← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حكم الإحرام لمن دخل مكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات غير محرم]. أي: لا يجوز لمن دخل مكة أن يتجاوز الميقات إلا وهو محرم، وهذا من خصائص مكة: أن كل من دخلها يجب عليه أن يحرم. هذا هو المذهب: أن كل من أراد دخول مكة سواء أراد العمرة أم لم يردها، فلابد عليه أن يحرم، وقالوا: هذا من خصائص مكة، وهذا هو مذهب الحنابلة وجماعة غيرهم. والقول الثاني: أنه لا يجوز الإحرام إلا لمن قصد الحج أو العمرة، أما من دخل مكة لا يريد العمرة وإنما دخلها للزيارة أو لطلب العلم أو للتجارة أو لأي مقصد آخر فلا يجب عليه الإحرام، وهذا أرجح القولين؛ لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس لما وقت المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة). وسيذكر المؤلف أنه يستثنى من هذا الذي يتكرر خروجه مثل الحطاب، فهذا وأمثاله يستثنى من وجوب الإحرام عند كل دخول لمكة للمشقة. وكذلك من دخلها لقتال مباح، كما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر ولم يحرم؛ لأنه جاء لفتحها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إلا لقتال مباح، وحاجة تتكرر كالحطاب ونحوه]. قوله: (إلا لقتال مباح)؛ لأنه فعل النبي ﷺ : فإنه دخل مكة عام الفتح ولم يحرم. وكذلك الذي يتكرر خروجه كالحطاب وأشباهه، فهذا مستثنى لمشقة التكرر. قول المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم إذا أراد النسك أحرم من موضعه]. يعني: الذي دخل مكة ولم يقصد الحج أو العمرة أو تكرر دخوله لحاجة كالحطاب، فهذا معفو عنه، لكن إذا أراد أن يحرم بعد ذلك، يحرم من مكانه، ولو من مكة؛ لأنه لم تكن له نية سابقة أن يحرم، فأصبح حكمه الآن حكم أهل مكة، وإذا أراد العمرة خرج للإحرام من الحل إن كان في مكة. ولو أن امرأة اعتمرت واشترطت إذا نزل عليها الحيض أن تحل، فنزل عليها الحيض ولم تكن في مكة بعد، ثم طهرت، فهل تحرم من الحل أم لابد أن تذهب إلى الميقات، علماً أنها أحرمت أولاً من الميقات، واشترطت ثم تحللت، وبقيت في مكة حتى طهرت، فهذه لا تزال على إحرامها فتطوف وتسعى، فإذا طهرت اغتسلت وطافت وسعت وقصرت. أما بالنسبة لاشتراطها فكيف تشترط وهي تريد الجلوس؟ إنما تشترط التي لا تستطيع الجلوس، أو أن رفقتها لن يجلسوا معها، أو أن زوجها لن يجلس معها، فهذه اشترطت من أجل أن تسافر وتتحلل، أما هذه في قول لبعض أهل العلم تسمى محصورة ومنعها كمن حصره العدو؛ فتتحلل ولا شيء عليها بناء على اشتراطها.

стр. 387

حكم من جاوز ميقاته غير محرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن جاوزه غير محرم رجع فأحرم من الميقات]. أي: إذا جاوز الميقات ولم يحرم منه، يرجع إلى الميقات ليحرم، فإذا رجع وأحرم فلا شيء عليه، أما إن أحرم بعدما تجاوز الميقات فعليه دم، ولا يفيده الرجوع في هذه الحالة، إنما يفيده إذا لم يحرم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا دم عليه؛ لأنه أحرم من ميقاته؛ فإن أحرم من دونه فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع]. أي: لا يفيده الرجوع إذا أحرم من دونه، والدليل على وجوب الدم عليه عند أهل العلم: ما ثبت عن ابن عباس: (من ترك نسكاً أو نسيه فليهرق دماً)، روي موقوفاً مرفوعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات فإن فعل فهو محرم]. هذا هو الأفضل ألا يحرم قبل الميقات، فإن فعل يكون محرماً، لكنه ترك ذلك هو الأولى، يعني: ينعقد الإحرام ولو قبل وصوله الميقات، لكن الأفضل أن لا يحرم إلا منه. وإن أحرم قبل الميقات بمسافة بعيدة فهو مكروه في حقه كراهة شديدة ولا ينبغي له ذلك، لكن لو كان قبله بيسير فلا بأس. ولو سافر شخص بطائرة فيحرم إذا حاذى الميقات؛ لأن الأصل في الإحرام هو النية، أي: أن ينوي الإحرام إذا حاذى الميقات، أما كونه يغتسل قبل ذلك أو يلبس الإزار والرداء فهذا الأمر فيه واسع، وليس هو الإحرام، إنما من الاستعداد والتهيؤ له.

стр. 388

ذكر أشهر الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة]. هذه هي أشهر الحج التي يكون فيها الإحرام: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وأعمال الحج إنما تكون في ستة أيام: الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لكن هذه أشهر الحج التي يحرم فيها، فإذا أحرم في شوال أو في ذي القعدة أو في عشر من ذي الحجة فيصح.

стр. 389

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٢] الإحرام من أركان الحج والعمرة، وله أحكام ومستحبات، والمحرم مخير بين ثلاثة أنساك: التمتع والقران والإفراد، ويشرع للمحرم أن يكثر من التلبية، ويرفع صوته بها إلا المرأة فتخفض صوتها بها.

стр. 390

الإحرام ومستحباته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإحرام من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، ويتجرد عن المخيط، ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين]. من أراد الإحرام يستحب له الاغتسال؛ لأن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل، وأمر أسماء بنت عميس وهي نفساء لما ولدت بـ محمد بن أبي بكر أن تستر بثوب وتغتسل للإحرام، وأمر عائشة لما حاضت أن تغتسل عند الإهلال وهي حائض. فدل هذا على مشروعية الاغتسال لمن أراد الحج أو العمرة إذا أراد أن يحرم، والرجل يتجرد عن المخيط ويلبس إزاراً ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو مغسولين، ويخلع ثيابه كالسروال والفنيلة، ويكشف رأسه، ولا يكون عليه إلا إزاراً يشد به النصف الأسفل من السرة إلى ما تحت الركبة، ورداء يضعه على كتفيه. أما المرأة فإنها تحرم بما شاءت، ولا تكشف رأسها، ولا وجهها إذا كانت عند رجال أجانب، وتحرم بما شاءت، والرجل أيضاً لا يلبس الشراب ولا القفازين ولا الخفين لستر الكعبين وهو محرم. أما المرأة فتلبس الشراب؛ لأنها عورة فتبقى عليها ثيابها وخمارها على رأسها، والوجه تكشفه إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كانوا عندها سترت وجهها لكن بغير النقاب، ولا تلبس المخيط على قدر الوجه وهي محرمة، وكذلك على قدر اليدين، وإنما تغطي وجهها ويديها بالخمار لا بالمخيط؛ لقول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين)، والبرقع أشد منعاً من باب أولى، والمخيط هو: ما خيط على قدر العضو كالوجه واليدين والقدمين. والإحرام المراد به: نية الدخول في النسك، فليس هو التجرد من المخيط والاغتسال والتطيب، هذه أمور مستحبة قبل الإحرام؛ فإنه يتهيأ له بالاغتسال والتطيب ولبس الإزار والرداء. وإن كان بحاجة لأن يأخذ من الأظافر والإبط فيفعل، سيما في الماضي؛ لأن المدة كانت تطول عليهم، فيستحب أن يتعاهدها إن كانت طويلة، أما إذا لم تكن طويلة فلا حاجة. أما عن الحكمة من عد العاشر من ذي الحجة في أشهر الحج ولا يصلح الإحرام فيه؛ فلأنه من ذي الحجة، وهو يوم العيد ولا يصام فيه، وهذا من باب التغليب، وإلا فمعلوم أنه في آخر يوم عرفة يستطيع أن يحرم وبعدها لا يستطيع؛ لأن الحج انتهى. وكذا في ليلة العيد للمتأخر يجب عليه أن يبادر، فقد يقال: إنها ليلة العيد وهي أيضاً تابعة لليوم. نعود إلى مسألة لبس المخيط فنقول: يوجد الآن إزار مخيط يشبه السروال، فهذا لا ينبغي لبسه للمحرم، وحكمه حكم المخيط، فتركه أولى، وكان الشيخ محمد بن عثيمين وفقه الله يفتي بأن لبس هذا لا بأس به، لكن هذا فيه نظر، وقد تأملنا هذه الفتوى مع بعض المشايخ فلم يظهر لنا وجه فتوى فضيلته وفقه الله؛ لأن هذا من المخيط، فهو داخل في حكمه، والشيخ يتساهل في هذا، لكن ما ظهر لي إلى الآن أن الفتوى وجيهة في هذا. ولا بأس أن يلبس أبيض أو ملوناً، لكن الأبيض أفضل. ولا يلبس المحرم قميصاً؛ لأنه منصوص عليه من النبي ﷺ فقال: (لا يلبس قميصاً)، وذلك عندما سئل ما يلبس المحرم فقال: (لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمامة ولا الخفاف ولا السراويل ولا شيئاً مسه زعفران أو ورس)، فهذه نص عليها النبي ﷺ . والعلماء قالوا: ما جاء في المخيط نص، لكن لما سئل النبي ﷺ -في حديث ابن عمر - ما يلبس المحرم قال: (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف، ولا ثوب مسه زعفران أو ورس) فقيس عليه.

