Полный текст (730 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الرفع من السجود والطمأنينة والتشهد الأخير والجلوس له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السابع: والجلوس عنه].
يعني: الرفع من السجود والجلوس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثامن: والطمأنينة في هذه الأركان].
الطمأنينة: هي الركود والسكون حتى يعود كل مفصل إلى موضعه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التاسع: والتشهد الأخير، العاشر: والجلوس له].
التشهد الأخير والجلوس فيه هذان ركنان، والقراءة في التشهد ركن أيضاً.
стр. 177
التسليمة الأولى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الحادي عشر: والتسليمة الأولى].
التسليمة الأولى، أما التسليمة الثانية فهي مستحبة على هذا القول، والقول الثاني والمذهب الذي نص عليه فيه: والتسليمتان، أي: أنهما ركن، وهنا قال: التسليمة الأولى، فهي الواجبة عند الجمهور والتسليمة الثانية فيها اختلاف، وأوجبها بعض العلماء؛ ولهذا لو سلم المأموم قبل التسليمة الأولى ما صحت صلاته، فإن سلم بعد التسليمة الأولى ففيه اختلاف.
стр. 178
الترتيب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني عشر: وترتيبها على ما ذكرناه].
يعني: الترتيب على ما سبق، وقد أسقط بعض الأركان هنا.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر أركان الصلاة أربعة عشر ركناً، وذكر منها: الصلاة على النبي ﷺ ، والاعتدال بعد الركوع، وكذلك الاعتدال بين السجدتين، ولم يذكر الترتيب بين الأركان، فتكون أربعة عشر ركناً.
والصلاة على النبي ﷺ جعلها هنا واجبة.
والقول الثاني وهو المذهب: أن الصلاة على النبي ﷺ ركن من أركان الصلاة، وهنا لم يعدها من الأركان، وإنما عدها من الواجبات، والصلاة على النبي ﷺ فيها اختلاف فقيل: إنها ركن، وقيل: إنها واجب، وقيل: إنها سنة، والأقرب: أنها واجبة كما ذكر صاحب العمدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فهذه الأركان لا تتم الصلاة إلا بها].
فلا تسقط سهواً ولا عمداً ولا جهلاً، بل لابد من الإتيان بها، لكن إذا ترك شيئاً منها -ركعة أو سجدة- ناسياً ثم تذكر فيأتي به وبما بعده، فإن لم يذكره حتى وصل إلى مكانه من الركعة الثانية ألغيت الركعة الأولى وصارت التي بعدها عوضاً عنها.
стр. 179
واجبات الصلاة
стр. 180
التكبير غير تكبيرة الإحرام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام].
هذا الواجب إن سقط سهواً يجبر بسجود السهو، أما عمداً فيبطل الصلاة، أما الركن فلا يسقط سهواً ولا عمداً ولا جهلاً ولا يسقط بشيء، بل لابد من الإتيان به.
أما الواجب فإذا تركه سهواً جبره بسجود السهو، وذلك بأن يسجد سجدتين، وإن تركه عمداً بطلت الصلاة.
إذاً: فمن واجبات الصلاة: التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، يعني: تكبيرات الانتقال كالركوع والسجود والرفع والقيام، فجميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام واجبة.
стр. 181
التسبيح في الركوع والسجود مرة مرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة].
التسبيح الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث، وأعلاه في حق الإمام عشر تسبيحات، وقد سبق أن النبي ﷺ يحسب له في الركوع والسجود عشر تسبيحات مع التدبر، كما ذكر أنس، وأن الصحابة يحسبون له في الركوع والسجود عشر تسبيحات مع التدبر، مع دعاء: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وكان إذا رفع رأسه من الركوع وقف حتى يقول القائل: قد نسي أو قد أوهم، وإذا رفع رأسه من السجود جلس حتى يقول القائل: قد نسي أو قد أوهم.
стр. 182
التسميع والتحميد في الرفع من الركوع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع].
التسميع: قول: سمع الله لمن حمده، وهذا واجب من واجبات الصلاة.
والتحميد قول: ربنا ولك الحمد، وهذا واجب، والتسميع في حق الإمام، أن يقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد في حق الإمام والمأموم والمنفرد جميعاً.
قال آخرون من أهل العلم: إن المأموم يقول أيضاً: سمع الله لمن حمده، فيجمع بينهما، وأظن هذا مذهب الشافعي، لكن هذا قول مرجوح.
والصواب: أن في حق الإمام التسميع، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، وكذلك الإمام والمنفرد جميعاً.
والدليل على هذا ما ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال: (إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) ولم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، فدل على أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، إنما هذا في حق الإمام، ومعنى سمع أي: استجاب، والسماع: معناه الاستجابة، أي: استجاب الله لمن حمده، ولأن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فيجيب نفسه ويجيبه المأمومون: ربنا ولك الحمد.
стр. 183
قول (رب اغفر لي) بين السجدتين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول: رب اغفر لي بين السجدتين].
كذلك يقول: رب اغفر لي مرة، والمستحب ثلاث مرات.
وهذه التكبيرات والتسبيح والتحميد وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود كلها واجبة عند الحنابلة، وهي عند الجمهور مستحبة، فلو تركها فلا شيء عليه، ولكن ظاهر السنة أنها واجبة، كما ذهب إلى ذلك الحنابلة؛ لأن النبي ﷺ حافظ عليها وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
стр. 184
التشهد الأول والجلوس له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتشهد الأول].
كذلك التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة، والدليل على أنه واجب أن النبي ﷺ -كما في حديث عبد الله بن بحينة - لما ترك التشهد سجد له سجدتين، فدل على أنه واجب ولو كان ركناً لما سجد له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجلوس له].
كذلك الجلوس للتشهد الأول.
стр. 185
الصلاة على النبي في التشهد الأخير
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير].
الصلاة على النبي ﷺ واجبة في التشهد الأخير.
والمؤلف مشى هاهنا على طريقة صاحب الزاد، والشيخ محمد بن عبد الوهاب مشى على أن الصلاة على النبي ﷺ ركن من أركان الصلاة.
وعلى القول بأنها ركن: لو ترك الصلاة على النبي ﷺ ما صحت الصلاة، وعلى القول بأنها واجبة إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ سجد سجدتين وأجزأه ذلك.
وهناك قول ثالث: وهو أنها سنة، فهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم: ركن، واجب، مستحب، وأعدلها القول في حكم الصلاة على النبي ﷺ ما ذهب إليه صاحب العمدة هنا، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عده من الأركان في رسالة: شروط الصلاة، والمذهب أنها ركن.
стр. 186
الفرق بين الركن والواجب والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه إن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سجد لها].
وهو الحق: فإنه لو تركها عمداً بطلت الصلاة، ومن المعلوم أن الرسول ما يتعمد الترك، فإن تركها سهواً جبرها بسجدتي السهو.
أما الأركان: فإنها لا تسقط سهواً ولا جهلاً ولا عمداً، هذا الفرق بينهما.
وأما السنة: فإذا تركها سهواً أو عمداً فلا يؤثر ولا يجبرها بالسجود، وإن سجد في ترك المستحب فلا بأس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما عدا هذا فسنن لا تبطل الصلاة بعمدها ولا يجب السجود لسهوها].
مثل الزيادة على التسبيحة في الركوع والسجود، والزيادة على قول: رب اغفر لي، والاستفتاح، ورفع اليدين أيضاً عند تكبيرة الإحرام، والركوع والرفع منه، والقيام بعد التشهد الأول والتورك، فهذه كلها مستحبات.
стр. 187
أحكام السجود وأنواعه
стр. 188
حكم زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: سجود السهود.
والسهو على ثلاثة أضرب: أحدها: زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن؛ فتبطل الصلاة بعمده، ويسجد لسهوه].
قوله: (السجود على ثلاثة أضرب)، يعني: يشرع سجود السهو لواحد من ثلاثة أمور: الزيادة، والنقص، والشك.
فإذا زاد في الصلاة أو نقص منها أو شك فإنه يسجد للسهو سجدتين، والزيادة مثل لها النبي ﷺ كأن زاد ركعة خامسة في الرباعية، أو رابعة في الثلاثية -المغرب- أو ثالثة في الفجر والجمعة والنافلة والعيد والاستسقاء، فإنه في هذه الحالة يجب عليه أن يسجد للسهو، وإذا زاد ركوعاً أو سجوداً أو قياماً سهواً فإنه يسجد كذلك للسهو.
فيشرع للمصلي أن يسجد سجدتي السهو إذا فعل واحداً من هذه الأمور الثلاثة: إذا زاد في صلاته أو نقص أو شك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدها: زيادة فعل من جنس الصلاة كركعة أو ركن فتبطل الصلاة بعمده ويسجد لسهوه].
أي: إذا تعمد زيادة ركعة بطلت الصلاة، ولا يمكن من المسلم أن يتعمد زيادة ركوع أو سجود أو ركعة، وإنما يفعل هذا عن سهو أو جهل، فإذا تعمد بطلت الصلاة، وإذا وقع سهواً سجد سجدتين للسهو قبل السلام أو بعده على ما يأتي التفصيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن علم وهو في الركعة الزائدة جلس في الحال].
أي: إذا علم وتذكر أنها زائدة يجلس في الحال ولا يكملها، كمثل أن يأتي بخامسة فقرأ الفاتحة ثم تذكر، فيجلس في الحال ويتشهد -إن كان ما تشهد- ويسلم، وإن كان تشهد يسجد سجدتين.
стр. 189
حكم إنقاص شيء من الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن سلم عن نقص في صلاته أتى بما بقي عليه منها ثم سجد].
أي: إذا نقص من صلاته فإنه يأتي بما بقي عليه، ثم يسجد، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين، ثم يسلم، والسجود كله يكون قبل السلام إلا في حالتين: إذا سلم عن نقص، وإذا بنى على غالب ظنه.
