← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الفدية في الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الفدية. وهي على ضربين: أحدهما على التخيير]. الفدية: ما يفتدي به الإنسان عن نفسه بسبب فعل محظور أو ترك واجب، فيفدي به الإنسان نفسه من المعصية التي وقع فيها من عذاب الله، ويقدم فدية حتى تكفر عنه هذه المعصية التي ارتكبها، أو إذا احتاج إلى فعل محظور فيقدم فدية حتى يسقط عنه الإثم. وقوله: (أحدهما على التخيير) هي نوعان: الأول: على التخيير والثاني: على الترتيب، التخيير: أن يخير بين اثنين فأكثر، والترتيب يكون واحداً بعد واحد. مثال التخيير في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، تخيير بين الصيام والصدقة والنسك. والترتيب مثل كفارة اليمين، حيث خير بين ثلاثة أشياء ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩].

стр. 422

فدية التخيير وما يقاس عليها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي فدية الأذى واللبس والطيب فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين أو ذبح شاة]. وسميت بفدية الأذى؛ لأنه يحلق الإنسان الرأس لإزالة الأذى الذي يصيبه، فهذا هو الأصل، فيحلق إذا كان في رأسه أذى من جروح تحتاج إلى مداواة أو قمل أو نحو ذلك، فتسمى فدية الأذى، وهذا هو الأصل في هذا. والأصل فيه قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، هذا الأذى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: فعليه فدية إذا احتاج أن يحلق رأسه لإزالة الأذى الذي أصابه وهو محرم، وهي الصيام أو الصدقة أو النسك، وقد فسرها النبي ﷺ كما في حديث كعب بن عجرة فقال: (حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟) وفي لفظ: (ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى!) ثم أمره بأن يحلق رأسه ويذبح شاة، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام فقال: (صم ثلاثة أيام، أو انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين) فهذه تسمى فدية الأذى، فإذا كان الإنسان محرماً ويحتاج إلى حلق رأسه لإزالة الأذى سواء كان قملاً أو به جروح تحتاج إلى حلق الشعر؛ حتى يداوي الجرح، فله ذلك وعليه فدية، ولا إثم عليه. أما إذا حلقه من دون حاجة متعمداً فهو آثم وعليه التوبة مع الفدية، وإذا حلقه ناسياً أو جاهلاً فليس عليه فدية. فتكون الأحوال خمسة: الحالة الأولى: أن يحلق شعر رأسه وهو محرم عالماً مختاراً، ذاكراً محتاجاً، فهذا عليه الكفارة وليس عليه إثم. الحالة الثانية: أن يحلق رأسه عالماً مختاراً، ذاكراً بدون حاجة، فهذا عليه الكفارة مع الإثم، وعليه التوبة والاستغفار. الحالة الثالثة: أن يحلق رأسه ناسياً، فهذا لا شيء عليه، لا إثم ولا كفارة. الحالة الرابعة: أن يحلق رأسه جاهلاً، فهذا أيضاً لا شيء عليه. الحالة الخامسة: أن يحلق رأسه مكرهاً، فهذا ليس عليه شيء على الصحيح. والمذهب أن الحلق لا يعذر فيه الناسي ولا الجاهل؛ لأن هذا من باب الإتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد والجهل، والصواب: أن الجاهل والناسي معفو عنهما؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولقوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وحديث كعب بن عجرة قاس عليه العلماء تقليم الأظفار، والطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، فإذا كان محتاجاً إلى ذلك فعليه الفدية، وإذا كان غير محتاج فعليه الإثم والفدية، والناسي والجاهل والمكره ليس عليهم شيء. ولبس المخيط وتغطية الرأس خاص بالرجل دون المرأة، فهذه خمسة أشياء، وقيست أربعة منها على حلق الرأس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدهما على التخيير وهي: فدية الأذى واللبس والطيب]. حلق الرأس واللبس والطيب وتغطية الرأس، هذا نقص ويضاف إليها تقليم الأظفار، فتكون خمسة أشياء. وقد ورد في تغطية الرأس قصة الذي وقصته راحلته قال ﷺ : (لا تخمروا رأسه ولا وجهه ولا تحنطوه). وثبت في الطيب ما جاء عن الرجل الذي أحرم ثم لبس جبة مضمخة بالطيب فسأل النبي ﷺ فسكت، ثم نزل عليه الوحي فقال: (انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). لكن العلماء قاسوا الطيب على حلق الرأس من جهة الفدية بجامع الترفه في الكل، فالفدية ما جاءت إلا في حلق الرأس، فقاسوا عليها الطيب من جهة أنه محظور، وهذا النص يثبت أنه من المحظورات، وتقليم الأظفار قيس قياساً على حلق الرأس، ولبس المخيط ورد فيه حديث ابن عمر: (سأل رجل النبي ﷺ : ما يلبس المحرم؟ قال: لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس) وفي هذا الحديث: (ولا شيئاً مسه زعفران أو ورس)، وتقليم الأظفار هو الذي لم يذكر فيه نص، ويقاس على الحلق بجامع الترفه في الكل. وثبت حديث ينهى من أراد أن يضحي عن تقليم أظفاره عند دخول عشر ذي الحجة، قيل: وهذا فيه تشبه بالحاج، وقيل: لأن الأضحية من أسباب المغفرة، فأمر بأن يترك جميع أجزائه لا يأخذ منها شيئاً؛ حتى يكون مهيئاً للمغفرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة]. قوله: (إطعام ثلاثة آصع) لكل مسكين نصف صاع، ونصف الصاع يقدر بكيلو ونصف، والصاع أربع حفنات كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط، يكون عليه حفنتان، ويفرق العلماء بين البر وغيره، فقالوا: البر يكفيه ربع الصاع حفنة واحدة، والتمر وغيره لا بد من نصف الصاع؛ لأن معاوية ﵁ اجتهد لما وجدت البر فقال: أرى أن نصف الصاع من هذه السمراء يعدل صاعاً؛ فأخذ الناس بقول معاوية، وجعلوا ربع الصاع يقابل نصف الصاع من التمر، والصواب: أنه نصف صاع من الجميع من البر أو التمر أو الأرز من قوت البلد.