стр. 391

أحكام الإحرام

стр. 392

حكم الصلاة للإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما]. قوله: (ثم يصلي ركعتين) ذهب إلى هذا كثير من الفقهاء، أي: أن الإحرام له صلاة تخصه، فيصلي ركعتين ثم يحرم بعدهما. واستدلوا بقول النبي ﷺ : (أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة). قالوا: فقوله: (صل) في هذا دليل على أن للإحرام صلاة، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من المحققين إلى أنه ليس للإحرام صلاة تخصه؛ لأن النبي ﷺ أحرم عقب الفريضة، فإذا كان وقت فريضة فإنه يصلي الفريضة ويحرم عقبها، وإن لم يكن وقت فريضة توضأ وصلى سنة الوضوء، أو سنة الضحى إن كان وقتها، ولا ينويها للإحرام؛ لأن الإحرام ليس له صلاة تخصه، وإنما أحرم النبي ﷺ عقب الفريضة. وما ذهب إليه شيخ الإسلام قول قوي، والجمهور أخذوا بعموم: (صل في الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).

стр. 393

معنى الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو أن ينوي الإحرام]. يقول الشارح ﵀ تعليقاً على هذه الجملة: [وهو أن ينوي الإحرام بقلبه ولا ينعقد الإحرام بغير نية؛ لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)]. قوله: وهو أن ينوي الإحرام) أي: أن الإحرام هو: نية الدخول في النسك. فإذا نوى بقلبه الدخول في الحج أحرم، ثم بعد ذلك يقول: لبيك عمرة ولبيك حجاً، فالحاصل: أن الإحرام هو نية الدخول في النسك، فهو بمثابة تكبيرة الإحرام للصلاة، فإذا كبرت دخلت فيها. وسمي إحراماً؛ لأنه بدخوله في الحج يحرم عليه ما كان يحل له قبل ذلك، فتحرم عليه النساء والطيب والصيد وبقية المحظورات، كما أن تكبيرة الإحرام يحرم عليه بها ما كان حلالاً له قبل دخوله في الصلاة، مثل الكلام والضحك والأكل والشرب. أما التلبية ففيها اختلاف بين العلماء فمنهم من قال: مستحبة، ومنهم من قال: إنها شرط، ومنهم من قال: إنها واجبة، والمشهور عند العلماء: أنها مستحبة. فإذا نوى الإحرام ولو لم يلب -على الصحيح- صح إحرامه؛ لأن الإحرام هو النية، وليس التلبية.

стр. 394

حكم النطق بالإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يستحب أن ينطق بما أحرم به، ويشترط ويقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني؛ فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني]. هذا الكلام يشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: استحباب النطق بالنية. المسألة الثانية: الإحصار، أما المسألة الأولى فأن يقول: اللهم إني أريد الحج فيسره لي، اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي. وإلى هذا ذهب كثير من الفقهاء الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم، قالوا: يستحب أن ينطق بالنية ويتلفظ بها، فيقول: اللهم إني نويت نسك كذا، اللهم إني أريد الحج فيسره لي، اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي. وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أنه لا يستحب النطق بالنية بل إنه بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه تلفظ بالنية لا في الحج ولا في غيره، فلا يجوز أن يقول: نويت أن أصلي الظهر خلف هذا الإمام أربع ركعات، أو نويت أن أصوم هذا اليوم من رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو نويت الحج حج الفريضة، وغيره. قال ابن تيمية ﵀: إن هذا بدعة وليس عليه دليل، ولكن يذكر نسكه في التلبية بقوله: لبيك عمرة وحجاً، أو لبيك حجاً، أو لبيك عمرة، فيذكر نسكه في تلبيته، فيقول: اللهم إني نويت الحج. والفقهاء المتأخرون يقولون: يستحب أن ينطق بالنية حتى يتواطأ القلب واللسان، حتى في الصلاة، والحنابلة وغيرهم يقولون: يستحب أن ينطق بما نواه، وهذا الاستحباب لا دليل عليه. وقوله ﵀: (ويشترط ويقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني). مفهوم كلام المؤلف: أن كل أحد -حاج أو معتمر- يستحب له أن يشترط، والقول الثاني: أنه لا يشترط إلا من كان خائفاً، فليس كل أحد يشرع له الاشتراط، فمن اشترط وهو ليس بخائف فلم ينفعه اشتراطه، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ لم يشترط ولا أمر الصحابة أن يشترطوا، لكن فعلته ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عمه فقالت: (يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية -يعني: مريضة- فقال: حجي واشترطي: أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما اشترطت). فدل هذا على أن الاشتراط إنما هو لمن كان خائفاً، كأن يكون مريضاً، أو يخشى من يصده عن البيت فيفشل، وفي هذه الحالة يتحلل ولا شيء عليه، أما إذا لم يكن خائفاً فإنه يحسن الظن بالله فلا يشترط؛ لأن النبي ﷺ لم يشترط ولا الصحابة ولا أمرهم بالاشتراط. ولو قال قائل: إن الاشتراط في هذه الأيام مع كثرة الحوادث مستحب، لقلنا: لا؛ لأن الحوادث كثيرة حتى في زمن النبي ﷺ ، فرجل سقط عن راحلته وهو واقف بعرفة، هذا حادث من الحوادث.

стр. 395

أنواع الإحرام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران]. هذه أنواع النسك الثلاثة: الإفراد والتمتع والقران. فالتمتع: هو أن يحرم بالعمرة وحدها، ثم يطوف ويسعى ويقصر ويتحلل، ثم يحرم بالحج في اليوم الثاني، فالعمرة منفصلة عن الحج في التمتع. أما القران: فيلبي المحرم بهما جميعاً من الميقات، يقول: لبيك عمرة وحجاً، ولا يتحلل من إحرامه إلى يوم العيد، وفي القران تتداخل أعمال العمرة مع أعمال الحج. والمفرد لا ينوي إلا نسكاً واحداً فقط، أي: ينوي الحج ولا ينوي العمرة، ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد. وأعمال المفرد مثل أعمال القارن سواء لا فرق بينهما إلا في النية والهدي، فالقارن عليه هدي والمفرد لا هدي عليه. ولو أن امرأة خشيت أن ينزل عليها الدم ورفقتها لن يبقوا معها، فاشترطت، فهل تصير محصورة شرعاً؟ نقول: بهذا أفتى جمع من أهل العلم. والدليل على صحة الإهلال بواحد من الأنساك الثلاثة حديث عائشة ﵂ قالت: (أهللنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهل بالعمرة، وكنت ممن أهل بالعمرة)، فذكرت أنواع النسك الثلاثة الإهلال بالحج والعمرة.

стр. 396

أفضل أنواع النسك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأفضلها التمتع ثم الإفراد ثم القران]. قوله: (وأفضلها التمتع)؛ لأن فيه زيادة عمل، فالمتمتع عليه طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج، ويكون هو الأفضل؛ وهو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه، ثم يليه الإفراد على ما أتى به المصنف. وقيل: أحسنه القران؛ لأنه فعل النبي ﷺ ؛ ولأنه يأتي بنسكين، ثم الإفراد، على خلاف في الأفضل منهما لكن التمتع أفضل، ثم القران بعده؛ لأنه يأتي فيه بنسكين، ثم الإفراد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه]. هذه صورة التمتع، أي: أن يحرم بالعمرة ثم يطوف ويسعى ويقصر ويتحلل ويبقى في المكان، فإذا جاء يوم العيد أحرم بالحج. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، والقران: أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج]. إذاً: القران: أن يحرم بالحج والعمرة، ويقول: لبيك عمرة وحجاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج، فيبقى على إحرامه إلى يوم العيد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو أحرم بالحج، ثم أدخل عليه العمرة لم ينعقد إحرامه بالعمرة]. لا ينعقد؛ لأنه تلبس بالحج.

