← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

في سبيل الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السابع: في سبيل الله. وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم]. الغزاة المجاهدون في سبيل الله الذين ليس لهم مرتب، فيعطون من الزكاة ما يجهزهم، وينفقون على أسرهم، وأيضاً يشترى به سلاح لقتال الكفار، أما إذا كان لهم مرتب فيكتفى بمرتبهم، إذا كان عاملاً له مرتب من بيت المال، أو غازياً له مرتب فيكتفي بمرتبه، لكن إذا لم يكن له مرتب فيعطى من الزكاة ما يجهز نفسه ذهاباً وإياباً، وينفق على أسرته ويشتري سلاحاً وعتاداً، وما بقي يرده، لأنه إنما أعطي تجهيزاً له، لا يعطى إلا بمقدار حاجته، وكذلك أيضاً العامل، يعطى بقدر عمالته، وما زاد يرده.

стр. 317

ابن السبيل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثامن: ابن السبيل. وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده]. وهو المسافر، والسبيل: الطريق، وسمي ابن السبيل لملازمته، فلو أن إنساناً سافر من بلده وانتهت النفقة، أو ضاعت، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، فيعطى ولو كان غنياً في بلده؛ لأنه الآن فقير ما بيده شيء، فنعطيه ما يوصله إلى بلده، واليوم قد وجدت أشياء تعين المنقطعين، فإذا كان غنياً يستطيع أنه يصرف في بعض البنوك، فقد وجدت أسباب بحيث إن كثيراً من المسافرين لا ينقطعون الآن إذا كان غنياً وله رصيد في البنك، فيستطيع أن يسحب من أي مكان، لكن في الأزمنة السابقة ما كان يوجد شيء من هذا، فكان الإنسان إذا سافر وانتهت نفقته صار فقيراً، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، ولو كان غنياً.

стр. 318

جواز دفع الزكاة إلى أحد الأصناف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهؤلاء هم أهل الزكاة، لا يجوز دفعها إلى غيرهم، ويجوز دفعها إلى واحد منهم]. لا يجوز دفعها إلى غير هؤلاء الثمانية الأصناف، ويجوز دفعها إلى واحد منهم، لا يشترط أن يقسمها بين الثمانية، فإذا دفع زكاته إلى الفقراء كفى، أو دفعها إلى الغزاة كفى، أو دفعها إلى ابن السبيل كفى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز دفعها إلى واحد منهم؛ لأنه ﷺ أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وقال: لـ قبيصة: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها)]. أمر النبي ﷺ بني زريق أن يدفعوا الزكاة لـ سلمة بن صخر وهو واحد، وقال: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)، وهو واحد، فدل ذلك على جواز دفعها لصنف واحد، ولا يشترط تعميم الأصناف الثمانية.

стр. 319

إعطاء كل صنف من الثمانية قدر كفايته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويدفع إلى الفقير والمسكين ما تتم به كفايته]. الفقير يعطى ما يكفيه لمدة سنة من نفقة وكسوة وسكنى، والمسكين يعطى ما يكمل النفقة لمدة سنة؛ لأن الزكاة من الحول إلى الحول، فيعطى ما يكفيه حولاً كاملاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى العامل قدر عمالته، وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه]. العامل يعطى بقدر أعماله ولا يزاد؛ لأنها أجرة مقابل العمل، والمؤلفة قلوبهم يعطون ما يحصل به التأليف ولا يزاد، فإذا كان يتألف بمائة ألف فيعطيه مائة ألف، ولا يعطيه مائتي ألف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى المكاتب والغارم ما يقضي به دينه]. كذلك المكاتب إذا كان اشترى نفسه بمائة ألف ريال وبقي عليه خمسون ألفاً نعطيه خمسين ألفاً ولا نزيد، وكذلك الغارم، إذا كان تحمل في ذمته مائة ألف ريال، فنعطيه مائة ألف ولا نزيد، فلا نعطيه إلا مقابل ما يسدد به دينه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه]. كذلك الغازي إذا كان يجهزه خمسون ألفاً أعطيناه كفايته ولا نزيد، وابن السبيل كذلك، إذا كان يوصله إلى بلده مثلاً: ألف، ألفان، خمسة آلاف، فنعطيه بمقدار ما يوصله ولا نزيد.

стр. 320

الأصناف الذين يعطون عند الحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده، ولا يزاد واحد منهم على ذلك، وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة، وهم الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لنفسه، وابن السبيل]. هؤلاء لا يعطون إلا بمقدار حاجتهم، الفقير مقدار حاجته حتى تندفع عنه، والمسكين والمكاتب بمقدار ما يسدد دينه والمؤلفة قلوبهم.

стр. 321

الأصناف الذين يجوز دفع الزكاة إليهم مع الغنى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى، وهم: العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين]. يعني: هؤلاء يعطون ولو مع الغنى بقدر الحاجة، الغازي إذا لم يكن له مرتب، فيعطى ما يجهزه، فإن جعل له مرتب من أجل الغزو فلا، وإن لم يكن له مرتب فيعطى ما يجهزه، ولو كان غنياً، كذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ما يكون به تأليف قلوبهم، ولو كانوا أغنياء، وكذلك العامل ولو كان غنياً يعطى بقدر عمالته. والرابع: الغارم لإصلاح ذات البين، الذي يتحمل في ذمته ديوناً للإصلاح بين الناس، فهذا يعطى ولو كان غنياً، فيعطى ما يسدد دينه تشجيعاً له، وتقديراً لهذا العمل النبيل، ولا يقال: أنت غني ادفع من مالك! لا، نعطيه حتى لا ينقطع هذا؛ لأنه لو قيل له: ادفع من مالك يمكن يتأخر عن الإصلاح بين الناس، فيعطى من الزكاة ما يسدد الدين ولو كان غنياً. وأما بالنسبة للفقير فلا يعطى زيادة على نفقة سنة، فهذا لا يجوز إذا أعطاه شخص مائة ألف ريال، وأعطاه آخر مائة ألف ريال يردها ويقول: أنا أعطاني شخص ما يكفيني مدة سنة. وإذا اجتمعت فيه أكثر من صفة كأن يكون مكاتباً وفقيراً فيعطى بالوصفين، يعطى ما يكفيه لمدة سنة لفقره، ويعطى ما يسدد به دين الكتابة، لكن الغالب أن المكاتب يكون عنده عمل.