стр. 423

جزاء الصيد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجزاء الصيد مثلما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته]. يعني: جزاء الصيد إذا صاده وهو محرم مثله إن كان له مثل، وهو ما قضى به النبي ﷺ أو قضى به الصحابة، والنبي ﷺ قضى بالضبع كبشاً، وقضى الصحابة بالحمامة شاة، والنعامة بدنة، واليربوع جفرة، والأيل والتيتل والوعل والبقر الوحشي بقرة؛ لأن فيها نوعاً من الشبه. الحمامة فيها شاة لأنها تشبهها في عب الماء، فما قضى به الصحابة يقال: له مثل، وما لم يقض فيه الصحابة يرجع فيه إلى قول عدلين، فإذا قتل صيداً وله مثل فإن عليه المثل، وإن شاء قوم المثل بدراهم واشترى بها طعاماً، وأطعم كل مسكين نصف صاع، أو قدرها وصام عن كل مسكين يوماً، هذا إذا كان له مثل، أما إذا لم يكن له مثل فإنه يخير بين الإطعام وبين الصيام، تقدر قيمته ثم يشتري به طعاماً فيطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجزاء الصيد مثلما قتل من النعم، إلا الطائر فإن فيه قيمته، إلا الحمامة ففيها شاة، والنعامة فيها بدنة]. النعامة قضى فيها الصحابة؛ لأنها تشبهها في طول الرقبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً أو يصوم عن كل مد يوماً]. وهذا إذا كان له مثل، فإذا صاد مثلاً حمامة نقول له: عليك شاة؛ لأن الصحابة قضوا بهذا، فأنت مخير بين أن تشتري الشاة وتذبحها وتفرقها على المساكين، ولك الخيار في أن تقدر ثمن الشاة وتشتري بها طعاماً وتطعم كل مسكين نصف صاع، أو تذبح الشاة، فإذا قلنا: تقدر الشاة بخمسمائة ريال فتشتري بخمسمائة ريال براً أو تمراً وتقسمها آصاعاً، فتعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا قدرنا مثلاً الخمسمائة ريال بعشرين صاعاً فيقسم كل صاع على مسكينين فيطعم أربعين مسكيناً. فنقول له: أنت بالخيار: تصوم أربعين يوماً أو تطعم أربعين فقيراً كل واحد نصف صاع، أو تشتري شاة وتذبحها، هذا إذا كان له مثل. وأما الصيد الذي ليس له مثل فإنه يقوم، فتقدر قيمته ويشتري به طعاماً ويطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً، فإذا قوم هذا الصيد مثلاً بمائة ريال، فيشتري بمائة ريال طعاماً، ويعطي كل مسكين نصف صاع، فإذا قال: لا، أريد الصيام، نقول له: لا، قدرنا الآن أن عليك مثلاً ثلاثين صاعاً، لكل مسكين نصف صاع، إذاً: تصوم عن كل مسكين يوماً، فتكون الأيام ستين يوماً وهكذا!