стр. 397

أحكام التلبية

стр. 398

صيغة التلبية ومعناها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا استوى على راحلته لبى فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ويستحب الإكثار منها]. معنى: (فإذا استوى على راحلته لبى) هذا هو الأفضل للمسلم، أن يلبي إذا ركب مركوبه، وكذا إن ركب سيارة يلبي؛ لأن النبي ﷺ إنما لبى بعدما استوى على راحلته، هذا هو ثابت عنه في الأحاديث الصحيحة. وجاء في الحديث: أنه ﷺ لبى بعد الفريضة قبل أن يركب، لكنه حديث ضعيف؛ لأنه من رواية قصي عن ابن عباس، وقصي ضعيف. وجاء في حديث جابر: أنه لبى على البيداء. والصواب: أنه أحرم ثم لبى بعدما ركب، فسمعه قوم فأخبروا أنه لبى بعدما ركب، ولما استوى على البيداء سمعه قوم يلبي ولم يسمعوه لبى أولاً، فقالوا: إنه لبى على البيداء. فالأفضل أن يلبي الإنسان بعدما يركب دابته، وإن لبى فلا بأس، لكن الأفضل أن يلبي إذا ركب سيارته؛ لأنه قد يحتاج شيئاً نسيه، أو قد يحتاج إلى الطيب، فإذا ركب ومشى في الغالب أنه يكون متجهزاً، ولا حاجة له بشيء، والأمر في هذا واسع. ويستحب أن يكرر التلبية في كل وقت. ومعنى: (لبيك اللهم لبيك) أي: نجيبك يا ألله إجابة بعد إجابة، ومعنى: (لا شريك لك) أي: لا شريك لك في الألوهية والعبادة، كما أنه لا شريك لك في الملك ولا في الربوبية. ومعنى: (إن الحمد والنعمة لك) أي: إن جميع أنواع المحامد لله ملكاً واستحقاقاً، وكذلك النعمة بيده سبحانه، وكذا الملك: هو ملك الله سبحانه وحده لا شريك له، فهذه تلبية عظيمة يكررها الحاج والمعتمر، ولاسيما إذا اختلفت الأحوال. فإذا هبط وادياً أو علا نشزاً، أو أقبل ليلاً أو أدبر نهاراً، أو التقى بالرفاق، أو سمع ملبياً، أو فعل محظوراً، تتأكد التلبية في مثل هذه الأحوال.

стр. 399

حكم رفع الصوت بالتلبية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورفع الصوت بها لغير النساء]. أي: رفع الصوت بها إنما هو للرجال، وجاء في حديث خلاد بن السائب عن النبي ﷺ قال: (أمرني ربي أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم في الإهلال)، فكان الصحابة يصرخون بها صراخاً. أما المرأة فلا تجهر بها، وتلبي بقدر ما تُسمع رفيقتها التي بجوارها؛ لأنه قد يخشى أن يفتن أحد بصوتها.

стр. 400

أوقات تأكد التلبية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي آكد فيما إذا علا نشزاً أو هبط وادياً]. معنى: نشزاً، أي: مرتقاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أو سمع ملبياً، أو فعل محظوراً ناسياً، أو لقي ركباً، وفي أدبار الصلاة المكتوبة، وبالأسحار، وإقبال الليل والنهار]. كذلك في أدبار الصلاة المكتوبة كصلاة الظهر والعصر، وفي الأسحار وعند إقبال الليل وإدبار النهار؛ لأنهم في السابق كانوا يحرمون يومين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، أما الآن فالمحرم وقته أقل من ساعة، لكن في السابق كانت المواصلات شاقة. كما أحرم النبي ﷺ من ميقات المدينة في اليوم الخامس والعشرين ولم يصل مكة إلا في الرابع من ذي الحجة، فمضت في إحرامه تسعة أيام ﵊. والسنة في التلبية أن يلبي كل وحده، فلا تشترط التلبية الجماعية بصوت مرتفع، بل ليس بمشروع. والذين منعوا الجمع بين الحج والعمرة منعوا ذلك حتى يكثر العمار والزوار، فيأتي الإنسان بالحج في وقت والعمرة في وقت وهذا اجتهاد منهم ﵃.

стр. 401

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٣] يحرم على المحرم لبس المخيط المُحيط وتغطية الرأس للرجل، وتغطية الوجه للمرأة وحلق الشعر وقص الأظافر والطيب وعقد النكاح والوطء والمباشرة بشهوة والخطبة وقتل الصيد.

стр. 402

محظورات الإحرام قال الإمام أبو محمد الموفق رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام: وهي تسعة: حلق الشعر، وقلم الظفر، ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونه مد طعام وهو ربع الصاع]. قول المؤلف رحمه الله تعالى: (باب محظورات الإحرام). أي: الممنوعات التي منع منها المحرم، فالمحظور الممنوع. وعقد هذا الباب للأشياء التي يمنع منها المحرم، وهو الذي دخل في الإحرام، والإحرام: هو نية الدخول في النسك، فإذا نوى الدخول في النسك في حج أو عمرة فإن هناك محظورات يحظر منها من دخل في الإحرام، وهي تسعة أشياء يمتنع عنها المحرم، وهي: قص شيء من الشعر، وأخذ شيء من الظفر، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، والطيب، والصيد، وعقد النكاح، والجماع، والمباشرة، وهي دون الجماع. وهذه التسعة عرفت بالاستقراء والتتبع للنصوص. قوله: [وهي تسعة: حلق الشعر وقلم الظفر]. حلق الشعر هو المحظور الأول، والمحظور الثاني قلم الظفر. ولو قال في الأول: إزالة الشعر، لكان أحسن؛ لأن الممنوع هو إزالة الشعر سواء أكان بحلق أم بغيره كنتف أو مزيل من صابون أو أدهان، فهذا كله ممنوع، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] وإن كان هذا في المحصر فكذلك المحرم. ومن الأدلة أيضاً: أن كعب بن عجرة ﵁ لما كان محرماً وقد شق عليه ما أصابه من القمل قال له النبي ﷺ : (يؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، قال: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة). فدل هذا على أن المحرم ممنوع من حلق الرأس، وإذا احتاج إليه فإنه يفعله ويفدي. والشعر عند العلماء عام، يدخل فيه شعر الرأس وشعر سائر الجسم، وخالف داود الظاهري فقالوا: إنه خاص بالرأس؛ لأن هذا هو الذي يتعلق به النسك. وقوله: (وقلم الظفر). هذا مقيس عليه، وكذلك الباقي أغلبها مقيس عليها، والدليل على القياس: أنه سمي في حديث كعب بن عجرة كفارة، وفيها فدية، فتسمى فدية الأذى. وأما تغطية الرأس فقد ورد فيه نص، وأما لبس المخيط والطيب فكل هذه مقيسة عليه، فحلق الشعر هو الأصل، ثم تقليم الأظفار ولبس المخيط والطيب وتغطية الرأس هذه كلها مقيسة عليه بجامع الترفه، لكن تغطية الرأس فيه نص، والعلماء يقولون: الأصل دفع الأذى، والبقية مقيسة عليها، وأما قتل الصيد وعقد النكاح ففيها أدلة خاصة. فالخمسة المقيس عليها كلها فيها فدية أذى، أي: إذا فعل واحداً منها محتاجاً إليه فعليه الفدية وليس عليه إثم، فإن فعلها غير محتاج إليها فعليه فدية وإثم وعليه التوبة والاستغفار.