стр. 322

من لا يجوز دفع الزكاة إليه ؟

стр. 323

الغني والقوي المكتسب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه. لا تحل الصدقة لغني، ولا لقوي مكتسب]. الغني: هو الذي عنده ما يكفيه لمدة سنة أو غني بمن ينفق عليه، فهذا لا يعطى، وكذلك إذا لم يكن غنياً لكنه قوي يكتسب كل يوم ما يكفيه، فهذا لا يعطى؛ لأن النبي ﷺ لما جاءه رجلان يسألانه الزكاة أعاد النظر فيهما فرآهما جلدين، يعني: قويين نشيطين يقدران على العمل، فقال: (إن شئتما أعطيتكما، ولا حض فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فالغني الذي عنده ما يكفيه ولو كان مقعداً، إذا كان له مال أو عنده مرتب أو له إيجار لا يعطى، بعض الناس إذا رأى المقعد يعطيه ويقول: هذا مقعد مسكين! إذا لم يكن له مورد فلا بأس، أما إذا كان له مورد فلا، وبعض المقعدين لهم موارد كثيرة، عندهم بيوت وعقارات فلابد أن يسأل عن حاله، فإذا كان له مورد فلا يعطى ولو كان مقعداً. الثاني: الذي ما عنده شيء، لكنه قوي مكتسب يجد عملاً يكفيه، فلا يعطى، أما إذا كان قوياً مكتسباً، وما وجد عملاً، فهذا ليس لديه حيلة، فيعطى.

стр. 324

آل النبي ﷺ ومواليهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تحل لآل محمد ﷺ وهم بنو هاشم ومواليهم]. بنو هاشم ومواليهم، وقيل: بنو هاشم وبنو المطلب؛ لقول النبي صلى الله عليه عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد)؛ لأن بني المطلب لم يفارقوا بني هاشم في جاهلية ولا إسلام، والحكمة في ذلك أنها أوساخ الناس، قال ﷺ : (الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) وفي اللفظ الآخر: (إنها أوساخ الناس) لكن الله عوضهم بالخمس من الغنيمة تكرمة للنبي ﷺ وآله. وأما حديث أنه تصدق على بريرة فأخذته، فهي جاز لها أخذ الصدقة؛ لأنها مولاة لـ عائشة، وعائشة ليست من بني هاشم. فـ بريرة أعتقتها عائشة فصارت مولاة لها.

стр. 325

الوالدان والأولاد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علوا ولا إلى الولد وإن سفل]. لا يجوز أن يدفع الإنسان الزكاة إلى أصوله ولا إلى فروعه، فأصوله: الأب والجد، وجد الجد إلى آدم ﵇، وكذلك الأم والجدة وجدة الجدة إلى حواء ﵍، وكذلك الفروع لا تدفع لهم الزكاة، وهم الأبناء وأبناء الأبناء والبنات، وأولاد الأبناء، وأولاد البنات، إلى ما لا نهاية إلى يوم القيامة، فلا تعطي الزكاة أحداً من فروعك ولا أصولك، ويجوز إعطاء الزكاة الحواشي، وهم الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، إذا كان لك أخ أو أخت ولا تنفق عليه؛ لأنه ليس عندك في البيت، فتعطيه من الزكاة إذا كان محتاجاً ما يكفيه لمدة سنة، وهم أولى من غيرهم، والصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على البعيد صدقة. أما إذا كان الأخ عندك في البيت وتنفق عليه، فلا تعطيه، لابد أن يكون في بيت آخر وله أولاد وهو فقير، أو أخت كذلك أو عم أو عمة أو خال أو خالة، كل هؤلاء أولى من غيرهم إذا كانوا محتاجين، أما إذا سدد الله أحوالهم فلا تعطيهم، وإنما تعطيهم من صدقة التطوع، والزكاة تدفعها في أهلها، لكن إذا كانوا محتاجين فقراء يلحقهم نقص في النفقة أو الكسوة أو السكنى فتعطيهم، فهم أولى من غيرهم. وإذا كانوا مديونين فإن الشيخ محمد بن عثيمين يفتي بأنه لا بأس أن تدفع الزكاة له فيقضى بها دين الوالد.

стр. 326

من تلزمه مؤنته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علوا، ولا إلى الولد وإن سفل، ولا من تلزمه مئونته]. كذلك من تلزمه مئونته، إذا كان عندك أخ في البيت، فتلزمك مئونته، أو عامل أو خادم تنفق عليه، فلا تعطيه من الزكاة، أما إذا كان في بيت لوحده، ولا تلزمك مئونته، فلا بأس، وهو محجوب عنك بأولاد أولى من غيره.

