← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ما يفسد الصوم

стр. 352

الحكم فيما إذا استعط أو وصل إلى جوفه شيء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يفسد الصوم من أكل أو شرب أو استعط أو أو صل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس أو أمذى أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد]. هذا الباب معقود للأشياء التي يفسد بها الصوم، وذكر أشياء منها: الأكل والشرب، فمن أكل أو شرب بهذين الشرطين: ذاكراً عامداً -ذاكراً: ضد الناسي، وعامداً: ضد المكره- فسد صومه، أما من أكل أو شرب ناسياً فصومه صحيح، ولا قضاء ولا كفارة؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀: (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) وكذلك إذا لم يكن مختاراً -يعني: كان مكرهاً- كأن صب في فمه الماء، وألجئ أو هدد بالسلاح أمامه فأكل أو شرب، فلا يفسد صومه في هذه الحالة؛ لأنه ليس له قصد ولا اختيار، ولهذا قيده المصنف فقال: ذاكراً عامداً، ذاكراً: ضد الناسي، وعامداً: ضد المكره، يعني: قاصداً لهذا الشيء، فله قصد في هذا وله اختيار من أكل أو شرب. وكذلك لو استعط بدهن أو غيره، يعني: جعل سعوطاً في أنفه؛ لأن الأنف منفذ، يقول النبي ﷺ للقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فدل على أن الأنف منفذ، فإذا استعط بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه ذاكراً عامداً أفطر. وكذا من قبل زوجته أو لمس أو باشر فأنزل فسد صومه، وكذا لو استمنى بيده أو بيد زوجته أو بغير ذلك فأمنى فسد الصوم. أما إذا أمذى ففيه خلاف، والمذهب أنه يفسد صومه، القول الثاني: وهو رواية عند الإمام أحمد: أنه لا يفسد وهو الصواب، لكن يأثم إذا تسبب في إفساد صومه وهو يعلم بذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من أكل أو شرب أو استعط أو أوصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى]. إذا أوصل إلى جوفه من أي شيء من أي موضع، وعلى هذا فالإبرة التي تصل إلى الجوف تفطر الصائم كإبرة العضل أو إبرة الوريد أو غيرها. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الإيصال إلى الجوف لا يفطر، ومن ذلك القطرة في العين أو القطرة في الأذن؛ لأنهما ليسا منفذاً. ويقول: لم يجعل الله ولا رسوله وصول شيء إلى الجوف من المفطرات، ولأنه ليس أكلاً ولا شرباً، وليس في معنى الأكل والشرب، فلا تفطر الإبرة إذا كانت مكافحة للمرض سواء كانت في الوريد أو في العضل، بخلاف القطرة في العين أو في الأذن، فإن الأنف منفذ إذا وصلت إلى الحلق، ولكن الأحوط للمسلم أن يبتعد عن الإبر لاسيما في النهار، احتياطاً لهذه العبادة العظيمة، وأكثر الفقهاء على أنها تفطر، وإن كان ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ وجيه؛ لأنه ليس هناك دليل يدل على أن الإيصال إلى الجوف مفطر، ولا يسمى أكلاً أو شرباً، أما الإبر المغذية فهذه تفطر بالاتفاق، وبعض المعاصرين فرق بين الإبرة في العضد وفي العضل، فقال: الإبرة في العضد تفطر، والإبرة في العضل لا تفطر، لكن التفريق ليس بظاهر. أما المغذية فهذه ما في إشكال أنها تغني عن الأكل والشرب، ومثل حقن الدم أيضاً في المريض؛ لأنه خلاصة الطعام والشراب.

стр. 353

الاستقاء والاستمناء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو استقاء أو استمنى]. استقاء الهمز والسين والتاء للطلب، يعني: استدعى القيء، بأن عصر بطنه مثلاً أو شم شيئاً يتقيأ به، أو أدخل أصابعه في حلقه فقاء فيكون مفطراً؛ لحديث: (من استقاء عمداً فليقض) أما إذا غلبه القيء وذرعه بدون اختياره فلا يفطر، يقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. وإذا استمنى أي: استدعى خروج المني، فأمنى، فسد صومه، أو قبل زوجته فأنزل وأمنى يكون مفطراًَ.

стр. 354

القبلة واللمس المؤدي إلى خروج المني قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو قبل أو لمس أو أمذى أو حجم أو احتجم]. وهنا في عبارة ثانية: [أو قبل زوجته فأمنى أو أمذى]، يعني: نتيجة القبلة واللمس خروج المني، فهذا يفسد صومه وإذا أمذى فإنه يفسد على المذهب، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يفسد الصوم الإمذاء؛ لأن المذي: هو الماء الذي يخرج عند الملاعبة وانتشار الشهوة. أما المني: فهو ماء أبيض رقيق يخرج بقوة، وهو أصل الولد، فإذا أمذى فالصواب أنه لا يفطر، لكنه يأثم إذا تسبب ويعلم أنه يؤدي إلى الإمذاء، والمذهب على أنه يفسد سواء أمذى أو أمنى.

стр. 355

حكم الاحتجام عمداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو حجم أو احتجم عامداً]. إذا حجم أو احتجم عامداً ذاكراً فسد صومه، كما في حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم). وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر، وقالوا: إن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، وكان هذا أولاً، وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (احتجم وهو صائم)، وفي بعضها: (احتجم وهو محرم). قال ابن القيم ﵀: لا يتم دعوى النسخ إلا إذا كان ما حدث أمور أربعة: لابد أن تثبتوا أولاً أن النبي ﷺ احتجم وهو مقيم غير مسافر. ولابد أن تثبتوا أنه احتجم في فرض دون نفل. ولابد أن تثبتوا أنه احتجم وهو صحيح غير مريض. ولابد أن تثبتوا أن قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) كان أولاً حتى يتم النسخ، فإن تمت هذه الأمور الأربعة قلنا بالنسخ، وإلا فلا يقال بأنه نسخ: (أفطر الحاجم والمحجوم). ولهذا ذهب شيخ الإسلام ﵀ وجماعة من المحققين إلى أن الحجامة تفطر، وهذا هو الأحوط، والجمهور على أن الحديث منسوخ، وأن الحجامة لا تفطر، ومن باب أولى سحب الدم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه فسد]. لابد من التقييد عامداً ذاكراً، فإن كان مكرهاً أو ناسياً فلا؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت.

стр. 356

الأمور التي لا تفطر إذا فعلها ناسياً مكرهاً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار، أو تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء، أو فكر فأنزل أو قطر في إحليله، أو احتلم أو ذرعه القيء لم يفسد صومه]. لأنه في هذه الأمور لا اختيار له، فإذا طار إلى حلقه ذباب أو غبار لا يفسد صومه، وكذا لو تمضمض أو استنشق فخر شيء من الماء إلى بطنه لا يفسد صومه، وكذلك لو فكر فأنزل لا يفسد صومه؛ لأنه ليس له اختيار في دفع التفكير، وكذا لو احتلم وهو صائم، فيغتسل وصومه صحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو قطر في إحليله]. يعني: قطر في الذكر فلا يفطر؛ لأنه يصل إلى المثانة ولا يصل إلى الجوف، فلا يفسد الصوم إذا قطر في الذكر، ومثله تحليله في الدبر على الصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو احتلم أو ذرعه القيء]. قوله: (احتلم) لأنه غير متخير وكذا إذا ذرعه القيء وغلبه فلا يفسد؛ لأنه لا اختيار له. مسألة: البخور لا ينبغي أن يشمه، وإذا شمه متعمداً أفطر عند كثير من الفقهاء؛ لأن له أجزاء لطيفة تصل إلى الدماغ، ولا ينبغي أن يشمه فيحتاط فيه، والقول بتفطيره فيه نظر، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط إذا شم البخور، فإذا شمه واستنشق -يعني: ذاكراً متعمداً ففي المذهب أنه يفطر، وعند الفقهاء يفطر.