стр. 403

كفارة إزالة الشعر وتقليم الظفر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونه مد طعام، وهو ربع الصاع]. يعني: إذا فعل محظوراً، كإزالة ثلاث شعرات على الأقل ففيه دم، أو قلم ثلاثة أظفار على الأقل ففيه دم أيضاً، والمراد بالدم: شاة يذبحها. والرواية الأخرى: أن أربع شعرات فيها دم، وكذا في أربعة أظفار، وهذا اجتهاد ليس عليه دليل. والأرجح أن ثلاث شعرات ليس فيها دم، وإنما عليه الاستغفار، وإنما يتعلق الدم بما يماط به الأذى، وبعضهم قيده بربع الشعر أو بثلثه، وكله اجتهاد بلا دليل. وقيل: إن أزال شعرة واحدة فعليه أن يطعم مسكيناً، وفي شعرتين مسكينين، وثلاث دم، وإن قلم ظفراً واحداً ففيه إطعام مسكين، وفي ظفرين مسكينين، وفي ثلاثة شاة يذبحها، ومن العلماء من قال: إن أخذ ظفراً يخرج صاعاً من طعام لمسكين، وكذلك في الشعرة الواحدة. وعلى كل حال فهذا اجتهاد من العلماء، وقد ثبت أن النبي ﷺ احتجم في رأسه وهو محرم، ومن المعلوم أنه لابد أن يأخذ شيئاً من شعر رأسه، ولم ينقل: أن النبي ﵊ فدى، ويحتمل أنه فدى لكنها شعرات قليلة، وهي يقيناً أكثر من ثلاث شعرات. والمسلم إجمالاً إذا دخل في عشر ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره؛ لحديث أم سلمة في صحيح مسلم: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من أظفاره شيئاً). وأما المحرم ففيه حديث عن ابن عجرة أنه لا يأخذ من شعره، والتقليم مقيس عليه، وهذا يؤيد حكم المحرم؛ لأنه إذا كان من يضحي لا يأخذ من ظفره ولا من بشرته، فالمحرم من باب أولى.

стр. 404

ما لا فدية فيه من المحظورات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن خرج في عينه شعر فقلعه، أو نزل شعره فغطى عينه، أو انكسر ظفره فقصه؛ فلا شيء عليه]. لأن هذا من باب إزالة الأذى، فإذا نزل في عينه شعر فأزاله، أو انكسر ظفره فأزاله، فهذا يشبه الصائل على الإنسان فيدفعه عن نفسه، ويكون معذوراً، وكذلك الظفر إذا انكسر يزيله ولا شيء عليه؛ لأن هذا من المستثنى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس سراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه]. الثالث من المحظورات: لبس المخيط وهذا خاص بالرجل، فلا يلبس ثوباً ونحوه، إلا إذا لم يجد ثوباً فإنه يلبس السروال، وكذلك لا يلبس الخفين، والمراد بهما: ما يغطي الكعبين إن كانت من جلد، أما ما دون الكعبين فهذا حكمه حكم النعلين، لكن إذا كان يغطي الكعبين فلا يلبسه. فإن لم يجدها فإنه يلبس الخفين، وفي بعض الأحاديث أنه يقطعهما أسفل من الكعبين، وفي حديث آخر لا يقطعهما، فالنبي ﷺ قال في خطبته في المدينة: (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)، وقال أيضاً في حجة الوداع: (فليلبس خفين)، ولم يقل: وليقطعهما. فاختلف العلماء في ذلك، فالجمهور ذهبوا إلى حمل المطلق على المقيد، فقالوا: لابد أن يقطعهما. وقال آخرون: هذا يدل على أن القطع منسوخ؛ لأنه خطب في حجة الوداع ولم يذكر القطع، وحضرها من لم يحضر في المدينة. ومنهم من قال: الأمر بالقطع على الاستحباب. قالوا: يؤيد عدم القطع: أن فيه إضاعة لماليتها، والإسلام نهى عن إضاعة المال، فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين ولا يقطعهما، وكذلك من لم يجد ثوباً فيلبس السروال، وهذا ليس بمخرج لبعض الناس كما يظن، وذلك أنهم يأتون للحج على الطائرات، فإذا حاذوا الميقات وأرادوا أن يحرموا وأزرهم وأرديتهم في الشنطة، وليست معهم، فيؤخرون الإحرام حتى يهبطوا من الطائرات وهذا غلط، فالمخرج للمسلم في مثل هذا أن يخلع ثوبه ويلبس السروال ويضع الثوب المخيط على الكتفين ويحرم، ويكون معذوراً في هذا حتى يصل فيأخذ الإزار والرداء؛ لأنه في هذه الحالة لم يجد إزاراً فيلبس السروال. وكذا إن لم يجد نعلين فيلبس الخفين، ولا شيء عليه، وهذا هو الصواب. والسروال يكون من السرة إلى الركبة. والثوب لابد أن يكون طويلاً، يكفي لأن يتزر به. ويجعل الغترة على الكتف.

стр. 405

الأصل في حظر المخيط على المحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه]. ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : (ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف ولا شيء مسه زعفران أو ورس، ومن لم يجد إزاراً فيلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليبس الخفين). وهذا أصل في حظر لبس المخيط على المحرم، ونلاحظ فيه أن السائل سأل النبي ﷺ عما يلبس المحرم فأجابه بالشيء الذي لا يلبسه؛ لأن الذي لا يلبسه المحرم محصور، والذي يلبسه غير محصور. ومعنى القميص في قوله: (لا يلبس القميص) ما خيط على قدر الجسم، أو ما يخيط على قدر عضو من أعضائه، كالقفازين والفنيلة والسروال. ومعنى: (العمائم) أي: التي على الرأس، ومعنى: (البرانس) أي: الثياب المغربية التي لها رءوس ملحقة بها، والسراويل والخفاف وما مسه زعفران أو ورس، أي: ما مسه الطيب، هذه كلها لا يلبسها المحرم الرجل، وكذا لا يلبس العمائم ولا البرانس ولا الخفاف. وليس في الحديث ما يدل على أنه لا يلبس المخيط، لكن الفقهاء عبروا عما في الحديث فقالوا: لا يلبس المحرم المخيط، ولما عبروا بهذا التعبير حصل إيهام لبعض الناس، وظنوا أن المراد: أنه لا يلبس شيئاً فيه خياط، فيأتي إلى الإزار أو الرداء وفيه شيء من المخيط فيقول: هذا فيه خياط، وكذا إن كان الحذاء فيه خياط يستشكل ذلك ويظنه ممنوعاً. وليس المراد مجرد الخياط، فالإزار والرداء لو قطعتهما أربع قطع وخطتهما فلا بأس، المراد أن لا يلبس المحرم ما خيط بقدر العضو، أما القميص العادي الذي لو خلعته وقلبت أعلاه أسفله وأسفله أعلاه وجعلته رداء أو إزاراً فلا بأس بلبسه ولو كان فيه خياط. فعبارة: لا يلبس المحرم المخيط، ليست من كلام النبي ﷺ ، وإنما العلماء عبروا بها عن حديث: (لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويل ولا البرانس ولا الخفاف ولا شيء مسه الورس والزعفران). فأشكل هذا على بعض العامة، وصاروا يظنون أن المراد بالمخيط الخياط، فيتحرزون من كل ما فيه خيط حتى الكمر قد يقول أحدهم: فيه خياط فلا ألبسه، وهكذا يفعل الجهل بأصحابه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: لبس المخيط إلا أن لا يجد إزاراً فليلبس سراويل، أو لا يجد نعلين فليلبس خفين، ولا فدية عليه]. لا فدية إن قطعهما أسفل من الكعبين، وقد ورد حديثين أحدهما فيه الأمر بالقطع، والثاني ليس فيه أمر بالقطع، والمؤلف أشار إلى عدم الأمر بالقطع وهو الصواب. أما القاطع فلأنه قال: إما منسوخ، أو أن الأمر بالقطع محمول على الاستحباب. والجمهور يرون حمل المطلق على المقيد ويقولون: لابد من القطع للقاعدة الأصولية: يحمل المطلق على المقيد.