стр. 327

الكافر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا إلى الكافر]. لا يصح دفع الزكاة إلى الكافر، وإنما تدفع للمسلم، فمن شرط من تدفع إليه الزكاة: أن يكون مسلماً. والمبتدع إذا كانت بدعته لا توصله إلى الكفر فيجوز، والعاصي المسلم تدفع له الزكاة، إلا إذا كان ينفقها في شراء محرم إذا كان يشتري الدخان أو الخمر فهذا لا يعطى من الزكاة، ويقال: وكل وكيلاً، وتعطى الوكيل لينفقها عليه، ويشتري النفقة بنفسه، وإذا كان لا يحسن التصرف أو يضيعها فلا نعطيه إياها، لكن نطلب منه أن يوكل وكيلاً، ثم نعطيها الوكيل ليشتري له وينظر في حوائجه. وهنا مسألة: بعض الناس يعطي الزكاة للعمال الذين يشتغلون عنده وهذا لا يجوز؛ لأنه يعود نفعها إليك، ولأنك إذا أعطيتهم من الزكاة نفعت نفسك فصاروا يشتغلون ويحسنون العمل ويتقنونه من أجل الزكاة التي تعطيهم، أو يبقون عندك فلا يذهبون إلى غيرك، والزكاة لا يجلب بها الإنسان إلى نفسه نفعاً، ولا يدفع بها عن نفسه مذمة.

стр. 328

جواز دفع صدقة التطوع مطلقاً دون قيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما صدقة التطوع، فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم]. صدقة التطوع بابها واسع، فتدفع إلى أهل الزكاة وإلى غيرهم ولو كان غنياً.

стр. 329

اشتراط النية في دفع الزكاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام قهراً]. لا يجوز دفع الزكاة إلا بنية؛ لأنها عبادة، والعبادة لا بد لها من نية، بخلاف قضاء الدين، لو صار شخص يطلبك دراهم، ثم جاء إنسان فقضى دينك وأنت لا تعلم لأجزأ ذلك؛ لأنه ليست عبادة، ومثله غسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، كأن نزل المطر على الثوب وغسله طهر، أما الزكاة فلابد أن تنوي، لو دفع الزكاة عنك شخص وأنت لم تعلم ما برئت الذمة، لا بد أن توكله حتى تنوي، وإذا أخذها الإمام قهراً برئت الذمة، ولو طلبها ولي الأمر وأخذها من شخص برئت.

стр. 330

حكم دفع الزكاة إلى غير مستحقيها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزه إلا الغني إذا ظنه فقيراً]. إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقيها فلا يجزئ، كأن دفعها مثلاً إلى شخص يظن أنه من الغزاة في سبيل الله، ثم تبين أنه ليس بغاز، أو دفعها إلى المؤلف، ثم تبين أنه ليس مؤلفاً، فلا تجزئ، إلا إذا دفعها إلى الغني يغلب على ظنه أنه فقير، ثم تبين له أنه غني فتجزئ؛ لما جاء في الحديث الصحيح (أن رجلاً قال: لأتصدقن الليلة بصدقة فتصدق على غني، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على غني! فقال: الحمد لله على غني، لأتصدقن الليلة، ثم تصدق فوضعها في يد زانية! فجعل الناس يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: الحمد لله على زانية، لأتصدقن الليلة، ثم تصدق ووضعها في يد سارق! فجعل الناس يتحدثون قالوا: تصدق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على غني وزانية وسارق، ثم أوتي فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت، أما الغني فلعله يستعفف -لعله يتذكر فينفق مما أعطاه الله-، وأما السارق فلعله يتوب من سرقته، وأما الزانية فلعلها تستعفف، وتتوب من زناها) فدل هذا على أنه إذا دفعها إلى الغني وهو يظنه فقيراً أنها تبرأ ذمته، لكن لا بد أن يغلب على ظنه.

стр. 331

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصيام [١] لقد فرض الله على هذه الأمة صيام شهر رمضان بكيفية مخصوصة ووقت مخصوص بين جميعها النبي ﷺ في السنة، وقد خفف الله عن المريض والمسافر والحامل والمرضع فلهم أن يفطروا ويقضوا في أيام أخر.

стр. 332

أحكام الصيام

стр. 333

تعريف الصيام لغة وشرعاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الصيام. يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم]. الصيام في اللغة: الإمساك، ومنه يقال للساكت: صائم، فالساكت صائم في اللغة، قال الله تعالى عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]، يعني: سكوتاً، وأخبر الله تعالى أنه أنطق عيسى لما ولدت وقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] قال لها: إذا لقيتي أحداً قولي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]. فلم تكلمهم إلا بالإشارة، فالصوم في اللغة: السكوت، ومنه يقال للساكت: صائم، وقال ابن قتيبة: يقال للساكت عن الكلام وعن السير صائم. ويقال للخيل الساكتة عن الأكل أو عن الصهيل صائمة؛ ولهذا يقول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجم (خيل صيام) يعني: ساكتة عن الصهيل أو عن العلف، (وخيل غير صائمة) يعني: لها صهيل وتأكل العلف، فإذاً: المادة تدور على السكوت، ويقال للنهار: صائم إذا وقف عن الظل، فالمادة تدور على الوقوف والسكوت في اللغة. شرعاً: الإمساك بنية عن أشياء مخصوصة، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص. فمثلاً: الإمساك عن الأكل والشرب والمفطرات لابد له من نية، وإذا كان بدون نية فلا يسمى صياماً شرعاً. عن أشياء مخصوصة: وهي الأكل، والشرب، والجماع والمفطرات. في زمن مخصوص: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. من شخص مخصوص: وهو المسلم البالغ العاقل، الذي ليس به مانع من الصوم، وتخرج به الحائض والنفساء، فهذا هو الصيام شرعاً، إمساك بنية، عن أشياء مخصوصة، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص.