стр. 357

حكم من أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فعليه القضاء]. يعني: إذا أكل في آخر الليل يظن أن الليل ما زال باقياً، فتبين أن أكله كان بعد طلوع الفجر، فعليه القضاء على المذهب، وهو قول جمهور العلماء. القول الثاني لأهل العلم: أنه ليس عليه قضاء، وصومه صحيح، كمن أكل يغلب على ظنه أن الشمس غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، فلا يقضي في الصورتين. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة إلى القول الثاني لأهل العلم- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو أنه لا يقضي في الصورتين؛ لأنه معذور بجهله في الحال، فإذا أكل في آخر الليل يظن أن الليل باقياً، ثم تبين أن الفجر قد طلع فلا يفطر؛ لأنه معذور بجهله بالحال، وكذلك لو أكل يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب فإنه لا يقضي؛ لأنه معذور بجهله في الحال. والجمهور على أنه يقضي في الصورتين وهو الأحوط، وكونه معذوراً في أنه لا يلحقه إثم، أما القضاء فإنه يقضي، ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر ولم يتبين أنه طلع فصومه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل، ومن أكل شاكاً في غروب الشمس ولم يتبين أنها غربت فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، فالعبرة بالأصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فعليه القضاء، ومن أكل شاكاً في طلوع الفجر لم يفسد صومه]. لأن الأصل بقاء الليل، إذا كان شاكاً ولم يتبين له فصومه صحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء]. لأن الأصل بقاء النهار، إلا إذا تبين له أنها غربت. والظن هو شك غالب، أي: هو تردد بين الشيئين أحدهما غالب. والشك: أن يستوي الطرفان، فإذا شك في شيء، يعني: تردد فيهما على حد سواء، فهو شك وإذا غلب أحد الأمرين فيسمى ظناً، والثاني المرجوح يسمى وهماً. وكأن مراده بالظن هنا الشك، فيطلق الظن على الشك، فمن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً، إذا بان ولو كان عنده غلبه الظن، حتى ولو كان عنده يقين أن الليل باقٍ ثم تبين أنه نهار فيقضي، والسبب أنه قال: ثم بان، أما إذا لم يتبين فليس عليه شيء، فهو أكل وعنده ظن غالب بل عنده يقين أن الليل باقٍ، ثم تبين له أن الناس صلوا وهو يأكل، فهذا يقضي؛ لأنه صار يقينه لا عبرة به. أما شيخ الإسلام فلا يرى عليه القضاء في هذه الحالة؛ لأنه جاهل بالحال. وإذا أذن المؤذن قبل الوقت فأفطر، ثم تبين أن الشمس ما غربت، فإنه يقضي عند الجمهور، كما في قصة أسماء: (أفطرنا في يوم غيم على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس) قال: وسئل هشام عن القضاء؟ قال: لابد من قضاء. وشيخ الإسلام يقول: إن الرسول ﷺ ما أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم لبقي، وأما قول هشام: لابد من قضاء، فهذا باجتهاد منه، والجمهور أخذوا بقول هشام: لابد من القضاء. وإذا أكل ظاناً أن الشمس غربت ثم أخبر بعد أنها لم تغرب فكما سبق، يقضي على المذهب وهو قول الجمهور.

стр. 358

صيام التطوع

стр. 359

أفضل الصيام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صيام التطوع أفضل الصيام صيام داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً]. أفضل الصيام صيام داود؛ لقول النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمرو لما كان شاباً يصوم، قال: (صم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يوماً وأفطر يومين، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً، قال له: يا رسول الله! إني أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك، أفضل الصيام صيام داود ﵊، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، هذا أفضل الصيام إذا كان الإنسان عنده نشاط وفراغ. أما إذا كان صيامه يخل بالواجبات الأخرى، ويضعفه عن القيام بالعمل والكسب لأولاده فلا، لا يصم يوماً ويفطر يوماً ويهمل الواجبات الأخرى، فيكفي صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وكل اثنين وخميس على حسب استطاعته، إذا كان أفضل الصيام لمن عنده نشاط وفراغ، ولا يضعفه الصوم عن القيام بالواجبات الأخرى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم]. لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم) وأفضل المحرم: العاشر ثم التاسع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة)]. هذا أيضاً حديث فيه فضل عشر ذي الحجة، فيسن صيامها؛ لأن الصيام من العمل الصالح، والعمل الصالح مرغب في أيام العشر من ذي الحجة، واليوم العاشر هو يوم العيد فلا يصام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله]. وهذا فيه أيضاً الترغيب بصيام ست من شوال؛ لحديث أبي أيوب عند مسلم في صحيح مسلم: (من صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصيام رمضان بعشرة أشهر، والست تعادل شهرين، وسواء صامها متفرقة أو مجتمعة بعد العيد أو بعده بفترة، المهم أنه يصومها في شهر شوال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة]. فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصيام يوم عرفة كفارة سنتين]. جاء بهذا الحديث: (إني أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة المستقبلة). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه]. لا يستحب للحاج أن يصومه؛ لأن النبي ﷺ كان مفطراً في يوم عرفة، ولما شكوا في صيامه أرسلت أم الفضل له بقدح من لبن، فشربه والناس ينظرون؛ فعلموا أنه مفطر، ولأن صوم يوم عرفة يضعف العبد عن الدعاء في آخر يوم عرفة وهو أفضل الوقت، فالصيام يضعفه عن الدعاء وعن الذكر، فشرع له له الفطر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب صيام أيام البيض والإثنين والخميس]. يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أوصى النبي ﷺ بذلك أبا هريرة وأبا الدرداء أوصاهما بسنة الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوترا قبل أن يناما. وفي حديث أبي ذر قال: (إذا صمت فصم الثالث عشرة، والرابع عشرة، والخامس عشرة) فإن تيسر له أن يصوم أيام البيض فهو أفضل، وإن لم يتيسر صامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، والترغيب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر ليس مقيداً بأيام محددة، لكن الأفضل أن تكون أيام البيض إن تيسر، وإن لم يتيسر صامها في أي وقت من الشهر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإثنين والخميس]. وكذلك صيام يوم الإثنين والخميس، جاء الترغيب فيهما، وأنهما يومان تعرض فيها الأعمال على الله ، لما سئل النبي ﷺ سئل عن صيام الإثنين والخميس؟ فقال: (هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)، (ولما سئل عن صوم الإثنين؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعث إلي فيه) أو كما قال ﵊.

стр. 360

الصائم المتطوع أمير نفسه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه]. الصائم صوم التطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وإذا أفطر فلا يضره، وينظر ما هو الأصلح له، إذا كان الأصلح له أن يفطر أفطر، كأن إذا جاءه ضيف مثلاً فالأفضل أن يفطر، وكذلك أيضاً إذا دعي إلى وليمة ويشق عليهم صومه، يفطر، وإن رأى أن يستمر في صومه فهو أمير نفسه، وإذا أفطر فلا يقضي، إلا إذا كان هذا الصوم صوم نذر أو كفارة من رمضان، فهذا لا يجوز له أن يفطر؛ لأنه لا يفطر إلا بعذر إذا كان الصوم واجباً كأن يكون مريضاً أو مسافراً، وإذا أفطر قضاه وليس عليه كفارة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك سائر التطوع إلا الحج والعمرة، فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما]. كذلك سائر التطوع مثل صلاة النفل لو قطعها فلا بأس، لكن الأولى ألا يقطعها إلا بعذر؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] لكن لو قطع صلاة النفل فليس عليه قضاؤها إلا الحج والعمرة، فإنه إذا أحرم بالحج أو أفرد عمرة وجب عليه إتمامهما، وليس له أن يتحلل حتى يتم، أو يكون محصوراً فيذبح الهدي، أو يكون اشترط فيكون له عذر ويتحلل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك سائر التطوع إلا الحج والعمرة إذا أفسد شيئاً فإنه يقضيه، وإذا فعل محظوراً وجبت عليه الكفارة، ولو كان الحج نفلاً أو العمرة نفلاً فهذا حق في الحج والعمرة.