أما الحالة الأولى: فكما ثبت في حديث أبي هريرة: (أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي العشي ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة معروضة في مؤخر المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان) والصحابة سكتوا ما نبهوه؛ لأنهم ظنوا أنه نزل عليه الوحي فقصرت الصلاة، فسكت الصحابة، والصفوف على حالها، (فجاء رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين -وهو الخرباق - وقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، فقال الخرباق: بلى، قد كان بعض ذلك) يعني: إما نسيت وإما قصرت الصلاة، والنبي ﷺ مستمر في نسيانه، وهذا من حكمة الله حتى يكون تشريعاً للأمة، فجاء النبي ﷺ سلم وقال: (أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم)، وهذا الكلام في أثناء الصلاة إنما هو لمصلحة الصلاة فلا يضر، (ثم جلس النبي ﷺ واستقبل القبلة، فقام وأتى بركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم)، فدل هذا على أن المصلي إذا سلم عن نقص فإنه يأتي بما نقص من صلاته ويكمل صلاته، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين، ثم يسلم، فهذه الحالة الأولى.
وأما الحالة الثانية: فكما في حديث ابن مسعود بمعناه: (إذا شك أحدكم فليتحر الصواب وليتم ما عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين بعد أن يسلم).
أما إذا لم يكن عنده غلبة الظن فإنه يبنى على اليقين، ويسجد قبل السلام، كأن شك أصلى ركعتين أم ثلاثاً، وما عنده غلبة الظن، فيجعلها ركعتين -وهو اليقين والأقل- ويسجد سجدتين قبل السلام، وكما لو شك في الطواف أو السعي فإنه يبني على اليقين وهو الأقل.
стр. 190
حكم فعل ما ليس من جنس الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو فعل ما ليس من جنس الصلاة لاستوى عمده وسهوه].
يعني: الحركات، إذا كثرت في صلاته أبطلت الصلاة، وإن سجد للسهو عنها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان كثيراً أبطلها، وإن كان يسيراً كفعل النبي ﷺ في حمله أمامة وفتحه الباب لـ عائشة فلا بأس به].
وهذا يسير، فحمل النبي ﷺ أمامة بنت العاص بن الربيع -وهي بنت ابنته زينب وهو في الصلاة، فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها وهو يؤم الناس في الصلاة- عمل يسير.
وكما فعل النبي ﷺ لما صلى على المنبر يعلم الناس، حيث كبر وهو على المنبر وركع، ثم لما أراد السجود رجع القهقهرى -أي: تأخر- ثم سجد في الأرض، ثم قام وصعد المنبر، وقال: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)، فإذا كان الإنسان يفعله للتعليم فلا بأس.
كفتح النبي ﷺ الباب لـ عائشة، وكان الباب في جهة القبلة، فتقدم خطوات وفتح الباب، وهذا شيء يسير أيضاً.
ومثله أيضاً: الإشارة بالسلام، أي: إذا سلم أحد على المصلي فإنه يعطي الإشارة باليد.
ومثلما فعلت عائشة في صلاة الكسوف لما جاءت أسماء وقالت: ماذا حدث؟ والناس يصلون، فأشارت عائشة بيديها إلى السماء.
فقالت أسماء: آية؟ قالت برأسها: نعم، وهذا من الإشارة، فلا بأس بالإشارة بالرأس أو باليد في الصلاة.
أما إذا كانت الحركات كثيرة فلا تصح، كأن يلتفت عن يمينه أو عن يساره وأمامه.
أما مسألة: صلاة الخوف فهذه لها أحكام خاصة، كما سبق من قول الإمام أحمد أن صلاة الخوف ثبتت من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة، وفيها حركات في بعض الصفات، وصفهم صفين، فإذا كان العدو جهة القبلة صلوا جهة القبلة، وإذا كان في غير جهة القبلة سقط استقبال القبلة من أجل الانتباه للعدو.
وصفهم في بعض الصفات صفين فكبر ثم ركع وركعوا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وبقي الصف الثاني يحرس، ثم لما قام النبي ﷺ إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثاني وتأخر الصف الأول، ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم سجد الصف الثاني الذي كان هو الأول، وسجد الصف الأول الذي كان هو الصف الثاني، ثم ثبت جالساً وأكملت كل طائفة لنفسها.
وفي بعض الصفات: أنه صلى بطائفة ركعتين، بالطائفة الأخرى ركعتين، وجاء في بعضها صلاة الطالب أو صلاة المطلوب وهو يعدو، أي: إذا كان يلحقه العدو فيخشى أن يدركه فيصلي وهو يعدو، وقد جاء في حديث ابن عباس: (صلاة الخائف ركعة) حتى قال بعض العلماء: إنه عند المسايفة يعني: عند قطع الرقاب بالسيوف تكفي تكبيرة واحدة، وفي هذا كلام يأتي إن شاء الله في صلاة الخوف.
стр. 191
النقص كنسيان واجب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثاني: النقص كنسيان واجب].
أي: إذا نسي واجباً مثل أن ينسى التشهد الأول، أو تسبيحات الركوع والسجود -على القول الصحيح أنها واجبة- فإنه يسجد للسهو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائماً رجع فأتى به، وإن استتم قائماً لم يرجع].
إذا نسي التشهد الأول فله أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن يذكر قبل أن يستتم قائماً، فيجب عليه الرجوع.
الحالة الثانية: أن يذكر بعد أن يستتم قائماً وقبل أن يشرع في القراءة، وهنا يكره له الرجوع، وإذا رجع فلا بأس لكنه مكروه.
الحالة الثالثة: أن يشرع في قراءة الفاتحة، فيحرم عليه الرجوع في هذه الحال؛ لأنه تلبس بركن جديد، وعليه في جميع الأحوال أن يسجد للسهو سجدتين قبل أن يسلم، لما جاء في حديث عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ نسي التشهد الأول ثم سجد سجدتين قبل أن يسلم، ففي حديث عبد الله بن بحينة (أنه ﷺ نسي التشهد الأول، فلما جلس للتشهد الأول انتظر الناس تسليمه، سجد سجدتين قبل أن يسلم).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن نسي ركناً فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى رجع فأتى به وبما بعده].
إذا ترك ركناً مثل الركوع ثم سجد، أو نسي قراءة الفاتحة وهو إمام أو منفرد وذكر وهو في الركوع فيرجع مرة ثانية، كأن ركع فتذكر أنه ما قرأ الفاتحة فيرجع إلى الوقوف ويقرأ الفاتحة، أو كان في السجود فنسيه ولم يذكر حتى شرع في الركعة التي بعدها ألغيت الركعة الأولى وصارت التي بعدها عوضاً عنها، ويسجد سجدتين في آخر صلاته قبل السلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن نسي ركناً فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى رجع فأتى به وبما بعده، وإن ذكره بعد ذلك بطلت التي تركه منها].
أي: إذا لم يذكر حتى شرع في الركعة الأخرى بطلت الركعة التي ترك منها الركن، وصارت التي بعدها عوضاً عنها، فيأتي بدلها بركعة، ويأتي في آخر صلاته بركعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات فذكر في التشهد سجد في الحال، فصحت له ركعة ثم يأتي بثلاث ركعات].
قد تحصل هذه الحالة وإن كانت نادرة، أي: إنسان صلى الظهر أربع ركعات منفرداً مثلاً، لكنه لم يسجد في كل ركعة إلا سجدة نسياناً، فالركعة الأولى سجد سجدة، ثم قام إلى الركعة، والثانية سجد سجدة ثم قام، والثالثة سجد سجدة ثم قام، والرابعة سجد سجدة ثم جلس للتشهد الأول، ولما أراد أن يسلم تذكر أنه ما سجد في كل ركعة إلا سجدة، فيسجد سجدة في الحال فتصح الركعة الأخيرة هذه ويأتي بثلاث ركعات، وهذا نادر، أي: أن يصلي أربع ركعات ويسجد أربع سجدات، وهذا وإن كان نادراً لكنه قد يحصل ممن كان كثير النسيان، ففي كل ركعة ما يسجد إلا سجدة، فيظن أنه سجد سجدتين ولم يتذكر إلا قبل السلام، فيسجد سجدة في الحال وتصح الركعة الأخيرة، وتبقى الثلاث الركعات فيأتي بها، فيكون صلى ثمان ركعات في الظاهر.
стр. 192
الشك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثالث: الشك، فمتى شك في ترك ركن فهو كتركه].
فإذا شك هل ركع أم لا؟ فيعتبر أنه ما ركع، وكذا إن شك هل قرأ الفاتحة أم لا؟ فيقرأها، فالشك في ترك الركن كتركه، إلا إذا كان كثير الوسواس والشكوك فيبطل الوسواس؛ لأن هذا معناه أن لا يسلم له شيء، فقد يشك في كل شيء حتى في الركعة التي يأتي بها، أي: يشك فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين، إلا الإمام خاصة فإنه يبني على غالب ظنه].
لأن له من ينبهه، فإذا شك الشخص في عدد الركعات يبني على غلبة الظن إن كان عنده غلبة الظن، وإن لم يكن عنده غلبة ظن بنى على اليقين وهو الأقرب، إلا الإمام فإنه يبني على غلبة الظن؛ لأن له من ينبهه خلفه من المصلين، بخلاف المنفرد، والمأموم تابع الإمام.
والمنفرد: هو الذي ليس له من ينبهه، فيبني على غلبة ظنه، لكن هذا فيه نظر، فقد يقال: إن الإمام يبني على اليقين إذا كان عنده شك، وإذا كان عنده غلبة ظن يبني على غلبة ظنه، لكن إذا لم يكن عنده غلبة ظن فيبني على اليقين، وإن كان عنده غلبة ظن بنى عليه، فإن شك أصلاً ثلاثاً أو أربعاً وغلبة الظن ثلاث يجعلها ثلاثاً، لكن إذا لم يكن عنده غلبة ظن فإنه يبني على اليقين، سواء أكان إماماً أم مأموماً، وليس هذا خاصاً بالإمام.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا الإمام خاصة فإنه يبني على غالب ظنه].