стр. 334

شروط وجوب الصوم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يجب صيام رمضان، على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم]. فهذه شروط وجوب الصوم: الشرط الأول: أن يكون مسلماً، فالكافر لا يجب عليه الصوم، بمعنى: أنه لا يصح منه الصوم لو صام حتى يدخل في الإسلام؛ لأن الصيام لا يدخل إلا بعد الإيمان، فلو صام الكافر ما صح صومه، وليس معنى ذلك أنه لا يحاسب ولا يعاقب على الصوم، لا، بل يعذب يوم القيامة على ترك الصوم والصلاة، وعلى ترك الإسلام، لكن المعنى: أنه لو صام في حال كفره لم يصح صومه حتى يدخل في الإسلام. الشرط الثاني: أن يكون بالغاً، فالصبي لا يجب عليه صوم رمضان، لكن لو صام وهو صغير صح صومه، ويؤمر به، يأمره به وليه إذا كان يطيقه حتى يتمرن عليه، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يصومون أولادهم في الصغر إذا كانوا يطيقون، ويعطونهم لعبة يتلهون بها من العهن إذا جاعوا حتى يأتي وقت الإفطار. الشرط الثالث: أن يكون عاقلاً، فالمجنون، وفاقد العقل، لا يجب عليه الصوم؛ لقول النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ). الشرط الرابع: أن يكون قادراً، لا بد أن يكون قادراً على الصوم، فإن كان عاجزاً كالمريض فلا يجب عليه الصوم، فالمريض يفطر ويقضي أياماً أخر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. فيجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ولو أضاف المقيم في الشرط الخامس لكان حسناً فالمسافر لا يجب عليه الصوم في حال السفر، لكنه يقضي، ولو صام أجزأه إذا كان لم يشق عليه، فإن شق عليه فهو مكروه في حقه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤمر به الصبي إذا أطاقه]. يؤمر به حتى يتمرن، فقد كان السلف يأمرون به صبيانهم كما أنهم أمروا بالصلاة: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) للتمرين، فكذلك يؤمر بالصوم إذا كان يطيقه للتمرين والتدريب. وفي الصلاة يضرب عليها الصبي إذا بلغ عشراً، أما الصوم فإنه يؤمر به من باب التمرين ولا يضرب عليه ولا أذكر شيئاً يدل على الضرب، لكن مثلما قال أحد السلف: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار من باب التمرين، فهذا يرجع إلى الولي والنظر في حال الولي، إذا كان قوياً ونشيطاً. وأما قوله في الشرح: ويضرب عليه ليعتاده فهو أخذه من قوله: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) ومن قول بعض السلف: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار. فإذا شهد زوراً يضرب وهو صغير حتى لا يتعود الكذب، وإذا حلف كذلك، وهذا قد يقال: إنه إذا كان قوياً ونشيطاً.

стр. 335

ما يجب به صيام رمضان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان، ورؤية هلال رمضان، ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه]. هذه الأشياء الثلاثة يحب صوم رمضان بواحد منها، الأمر الأول: إكمال شعبان ثلاثين يوماً، فإذا كمل شعبان ثلاثين يوماً فيجب الصوم ولو لم ير هلال رمضان. الأمر الثاني: إذا رؤي هلال رمضان يجب الصوم؛ لقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرأيته). الأمر الثالث: إذا حال دون رؤية الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان غيم، فإن الناس يصبحون صياماً فإذا كانت ليلة الثلاثين من شعبان صحواً ولم ير الهلال فلا يصام، وإن كان غيماً أو قتراً فإنه يصام؛ لقول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له)، ومعنى (فاقدروا له) أي: ضيقوا الشهر فاجعلوه تسعاً وعشرين؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧]، أي: ضيق عليه رزقه، كان ابن عمر ﵄ يأمر من ينظر إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن كان صحواً ولم ير أصبح مفطراً، وإن حال دونه غيم أو قتر أصبح صائماً، فهذا هو المذهب. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، أنه لا يصام ليلة الثلاثين من شعبان إذا حال دونه غيم أو قتر، وهذا هو الصواب، وأما قول النبي ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وفي اللفظ الآخر: (فاقدروا له) يعني: احسبوا له، ويؤيده الرواية الأخرى: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً)، والروايات يفسر بعضها بعضاً، وهذا هو الصواب والذي عليه العمل. وروي عن الإمام أحمد رواية ثالثة، وهي: أنه إن صام الإمام صام الناس، وإن لم يصم الإمام لم يصم الناس، فالناس تبع لإمامهم؛ لقول النبي ﷺ : (الصوم يوم تصومون، والأضحى يوم تضحون). والصواب القول الثاني، أنه لا يصام إلا بأحد أمرين: إما إكمال شعبان ثلاثين يوماً أو رؤية هلال رمضان، وأما إذا لم ير وحال دونه غيم أو قتر، فالقول أنه لا يصام، وهذه مسألة اشتد النزاع فيها، وهي مسألة طويلة أطال فيها أئمة الدعوة، وقرأنا في الدرر السنية صفحات طويلة وكثيرة ألف فيها رسالة مستقلة، وهي من المسائل التي اشتد النزاع فيها، وأما اختيار المؤلف ﵀ ثلاثة أشياء فهو قول مرجوح، والصواب أنه لا يصام إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر، وأما قوله: (فاقدروا له) يعني: فاحسبوا له، ويفسره الحديث الآخر: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) والنصوص يفسر بعضها بعضاً.