стр. 361

الأيام التي نهي عن صيامها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى]. يحرم صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، وقد نهى النبي ﷺ عن صيامهما؛ لأنهما يوما عيد، المسلم في ضيافة الله ، فيوم الفطر بعد شهر رمضان، ويوم الأضحى يأكل الناس من نسك ضحاياهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونهى عن صوم أيام التشريق إلا أنه رخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي]. أيام التشريق هي: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، فيحرم صومها إلا للمتمتمع أو القارن إذا لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام قبل العيد، فإنه يصوم يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لما ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة وغيرها قالت: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)، فهذا خاص به، وما عدا من لم يجد الهدي يحرم عليه، وعلى هذا تكون خمسة أيام يحرم صومها في السنة، يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، أما يوم الفطر والأضحى فهذه لا تصام على أي حال، فلا يجوز لأحد أن يصومها مطلقاً. وصيام يوم السبت سيأتي الكلام عليه، والصواب أنه يصح صومه، وقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن صوم السبت، وقال: لو لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب فليمضغه) لكن هنا حديث ضعيف عند أهل العلم، فالصواب: أنه شاذ، أو منسوخ. وبعض أهل العلم قال: إن النهي إنما هو خاص بمن أفرده، فإذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا بأس بصيامه، والصواب أنه يجوز صومه مفرداً وغير مفرد، والدليل على هذا حديث جويرية أن النبي ﷺ جاءها وقد صامت يوم الجمعة فقال لها: (أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري) فدل على أنه يجوز أن يصام يوم السبت، وهذا في الصحيح، وهو مقدم على هذا الحديث الضعيف. لكن إذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة فهذا محل نظر، قد يقال: لا يصومه، وينبغي أن يصوم يوماً قبله، وقد يقال: يجوز صومه؛ لأنه إنما صامه لا من أجل كونه يوم الجمعة وإنما لأنه يوم عرفة، وإلا فقد ثبت النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم أما إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فقد زال المحظور. فيوم السبت لا إشكال في صيامه، وإنما الخلاف في يوم الجمعة، والأقرب أنه يجوز في هذه الحالة؛ لأنه ما صامه من أجل يوم الجمعة، وإنما صامه من أجل أنه وافق اليوم الذي يصومه.

стр. 362

وقت تعيين ليلة القدر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان]. هذا الأرجح أنها في الوتر، وجزم المصنف بأنها في الوتر ليس بجيد، والصواب: أنها في العشر أشفاعه وأوتاره؛ لقول النبي ﷺ : (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) لكنها في ليالي الوتر أرجى، في ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، لقوله ﷺ في الحديث الآخر: (تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان)، وفي الحديث الآخر: (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، والسبع الأواخر أرجى من غيرها)، وفي الحديث أن بعض أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان؛ فقال ﵊: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرياً فليتحراها في السبع الأواخر) وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى من غيرها، وهي مختصة في العشر الأواخر، وقد تكون في الأشفاع، وقد تكون في الأوتار، وقد تكون في سبع وعشرين وقد تكون في غيرها، فليس هناك جزم، وليس هناك دليل ينص على أنها حادثة في ليلة معينة، والصواب أنها متنقلة فتكون في بعض السنين في ليلة إحدى وعشرين، وفي بعض السنين في ليلة اثنين وعشرين، وفي بعض السنين في ثلاث وعشرين، وهي مختصة في العشر الأواخر، خلافاً لمن قال من العلماء أنها في السنة، أو في الشهر كله، أو أنها رفعت، وكل هذه أقوال ضعيفة. والصواب أنها باقية لم ترفع، وليست عامة في السنة ولا في الشهر، وإنما هي مختصة بالعشر الأواخر من رمضان ليستعينوا الله فيها، إلا أن الأوتار أرجى، والسبع الأواخر أرجى من غيرها، وسبع وعشرين أرجى من غيرها، وقد تكون في الأشفاع فلا يجزم بأنها في ليلة معينة.

стр. 363

الاعتكاف

стр. 364

تعيرف الاعتكاف ووقته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاعتكاف وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، وهو سنة إلا أن يكون نذراً فيلزم الوفاء به]. الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] فهو لزوم الشيء وحبس النفس عليه، سواء كان حقاً أو باطلاً. وأما شرعاً: فهو لزوم المسجد بنية لطاعة الله ، وهو مستحب إلا إذا نذره فوجب عليه الوفاء بالنذر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويصح للمرأة]. ثبت عن النبي ﷺ أنه: (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، واعتكف أزواجه من بعده) فهو سنة في حق الرجال والنساء، فالمرأة لها أن تعتكف في أي مسجد غير مسجد بيتها إذا أمنت الفتنة. والرجل يعتكف في مسجد تؤدى فيه صلاة الجماعة، الاعتكاف ليس خاصاً عند العلماء بوقت معين فالرسول اعتكف في رمضان حتى توفي ﷺ ، ولكن هل قال: لا تعتكفوا إلا في رمضان؟! فهذا فعل منه ﷺ ؛ لأنه فضيلة، والفعل لا يؤخذ منه الخصوصية. والنبي ﷺ اعتكف واعتكف أزواجه من بعده ولما رأى الأخبية قد ضربت خشي عليهن من التباهي فقال: (آلبر يردن؟). ثم أمر بخيمته فرفعت ولم يعتكف تلك السنة، ثم قضاه في شوال، وكونه اعتكف في شوال دل على أنه ليس خاصاً برمضان، ولو كان لا يجوز الاعتكاف إلا في رمضان لما اعتكف في شوال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويصح من المرأة في كل مسجد غير مسجد بيتها]. ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل]. هذا هو الأفضل، أن تكون في مسجد تقام فيه الجمعة، وقال بعض العلماء: لابد أن يكون الاعتكاف في مسجد جامع، ولابد أن يكون صائماً، ولهذا يقال: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع والصواب: أنه لا يشترط الصوم؛ لأنه ثبت أن عمر ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فقال له النبي ﷺ : أوف بنذرك) والليل ليس فيه صوم، وهذا ثابت في الصحيح، فدل على أنه لا يشترط الصوم، وكذلك لا يشترط أن يكون في مسجد جامع، لكن بعض العلماء يرى: أنه لابد أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة حتى لا يحتاج إلى الخروج، ولابد أن يكون صائماً، وعلى هذا يكون أقله يوم.

стр. 365

من نذر الاعتكاف في مسجد اعتكف في غيره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام لزمه]. إذا نذر شخص بالصلاة والاعتكاف في مسجد فإنه يجوز له أن يعتكف ويصلي في أي مسجد من مساجد الدنيا إلا إذا نذر الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، فليس له أن يقضي نذره في مسجد آخر؛ لأنه لا تساويها المساجد الأخرى في الفضل، ولكن هذا فيه نظر، وكونه نذر أن يعتكف في هذا المسجد، فيقال له: له أن يعتكف في أي مسجد، هذا يحتاج إلى تأمل، والأقرب أنه يلزمه، كونه نذر أنه يعتكف في هذا المسجد يلزمه ولا يعتكف في مسجد غيره، إلا إذا اختار الأفضل، نذر أن يعتكف في هذا المسجد فاعتكف في المسجد الحرام، أو في المسجد النبوي، أو في المسجد الأقصى، فلا بأس، أما أن ينتقل من هذا المسجد إلى مسجد آخر مضاهٍ له، إما أن يعتكف في هذا المسجد أو يعتكف في مسجد أفضل، وهو أحد المساجد الثلاثة؟ وهنا يوجد تعليق على قول المؤلف ونصه: قال المؤلف: (ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره)، لأن المساجد كلها في الفضيلة سواء، قال ﵊: (وجعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهور). لكن لا يكفي هذا التعليق ويحتاج إلى تأمل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعل ذلك في غيره إلا المساجد الثلاثة، فإذا نذر ذلك في المسجد الحرام لزمه، وإن نذر الاعتكاف في مسجد رسول الله ﷺ جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، وإن نذر أن يعتكف بالمسجد الأقصى فله فعله في أيهما أحب]. نعم، لأنه إذا انتقل إلى الأفضل فإنه زاد خيراً، وقد جاء أن رجلاً نذر أن يصلي في المسجد الأقصى فقال له النبي ﷺ : (صل ههنا حيث المسجد النبوي).

