Полный текст (730 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٦]
من السنة أن يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإذا كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سناً، ولا تصح صلاة من يعلم أن صلاة إمامه فاسدة، وصلاة الواحد عن يمين الإمام، فإن كان المأمومون أكثر فخلف الإمام، وتؤم المرأة النساء وتقف وسطهن، ويقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء.
стр. 212
ما جاء في الإمامة
стр. 213
آداب الإمامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإمامة.
روى أبو مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].
في الإمامة أنه يقدم الأقرأ، قال ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة).
وفي عهد النبي ﷺ كان الأقرأ هو الأعلم بالسنة، فإذا تساووا في القراءة قدم الأعلم بالسنة، فإن تساووا في العلم بالسنة قدم الأقدم هجرة.
وفي اللفظ الآخر: (أقدم سلماًَ)، فإن تساووا في الهجرة والإسلام قدم الأكبر سناً، كما في الحديث الآخر: (فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: روى أبو مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته).
وفي اللفظ الآخر: (فأقدمهم حلماً)، وفي نسخة زيادة: (فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً).
وهذا ثابت في الحديث الآخر، إذا تساووا في العلم بالكتاب والعلم بالسنة والهجرة والإسلام فإنه يقدم الأكبر سناً، وجاء في حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم)، فهم كانوا متقاربين في القراءة والسن؛ ولهذا قال: (وليؤمكم أكبركم) لأنهم متقاربون في القراءة وفي العلم بالسنة.
قال ﷺ : [(ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].
إذا كان الشخص في بيته أو في مزرعته فإنك لا تؤمه، فهو أحق بالإمامة إذا صليتم الفريضة أو النافلة، إلا إذا عجز، فيقدم صاحب البيت ليصلي بالناس أو صاحب المزرعة أو صاحب السلطان في الإمارة، وولي الأمر هو أحق، وكذلك إمام المسجد لا يتقدم أحد عليه، فهو أحق بالإمامة، فلا يتقدم أحد على إمام المسجد، وكذلك لا يتقدم على صاحب البيت أو صاحب المزرعة أو الأمير في إمارته، فهو أحق بالإمامة، إلا إذا أذن لغيره فلا بأس.
وإذا كان القارئ عنده علم إجمالي بالسنة، بحيث إنه يستطيع أن يتصرف إذا حصل عليه خلل في صلاته فيقدم، فإن كان ليس عنده علم فلا يعتبر قارئاً؛ لأن القارئ في عهد الصحابة هو الأعلم بالسنة؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزها حتى نتعلم معانيها والعمل بها، فالأقرأ هو الأعلم، وإذا كان جاهلاً لا يعرف شيئاً يقدم عليه، أما إذا كان عنده علم بالسنة لكن ما عنده توسع ولا تفصيل فإنه يقدم.
ومعنى الأقرأ أي: الأجود قراءة، ومن الجودة الحفظ، فهذا مقدم على غيره، يعني: الحفظ من القراءة، وإذا كان يجمع بين الأمرين فلا بأس، وإذا كانوا لا يحفظون ولكن أحدهما أحسن قراءة فهو الأقرب، فإذا كان أحدهما يحفظ والآخر لا يحفظ فالأحفظ هو المقدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال لـ مالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما وكانت قراءتهما متقاربة)].
وهذا فيه تقديم الأكبر سناً إذا تساووا في الصفات الأخرى إذا تساووا في القراءة وفي السنة والهجرة قدم الأكبر سناً.
ومعنى الهجرة أي: اثنان أسلما وهاجرا، أحدهما أقدم هجرة من الآخر بسنة فإنه يقدم الأقدم هجرة.
وكان مالك بن الحويرث وصاحبه متقاربين في القراءة؛ فلهذا قال: (ليؤمكما أكبركما) فقدم الأكبر سناً.
стр. 214
الإمام الذي لا تصح الصلاة خلفه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم].
هذا معلوم، فإذا كان يعلم أن صلاته فاسدة فلا تصح الصلاة خلفه، إذا علم أنه محدث وما توضأ، فهذا لا تصح الصلاة خلفه بالإجماع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده].
ظاهر العبارة أن هذا لمن يعلم النجاسة، إذا كان يعلم المأموم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح الصلاة، وإن كان لا يعلم إنما يعلم الإمام وحده صحت صلاة المأموم، وبطلت صلاة الإمام؛ فيعيد صلاته، مثل الإمام إذا صلى بالناس وهو على غير طهارة وهو لم يعلم فيعيدها وحده، فقد ثبت أن عمر ﵁ صلى بالناس جنباً وهو لا يعلم، ثم أعاد ولم يعد المأمومون، كذلك فعل عثمان، ففي هذه الحالة تكون صلاة المأموم صحيحة وصلاة الإمام باطلة، فيتوضأ ويعيد.
وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ لما أقيمت الصلاة جاء ووقف، فلما أراد أن يكبر قال: (مكانكم، ثم انصرف فرجع يقطر رأسه ماء فصلى بالناس وأم بهم) ولم تعد إقامة الصلاة؛ وهذا يحصل لأن الرسول ﷺ أراد أن يكبر ثم تذكر أنه جنب، وجاء في الحديث أنه قال: (ذكرت أني جنب فنسيت أن أغتسل).
فالمقصود: أن الإنسان قد ينسى، وإذا صلى بالناس ثم تذكر أنه على غير طهارة في أثناء الصلاة فإنه يتأخر ويقدم من يتم بهم الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
القول الثاني الذي ذهب إليه الحنابلة: أنه إذا تذكر أنه على غير طهارة فعلى المأمومين استئناف الصلاة من جديد، وليس لهم أن يبنوا على صلاته؛ لأنها باطلة، أما إذا كان على طهارة وأحس بأن طهارته سوف تنتقض ولا يستطيع الاستمرار فهنا يتأخر ويقدم آخر يصلي بهم، هذا على ما ذهب إليه الحنابلة، والقول الأول: لا فرق بين الحالتين، وهو الصواب؛ لحديث أبي هريرة في البخاري: (يصلون لكم)، يعني: أئمة الكفر، (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
فإذا علم أنه على غير طهارة تأخر وقدم من يتم بهم، فإن لم يقدم أحداً قدموا أحداً يتم بهم أو من يستأنف بهم الصلاة، فإن لم يفعلوا أتموا صلاتهم فرادى.
وإذا استحيا الإمام ولم يخرج فهذا لا يجوز، ويأثم بهذا الفعل، وقد قال بعض العلماء: إن من صلى على غير طهارة متعمداً يكون مرتداً؛ لأنه مستهزئ بربه، لكن في مثل هذه الحالة قد يتأول الإنسان، فيوجد بعض الناس قد يجلس أو لا يستطيع الخروج، ذكر العلماء أنه إذا كان يغلب عليه الحياء فإنه يضع يده على أنفه فيوهم أنه رعف ثم يخرج.
وإذا كان الإمام قد أكل لحم إبل ولم يتوضأ لاعتقاده أنه لا ينقض الوضوء، فإذا كان يرى هذا وهو طالب علم فلا بأس، فيستمر في صلاته، وهي صحيحة، وصلاة من خلفه صحيحة، والصواب أن لحم الإبل ينقض الوضوء، قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان: الأول: (قيل: يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: نعم إن شئت، قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم)، والحديث الآخر: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، والحديثان لـ جابر وسمرة وهما صحيحان، والجمهور يقولون: إن هذا منسوخ بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، فقالوا: إن لحم الإبل داخل في هذا، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون مما مسته النار، إذا شرب مرقاً أو أكل طعاماً مسته النار أو شرب قهوة مثلاً يتوضأ، ثم نسخ، قالوا: ودخل في ذلك لحم الإبل، لكن الصواب أن لحم الإبل خاص، فهو ينقض الوضوء حتى ولو لم تمسه النار، حتى لو أكل لحماً نيئاً فإنه ينقض الوضوء للأدلة الخاصة بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن يعلم بحدث نفسه ولم يعلمه المأموم حتى سلم فإنه يعيد وحده.
وفي نسخة (إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه) يعني: حتى سلم، ثم علم بعد ذلك فلا بأس، وهذا اللفظ هو الأقرب، يعني: إذا لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم، ولم يعلمه كذلك المأموم حتى سلم الإمام فهذه هي التي تستقيم والتقدير: ولا تصح الصلاة خلف من صلاته فاسدة إلا لمن لم يعلم بحدث نفسه حتى سلم ولم يعلمه المأموم.
فلما سلم علم أنه على غير طهارة، وأنه ما توضأ أو أنه أكل لحم جزور، أو أن عليه جنابة، فهنا تصح صلاة المأموم خلفه ويعيد الإمام وحده، أما إذا كان المأموم يعلم أن صلاة الإمام فاسدة فلا تصح صلاته، ولا تصح الصلاة خلف إمام صلاته فاسدة إلا في حالة واحدة، وهي ألا يكون المأموم يعلم بفساد صلاة الإمام.
قوله: فإنه يعيد وحده.
يعني: الإمام يعيد وحده، كما ثبت أن عمر ﵁ أعاد وحده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه].
لا تصح الصلاة خلف إمام ترك ركناً من أركان الصلاة، إلا إذا كان الإمام مريضاً فجلس، وصلوا وراء جلوساً، كما فعل النبي ﷺ عندما كان مريضاً، فقد صلى جالساً والصحابة كانوا خلفه قياماً، فأشار إليهم أن يجلسوا، وقال لما سلم: كدتم أن تفعلوا كما تفعل الأعاجم يقفون على رءوس ملوكهم وهم قعود.
وفي مرضه في آخر حياته ﵊ تقدم أبو بكر يصلي بالناس، فجاء النبي ﷺ وجلس إلى جنبه عن يساره، فصلى النبي ﷺ جالساً وصلى أبو بكر قائماً، والناس قيام يقتدون بـ أبي بكر، وأبو بكر يقتدي بالنبي ﷺ .
واختلف العلماء في الجمع بينهما: فقال بعض أهل العلم: إن هذا ناسخ لما فعله في مرضه الأول؛ لأنه نهى الناس عن القيام في المرض الأول، وفي مرضه الأخير أقرهم على القيام.
وقال آخرون: إن أمرهم بالجلوس محمول على الاستحباب، وقيامهم خلفه محمول على الجواز.
وقال آخرون: إن الجمع بينهما: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالساً وجب عليهم الجلوس، وإذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس وجب عليهم القيام؛ لأنه في مرضه الأول صلى بالناس جالساً فأمرهم أن يجلسوا، وفي مرضه الأخير ابتدأ أبو بكر بالناس الصلاة قائماً، وجاء النبي ﷺ فأقرهم على القيام، فدل على أنه يجمع بينهما: بأنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم اعتل استمروا قياماً، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قياماً صلوا قياماً، وهذا خاص بالإمام، إذا كان الإمام مريضاً وصلى بالناس قائماً يصلون خلفه قياماً، وإذا صلى قاعداً فيصلون قعوداً، أما غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً لا يستطيع أن يركع، ولا يستطيع أن يسجد أو لا يستطيع أن يقوم، بل فيقدم غيره.
