مراجعة. وعن القراءة يفضل أن يقرأ سورة في كل ركعة إذا أمكن، ولم تكن السورة طويلة، وإن كانت السورة طويلة وقسمها بين الركعتين فلا بأس. وبعض الأئمة يقرأ القرآن في الفرائض كلها بالترتيب، وبعضهم يقرأ في الفجر والعشاء في رمضان ويجعلهما مع قراءة التراويح، وهذا ليس بمشروع، ولم يفعل النبي ﷺ ولا الصحابة ذلك، والأولى أن يكون للتراويح قراءة خاصة، والفرائض كذلك كما فعل النبي ﷺ ، فقد كان يقرأ في الفجر من المفصل، أما كونه يقرأ القرآن بالترتيب فتركه أولى؛ لأن هذا لم يفعله الرسول ﷺ ولا الصحابة، ولو كان من يفعل ذلك من أئمة الدعوة. والأولى أن يقرأ سوراً معينة من المفصل حتى يحفظ الناس سور المفصل، وإذا أراد المراجعة فالأوقات واسعة والحمد لله.

стр. 164

ألفاظ التشهد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]. وهذا يكون في الجلسة للتشهد الأول، والتشهد الثاني يقول منه: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وهذا التشهد الثابت في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ وهو أصح التشهدات؛ لأن النبي ﷺ علمه ابن مسعود، عندما قال: علمني التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني سورة من القرآن: (التحيات لله، والصلوات والطيبات)، وهناك تشهدات أخرى منها تشهد ابن عباس وهو: التحيات لله المباركات الصلوات الطيبات، وتشهد أبي موسى وفيه اختلاف في تقديم الألفاظ وتأخيرها، لكن أصح ما جاء في التشهد هو التشهد السابق: التحيات لله، والصلوات والطيبات، والواو التي قبل الطيبات، تفيد معنىً جديداً، بخلاف تشهد ابن عباس فقد قال فيه: التحيات لله المباركات الطيبات فجعله وصفاً لشيء واحد، (والتحيات) أي: التعظيمات بجميع أنواعها كلها لله الملك، فله الكبرياء والعظمة، والجبروت والسلطان، والقدرة التامة، والعلم التام، والقهر التام، فجميع التعظيمات كلها لله، ملكاً واستحقاقاً، كما أن له الحمد بجميع أنواع المحامد ملكاً واستحقاقاً. والله تعالى يحيىَّ ولا يسلم عليه وكان الصحابة في أول الهجرة يقولون في التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لهم النبي ﷺ : (لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام ومنه السلام) ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات. (والصلوات): المراد بها الصلوات الخمس، وقيل: الدعوات، ولا مانع من شمول الأمرين، فالصلوات الخمس وغيرها من أنواع الصلوات، وكذلك الدعوات كلها لله، وهو يدعى ويُصلى له ويركع ويسجد له. (والطيبات): وهي الأعمال الطيبة من الأقوال والأعمال وكلها لله، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. فبدأ أولاً بحق الله بالترتيب، والذي رتب هذا الترتيب هو وحي من الله، أولاً: تعظيم الله والثناء عليه: (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثم بعد ذلك السلام على النبي فتقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) (السلام): اسم من أسماء الله، وهو دعاء بالسلامة أيضاً. (أيها النبي): وهو رسول الله ﷺ ، وقوله: (أيها) دلالة على الاستحضار. (ورحمة الله وبركاته): يدعى له بالرحمة والبركة، واستدل بذلك الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، على أن الرسول لا يعبد؛ لأنه يدعى له بالسلامة، وعندما يدعى للنبي دليل على أنه محتاج، والمحتاج لا يصلح للألوهية، ويدعى له بالسلام، ولهذا نهى النبي ﷺ الصحابة أن يقولوا: السلام على الله؛ لأن الله لا يدعى له، وليس فوقه أحد ، بل هو الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، ولا يلحقه نقص ، وليس فوقه أحد بخلاف النبي ﷺ ؛ فإنه يدعى له بالسلامة، وليس إله بل هو نبي كريم، يطاع ويتبع ويحب ولكن لا يعبد؛ فالعبادة حق الله. (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين): وهذا القول شامل لعباد الله الصالحين من الملائكة ومن الإنس ومن الجن، فكل عبد صالح تشمله هذه الدعوة في السماء وفي الأرض. (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أقر وأعترف أنه لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله، وأن