стр. 366

ما يستحب للمعتكف فعله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب للمعتكف الاشتغال بفعل القرب، واجتناب ما لا يعنيه من قول وفعل]. يستحب للمعتكف أن يشتغل بالقرب، فيتقرب إلى الله بالطاعات، من تلاوة للقرآن، والذكر والتسبيح والتحميد، والتدريس، والتعلم والتعليم، وينبغي له أن يبتعد عن الكلام في أمور الدنيا، وفي فضول الكلام، هذا هو الذي يهتم به الإنسان، لكن الشيء القليل يعفى عنه، وقد ثبت: أن النبي ﷺ كان يأتيه بعض أزواجه يتحدثن معه، فإذا أرادها أن تذهب ذهب معها يقلبها إلى بيتها، لكن كون الإنسان يجعل مكان معتكفه مكاناً للحديث في الدنيا والكلام الطويل، والأخذ والرد فهذا لا ينبغي، فينبغي للإنسان أن يستغل هذا الوقت، وهذا المكان فيما يقربه إلى الله ، وأن يقلل من الكلام في أمور الدنيا؛ لأنه انقطع وتفرغ للعبادة.

стр. 367

حكم خروج المعتكف من المسجد للحاجة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك، ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد له منه إلا أن يشترط]. لا يبطل الاعتكاف إلا بما هو ممنوع مثل الجماع، فإذا جامع بطل الاعتكاف، وكذلك إذا خرج لغير حاجة ولغير ما اشترطه، وله أن يخرج فيما لابد له منه، بل يجب أن يخرج لقضاء الحاجة كالبول والغائط، ويخرج الإنسان لطعامه إذا لم يكن هناك أحد يأتي له بالطعام فيأكل ويشرب، ويخرج للوضوء والاغتسال. وكذلك إذا اشترط أن يزور المريض أو يتبع الجنازة فله شرطه، بل قال: فالسنة للمعتكف: ألا يزور مريضاً، ولا يشهد الجنازة إلا أن يشترط، وكان النبي ﷺ إذا خرج يسأل عن المريض وهو في طريقه، ولا يعرج عليه، فلا بأس إذا كان يسأل عنه وهو ماشٍ، وإذا أراد عيادة المريض فلابد من الاشتراط، وإلا فلا يخرج، والفقهاء ذكروا: أنه إذا اشترط فلا بأس سواء نوى بقلبه أو تلفظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يباشر امرأة، وإن سأل عن المريض في طريقه أو عن غيره ولم يعرج إليه جاز]. فلا يباشر المرأة فإنه إذا ما باشرها بطل الاعتكاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]. وإذا سأل عن المريض في طريقه فلا بأس، كما كان يفعل النبي ﷺ ، فقد كان لا يزور مريضاً، ولكنه كان يسأل، فعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو فلا يعرج ويسأل عنه)، رواه أبو داود وحديث عائشة فيه نص أنه إذا اعتكف لا يزور مريضاً، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه. وإذا اعتكف الشخص في غرفة داخل المسجد فلا بأس، وحكمه حكم المسجد. وإذا كان نذر أن يعتكف فيجب عليه الوفاء، أما إذا كان مستحباً فلا يجب قضاؤه؛ لأنه مستحب. وبالنسبة لوقت الاعتكاف فعلى حسب الأيام التي نذرها وأرادها، فاليوم يبدأ من قبل صلاة الفجر، والليلة تبدأ من قبل غروب الشمس، هذا هو الأصل، قبل الغروب يعني: ليلة الحادي والعشرين قد تكون ليلة القدر، فلا يدخل بعد الفجر هكذا؛ لأن الليلة تابعة لليوم، فتبدأ الليلة من قبل غروب الشمس.

стр. 368

الأسئلة

стр. 369

تقديم قضاء رمضان على صيام الست من شوال السؤال من كان عليه قضاء من رمضان هل يبدأ به قبل صيام الست من شوال أم يصوم الست من شوال ثم يقضي؟ الجواب أنه يبدأ بالقضاء فإذا بقي شيء من شوال صامه وإلا فإن الله تعالى يأجره على نيته؛ لأن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) وكيف يصوم شوالاً وهو لم يصم رمضان؟!

стр. 370

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [١] يجب الحج والعمرة على المسلم البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً، ويشترط وجود المحرم للمرأة، ولا يحج عن غيره إلا من حج عن نفسه، وللحج مواقيت مكانية ومواقيت زمانية.

стр. 371

أحكام الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الحج والعمرة. يجب الحج والعمرة مرة في العمر على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً]. الحج في اللغة: القصد، وشرعاً: قصد مكة لعمل مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص. (قصد مكة من شخص مخصوص): هو المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع. (في عمل مخصوص): هو الحج وأداء المناسك. (في زمن مخصوص): زمن الحج. والعمرة في اللغة: الزيارة. وشرعاً: زيارة البيت من شخص مخصوص لعمل مخصوص. ولا يجب الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، يقول النبي ﷺ : (الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع) رواه أحمد وغيره.

стр. 372

شروط وجوب الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [على المسلم العاقل البالغ الحر إذا استطاع إليه سبيلاً]. هذه شروط الوجوب، فـ (المسلم): يخرج الكافر، و (العاقل): يخرج المجنون والمغمى عليه، و (البالغ): يخرج الصغير، فإنه لا يجب عليه، و (الحر): يخرج العبد، فلا يجب عليه، و (المستطيع): يخرج العاجز، فهو مستطيع بماله وبدنه، والمستطيع بماله: هو الذي يكون عنده مال يحج به زائداً على نفقة أهله وأولاده، وببدنه: أن يستطيع الثبات على المركوب، فهذه الشروط إذا وجدت وجب الحج لنفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]. والكافر: لا يصلح منه أي عمل حتى يدخل في الإسلام، وليس معنى ذلك أنه لا يعاقب على ترك الحج، بل يعاقب على ترك الحج والصلاة والإسلام على الصحيح، لكنه لا يصح منه الحج في حال كفره. البالغ: هذا الشرط للوجوب، لكن لو حج الصبي الذي دون سن البلوغ -حتى ولو كان في المهد- صح حجه، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام. العاقل: فالمجنون لا يصح منه؛ لأنه ليس عنده قصد، والمجنون والمغمى عليه ليس عنده قصد، فلا يصلح منه الحج. الحر: يخرج العبد، فهو لا يجب عليه الحج؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، لكن إذا أذن له سيده صح منه الحج، لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام، فإذا أعتق عليه أن يحج حجة الإسلام، كما أن الصبي إذا بلغ يحج حجة الإسلام؛ لما جاء في الحديث: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى). المستطيع بماله: لو حج وهو غير مستطيع وفقير صح منه الحج، لكن هذا شرط للوجوب لا للصحة، ويشترط للمرأة وجود محرم يصحبها معه في سفرها.