стр. 336

إذا رأى شخص الهلال لوحده قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله]. إذا رأى الهلال وحده صام؛ لأنه لا عذر له، فلو رآه وحده فيصوم، وإن كان عدلاً صام الناس لرؤيته، وإن لم يكن عدلاً ولم تقبل شهادته لا يصوم الناس، لا تقبل إلا شهادة عدل، وقيل: لا يصوم ولو رآه وحده حتى يصوم الناس؛ لقوله: الصوم يوم تصومون. والدليل: (أنه تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله أني رأيته؛ فصام وأمر الناس بالصيام). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان عدلاً صام الناس بقوله، ولا يفطر إلا بشهادة عدلين، ولا يفطر إذا رآه وحده وإن صاموا بشهادة اثنين]. يعني: إذا رأى الهلال صام، لكن لا يفطر إلا بشهادة اثنين، فإذا أكمل ثلاثين يوماً لا يفطر، فيصوم ولو أكمل واحداً وثلاثين يوماً؛ لأنه إذا صام الناس بشهادة واحد فلا يفطروا إلا بشهادة عدلين أو بإكمال الشهر، أما إذا صاموا بشهادة اثنين فإنهم يفطرون إذا رأوا الهلال ويواصلون الشهر ثلاثين يوماً، ودخول رمضان يكفي فيه شهادة عدل، أما الخروج فلا بد فيه من شهادة اثنين، فإذا رأى الهلال وحده وردت شهادته، فإنه لا يفطر إلا مع الناس ولو زاد على الثلاثين يوماً. لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين فإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا) رواه النسائي. فاشترط للفطر أن يشهد اثنان، أما الصيام فيكفيه واحد إذا كان عدلاً. وحديث ابن عمر: (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته؛ فصام وأمر الناس بالصيام) ولقصة الأعرابي أنه رأى الهلال فأخبر النبي ﷺ فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أني محمد رسول الله؟ قال: نعم، فقال النبي: أذن يا بلال بالناس ليصوموا غداً) فدل على أنه يكتفى بشهادة واحد لدخول الشهر، أما خروجه فلا بد من اثنين، وقوله ﷺ : (فإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا) لأنها شهادة يدخل بها في العبادة، فلم يقبل فيها الواحد كسائر الشهود.

стр. 337

الأمور التي يخرج بها شهر رمضان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يفطر إذا رآه وحده، وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا، وإن كان بغيم]. إذا كان رأى الهلال اثنان، فإنهم إذا أكملوا الثلاثين يوماً أفطروا ولو لم يروا الهلال، فيفطرون بأحد أمرين: إما برؤية الهلال ليلة الثلاثين، فإن لم يروه وأكملوا ثلاثين يوماً أفطروا، هذا إذا شهد اثنان بدخول الشهر، أما إذا شهد واحد فقط، فإنهم لا يفطرون إلا بشهادة اثنين، أو الرؤية، وإن صاموا أكثر من ثلاثين يوماً. وأما شهادة النساء فالظاهر أن شهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا هو الأصل، إلا الشيء الذي يكون من خصائص النساء مثل الرضاع، ومثل البكارة والثيوبة فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة؛ لأن هذا من خصائص النساء.

стр. 338

عدم الإفطار إلى رؤية هلال شوال أو شهادة عدلين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة]. هذا ما ذهب إليه المصنف، أنهم يصومون إذا كان في ليلة الثلاثين غيم أو قتر، أو بقول واحد لم يفطروا حتى يكملوه أو يرو الهلال.

стр. 339

كيفية صيام الأسير قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وإن وافق قبله لم يجزه]. إذا كان أسيراً في بلاد الكفار، ولا يعرف الأشهر، فإنه يتحرى ويصوم، فإن تبين له بعد ذلك أنه صام في الشهر أو بعده صح، وإن تبين له أنه صام قبل دخول رمضان فإنه يعيد، أما إذا لم يتبين له كأن اشتبه عليه الأمر، وليس هناك أحد يخبره، وسأل الكفار ولم يخبروه، وقد لا يوثق بهم، ثم تحرى وصام، ثم بعد ذلك تبين له أن صيامه كان موافقاً للشهر أو بعده صح، وإن تبين له أنه صام قبل دخول الشهر فإنه يعيد؛ لأنه أدى العبادة قبل دخول وقتها. ولا يقاس الصيام على الصلاة، فالصلاة لا يعيدها، أما الصيام فإنه يقضي؛ لأن رمضان لا يتكرر.

стр. 340

أحكام المفطرين في رمضان

стр. 341

المريض الذي يتضرر بالصيام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أحكام المفطرين في رمضان. ويباح الفطر في رمضان لأربعة أقسام: أحدها: المريض الذي يتضرر به]. الأول: المريض الذي يباح له الفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. فالمريض له أحول، الحالة الأولى: أن يكون المرض خفيفاً، فهذا لا يفطر إذا كان المرض خفيفاً كوجع ضرس، أو صداع خفيف، فهذا لا يوجب الفطر، فليس له أن يفطر. الحالة الثانية: أن يكون مرضاً يشق عليه معه الصوم، ويتجشم التعب في الصوم، فهذا يجوز له الفطر، وإن صام أجزأه، فلو صام وتجشم المشقة صح صومه. الحالة الثالثة: أن يكون مرضاً يشق معه الصوم، ويزيد الصوم المرض، فهذا لا يجوز له الصوم، ويحرم عليه الصوم في هذه الحالة، فيجب عليه الفطر.