كل معبود سوى الله فهو معبود بالباطل. (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله. (وأشهد) أي: أقر وأعترف، بأن محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المكي ثم المدني العربي هو رسول الله حقاً، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، هو عبد لا يعبد، ورسول يطاع ولا يكذب ﵊، وأشرف المقامات مقاماته وهي العبودية والرسالة، ولهذا وصفه الله بهذين الوصفين في مراتب عظيمة: في مقام الدعوة، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وفي مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]، وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:١]، وفي مقام الوحي: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، فحاز على أشرف المقامات. وهذا هو التشهد الأول، ثم بعد ذلك إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية ينهض المصلي، وإن صلى على النبي ﷺ فحسن، وذهب بعض العلماء كالشافعية وغيرهم إلى أنه يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول، وذهب الجمهور بأنه يقتصر على: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ثم ينهض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذا أصح ما روي عن النبي ﷺ في التشهد]. وهو تشهد ابن مسعود ﵁؛ لأنه قال: علمني الرسول ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد]. قال بعض العلماء: إنه يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول، والجمهور قالوا: إنها تكون في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام، وأصح ما قيل في صلاة الله تعالى على عبده ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تسأل الله أن يثني على عبده ورسوله محمد في الملأ الأعلى. (وعلى آل محمد) وهم: أتباعه على دينه. وقيل: (آله) قرابته من أهل بيته، وقيل: إن هذا يختلف باختلاف اللفظ فإذا قيل على آله وأصحابه. أي: إذا أفردوا الصحابة فتكون (آله) بمعنى قرابته، وعلى كل حال فـ (آله) تشمل أتباعه على دينه من قرابته وصحابته وأزواجه، فكلهم داخلون في آل النبي ﷺ . والصلاة على النبي جاءت لها أنواع كثيرة لكن أكملها ما رواه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الأنبياء، من الجمع بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة والتبريك، ومن الأنواع: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وفي النوع الآخر: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وفي بعضها: في العالمين إنك حميد مجيد. وفي بعضها: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته. لكن أصح ما جاء في الصلاة عليه هو الجمع بين محمد وآل محمد في الصلاة وإبراهيم وآل إبراهيم في التبريك وهو ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وهذا أكمل ما ورد في الصلاة على النبي الكريم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سئل: (يا رسول الله! علمنا السلام عليكم، -كيف نصلي عليك؟ - فسكت، ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد)، ولا يزاد على هذا، فلا يقال في الصلاة: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وإن كان هو السيد ﵇ لكن الأذكار والألفاظ المتعبد بها توقيفية لا يزاد عليها في الصلاة، أو تقول: اللهم صل على أفضل خلق الله محمد، لكن في الخطبة والموعظة لا بأس أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقائدنا رسول الله، لا بأس في الكتابة والخطبة لكن في الصلاة لا تزيد؛ لأن الأذكار توقيفية، وهي عبادة نتعبد الله بها، فالأذكار والألفاظ والأدعية التي وردت لا ينبغي أن يزيد عليها الإنسان. وقد خفي أكمل أنواع الصلاة على النبي ﷺ على الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم مع سعة باعه واطلاعه وحفظه العظيم وكانت الكتب الستة كأنها بين عينيه، ومع ذلك فإن الكمال لله، فخفي عليه، فقال شيخ الإسلام وتبعه ابن القيم: لم يرد بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة والتبريك، مع أنه ورد في صحيح البخاري ذلك.