стр. 373

معنى الاستطاعة في الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والاستطاعة أن يجد زاداً وراحلة بآلتهما مما يصح لمثله]. والاستطاعة: أن يجد زاداً وراحلة، والآن إذا وجد النقود التي يحج بها ذهاباً وإياباً، ويستطيع أن يركب ويكون زائداً عن نفقة أهله وأولاده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاضلاً عما يحتاج إليه لقضاء دينه، ومئونة نفسه وعياله على الدوام]. مقصوده (على الدوام) أي: حتى يرجع، إذا كان عنده نفقة لأولاده، وكذلك يكون زائداً عن الدين، فإن كان عليه دين فإنه يقضي الدين أولاً ثم يحج؛ لأن قضاء الدين أهم، لكن لو حج صح حجه أو أذن له المدين.

стр. 374

اشتراط المحرم للمرأة في الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتبر للمرأة وجود محرمها، وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح]. ويشترط لوجوبه على المرأة وجود المحرم، والمحرم: هو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد، كأبيها وابنها وأخيها، وابن أخيها وابن أختها وعمها وخالها، أو سبب مباح كالرضاع، كأبيها من الرضاع، وأخيها من الرضاع، وابن أخيها من الرضاع، وابن أختها من الرضاع، وعمها من الرضاع، وخالها من الرضاع، يقول النبي ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، أو بالصهر، كزوج أمها أو زوج ابنتها، هؤلاء كلهم محارم. ولو حجت المرأة بدون محرم صح الحج مع الإثم؛ لأن هذا شرط للوجوب لا للصحة؛ لقول النبي ﷺ في حديث: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)، ولما خطب النبي ﷺ الناس وحث على الحج (قام رجل فقال: يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي خرجت حاجة، فقال النبي ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك)، ترك الغزو وذهب إلى مرافقة امرأته في الحج؛ مما يدل على أهمية المحرم، كتب في الغزو ومع ذلك قال له النبي ﷺ : (انطلق فحج مع امرأتك) فهذا يدل على أن أمر المحرم أمر عظيم، يترك من أجله الغزو لأجل مرافقة المرأة، وهؤلاء النسوة الآن لا يبالين، ويستقبل كثير من الناس خادمات بدون محارم! وإذا كان الحج وهو فريضة الله على عباده لا تحج المرأة إلا بمحرم فكيف تأتي هذه المرأة بدون محرم وتسافر مسافة طويلة، وبعض الناس يستخدمونها ويعينونها على الباطل لأنها بدون محرم؟! ولهذا كثرت أسباب الشر والفساد: فهؤلاء الخادمات اللائي يأتين بدون محارم انتشرن في البيوت؛ فحصل بهن شر وفساد، ونسمع أشياء يندى لها الجبين، وتدمي القلب من الفواحش والمنكرات، تأتي الخادمة ولا تبالي، فتكون متكشفة ومتبرجة وثيابها قصيرة، ويخلو بها صاحب البيت أو أولاده! وهذا من البلاء والمصائب! وكذلك أيضاً الخادم قائد السيارة: يظهر على النساء وهن كاشفات، ويذهب بالمرأة وحدها ويخلو بها في السيارة وفي البيت، وهذا من أسباب الشر والفساد؛ ولهذا كثر الفساد، وكثر الإمساك من كثير من الناس، وقل الإحسان ولا حول ولا قوة إلا بالله! كثر الشر والفساد، وكثر اللقطاء! وكم سمعنا من يقول: إنه ولد له ولد يشبه السائق أو الخادم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهناك من يشتكي يقول: إن له بنات حملن وهن ليس لهن أزواج، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كل هذا بسبب التساهل في أمر الله ، وعدم الاستجابة لله ورسوله في استصحاب المحرم، والخلوة المحرمة، يقول النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما). وقد يبتلينا الله بالمصائب بسبب هذه المنكرات، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، لا شك أن الأوبئة والأمراض وما يحصل على الناس من النقص في الأموال والأنفس كل هذا الابتلاء والامتحان من آثار المعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فلابد لكل إنسان أن يتوب إلى الله ، وأن يرجع إليه، وأن يصلح من حاله، وأن يتوب إلى الله مما فرط منه، فالله تعالى يؤدب العباد ويمتحنهم ليعودوا إليه قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] (بعض) ولو أذاقهم جميع ما عملوا لهلكوا ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] يعني: لكي يرجعوا، و (لعل) للتعليل، وليست للترجي: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. ولا شك أن الله تعالى قد أوصى عباده وأمرهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] فلابد من التواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، والتعاون في الأمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر قبل أن تحل العقوبات والمصائب، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). فلابد من إنكار المنكر، والإنكار على من يتساهل بالخادمات، فيترك الخادمة متبرجة، أو تختلط بالرجال، أو يخلو بها وحدها، فهذا منكر، والآن لا ينكر كثير من الناس ولا يبالي، تأتي الخادمة متكشفة تفتح الباب، وتركب مع كفيلها أو مع أحد أولاده، ولا أحد ينكر هذا، تكون متبرجة ويذهب بها ولا أحد ينكر، هذا أصبح شيئاً عادياً ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد كان الناس سابقاً لو رأوا رجلاً مع امرأة أنكروا هذا واستعظموه، وهذه امرأة أجنبية ما أحد ينكر، تفتح الباب متكشفة وكأنها من محارمه، وكأن هذا شيء مشروع أو مباح! ومن المصائب والبلايا العظيمة: أن كثيراً من المستقدمات خصوصاً الأندنوسيات يستخدمن السحر مع الكفلاء حتى إن بعض المستخدمين لهن يكرمونهن ويحسنون إليهن، ويعطونهن الرواتب من أول الشهر، ومع ذلك إذا دامت لابد أن تعمل سحراً في الغالب؛ لأن السحر منتشر عندهن، أما الذي يؤذيهن أو ينقص من حقهن، فهذا لا شك أنهن ينتقمن منه، فهذا من الآثار السيئة، ومن أسباب الذنوب والمعاصي. وبعض الناس الآن يأتي بخادم أو بخادمة وهو ليس بحاجة إليه، ولكن من باب التباهي، يريد أن يكون مثل الناس، حتى إن بعضهم يستدين ويأتي بخادم وخادمة، يقول: فلان عنده خادم، وأنا ما عندي خادم! فصارت المسألة مباهاة ومفاخرة. ينبغي للإنسان أن يقلل من الخدم والخادمات يعني: ما يأتي بالخادم والخادمة إلا إذا احتاج أو في الضرورة القصوى التي لابد منها، وإذا احتاج إلى من يخدمه يتعامل مع أناس من البلد، فتأتي المرأة صباحاً ومساءً -إما امرأة أو رجل- وتقوم بحوائج البيت في الصباح وتذهب إلى أهلها وأولادها، أو تأتي في يوم معين فيكون هذا أحسن من جلب الخدم والخادمات، ويوجد الآن في جنوب البلد أناس يحتاجون إلى المال، فلعلهم يخدمون في وقت من الأوقات وفي يوم من الأيام أو في طرفي النهار، ويعطيها من الأجرة ما تستعين به على النفقة على أولادها، وهذا أحسن من كونه يجلب خادمة؛ لأنهم لهم متاعب ومشاكل، ولهم آثار سيئة، وكلما أمكن التغيير فهو مطلوب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة]. إذا فرط الإنسان فلم يحج وهو يستطيع الحج، فمثل هذا الحج دين في ذمته، يخرج من ماله قبل قسمة التركة ويحج عنه، كما أنه إذا لم يؤد الزكاة فتخرج من تركته، فديون الله وديون الآدميين تخرج قبل قسمة التركة.

стр. 375

حكم حج الكافر والمجنون قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون]. لا يصح الحج من كافر؛ لأن الكافر ليس أهلاً لذلك؛ ولأنه لا يصح الحج إلا بعد الإسلام، ولكنه يعاقب الكافر على ترك الحج وعلى ترك التوحيد، ولا يصح منه الحج في حال كفره.