وللإمام أن يقدم غيره، لكن لو أراد أن يصلي فله ذلك، وبعض الأئمة لا يريد أن يقدم أحداً فله ذلك.
وأما المؤتمون فالصواب: أنهم مخيرون بين الجلوس وبين القيام، والجلوس أفضل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بذلك، والقيام جائز؛ لأن النبي أقرهم بذلك في حياته.
والخلاصة: إذا كان إمام الحي والإمام الراتب فلهم أن يجلسوا ولهم أن يقوموا، أما إذا كان غيره فلا يقدم إذا كان مريضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف تارك ركن إلا إمام الحي إذا صلى جالساً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون وراءه جلوساً إلا أن يبتدئها قائماً ثم يعتل فيجلس فإنهم يأتمون وراءه قياماً].
لهذا اختار أحد الجمعين: أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة قاعداً صلوا قعوداً كما فعل في مرضه الأول، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل صلوا قياماً كما فعل في مرضه الأخير.
القول الثاني الذي هو اختيار البخاري ﵀: أن الأمر بالقعود منسوخ، قال البخاري: وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ، وأنه يجب عليهم القيام.
القول الثالث لأهل العلم: أنهم مخيرون بين القيام وبين القعود، فإن قعدوا فهو أفضل؛ لأن النبي ﷺ أمرهم بالقعود، وإن استمروا جاز؛ لأن النبي ﷺ أقرهم في آخر حياته.
هذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، والمؤلف اختار أحدها وهو أنه إذا ابتدأ بهم الصلاة جالساً قعدوا، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل وقعد قاموا.
وإذا كان الإمام عاجزاً عن قيام ركن آخر من أركان الصلاة فلا تأتموا به كما قال المؤلف: لا يؤتم بمن كان عاجزاً عن ركن من أركان الصلاة.
стр. 215
الأشخاص الذين لا تصح إمامتهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تصح إمامة المرأة، ومن به سلس البول، والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم].
قوله: (ولا تصح إمامة المرأة)، لا تصح أن تكون المرأة إمامة للرجل؛ لحديث: (لا تؤمن امرأة رجلاً) وإن كان فيه ضعف، وحديث: (أخروهن حيث أخرهن الله) فلا يصح أن تؤم المرأة الرجال، وإنما تؤم المرأة النساء كما سيأتي.
قوله: (ومن به سلس البول)؛ لأنه يخرج منه في حالة الاستمرار، وكذلك من به جروح سيالة، فلا يتقدم الناس؛ لأن طهارته مستباحة.
ولهذا من به سلس فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة، ولا يصلي صلاتين في وضوء واحد، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، ومن به سلس البول فإنه يجعل على ذكره شيئاً يعصبه به، كذلك المرأة المستحاضة تتحفظ بحفائظ، أو من به جروح سيالة، وكذلك من به سلس الريح، كل هؤلاء يتوضئون بعد الأذان فيصلون، وإذا جاء الوقت الثاني يجب عليه الوضوء، إلا إذا لم يخرج منه شيء.
يقول المؤلف: ومن به سلس لا يتقدم الناس؛ لأنه أخل بشرط من شروط الطهارة؛ ولأن صلاته مستباحة.
وهذا هو الأحوط.
القول الثاني: أنه لا بأس؛ لأن صلاته في نفسه صحيحة، ومن صحت صلاته صحت إمامته.
وقوله: والأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يخل بحرف منها إلا بمثلهم.
أي: الأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة، أو يخل بها بأن يغير المعنى، كأن يقول: (إياكِ نعبد) بكسر الكاف، فهذا يخل بمعناها، فلا تصح الصلاة، أو يقول: (صراط الذين أنعمتُ عليهم) بضم التاء، أو يقول: (أهدنا الصراط المستقيم) من الهدية، أما إذا كان لا يخل بالمعنى، كأن يقول: (الحمد لله ربَ العالمين)، أو: (مالك يومُ الدين)، أو: (صراط الذين أنعمت عليهُم) كما يقول بعض العامة، فهذا لحن لكن لا يغير المعنى، فتصح الصلاة خلفه، لكن لا ينبغي له أن يكون إماماً للناس، فالإمام لابد أن يحسن القراءة، لكن الأول لا تصح الصلاة خلفه إلا بمثله، وإذا كان لا استطاع أن يقوم لسانه فتصح الصلاة بأن يصلي بمثله، أما غيره فلا تصح الصلاة خلفه، فهي باطلة، وأما الثاني فتصح الصلاة خلفه، لكن تركه أولى، إذا كان اللحن لا يغير المعنى، والصلاة بعده صحيحة، لكن لا ينبغي أن يقدم إماماً، فلا يقدم إلا الإمام الذي يحسن القراءة.
والذي لا يحسن القراءة ينبغي أن يتخلى عن الإمامة، أو يتعلم حتى يحسن القراءة.
فلو صلى خلفه المؤتم فالصلاة صحيحة وليست بباطلة، فينبغي أن يكون الإمام من أحسن الناس قراءة، فلا يختار للناس إماماً لا يحسن القراءة، ولو كان لا يصلي معه، وكذلك إذا كان يلحن فيجب عليه أن يتعلم، وإلا يرفع به فيعزل.
стр. 216
جواز ائتمام المتوضئ بالمتيمم والمفترض بالمتنفل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم].
كذلك المتوضئ له أن يأتم بالمتيمم، ويجوز أن يكون الإمام المتيمم والمأموم المتوضئ، ولا حرج في ذلك؛ لأن التيمم طهارة كاملة.
وقوله: والمفترض بالمتنفل.
كذلك المفترض له أن يكون مأموماً والإمام يصلي نافلة، كما ثبت أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ثم يذهب إلى قومه في حي من أحياء المدينة فيصلي بهم فتكون له نافلة ولهم فريضة.
وكما ثبت: أن النبي ﷺ في صلاة الخوف صلى بأصحابه الفريضة، ثم جاءت طائفة أخرى وصلى بهم، فكانت له نافلة ولهم فريضة.
وكما ثبت في حجة الوداع: أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر في مكة عندما أدركته الصلاة وهو يطوف طواف الإفاضة، ثم لما رجع وجد أصحابه مجتمعين فصلى بهم تلك الصلاة، فكانت له نافلة ولهم فريضة.
قوله: ويجوز ائتمام المتوضئ بالمتيمم؛ لأن المتيمم العادم للماء كالمتوضئ القادر على الماء؛ ولأن عمرو بن العاص ﵁ صلى بأصحابه في غزوة من الغزوات وهو متيمم، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم ينكر عليه، وقال له النبي ﷺ : (صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله! ذكرت قول الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، فخفت إن اغتسلت هلكت، فأقره النبي ﷺ على ذلك).
وأما ائتمام المتنفل بالمفترض فلا يوجد إشكال، كأن تكون أنت صليت جماعة في مسجد ثم جئت إلى المسجد الآخر وهم يصلون نفس الصلاة فصل معهم وتكون لك نافلة، ولهم فريضة.
والمذهب أنه لا يقتدي المفترض بالمتنفل، لكن الصواب الجواز؛ لقصة معاذ.
стр. 217
أين يقف المأموم من الإمام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام].
إذا كان المؤتم واحداً فإنه يقف عن يمينه؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵁ (أن النبي ﷺ صلى في بيت ميمونة فجاء ابن عباس فصف عن يساره فأخذ بأذنه فأداره عن يمين).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح].
إذا وقف قدام الإمام، أو وقف خلفه فهذا لا يصح، إلا إذا كانت المرأة تقف خلف الإمام، أما إذا وقف عن يساره فالقول بعدم الصحة فيه نظر، والصواب أنها تصح؛ لأن النبي ﷺ ما أمر ابن عباس أن يعيد أول صلاته، حيث كبر ابن عباس عن يساره وصلى ثم أداره عن يمينه، ولو كانت صلاته غير صحيحة لاستأنف الصلاة، وإنما منعه من الوقوف عن يساره، فدل على أن الصلاة صحيحة، لكن جهة اليسار ليست محلاً لوقوف المأموم، فيقف المأموم الواحد عن يمين الإمام.
وإذا صلى قدامه أو خلفه لم تصح الصلاة، أما عن يساره ففيه نظر؛ لأن ابن عباس أداره عن يمينه ولم يعد أول صلاته.
وهل يلزم أن يصلي أمام الإمام إذا كان في صلاة الجنازة؟
الجواب
الصواب أنها لا تصح، وفي المسجد الحرام يصلون أحياناً أمام الإمام في الموسم وبعض أهل العلم يرى أنها تصح للضرورة، لكن تارة الإمام يأتي تحت الكعبة بجوار الباب، لكنه في بعض الأحيان قد يكون الأمام متأخراً، وبعضهم أفتى بهذا، والصواب أنها لا تصح إذا صلى قدام الإمام إلا أن يكون محاذياً له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن وقف عن يساره أو قدامه أو وحده لم تصح، إلا أن تكون امرأة فتقف وحدها خلفه].
ولو كان زوجها أو أبوها أو أخوها، فلا تقف في جانب الرجل ولو كان محرماً لها، ولو كانت لوحدها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كانوا جماعة وقفوا خلفه، فإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح].
ولا سيما إذا كان المكان ضيقاً فوقفوا عن يمينه أو عن شماله فيصح، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه لما صلى كان معه ثلاثة فجعلهم عن يمينه وعن شماله، كما مر في صحيح مسلم، ولكن فعله هذا منسوخ، وابن مسعود ﵁ استمر على هذا، والسنة أن يكونوا خلفه، إذا كانوا اثنين فأكثر ويصلوا خلفه، وإن كان واحداً فيكون عن يمينه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن صلت امرأة بنساء قامت معهن في الصف وسطهن].
يصح أن تكون إمامة لكن تكون في الوسط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك إمام الرجال العراة يقوم وسطهم].
وهذا للضرورة، يكون وسطهم إذا كانوا عراة وليس عليهم ثياب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن اجتمعوا رجالاً وصبياناً وخناثى ونساء قدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء].
احتمال أن يكون الخناثى رجالاً؛ لأن الخنثى هو الذي عنده آلة ذكر وآله أنثى، ولم يتبين، فيحتمل أن يكون رجلاً؛ ولذلك قدموا على النساء.
стр. 218
ما تدرك به صلاة الجماعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة].
هذا ما ذهب إليه المؤلف، من كبر -أي: تكبيرة الإحرام- ثم جلس فسلم الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة.
القول الثاني: أنه لا يدركها إلا إذا أدرك ركعة، وهو الصواب؛ لقول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، والصواب أنه لا يدرك الجماعة إلا بركعة، كما أن الوقت لا يدرك إلا بركعة.
وهو اختيار البخاري وجماعة، وقد ألف كتاباً في جزء القراءة؛ لأنه فاتته الفاتحة قال: فيقضي، والصواب أنه يدركها لقصة أبي بكرة ﵁ لما جاء والنبي ﷺ راكع فركع دون الصف، ثم دب دبيباً حتى دخل في الصف، فقال له النبي ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد)، ولم يأمره بإعادة الركعة، فدل على أنه أدركها.