стр. 165

ما يقال بعد التشهد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يتعوذ من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال]. يستحب التعوذ من هذه الأربع المذكورة، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. (من عذاب جهنم): وجهنم هي النار، وهو من أسمائها، وكذلك من عذاب القبر فهو ثابت في النصوص، وقد جاءت عجوز من عجائز اليهود إلى عائشة فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر في أول الهجرة، فأنكرت عليها، فسألت النبي ﷺ فقال: (نعم، إن الإنسان يعذب في قبره، قالت: فما سمعت الرسول بعد ذلك صلى صلاة إلا ويستعيذ بالله من عذاب القبر). (ومن فتنة المحيا والممات): فتنة الحياة من الشهوات والشبهات والحروب وإلى غير ذلك من الفتن، وكذلك الفتن التي تنبع عند الموت، فالشيطان يفتن الإنسان. (ومن فتنة المسيح الدجال): وهو رجل يخرج في آخر الزمان، يدعي الصلاح أولاً ثم يدعي النبوة ثم يدعي الربوبية، وهو كافر وهو الدجال الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية- ويمكث أربعين كما جاء في الأحاديث، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا، ثم يُقتل على يد مسيح الهدى وهو عيسى بن مريم ﵊، فيقتل مسيح الهدى مسيح الضلالة. فيستحب الاستعاذة من هذه الأربع، وهذا هو المشهور عند جمهور العلماء أنها مستحبة، وذهب طاوس بن كيسان اليماني التابعي الجليل إلى أنه يجب الاستعاذة بالله من هذه الأربع. وجاء عنه أنه قال لابنه لما صلى: هل استعذت بالله من أربع؟ قال: لا، قال: أعد صلاتك، دل على أنه يرى أنها واجبة الاستعاذة بالله من هذه الأربع وأنه لا بد منها، لكن المعروف والمشهور عند جماهير العلماء أنه مستحب. ويكفر من أنكر عذاب القبر إذا قامت عليه الحجة وليس له شبهة؛ لأنه ثابت في الكتاب والسنة، والله تعالى بين هذا في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]، هذا أيضاً في الدنيا عند الموت وهذا أول منازل القبر، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، وهذا يكون عند الموت، وهذا من أدلة عذاب القبر من الكتاب، أما السنة فهي كثيرة. وقد وردت أدعية كثيرة في آخر التشهد، ومنها ما علم النبي ﷺ أبا بكر: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، وكذلك الاستعاذة من عذاب القبر ومن فتنة الدنيا، وجاءت أحاديث كثيرة في الدعاء في آخر التشهد، وفي آخر الصلاة منها: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، دبر كل صلاة، وقال شيخ الإسلام: دبر الشيء آخره، ودبر الحيوان آخره، فقال: إنها تكون قبل السلام. والأمر في قوله ﵊: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع) للاستحباب، وهذا هو ما عليه جمهور العلماء.

стр. 166

صفة السلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك]. وهذا هو السنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ولا يزيد (وبركاته)، وجاء في بعض الأحاديث (وبركاته)، لكنها شاذة، وقد علمنا النبي ﷺ ذلك كما ورد في صحيح مسلم: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله). وهما تسليمتان، الأولى فرض واجبة، والثانية قيل إنها مستحبة، وقيل إنها واجبة، لكن ينبغي للإنسان ألا يخل بإحداهما، ويلتفت المصلي عن يمينه مع بداية السلام. والتسليمة الثانية سنة؛ لأن عائشة روت: (أن النبي ﷺ سلم مرة واحدة تلقاء وجهه)، رواه ابن ماجة وكذلك روي عن سلمة بن الأكوع عن النبي ﷺ . وهذا الحديث يحتاج إلى مراجعة، والظاهر أن ابن ماجة ما ينفرد به في الغالب عليه الضعف، فهذا ضعيف. وقال الترمذي: وأصح الروايات عن النبي ﷺ تسليمتين وعليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. والمسألة فيها خلاف، فالجماهير على أنه لا بد من تسليمتين، وهو الذي ينبغي والرسول ﷺ يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقول الجمهور قول قوي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين نهض بعد التشهد الأول كنهوضه من السجود، ثم يصلي ركعتين لا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئاً]. وهذا هو السنة، وأن الركعتين الأخريين من الظهر والعصر والعشاء والركعة الثالثة من المغرب يقتصر فيهما على قراءة الفاتحة، لكن جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أنه -ربما- قرأ في الركعتين الأخريين من الظهر زيادة على الفاتحة؛ لأنه جاء فيها أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بمقدار (ألم) السجدة كما سبق أي: ثلاثين آية، لأن الظهر تلي الفجر في الطول، وأنه في الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، أي: قرابة خمس عشرة آية، والفاتحة سبع آيات، بمعنى: أنه كان يقرأ معها سبع آيات، وفي العصر يقرأ في الركعتين الأوليين بمقدار ما يقرأ في الظهر. وفي حديث أبي قتادة أنه اقتصر في الركعتين الأخريين من الظهر على الفاتحة، وفي حديث أبي سعيد أنه ربما قرأ زيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين في الظهر خاصة، أما العصر والعشاء فلا. وورد عن أبي بكر ﵁ أنه قرأ بعد الفاتحة في الركعة الثالثة: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].