стр. 424

فدية الترتيب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الضرب الثاني: على الترتيب وهو: المتمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع]. هذا ورد فيه نص من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. فالمتمتع الذي اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه عليه أن يذبح شاة، وهذا الدم يقال له: دم الشكران، بخلاف الدم واجب لترك الواجب أو فعل محظور، يقال له: دم جبران. فإن كان فقيراً لا يجد صام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم العيد، فإن فاتته صام أيام التشريق، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فهذا هو الأصل، وأما ما عداه فهو مقيس عليه كما سيأتي كالدم لفوات الحج، ودم الوطء، كله مقيس عليه، ودم المضطر الذي أحصر. وهذا الهدي يكون على الترتيب أولاً: ذبح شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، والثلاثة الأيام الأولى نص الله أنها في الحج قبل العيد، فإن فاتت صامها أيام التشريق، وإذا كان مريضاً لا يستطيع صيامها يضمها إلى السبعة، وذلك المراد به، أما إذا كان يستطيع فإنه يجب عليه أن يصومها في الحج، لابد أن تكون في الحج سواء بعدما يتحلل من العمرة أو بعدما يحرم بالحج، فإذا أحرم بالحج فيصوم السادس والسابع والثامن. وإذا فاته الصيام كأن يكون معه مال وما وجد هدياً فإنه يصوم أيام التشريق، ويضم الباقي إلى السبعة الأيام فيصومها كلها، وإن خرجت أيام التشريق وما زال يبحث ولم يجد هدياً يصومها كلها بعد الحج، لكن لو قدر أنه عنده نقود ولكن ما وجد إن أمكن أن يصوم قبل ذلك صام، وإن لم يمكن ضمها إلى السبعة.

стр. 425

فدية الجماع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع]. إذا جامع الحاج وهو محرم قبل التحلل الأول عليه بدنة كما سبق وفسد الحج، وعليه المضي فيه، وقضاؤه من العام المقبل، فإن لم يجد البدنة لفقره أو لم يجدها ومعه قيمتها صام عشرة أيام قياساً على هدي التمتع. فإذا جامع امرأته بعد أن رمى وحلق ولم يطف فعليه دم شاة وحجه صحيح، وعليه أن يخرج إلى التنعيم ليحرم من جديد لأنه أفسد إحرامه، أما إذا جامع بعد الطواف فلا.

стр. 426

دم فوات الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الحكم في دم الفوات]. إذا فاته الحج، وتأخر حتى طلع الفجر يوم العيد فقد فاته الحج، فيتحلل بعمرة وعليه دم لفواته، فيذبح شاة، فإن عدم صام عشرة أيام قياساً عليها.