стр. 342

المسافر الذي له القصر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمسافر الذي له القصر]. كذلك المسافر الذي له القصر، وهي مسافة يومين للإبل المحملة، بدبيب الأحمال، ومشي الأقدم، وهي ما يقارب ثمانين كيلو، فإذا كانت هذه المسافة فله الفطر في رمضان، وله قصر الرباعية، وله أيضاً الجمع، وله المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، فيترخص برخص السفر، والمسافر له أحوال: الحالة الأولى: أن يكون السفر يشق معه الصوم، فهذا يكره في حقه الصوم، يقول النبي ﷺ : (ليس من البر الصيام في السفر)، وهذا لما رأى رجلاً ظلل عليه، وقد سقط من الصوم، ولقول النبي ﷺ في بعض الأسفار لما كان بعضهم صائم وبعضهم مفطر فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأخبية، وسقطوا الركاب، وخدموا إخوانهم فقال النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر). الحالة الثانية: ألا يشق عليه الصوم، كأن يكون الجو بارداً، والسفر مريحاً، فهذا مخير بين الصيام وبين الفطر، واختلف العلماء في أيهم أفضل، فقال بعضهم: الفطر أفضل؛ لأن فيها أخذ برخصة الله، وقال آخرون: الصوم أفضل؛ لأنه أسرع له في براءة الذمة، وأنشط له إذا كان يصوم مع الناس، وقيل: على حد سواء، وذهب طائفة قليلة من أهل العلم إلى أنه لا يصح لو صام مطلقاً في الصوم، والصواب أنه يصح، وهذا قول ضعيف، واختلف العلماء في سفر المعصية هل له أن يفطر؟ أو ليس له أن يفطر، فالجمهور على أنه لا يفطر ولا يترخص، ولا يعان على المعصية. القول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة: أن له أن يفطر وعليه إثم المعصية، وهذا هو الأقرب، وإذا كان في الجهاد، فإنه يحرم عليه الصوم في وقت قتال العدو؛ لأن النبي ﷺ لما سافر في فتح مكة ونزل منزلاً قال: (إنكم تصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم) ثم لما نزل منزلاً آخر عزم عليهم وقال: (افطروا)، ولما بلغه أن قوماً صاموا قال: (أولئك العصاة! أولئك العصاة!). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء، وإن صاما أجزأهما]. يجوز لهما الفطر والصيام، والفطر أفضل؛ لأن فيه أخذاً برخصة الله، وإن صام المسافر والمريض أجزأهما، على التفصيل السابق.

стр. 343

الحائض والنفساء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان، وإن صامتا لم يجزئهما]. الحائض والنفساء ليستا من أهل الصوم، بل يجب عليهما الفطر ويقضيان، ولا يصلح منهما الصوم؛ لقول النبي ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟!) ولما ثبت أن امرأة سألت عائشة ﵂ وقالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟!) يعني: أنت من بلدة حروراء، وهي البلدة التي تجمع فيها الخوارج؛ لأنها ما أحسنت السؤال كأنها معترضة، فظنت عائشة أنها من الخوارج، وهي مسكينة ما عرفت تسأل، فقالت: (لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا على عهد النبي ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)؛ لأنها قالت: ما بال الحائض، لو قالت: ما الحكمة في كون الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لأجابتها عائشة، لكن قالت: ما بال الحائض؟ وكأنها تعترض، فظنت أنها من الخوارج، فلهذا شددت عليها وقالت: أحرورية أنت؟ قالت: لا، لست بحرورية ولكني أسأل.

стр. 344

الحامل والمرضع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا، وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً]. هكذا المصنف فصل في الحامل والمرضع، إذا شق عليهما الصوم وخافتا على أنفسهما، فإنهما تفطران وتقضيان وليس فيهما إطعام؛ لأنهما بمنزلة المريض، وإن خافتا على الولد أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً، وجاء في الحديث في سنن أبي داود: أنهما إن خافتا على طفلهما وعلى الولد، فحكمها حكم المريض، والأقرب أنه لا يجب الإطعام، حتى ولو خافتا على الولد، فتفطران وتقضيان، وإن أطعمتا احتياطاً فلا حرج. ويقول الشارح: وإن خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]]. وليست الآية في المرضع والحامل، والمذهب أنها تطعم، وتوجد رواية في سنن أبي داود لكن في صحتها نظر.

стр. 345

العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الرابع: العاجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً]. هذا الصنف الرابع من المفطرين: من عجز عن الصوم لأحد أمرين: إما لكبر السن، أو بسبب مرض قرر الأطباء بأنه لا يرجى برؤه، فهذا ليس عليه الصوم، وليس عليه قضاء، وإنما يطعم عن كل يوم مسكيناً، قال ابن عباس في قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤]: ليست منسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يطيقان الصيام فيفطران.