стр. 167

صفة الجلوس للتشهد الأخير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا جلس للتشهد الأخير تورك فنصب رجله اليمنى وفرش اليسرى وأخرجها عن يمينه ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما]. والتورك مستحب في التشهد الأخير، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويخرج رجله اليسرى عن يمينه ويجلس على إليتيه في التشهد الأخير، وهذا خاص بالصلاة التي فيها تشهدان كالتشهد الأخير من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد فليس فيها تورك، كالفجر والجمعة وصلاة النافلة والعيدين، وهذا هو الصواب على ما جاء في حديث أبي حميد. وقال آخرون من أهل العلم: يتورك في التشهدين جميعاً. وقال آخرون من أهل العلم: لا يتورك في التشهدين، لا في الأول ولا في الثاني. والصواب: ما أقره المؤلف ﵀ إلى أن التورك يكون في التشهد الأخير خاصة على ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي تورك.

стр. 168

ما يقوله بعد الانتهاء من الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا سلم استغفر الله ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام]. يشرع للمسلم إذا سلم من الفريضة أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، يقول هذا الإمام والمأموم والمنفرد، ثم إذا كان إماماً ينصرف إلى المأمومين ويعطيهم وجهه، بعد أن يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، أي: أنه يقول وهو مستقبل القبلة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى المأمومين، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كما ثبت في حديث ثوبان وفي حديث المغيرة بن شعبة ويكمل بعضها بعضاً، وبعضها في غير الصحيحين فيها زيادة وهي: يحيي ويميت، وفي بعضها: وهو حي لا يموت، وفي بعضها: بيده الخير، وفي بعضها: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات، زيادة على ما سبق بعد المغرب وبعد الفجر، ويبقى على حالته حتى يكمل العشر. ولا بأس أن ينصرف عن اليمين أو عن الشمال، لما جاء في صحيح البخاري أن ابن مسعود قال: (لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً فيرى أنه لا ينصرف إلا عن يمينه، فإني رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ما ينصرف عن يساره)، فجاء هذا وهذا، ينصرف عن شماله أو عن يمينه لا حرج. ثم بعد ذلك يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا نوع. وجاء نوع آخر: أنه يجعل التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين، فهذه مائة كما جاء في تعليم النبي ﷺ لـ علي وفاطمة عند النوم. وجاء نوع ثالث: أنه يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وليس فيه تمام المائة، كما جاء في صحيح البخاري حينما علم النبي ﷺ فقراء المهاجرين قال: (تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين) وليس فيه تمام المائة قول: لا إله إلا الله إلخ. وجاء أيضاً نوع رابع: وهو أن يقول: سبحان الله خمساً وعشرين، والحمد لله خمساً وعشرين، ولا إله إلا الله خمساً وعشرين، والله أكبر خمساً وعشرين، فهذه مائة. وجاء أيضاً نوع خامس: وهو أن يقول: سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، ولا إله إلا الله عشراً، فتكون ثلاثين وهذه أقلها، وفي هذا جاءت بعض الأحاديث. وقول ثوبان: (كان رسول الله إذا انصرف من صلاته يقول: أستغفر الله ثلاثاً)، يشمل النافلة والفريضة في الظاهر، لكن مراده الفريضة، أن النبي ﷺ كان ينصرف من الفريضة ويقول هذا الذكر، ولو قال ذلك بعد الانصراف من النفل فلا بأس. وهذه الأذكار سنة مؤكدة، ومشروعة، ومشروع للمسلم أن يداوم عليها. وإذا كان مستعجلاً وأخذ الذكر الأخير فقال: سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، والله أكبر عشراً، والشيخ محمد العثيمين يقول: إنه يفعل هذا إذا كان مسافراً أو مثلاً إذا جمع بين الصلاتين. وأما بالنسبة لعقد التسبيح فباليد اليمنى، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، أما قول: (تعاليت) فما ثبتت في السنة فيقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا يوجد (تعاليت)، وكذلك أيضاً: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، قال هنا: وتعالى، لكن جاءت في موضع آخر (تباركت ربنا وتعاليت) وهذا في القنوت، حيث علم النبي ﷺ الحسن بن علي أن يقول هذه الدعوات: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت)، فهذا جاء في دعاء القنوت، وأما بعد السلام من الصلاة لا يوجد (وتعاليت) وإنما: تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وأنواع الأذكار وأنواع الأذان وأنواع الاستفتاحات لا يجمع بينها، بل يُختار واحد منها.

стр. 169

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٤] إن الله رحيم بعباده رفيق بهم، والصلاة من أعظم فرائضه سبحانه عليهم، ومع ذلك خفف عنهم بعض أركانها، فمثلاً المريض خفف عنه ركن القيام إن لم يقدر عليه، بل سائر المكلفين إن شاءوا الصلاة قعوداً في النافلة فلهم ذلك، ومن رحمة الله بالعباد في الصلاة أن من سها عن أداء واجب من واجباتها جبره بسجدتي السهو.