стр. 427

دم المحصر عن البيت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمحصر يلزمه دم فإن لم يجد فصيام عشرة أيام]. المحصر هو الذي منع من دخول مكة، كما منع النبي ﷺ وأحصر في صلح الحديبية، فإنه يذبح شاة في مكانه ثم يتحلل، فإن لم يجد شاة صام عشرة أيام وهو على إحرامه ثم يتحلل، قياساً على هدي التمتع. والأصل هو دم التمتع والباقي مقيس عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. لكنهم قاسوا الهدي على دم التمتع، وبعض العلماء يرون أن الصحابة لما أحصروا لم يكن معهم كلهم شيء، فقد كانوا فقراء وهم أكثر من أربعمائة، ولا نقل أن أحداً منهم صام، لكن العلماء قاسوها فقالوا: كل جميع الدماء مقيسة على دم التمتع، ودم التمتع فيه الصيام عند العجز، وهذا مقيس عليه، أما النص فلا يوجد نص يدل على ذلك.

стр. 428

أحكام الكفارات إذا اجتمعت أو اختلفت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة]. إذا كرر محظوراً من جنس واحد غير الصيد فالكفارة واحدة، فمثلاً تطيب مرة، ثم تطيب مرة أخرى أربع مرات خمس مرات، فعليه كفارة واحدة من جنس واحد، أو حلق جزءاً من رأسه، ثم حلق الجزء الثاني، ثم حلقه كله فعليه كفارة واحدة؛ لأنها من جنس واحد، إلا الصيد كأن قتل حمامة وغزالاً فهذه أنفس متعددة كل واحدة منها عليه كفارة، لا تتداخل، فإذا صاد حمامة عليه شاة، وإذا صاد نعامة عليه بدنة، فلا يقال: إنها تتداخل؛ لأنها مختلفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كفر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفر عنه]. إذا تطيب ثم كفر فأطعم ستة مساكين، ثم تطيب مرة أخرى، فيجيب عليه فدية أخرى، لكن إذا لم يكفر عن الأولى تداخلت الكفارة، أما إذا تطيب ثم كفر، ثم تطيب فعليه فدية ثانية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن فعل محظوراً من أجناس فلكل واحد كفارة]. إذا كان المحظور من أجناس مختلفة، فكل واحد كفارة، فمثلاً: تطيب، وغطى رأسه، وحلق شعره، وقلم أظفاره، ولبس المخيط، فعليه كفارة متعددة، كل فعل له كفارة؛ لأنها أجناس مختلفة، خمس كفارات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحلق والتقليم والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه]. والحلق والتقليم والوطء والصيد هذه الأربعة لا يعذر فيها الناسي ولا الجاهل، إذا حلق أو قلم أظفاره أو وطئ أو قتل الصيد فإنه لا يعذر في هذا سواء كان ناسياً أو جاهلاً أو عامداً فعليه كفارة، بخلاف الطيب وتغطية الرأس، ولبس المخيط، فهذه يعذر فيها الجاهل والناسي هذا المذهب، والتعليل قالوا: لأن هذا فيه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد والجهل والنسيان. فالشعر فيه إتلاف، وتقليم الأظفار فيه إتلاف، والصيد فيه إتلاف، فلا يعذر الجاهل ولا الناسي ولا العامد. أما ما ليس فيه إتلاف كالطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس، فهذا إن كان متعمداً فعليه الفدية وإن كان جاهلاً ناسياً فإنه يعذر. القول الثاني: أنه لا فرق بين ما فيه إتلاف وما ليس فيه إتلاف، وأنه إذا فعلها ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وهذا هو الصواب. والقول الثاني لأهل العلم أنه لا فرق في ذلك حتى الصيد، وعند الجمهور أن الصيد لا يعذر فيه الناسي، ولا الجاهل، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥]، قالوا: هذا فيه جزاء الصيد المتعمد في القرآن، وثبت في السنة أيضاً أن على غير المتعمد الكفارة، والصواب: أن الناسي والجاهل معفو عنهم، ولا فرق بين ما فيه إتلاف، وما ليس فيه إتلاف. أما المذهب فيفرق بأن ما فيه إتلاف فلا يعذر فيه الناسي والجاهل، وما ليس فيه إتلاف فيعذر فيه الناسي والجاهل، ولا فدية عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسائر المحظورات لا شيء في سهوه]. يعني: غير ما سبق مما ليس فيه إتلاف، مثل: الطيب، وتغطية الرأس، ولبس المخيط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق به]. أي: إذا كان عليه هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم، والمراد بمساكين الحرم: من وجد في مكة من الفقراء الذين لهم أخذ الزكاة، سواء كانوا من أهل البلد أو من غيرهم، حتى ولو من الحجاج القادمين، فمن كان في مكة وهو مستحق للزكاة فإنه يعطى. قوله: (إلا فدية الأذى) وذلك إذا كان في الطريق وهو محرم -قبل أن يصل إلى مكة- احتاج إلى حلق رأسه أو إلى تغطية رأسه؛ لأن الوقت بارد، يغطي رأسه ويدفع الفدية في مكانه، ولا يجوز أن يخرجها في مكة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهدي المحصر ينحره في موضعه]. أي: إذا منع من دخول مكة فإنه يذبح في مكانه؛ لأنه لا يستطيع إيصاله، إلا إذا سمح له أن يدخل إلى مكة ويذبح فيها فلا بأس، فيذبحه في مكانه ثم يتحلل في المكان الذي أحصر فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الصيام فيجزئه بكل مكان]. إذا قيل: عليه صيام فإنه يجزئ في مكة وفي غيرها؛ لأنه لا ينتفع منه أحد، بخلاف الهدي أو الإطعام فإنه يكون في الحرم؛ لأن المراد نفع مساكين الحرم. أما الصيام إذا وجب عليه الصيام فيصوم في أي مكان، أو في الطريق، أو في أي بلده؛ لأنه لا ينتفع منه أحد. فإذا منع المحرم عن البيت لابد أن يذبح ويتحلل قبل أن يلبس ثيابه. وإذا لبس ثياباً غير لبس الإحرام لئلا يمنع وهو محرم في قلبه فإن عليه فدية؛ لأنه متعمد.