стр. 346

حكم من جامع أهله في نهار رمضان

стр. 347

كفارة تكرار الجماع في نهار رمضان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة، وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية]. إذا جامع مثلاً مرة ولم يكفر، ثم جامع مرة ثانية في نفس اليوم، وجامع مرة ثالثة فكفارة واحدة، لكن لو جامع في أول النهار وبعد ذلك كفر، كأن كان عنده عبد فجعله حراً لوجه الله، فهذه كفارة، ثم غلبته نفسه وجامع في آخر النهار مرة ثانية، نقول: عليه كفارة أخرى، وإذا جامع وكرر الجماع في يوم واحد ولم يكفر فعليه كفارة واحدة، وإن جامع ثم كفر، ثم جامع في نفس اليوم فعليه كفارة ثانية، هذا إذا كانت في يوم. أما إذا كانت في يومين فعند بعض العلماء: إذا جامع في يومين ولم يكفر قبل فعليه كفارة واحدة. القول الثاني: أنه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، وهذا هو الأقرب، فإذا جامع في يوم، ثم جامع في اليوم الثاني، ثم جامع في اليوم الثالث، فعليه ثلاث كفارات؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة على الصحيح. والمرأة إذا كانت مطاوعة فعليها الكفارة، وإن كانت مكرهة فليس عليها شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل من لزمه الإمساك في رمضان فجامع فعليه كفارة]. كل من لزمه الإمساك مثل المسافر، إذا قدم من السفر وجب عليه الإمساك احتراماً للزمن، ويقضي هذا اليوم، ولو جامع بعد العصر نقول: عليه كفارة، ولو كان مفطراً احتراماً للزمن، فما دام أنه وجب عليك الإمساك ثم جامعت فعليك الكفارة، وكذلك الصغير إذا بلغ في أثناء النهار فيمسك ويقضي هذا اليوم، فإذا جامع عليه الكفارة. وكذلك الحائض والنفساء إذا طهرت في أثناء النهار فتمسك وعليها القضاء، فلو جامعها زوجها مطاوعة فعليها كفارة. القول الثاني للعلماء: أنه لا يلزمه الإمساك، ولا يلزمه شيء؛ لأنه لا يفيد هذا الإنسان شيء، ولقول بعض السلف: من أكل أول النهار فليأكل آخره، وإذا قدم المسافر فيكمل فطره، لكنه يفطر سراً وليس عليه شيء، والمذهب هو الأول.

стр. 348

حكم من أخر القضاء حتى أدركه رمضان الآخر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غير القضاء وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً]. إذا أخر قضاء رمضان حتى جاء رمضان الثاني، فهذا على حالتين: الحالة الأولى: إذا أخره لعذر، كأن يكون مريضاً استمر به المرض حتى جاء رمضان الثاني، نقول: يصوم رمضان الثاني ثم يقضي وليس عليه شيء. الحالة الثانية: أن يكون مفرطاً، تمكن من القضاء لكنه تساهل حتى جاء رمضان الثاني، فإنه يصوم رمضان الثاني ويقضي هذه الأيام التي فاتت عليه من رمضان الأول، لكن عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً كفارة، فيقضي ويطعم، أفتى بهذا بعض الصحابة، ولكن هذا ليس بواجب على الولي، إذا حب أن يصوم الولي صام، وإلا فإنه يطعم عنه عن كل يوم مسكيناً. والمذهب على أن صيام رمضان لا يصام عنه، وإنما هذا خاص بصوم النذر، واستدلوا ببعض روايات الحديث: (من مات وعليه صوم نذر صام عنه وليه)، قالوا: إذا مات وعليه أيام من رمضان فلا يقضى ما وجب عليه بأصل الشرع، وإنما يقضى الذي وجب عليه بما أوجبه على نفسه كالكفارة أو النذر، والصواب الجواز؛ لعموم قول النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) سواء كان صوم رمضان أو صوم نذر، أو صوم كفارة، بشرط أن يكون تمكن من الصوم ولم يصم، بمعنى: أنه شفي من مرضه بقدر الأيام التي عليه ولم يصم، أما إذا اتصل به المرض حتى مات فهذا لا صيام عليه.

стр. 349

أحوال من ترك الصيام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه لكل يوم مسكيناً إلا أن يكون الصوم منذوراً، فإنه يصام عنه، وكذلك كل نذر طاعة]. أن يكون الصوم منذوراً، فإنه يصام عنه، وهذا على المذهب، والصواب أنه يصام عنه سواء كان نذراً أو من رمضان إذا تمكن ولم يقض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك كل نذر طاعة]. وكذلك كل نذر طاعة، فإذا مات الميت ولم يقضها فتقضى عنه، إذا نذر صوماً يصام عنه، وإذا نذر صلاة يصلى عنه إذا وجب بالنذر، أما ما وجب بأصل الشرع من صلاة وصوم فلا يقضى عليه، والصواب أن الصوم يقضى عن المريض إذا تمكن من الصيام ولو كان من رمضان، وإذا ما أحبوا أن يصوموا فلا يجبروا، ويطعمون من ماله عن كل يوم مسكيناً، فهذا دين في ماله قبل قسمة التركة. مسألة: وإذا ترك شخص الصيام تعمداً مدة أربع أو خمس سنوات وهو يصلي، فيقضي ما فاته من الصيام، ويطعم عن كل يوم مسكيناً مع التوبة والاستغفار.

стр. 350

شرح عمدة الفقه_ كتاب الصيام [٢] المسلم إذا صام وجب عليه أن يحافظ على صومه مما يفسده، فيجتنب كل ما يعلم أنه يفسد عليه صومه، إلا إذا نسي أو أكره على فعل شيء منها فلا حرج عليه، ولا يجوز للمسلم أن يصوم أيام العيدين الفطر والأضحى، ولا أيام التشريق إلا الذي لم يجد الهدي، فيصوم أيام التشريق، وعلى المؤمن أن يتحرى ليلة القدر، وأن يعتكف ما استطاع لما فيه من الثواب والفضل.