والحكمة في أن المرأة تصلي إمامة في وسط النساء: أن المرأة يستحب لها التستر، ولهذا يستحب لها ترك التجافي، وكونها في وسط الصف أستر لها فاستحب لها ذلك كالعريان، وإذا كان النساء في مكان ليس فيه رجال فهذا فيه نظر، والأطفال إذا كانوا مميزين فهم كغيرهم.
стр. 219
الأسئلة
стр. 220
الصلاة خلف الفاسق
السؤال
هل يصلى خلف الفاسق؟
الجواب
إذا وجد غيره فلا يصلى خلفه، وإذا لم يوجد غيره فيصلى خلفه ولا تترك الجماعة، والمسألة فيها خلاف، فمن العلماء من قال: إنها صحيحة، ومنهم من قال: لا تصح، والصواب أنها صحيحة، ومن منع قال: لأنه يجب عليه إنكار المنكر، وإذا صلى خلفه فقد أقر المنكر، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
стр. 221
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٧]
المشقة تجلب التيسير.
هذه قاعدة من القواعد الفقهية أخذها الفقهاء من تتبع الأحكام الشرعية التي فيها رخصة لكل من يصاب بمشقة في أدائه للعبادة، فالمريض يصلي قاعداً أو على جنب أو مستلقياً ويجمع الصلاة، والمسافر يقصر ويجمع الصلاة، والخائف له صلاة خاصة وردت في السنة على أنواع متعددة، وله أن يصلي ماشياً أو راكباً في اتجاه القبلة أو غيرها.
стр. 222
ما جاء في صلاة المريض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة المريض.
والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى جالساً، فإن لم يطق فعلى جنبه؛ لقول رسول الله ﷺ لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)].
إذا كان المريض يزيد القيام في مرضه صلى قاعداً، وكذلك إذا كان لا يجد ما يتكئ عليه، أو كان يتجشم القيام فيجد مشقة فإنه يصلي قاعداً، ولو كان يستطيع لكن بمشقة فلا يشق على نفسه بل يجلس ويصلي، فإن عجز عن الصلاة قاعداً صلى على جنبه الأيمن، فإن عجز صلى مستلقياً ورجله إلى القبلة، كما في حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، وجاء في سنن النسائي: (فإن لم تستطع فمستلقياً)، أي: مستلقياً ورجلاه إلى القبلة، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عبده، وأجره تام؛ لقول النبي ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان عمله صحيحاً مقيماً) أما إذا كان صحيحاً وأراد أن يصلي النافلة وهو جالس فله ذلك، لكن له نصف أجر القائم، فإذا أراد الإنسان أن يصلي الراتبة أو سنة الضحى أو صلاة الليل وهو جالس فلا حرج، لكن له نصف أجر القائم، فأما الفريضة فليس له أن يصلي قاعداً إلا إذا كان لا يستطيع بالمرة، أو يستطيع بتجشم ومشقة، أو كان القيام يزيد في مرضه، فهذا جاز له الجلوس في الفريضة، أما النافلة فأمرها واسع، وبعض الناس قد يرى شخصاً يصلي النافلة قاعداً فينكر عليه، فيجوز أن يصلي صلاة الليل صلاة الضحى تحية المسجد والوتر قاعداً لكن له نصف أجر القائم إن كان يستطيع، وإن كان لا يستطيع فالأجر تام إن شاء الله؛ لحديث أبي موسى ﵁: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً).
أما إذا صلى الفرض قاعداً وهو يستطيع القيام فلا تصح الصلاة، فيكون ترك ركناً من أركان الصلاة، فصلاته باطلة.
والمريض إذا كان لا يستطيع القيام يجلس على الأرض، والأولى أن يتربع في حال القيام، وبين السجدتين مفترشاً، وإن كان يشق عليه جلس على أي كيفية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن شق عليه فعلى ظهره].
يعني: مستلقياً كما في رواية النسائي ورجله إلى القبلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما].
إذا عجز عن الركوع والسجود يومئ للركوع وللسجود وهو جالس، لكن يكون الإيماء في السجود أخفض، والركوع يكون أرفع منه.
وإذا كان يستطيع القيام ولكن لا يستطيع الركوع ولا السجود فيومئ للركوع بقدر ما يمكنه، ثم يجلس ويومئ للسجود بقدر ما يمكنه.
وإذا كان لا يستطيع الإيماء فليفعل ما يستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فليكبر ويركع ويسجد بالنية، أما الإشارة بالأصبع أو بالعين فلا أعرف شيئاً في ذلك.
стр. 223
كيفية قضاء ما فات من الصلوات عند الإغماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعليه قضاء ما فاته من الصلوات في إغمائه].
إذا أغمي عليه فإنه يقضي ما فاته من الصلاة إذا كان الإغماء مدة يسيرة كاليومين لما جاء في حديث عمار أنه أغمي عليه يومين أو ثلاثة فقضاهن، أما إذا زاد أكثر من ثلاثة أيام كأسبوع فإنه ليس عليه شيء؛ لأنه في حكم فاقد العقل أي: المجنون، فليس عليه تكليف إذا كانت المدة طويلة؛ فلا يقضيها، أما إذا كان الإغماء مدة يوم أو يومين أو ثلاثة فيقضيه؛ لأنه يشبه النوم، أما إذا طالت المدة فهذا هو المعتمد، فلا يقضي إذا كانت المدة طويلة.
ويقضي الصلوات كلها في وقت واحد بالترتيب: صلاة الفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، فهذه عن اليوم الأول، ثم يصلي أيضاً في يوم آخر: الفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، وإذا تعب يستريح ويقضيها في وقت آخر، أما ما يفعله بعض العامة من أنه يصلي كل فرض مع فرضه فغير صحيح، ولا تشترط الموالاة، وإنما الترتيب.
стр. 224
حكم جمع المريض بين الصلوات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين في وقت إحداهما].
إذا شق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها جمع بين الصلاتين؛ لكونه مريض، فيصلي الظهر والعصر جميعاً، ويصلي المغرب والعشاء جميعاً، لكن لا يقصر، وبعض العامة يجهل فيظن أنه يجوز الجمع مع القصر، فيصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، فالقصر خاص بالمسافر، فإذا كان يشق على المريض الوضوء لكل منهما جمع، وكذلك المستحاضة فقد أمرها النبي ﷺ أن تجمع؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض.
والمقصود: أن المريض إذا كان يشق عليه الوضوء أو القيام فإنه يجوز له أن يجمع بين الصلاتين، لكن لا يقصر؛ لأنه ليس مسافراً، وإذا قصر يعيد الصلاة.
ويختار المريض في الجمع الأرفق له جمع التقديم أو التأخير ولا يلزم أن يكون الجمع الصوري، وجاء عن النبي ﷺ أنه: (جمع في المدينة بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مرض) وجاء في رواية: أنه جمع جمعاً صورياً، يعني: في الصلاة، أخر الظهر إلى آخر وقتها حتى ما بقي إلا أربع ركعات فصلاها، وقدم العصر في أول وقتها، وهو في الصورة جمع، وفي الواقع أن كل صلاة في وقتها، وكذلك أخر المغرب إلى قرب مغيب الشفق ثم صلى المغرب، ثم صلى العشاء بعد مغيب الشفق، فصار في الصورة كأنه جمع، وفي الواقع كل صلاة في وقتها.
وهل يصلح أن يصلي المريض قبل إمام المسجد؟
الجواب
لا حرج، فالمريض في البيت والمرأة ليسا مرتبطين بالمسجد والمهم دخول الوقت، فإذا دخل الوقت فإنه يصلي المريض والمرأة.
ولا يستدل على جواز الجمع بين الصلوات مطلقاً بحديث النبي ﷺ ، فقد قال بعض العلماء: إما أنه شيء عارض، أو أنه جمع صوري، ولم يفعله غير مرة واحدة في المدينة، والنصوص الدالة على المواقيت تكون محكمة وهي الأصل، فلا يتعلق بمشتبه إلا من كان في قلبه زيغ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
أي: مفروضة في الأوقات، فهذه النصوص محكمة، وهذا حديث فيه اشتباه، بينه ما جاء في رواية النسائي أنه جمع صوري، وهذا أحسن ما قيل فيه، وقد قرأنا على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فكان هذا أحسن ما فسر به.
ويجوز الجمع في وسط الوقت وفي أوله وفي آخره، لكن الأفضل الجمع في أول الوقت، والمسافر له أن يجمع في أول الوقت أو في آخره.
стр. 225
شروط جمع المريض بين الصلوات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند فعلها واستمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما].
واستمرار العذر لابد منه، لا بد أن يكون العذر موجوداً حتى ينتهي من الثانية، فالمرض يكون موجوداً والسفر يكون موجوداً، والمطر أو الدحض يكون موجوداً، والنية لابد منها، ولكن كونه لابد أن تكون النية في الأولى، فهذا محل تأمل ونظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وألا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء].
لا يفرق بين صلاتين مجموعتين إلا بقدر وضوء خفيف؛ لأن هذا معنى الجمع؛ ولأنه إذا فصل بينهما لم يصبح جمعاً.
وإذا جمع بين الظهر والعصر ثم جاء وقت العصر وقد برئ فالحمد لله قد أدى ما عليه، إلا إذا كان سيصليها نافلة، كما لو جمع بين الظهر والعصر وهو مسافر ثم قدم قبل دخول وقت العصر فقد أدى ما عليه، فيصلي العصر نافلة إن أحب.
وأما تحديد وقت ما بين الصلاتين عند الجمع بالوضوء الخفيف فهذا قياساً على حط الرحال، حيث كان الصحابة يصلون المغرب، ثم ينزلون الرحال عن الإبل من باب الإراحة لها، ثم يصلون العشاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية].
إذا أخر الجمع لا بد أن يستمر العذر إلى وقت الثانية، يعني: إذا كان مسافراً وأخر الظهر مع العصر لابد أن يكون العذر مستمراً حتى يقصر ويجمع، فإن وصل إلى البلد وهو لم يصل صلى الظهر أربع ركعات وصلى العصر أربع ركعات، وكذلك أيضاً لابد أن يكون العذر مستمراً إذا كان مطراً أو دحضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن ينوي الجمع في وقت الأولى قبل أن يضيق عن فعلها].
إذا أخر الظهر لابد أن يؤخرها ناوياً جمعها مع العصر، وإذا أخر المغرب لابد أن ينوي تأخيرها مع العشاء في وقتها.
стр. 226
حكم الجمع للسفر وللمطر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر].
المسافر الذي له القصر يرخص له أن يجمع الرباعية، فيجمع بين الظهرين وبين العشائين، ويقصر الرباعية، ويفطر في رمضان، ويمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها، فكل هذه أحكام تتعلق بالسفر، أما في البلد فليس له أن يجمع إلا إذا كان مريضاً، ولا يقصر ولا يفطر في رمضان إلا إذا كان مريضاً، ولا يمسح إلا يوماً وليلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز في المطر بين العشائين خاصة].