стр. 429

ما يستحب فعله عند دخول مكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب دخول مكة. يستحب أن يدخل مكة من أعلاها، ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي ﷺ دخل منه]. يستحب دخول مكة من أعلاها، والمسجد من باب بني شيبة، والخروج من أسفلها؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، فدخل من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، فيستحب للمسلم أن يقتدي بالنبي ﷺ ، فيدخل مكة من أعلاها من جهة الحجون؛ لأنه إذا جاء من جهة الحجون يكون مقابل الكعبة من أمامها، وهو الذي كان يأتيه حجاج نجد، ويخرج من أسفلها وهذا من باب الاستحباب، وأعلاها يقال له: كَدى بالفتح، وأسفلها يقال له: كُدى، وأهل مكة يقولون: افتح وادخل واضمم واخرج، افتح وادخل: كَدى، واضمم واخرج: كُدى؛ لأن النبي ﷺ دخلها من كَدى وخرج من كُدى، وهذا من باب الاستحباب، وإلا فلو دخل من أي جهة فلا حرج. وكذلك دخول المسجد من باب بني شيبة، ويقال له مؤخراً: باب السلام؛ لأنه إذا دخل منه يأتي الكعبة من أمامها مواجهاً لها، ويقابل الحجر، وإن دخل من أي باب فلا حرج عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله، وحمده ودعا، ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً]. وهذا وردت فيه آثار من الصحابة، لكن في ثبوتها نظر، ولكن الثابت: أنه يقدم رجله اليمنى، ويقول الذكر المشروع في دخول المساجد: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. وقول: رب افتح لي أبواب رحمتك، أخذ من عدة آثار، وأما التسمية فإنها وردت في حديث منقطع من رواية فاطمة بنت الحسين عن فاطمة بنت النبي ﷺ ، فاطمة الصغرى، وفاطمة الكبرى، وهي لم تسمع منها، فهو منقطع، لكن يدل على التسمية الأدلة العامة في الحث على قول باسم الله عند كل أمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً]. وكذلك إذا كان متمتعاً، فالمعتمر هو الذي أتى بعمرة وحدها في أي وقت يبدأ بطواف العمرة، وطواف القدوم يكفي عنه طواف العمرة في هذه الحالة، كما لو جاء وقد أقيمت الصلاة في الفريضة، فأداء الفريضة تكفي عن تحية المسجد، كذلك طواف العمرة يكفي عن طواف القدوم، هذا إذا كان معتمراً. وكذلك إذا كان متمتعاً -وهو الذي أتى بالعمرة ويريد أن يحج من عامه- فطوافه يكون للعمرة، ولا يحتاج لأن يطوف طواف القدوم، فلا يطوف طوافين أحدهما للقدوم والثاني للعمرة، يطوف طواف العمرة فيكفي عن القدوم. أما إذا كان مفرداً أو قارناً -والمفرد: هو الذي لبى بالحج وحده، والقارن: هو الذي لبى بالحج والعمرة معاً- فهذا يطوف طواف القدوم، وهو سنة وليس بواجب. أما طواف الحج بالنسبة للقارن فإنه يكون يوم العيد، وهو طواف الإفاضة، ويكون طوافه الأول سنة للقدوم. أما المعتمر فطوافه فرض؛ لأن عليه طوافين وسعيين، طواف للعمرة وسعي للعمرة، وطواف للحج وسعي للحج. أما المفرد والقارن ما عليهما إلا طواف واحد وسعي واحد، فلهذا كان الطواف الأول للقدوم. وأما تحية الكعبة فهي الطواف، وتحية المسجد صلاة ركعتين، فإذا أراد أن يطوف طاف، وإذا لم يرد الطواف صلى ركعتين، وجلس كسائر المساجد.