هذا ليس خاصاً بالإمام، بل حتى غير الإمام إذا كان عنده غلبة ظن فإنه يعمل على غلبة الظن؛ لما جاء في حديث ابن مسعود: (فليتحر الصواب وليتم ما عليه).
أي: إذا كان عنده غلبة ظن فيعمل به، أما إذا ما كان عنده غلبة ظن فيعمل باليقين، وهو الأقل سواء أكان إماماً أم غير إمام أم منفرداً.
وقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: يبني على غلبة ظنه إماماً كان أو منفرداً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وهذا هو الصواب، أي: أنه يبني على غلبة الظن سواء كان إماماً أو منفرداً، أما المأموم فهو تبع للإمام.
وظاهر حديث ابن مسعود: (فليتحر الصواب وليتم ما عليه) عام ما خص به الإمام، أما حديث أبي سعيد فيعمل فيه بالأقل؛ لأنه ما عنده غلبة ظن، أما حديث ابن مسعود فيعمل فيه بغلبة الظن.
وإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين؛ لما روى أبو سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما تيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم).
وهذا إذا لم يكن عنده غلبة ظن، والصواب: أن غلبة الظن العمل به عام للإمام وغيره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكل سهو سجدتان قبل السلام إلا من سلم عن نقص في صلاته، والإمام إذا بنى على غالب ظنه].
كل سهو له سجدتان، وليس المراد أنه إذا سها عدة مرات في الصلاة يسجد سجدتين لكل مرة، بل لو سها عدة مرات فيسجد سجدتين فقط ولا يكرر سجود السهو، وقوله: (ولكل سهو سجدتان) يوهم أنه إذا تكرر السهو تكرر السجود، هي سجدتان سواء سها مرة أو مرتين أو ثلاثاً.
стр. 193
بيان موضع السجود
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكل سهو سجدتان قبل السلام إلا من سلم عن نقص في صلاته، والإمام إذا بنى على غالب ظنه، والناسي للسجود قبل السلام، فإنه يسجد سجدتين بعد سلامه ثم يتشهد ويسلم].
هذا فيه بيان موضع السجود، أنه يكون كله قبل السلام إلا في ثلاث حالات ذكرها: الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص كما سبق في حديث أبي هريرة.
الحالة الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه، والصواب أنه ليس خاصاً بالإمام، فإذا سلم عن نقص يكون السجود بعد السلام، وإذا بنى على غالب ظنه إماماً أو منفرداً سجد بعد السلام.
الحالة الثالثة: إذا نسي السجود، فعليه سجود قبل السلام، لكن إذا نسيه ولم يذكر إلا بعد السلام فيسجد بعد السلام، والناسي للسجود قبل السلام فإنه يسجد بعد السلام، وهذه حالة اضطرارية ليست باختياره، لكن الحالتان السابقتان منضبطتان، ولهذا ذكر أنهما حالتان: إذا بنى على غالب ظنه، وإذا سلم عن نقص.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنه يسجد سجدتين بعد سلامه ثم يتشهد ويسلم].
فهذا على أحد القولين أنه يتشهد، وجاء في بعض الأحاديث عند أبي داود أنه إذا كان السجود بعد السلام يسجد سجدتين ثم يتشهد ثم يسلم، فيكون تشهد مرتين: التشهد الأول الذي هو تشهد الصلاة، والثاني تشهده لسجود السهو.
والصواب: أنه لا يتشهد للسهو وإنما يسجد سجدتين ثم يسلم؛ لأن الحديث الذي فيه أنه يتشهد ضعيف، فليس هناك إلا تشهد واحد.
стр. 194
حكم سجود السهو للمأموم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجدَ معه].
أي: ليس على المأموم سجود للسهو إلا إذا سها الإمام فإنه يسجد تبعاً له، وإلا إذا كان فاته بعض الصلاة كأن فاتته ركعة فأكثر، ثم سها سواء كان السهو مع الإمام أو فيما انفرد به فإنه يسجد سجدتين بعد أن يقضي ما فاته، أما إذا كان المأموم صلى مع الإمام من أول الصلاة ولم يفته شيء فإنه لا يسجد.
وعلى المأموم أن يتابع الإمام في سجود السهو، سواء كان سجوده قبل السلام أو بعده، وإذا سجد الإمام فيسجد المأموم حتى لو عليه بقية ركعات فائتة فيسجد بدون ما يسلم، هذا هو الظاهر.
стр. 195
كيفية تنبيه الإمام إذا سها في صلاته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن سها إمامه أو نابه أمر في صلاته فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء].
إذا ناب الإمام سهو في صلاته وكان معه رجال ونساء، فالرجال يسبحون أي: يقولون: سبحان الله! سبحان الله! والمرأة تصفق ببطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، من باب التنبيه ولا تتكلم خشية أن يفتتن بصوتها، فالرجل يسبح والمرأة تصفق، هذا إذا كانت النساء قريبات كما كان على عهد النبي ﷺ ، حيث كانت النساء خلف الرجال وليس هناك حاجز لا من جدار ولا من غيره ولا ستر؛ ولهذا في الحديث: (كان النساء يصلين مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، لا يعرفهن أحد من الغلس).
ومتى ما ذكر الإمام يسجد له، وعند كثير من الفقهاء أنه إذا طال الفصل أو أحدث أو فعل ما يناقض فإنه يسقط السجود، لكن على كل حال لو سجد فإنه حسن.
وهل يستدل بتصفيق النساء في الصلاة إذا سها الإمام على أن صوت المرأة عورة؟ لا يستدل بهذا، وصوت المرأة ليس بعورة، وإنما يخشى من الفتنة بصوتها، ولو كان عورة ما أذن للنساء في استفتاء النبي ﷺ وغيره، وإنما منع إذا كان صوتها فيه خضوع، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] ولو كان عورة لنهى الله عنه، وإنما نهى عن الخضوع وما نهى عن الصوت، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وهو كونها ترخم الصوت أو تتغنج في كلامها فيكون هذا سبباً في: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: مرض الشهوة، ولكن إذا كان صوتاً عادياً فلا بأس بذلك.
ويوجد الآن سجادة فيها تنبه المصلي إذا زاد في صلاته، وقد استفتى فيها واحد من الإخوان اللجنة الدائمة فجاء الرد قبل أيام: أنه ما يجوز استعمالها، وهذا من العجائب! وقد وضعوا لها إعلان بعنوان: لا خطأ بعد اليوم! وقد صوروا الإعلان في الجريدة، فالإنسان يعتمد على الآلة وهي غير منضبطة مهما كانت الحال، فلابد أن يتخللها خلل.
مسألة: إذا صلى رجل مع الإمام من بداية الصلاة وفي الركعة الثانية أو الثالثة نسي المأموم ركناً خلف الإمام كأن ركع حتى قام من الركوع وهو ساه فيأتي به أو بما بعده ثم يلحق الإمام، فإن لم يفعل -أي: يركع- وسجد مباشرة خلف الإمام بطلت الركعة، ويأتي بركعة مكانها، لكن إذا لحق الإمام وأتى بالركوع فإنه لا يعيد الركعة؛ لأنه معذور، أما لو تعمد بطلت الصلاة.
стр. 196
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٥]
إن الله سبحانه رحيم بعباده، لذا أردف تشريع الفرائض بالنوافل؛ لأن من طبع الإنسان التقصير والذهول، فلا أحد يستطيع أن يأتي بالفرائض كاملة كما أراد الله إلا ما ندر، فيتقلب اللبيب في بحار الحسنات، وراحة الصلوات، والموفق من وفقه الله.
стр. 197
أنواع صلاة التطوع
стр. 198
السنن الرواتب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة التطوع.
وهي على خمسة أضرب أحدها السنن الرواتب: وهي التي قال ابن عمر ﵁: (عشر ركعات حفظتهن من رسول الله ﷺ : ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الفجر، حدثتني حفصة: أن رسول الله ﷺ كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين وهما آكدها)].
وهذه السنن الرواتب من صلاة التطوع، وسميت السنن الرواتب لأن الإنسان يرتبها ويستمر عليها، فينبغي للإنسان أن يحافظ عليها فهي مكملة للفرائض.
وكما في حديث ابن عمر أنها عشر ركعات، وجاء في حديث أم حبيبة أنها اثنتا عشرة ركعة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، والحديث: هو أن النبي ﷺ قال: (من حافظ على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله له بيتاً في الجنة)، والزيادة في حديث أم حبيبة صحيحة وثابتة، وتكون أربع ركعات قبل الظهر بسلامين، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر.
وإذا صلى أربع ركعات بعد الظهر فهو أفضل، فيزيد أيضاً ركعتين؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار) وليست من الرواتب، لكن إذا زاد ركعتين فيكون أفضل.
وكذلك يشرع أن يصلي أربع ركعات قبل العصر لما جاء في الحديث: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً).
وكذلك يسن أن يصلي ركعتين بعد كل أذان؛ لقول النبي ﷺ : (بين كل أذانين صلاة! بين كل أذانين صلاة!).
والسنن الرواتب تقضى إذا فاتت مادام الوقت باقياً، فإذا فاتت السنة القبلية بعد الظهر يصليها بعد الظهر إلى دخول وقت العصر، وسنة المغرب إلى مغيب الشمس، وسنة العشاء إلى نصف الليل، وسنة الفجر جاء ما يدل على أنها تصلى قبل الفجر مباشرة وتصلى أيضاً بعد طلوع الشمس، وثبت أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي بعد الفجر فقال: (آصبح أربعاً؟) فذكر أنه لم يصل ركعتين قبل الفجر؛ فسكت.
وجاء ما يدل على أن النبي صلى بعد الشمس، فإذا كان الإنسان يتشاغل عنها يصليها بعد الفجر مباشرة، وإن أخرها إلى بعد طلوع الشمس فلا حرج، فهذا كله جائز.
وإذا صلى سنة الظهر الأربع بسلام واحد فكثير من الفقهاء يرى أنه لا حرج، ولكن الأفضل أن يسلم لكل ركعتين، أما صلاة الليل فلا يجوز صلاة أربع مرة واحدة؛ لقول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) وهذا خبر بمعنى الأمر.