هذا المذهب، والقول الثاني: أن له أن يجمع بين الظهرين أيضاً.
فالمشهور أنه يجوز له أن يجمع بين العشائين فقط للعذر، ولما فيه من الظلمة، وإذا جاء مطر شديد أو ليس شديداً في الظهر فقد وجد العذر، لكن الحنابلة وغيرهم قالوا: يوجد العذر لكن يوجد ضوء، بخلاف المغرب والعشاء فإن فيه زيادة وهي الظلمة وزيادة المشقة.
стр. 227
صلاة المسافر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صلاة المسافر.
وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً، وهي مسيرة يومين قاسطين، وكان مباحاً له فله قصر الرباعية خاصة].
هذا هو المسافر عند جمهور العلماء، من سافر ستة عشر فرسخاً في سفر مباح، فهذه مسافة السفر، فإذا كانت هذه المسافة تبلغ هذا القدر الذي قدره المؤلف فإنه يترخص برخص السفر، ستة عشر فرسخاً وهي أربع برد، ما بين البريد والبريد أربعة فراسخ، فتكون أربعة في أربعة برد، بستة عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلاً، والميل كيلو ونصف أو كيلوين إلا ثلث تقريباً، فتكون المسافة تقارب ثمانين كيلو، فهذا الذي أقره جمهور العلماء، إذا كانت هذه هي المسافة فيترخص برخص السفر مسافة ثمانين كيلو، ولا بد أن يكون السفر مباحاً، فإن كان سفر معصية كأن سافر لتجارة خمر أو للدخان أو للعدوان على ظالم أو للسرقة أو قطع الطريق فلا يترخص برخص السفر.
القول الثاني وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تشترط المسافة، وليس لها تحديد وإنما العبرة بالعرف، فما يعده الناس سفراً فهو سفر، ويحتاج إلى حمل الزاد والطعام، وما لا يعده الناس سفراً فلا، وعلى قول شيخ الإسلام فالسفر إلى الخرج لا يعد سفراً، فالثمانين الكيلو والمائة والمائتان لا تعتبر سفراً عند شيخ الإسلام ابن تيمية، والجمهور يعتبرون هذا، ولابد أن يكون السفر مباحاً، فإن كان السفر محرماً فلا يصح الترخص، والقول الآخر أنه يترخص للسفر وعليه إثم فعل المحرم، فقد يكون ترخصه سبباً في توبته.
وفي السفر الأفضل الأخذ بالرخصة، فالقصر سنة مؤكدة ينبغي فعله، وأوجبه بعض العلماء كما سيأتي.
وكذلك في الجمع بين الصلوات في المطر، فهذه هي القاعدة العامة، أن الأخذ بالرخص أفضل لكن ينبغي المراعاة والنظر والتأمل في أحوال الناس، فهذا يختلف باختلاف أحوال الناس، وباختلاف الأزمنة والأمكنة، فمثلاً في زمننا الآن الشوارع واسعة، وليس فيها دحض ولا مشقة، والناس أكثرهم يملكون سيارات، ويخرجون لحاجة يسيرة، فلا ينبغي للإنسان أن يجمع إلا في عذر واضح، أما في القرى أو في الهجر أو في البيوت التي هي أعشاش، والتي فيها طين، فهؤلاء كما قال ابن عباس: (كرهت أن أحرجكم فتدوسون الطين إلى ركبكم) أما الآن في مجتمعنا فلا يوجد طين ولا دحض يدوسه الإنسان إلى ركبته، والغالب أنه إذا جاء مطر نشفت الأسواق، ويكون هناك تصريف للسيول.
المقصود: أن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأمكنة والأزمنة، وهناك القرى التي فيها الدحض والطين فمجرد ما يأتي المطر والناس فقراء ليس عندهم وسائل لإصلاح الطرقات، فمجرد ما يأتي المطر يحدث مشقة عظيمة عليهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخاً وهي مسيرة يومين قاسطين وكان مباحاً].
يومان قاسطان للإبل المحملة بثقل الأحمال ودبيب الأقدام، فهذه مسافة القصر، وهي تعادل ثمانين كيلو تمشيها الإبل في يومين، ومثاله: من هنا إلى الخرج تمشي مدة يومين إذا كانت الإبل محملة، فهذه مسافة القصر، فقوله: (يومين قاسطين) يعني: متوسطين، والقسط: التوسط، ويبدأ حساب السفر من مفارقة البنيان، فتبدأ تأخذ برخص السفر.
قول الجمهور أنه لا قصر إلا في سفر مباح والقول الثاني: أنه ولو كان سفراً محرماً فإنه يترخص.
وسواء كان سفر عبادة: كالحج أو العمرة أو الجهاد، أو سفر مباح كالسفر للتجارة أو غيرها.
وإذا كان قصد التنزه في مكان، وهذا المكان مسافته مسافة القصر فإنه يترخص، إلا إذا نوى أن يقيم في هذا المكان أكثر من أربعة أيام فإنه يتم، كأن يكون نازلاً مخيماً في مكان لمدة أسبوع أو أسبوعين فهذا لا يترخص وهو قول جمهور العلماء، أما إذا كان الذي يقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة، أو يقيم ولا يدري متى تنتهي إقامته فهذا لا يزال يترخص برخص السفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فله قصر الرباعية خاصة إلا أن يأتم بمقيم].
فيقصر الرباعية إلا إذا كان مقيماً، فإذا صلى المسافر خلف المقيم يلزمه الإتمام، كما جاء عن ابن عباس أنه سئل: ما لنا إذا صلينا مسافرين قصرنا، وإذا صلينا خلف المقيمين نتم؟ قال: تلك السنة، أو تلك سنة نبيكم، فإذا صلى المسافر خلف المقيم يلزمه الإتمام.
وإذا أدرك مع الإمام المقيم ركعتين فقط ثم سلم فإنه يأتي بالركعتين، فإن سلم فصلاته باطلة، ويعيد الصلاة أربعاً من أولها، فيجب عليه أن يتابع الإمام ولا يختلف عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا أن يأتم بمقيم أو لم ينو القصر].
إذا نوى الإتمام فلا بأس، والصواب أن القصر مستحب وليس بواجب، ولو أتم صح، لكن هذا خلاف الأولى.
القول الثاني لأهل العلم: أنه يجب القصر، وهو قول الظاهرية، والصواب أنه لا يجب، والدليل على هذا ما ثبت: أن الصحابة رضوان الله عليهم صلوا خلف عثمان بن عفان الخليفة الراشد في منى أربعاً فأتموا الصلاة، وإن كان عبد الله بن مسعود استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لكنهم صلوا خلفه، ولو كانت صلاة المسافر الرباعية لا تصح لما صلوا خلفه، ولأجمعوا على هذا.
وقد ثبت: أن عائشة أتمت في السفر، فالصواب أنه يجوز، لكنه خلاف الأولى، وخلاف السنة.
وإذا جهل المسافر حال الإمام هل هو مسافر أو مقيم فيعمل بالأصل وهو الائتمام، وإن غلب على ظنه أنه مسافر قصر.
وفيه اختلاف بين العلماء، فبعض العلماء يرى أن هذا يكون معذوراً، وبعضهم يرى أنه يصلي نافلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو ينسى صلاة حضر فيذكرها في السفر، أو صلاة سفر فيذكرها في الحضر فعليه الإتمام].
إذا نسي صلاة الظهر وتذكرها في السفر فإنه يصليها أربعاً، فلا يقل: أنا مسافر فسأصليها ركعتين، وكذلك العكس إذا كان مقيماً، وتذكر أنه نسي صلاة وهو مسافر فيصليها أربعاً.
وإذا دخل المسجد وهو مسافر وأرادوا أن يصلي بهم فليخبرهم أنه مسافر ويقول: اجعلوا واحداً منكم يتقدم لكي نتم، فإن أصروا صلى بهم ركعتين، ثم إذا سلم وهم يكملون صلاتهم.
فيأمرهم بالإتمام ويخبرهم فيقول: أنا سأصلي ركعتين وبعد السلام تكملون، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأهل مكة في غزوة الفتح: (أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللمسافر أن يتم والقصر أفضل].
هذا هو الصواب، وقال بعض العلماء: ليس له أن يتم، والصواب له أن يتم كما أتم الصحابة خلف عثمان، وإن كان خلاف السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم].
وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أي: ما زاد عن أربعة أيام أتم، فإن كان أقام أربعة أيام فأقل يقصر، وقال بعض العلماء: ثلاثة أيام، وقال بعض العلماء: عشرة أيام، وقال بعض العلماء: عشرون يوماً، والصواب هو القول الذي عليه جمهور العلماء: أربعة أيام؛ لأن النبي ﷺ لما قدم في حجة الوداع قدم في اليوم الرابع من ذي الحجة، ونزل بالأبطح أربعة أيام يقصر الصلاة، ثم انتقل إلى منى في اليوم الثامن، فما زاد على هذه المدة فإنه يتم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن لم يجمع على ذلك قصر أبداً].
قوله: (يجمع) أي: يصمم ويعزم، قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، يعني: اعزموا، فهو مقيم في بلد، وعنده حاجة لكنه لا يدري متى تنتهي، لديه معاملة إن انتهت اليوم مشى، وإن انتهى بعد يومين مشى فلا يدري متى ينتهي، فهذا لا يزال يقصر، أما إذا كان قد عزم على أنه سيقيم خمسة أيام أو ستة أيام أو أسبوعاً فإنه لا يترخص، وإذا لم يكن عنده تصميم فهذا هو معنى قوله (لم يجمع) فإنه لا يزال يترخص في وقت الصلاة، لكن إذا كان في البلد فإنه يصلي مع الناس ولا يصلي وحده، فيجيب المؤذن.
فإذا كان المسافر متردداً في السفر فإنه يقصر ولو شهراً كاملاً، وقد ورد أن ابن عمر قام بأذربيجان ستة أشهر يقصر، حيث منعته الثلوج، وكل يوم يريد أن يسافر، ولكن الثلوج باقية.
أما أهل مكة فالصواب أنهم يقصرون إذا كانوا حجاجاً؛ لأن النبي ﷺ صلى بالحجاج ومنهم أهل مكة، فقصروا ولم يأمرهم بالإتمام، وإن كان مذهب الحنابلة أن أهل مكة يتمون، لكن الصواب كما قرره ابن القيم أن أهل مكة وغيرهم يقصرون جميعاً، وهذا القصر هل هو نسك أم أنه للسفر؟ فمن قال: إنه للسفر قال: أهل مكة ليسوا مسافرين فيتموا، ومن قال: إنه نسك قال: يقصرون، والصواب أنهم يقصرون مطلقاً؛ لأن النبي ﷺ صلى بالحجاج من أهل مكة وغيرهم ولم يأمرهم بالإتمام، وإنما أمرهم في جوف مكة، قال: (أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر) ولم يقل لهم في منى: أتموا.
стр. 228
ما جاء في صلاة الخوف وصفاتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة الخوف.