стр. 406

القول في تغطية الرأس للمحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الرابع: تغطية الرأس والأذنان منه]. قوله: (الرابع تغطية الرأس) ينبغي أن يعلم: أن حظر لبس المخيط خاص بالرجل، وأما المرأة فإنها تلبس ما شاءت؛ لأنها عورة، ولا تلبس ما يلفت أنظار الرجال إليها. والدليل على أن هذا من المحظور على المحرم قول النبي ﷺ في الرجل المحرم الذي سقط عن دابته: (لا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً). فدل هذا على أن المحرم لا يغطي رأسه ولا وجهه، ولما رأى ابن عمر رجلاً مغط على رأسه فقال: (أضح لمن أحرمت له)، ومعنى: (أضح) أي: اجعل رأسك ضاحياً خارجاً، وهذا خاص بالرجل أما المرأة فإنها تغطي رأسها؛ لأنها عورة وتغطي وجهها عند الرجال الأجانب بغير النقاب. وإذا فعل الناسي المحظور فالصواب أنه معذور، وكذلك الجاهل والمكره، والحنابلة يفرقون بين بعضها، فتقليم الأظفار والصيد والنتف والحلق هذه عندهم لا يعذر فيها الجاهل والناسي؛ لأن فيها إتلافاً، أما تغطية الرأس والطيب ولبس المخيط فيعذر فيها للجهل، والصواب: عدم التفريق. ومن المسائل المتعلقة بتغطية الرأس: الاستظلال، وفي المذهب الملاصق وغير الملاصق سواء، فيمنع المحرم من التظلل بهما، والصواب: أنه يمنع الملاصق فقط، ما إذا كان يستظل بسقف السيارة أو شجرة أو خيمة أو ثوب؛ لأن النبي ﷺ لما رمى جمرة العقبة كان بلال وأسامة يظللانه بثوب، فدل على أن التظليل لا يعتبر تغطية للرأس، فيستظل بثوب أو بشجرة أو بسقف السيارة أو بالخيمة أو بالشمسية ونحوه، خلافاً لمذهب الحنابلة، فهم لا يفرقون بين الملاصق وغيره، وبعضهم يفرق بين من يستظل بشيء يتحرك بحركته كالشمسية وما لا يتحرك، فالخيمة والشجرة لا تتحرك بحركته، أما الشمسية فإنها تتحرك فلا يجوز أن يستظل بها، والصواب: أن الممنوع منه هو الملاصق. وبعض الناس قد يضع على وجهه شيئاً حتى لا تصل إليه الروائح الكريهة، فهذا الأولى له أن لا يضع على وجهه شيئاً، بل يكشفه، وقد يقع في ذلك إذا اضطر إليه، لكن ينبغي تركه؛ لأن فيه تغطية لبعض الوجه.

стр. 407

القول في تطييب المحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الخامس: الطيب في بدنه وثيابه]. الخامس من المحظورات: الطيب في بدنه وثيابه وطعامه وشرابه، حتى الطعام والشراب، فشرابه مثلاً زعفران؛ فلا يشرب المحرم قهوة فيها زعفران؛ لأنه نوع من الطيب. والدليل حديث ابن عمر الذي قال فيه النبي ﷺ : (ولا تلبسوا شيئاً مسه زعفران أو ورس)، وهما نوعان من الطيب، ولقول النبي ﷺ في الذي سقط عن راحلته: (ولا تحنطوه)، والحنوط نوع من الطيب، فلا تطيبوه: (فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً)، هذان دليلان على أن المحرم لا يستعمل الطيب، ولا يمس الزعفران في بدنه أو في ثيابه أو في أكله أو في شربه. والطيب هو ما يستعمل معه الشم مثل العود والعنبر والكافور والزعفران وما الورد، أما ماء له رائحة طيبة كالأزهار فلا يعتبر طيباً وكذا الأشنان والصابون، هذا في الظاهر ليس بطيب، لكن تركه احتياطاً أولى.

стр. 408

القول في كفارة المحظورات الخمس الأولى الخمسة الأول إذا فعل واحداً منها متعمداً ذاكراً مختاراً فعليه فدية، فالذاكر ضد الناسي، والمختار ضد المكره، والعالم ضد الجاهل، فمن فعلها محتاجاً إليها فعليه فدية ولا إثم عليه للحاجة، كأن يكون مريضاً يحتاج إلى حلق الشعر، أو فيه جروح في رأسه حتى يداويها، أو يحتاج إلى تغطية الرأس؛ لأنه في البرد ولا يتحمل كشفه، فيلبس وعليه الفدية. أما إذا فعلها عالماً ذاكراً مختاراً ليس محتاجاً فهذا عليه فدية وعليه الإثم، ووجوب التوبة والاستغفار، فإن فعلها محتاجاً فعليه الفدية ولا إثم عليه. والفدية على التخيير، أي: يخير بين إطعام ستة مساكين لكل مسكين كيلو ونصف من قوت البلد، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقول النبي ﷺ لـ كعب بن عجرة لما حلق رأسه: (انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام)، هذا في هذه الخمسة التي مضت، أما الأربعة البقية فلها أحكام أخرى. وهذه الخمسة إذا فعل واحداً منها ناسياً فلا شيء عليه، وكذا إذا فعل واحداً منها جاهلاً أو مكرهاً. هذا هو الصواب. والمذهب أنه ولو كان ناسياً فعليه فدية، والقول الثاني: أنه يفرق بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، فما فيه إتلاف مثل: حلق الشعر، لا يعذر فيه الجاهل ولا الناسي عندهم، وما ليس فيه إتلاف مثل تغطية الرأس يعذر. والصواب: أنه يعذر الناسي والجاهل ولا فرق بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت. ولقصة الرجل الذي لبس الجبة المضمخة بالطيب، وجاء يسأل النبي ﷺ فسكت ولم يجبه، حتى نزل الوحي فقال: أين الرجل فجاء فقال: (انزع عنك الجبة، واغسل الطيب)، ولم يلزمه بالفديةوذلك لأنه جاهل، فدل على أنه معذور. والفدية إما أن يعجل بها أو يأخرها إلى نهاية الحج، وهي في ذمته، لكن إذا كان في مكة يكون الإطعام فيها إن اختاره، والذبح كذلك لابد أن يكون في مكة، وأما الصيام ففي أي مكان.

стр. 409

القول في قتل المحرم للصيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً، وأما الأهلي فلا يحرم، وأما صيد البحر فإنه مباح]. إذاً: لابد أن يكون الصيد وحشياً مباحاً، ومعنى وحشياً، أي: متوحشاً، سواء أكان طيراً أم غيره، كالغزال والنعامة والحمام وبقر الوحش وحمار الوحش فهذا كله صيد. أما إذا كان المصيد أهلياً فهذا ليس فيه شيء مثل الدجاج؛ ومثل بهيمة الأنعام: البقر والإبل والغنم، ولابد أن يكون مباح الأكل منه، فإن كان محرماً أكله فلا، فلو صاد ذئباً أو ثعلباً فهذا ليس بصيد؛ لأنه ليس مباحاً، فلابد أن يكون صيداً وحشياً مباحاً. ولو صاد غزالاً ورباه عنده وصار متأهلاً فالعبرة بالأصل، أي: يعتبر صيداً، كما أنه لو تمردت الدجاجة وصارت تطير ثم صادها برميها فالعبرة بالأصل فهي ليست متوحشة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما صيد البحر فإنه مباح]. صيد البحر لا بأس به؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فالمحرم إنما هو صيد البر، أما صيد البحر فإنه مباح. وإذا صاد ما تقدم ففيه جزاؤه. والصيد نوعان: النوع الأول: ما له مثل، والثاني: ما لا مثل له، فما له مثل عليه ما يشبهه من بهيمة الأنعام، وهذا ما قضى به الصحابة رضوان الله عليهم، وبعضها فيها نقص، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (في الضبع كبش)، والحمامة قضى فيها بشاة؛ لأنها تشبه الشاة في عب الماء، والنعامة فيها بدنة؛ لأنها تشبه البعير في طول الرقبة، والمراد نوع من الشبه، فقضى الصحابة بما له مثل بالمثل، وما ليس له مثل فإنه يقوم ثمنه عليه بتقويم عدلين ثقتين. فإذا قوم فإنه يخير بين إخراج القيمة أو إطعام مساكين كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، يخير بين الصيام والإطعام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة:٩٥]. فالحاصل: أن ما له مثل يخير بين إخراج المثل أو يشتري بقيمته طعاماً ويطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. والذي ليس له مثل يخير المحرم بين الإطعام والصيام بعد أن يقوم قيمته، مثلاً: صاد صيداً ليس له مثل وقومه ثقتان عدلان بألف ريال، نقول: اشتر بألف ريال طعاماً براً مثلاً، وأطعم كل مسكين نصف صاع. ولو قدر الطعام فوجد أنه يكفي لمائة مسكين مثلاً فيقدر مائة مسكين، ونقول: عليك أن تشتري طعاماً وتطعم كل مسكين نصف صاع، أو تصوم مائة يوم عن كل مسكين يوماً. فما قضى به الصحابة يرجع فيه إلى قضائهم، وما لم يقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى تقويم عدلين. والحمام في الحرم الآن ممنوع منه، والدجاج ليس بممنوع منه في مكة، فتذبح الدجاج لكن لا تذبح الحمام؛ لأن الحمام صيد والدجاج ليس بصيد.