стр. 376

حكم حج الصبي والعبد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئ عنهما]. يصح الحج من الصبي، لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لما ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ لقي ركباً بالروحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: مسلمون، قالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبياً، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم، ولك أجر). فدل هذا على صحة حج الصبي، وينوي عنه الإحرام وليه، وإذا كان صبياً مميزاً يأمره فيحرم بإذنه، ويفعل عنه ما يعجز عنه، وإذا كان في المهد يطوف به ويجرده من المخيط إذا كان ذكراً، ويطوف به ويسعى به، ويرمي عنه إذا كان في الحج، لكن لا بد من حجة الإسلام، وكذلك العبد إذا أذن له سيده صح الحج، وإذا أعتق أدى فريضة الإسلام. والمعتوه إذا كان ضعيف العقل لا يفهم فإنه غير مكلف، وإذا كان يفهم ويعقل الأشياء فهو مكلف، فهو مثل الكبير لابد أن يأتي بجميع الواجبات. مسألة: من كان يحمل شخصاً يطوف به فالأولى أن يطوف لنفسه ثم يطوف للمحمول، وإن نوى الطواف عنه وعن المحمول أجزأه عند بعض العلماء.

стр. 377

حكم الحج من غير المستطيع والمرأة بغير محرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم]. يصح الحج من غير المستطيع، إذا كان لا يستطيع ثم تجشم المشاق وحج صح حجه، وإذا كان ما عنده مال أو يشق عليه الركوب ومع ذلك تجشم المشقة وحج صح الحج، وكذلك المرأة إذا حجت بغير محرم صح حجها، ولها ثواب الحج وعليها إثم ترك المحرم، وعليها التوبة والاستغفار وحجها صحيح. وإذا ما وجدت المرأة محرماً فإنه يسقط عنها الحج عند بعض العلماء، وقال آخرون: وإذا كانت قادرة فتخرج من مالها من يحج عنها إذ أيست، وتنتظر لعل الله ييسر لها محرماً، ولو أن تستأجره، فإن لم تجد وأيست استنابت من يحج عنها إذا كانت قادرة، وإذا لم يكن عندها شيء فلا حرج عليها. مسألة: بعض التجار يجمعون الخادمات ويذهبون بهن إلى الحج جميعاً، وهذا لا يصلح، وقد سمعنا أنه من أسباب الشر والفساد، فيجمعون الخادمات ليذهبوا بهن إلى مكة فيحصل بهذا شر وفساد، فلا ينبغي هذا الجمع، لكن تذهب مع من تخدمهم فهذا أسهل؛ لأنه ما دام أنها عندهم، وهم يريدون أن يحجوا أو يسافروا فلا يتركونها في البيت، فهم من الأساس استقدموها من دون محرم، فلا تبقى في البيت؛ لأنهم إذا أبقوها في البيت حصل فساد أكبر، فتذهب معهم، أما جمع الخادمات في سيارة واحدة ثم يتركونهن في مكة فإنه يحصل شر وفساد؛ لأنه ليس مع هذه الخادمات من يدافع عنهن، فينتشرن هناك ويحصل فساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 378

من حج عن غيره ولم يحج لنفسه قال المؤلف ﵀: [ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذره أو عن نفله وفعله قبل حجة الإسلام وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره]. إذا حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، تنقلب هذه الحجة فتكون عنه فريضة له؛ لما ثبت أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي يقول: (لبيك عن شبرمة قال له النبي ﷺ : من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)، فأخذ العلماء من هذا: أنه إذا حج عن غيره ولم يحج عن نفسه انقلبت الحجة فصارت له. قوله: [أو عن نذره أو عن نفله]. كذلك إذا كان عليه حج نذر، ثم حج عن غيره فإنها تكون له الحجة. وقوله: [أو عن نفله] يعني: نواه نفلاً، إذا كان يحج ويقول: أنا سأجعل الحجة الأولى نفلاً، فتكون هذه حجة الإسلام، فإذا حج وقصده تطوعاً، أو حج عن غيره وهو لم يؤد الفريضة، أو حج عن غيره وهو عليه نذر، في هذه المسائل الثلاث تنقلب حجة له عن الفريضة. مسألة: إذا مرض الحاج يجب عليه أن يكمل، وليس له أن يتحلل إلا إذا اشترط، فإذا اشترط لا بأس، فيجب أن يطاف به محمولاً ولو كان مريضاً، ويسعى به محمولاً، فيكمل المناسك وهو محمول، إلا إذا اشترط، أو أحصر، فأما المحصر فإنه يذبح ويتحلل، إلا إذا عجز وما استطاع، فقد يقال: إن هذا محصر أحصره المرض، إذا أحصره المرض لابد أن يتحلل إذا كان اشترط أن يتحلل، وإذا لم يشترط يذبح هدياً ثم يتحلل. والمحمول إذا كان صبياً فإنه ينظف قبل أن يدخل البيت، وإذا حفَّظ فهذا أفضل.

стр. 379

ذكر المواقيت قال الإمام أبو محمد الموفق رحمه الله تعالى: [باب المواقيت وميقات أهل المدينة: ذو الحليفة، وأهل الشام والمغرب ومصر: الجحفة]. المواقيت: جمع ميقات، كالمواعيد: جمع ميعاد، وهي: الزمان والمكان، أي: زمان ومكان العبادة، ولعل مراد المؤلف بالمواقيت: الزمان والمكان المعين للعبادة. ومعنى مواقيت العبادة أي: أزمنتها وأمكنتها، والمراد هنا المواقيت المكانية، والأصل أن الميقات يكون للزمان، ثم أريد به مكان العبادة. إذاً: المواقيت المراد بها: مواقيت العبادة المكانية والزمانية، فالزمانية مثل ميقات الظهر عند زوال الشمس، والمغرب عند غروبها وهكذا.

стр. 380

ميقات أهل المدينة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وميقات أهل المدينة ذو الحليفة]. مراد المؤلف ﵀: مواقيت الأمكنة التي وقتها النبي ﷺ للناس ليحرموا منها، وهذا الباب معقود لمواقيت الأمكنة التي شرع الله أن يحرم منها الحاج والمعتمر، وهي خمسة مواقيت. أما ميقات أهل المدينة فمن المكان الذي حدده النبي ﷺ لإحرام أهل المدينة منه، وهو: ذو الحليفة، والحليفة: تصغير حلفاء وهو شجر معروف سمي به ذلك المكان لكثرة شجر الحلفاء فيه، وذو الحليفة اشتهرت تسميته الآن بأبيار علي، ويسميها بعضهم الحسا، وهو أبعد المواقيت عن مكة؛ لأن بينه وبين مكة عشرة مراحل، وهو قريب من المدينة، والآن هذا الطريق وصله البنيان وهو بجوار المدينة، أما المواقيت الأخرى فبينها وبين مكة مرحلتان، يعني: أن هذا الميقات يزيد عليها بما يقارب ثلاث مرات للمسافة التي بينها وبين مكة. وكأن الحكمة في ذلك -والله أعلم- هي التقارب بين الحرمين، فلا يكاد الإنسان يخرج من الحرم المدني حتى يتلبس بما يتعلق بالإحرام المكي.

стр. 381

مقيات أهل الشام والمغرب ومصر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأهل الشام والمغرب ومصر: الجحفة]. الميقات الثاني: ميقات أهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة، وهي قرية خربة، فاضطر الناس أن يحرموا من رابغ، وأعيد الآن الميقات في نفس الجحفة، وبني فيه مسجد والناس يحرمون الآن منه. وبعضهم يحرم من رابغ، ورابغ قبلها بيسير، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم من الميقات، والمسافة بينهما سبعة كيلو أو نحوها.

стр. 382

ميقات أهل اليمن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واليمن: يلملم]. هذا الميقات يسمى ميقات أهل اليمن ويسمى الآن السعدية، وهو قريب من جهة الساحل، أي: يقدم عليه من جهة الساحل.

стр. 383

ميقات أهل نجد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولنجد: قرن]. هذا ميقات أهل نجد أي: قرن المنازل، وهو غير قرن الثعالب، وسماه الناس: السيل أو وادي محرم، إذا أتيت من الطائف فأحرم منه، وإذا أتيت من الطريق الثاني المسمى: السيل تحرم من هناك وهو واد واحد، فإن أتيت من طريق الهدى تكون في طرف الوادي، وإن أتيت من جهة طريق السيل، كذلك.