وتجوز صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله ﷺ ، والمختار منها أن يجعلهم الإمام طائفتين، طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة، فإذا قام إلى الثانية نوت مفارقته وأتمت صلاتها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية، فإذا جلس للتشهد قامت فأتت بركعة أخرى، وينتظرها حتى تتشهد، ثم يسلم بها].
صلاة الخوف تشرع إذا خاف الناس من العدو وكانوا مواجهين في القتال، فإنهم يصلون صلاة الخوف، أو أحاط بهم العدو، ومثل إنسان خائف، فإنهم يصلون صلاة الخوف على أحد الوجوه التي ثبتت عن النبي ﷺ ، قال الإمام أحمد ﵀: ثبتت صلاة الخوف بستة أوجه أو سبعة أوجه كلها جائزة، وأنا أختار صلاة ذات الرقاع؛ وذلك أن النبي ﷺ صلى بطائفة وطائفة تجاه العدو.
وهنا قال: المختار منها هذه الصفة التي ذكرها المؤلف، وهو أنه يصلي بهم، فيكبر بهم جميعاً ويصلي بهم ركعة، فإذا قام للركعة الثانية نوت الطائفة الأولى المفارقة أو الصف الأول وأتوا بركعة وأتموا لأنفسهم، ثم يصلي بطائفة ركعة فإذا قام إلى الركعة الثانية أتمت لنفسها ونوت المفارقة، وصلى بالطائفة الثانية الركعة التي بقيت، فإذا أتم الركعة ثبت جالساً، فتقوم هذه الطائفة وتكمل لنفسها، فتأتي بركعة، وينتظرهم حتى ينتهوا من التشهد ثم يسلم بهم، هذه إحدى صفات صلاة الخوف.
ومن صفات صلاة الخوف أنه يصلي بطائفة ركعتين، وبطائفة أخرى ركعتين، فتكون الأولى له فريضة، والثانية له نافلة، وفيه دليل على صحة ائتمام المفترض بالمتنفل كما كان معاذ يصلي بعد النبي ﷺ الفريضة، ثم يصلي بأصحابه تلك الصلاة نافلة في أطراف المدينة، فهذه كلها أنواع.
ومن صفات صلاة الخوف: أنه يصلي إلى غير القبلة وذلك إذا كان العدو في جهة ثانية، فيصلي إلى وجه العدو ولو كان إلى غير القبلة.
ومن صفات صلاة الخوف: أنه ﵊ صلى بهم، فصفهم صفين، ثم كبر بهم وكبروا جميعاً، ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وبقي الصف الثاني يحرس؛ لأنهم سيهجم عليهم العدو لو كانوا يسجدون جميعاً، ثم لما قام في الركعة الثانية وتأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، ثم كبر وكبر بهم جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه -الذي كان قبل هو الصف الثاني- وبقي الصف الثاني يحرس -الذي كان هو الصف الأول- ثم أتمت كل طائفة لنفسها ركعة.
فالمقصود أن صلاة الخوف جاءت على أنواع، فيفعل المسلمون ما يكون أيسر عليهم، وإذا اشتد الخوف كما سيأتي يصلون على حسب أحوالهم سواء كانوا ماشين أو راكبين، إلى القبلة أو إلى غير القبلة، وإذا لم يتيسر لهم على الصحيح أخروها، فإن النبي ﷺ أخر الصلاة يوم الأحزاب، وصلى صلاة العصر بعد المغرب.
قال عمر ﵁: (يا رسول الله -وجعل يسب الكفار- ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ : والله إن صليتها -يعني: ما صليتها- ثم توضأ النبي ﷺ وصلى صلاة العصر بعد المغرب، ثم صلى بعدها المغرب) وفي الحديث الآخر أن النبي ﷺ قال: (ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، وفي لفظ في غير الصحيح: (أنه صلى أربع صلوات؛ الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء) فجمهور العلماء ذهبوا إلى أن هذا قبل شرعية صلاة الخوف، أما بعد صلاة الخوف فلا تؤخر الصلاة، وإنما تصلى على إحدى الأوجه التي وردت، وقال آخرون من أهل العلم: لا يلزم أن تكون قبل شرعية صلاة الخوف، وقد اختلف في وقت زمان شرعيتها، وقالوا: إنه حتى ولو بعد شرعية صلاة الخوف إذا لم يتمكن المسلمون من أداء الصلاة في وقتها أخروها، قالوا: ويدل على هذا أن الصحابة بعد أن مات رسول الله ﷺ لما فتحوا تستر، كان الفتح قبيل طلوع الفجر، وكان الناس متفرقين عند ضياء الفجر، فبعضهم على الأسوار، وبعضهم على الأبواب، ولا يستطيعون أن يصلوا، ولو صلوا لهجم عليهم العدو فأخروا الصلاة حتى تم الفتح، فتسلقوا الأسوار وفتحوا الأبواب وتم الفتح وصلوا صلاة الفجر وقت الضحى.
قال أنس ﵁: ما أحب أن لي بها الدنيا يعني: إن أخرتها في الله ومن أجل الجهاد في سبيل الله، فدل هذا على أن الصحابة يرون أنه لا بأس بأن تؤخر الصلاة عن وقتها من أجل الجهاد إذا لم يتمكنوا من أدائها في الوقت، وهو اختيار البخاري وجماعة.
وهذه الصلاة على حسب ما هو الأيسر لهم، إن كان الأيسر فرادى صلوا فرادى، وإن كان الأيسر الجماعة صلوا جماعة.
وصلاة الخوف عذر في تأخير الصلاة إذا كانوا في السفر، وجاء في بعض الروايات أن صلاة السفر ركعتان وصلاة الخوف ركعة، جاء عن ابن عباس: (صلاة الخوف ركعة، وصلاة الحضر أربع، وصلاة السفر ركعتان).
وجاء عن ابن عباس وجماعة أنه في وقت المسايفة -يعني: المقابلة بالسيوف- وقطع الرقاب أنه تجزئ تكبيرة بتكبيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وينتظرها حتى تتشهد ثم يسلم بها، وإن اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً إلى القبلة وإلى غيرها يومئون بالركوع والسجود].
فإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً، رجالاً: ماشين على الأرجل، وركباناً: راكبين على الإبل، أو المركوبات الجديدة كالدبابات أو غيرها أو الطائرات فيصلون على حسب أحوالهم رجالاً وركباناً، يعني: ماشين على الأرجل وغيرها، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها على حسب حالهم، فيومئون بالركوع والسجود.
وهل في صلاة الخوف يجوز صلاة ركعة؟
الجواب
إذا اشتد الخوف، وليس دائماً، وإنما في بعض الحالات على ما جاء عن ابن عباس، وإلا الأصل أنها مثل صلاة السفر ركعتان، فإذا أمكن صلوها ركعتين، ويومئون بالركوع والسجود إذا لم يتمكنوا، وإذا تمكنوا صلوها على الأرض أو وهم ركباناً أو مشاة على حسب الحال، أو يؤخرونها حتى يتم الفتح، كما أخر الصحابة صلاة الفجر لما فتحوا تستر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك كل خائف على نفسه يصلي على حسب حاله ويفعل كل ما يحتاج إلى فعله من هرب أو غيره].
إن كان خائفاً يصلي ولو كان ماشياً أو يركض ركضاً، وقد بوب أبو داود فقال: باب صلاة الخائف.
فالخائف يصلي ولو كان ماشياً، أو مسرعاً، ويومئ بالركوع والسجود، إذا كان يخاف أن يدركه العدو؛ لأنه لو وقف لأدركه العدو، فالخائف له حالة خاصة، والخائف: هو الهارب من العدو، فيصلي على حسب حاله، ولو كان يمشي يومئ بالركوع والسجود.
стр. 229
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٨]
صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم حر بالغ عاقل ذكر مستوطن ومقيم غير مسافر، وقد اشترط الفقهاء لحضورها عدد معين من المستوطنين، وهذا ليس عليه دليل بل تصح صلاة الجمعة ولو بثلاثة الخطيب والمؤذن والمأموم.
стр. 230
ما جاء في صلاة الجمعة
стр. 231
ما يشترط في صحة صلاة الجمعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة الجمعة.
كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة، إذا كان مستوطناً لبناء بينه وبينها فرسخ فما دون ذلك].
كل من لزمته المكتوبة -يعني: الفريضة- لزمته الجمعة، فكل من لزمه أن يصلي الجماعة لزمه أن يصلي الجمعة، يعني: فرض عين عليه كما أن الجماعة فرض عين على كل مسلم، لكن الجمعة لها شروط أيضاً: منها أن يكون مستوطناً، فإن كان مسافراً فلا تجب عليه صلاة الجمعة.
ومنها: أن يكون الذين تجب عليهم الجمعة مستوطنين في قرية أو مدينة، أما أصحاب المخيمات الذي يخيمون في وقت من الأوقات فلا تجب عليهم صلاة الجمعة، ولا تصح منهم الجمعة، وإذا كان لهم مخيمات فهم مسافرون كمخيمات الحجاج في منى، وهذا لا يعتبر استيطاناً، فلابد أن يكونوا مستوطنين يعني: ناوين الاستقرار والاستدامة، سواء كانت بيوتهم من طين أو من أسمنت أو من حجر أو من غيرها أو من خشب، أما المخيمات المؤقتة فلا تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا مستوطنين.
ومن ذلك ما يفعله الحجاج في منى، فلا يصلون الجمعة؛ لأنهم مسافرون، فيغلط بعض الناس عندما يقيم جمعة بالناس، فبعض الناس يذهب إلى بعض المخيمات فيقيم فيهم الجمعة، وهم مخيمون في الحج، وهذا غلط، الجمعة إنما تقام في الجوامع في البلدان.
قوله: كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة إذا كان مستوطناً ببناء بينه وبينها فرسخ فما دون ذلك.
يعني: إن كان مستوطناً ببناء، أما أصحاب المخيمات فلا، حتى ولو كان مقيماً في المخيمات؛ لأنهم في خيام مؤقتة، إلا إذا كان هذا بلدهم وليس عندهم إلا ذلك، وكانوا كلهم مستوطنين فلا بأس، أما إذا كانوا في مخيمات، ولم ينووا الاستيطان، فهؤلاء لا يقيمون الجمعة، ولابد أن يكون مستوطنين ببناء بينه وبين المسجد مسافة فرسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل تقريباً: خمسة كيلو أو أربعة كيلو ونصف، فإذا كانت المسافة أكثر فإنه يكون معذوراً فتسقط عنه الجمعة؛ لأنه يستطيع أن يمشي ثلاثة كيلو أو أربعة كيلو أسبوعياً فيصلي مع الناس الجمعة؛ ولأن هذا هو الذي يسمع النداء، فالغالب إذا لم تكن هناك أصوات فإنه يسمع نداء المؤذن من غير مكبر.
المقصود: أن هذا الذي بينه بين الجامع مسافة فرسخ يصلي الجمعة، أما من كان بعيداً فلا تجب عليه، وكذلك إذا كان مسافراً غير مستوطن فلا تجب عليه الجمعة، وإذا صلى الجمعة وهو ليس من أهلها فإنه يعيد الصلاة ظهراً، والمسافر إذا كان مقيماً له أكثر من أربعة أيام صار حكمه حكم المقيم فيصلي مع الناس، فإذا سمع النداء يصلي الجمعة والجماعة ولا يصلي وحده.