أما صلاة النهار فقد جاء في رواية النسائي: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، وبعض العلماء قالوا: في كلمة: (والنهار) إنها غير ثابتة، فعلى هذا لا بأس أن يصلي أربعاً، لكن الأفضل أن يسلم لكل ركعتين، نرى الآن الأحناف وبعض العمال الباكستانيين يصلون أربع ركعات بسلام واحد، وترك هذا أولى.
وأورد المؤلف رحمه الله تعالى نقلاً عن ابن عمر أنه قال: [حدثتني حفصة: (أن رسول الله ﷺ كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين) وهما آكدهما، ويستحب تخفيفهما، وفعلهما في البيت أفضل، وكذلك ركعتا المغرب].
ركعتا الفجر آكد السنن الرواتب؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).
وجاء في حديث وفيه ضعف: (لا تدعوهما ولو طردتكم الخيل).
وركعتا الفجر صلاتهما في البيت أفضل إذا تيسر، وكان النبي يصليهما في بيته، وكان إذا أذن المؤذن وطلع الصبح جاء بلال إلى النبي ﷺ ، فركع -أي: النبي ﷺ ركعتين ثم اضطجع على شقه الأيمن، ثم يخرج يصلي بالناس، فالأفضل إن تيسر صلاتهما في البيت، وإن لم يتيسر صلاهما في المسجد، وإذا صلاهما في البيت ثم جاء إلى المسجد وما أقيمت الصلاة فيصلي تحية المسجد، وكذلك سنة المغرب يصليها في بيته، بل الأفضل صلاة جميع السنن الرواتب في البيت؛ لقول النبي ﷺ : (صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فهذا هو الأفضل إن تيسر ولاسيما ركعتي الفجر وركعتي المغرب.
وسنة قبل المغرب ثابتة؛ لما في صحيح البخاري: أن الصحابة كان يبتدرون السواري بعد أذان المغرب فيصلون ركعتين.
ولقوله ﷺ : (صلوا قبل المغرب! صلوا قبل المغرب! صلوا قبل المغرب! ثم قال في الثالثة: لمن شاء) وقوله: (لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة واجبة، ولو لم يقل: (لمن شاء) لصارت واجبة، فدل على أنها مستحبة.
وهذا يدل على أن وقت المغرب واسع، وما يزعمه بعض الناس من أن وقت المغرب قصير لا يتسع إلا لثلاث ركعات ليس بصحيح، بل قد ثبت أن وقت المغرب إلى مغيب الشفق، أي: ما يقارب ساعة إلى ساعة وثلث.
والمقصود: أنه واسع، وما يفعله بعض الناس من كونهم يبادرون إلى الصلاة، ولا يتمكن بعضهم من الوضوء الكامل فهذا خلاف الأولى، حتى أصبح الناس يقفون عند المؤذن، فبمجرد ما ينتهي المؤذن من الأذان يؤمر بإقامة الصلاة، وهذا غلط مخالف لقول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب) والصحابة كانوا يبتدرون السواري، وما كان النبي ﷺ ينكر عليهم وإن كان يبكر بالمغرب أكثر من غيرها، لكن ما كان يبادر هذه المبادرة الشديدة.
وفي الحديث الآخر: (وبين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والمتوضئ من وضوئه) فينبغي مراعاة ذلك.
أما في السفر فتسقط السنن الرواتب كراتبة الظهر والمغرب والعشاء إلا ركعتي الفجر؛ لكون النبي ﷺ كان لا يتركها حضراً ولا سفراً.
والمسافر ليس عليه جمعة يصليها ركعتين، وإذا أتم الصلاة وأراد أن يسافر فلا بأس؛ لأن ابن عمر يقول: لو كنت متنفلاً أو مسبحاً لأتممت، فإذا أتم الصلاة مع الناس لا بأس.
стр. 199
صلاة الوتر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثاني: الوتر ووقته ما بين صلاة العشاء والفجر].
الوتر مستحب، وسنة مؤكدة؛ لحديث: (إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر).
والوتر أقله ركعة، ووقته بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وإذا جمع بين الصلاتين -أي: المغرب والعشاء- جمع تقديم دخل وقت الوتر، وكما قلنا: أقله ركعة واحدة، يقرأ فيها الفاتحة وقل هو الله أحد، وإن أحب أن يقنت رفع يديه وقنت بعد الركوع، وإلا فالوتر يحصل ولو لم يقنت.
والقنوت مستحب وأقله ركعة، وأفضل الصلاة ثلاث ركعات، وكان النبي ﷺ يصلي في الغالب اثنتا عشرة ركعة كما في حديث عائشة: (ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) يعني: في الغالب، وثبت من حديث ابن عباس أنه أوتر بثلاث عشرة ركعة.
وثبت أيضاً في صحيح البخاري: أنه كان يوتر في بعض الأحيان بسبع وأحياناً بتسع، لكن الغالب أنه يوتر بإحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة، يسلم لكل ركعتين، هذا هو الأفضل، وإن أوتر بثلاث وسردها بسلام واحد فلا بأس، وكذلك إذا أوتر بخمس يسردها ولا يجلس إلا في آخرها، وكذلك له أن يسرد السبع الركعات، لكن يجلس في السادسة ويتشهد ثم يقوم ثم يأتي بالسابعة، وهو مخير في ذلك كله.
أما إذا أوتر بتسع ركعات فلابد أن يجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم ويأتي بالتاسعة ويتشهد، أما اثنتا عشرة ركعة فلم يرد، أي: أنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك، لكن ذكر صاحب الروض المربع وغيره أنه له أن يسرد إحدى عشرة ركعة، ويجلس في العاشرة ويتشهد ثم يقوم ويأتي بالحادية عشرة.
وهذا في صلاة الليل إذا كان الإنسان يصلي وحده، أما إذا كان يصلي بالناس فلا يفعل هذا؛ لأن فيه مشقة على الناس، لكن إذا سرد ثلاث ركعات فلا بأس.
المقصود: أن يصلي ثلاث ركعات غير سنة العشاء، فسنة العشاء راتبة، فيصلي ركعتين أو أربع، فلو صلى أربعاً بعد العشاء فلا بأس، ثم يصلي الوتر ركعة أو ثلاث ركعات غير سنة العشاء، وسنة العشاء هذه راتبة.
ومحل القنوت في الوتر بعد الركوع، وأما قبله فقد جاء في حديث أنس، وفعله بعض الأئمة أي: قنت قبل الركوع، وقال: إنما قنت لأبين للناس أنه جائز.
والأولى أن يكون بعد الركوع، وجاء في بعض حديث أنس: أن النبي ﷺ قنت قبل الركوع، لكن هذا قليل، والأحاديث الكثيرة وردت أنه قنت بعد الركوع، وهي السنة.
وإذا صلى الوتر ثلاث ركعات فلابد أن يسردها ولا يجلس إلا في آخرها، ولا يشبهها بالمغرب، والتشهد مرة واحدة.
والقنوت لا يداوم عليه، إنما الوتر هو الذي يستحب المداومة عليه.
وإذا فاته الوتر يقضيه، (فقد كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة).
وإذا نام عن الوتر أو ما استطاع يقضيه من النهار في الضحى، لكن يشفعه بركعة، فإذا كان يوتر بخمس يصلي في الضحى ست ركعات، ويسلم لكل ركعتين، وإذا كان يوتر بتسع يصلي في الضحى عشر ركعات؛ لأن النبي ﷺ كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، فإذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة يداوم عليها.
والسنة المداومة على الوتر، لكنه ليس بواجب، واستدل الإمام البخاري ﵀ في صحيحه على أن الوتر ليس بواجب بأن النبي ﷺ كان يصليها على الراحلة، فقال: ولو كان واجباً لنزل وصلى في الأرض؛ لأنه في الفريضة ما كان يصلي على الراحلة، وإنما كان يقف ويصلي على الأرض، أما النافلة فكان يصلي على راحلته حيث تتجه به، وكذلك الوتر كان يصليها على الراحلة، فكون النبي ﷺ يصلي الوتر على الراحلة فيه دليل على أنه ليس بواجب.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الوتر واجب، واحتج عليه البخاري بما تقدم آنفاً.
أما القنوت فمستحب ولا ينبغي المداومة عليه، وإنما يفعله في بعض الأحيان ويتركه في أخر، والسلف ما كانوا يداومون عليه، وقد جاء ما يدل على أن القنوت في رمضان يكون في النصف الأخير منه، وهذا رأي بعض العلماء.
والمقصود: أن القنوت ما يداوم عليه، لكن صلاة الوتر هي السنة المداوم عليها.
مسألة: إذا أوتر في أول الليل، ثم يسر الله أن يقوم آخره فإنه يصلي ركعتين ركعتين ولا يزيد، كذلك إذا أوتر مع الإمام في رمضان ثم يسر الله له القيام في آخر الليل يصلي ما تيسر ولا يحتاج أن يوتر مرة ثانية؛ لقول النبي: (لا وتران في ليلة)، قال بعض العلماء: إنه يصلي ركعة وينوي بها أن يشفع الوتر في أول الليل، ثم يصلي ما تيسر، ثم يوتر من آخر الليل، هذا قول لكنه قول ضعيف؛ لأن معناه أنه نقض وتره السابق، وأوتر ثلاث مرات.
والصواب: أنه لا حرج من الصلاة بعده، والأفضل أن يكون -أي: الوتر- آخر الليل، لكن لو لم يوتر آخره فلا حرج من الصلاة بعده، والدليل على هذا ثابت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ صلى الوتر، ثم صلى بعده ركعتين)، فدل هذا على أن الصلاة بعد الوتر ليست حراماً.
وأما قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) فهذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب، فإذا أوتر أول الليل ثم قام آخره فإنه يصلي والحمد لله، ويكتفي بوتره السابق ولا يوتر مرة ثانية.