стр. 430

صفة الطواف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيضطبع برادئه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر] والاضطباع يكون في طواف القدوم، وهو أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيكون كتفه الأيمن مكشوفاً، فهذا سنة في جميع السبعة الأشواط، وهو أول طواف يقدم به مكة، فيسن فيه الاضطباع سواء كان طواف العمرة أو طواف القدوم. والسنة الثانية في هذا الطواف: الرمل، ومعناه: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا، لكن الرمل لا يكون إلا في الثلاثة الأشواط الأولى فقط، وأما الأربعة الأخيرة فلا يرمل، وإنما يمشي مشياً، فهما سنتان في أول طواف يقدم به مكة لحج أو لعمرة. وما عدا الطواف الأول فلا تشرع هاتان السنتان، لا في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، ولا في طواف التطوع، فلا اضطباع ولا رمل. وبعض الحجاج تجده يضطبع من أول ما يحرم حتى يحل إحرامه، وهذا غلط؛ لأن هذا الفعل فيه إضاعة للسنة، فتجده في عرفة مضطبعاً كاشفاً للكتف، وفي منى مضطبعاً، وفي السعي مضطبعاً، وفي جميع أحواله حتى يحل إحرامه! وهذا من جهلهم! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه ويقبله ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ]. أول ما يبدأ بالطواف يبدأ بالحجر الأسود فيمسحه بيده اليمنى ويقبله بشفتيه ويقول: باسم الله والله أكبر، هذا مستحب. فالاستلام هو المسح، والتقبيل: التكبير، فلو ترك فلا حرج، لكن هذا مستحب، فيستلمه ويقبله، فإن شق عليه التقبيل من الزحام استلمه بيده وقبل يده، فإن شق عليه استلمه بعصا وقبله، فإن شق عليه أشار إليه بيده وكبر. ويقول في بداية الطواف: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ، وهذا مستحب، فالاستلام والتقبيل والتكبير والدعاء كلها أمور مستحبة، ولو تركها فلا حرج. والطواف له شروط فمن شروطه أولاً: النية، ينوي بقلبه أن هذا طواف القدوم، أو هذا طواف العمرة، أو طواف الحج، لا بد من النية؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فلو لم ينو ما صح الطواف، ولا يتلفظ بالنية كما يفعله بعض الناس من التلفظ بالنية من قولهم: اللهم إني نويت أن أطوف بالبيت سبعة أشواط طواف القدوم أو طواف العمرة أو طواف الوداع، التلفظ هذا بدعة ليس له أصل، وإنما النية محلها القلب، فينوي أن هذا طواف القدوم، وهذه النية لا بد منها فهي شرط، فإن لم ينو لم يصح الطواف. الشرط الثاني: أن يكون مستور العورة، فإن كان مكشوف العورة لم يصح الطواف. الشرط الثالث: أن يكون متطهراً من الحدث الأكبر والأصغر. الشرط الرابع: أن يجعل البيت عن يساره فإن جعله عن