وتوجد في بعض المناطق محطات نفط فيها جوامع تقام فيها الجمعة فإذا كان فيها أناس مقيمون فلا بأس بذلك، ومن يأتي يكون تبعاً لهم، لكن الأصل هم المقيمون، ولو كان عددهم قليلاً.
стр. 232
المعذورون في صلاة الجمعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف].
هذا مما هو معلوم، أن المرأة لا تجب عليها الجمعة، والعبد كذلك ليس عليه جمعة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، والمسافر كذلك ليس عليه جمعة، والمعذور المريض والخائف تسقط عنه الجمعة، لكن إذا حضر العبد أو المسافر أو المرأة أو المعذور الجمعة أجزأتهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم].
يعني: إن جاءوا لم تنعقد بهم، أي: لا يحسبون في العدد، وهذا كما سيأتي فالمصنف يرى أنه لابد أن يكون العدد أربعين، فإذا نقصوا عن أربعين فلا تقام الجمعة على المذهب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم إلا المعذور إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به].
المعذور يعني: المريض أو الخائف أو من وجد مطراً، ثم حضر الجمعة فإنه تجزئه وتنعقد به، ويحسب من أهلها.
стр. 233
فعلها في الوقت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن شرط صحتها فعلها في وقتها في قرية].
لابد أن يفعلها في وقتها، واختلف العلماء في وقتها، فجمهور العلماء على أن وقتها بعد الزوال كصلاة الظهر، وهذا هو الذي عليه الجمهور، والذي بوب عليه البخاري ﵀ وجزم في الترجمة.
القول الثاني: أن وقتها كصلاة العيد من ارتفاع الشمس، وهذا مذهب الحنابلة وجماعة، وجاء في حديث لا بأس به، ولكن الأحوط للخطيب ألا يدخل إلا بعد الزوال، فيكون أذان الجمعة وأذان الظهر احتياطاً لهذه العبادة العظيمة، ولأن أكثر العلماء يرون أنها لا تصح الصلاة إذا صلاها قبل الزوال، وينبغي للإنسان أن يحتاط، فيصلي عند دخول الوقت، ويوجد بعض الخطباء يتقدم قبل الوقت بربع ساعة فما هو الداعي لهذا؟ ولماذا هذه العجلة؟ فإن أكثر العلماء يرون أن هذه الصلاة لا تصح، وإذا تأخرت ربع ساعة تكون صحيحة بإجماع العلماء، ويوجد تعميم من الوزارة بأن الخطباء لا يخطبون إلا بعد الزوال، والتعميم مبني على فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، بأن الخطباء ينبغي أن يكون دخولهم بعد الزوال؛ لأمرين: الأمر الأول: أن جمهور العلماء يرون أنها لا تصح قبل الزوال احتياطاً لهذا العذر.
الثاني: حتى لا يكون في هذا عذر للكسالى الذين يفتحون البقالات وغيرها، فإذا قيل لهم: تعالوا صلوا قالوا: صلينا مع الخطيب المتقدم، والمقصود: أنه ينبغي للخطيب أن يكون دخوله بعد الزوال، فيكون أذان الجمعة هو أذان الظهر على التقويم، فينبغي الاحتياط للجمعة.
وذكر في الشرح قال: وعن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس) وهذا قول، والمقصود: أن أكثر الأحاديث على أنها بعد الزوال، ولهذا جزم البخاري في الترجمة، وقال باب وقت الجمعة إذا زالت بالشمس مع أنه لا يجزم في كثير من تراجمه، وذكر حديث أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس.
فخطبة الجمعة ثابتة، وهي تقوم مقام ركعتين، فينبغي أن تكون الخطبة والصلاة بعد الزوال.
قوله: (ومن شرط صحتها فعلها في الوقت).
الصواب أنها تصح قبل الزوال، لكن على الإنسان أن يحتاط، والحنابلة يرون أنها كصلاة العيد تبدأ من الضحى، وجاء في أحاديث خارج الصحيحين ما يدل على هذا، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط؛ لأن الكثير من الناس اليوم أصبحوا يتأخرون، فالتبكير فيه مساعدة للذين يتأخرون، وقد ابتلي الناس بالسهر فصاروا ينامون، ولا يستيقظون إلا متأخرين، ولهذا تجد أنه إذا كان الأذان في الوقت يمتلئ المسجد، وإذا صار الأذان مبكراً قبل ربع ساعة تجد الناس يتأخرون ولا يأتون إلا الساعة الثانية عشرة على العادة.
وكذلك أيضاً يترتب على هذا: أن بعض النساء أو المرضى في البيوت قد يصلون قبل الوقت.
стр. 234
حضور أربعين رجلاً لها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها].
وقد سبق أنها لابد أن تكون في البلد في القرية أو المدينة فيكونون مستوطنين، وأن يكون العدد أربعين، ويستدلون بحديث: (مضت السنة في كل أربعين فصاعداً جمعة).
ولكن هذا ضعيف، والصواب أنها لا تسقط وإن قل العدد، والحنابلة اعتمدوا هذا وقالوا: لو نقص من الأربعين واحد صلوا ظهراً، فلابد أن يكون العدد أربعين، وقال: آخرون لابد أن يكون العدد اثنا عشر رجلاً، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] وأن الناس لما جاءت التجارة خرجوا من عند النبي ﷺ ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، وقيل: أقل من هذا، وقيل: أربعة.
والصواب: أن أقل عدد الجمعة ثلاثة: خطيب وهو الإمام، ومؤذن، ومأموم، فإذا وجد المؤذن وشخص معه مستوطن في بلده ووجد الإمام فيقيمون جمعة، وإذا كانوا اثنين تصح بهم الجماعة وإذا كانوا ثلاثة يقيمون الجمعة.
أما قولهم: اثنا عشر أو أربعون فلا دليل عليه.
стр. 235
تقدم خطبتين لها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن يتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسول ﷺ ].
فمن شروط الجمعة: أن يتقدمها خطبتان، فإن لم يتقدمها خطبتان لا تصح، ويصلونها ظهراً، ولهذا يوجد في بعض القرى وفي بعض الأحيان لا يجدون من يخطب بهم، فيصلون ظهراً، وبعض الشباب يخرجون إلى بعض القرى الكثيرة المتعددة فيخطبون بهم، وأحياناً ما يأتيهم أحد فيصلون ظهراً، فمن شرط صحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان، فإذا لم يتقدمها خطبتان فلا تصلى جمعة وإنما تصلى ظهراً.
ومن شروط الخطبتين: أن يفصل بينهما بجلسة، وأن تفتتح بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، والشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، والوصية بتقوى الله، وأن يقرأ آية، فهذا لابد منه في الخطبة.
стр. 236
ما يستحب في خطبة الجمعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن يتقدمها خطبتان في كل خطبة حمد الله تعالى والصلاة على رسول الله ﷺ وقراءة آية والموعظة، ويستحب أن يخطب على منبر].
السنة أن يخطب على المنبر أو على موضع مرتفع حتى يراه الناس ويسمعون كلامه، وإن خطب على الأرض فلا حرج، لكنه خالف السنة، فيكون على موضع عال يخطب فيشاهده الناس ويرونه ويسمعون كلامه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم ثم يجلس وأذن المؤذن].
إذا صعد المنبر يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم يجلس حتى يؤذن المؤذن، ثم يقوم ويبدأ الخطبة بالحمد لله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقوم الإمام فيخطب، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية، ثم تقام الصلاة فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة].
وهذه هي السنة، أن يجهر بهم في القراءة؛ لأن صلاة الجمعة يجتمع فيها عدد كبير، فشرع الجهر بها كصلاة الكسوف وصلاة العيد وصلاة الاستسقاء، وإن كانت في النهار، إلا أنه شرع الجهر بها للعد الكثير؛ فيستمع الناس القراءة ويستفيدون ويتدبرون.
стр. 237
الحالات التي تنقلب فيها الجمعة إلى ظهر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة، وإلا أتمها ظهراً].
إذا أدرك المأموم مع الإمام ركعة أضاف إليها ركعة وصحت الجمعة، فإن رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية قبل أن يدخل معه دخل معه في بقية الركعة الأخيرة، فإذا سلم الإمام أتى بأربع ركعات، ويعتبر فاتته الجمعة وأما إذا أدرك ركعة فإنه يضيف إليها ركعة وتصح له جمعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك إن خرج الوقت أو نقص العدد وقد صلوا ركعة أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً].
إذا أخر الإمام صلاة الجمعة إلى قرب العصر فصلوا ركعة قبل أن يخرج الوقت يضيفون إليها ركعة وتنبني عليها الجمعة، فإن خرج الوقت قبل أن يصلوا الركعة الأولى صلوها ظهراً.
وكذلك إذا نقص العدد قبل أن يصلوا ركعة أتموها جمعة، وإن زاد العدد وصاروا أربعين، ثم ذهب رجلان في الركعة الأولى يتمونها ظهراً على ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أنهم يتمونها جمعة ولو نقص العدد لا يشترط عدد الأربعين ولا اثنا عشر.
ومن فاتتهم الجمعة يصلونها ظهراً؛ لأن شرط الجمعة تقدم خطبتين، فلا تصح الجمعة إلا بتقدم خطبتين، فمن فاتته الصلاة سواء كانوا جماعة واحدة أو اثنين أو مائة فيصلون ظهراً أربع ركعات، فلا تقام الجمعة أكثر من مرة في مكان واحد، حتى في البلد الواحد ما تقام أكثر من جمعة واحدة إلا للضرورة أو الحاجة.
стр. 238
حرمة إقامة أكثر من جمعة في بلد واحد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة واحدة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها].
لا يجوز أن يصلى في البلد إلا جمعة واحدة؛ لأنه في زمن النبي ﷺ وفي زمن الخلفاء الراشدين ما أقيمت إلا جمعة واحدة، ففي زمنه ﵊، وكذلك في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى في القرن السادس في العراق التي هي أم الدنيا، وحاضرة العالم الإسلامي وليس فيها إلا جمعة واحدة، فلا ينبغي أن يزاد أكثر من جمعة إلا للضرورة أو الحاجة يعني: كأن اتسع البلد وكثر الناس فلا بأس على الصحيح.
وبعضهم يرى أنه لا يجوز وإن دعت الحاجة، حتى إن بعض الأحناف لا يرون صحة الجمعة الثانية، ولهذا إذا صلي جمعة ثانية في البلد فيصلون ظهراً بعدها؛ خوفاً ألا تصح إحداهما، وإن كان هذا التصرف باطلاً لكن فيه بيان شدة تحريهم، والمقصود: أن إقامة الجمعة الثانية في البلد ينبغي أن يتحرى فيها، ويتأكد من الحاجة الملحة، فبعض الناس يتساهلون الآن في إقامة الجمعة، فكل من بنى مسجداً جعل له محراباً ومنبراً، وصار يطالب بأن تقام فيه الجمعة، هذا غلط، ولهذا المسئولون في الوزارة لا بد أن يخرجوا لجنة لتنظر وتتحرى، ثم يؤذن لهم بالجمعة الثانية، فلا تقام إلا للحاجة الواضحة من اتساع البلد وامتلاء المساجد التي حوله.