وأما الصلاة على الراحلة فهذا في السفر، أي: كان النبي ﷺ يصلي السنن النوافل على الراحلة في السفر لا في الحضر، وجاء في سنن أبي داود أنه كان يستقبل القبلة، فإذا استقبلهما فحسن، والأحاديث الأخرى ليس فيها ما يدل على أنه يستقبل القبلة، فإذا استقبلها عند تكبيرة الإحرام ثم يصلي إلى حيث تكون جهته فلا بأس.
стр. 200
أقل الوتر وأكثره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة].
قوله: وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، هذا الأفضل، وإلا فليس له حد، فلو صلى مائة ركعة يصلي ركعة في آخر صلاته؛ لقول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل واحدة توتر له ما قد صلى) أو كما جاء عن النبي ﷺ .
فهذا ثابت، لكن فعل النبي ﷺ هو الأفضل، وهو ما قال: لا تصلوا أكثر من اثنتي عشرة ركعة، بل قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين].
أدنى الكمال ثلاث بتسليمتين أو بتسليمة واحدة، أي: يسردها سرداً دون تشهد أول، هذا أدنى الكمال، وأدنى السنية ركعة واحدة، فإذا صلى ركعة واحدة أدى السنية، لكن أدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين أو بسلام واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقنت في الثالثة بعد الركوع].
وهذا للاستحباب في بعض الأحيان.
وأما حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها) فهذا في الفريضة، أما الوتر فليس بفريضة.
стр. 201
التطوع المطلق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثالث: التطوع المطلق، وتطوع الليل أفضل من النهار].
التطوع المطلق: هو الذي لم يقيد بوقت، فهذا يسمى التطوع المطلق، وما قيد بوقت فمثل الوتر حيث قيد بالليل، وكذا السنن الرواتب تطوع مقيد.
والتطوع المطلق أن يصلي ما شاء في الليل أو في النهار، بعد المغرب أو بعد الظهر، وكذا سنة الوضوء من التطوع المطلق، وتحية المسجد من التطوع المطلق الذي لم يقيد بوقت.
وقوله: (وتطوع الليل أفضل من النهار).
فإن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنصف الأخير أفضل من الأول].
لأن الثلث الأخير فيه التنزل الإلهي؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) فالأفضل النصف الأخير من الليل.
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان لا يفر إذا لاقى) ﵊، لقد آتاه الملك والحكمة والنبوة ﵊ فكان يقضي بين الناس ﵊، وكان ينام النصف الأول من الليل ثم يقوم الثلث، يعني: يقوم السدس الرابع والسدس الخامس، ثم ينام السدس السادس ليتقوى به على أعمال النهار؛ لأنه كان حاكماً يقضي بين الناس قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦].
والنبي ﵊ كان ينام نصف الليل الأول، ثم يقوم ثلث الليل الأول، يعني: السدس الرابع والخامس، ثم ينام السدس السادس فيتقوى به على العبادة، ونحن الآن نصف الليل الأول وثلثي الليل لا ننام، فإذا جاء وقت النزول الإلهي نمنا والله المستعان.
تقول عائشة في وصف قيام النبي ﷺ : (من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر).
ولما سئلت: متى يقوم النبي؟ قالت: حين يصيح الصائح وهو الديك، وهذا في ثلث الليل، وقالت عائشة ﵂: (من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ وانتهى وتره إلى السحر)، فثلث الليل أفضل من الثلث الأخير.
وفي الحديث الآخر: (سئل النبي ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال: جوف الليل أفضل)، فالسدس الرابع والخامس أفضل وهو ثلث الليل، والسدس الرابع داخل في صلاة داود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصلاة الليل مثنى مثنى].
وهذه هي السنة، أي: صلاة الليل مثنى مثنى؛ لقول النبي ﷺ في الصحيح من حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى) رواه البخاري في صحيحه.
ومعنى (مثنى مثنى)، أي: ثنتين ثنتين، وهذا خبر لكن معناه الأمر، والمعنى: لتكن صلاة الليل مثنى مثنى، أما صلاة النهار ففيها الخلاف، والجمهور يرون أنه لا بأس؛ لحديث: (صلاة الليل والنهار مثنى) وكلمة (والنهار) طعن فيها بعض العلماء كـ النسائي وغيره، ولهذا قالوا: لا بأس بصلاة النهار أربع ركعات، ولكن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين حتى في النهار، أما الليل فلا يجوز أن يصلي أربع ركعات شفعاً أو ست ركعات بسلام واحد، إلا إذا نوى الوتر فيصلي ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم].
أي: يجوز للإنسان أن يصلي قاعداً وهو يقدر على القيام في النافلة، فلو أردت أن تصلي مثلاً الضحى وأنت جالس فلا بأس، أو تصلي الليل وأنت جالس، أو تصلي سنة الظهر القبلية أو البعدية وأنت جالس فلا بأس، لكن لك نصف أجر القائم، بخلاف المريض، أي: إذا كان الإنسان مريضاً لا يستطيع القيام فله أجر القائم؛ لحديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد وسافر كتب الله له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً).
أما إذا كان صحيحاً فأحب أن يصلي جالساً فله ذلك، ولكن ليس له من الأجر إلا النصف، وهذا في غير النوافل، أما في الفريضة فلا يجوز أن يصلي جالساً وهو يستطيع.
فالسنة الراتبة يجوز أن تصليها وأنت جالس، وكذا صلاة الضحى والوتر وتحية المسجد وسنة الوضوء وصلاة الليل، لكن إن كنت قادراً فليس لك إلا نصف أجر القائم، وإن كان الإنسان لا يستطيع القيام لكبر أو مرض فأجره تام.
أما في الجنازة فلا ينبغي للإنسان أن يصليها جالساً؛ لأن وقته قصير، -أي: القيام- فلابد منه، وكان النبي ﷺ يصلي قائماً، فلما كبر وضعف في آخر حياته كان يصلي جالساً، قالت عائشة ﵂: (لما ثقل وكبر كان يصلي صلاة الليل جالساً)، وكان يقرأ قراءة طويلة فإذا بقي عليه ثلاثون آية قام وقرأها ثم ركع، كما قال حذيفة: أنه صلى معه مرة وقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة.
قال عبد الله بن مسعود وهو شاب: (صليت مع النبي ﷺ فأطال القراءة حتى هممت بأمر سوء).
قيل له: وما هممت يا عبد الله بن مسعود؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، يعني: ما استطاع طول قيامه ﵊ وهو شاب، والنبي في الستين من عمره ﵊.
قالت عائشة ﵂: (وكان ركوعه قريباً من قيامه، وسجوده قريباً من قيامه)، فكان في آخر حياته يصلي وهو جالس ويقرأ قراءة طويلة، فإذا بقي عليه ثلاثون آية قام فقرأها ثم ركع ﵊.
أما الصلاة على الدابة أو السيارة فهذا في السفر خاصة وليس في الحضر، ثم إن قائد السيارة لا يصلي النافلة؛ لأنه في خطر، فالسائق لا ينبغي له أن يصلي على السيارة لأنه ليس كركوب الدابة.
стр. 202
ما تسن له الجماعة
стр. 203
صلاة التراويح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الرابع: ما تسن له الجماعة وهو ثلاثة أنواع: أحدها: التراويح وهي عشرون ركعة، بعد العشاء في رمضان].
قوله: عشرون ركعة، صلاها الصحابة ﵃، وصلوا أيضاً إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة، وليس لها عدد محدد، وكلام المؤلف يوهم أنه لا يزاد على عشرين ركعة، وبعض السلف كان يصليها أربعين ركعة، والصحابة صلوا عشرين ركعة، فليس لها عدد محدد.
стр. 204
صلاة الخسوف والكسوف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني: صلاة الخسوف، فإذا كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة وإن أحبوا أفراداً].
إذا كسفت الشمس وخسف القمر يشرع للمسلمين أن يصلوا صلاة مستحبة، بل يتأكد في حقهم؛ لقول النبي ﷺ : (فافزعوا إلى الصلاة)، وظاهر الأمر الوجوب، فرادى أو جماعة، رجالاً ونساء.
وينادى لها: الصلاة جامعة! الصلاة جامعة! وهل يعمل بالجرائد والصحف والإعلانات اليوم؟ الجرائد لا يعمل بها؛ لأنه قال: (فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة) فالمراد إذا رأيتها بالعين المجردة، ولا تتكلف كما يفعل بعض الناس اليوم، فيأتي بزجاجة وينظر إلى الشمس، لا داعي لهذا، بل إذا رأيت الخسوف أو الكسوف بعينك فإنك تصلي، ولابد أن ترى بعينك، أما مسألة الإعلان فهذا قد يحصل وقد لا يحصل؛ لأنهم الآن يدركون هذا بالحساب، لكن قد يخطئ الحاسب، فهي مثل أخبار بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب؛ لأنهم أحياناً يخبرون فيقولون: تكسف الشمس ولا يحصل كسوف وأحياناً يحصل، فهم يخطئون في الحساب، كما قال شيخ الإسلام وابن القيم: فإذا كان الحاسب جيداً أدركه، وإذا كان الحاسب غير جيد فقد يخطئ.
المقصود: أن كلام الجرائد ما عليه العمل، إنما ينظر الإنسان بعينه إلى الشمس والقمر، فإذا رآها كسفت صلى، والرؤيا تكون بالعين المجردة بدون تكلف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا ما كسفت الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة إن أحبوا جماعة، وإن أحبوا أفراداً، فيكبر ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون التي قبلها، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، ثم يقوم فيفعل مثل ذلك فتكون أربع ركعات وأربع سجدات].
هذه صلاة الكسوف، تصلى أربعة ركوعات وأربع سجدات في ركعتين، ففيها زيادة ركوع عن الصلاة المعروفة، فيكبر ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلاً، ثم يرفع ويقرأ الفاتحة مرة أخرى، ثم يقرأ سورة طويلة إلا أنها دون القراءة الأولى، ثم يركع ركوعاً طويلاً، وهذا الركوع الثاني لكنه دون الركوع الأول، ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم للثانية ويقرأ الفاتحة وسورة إلا أنها دون القراءة التي قبلها، ثم يركع ركوعاً دون الركوع الذي قبله، ثم يرفع رأسه ويقرأ الفاتحة وسورة إلا أن القراءة دون القراءة التي قبلها، ثم يركع ركوعاً دون الركوع الذي قبله، فتكون أربع ركعات في أربع سجدات، فهذا هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم في الأحاديث الصحيحة.