стр. 170

أركان الصلاة

стр. 171

مع القدرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أركان الصلاة وواجباتها. أركانها اثنا عشر: الأول: القيام مع القدرة]. وهذا بالإجماع، فلا تصح الفريضة من الجالس إذا كان يقدر، إلا المؤتمون إذا كان إمام الحي مريضاً وصلى قاعداً فإنهم يصلون خلفه قعوداً، كما سبق في صحيح مسلم استحبابه. هذا ركن بالإجماع، فلا تسقط سهواً ولا عمداً ولا جهلاً، فلابد من القيام، فإن عجز عن القيام صلى قاعداً، فإن عجز صلى على جنبه الأيمن، فإن عجز صلى مستلقياً ووجهه إلى القبلة، كما جاء في حديث عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال له: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، زاد النسائي: (فإن لم تستطع فمستلقياً)، تكون رجلاه إلى القبلة، فإذا صلى قاعداً في الفريضة وهو يستطيع فصلاته باطلة بالإجماع، فلابد من القيام مع القدرة.

стр. 172

تكبيرة الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني: وتكبيرة الإحرام]. وهذه ركن بالإجماع، فلا تنعقد الصلاة إلا بها، فمن لم يكبر تكبيرة الإحرام لا تنعقد صلاته. ولا يجزي إلا قول: (الله أكبر)، فلو قال: الله الأجل أو الله الأعظم، لا يجزئ هذا، خلافاً لما روي عن بعض الأحناف أنه يجزي أن يقول: الله أكبر الله أجل، وهذا قول ضعيف لا وجه له. أما الجلوس في النافلة فيجوز، فلك أن تصلي جالساً ولو كنت مستطيعاً على القيام، لكن لك نصف أجر القائم، ويجوز للإنسان أن يصلي النافلة قاعداً، كالراتبة في الليل وصلاة الضحى والوتر ونحوهن، لكن ليس لك من الأجر إلا النصف، إلا إذا كنت عاجزاً فأجرك تام؛ كما ثبت من حديث أبي موسى: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً).

стр. 173

قراءة الفاتحة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: وقراءة الفاتحة]. قراءة الفاتحة ركن أيضاً بالإجماع بالنسبة للإمام؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فهي ركن في حق الإمام. أما المأموم ففيه اختلاف كما سبق، فمن العلماء من قال: تسقط عن المأموم في الصلاة السرية والنافلة. وقال آخرون: تجب عليه في السرية دون الجهرية. وقال آخرون: تجب عليه في السرية ولا تجب في الجهرية، وهذا مذهب الجمهور، ويستدلون بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). وقال آخرون: إنها واجبة في حق المأموم، يعني: أقل من الركن، ولا تسقط لا في السرية ولا في الجهرية؛ لقول النبي ﷺ : (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) فتكون مستثناة من قوله: (لا صلاة لمنلم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهذا في حق المأموم، أي: أنه واجب مخصص. لكن إذا أدرك الإمام راكعاً سقطت عنه؛ لحديث أبي بكرة: أنه لما جاء والنبي ﷺ راكع كبر دون الصف، ثم دب دبيباً فدخل في الصف، فلما سلم النبي ﷺ قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يقل: أعد الركعة، فدل على أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً سقطت عنه الفاتحة، وكذلك إذا أدرك الإمام في آخر القيام ولم يتمكن من قراءتها أو نسي قراءتها أو قلد من يقول: إنها ليست واجبة فإنها تسقط عنه في هذه الحالة. وقال آخرون: إنها لا تسقط مطلقاً حتى في حق من أدرك الإمام راكعاً، وإذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يقضي تلك الركعة، وهذا اختيار البخاري ﵀ وجماعة، وألف في هذا ﵀ رسالة سماها: جزء القراءة، ذكر فيها الأدلة، ورجح أن القراءة لا تسقط عن المأموم بحال مطلقاً، ومن لم يقرأ الفاتحة يقضي الركعة ولو أدرك الإمام راكعاً، لكن المعروف عند المحققين -وورد فيه جمع من الأحاديث- أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً سقطت عنه وأدرك الركعة؛ لحديث أبي بكرة.