стр. 239
ما يستحب لمن أتى الجمعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها].
كل هذا مستحبات ينبغي فعلها؛ لقول النبي ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
فالغسل مستحب عند جمهور العلماء لهذا الحديث، وقال آخرون من أهل العلم: كل من أراد أن يأتي الجمعة فعليه أن يغتسل وجوباً، وإلى هذا ذهب الظاهرية، واحتجوا بقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وبهذا يفتي فضيلة الشيخ محمد العثيمين ويرى أن من الواجب على كل أحد أن يغتسل.
وقال آخرون من أهل العلم: إنما يجب الغسل على أهل المهن، والعمال الذين تخرج منهم الرائحة المنتنه، وما عداهم فلا يجب، واستدلوا بما جاء في حديث عائشة: (أن الناس كانوا عمالاً وكانوا تخرج منهم الريح، فقال النبي ﷺ : لو اغتسلتم ليومكم هذا) قالوا: هذا دليل على أنه يجب على العمال، والصواب: أنه مستحب للجميع.
والتبكير إلى الجمعة كذلك من المستحبات، فيبكر إليها، ويلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويستاك؛ لقول النبي ﷺ : (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام).
وجاء في حديث آخر: أن من بكر كتب الله له في كل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها، وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ثم إذا دخل الإمام طويت الصحف واستمعت الملائكة للذكر).
فهذه خمس ساعات ويدخل الإمام في الساعة السادسة، والساعات هنا: أجزاء من الزمن، فقد تكون الساعة في اللغة العربية جزء من الزمن، وقد تكون الساعة المعروفة الآن أو تكون أقل منها أو أكثر منها، فهي خمس ساعات من بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس، فتقسم إلى وقت خروج الخطيب، ويخرج الخطيب في الساعة السادسة، ومعلوم أن نهار الصيف يكون أطول، وأما الشتاء فيكون أقل، فالخمس الساعات تكون قصيرة في الشتاء وطويلة في الصيف، ومن الغريب أن الإمام مالك ﵀ قال: إن هذه الساعات لحظات تكون بعد زوال الشمس، ثم يدخل الخطيب، وهذه من العجائب.
والصواب: أنها تبدأ إما من الفجر أو من طلوع الشمس، أما قول الإمام مالك إنها تبدأ من الزوال وقد دخل وقت الظهر، وأنها لحظات متوالية تنقص من الساعات فهو مرجوح.
وأما قول أنها تبدأ من الأذان الأول فغير صحيح، والأذان الأول محدث أحدثه عثمان ﵁ لما اجتمع الناس، وما كان معروفاً على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وإنما المراد من دخول اليوم إما من الفجر أو من طلوع الشمس.
وأما اليوم فقلت الرغبة في التبكير وضعف الناس وانشغلوا بالسهر حتى صاروا ينامون إلى وقت الصلاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها.
وإذا كان له إزار ورداء فيعتبران ثوبين على عادة العرب إزار ورداء، أو قميص وعمامة، والثوب: القطعة من الثياب والشماغ والغترة تسمى قطعة، والإزار قطعة، والرداء قطعة، وكل قطعة تسمى ثوباً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيها].
وهذا هو السنة، لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو كان الإمام يخطب؛ لأن النبي ﷺ : (كان يخطب فدخل سليك الغطفاني فجلس، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما).
فدل على أنه لابد من تحية المسجد، لكن يخففهما إذا كان الإمام يخطب حتى يستمع الخطبة، وهذا معنى يوجز فيهما أي: يخففهما.
وإذا جاء والمؤذن يؤذن فهو مخير بين أن يصلي وبين أن يستمع الأذان ويردد، والأقرب أنه يردد بعد المؤذن، ثم يصلي ركعتين يوجز فيهما، وسماع الأذان وقته قصير وفيه فضيلة فلا يتعارض مع استماع الخطبة.
ومن السنة أن يدخل الخطيب على الوقت، وإن جاء مبكراً فهذا خلاف الأفضل، وكان النبي ﷺ لا يأتي إلا عند الخطبة، وإن جاء وتقدم فلا حرج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا للإمام أو من كلمه].
لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب، إلا إذا كان الإمام يكلم أحداً، كما تكلم ذلك الرجل الذي جاء والنبي ﷺ يخطب فقال: (يا رسول الله! هلكت الأنعام، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا) أو أن الإمام يكلم بعض الناس فيقول: يا فلان افعل كذا أو قل كذا فمن يكلم الإمام أو يكلمه الإمام فلا بأس، أما أن يتكلم مع من بجواره فهذا لا يجوز، ومن تكلم والإمام يخطب فلا جمعة له، كما جاء في الحديث: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت، ومن لغى فلا جمعة له، ومن مس الحصى فقد لغى) فلا تقل: يا فلان افعل كذا أو اترك كذا ولا تجيب أحداً، ولا تشمت العاطس، ولا ترد السلام مثل الصلاة، ولا تستاك والإمام يخطب، كل هذا لا يجوز، ولكن إذا رأيت أحداً يعبث تشير إليه إما إشارة أو تنظر إليه، ثم انصحه بعد الصلاة.
وبعض الناس قد يكتب بعض الفوائد فهذا لا ينبغي؛ لأن فيه انشغال، ولكن يتذكر بعد الصلاة ويكتبها من بعد، وإذا غلط الخطيب في آية فإنه يفتح عليه مثل الصلاة.
ويوجد في بعض المساجد تسجيلات تسجل الخطبة، وقد ينشغل الذي يسجل عن سماع الخطبة فتراه يرفع الجهاز أو يخفضه، فقد يقال: إن هذا كالذي يعمل من حركات في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ صلى على المنبر ونزل القهقرى وتقدم، وكذلك أيضاً حمل أمامة بنت ابنته زينب فكان إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، وفتح الباب لـ عائشة، فقد يقال: إن هذه الحركة لا بأس بها، لكن أن ينشغل فهذا لا ينبغي أما الحركة اليسيرة فيعفى عنها كما في الصلاة، فيحاول أن يبتعد عن كل شيء يشغله عن سماع الخطبة.
وحديث: (من مس الحصى فقد لغى) يدخل فيه العبث الكثير.
مسألة: وهل يرفع المأموم يديه عند دعاء الإمام؟
الجواب
لا يرفع يديه إلا إذا استسقى الإمام، فيرفع الإمام يديه ويرفع المأمومون أيديهم.
مسألة: هل تجب صلاة الجمعة على أهل البادية والرجل المقيم في الصحراء في الخيام؟
الجواب
أهل البوادي ليس عليهم صلاة جمعة؛ لأنهم يرحلون وينزلون، ويرحلون وينزلون، فليسوا مقيمين، ومن شرط إقامة الجمعة أن يكون الإنسان مقيماً مستوطناً لا ينوي الانتقال، وكذلك أصحاب النزهة الذين يتنزهون في البر ليس عليهم جمعة.
وأما حديث: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر)، فيكون وقت الاغتسال بعد طلوع الفجر، أما قبله فلا؛ لأن اليوم ما دخل بعد.
وأما ساعة الإجابة في يوم الجمعة فقد اختلف فيها على أربعين قولاً، يقول الحافظ: أمليتها في فتح الباري، وأرجحها ساعتان، الساعة الأولى: عند دخول الخطيب حتى يفرغ من الصلاة، والساعة الثانية: آخر ساعة بعد العصر، فهذا أرجح ما قيل فيها.
وساعة الجمعة بأن يدعو مثلاً بين الخطبتين وفي الصلاة، وبعدما تنتهي الخطبة، وفي آخر التشهد، وفي السجود فهذا هو محلها.
стр. 240
شرح عمدة الفقه_ كتاب الصلاة [٩]
صلاة العيد فرض كفاية، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها فرض عين، وهي ركعتان بلا أذان ولا إقامة ولا نداء، بعدهما خطبتان، ووقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، يكبر الإمام فيها في عيد الأضحى ويؤخرها في عيد الفطر، ولها مستحبات ومندوبات كلها في كتب الفقه.
стр. 241
ما جاء في صلاة العيدين
стр. 242
حكم صلاة العيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صلاة العيدين.
وهي فرض على الكفاية، إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم].
والعيد: اسم لما يعود ويتكرر إما في اليوم أو في السنة أو في الشهر، كالجمعة في الأسبوع، والعيدان هما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وقوله: (باب صلاة العيدين)؛ لأنه ليس هناك إلا عيدان وهما عيد الفطر وعيد الأضحى.
وهي فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
وقال آخرون من أهل العلم: إنها سنة، وذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه فرض عين، وقال: إن صلاة العيدين فرض عيني سنوي، كما أن الجمعة فرض أسبوعي، والصلوات الخمس فروض يومية، فكذلك العيدان فرض عيني على كل أحد، وقال: إن النصوص تدل على أنها فرض عين، ومن الأدلة على ذلك: (أن النبي ﷺ أمر بإخراج الحيض والعواتق وذوات الخدور من النساء في العيدين)، ولما قالت امرأة: (يا رسول الله! المرأة ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها ولتشهد العيدين).
فثبت أنه (أمر العواتق وذوات الخدور والحيض أن يخرجن فيصلين مع الناس ويشهدن الخير وتعتزل الحيض المصلى).
فدل هذا على أن صلاة العيد فرض عين؛ لأنها فرض سنوي، وهو قول قوي، والمشهور في المذهب أنها فرض كفاية، فإذا صلى بعض الناس سقط الإثم عن الباقين، وقول المؤلف: إنه إذا وجد أربعون رجلاً وصلوا سقط فرض الكفاية، هذا على القول بأنه اشترط لصلاة العيد أربعين رجلاً كما مضى في الجمعة، أنه في المذهب اشترط أن الجمعة لا تقام إلا بأربعين رجلاً، واستدلوا بحديث: مضت السنة في كل أربعين فصاعداً جمعة.
لكنه ضعيف، والمسألة فيها خلاف، والمذهب على أنه لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين رجلاً، وقال آخرون: تنعقد باثني عشر رجلاً؛ لأن الصحابة خرجوا من المسجد لاستقبال القافلة، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً، وأنزل الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] فدل على أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلاً، وقال آخرون: تنعقد بأربعة، والصواب كما سبق أنه إذا وجد ثلاثة في قرية فتصح بهم الجمعة، لأن الجمعة لا تقام إلا في القرى والأمصار، ولا تقام في المخيمات ولا في البوادي ولا في المخيمات التي متنزهات، وإنما تقام في بلد أهله مستقرون مستوطنون، إما في بيوت الحجر والأسمنت أو الطين التي على وجه الدوام، فتقام فيهم الجمعة، وإذا وجد ثلاثة أقيمت فيهم جمعة، فهذا هو الصواب، إمام خطيب ومؤذن، ومأموم، فيكون الخطيب، والمؤذن ومعه آخر يستمعون الخطبة فيصلي بهم.