стр. 410

القول في عقد النكاح للمحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [السابع: عقد النكاح حرام ولا فدية فيه]. السابع من المحظورات هو (عقد النكاح)، لما ثبت في الحديث الصحيح عن عثمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح). قوله: (لا ينكح) أي: لا يتزوج هو، (ولا ينكح) أي: لا يزوج غيره، فلا يتزوج بنفسه ولا يزوج غيره، فلا يعقد لابنته وهو محرم، ولا يكون شاهداً أيضاً، أي: لا يشهد في النكاح. فإن فعل فالنكاح فاسد وعليه التوبة والاستغفار، وليست عليه فدية، والعقد فاسد، ويجدد بعد ذلك. أما الرجعة فلا بأس أن يراجع الإنسان زوجته؛ لأن هذا إمساك، وهو محرم فله أن يراجع زوجته، ولو كان قد طلقها قبل الإحرام ثم أحرم فراجعها فلا بأس؛ لأن الرجعة ليست ميثاقاً وإنما هي إمساك.

стр. 411

القول في كفارة المباشرة للمحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج]. قدم المؤلف المباشرة، وغيره قدم الجماع، والمباشرة يعني: الجماع دون الفرج، فهذا من المحظورات أيضاً، ولكنه لا يبطل الإحرام ولا الحج، وإنما عليه التوبة والاستغفار، وإذا أنزل عليه شاة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أنزل بها فعليه بدنة وإلا ففيها شاة وحجه صحيح]. إذا باشر زوجته فيما دون الفرج وأنزل فعليه بدنة أي: بعير، قياساً على الجماع، وإن لم ينزل فعليه شاة، والصواب: أنه لا يجب عليه إلا الشاة في الأمرين إذا كان متعمداً، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد وهو الصواب؛ لأن المباشرة ليست كالجماع، وقياسه على الجماع قياس مع الفارق. وقال بعضهم: إذا أنزل فعليه شاة، وإذا لم ينزل فليس عليه شيء، أما أنا فأقول: عليه شاة مع التوبة بسبب المباشرة، والحج صحيح لا يفسد، سواء أكان هذا قبل التحلل الأول أم بعده، فما دام محرماً فعليه هذا، والتفصيل إنما يأتي في الجماع، أكان قبل التحلل الأول أو بعده؟ والخطبة أيضاً للمحرم ممنوع منها.

стр. 412

القول فيما يلزم المجامع المحرم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التاسع: الوطء في الفرج، فإن كان قبل التحلل الأول: فسد الحج، ووجب المضي في فاسده والحج من قابل، ويجب على المجامع بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول: ففيه شاة ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً]. هذا التاسع من محظورات الإحرام: الجماع وهو الوطء في الفرج، فإذا وطئ في الفرج مغيباً حشفته في الفرج فهذا فيه تفصيل، إن كان قبل التحلل الأول فله حكم، وإن كان بعد التحلل الأول فله حكم. والتحلل الأول يحصل عند أهل العلم بفعل اثنين من ثلاثة، وهي رمي جمرة العقبة يوم العيد، والحلق، والطواف مع السعي، أي: طواف الإفاضة مع السعي، فإذا رمى وحلق، أو رمى وطاف، أو طاف وحلق، فقد تحلل التحلل الأول، أما الذبح فليس منها كما يظنه بعض العامة. فإذا فعل اثنين من الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثلاثة تحلل التحلل الثاني، فإذا رمى وحلق تحلل التحلل الأول، ولبس ثيابه وبقي عليه أشياء ولا تحل له زوجته إلا إذا طاف، فإذا رمى وحلق وطاف حلت له زوجته، وإذا رمى وطاف فعل اثنين بقي عليه الثالث وهو الحلق، وإذا حلق وطاف بقي عليه الرمي وهكذا. فإذا جامع زوجته قبل التحلل الأول أي: قبل أن يفعل اثنين من ثلاثة لزمه أربعة أمور: الأمر الأول: فساد حجه، الأمر الثاني: إكمال الحج الفاسد والمضي فيه، الأمر الثالث: قضاء الحج من العام القادم، ولو كان نفلاً، الأمر الرابع: أن يذبح بعيراً، فهذه كلها تجب على من جامع قبل التحلل الأول. وقلنا بقضاء الحج من العام القادم ولو كان نفلاً؛ لأنه لما دخل فيه صار واجباً عليه لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فأما فساد الحج والمضي فيه ووجوب البدنة فهذه واضحة. وأما قضاء الحج من العام القادم ففيه خلاف، والأقرب: أنه لا يجب إلا إذا لم يؤد فريضة الحج أو كان الحج نذراً، فإن كان نفلاً فلا يقضيه على الصحيح، والجمهور على أن هذا يجب على العامد وغير العامد. والدليل على وجوب البدنة قضاء الصحابة بذلك، وقالوا: إن الصحابة لم يفرقوا بين العامد وغير العامد، ولو كان ناسياً؛ لأن هذا من باب الإتلاف، والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الناسي معذور وهذا هو الصواب. والجاهل الذي يجهل مثله، وكذا المكره، فهؤلاء معذورون، وإن كان هذا خلاف قول الجمهور، لكن الجمهور والمذهب على أنه لا يعذر، وقالوا: إن الصحابة لم يفرقوا بين العامد وغير العامد، فهو مثل قتل الصيد، فسواء أكان القاتل مخطئاً أم غير مخطئ عامداً أم غير عامد فالكفارة تلزمه. وقالوا: إن المتعمد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥]، وأن الله نص على المتعمد، وجاء في السنة بغير المتعمد. والقول الثاني: أن غير المتعمد معذور في هذا. أما إذا جامع بعد التحلل الأول، أي: بعد أن رمى وحلق وبقي عليه الطواف جامع؛ فنقول: خفت الأحكام عليه: أولاً: لا يفسد الحج، بل الحج صحيح. ثانياً: يجب عليه ذبح شاة. ثالثاً: يجب عليه أن يذهب إلى التنعيم أو إلى عرفة ويحرم؛ لأنه أفسد إحرامه ولم يفسد حجه؛ حتى يأتي ليطوف طواف الإفاضة محرماً بإحرام جديد. ولابد أن نفرق بين هذا وبين الآثار المروية عن الصحابة في ثبوتها، فإنها تحتاج إلى تأمل في أسانيدها. القول الثاني: وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وأخذ بها أيضاً بعض العلماء: أن الناسي معذور؛ لأن النسيان لا حيلة فيه، وكذلك الجاهل إذا كان المسلم يجهل هذا الشيء، والجاهل قد يكون معذوراً، وقد يكون غير معذور، فليس كل جاهل معذوراً، فإذا كان يجهل هذا الشيء فلا بأس، ولا يمكنه السؤال، أما إذا كان متساهلاً لا يسأل عن دينه فلا يعذر على الصحيح. والأقرب أنه إذا كان مثله يجهل أو ناسياً فهو معذور؛ لأن النسيان لا حيلة فيه، والجاهل كذلك معذور، فقد عذره الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة]. وهنا خفت الأحكام، فبدل البدنة شاة، ولا يفسد الحج أيضاً، ولا يقضي؛ لأن الحج صحيح، فيمضي فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحرم من التنعيم، ليطوف محرماً]. يحرم من التنعيم أو من أي مكان خارج الحرم، والتنعيم أقرب قليلاً، وهو خارج الحرم، فيخرج إلى عرفة أو إلى التنعيم؛ لأنه أفسد إحرامه ولم يفسد حجه، فيحرم بإحرام جديد ليطوف به طواف الإفاضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن وطئ في العمرة أفسدها، ولا يفسد النسك بغيره]. يعني: إذا طاف ثم جامع قبل السعي فسدت عمرته، أو سعى وطاف ثم جامع قبل الحلق والتقصير فسدت العمرة، فيكملها، وعليه شاة، وعليه قضاء تلك العمرة الفاسدة. وهذا إذا كان متعمداً، والجمهور على الإطلاق، سواءً كان متعمداً أو ناسياً أو جاهلاً، والصواب كما سبق: أن الناسي معذور، والجاهل الذي مثله يجهل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يفسد النسك بغيره]. ولا يفسد النسك بغير الجماع، يعني: لو حلق رأسه لا يفسد النسك، أو غطى رأسه أو تطيب أو قتل الصيد أو باشر، لا يفسد الحج ولا العمرة إلا الجماع في الفرج، وهو أن يغيب الحشفة في الفرج قبل التحلل الأول، وما عداه من محظورات الإحرام إن ارتكبها فإنه يأثم، وعليه فدية إذا كان متعمداً، ولكن لا يفسد النسك حجاً أو عمرة. فحلق الشعر، وتغطية الرأس، والطيب، والمخيط، والمباشرة، وعقد النكاح، والصيد، كل هذه لا تفسد الحج ولا العمرة، ولكن عليه فدية. وإذا فسد الحج بالجماع فإنه يكمل الحج ولا يحتاج إلى إحرام، فما دام الحج فاسداً لا يفيده الإحرام ويتم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، لا بد من الإتمام به، لكن ذهب ابن حزم إلى أنه يخرج منه، قال: إنه فاسد والله تعالى لا يصلح عمل المفسدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] فيخرج، وجمهور العلماء يرون أنه يتم، ومن الصحابة من أفتوا بهذا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمرأة كالرجل، إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط]. بمعنى: أنها لا تغطي الوجه بمخيط كالبرقع والنقاب، ولكن لها أن تغطي الوجه بالخمار. وقول: (إحرام المرأة في وجهها، والرجل في رأسه) بعضهم نسب هذا إلى النبي ﷺ ، وهذا ليس بصحيح، وإنما هذا مروي عن ابن عمر أو غيره. والأقرب أن وجه المرأة ليس كرأس الرجل، وإنما هو كالبدن، كما أن الإنسان يغطي بدنه، فالمرأة تغطي وجهها بالخمار، لكن لا تغطيه بالمخيط وهو البرقع والنقاب، كما أنها تغطي يديها بثيابها، ولا تغطي يديها بقفازيها؛ لأنه مخيط على قدر اليدين، فوجهها ويداها لا يغطيان بالمخيط، ولكن يغطيان بغير المخيط على الصحيح. ويدل على هذا حديث عائشة: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا)، لكن تغطي الوجه واليدين بغير المخيط. كذلك تغطي المرأة رأسها، ولها لبس المخيط، بخلاف الرجل لا يلبس المخيط ولا يغطي رأسه. فلا تغطي المرأة وجهها بالنقاب ولا البرقع، وتكتفي بالخمار، لأن النقاب يكون من المخيط الذي فصل على قدر الوجه؛ لقول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).