стр. 174

الركوع والرفع منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الرابع: والركوع، الخامس: والرفع منه]. الركوع أيضاً ركن لابد منه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧]، والواجب في الركوع أن يهوي حتى تصل يداه إلى ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وكونه يمد صلبه ويجعل رأسه حيال ظهره هذا مستحب، وهو الأكمل في الركوع، وهذا ركن لابد منه، لا يسقط لا جهلاً ولا سهواً ولا عمداً. كذلك لابد من الرفع من الركوع.

стр. 175

السجود على سبعة أعضاء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السادس: والسجود على السبعة الأعضاء]. السجود على الأعضاء السبعة ركن لا تتم الصلاة إلا به، والأعضاء السبعة هي: اليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، والجبهة والأنف، فهما واحد، ولابد أن يسجد عليها كلها، فإن سجد على ستة أعضاء من أول السجود إلى آخره بطلت السجدة، وإذا رفع أحد الأعضاء من أول السجود إلى آخره ما صحت السجدة. يقول النبي ﷺ : (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، اليدين، والرجلين، وأطراف القدمين، وأشار إلى جبهته وأنفه) وفي بعضها: (أمر الناس أن يسجدوا على سبعة آراب) يعني: أعضاء. وإذا لم يسجد على السبعة الأعضاء سقطت السجدة، فإذا أمكن الإعادة فيعيد، وإذا تجاوزها تبطل الركعة ويأتي بدلها بركعة أخرى.

стр. 176

الرفع من السجود والطمأنينة والتشهد الأخير والجلوس له قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السابع: والجلوس عنه]. يعني: الرفع من السجود والجلوس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثامن: والطمأنينة في هذه الأركان]. الطمأنينة: هي الركود والسكون حتى يعود كل مفصل إلى موضعه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التاسع: والتشهد الأخير، العاشر: والجلوس له]. التشهد الأخير والجلوس فيه هذان ركنان، والقراءة في التشهد ركن أيضاً.

стр. 177

التسليمة الأولى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الحادي عشر: والتسليمة الأولى]. التسليمة الأولى، أما التسليمة الثانية فهي مستحبة على هذا القول، والقول الثاني والمذهب الذي نص عليه فيه: والتسليمتان، أي: أنهما ركن، وهنا قال: التسليمة الأولى، فهي الواجبة عند الجمهور والتسليمة الثانية فيها اختلاف، وأوجبها بعض العلماء؛ ولهذا لو سلم المأموم قبل التسليمة الأولى ما صحت صلاته، فإن سلم بعد التسليمة الأولى ففيه اختلاف.

стр. 178

الترتيب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني عشر: وترتيبها على ما ذكرناه]. يعني: الترتيب على ما سبق، وقد أسقط بعض الأركان هنا. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر أركان الصلاة أربعة عشر ركناً، وذكر منها: الصلاة على النبي ﷺ ، والاعتدال بعد الركوع، وكذلك الاعتدال بين السجدتين، ولم يذكر الترتيب بين الأركان، فتكون أربعة عشر ركناً. والصلاة على النبي ﷺ جعلها هنا واجبة. والقول الثاني وهو المذهب: أن الصلاة على النبي ﷺ ركن من أركان الصلاة، وهنا لم يعدها من الأركان، وإنما عدها من الواجبات، والصلاة على النبي ﷺ فيها اختلاف فقيل: إنها ركن، وقيل: إنها واجب، وقيل: إنها سنة، والأقرب: أنها واجبة كما ذكر صاحب العمدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فهذه الأركان لا تتم الصلاة إلا بها]. فلا تسقط سهواً ولا عمداً ولا جهلاً، بل لابد من الإتيان بها، لكن إذا ترك شيئاً منها -ركعة أو سجدة- ناسياً ثم تذكر فيأتي به وبما بعده، فإن لم يذكره حتى وصل إلى مكانه من الركعة الثانية ألغيت الركعة الأولى وصارت التي بعدها عوضاً عنها.

стр. 179

واجبات الصلاة

стр. 180

التكبير غير تكبيرة الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام]. هذا الواجب إن سقط سهواً يجبر بسجود السهو، أما عمداً فيبطل الصلاة، أما الركن فلا يسقط سهواً ولا عمداً ولا جهلاً ولا يسقط بشيء، بل لابد من الإتيان به. أما الواجب فإذا تركه سهواً جبره بسجود السهو، وذلك بأن يسجد سجدتين، وإن تركه عمداً بطلت الصلاة. إذاً: فمن واجبات الصلاة: التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، يعني: تكبيرات الانتقال كالركوع والسجود والرفع والقيام، فجميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام واجبة.
следующие страницы →