وكذلك العيد على الصحيح، فيصلون العيد إذا كانوا ثلاثة كالجمعة، أما قول المؤلف من أنه لابد من أربعين فهذا قول ضعيف، والحديث الذي استدلوا به حديث ضعيف لا يحتج به.
стр. 243
وقت صلاة العيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال].
وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى زوال الشمس، وكذلك الجمعة على قول الحنابلة وغيرهم: أنها كصلاة العيد تبدأ من ارتفاع الشمس إلى دخول وقت العصر، والصواب الذي عليه جمهور العلماء كما سبق أن وقتها من الزوال، ولهذا جزم البخاري ﵀ في صحيحه في الترجمة بأن وقت الجمعة من زوال الشمس، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وعلى هذا فإذا دخل الخطيب قبل زوال الشمس فإنها لا تصح الجمعة عند أكثر أهل العلم، وإنما تصح عند بعضهم.
ومن هنا يتبين خطأ بعض أئمة الجوامع في كونهم يتقدمون في الجمعة قبل دخول الوقت بربع ساعة أو بعشر دقائق، وهذا غلط؛ لأن التقديم فيه خطر، وأكثر العلماء يرون أن الصلاة لا تصح، وأنا أتعجب من عجلة بعض الأئمة، حيث يتقدم بربع ساعة، وتنتهي الخطبتان قبل دخول الوقت، وأكثر أهل العلم يرون أن صلاته باطلة، وإن كان الصواب أنها تصح، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط لهذه العبادة.
فأذان الجمعة هو أذان الظهر حتى يحتاط لهذه العبادة العظيمة، وحتى تخرج من الخطر، وحتى يقال: إن صلاتك صحيحة عند جميع أهل العلم، أما إذا تقدمت فأكثر أهل العلم يرون أن صلاتك باطلة، وبعضهم يرى أنها صحيحة، ثم أيضاً هناك من ولاة الأمور تعميم على الخطباء، مستندين بفتوى لسماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه بأن على الأئمة أن يتقيدوا بعدم الدخول إلا مع أذان الظهر وزوال الشمس، ومع ذلك لا يزال بعض الخطباء إلى الآن يخالف وهذا لا ينبغي للخطيب.
стр. 244
سنية إقامة العيد في الصحراء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ووقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، والسنة فعلها في الصحراء].
هذا هي السنة، فصلاة العيد تكون في الصحراء خارج البلد، كما كان النبي ﷺ يصليها، فصلاة العيدين والاستسقاء لا تصلى في الجوامع، وإنما تصلى خارج البلد، إلا في المسجد الحرام فإنها تصلى في المسجد الحرام، وما عداه فإنها تصلى خارج البلد، حتى في المدينة كان النبي ﷺ لا يصلي العيد في مسجده ﵊، وإنما يصلى في صحراء قريباً من البلد، لكن إذا اتسعت البلد وشق على الناس الصلاة فتسوى مصليات متعددة، أو كان هناك مطر في يوم العيد فلا بأس بالصلاة في الجوامع، وإلا فالسنة صلاتها في صحراء قريبة من البلد.
стр. 245
استحباب تعجيل الأضحى وتأخير الفطر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسنة فعلها في الصحراء وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر].
السنة تعجيل صلاة عيد الأضحى، وتأخير الفطر، وحكمة التبكير بصلاة الأضحى حتى يبادر الناس في ذبح الأضاحي ويأكلون منها، أما عيد الفطر فالسنة تأخيرها والفطر قبلها بتمرات، ويؤخرها حتى يتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، فزكاة الفطر أفضلها يوم العيد وقبل الصلاة، فينبغي أن يصلي الإمام ويتأخر في صلاة العيد حتى يطول الوقت ويتسع للذين يريدون أن يخرجوا زكاة الفطر بعد الفجر وقبل الصلاة؛ لأن هذا هو الوقت الأفضل لإخراج زكاة الفطر.
كذلك يفطر بأن يأكل تمرات قبل خروجه، أما في عيد الأضحى فليس هناك زكاة فطر قبلها، فيشرع للخطيب أن يبكر بصلاة الأضحى حتى يكون هذا أرفق بهم فيبادروا في ذبح أضاحيهم ويبادروا في الأكل من كبدها.
стр. 246
ما يستحب فعله يوم العيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب].
وهذا يحتاج إلى دليل، إنما الاغتسال في صلاة الجمعة، فهذا مشروع مؤكد أو واجب، أما صلاة العيد فلا أذكر حديثاً صحيحاً في هذا، وإنما هو قياس أو استدلال لبعضهم على صلاة الجمعة أما صلاة العيد فالقول بالاستحباب فيه نظر يعني: ليس فيه دليل، لكن لو اغتسل فهو من باب النظافة، لأنه يوم اجتماع فمن باب النظافة والبعد عن الرائحة فلا بأس، والتطيب كذلك من باب القياس على الجمعة، وإلا ليس فيه دليل خاص.
فهم قالوا هذا قياساً على الجمعة، حيث إن الجمعة فيها نص.
وهذا القياس لا يكفي حتى يقال بأنه سنة، والسنة لا تثبت إلا من فعل النبي ﷺ أو تقريره، والعبادات ليس فيها قياس، إنما القياس كما مر في الأصول في المعاملات، فالقول بأنه سنة يحتاج إلى دليل خاص.
стр. 247
صفة صلاة العيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة].
وليس لها نداء بخلاف صلاة الكسوف فإن لها نداء: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، أما صلاة العيد فليس لها أذان ولا إقامة ولا نداء، ولا يقول: صلاة العيد أثابكم الله، لا يقول شيئاً، وإنما يجتمع الناس في صحراء قريبة، ويخرج الإمام ليصلي بهم بدون أذان ولا إقامة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام].
يعني: هذه التكبيرات الزوائد، وهي سنة، فيكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً بعد تكبيرة الانتقال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويحمد الله، ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين، ثم يقرأ الفاتحة وسورة].
يرفع يديه مع كل تكبيرة، وثبت هذا عن بعض الصحابة، وكذلك في صلاة الجنازة أيضاً يرفع يديه عند كل تكبيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة].
وصلاة العيد يجهر فيها بالقراءة كالجمعة؛ لأنها صلاة، وإن كانت نهارية إلا أن فيها اجتماع، والصلوات التي فيها اجتماع: الجمعة والكسوف والعيدان، فيجهر فيها بالقراءة؛ لما فيه من الفائدة في سماع القرآن.
стр. 248
صفة الخطبة في العيدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا سلم خطب بهم خطبتين فإن كان فطراً حثهم على الصدقة وبين لهم حكمها، وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية].
يخطب خطبتين بعد الصلاة قياساً على الجمعة، وقد ورد أنه ﷺ كان يخطب، لكن العلماء قاسوا على الجمعة خطبتين، فإن كان في عيد الفطر حثهم على الصدقة والبر, وبين لهم حكم زكاة الفطر، وأن من أخرجها قبل الصلاة فهي صحيحة، ومن أخرها فعليه الإثم والقضاء، وفي خطبة العيد يبين مشروعية الأضاحي وسنيتها وماذا يشترط فيها، والموانع والعيوب المانعة من الإجزاء إلى غير ذلك من الأحكام التي تتعلق بالأضاحي.
والسنة عدم الإطالة، فتكون الخطبة قصيرة، كما قال النبي ﷺ : (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) لأن الخطيب يجمع المعاني الغزيرة في ألفاظ قليلة، فيقصر الخطبة ويطيل الصلاة؛ فهذا دليل على فقهه، والتقصير يكون نسبياً له، وربما طال أحياناً.
ومن السنة أن يستفتح الخطبة بالحمد لله، وقد روي هذا عن بعض الصحابة، فالحنابلة يرون الافتتاح بالتكبير، وروي هذا عن بعض الصحابة، والأفضل أن يستفتحها بالحمد لله كغيرها من الخطب.
ولا يخطب في العيد خطبة واحدة هذا هو الأولى؛ لأن العلماء قاسوها على صلاة الجمعة؛ لأنها تشبهها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتكبيرات الزوائد والخطبتان سنة].
بخلاف خطبتي الجمعة، فإنها شرط في صحة الجمعة، وأما صلاة العيد فالخطبتان فيها سنة، ولهذا لا يجب الإنصات ولا الجلوس، أما خطبة الجمعة فيجب الجلوس والإنصات، ولا يجوز الكلام، ومن تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له، ولا تصلى الجمعة إلا بشرط أن يتقدمها خطبتان، أما صلاة العيد فإن الخطبتين سنة، ولهذا قدمت الصلاة على الخطبة، فإذا أحب أن يستمع فهو أفضل وإن انصرف فلا حرج عليه.
стр. 249
حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها].
صلاة العيد ليس لها صلاة نافلة لا قبلها ولا بعدها، وإنما إذا جاء يجلس سواء طلعت الشمس أم لم تطلع ولكن إذا صليت صلاة العيد في المسجد ودخل فإنه يصلي تحية المسجد على الصحيح؛ لأن تحية المسجد مستثناة سواء طلعت الشمس أو لم تطلع، أما إذا كان المصلى في صحراء فلا يصلي لا قبلها ولا بعدها، ومثله أيضاً صلاة الاستسقاء إذا جاء فليجلس، وما قاله بعض الناس من كونهم يجلسون يصلون الضحى في المسجد فهذا تركه أولى، وينبغي للإنسان أن ينصرف، وإذا أحب أن يتنفل فليتنفل في البيت، وقد أنكر ابن عمر على من صلى الضحى في المسجد، فبعض الناس يتنفل في صلاة الاستسقاء أو صلاة العيد فيصلي ركعتين أو أربع أو ست وثمان وعشر، وهذا خلاف السنة، ينصرف ويصلي في البيت حيث لا يراه أحد.
стр. 250
ما تدرك به صلاة العيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها، ومن فاتته فلا قضاء عليه].
يعني: هذا على خلاف الجمعة، فإنه إذا أدرك الصلاة في الجمعة قبل السلام أو في أقل من ركعة فإنه يصليها ظهراً، وإذا أدرك ركعة فإنه يضيف إليها أخرى وتكون له جمعة، أما صلاة العيد فإذا أدرك ركعة يقضي ركعة، وإذا أدرك أقل من ركعة يقضي ركعتين، فليست كالجمعة، ومن فاتته فلا قضاء عليه، وهذا على القول بأنها سنة، وعلى القول بأنها فرض، فإنه يقضيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أحب صلاها تطوعاً إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً، وإن شاء صلاها على صفتها].
هذا على القول بأنها سنة، وأما على قول المحققين أنها فرض عين فيقضيها، وإن قضاها على صفتها فلا حرج، وهو الأفضل، فيقضيها على صفتها، يعني: تكبيرة الزوائد، أن يكبر في الأولى ستاً وفي الثانية خمساً، وإن ترك تكبيرات الزوائد فلا حرج؛ لأنها سنة.
следующие страницы →