وجاء أيضاً في صحيح مسلم في صفة صلاة الكسوف أنه ركع في كل ركعة ثلاثة ركوعات.
وجاء في حديث آخر أربعة ركوعات في كل ركعة، فيكون قد ركع ثمان مرات.
وجاء في حديث آخر خمسة ركوعات، ومن العلماء من قال: إنها ثابتة، وإن النبي ﷺ أقام في المدينة عشر سنوات.
والمعروف عند العلماء أنه ما كسفت الشمس إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم ﵇، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن ما عدا صلاة ركعتين في كل ركعة ركوعان يكون حكمه شاذاً.
وقال آخرون من أهل العلم: يمكن هذا وليس ببعيد؛ لأن النبي ﷺ أقام مدة طويلة عشر سنوات، فيحمل على أنه تكرر الكسوف مرات، وأنه صلى مرة في كل ركعة ثلاثة ركوعات، وفي كل ركعة ركوعين، وفي مرة أربعة ركوعات، وفي مرة خمسة ركوعات.
لكن المعروف عند الجمهور أن ما زاد على ركوعين فهو شاذ؛ لأن هذا هو الذي اتفق عليه الشيخان وقالوا: إن الشمس لم تكسف في عهد النبي ﷺ إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم عليه الصلاة السلام.
وهل يصلى الكسوف إذا كسف القمر ولو بعد الفجر؟ من العلماء من قال: إنه من بعد الفجر يزول سلطان القمر، فلا يصلى إلا إذا كان الكسوف مبكراً، وقال بعض أهل العلم: إنه قد يصليها قبل الفجر، أو أنه يبكر بالفجر ويصليها بعدها، أما إذا كان متأخراً فلا، وكان بعض الناس يصلون الكسوف والشمس قد طلعت وهذا لا يصلح؛ لأنه قد زال الليل كله وزال القمر، وظهر سلطان الشمس.
ولا يدرك المؤتم الركعة الأولى من صلاة الكسوف إلا إذا أدرك الركوع الأول، فإن فاته الركوع الأول يقضي تلك الركعة كاملة.
стр. 205
صلاة الاستسقاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث صلاة الاستسقاء: وإذا أحدبت الأرض واحتبس القطر خرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين].
هذه هي السنة في صلاة الاستسقاء، أي: أنها تكون على هذه الحال، بأن يخرجوا متبذلين لابسين ثياباً رثة، وليس كيوم العيد، أي: يلبسون الثياب الجميلة؛ لأن هذا المقام مقام خضوع وذل وانكسار بين يدي الله، فيلبس الثياب العادية، ولا يتطيب ويتصدق قبل ذلك إذا أمكن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ثم يخطب بهم خطبة واحدة، ويكثر فيها من الاستغفار وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به].
هذه هي السنة، أي: أن يصلي بهم ركعتين، ثم يخطب خطبة واحدة يكثر فيها من الاستغفار والآيات التي فيها الأمر بالاستغفار والتوبة، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١١]، وقوله تعالى عن هود: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا﴾ [هود:٥٢].
فهذه خطبة واحدة وليست كالعيد خطبتان، وقد جاء ما يدل على جواز الخطبة قبل الصلاة وبعدها، فجاء ما يدل على هذا وهذا، لكن الآن أصبحت تقدم الصلاة على الخطبة، وإن قدمت الخطبة على الصلاة فلا حرج في ذلك، وخطبة الاستسقاء لا يوجد سلام في أولها كخطبة الجمعة، وإنما يبدأ بالخطبة مباشرة.
والسنة افتتاح الخطبة بالحمد لله، وكذا خطبة العيد والاستسقاء والجمعة فكلها تفتتح بالحمد لله، ولم يأت التكبير في خطبة العيد إلا عن بعض الصحابة، ولم يثبت في ذلك حديث.
والسنة في وقت صلاة الاستسقاء أول النهار بعد طلوع الشمس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحول الناس أرديتهم].
يحولون أرديتهم تفاؤلاً في تغيير الحال؛ حتى يغير الله ما بهم من الجدب والقحط إلى المطر والغيث والرحمة، والإمام يحول رداءه بعد الخطبة، ثم يدعو بعد ذلك.
ولا ينبغي للإمام أن يجلس، بل ينبغي له أن يدعو بدعوات، ويؤمن على الدعاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، ويؤمروا أن ينفردوا عن المسلمين].
إذا كان في البلد أهل ذمة -من يهود أو نصارى- يدفعون الجزية فلا بأس أن يخرجوا معهم؛ لأن المشركين من اليهود والنصارى يخيرون بين الإسلام وبين دفع الجزية وبقائهم على دينهم، أو القتال، فإذا رضوا أن يدفعوا الجزية فيبقون على دينهم، ويكونون تحت حماية المسلمين، أما الوثنيون فليس لهم إلا الإسلام أو السيف، كالمجوس وغيرهم.
فإذا كان في البلد أهل ذمة من يهود أو نصارى وأرادوا أن يستسقوا فلا يمنعوا، ولا يكون لهم يوم خاص، بل يكون في نفس اليوم الذي يستسقي فيه المسلمون.
قوله: ويؤمرون أن ينفردوا عن المسلمين، أي: يكونون في مكان خاص، فأما أن يختاروا يوماً آخر فلا؛ لأنهم قد يمطرون في اليوم الذي استسقى فيه أهل الذمة فيحصل لهم فتنة، فلا ينفردون بيوم غير اليوم الذي يستسقي فيه المسلمون، لكن في نفس اليوم ينفردون في مكان خاص.
فإن إجابة الدعاء للكافر المضطر مما توجبه الربوبية، إذا كان له ضرورة، كما أن الله يخلق المؤمن والكافر، ويرزق المؤمن والكافر، فهذا من الرزق الذي يرزقهم الله، ولكن الفرق بين المسلم والكافر: أن الكافر إذا أجيبت دعوته قد تكون فتنة ومضرة عليه بالاستدراج؛ لأن كفره وفسوقه يقتضي ذلك.
стр. 206
سجود التلاوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الخامس: سجود التلاوة، وهو أربعة عشرة سجدة، في الحج منها اثنتان، ويسمى السجود].
يعني: سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر سجدة، منها في الحج سجدتان، والصواب: أن سجدة صاد يقال لها أيضاً: سجدة، فقد فتكون خمسة عشر سجدة، ثبت في صحيح البخاري: عن ابن عباس أنه قال: (صاد ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها).
قال بعض العلماء: إنها ركوع وليست سجدة.
والصواب: أنها سجدة، وخالف بعضهم في السجدة الثانية التي في سورة الحج، وكذلك خالف بعضهم في السجدات التي في المفصل، أي: سجدة النجم والانشقاق والعلق، وثبت أن أبا هريرة قال: (رأيت النبي ﷺ يسجد فيها)، وكونها ثابتة تكون السجدات خمسة عشر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع].
فإذا كان الإنسان يقرأ القرآن وحوله من يستمع وينصت فإنه يسن لهم أن يسجدوا معه، ويكون الساجد إماماً للمستمع، أما السامع فلا يشرع له.
والفرق بين السامع والمستمع: أن المستمع: هو الذي يستمع للقراءة ويتدبرها، أما السامع: فهو الذي يسمع الصوت لكنه غير مستمع، ولا يتدبر ما يشرع له السجود، فهذا يقال له السامع، فيسن السجود للتالي وللمستمع دون السامع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه ثم يسلم].
هكذا رأى المؤلف، أن سجود التلاوة يعتبر صلاة، فيكبر إذا سجد، ثم يكبر إذا رفع، ثم يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله؛ لأنه صلاة، وما ذهب إليه المؤلف قاله كثير من الفقهاء.
وأيضاً لابد أن يكون على طهارة، وأن يكون مستقبلاً القبلة، وأن يكون مستور العورة، والمرأة لا تكون مكشوفة الرأس؛ لأنه عورة.
وهناك قول آخر: وهو أن سجود التلاوة أنه ليس بصلاة، وعلى هذا فيكبر إذا سجد، ويرفع رأسه بدون تكبير ولا يحتاج إلى سلام، ولو كان يقرأ عن ظهر قلب فيسجد؛ لأنه خضوع لله وليس صلاة، وذهب إلى هذا ابن عمر والبخاري ﵀.
стр. 207
الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها.
قال: وهي خمس: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب، وإذا تضيفت حتى تغرب].
الساعات التي نهي عنها خمس على سبيل البسط، وهي ثلاث على سبيل الاختصار، فعلى سبيل البسط: بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وبعد العصر حتى تتضيف للغروب، وعند طلوعها للغروب حتى تغيب.
وأما على سبيل الاختصار فهي ثلاثة: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى ترتفع، وعند قيام الشمس حتى تميل، والدليل عليه قول النبي ﷺ : (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس).
وكذلك أيضاً نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند قيامها، فالوقتان الطويلان تفعل فيهما الصلاة ذوات الأسباب، وتدفن الجنازة بعد صلاة العصر حتى تتضيف للغروب، يعني: حتى تتهيأ للغروب، أما إذا مالت إلى الغروب فهذا وقت قصير، فلا يصلى حتى يتم غروبها.
والوقت الثاني وقت طويل، وهو من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، أما عند طلوعها حتى ترتفع فهذا وقت قصير جداً، وكذا عند قيامها إذا وقفت في وسط النهار حتى تزول، فإذا مالت إلى جهة الغروب زاد الظل شيئاً بعد فيء الزوال، والأوقات القصيرة لا يصلى فيها، ولا يدفن فيها الموتى؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب).