стр. 413

الأسئلة

стр. 414

هل إحرام المرأة في وجهها ؟ السؤال ما صحة قول: إن إحرام الرجل في رأسه والمرأة في وجهها؟ الجواب بعضهم ذكره في شرح الزاد وساق حديث: (إحرام الرجل في رأسه والمرأة في وجهها) وهذا كلام باطل وليس بحديث. والصواب: أن وجهها ليس كرأس الرجل، وإنما هو كبدن الرجل، كما أن الإنسان يغطي بدنه بالثياب فإن المرأة تغطي رأسها ووجهها بالخمار.

стр. 415

حكم من جامع أثناء إحرامه بالعمرة السؤال إذا وقع الجماع في العمرة هل عليه بدنة؟ الجواب أفسد العمرة، وعليه شاة، ويتم العمرة، وعليه قضاؤها.

стр. 416

حكم من فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً السؤال من فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً هل عليه شيء في ذلك؟ الجواب الجمهور يرون أنه عليه دم ولا يعذر. القول الثاني: أنه يعذر الناسي والجاهل، وهو الصواب، وروي عن الإمام أحمد ورجحه الشيخ تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية. والنسيان لا حيلة له، إذا أكل وهو ناسي في الصيام فصومه صحيح، ومثله إذا جامع على الصحيح، لقوله ﷺ : (من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه). فبعض العلماء قال: لا يعذر في الجماع، ولو كان ناسياً يبطل صومه. والصواب: أنه مثل الأكل، ومثله في الحج، فالنسيان لا حيلة فيه. وكذلك الجاهل، وله أقسام: فهناك جاهل يمكن أن يفهم ويتعلم فلا يجهل، فهذا غير معذور. القسم الثاني: جاهل يريد أن يسأل لكن لم يجد أحداً، فهذا معذور. الثالث: جاهل لا يريد أن يسأل مطلقاً، وهذا غير معذور، حتى لولم يجد؛ لأنه ليس عنده إرادة. فالجاهل الذي لا يريد أن يسأل غير معذور، والجاهل الذي يمكنه أن يتعلم غير معذور، والجاهل الذي يريد أن يسأل ولم يجد ولا يمكنه أو لم يخطر بباله هذا الشيء؛ فهذا معذور في هذه الحالة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، أما قول بعض أهل العلم: إن الجاهل والناسي والعامد ليس عليه شيء، فهذا فيه نظر.

стр. 417

ما يقول من أراد الحج عن غيره السؤال إذا أردت الحج أو العمرة عن شخص ماذا أقول؟ الجواب تقول: لبيك حجاً عن فلان، أو كما سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة قال: من شبرمة؟! قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟! قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة).

стр. 418

حكم من قتل الصيد متعمداً السؤال ما حكم من قتل الصيد متعمداً حال الإحرام؟ الجواب الآية نصت على المتعمد، والسنة جاءت بغير المتعمد، فقالوا: من قتل الصيد متعمداً فعليه الجزاء بالكتاب، ومن قتله غير متعمد فعليه الجزاء بالسنة، هكذا يقولون.

стр. 419

حكم التسمية بـ (ملاك) السؤال ما حكم تسمية الابن بملاك؟ الجواب الظاهر أنه لا حرج في هذا للذكر، لكن لو تسمت امرأة بهذا فإنه يمنع؛ لأن ملاك لغة في الملائكة؛ فهذا في تسمية الأنثى ممنوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧]، أما إذا تسمى الرجل بملاك فلا بأس.

стр. 420

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٤] الدماء الواجبة في الحج خمسة: - الدم الواجب على المتمتع والقارن ومن ترك نسكاً. - الدم الواجب بالحلق والترفه. - الدم الواجب على المحصر إذا لم يشترط عند الإحرام. - الدم الواجب على من قتل صيداً. - الدم الواجب على الوطء.

стр. 421

الفدية في الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الفدية. وهي على ضربين: أحدهما على التخيير]. الفدية: ما يفتدي به الإنسان عن نفسه بسبب فعل محظور أو ترك واجب، فيفدي به الإنسان نفسه من المعصية التي وقع فيها من عذاب الله، ويقدم فدية حتى تكفر عنه هذه المعصية التي ارتكبها، أو إذا احتاج إلى فعل محظور فيقدم فدية حتى يسقط عنه الإثم. وقوله: (أحدهما على التخيير) هي نوعان: الأول: على التخيير والثاني: على الترتيب، التخيير: أن يخير بين اثنين فأكثر، والترتيب يكون واحداً بعد واحد. مثال التخيير في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، تخيير بين الصيام والصدقة والنسك. والترتيب مثل كفارة اليمين، حيث خير بين ثلاثة أشياء ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩].