стр. 351

ما يفسد الصوم

стр. 352

الحكم فيما إذا استعط أو وصل إلى جوفه شيء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يفسد الصوم من أكل أو شرب أو استعط أو أو صل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس أو أمذى أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد]. هذا الباب معقود للأشياء التي يفسد بها الصوم، وذكر أشياء منها: الأكل والشرب، فمن أكل أو شرب بهذين الشرطين: ذاكراً عامداً -ذاكراً: ضد الناسي، وعامداً: ضد المكره- فسد صومه، أما من أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، ولا قضاء ولا كفارة؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀: (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) وكذلك إذا لم يكن مختاراً -يعني: كان مكرهاً- كأن صب في فمه الماء، وألجئ أو هدد بالسلاح أمامه فأكل أو شرب، فلا يفسد صومه في هذه الحالة؛ لأنه ليس له قصد ولا اختيار، ولهذا قيده المصنف فقال: ذاكراً عامداً، ذاكراً: ضد الناسي، وعامداً: ضد المكره، يعني: قاصداً لهذا الشيء، فله قصد في هذا وله اختيار من أكل أو شرب. وكذلك لو استعط بدهن أو غيره، يعني: جعل سعوطاً في أنفه؛ لأن الأنف منفذ، يقول النبي ﷺ للقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فدل على أن الأنف منفذ، فإذا استعط بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه ذاكراً عامداً أفطر. وكذا من قبل زوجته أو لمس أو باشر فأنزل فسد صومه، وكذا لو استمنى بيده أو بيد زوجته أو بغير ذلك فأمنى فسد الصوم. أما إذا أمذى ففيه خلاف، والمذهب أنه يفسد صومه، القول الثاني: وهو رواية عند الإمام أحمد: أنه لا يفسد وهو الصواب، لكن يأثم إذا تسبب في إفساد صومه وهو يعلم بذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من أكل أو شرب أو استعط أو أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى]. إذا أوصل إلى جوفه من أي شيء من أي موضع، وعلى هذا فالإبرة التي تصل إلى الجوف تفطر الصائم كإبرة العضل أو إبرة الوريد أو غيرها. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الإيصال إلى الجوف لا يفطر، ومن ذلك القطرة في العين أو القطرة في الأذن؛ لأنهما ليسا منفذاً. ويقول: لم يجعل الله ولا رسوله وصول شيء إلى الجوف من المفطرات، ولأنه ليس أكلاً ولا شرباً، وليس في معنى الأكل والشرب، فلا تفطر الإبرة إذا كانت مكافحة للمرض سواء كانت في الوريد أو في العضل، بخلاف القطرة في العين أو في الأذن، فإن الأنف منفذ إذا وصلت إلى الحلق، ولكن الأحوط للمسلم أن يبتعد عن الإبر لاسيما في النهار، احتياطاً لهذه العبادة العظيمة، وأكثر الفقهاء على أنها تفطر، وإن كان ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ وجيه؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أن الإيصال إلى الجوف مفطر، ولا يسمى أكلاً أو شرباً، أما الإبر المغذية فهذه تفطر بالاتفاق، وبعض المعاصرين فرق بين الإبرة في العضد وفي العضل، فقال: الإبرة في العضد تفطر، والإبرة في العضل لا تفطر، لكن التفريق ليس بظاهر. أما المغذية فهذه ما في إشكال أنها تغني عن الأكل والشرب، ومثل حقن الدم أيضاً في المريض؛ لأنه خلاصة الطعام والشراب.

стр. 353

الاستقاء والاستمناء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو استقاء أو استمنى]. استقاء الهمز والسين والتاء للطلب، يعني: استدعى القيء، بأن عصر بطنه مثلاً أو شم شيئاً يتقيأ به، أو أدخل أصابعه في حلقه فقاء فيكون مفطراً؛ لحديث: (من استقاء عمداً فليقض) أما إذا غلبه القيء وذرعه بدون اختياره فلا يفطر، يقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وإذا استمنى أي: استدعى خروج المني، فأمنى، فسد صومه، أو قبل زوجته فأنزل وأمنى يكون مفطراًَ.

стр. 354

القبلة واللمس المؤدي إلى خروج المني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو قبل أو لمس أو أمذى أو حجم أو احتجم]. وهنا في عبارة ثانية: [أو قبل زوجته فأمنى أو أمذى]، يعني: نتيجة القبلة واللمس خروج المني، فهذا يفسد صومه وإذا أمذى فإنه يفسد على المذهب، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يفسد الصوم الإمذاء؛ لأن المذي: هو الماء الذي يخرج عند الملاعبة وانتشار الشهوة. أما المني: فهو ماء أبيض رقيق يخرج بقوة، وهو أصل الولد، فإذا أمذى فالصواب أنه لا يفطر، لكنه يأثم إذا تسبب ويعلم أنه يؤدي إلى الإمذاء، والمذهب على أنه يفسد سواء أمذى أو أمنى.

стр. 355

حكم الاحتجام عمداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو حجم أو احتجم عامداً]. إذا حجم أو احتجم عامداً ذاكراً فسد صومه، كما في حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم). وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر، وقالوا: إن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، وكان هذا أولاً، وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (احتجم وهو صائم)، وفي بعضها: (احتجم وهو محرم). قال ابن القيم ﵀: لا يتم دعوى النسخ إلا إذا كان ما حدث أمور أربعة: لابد أن تثبتوا أولاً أن النبي ﷺ احتجم وهو مقيم غير مسافر. ولابد أن تثبتوا أنه احتجم في فرض دون نفل. ولابد أن تثبتوا أنه احتجم وهو صحيح غير مريض. ولابد أن تثبتوا أن قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) كان أولاً حتى يتم النسخ، فإن تمت هذه الأمور الأربعة قلنا بالنسخ، وإلا فلا يقال بأنه نسخ: (أفطر الحاجم والمحجوم). ولهذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ وجماعة من المحققين إلى أن الحجامة تفطر، وهذا هو الأحوط، والجمهور على أن الحديث منسوخ، وأن الحجامة لا تفطر، ومن باب أولى سحب الدم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد]. لابد من التقييد عامداً ذاكراً، فإن كان مكرهاً أو ناسياً فلا؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت.
следующие страницы →