فهذه أوقات قصيرة، وقتها ما يقارب الربع ساعة أو ما أشبه ذلك، فيحتاط الإنسان بعد طلوع الشمس مدة ربع ساعة، وإن انتظر نصف ساعة فهو أثبت، وكذلك عند شروعها في الغروب، وعند استوائها للنهار مدة عشر دقائق أو ما يقارب ذلك.
стр. 208
النهي عن صلاة التطوع في أوقات الكراهة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه لا يصل فيها تطوعاً إلا في إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد].
يعني: إذا صلى في المسجد صلاة العصر أو صلاة الفجر ثم جاء إلى مسجد آخر وهم يصلون فإنه يصلي معهم، ويعيد الجماعة، ولا يجلس، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في منى، فلما سلم وجد رجلين جالسين، فقال: (ما لكما؟ فقالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا) يعني: صليا في منى قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما إلى مسجد الجماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)، وفي الحديث الآخر: (فصل ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي)، فلا ينبغي للإنسان أن يجلس أمام الناس وهم يصلون وإن كان قد صلى، فإذا صلى كانت له نافلة، فإذا صلى في مسجد العصر أو في مسجد الفجر ثم جاء إلى مسجد آخر يريد حاجة أو لحضور درس فوجدهم يصلون فإنه يصلي معهم، وتكون له الصلاة الثانية نافلة.
أما يوم الجمعة فظاهر الأحاديث أنه مستثنى، وقد جاء في الحديث: (من جاء وصلى ما كتب له حتى يخرج الإمام).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وركعتا الطواف بعده].
كذلك ركعتا الطواف، أي: إذا كان يطوف بالبيت الحرام بعد العصر أو بعد الفجر فإنه يصلي ركعتي الطواف ولو كان في وقت النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب، ومثله أيضاً تحية المسجد على الصحيح، فإذا دخل المسجد فيصلي ركعتين، وكذلك سنة الوضوء.
وقال جمهور العلماء: إن أحاديث النهي مقدمة؛ لأنها أصح وأكثر، والجمهور يرون أن الإنسان إذا جاء المسجد بعد العصر أو بعد الفجر فإنه يجلس.
والقول الآخر لأهل العلم: أن عموم النهي مخصوص، ويؤيد هذا أن الجمهور قالوا: لا بأس بصلاة الجماعة، ولا بأس أن يقضي الفريضة، والصواب: أنه تصلى ذوات الأسباب وما عداها لا يصلى، قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصلاة على الجنازة].
أي: تستثنى الصلاة على الجنازة بعد العصر وبعد الفجر، وكذا صلاة الكسوف؛ لأنها صلاة لها سبب.
стр. 209
الوقت الذي يجوز قضاء الرواتب فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقضاء السنن الرواتب في وقتين منها، وهما بعد الفجر وبعد العصر].
أما بعد الفجر فنعم، فقد جاء ما يدل على ذلك وهو: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي بعد الفجر فقال: آصبح أربعاً؟ فقال له: لم أصل ركعتي الفجر، فسكت عنه).
أما بعد العصر فليس له ذلك، وهذا من خصائص النبي ﷺ ، حيث ثبت أنه ﷺ كان يصلي بعد العصر ركعتين، قالت عائشة ﵂: (ما دخل بيتي بعد العصر إلا صلى ركعتين)، وذلك أنه شغله وفد عبد القيس عن ركعتي راتبة الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما؛ لأنه ﵊ كان إذا عمل عملاً أثبته، وهذا من خصائصه، وكان من خصائصه المداومة على ما أثبت.
وجاء في مسند الإمام أحمد عن أم سلمة أنها قالت: (يا رسول الله! أفلا أقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا).
فدل على أن القضاء لراتبة الظهر بعد العصر والاستمرار عليها من خصائصه ﵊، فلا تقضى الراتبة بعد العصر.
أما راتبة الظهر القبلية فإنها تقضى بعدها إلى دخول وقت العصر، وراتبة المغرب تقضى إلى مغيب الشفق، وراتبة العشاء إلى نصف الليل، أما راتبة الفجر، فلا بأس أن يقضيها بعد الصلاة إلى قبل زوال الشمس، أما بعد الظهر إلى العصر فلا تقضى فقد فات محلها.
стр. 210
استثناء قضاء الفرائض من عموم النهي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز قضاء المفروضات].
لأن قضاء الفرائض مستثنى من عموم النهي، بقول النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك).
وإذا جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر فقد دخل وقت النهي في حقه، كما أنه إذا جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم فقد دخل وقت الوتر، فله أن يصلي الوتر بعد صلاة العشاء.
стр. 211
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٦]
من السنة أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذا كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سناً، ولا تصح صلاة من يعلم أن صلاة إمامه فاسدة، وصلاة الواحد عن يمين الإمام، فإن كان المأمومون أكثر فخلف الإمام، وتؤم المرأة النساء وتقف وسطهن، ويقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.
стр. 212
ما جاء في الإمامة
стр. 213
آداب الإمامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإمامة.
روى أبو مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].
في الإمامة أنه يقدم الأقرأ، قال ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة).
وفي عهد النبي ﷺ كان الأقرأ هو الأعلم بالسنة، فإذا تساووا في القراءة قدم الأعلم بالسنة، فإن تساووا في العلم بالسنة قدم الأقدم هجرة.
وفي اللفظ الآخر: (أقدم سلماًَ)، فإن تساووا في الهجرة والإسلام قدم الأكبر سناً، كما في الحديث الآخر: (فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: روى أبو مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته).
وفي اللفظ الآخر: (فأقدمهم حلماً)، وفي نسخة زيادة: (فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً).
وهذا ثابت في الحديث الآخر، إذا تساووا في العلم بالكتاب والعلم بالسنة والهجرة والإسلام فإنه يقدم الأكبر سناً، وجاء في حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم)، فهم كانوا متقاربين في القراءة والسن؛ ولهذا قال: (وليؤمكم أكبركم) لأنهم متقاربون في القراءة وفي العلم بالسنة.
قال ﷺ : [(ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].
إذا كان الشخص في بيته أو في مزرعته فإنك لا تؤمه، فهو أحق بالإمامة إذا صليتم الفريضة أو النافلة، إلا إذا عجز، فيقدم صاحب البيت ليصلي بالناس أو صاحب المزرعة أو صاحب السلطان في الإمارة، وولي الأمر هو أحق، وكذلك إمام المسجد لا يتقدم أحد عليه، فهو أحق بالإمامة، فلا يتقدم أحد على إمام المسجد، وكذلك لا يتقدم على صاحب البيت أو صاحب المزرعة أو الأمير في إمارته، فهو أحق بالإمامة، إلا إذا أذن لغيره فلا بأس.
وإذا كان القارئ عنده علم إجمالي بالسنة، بحيث إنه يستطيع أن يتصرف إذا حصل عليه خلل في صلاته فيقدم، فإن كان ليس عنده علم فلا يعتبر قارئاً؛ لأن القارئ في عهد الصحابة هو الأعلم بالسنة؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم معانيها والعمل بها، فالأقرأ هو الأعلم، وإذا كان جاهلاً لا يعرف شيئاً يقدم عليه، أما إذا كان عنده علم بالسنة لكن ما عنده توسع ولا تفصيل فإنه يقدم.
ومعنى الأقرأ أي: الأجود قراءة، ومن الجودة الحفظ، فهذا مقدم على غيره، يعني: الحفظ من القراءة، وإذا كان يجمع بين الأمرين فلا بأس، وإذا كانوا لا يحفظون ولكن أحدهما أحسن قراءة فهو الأقرب، فإذا كان أحدهما يحفظ والآخر لا يحفظ فالأحفظ هو المقدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـ مالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما وكانت قراءتهما متقاربة)].
وهذا فيه تقديم الأكبر سناً إذا تساووا في الصفات الأخرى إذا تساووا في القراءة وفي السنة والهجرة قدم الأكبر سناً.
ومعنى الهجرة أي: اثنان أسلما وهاجرا، أحدهما أقدم هجرة من الآخر بسنة فإنه يقدم الأقدم هجرة.
وكان مالك بن الحويرث وصاحبه متقاربين في القراءة؛ فلهذا قال: (ليؤمكما أكبركما) فقدم الأكبر سناً.
стр. 214
الإمام الذي لا تصح الصلاة خلفه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم].
هذا معلوم، فإذا كان يعلم أن صلاته فاسدة فلا تصح الصلاة خلفه، إذا علم أنه محدث وما توضأ، فهذا لا تصح الصلاة خلفه بالإجماع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده].
ظاهر العبارة أن هذا لمن يعلم النجاسة، إذا كان يعلم المأموم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح الصلاة، وإن كان لا يعلم إنما يعلم الإمام وحده صحت صلاة المأموم، وبطلت صلاة الإمام؛ فيعيد صلاته، مثل الإمام إذا صلى بالناس وهو على غير طهارة وهو لم يعلم فيعيدها وحده، فقد ثبت أن عمر ﵁ صلى بالناس جنباً وهو لا يعلم، ثم أعاد ولم يعد المأمومون، كذلك فعل عثمان، ففي هذه الحالة تكون صلاة المأموم صحيحة وصلاة الإمام باطلة، فيتوضأ ويعيد.
وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ لما أقيمت الصلاة جاء ووقف، فلما أراد أن يكبر قال: (مكانكم، ثم انصرف فرجع يقطر رأسه ماء فصلى بالناس وأم بهم) ولم تعد إقامة الصلاة؛ وهذا يحصل لأن الرسول ﷺ أراد أن يكبر ثم تذكر أنه جنب، وجاء في الحديث أنه قال: (ذكرت أني جنب فنسيت أن أغتسل).