стр. 422

فدية التخيير وما يقاس عليها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي فدية الأذى واللبس والطيب فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين أو ذبح شاة]. وسميت بفدية الأذى؛ لأنه يحلق الإنسان الرأس لإزالة الأذى الذي يصيبه، فهذا هو الأصل، فيحلق إذا كان في رأسه أذى من جروح تحتاج إلى مداواة أو قمل أو نحو ذلك، فتسمى فدية الأذى، وهذا هو الأصل في هذا. والأصل فيه قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، هذا الأذى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: فعليه فدية إذا احتاج أن يحلق رأسه لإزالة الأذى الذي أصابه وهو محرم، وهي الصيام أو الصدقة أو النسك، وقد فسرها النبي ﷺ كما في حديث كعب بن عجرة فقال: (حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟) وفي لفظ: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى!) ثم أمره بأن يحلق رأسه ويذبح شاة، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام فقال: (صم ثلاثة أيام، أو انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين) فهذه تسمى فدية الأذى، فإذا كان الإنسان محرماً ويحتاج إلى حلق رأسه لإزالة الأذى سواء كان قملاً أو به جروح تحتاج إلى حلق الشعر؛ حتى يداوي الجرح، فله ذلك وعليه فدية، ولا إثم عليه. أما إذا حلقه من دون حاجة متعمداً فهو آثم وعليه التوبة مع الفدية، وإذا حلقه ناسياً أو جاهلاً فليس عليه فدية. فتكون الأحوال خمسة: الحالة الأولى: أن يحلق شعر رأسه وهو محرم عالماً مختاراً، ذاكراً محتاجاً، فهذا عليه الكفارة وليس عليه إثم. الحالة الثانية: أن يحلق رأسه عالماً مختاراً، ذاكراً بدون حاجة، فهذا عليه الكفارة مع الإثم، وعليه التوبة والاستغفار. الحالة الثالثة: أن يحلق رأسه ناسياً، فهذا لا شيء عليه، لا إثم ولا كفارة. الحالة الرابعة: أن يحلق رأسه جاهلاً، فهذا أيضاً لا شيء عليه. الحالة الخامسة: أن يحلق رأسه مكرهاً، فهذا ليس عليه شيء على الصحيح. والمذهب أن الحلق لا يعذر فيه الناسي ولا الجاهل؛ لأن هذا من باب الإتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد والجهل، والصواب: أن الجاهل والناسي معفو عنهما؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وحديث كعب بن عجرة قاس عليه العلماء تقليم الأظفار، والطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، فإذا كان محتاجاً إلى ذلك فعليه الفدية، وإذا كان غير محتاج فعليه الإثم والفدية، والناسي والجاهل والمكره ليس عليهم شيء. ولبس المخيط وتغطية الرأس خاص بالرجل دون المرأة، فهذه خمسة أشياء، وقيست أربعة منها على حلق الرأس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدهما على التخيير وهي: فدية الأذى واللبس والطيب]. حلق الرأس واللبس والطيب وتغطية الرأس، هذا نقص ويضاف إليها تقليم الأظفار، فتكون خمسة أشياء. وقد ورد في تغطية الرأس قصة الذي وقصته راحلته قال ﷺ : (لا تخمروا رأسه ولا وجهه ولا تحنطوه). وثبت في الطيب ما جاء عن الرجل الذي أحرم ثم لبس جبة مضمخة بالطيب فسأل النبي ﷺ فسكت، ثم نزل عليه الوحي فقال: (انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). لكن العلماء قاسوا الطيب على حلق الرأس من جهة الفدية بجامع الترفه في الكل، فالفدية ما جاءت إلا في حلق الرأس، فقاسوا عليها الطيب من جهة أنه محظور، وهذا النص يثبت أنه من المحظورات، وتقليم الأظفار قيس قياساً على حلق الرأس، ولبس المخيط ورد فيه حديث ابن عمر: (سأل رجل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس) وفي هذا الحديث: (ولا شيئاً مسه زعفران أو ورس)، وتقليم الأظفار هو الذي لم يذكر فيه نص، ويقاس على الحلق بجامع الترفه في الكل. وثبت حديث ينهى من أراد أن يضحي عن تقليم أظفاره عند دخول عشر ذي الحجة، قيل: وهذا فيه تشبه بالحاج، وقيل: لأن الأضحية من أسباب المغفرة، فأمر بأن يترك جميع أجزائه لا يأخذ منها شيئاً؛ حتى يكون مهيئاً للمغفرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة]. قوله: (إطعام ثلاثة آصع) لكل مسكين نصف صاع، ونصف الصاع يقدر بكيلو ونصف، والصاع أربع حفنات كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط، يكون عليه حفنتان، ويفرق العلماء بين البر وغيره، فقالوا: البر يكفيه ربع الصاع حفنة واحدة، والتمر وغيره لا بد من نصف الصاع؛ لأن معاوية ﵁ اجتهد لما وجدت البر فقال: أرى أن نصف الصاع من هذه السمراء يعدل صاعاً؛ فأخذ الناس بقول معاوية، وجعلوا ربع الصاع يقابل نصف الصاع من التمر، والصواب: أنه نصف صاع من الجميع من البر أو التمر أو الأرز من قوت البلد.

стр. 423

جزاء الصيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجزاء الصيد مثلما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته]. يعني: جزاء الصيد إذا صاده وهو محرم مثله إن كان له مثل، وهو ما قضى به النبي ﷺ أو قضى به الصحابة، والنبي ﷺ قضى بالضبع كبشاً، وقضى الصحابة بالحمامة شاة، والنعامة بدنة، واليربوع جفرة، والأيل والتيتل والوعل والبقر الوحشي بقرة؛ لأن فيها نوعاً من الشبه. الحمامة فيها شاة لأنها تشبهها في عب الماء، فما قضى به الصحابة يقال: له مثل، وما لم يقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى قول عدلين، فإذا قتل صيداً وله مثل فإن عليه المثل، وإن شاء قوم المثل بدراهم واشترى بها طعاماً، وأطعم كل مسكين نصف صاع، أو قدرها وصام عن كل مسكين يوماً، هذا إذا كان له مثل، أما إذا لم يكن له مثل فإنه يخير بين الإطعام وبين الصيام، تقدر قيمته ثم يشتري به طعاماً فيطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجزاء الصيد مثلما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته، إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة فيها بدنة]. النعامة قضى فيها الصحابة؛ لأنها تشبهها في طول الرقبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً]. وهذا إذا كان له مثل، فإذا صاد مثلاً حمامة نقول له: عليك شاة؛ لأن الصحابة قضوا بهذا، فأنت مخير بين أن تشتري الشاة وتذبحها وتفرقها على المساكين، ولك الخيار في أن تقدر ثمن الشاة وتشتري بها طعاماً وتطعم كل مسكين نصف صاع، أو تذبح الشاة، فإذا قلنا: تقدر الشاة بخمسمائة ريال فتشتري بخمسمائة ريال براً أو تمراً وتقسمها آصاعاً، فتعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا قدرنا مثلاً الخمسمائة ريال بعشرين صاعاً فيقسم كل صاع على مسكينين فيطعم أربعين مسكيناً. فنقول له: أنت بالخيار: تصوم أربعين يوماً أو تطعم أربعين فقيراً كل واحد نصف صاع، أو تشتري شاة وتذبحها، هذا إذا كان له مثل. وأما الصيد الذي ليس له مثل فإنه يقوم، فتقدر قيمته ويشتري به طعاماً ويطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، فإذا قوم هذا الصيد مثلاً بمائة ريال، فيشتري بمائة ريال طعاماً، ويعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا قال: لا، أريد الصيام، نقول له: لا، قدرنا الآن أن عليك مثلاً ثلاثين صاعاً، لكل مسكين نصف صاع، إذاً: تصوم عن كل مسكين يوماً، فتكون الأيام ستين يوماً وهكذا!

стр. 424

فدية الترتيب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثاني: على الترتيب وهو: المتمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع]. هذا ورد فيه نص من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. فالمتمتع الذي اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه عليه أن يذبح شاة، وهذا الدم يقال له: دم الشكران، بخلاف الدم واجب لترك الواجب أو فعل محظور، يقال له: دم جبران. فإن كان فقيراً لا يجد صام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم العيد، فإن فاتته صام أيام التشريق، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فهذا هو الأصل، وأما ما عداه فهو مقيس عليه كما سيأتي كالدم لفوات الحج، ودم الوطء، كله مقيس عليه، ودم المضطر الذي أحصر. وهذا الهدي يكون على الترتيب أولاً: ذبح شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، والثلاثة الأيام الأولى نص الله أنها في الحج قبل العيد، فإن فاتت صامها أيام التشريق، وإذا كان مريضاً لا يستطيع صيامها يضمها إلى السبعة، وذلك المراد به، أما إذا كان يستطيع فإنه يجب عليه أن يصومها في الحج، لابد أن تكون في الحج سواء بعدما يتحلل من العمرة أو بعدما يحرم بالحج، فإذا أحرم بالحج فيصوم السادس والسابع والثامن. وإذا فاته الصيام كأن يكون معه مال وما وجد هدياً فإنه يصوم أيام التشريق، ويضم الباقي إلى السبعة الأيام فيصومها كلها، وإن خرجت أيام التشريق وما زال يبحث ولم يجد هدياً يصومها كلها بعد الحج، لكن لو قدر أنه عنده نقود ولكن ما وجد إن أمكن أن يصوم قبل ذلك صام، وإن لم يمكن ضمها إلى السبعة.

стр. 425

فدية الجماع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع]. إذا جامع الحاج وهو محرم قبل التحلل الأول عليه بدنة كما سبق وفسد الحج، وعليه المضي فيه، وقضاؤه من العام المقبل، فإن لم يجد البدنة لفقره أو لم يجدها ومعه قيمتها صام عشرة أيام قياساً على هدي التمتع. فإذا جامع امرأته بعد أن رمى وحلق ولم يطف فعليه دم شاة وحجه صحيح، وعليه أن يخرج إلى التنعيم ليحرم من جديد لأنه أفسد إحرامه، أما إذا جامع بعد الطواف فلا.
следующие страницы →