стр. 384

ميقات أهل المشرق والعراق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وللمشرق: ذات عرق]. ولأهل المشرق والعراق: ذات عرق، ويسمى: الضريبة، وهذا وقته النبي ﷺ ، ووقته عمر لما جاءه أهل العراق وقالوا له: إن قرناً جور عنا، -يعني: مائلة عن طريقنا- فوقت لهم ذات عرق ولم يعلم بالحديث، ثم ظهر أن النبي ﷺ قد وقته، فاجتمع في ذات عرق أن النبي ﷺ وقته، ووقته عمر قبل أن يعلم توقيت النبي ﷺ .

стр. 385

المواقيت لأهلها ولمن مر عليها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها]. لما ثبت في حديث ابن عباس ﵄ قال: (وقت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة). وإذا تجاوز الحاج أو المعتمر الوادي ولم يحرم فعليه دم، وإذا تجاوز الوادي بيسير وجب عليه أن يرجع، فإن رجع وأحرم من الميقات فليس عليه شيء، وإن أحرم من مكانه فعليه دم عند أهل العلم، والدم هو شاة يذبحها. أما قبله بيسير فلا بأس. فإن سأل سائل: ما هو حد القليل أو اليسير الذي للمحرم أن يحرم منه قبل وصوله إلى الميقات؟ الجواب القليل أو اليسير يعود إلى العرف. ولكن إذا كان قبل الميقات فهذا الأولى تركه، وهو إحرام صحيح لكنه مكروه، ولا ينبغي له فعله. ولما أحرم بعضهم من بيت المقدس أنكر عليه الصحابة. المقصود: أن الإحرام قبل الميقات مكروه، وينعقد على الصحيح، وهو مثل الإحرام قبل أشهر الحج، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة، فلو أحرم في رمضان للحج فهل ينعقد إحرامه أم لا؟ وهذا قل أن يحدث من الناحية العملية، فقيل: ينعقد مع الإثم أو مع الكراهة، وقيل: لا ينعقد. ومن كان قصده أن يزور المسجد النبوي ثم يحرم بعد الزيارة فلا بأس عليه، فإذا مر من ميقات الجحفة ولم يقصد الإحرام فقط بل قصد الزيارة، ثم بعد الزيارة يحرم من المدينة، فلا بأس أن يزور أولاً ثم يحرم ثانياً من ميقات أهل المدينة. فمن كانت عنده نية الزيارة لما مر بالميقات لا الإحرام، فذهب للزيارة ثم بعد الزيارة أحرم فلا بأس، أما إذا مر بالميقات وهو يريد الإحرام فيتجاوزه ففيه خلاف، فقال بعض أهل العلم: إذا كان ميقات المدينة أبعد من ميقاته الأصلي فلا بأس ومعلوم أن ميقات المدينة أبعد المواقيت، أما إذا كان ميقات بلده أقرب له فينبغي له أن يرجع إليه، ما دام أنه مر به وهو يريد الحج أو العمرة، وإن ذهب إلى ميقات آخر لم يكن له ذلك، لكن لو مر بميقات بلده ولم يقصده الإحرام بل قصد زيارة المسجد النبوي في هذا لا بأس به. فإن قال قائل: كثير من الناس اليوم يذهبون إلى جدة فيجلسون فيها أياماً ثم بعد ذلك يذهبون للعمرة وقد أضمروا نية العمرة قبل الذهاب إلى جدة، فما حكم من فعل مثل هؤلاء؟ نقول: هذا يجب عليه أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه للعمرة، فإن لم يرجع فعليه دم. أما إن أحرم من جدة فهذا غلط، وجدة عرفها العلماء قديماً وحديثاً وليست ميقاتاً ولا حددت ضمن المواقيت. أما من يأتي جواً فلابد أن ينوي الإحرام عند محاذاته الميقات، أما النية العامة للحج أو العمرة فكل الذاهبين ينوون ذلك لكن لابد من تجديدها عند محاذاة الميقات، فإن نام بعضهم وتجاوز الميقات، ولم يشعر كان عليه أن يرجع، فإن لم يرجع فعليه دم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فهذه المواقيت لأهلها ولكل من يمر عليها). أي: إذا مر نجدي بميقات أهل اليمن فيحرم منه، وإذا مر يمني بميقات أهل نجد فيحرم منه، ولا نقول له: ارجع إلى ميقات أهل اليمن أو نجد فأحرم منه، بل نقول له: أحرم من الميقات الذي مررت به. أما لو تجاوز ميقات بلده وأحرم من ميقات آخر فنقول له: ارجع إلى ميقات بلدك فأحرم منه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث: (هن لهن)، وفي حديث ابن عباس: (ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن منزله دون الميقات فميقاته من منزله]. أي: يحرم من مكانه، فأهل الشرائع يحرمون من الشرائع، وأهل بحرة يحرمون منها، وأهل جدة يحرمون منها، حتى أهل مكة يحرمون من مكة للحج، أما في العمرة فعليهم أن يخرجوا إلى أدنى الحل من التنعيم. وبعض الناس يذهبون إلى المدينة بقصد الزيارة ولم يحرموا من مواقيت بلدانهم، فهؤلاء يحرمون من ميقات أهل المدينة، ولا يلزمه أن يرجع إلى ميقات بلده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى أهل مكة يهلون منها لحجهم، ويهلون للعمرة من أدنى الحل]. كما أقر النبي ﷺ أهل مكة على إحرامهم من منازلهم وأمرهم بذلك، ولما أرادت عائشة العمرة أمر النبي ﷺ أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم، وكانت في مكة. فدل هذا على أن من كان في مكة وأراد العمرة فليس له أن يحرم من جوف مكة، بل لابد أن يخرج إلى الحل، وإن كان التنعيم الآن قد صار في وسط مكة، إلا أنه من الحل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن لم يكن طريقه على ميقات فميقاته حذو أقربها إليه]. أي: إذا حاذى أقرب المواقيت إليه يحرم منها، سواء أكان في البر أو البحر أو الجو، وإذا كان في الجو وجاء من نجد من الرياض فإنه يحرم إذا حاذى السيل. وكذلك أيضاً إذا كان في البحر وحاذى أقربها، أو كان مسافر براً ولم يمر على ميقات، إذا حاذى أقرب المواقيت إليه يحرم منها، لقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].