فالمقصود: أن الإنسان قد ينسى، وإذا صلى بالناس ثم تذكر أنه على غير طهارة في أثناء الصلاة فإنه يتأخر ويقدم من يتم بهم الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
القول الثاني الذي ذهب إليه الحنابلة: أنه إذا تذكر أنه على غير طهارة فعلى المأمومين استئناف الصلاة من جديد، وليس لهم أن يبنوا على صلاته؛ لأنها باطلة، أما إذا كان على طهارة وأحس بأن طهارته سوف تنتقض ولا يستطيع الاستمرار فهنا يتأخر ويقدم آخر يصلي بهم، هذا على ما ذهب إليه الحنابلة، والقول الأول: لا فرق بين الحالتين، وهو الصواب؛ لحديث أبي هريرة في البخاري: (يصلون لكم)، يعني: أئمة الكفر، (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
فإذا علم أنه على غير طهارة تأخر وقدم من يتم بهم، فإن لم يقدم أحداً قدموا أحداً يتم بهم أو من يستأنف بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا أتموا صلاتهم فرادى.
وإذا استحيا الإمام ولم يخرج فهذا لا يجوز، ويأثم بهذا الفعل، وقد قال بعض العلماء: إن من صلى على غير طهارة متعمداً يكون مرتداً؛ لأنه مستهزئ بربه، لكن في مثل هذه الحالة قد يتأول الإنسان، فيوجد بعض الناس قد يجلس أو لا يستطيع الخروج، ذكر العلماء أنه إذا كان يغلب عليه الحياء فإنه يضع يده على أنفه فيوهم أنه رعف ثم يخرج.
وإذا كان الإمام قد أكل لحم إبل ولم يتوضأ لاعتقاده أنه لا ينقض الوضوء، فإذا كان يرى هذا وهو طالب علم فلا بأس، فيستمر في صلاته، وهي صحيحة، وصلاة من خلفه صحيحة، والصواب أن لحم الإبل ينقض الوضوء، قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان: الأول: (قيل: يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: نعم إن شئت، قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم)، والحديث الآخر: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، والحديثان لـ جابر وسمرة وهما صحيحان، والجمهور يقولون: إن هذا منسوخ بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، فقالوا: إن لحم الإبل داخل في هذا، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون مما مسته النار، إذا شرب مرقاً أو أكل طعاماً مسته النار أو شرب قهوة مثلاً يتوضأ، ثم نسخ، قالوا: ودخل في ذلك لحم الإبل، لكن الصواب أن لحم الإبل خاص، فهو ينقض الوضوء حتى ولو لم تمسه النار، حتى لو أكل لحماً نيئاً فإنه ينقض الوضوء للأدلة الخاصة بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده.
وفي نسخة (إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه) يعني: حتى سلم، ثم علم بعد ذلك فلا بأس، وهذا اللفظ هو الأقرب، يعني: إذا لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم، ولم يعلمه كذلك المأموم حتى سلم الإمام فهذه هي التي تستقيم والتقدير: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم ولم يعلمه المأموم.
فلما سلم علم أنه على غير طهارة، وأنه ما توضأ أو أنه أكل لحم جزور، أو أن عليه جنابة، فهنا تصح صلاة المأموم خلفه ويعيد الإمام وحده، أما إذا كان المأموم يعلم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح صلاته، ولا تصح الصلاة خلف إمام صلاته فاسدة إلا في حالة واحدة، وهي ألا يكون المأموم يعلم بفساد صلاة الإمام.
قوله: فإنه يعيد وحده.
يعني: الإمام يعيد وحده، كما ثبت أن عمر ﵁ أعاد وحده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه].
لا تصح الصلاة خلف إمام ترك ركناً من أركان الصلاة، إلا إذا كان الإمام مريضاً فجلس، وصلوا وراء جلوساً، كما فعل النبي ﷺ عندما كان مريضاً، فقد صلى جالساً والصحابة كانوا خلفه قياماً، فأشار إليهم أن يجلسوا، وقال لما سلم: كدتم أن تفعلوا كما تفعل الأعاجم يقفون على رءوس ملوكهم وهم قعود.
وفي مرضه في آخر حياته ﵊ تقدم أبو بكر يصلي بالناس، فجاء النبي ﷺ وجلس إلى جنبه عن يساره، فصلى النبي ﷺ جالساً وصلى أبو بكر قائماً، والناس قيام يقتدون بـ أبي بكر، وأبو بكر يقتدي بالنبي ﷺ .
واختلف العلماء في الجمع بينهما: فقال بعض أهل العلم: إن هذا ناسخ لما فعله في مرضه الأول؛ لأنه نهى الناس عن القيام في المرض الأول، وفي مرضه الأخير أقرهم على القيام.
وقال آخرون: إن أمرهم بالجلوس محمول على الاستحباب، وقيامهم خلفه محمول على الجواز.
وقال آخرون: إن الجمع بينهما: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالساً وجب عليهم الجلوس، وإذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس وجب عليهم القيام؛ لأنه في مرضه الأول صلى بالناس جالساً فأمرهم أن يجلسوا، وفي مرضه الأخير ابتدأ أبو بكر بالناس الصلاة قائماً، وجاء النبي ﷺ فأقرهم على القيام، فدل على أنه يجمع بينهما: بأنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم اعتل استمروا قياماً، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قياماً صلوا قياماً، وهذا خاص بالإمام، إذا كان الإمام مريضاً وصلى بالناس قائماً يصلون خلفه قياماً، وإذا صلى قاعداً فيصلون قعوداً، أما غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يركع، ولا يستطيع أن يسجد أو لا يستطيع أن يقوم، بل فيقدم غيره.
وللإمام أن يقدم غيره، لكن لو أراد أن يصلي فله ذلك، وبعض الأئمة لا يريد أن يقدم أحداً فله ذلك.
وأما المؤتمون فالصواب: أنهم مخيرون بين الجلوس وبين القيام، والجلوس أفضل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بذلك، والقيام جائز؛ لأن النبي أقرهم بذلك في حياته.
والخلاصة: إذا كان إمام الحي والإمام الراتب فلهم أن يجلسوا ولهم أن يقوموا، أما إذا كان غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون وراءه جلوساً إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً].
لهذا اختار أحد الجمعين: أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة قاعداً صلوا قعوداً كما فعل في مرضه الأول، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل صلوا قياماً كما فعل في مرضه الأخير.
القول الثاني الذي هو اختيار البخاري ﵀: أن الأمر بالقعود منسوخ، قال البخاري: وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ، وأنه يجب عليهم القيام.
القول الثالث لأهل العلم: أنهم مخيرون بين القيام وبين القعود، فإن قعدوا فهو أفضل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بالقعود، وإن استمروا جاز؛ لأن النبي ﷺ أقرهم في آخر حياته.
هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، والمؤلف اختار أحدها وهو أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة جالساً قعدوا، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل وقعد قاموا.
وإذا كان الإمام عاجزاً عن قيام ركن آخر من أركان الصلاة فلا تأتموا به كما قال المؤلف: لا يؤتم بمن كان عاجزاً عن ركن من أركان الصلاة.
стр. 215
الأشخاص الذين لا تصح إمامتهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح إمامة المرأة، ومن به سلس البول، والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم].
قوله: (ولا تصح إمامة المرأة)، لا تصح أن تكون المرأة إمامة للرجل؛ لحديث: (لا تؤمن امرأة رجلاً) وإن كان فيه ضعف، وحديث: (أخروهن حيث أخرهن الله) فلا يصح أن تؤم المرأة الرجال، وإنما تؤم المرأة النساء كما سيأتي.
قوله: (ومن به سلس البول)؛ لأنه يخرج منه في حالة الاستمرار، وكذلك من به جروح سيالة، فلا يتقدم الناس؛ لأن طهارته مستباحة.
ولهذا من به سلس فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا يصلي صلاتين في وضوء واحد، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ومن به سلس البول فإنه يجعل على ذكره شيئاً يعصبه به، كذلك المرأة المستحاضة تتحفظ بحفائظ، أو من به جروح سيالة، وكذلك من به سلس الريح، كل هؤلاء يتوضئون بعد الأذان فيصلون، وإذا جاء الوقت الثاني يجب عليه الوضوء، إلا إذا لم يخرج منه شيء.
يقول المؤلف: ومن به سلس لا يتقدم الناس؛ لأنه أخل بشرط من شروط الطهارة؛ ولأن صلاته مستباحة.
وهذا هو الأحوط.
القول الثاني: أنه لا بأس؛ لأن صلاته في نفسه صحيحة، ومن صحت صلاته صحت إمامته.
وقوله: والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم.
أي: الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة، أو يخل بها بأن يغير المعنى، كأن يقول: (إياكِ نعبد) بكسر الكاف، فهذا يخل بمعناها، فلا تصح الصلاة، أو يقول: (صراط الذين أنعمتُ عليهم) بضم التاء، أو يقول: (أهدنا الصراط المستقيم) من الهدية، أما إذا كان لا يخل بالمعنى، كأن يقول: (الحمد لله ربَ العالمين)، أو: (مالك يومُ الدين)، أو: (صراط الذين أنعمت عليهُم) كما يقول بعض العامة، فهذا لحن لكن لا يغير المعنى، فتصح الصلاة خلفه، لكن لا ينبغي له أن يكون إماماً للناس، فالإمام لابد أن يحسن القراءة، لكن الأول لا تصح الصلاة خلفه إلا بمثله، وإذا كان لا استطاع أن يقوم لسانه فتصح الصلاة بأن يصلي بمثله، أما غيره فلا تصح الصلاة خلفه، فهي باطلة، وأما الثاني فتصح الصلاة خلفه، لكن تركه أولى، إذا كان اللحن لا يغير المعنى، والصلاة بعده صحيحة، لكن لا ينبغي أن يقدم إماماً، فلا يقدم إلا الإمام الذي يحسن القراءة.
والذي لا يحسن القراءة ينبغي أن يتخلى عن الإمامة، أو يتعلم حتى يحسن القراءة.
فلو صلى خلفه المؤتم فالصلاة صحيحة وليست بباطلة، فينبغي أن يكون الإمام من أحسن الناس قراءة، فلا يختار للناس إماماً لا يحسن القراءة، ولو كان لا يصلي معه، وكذلك إذا كان يلحن فيجب عليه أن يتعلم، وإلا يرفع به فيعزل.
следующие страницы →