стр. 386

حكم الإحرام لمن دخل مكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم]. أي: لا يجوز لمن دخل مكة أن يتجاوز الميقات إلا وهو محرم، وهذا من خصائص مكة: أن كل من دخلها يجب عليه أن يحرم. هذا هو المذهب: أن كل من أراد دخول مكة سواء أراد العمرة أم لم يردها، فلابد عليه أن يحرم، وقالوا: هذا من خصائص مكة، وهذا هو مذهب الحنابلة وجماعة غيرهم. والقول الثاني: أنه لا يجوز الإحرام إلا لمن قصد الحج أو العمرة، أما من دخل مكة لا يريد العمرة وإنما دخلها للزيارة أو لطلب العلم أو للتجارة أو لأي مقصد آخر فلا يجب عليه الإحرام، وهذا أرجح القولين؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس لما وقت المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة). وسيذكر المؤلف أنه يستثنى من هذا الذي يتكرر خروجه مثل الحطاب، فهذا وأمثاله يستثنى من وجوب الإحرام عند كل دخول لمكة للمشقة. وكذلك من دخلها لقتال مباح، كما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ولم يحرم؛ لأنه جاء لفتحها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا لقتال مباح، وحاجة تتكرر كالحطاب ونحوه]. قوله: (إلا لقتال مباح)؛ لأنه فعل النبي ﷺ : فإنه دخل مكة عام الفتح ولم يحرم. وكذلك الذي يتكرر خروجه كالحطاب وأشباهه، فهذا مستثنى لمشقة التكرر. قول المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه]. يعني: الذي دخل مكة ولم يقصد الحج أو العمرة أو تكرر دخوله لحاجة كالحطاب، فهذا معفو عنه، لكن إذا أراد أن يحرم بعد ذلك، يحرم من مكانه، ولو من مكة؛ لأنه لم تكن له نية سابقة أن يحرم، فأصبح حكمه الآن حكم أهل مكة، وإذا أراد العمرة خرج للإحرام من الحل إن كان في مكة. ولو أن امرأة اعتمرت واشترطت إذا نزل عليها الحيض أن تحل، فنزل عليها الحيض ولم تكن في مكة بعد، ثم طهرت، فهل تحرم من الحل أم لابد أن تذهب إلى الميقات، علماً أنها أحرمت أولاً من الميقات، واشترطت ثم تحللت، وبقيت في مكة حتى طهرت، فهذه لا تزال على إحرامها فتطوف وتسعى، فإذا طهرت اغتسلت وطافت وسعت وقصرت. أما بالنسبة لاشتراطها فكيف تشترط وهي تريد الجلوس؟ إنما تشترط التي لا تستطيع الجلوس، أو أن رفقتها لن يجلسوا معها، أو أن زوجها لن يجلس معها، فهذه اشترطت من أجل أن تسافر وتتحلل، أما هذه في قول لبعض أهل العلم تسمى محصورة ومنعها كمن حصره العدو؛ فتتحلل ولا شيء عليها بناء على اشتراطها.

стр. 387

حكم من جاوز ميقاته غير محرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات]. أي: إذا جاوز الميقات ولم يحرم منه، يرجع إلى الميقات ليحرم، فإذا رجع وأحرم فلا شيء عليه، أما إن أحرم بعدما تجاوز الميقات فعليه دم، ولا يفيده الرجوع في هذه الحالة، إنما يفيده إذا لم يحرم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا دم عليه؛ لأنه أحرم من ميقاته؛ فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع]. أي: لا يفيده الرجوع إذا أحرم من دونه، والدليل على وجوب الدم عليه عند أهل العلم: ما ثبت عن ابن عباس: (من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دماً)، روي موقوفاً مرفوعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو محرم]. هذا هو الأفضل ألا يحرم قبل الميقات، فإن فعل يكون محرماً، لكنه ترك ذلك هو الأولى، يعني: ينعقد الإحرام ولو قبل وصوله الميقات، لكن الأفضل أن لا يحرم إلا منه. وإن أحرم قبل الميقات بمسافة بعيدة فهو مكروه في حقه كراهة شديدة ولا ينبغي له ذلك، لكن لو كان قبله بيسير فلا بأس. ولو سافر شخص بطائرة فيحرم إذا حاذى الميقات؛ لأن الأصل في الإحرام هو النية، أي: أن ينوي الإحرام إذا حاذى الميقات، أما كونه يغتسل قبل ذلك أو يلبس الإزار والرداء فهذا الأمر فيه واسع، وليس هو الإحرام، إنما من الاستعداد والتهيؤ له.

стр. 388

ذكر أشهر الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة]. هذه هي أشهر الحج التي يكون فيها الإحرام: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وأعمال الحج إنما تكون في ستة أيام: الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لكن هذه أشهر الحج التي يحرم فيها، فإذا أحرم في شوال أو في ذي القعدة أو في عشر من ذي الحجة فيصح.

стр. 389

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٢] الإحرام من أركان الحج والعمرة، وله أحكام ومستحبات، والمحرم مخير بين ثلاثة أنساك: التمتع والقران والإفراد، ويشرع للمحرم أن يكثر من التلبية، ويرفع صوته بها إلا المرأة فتخفض صوتها بها.

стр. 390

الإحرام ومستحباته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، ويتجرد عن المخيط، ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين]. من أراد الإحرام يستحب له الاغتسال؛ لأن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل، وأمر أسماء بنت عميس وهي نفساء لما ولدت بـ محمد بن أبي بكر أن تستر بثوب وتغتسل للإحرام، وأمر عائشة لما حاضت أن تغتسل عند الإهلال وهي حائض. فدل هذا على مشروعية الاغتسال لمن أراد الحج أو العمرة إذا أراد أن يحرم، والرجل يتجرد عن المخيط ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو مغسولين، ويخلع ثيابه كالسروال والفنيلة، ويكشف رأسه، ولا يكون عليه إلا إزاراً يشد به النصف الأسفل من السرة إلى ما تحت الركبة، ورداء يضعه على كتفيه. أما المرأة فإنها تحرم بما شاءت، ولا تكشف رأسها، ولا وجهها إذا كانت عند رجال أجانب، وتحرم بما شاءت، والرجل أيضاً لا يلبس الشراب ولا القفازين ولا الخفين لستر الكعبين وهو محرم. أما المرأة فتلبس الشراب؛ لأنها عورة فتبقى عليها ثيابها وخمارها على رأسها، والوجه تكشفه إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كانوا عندها سترت وجهها لكن بغير النقاب، ولا تلبس المخيط على قدر الوجه وهي محرمة، وكذلك على قدر اليدين، وإنما تغطي وجهها ويديها بالخمار لا بالمخيط؛ لقول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، والبرقع أشد منعاً من باب أولى، والمخيط هو: ما خيط على قدر العضو كالوجه واليدين والقدمين. والإحرام المراد به: نية الدخول في النسك، فليس هو التجرد من المخيط والاغتسال والتطيب، هذه أمور مستحبة قبل الإحرام؛ فإنه يتهيأ له بالاغتسال والتطيب ولبس الإزار والرداء. وإن كان بحاجة لأن يأخذ من الأظافر والإبط فيفعل، سيما في الماضي؛ لأن المدة كانت تطول عليهم، فيستحب أن يتعاهدها إن كانت طويلة، أما إذا لم تكن طويلة فلا حاجة. أما عن الحكمة من عد العاشر من ذي الحجة في أشهر الحج ولا يصلح الإحرام فيه؛ فلأنه من ذي الحجة، وهو يوم العيد ولا يصام فيه، وهذا من باب التغليب، وإلا فمعلوم أنه في آخر يوم عرفة يستطيع أن يحرم وبعدها لا يستطيع؛ لأن الحج انتهى. وكذا في ليلة العيد للمتأخر يجب عليه أن يبادر، فقد يقال: إنها ليلة العيد وهي أيضاً تابعة لليوم. نعود إلى مسألة لبس المخيط فنقول: يوجد الآن إزار مخيط يشبه السروال، فهذا لا ينبغي لبسه للمحرم، وحكمه حكم المخيط، فتركه أولى، وكان الشيخ محمد بن عثيمين وفقه الله يفتي بأن لبس هذا لا بأس به، لكن هذا فيه نظر، وقد تأملنا هذه الفتوى مع بعض المشايخ فلم يظهر لنا وجه فتوى فضيلته وفقه الله؛ لأن هذا من المخيط، فهو داخل في حكمه، والشيخ يتساهل في هذا، لكن ما ظهر لي إلى الآن أن الفتوى وجيهة في هذا. ولا بأس أن يلبس أبيض أو ملوناً، لكن الأبيض أفضل. ولا يلبس المحرم قميصاً؛ لأنه منصوص عليه من النبي ﷺ فقال: (لا يلبس قميصاً)، وذلك عندما سئل ما يلبس المحرم فقال: (لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمامة ولا الخفاف ولا السراويل ولا شيئاً مسه زعفران أو ورس)، فهذه نص عليها النبي ﷺ . والعلماء قالوا: ما جاء في المخيط نص، لكن لما سئل النبي ﷺ -في حديث ابن عمر - ما يلبس المحرم قال: (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، ولا ثوب مسه زعفران أو ورس) فقيس عليه.
следующие страницы →