يمينه لم يصح. الشرط الخامس: أن يوالي بين الأشواط السبعة، فإن فصلها لم يصح إلا بفاصل يسير كما لو أقيمت الصلاة فإنه يصلي ثم يواصل من حيث وقف. الشرط السادس: أن يطوف من وراء الحجر، فإن دخل بين الحجر وبين الكعبة لم يصح الطواف. الشرط السابع: أن يستوعب الأشواط السبعة كلها، فإن ترك ولو شيئاً يسيراً منها لم يصح. الشرط الثامن: ألا يطوف على الشذروان وهو ما فضل عن جدار الكعبة. هذه كلها شروط لا بد منها ولا يصح الطواف إلا بها. وما عدا ذلك فهو: إما سنن أقوال وإما سنن أفعال. فسنن الأفعال: مثل استلام الحجر وتقبيله، والاضطباع، والرمل، كل هذه سنن. وسنن الأقوال: مثل التكبير، وكذلك الإشارة إلى الحجر الأسود في كل مرة مع التكبير، وقول: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ، والقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، والذكر أثناء الطواف أو تلاوة شيء من القرآن، كل هذا مستحب، المهم الإتيان بهذه الشروط الثمانية، فإن أتى بهذه الشروط صح الطواف وإلا لم يصح، ولو طاف الأشواط السبعة وهو ساكت لم يتكلم صح طوافه، لأن الأذكار مستحبة، ولو لم يضطبع أو لم يشر أو لم يرمل، صح، المهم الإتيان بهذه الشروط. وهناك بعض الناس قد يكون معه نساء فيستدبر الكعبة من أجل الحفاظ على النساء في الزحام، وهذا لا يجوز، لا بد أن يجعل البيت عن يساره؛ لأن هذا شرط، فإذا استدبرها يرجع في الجزء الذي استدبره، فإن لم يرجع لم يصح الطواف، ولا يجوز أن يستدبر الكعبة، فيرجع إلى المكان الذي استدبر الكعبة فيه. وأما بالنسبة للإشارة والتكبير فيشير بيده ويكبر وهو ماش ولا يحتاج أن يقف مثلما يفعل بعض الجهال، يقف على الخط، ويكبر عشر تكبيرات أو عشرين تكبيرة فيحبس الناس ويؤذيهم! وأما بالنسبة للرمل فهذا حصل في عمرة القضاء، أمرهم النبي ﵊ أن يرملوا من الحجر الأسود إلى أن يصلوا الركن اليماني، فإذا وصلوا مشوا؛ وذلك لأن كفار قريش كانوا من جهة الحجر يرونهم، فإذا جاءوا إلى الركن اليماني اختفوا عنهم، فأمرهم النبي أن يمشوا ما بين الركنين حتى لا يشقوا على أنفسهم؛ وذلك لأن كفار قريش قالوا: يقدم عليكم محمد وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يروا من أنفسهم القوة، فنظروا إليهم وهم يرملون فقالوا: انظروا إليهم ينقزون نقز الغزلان، ثم بعد ذلك في حجة الوداع أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا من الحجر إلى الحجر، واستقرت السنة في أن الرمل يكون في جميع الأشواط حتى ما بين الركنين. كذلك إذا سقط عنه الإزار فإذا أخذه بسرعة وستر عورته يعيد الشوط، وإذا طال الفصل وهو مكشوف العورة فإنه يعيد الطواف من جديد. أما الوضوء للطواف فقد جاء اشتراط الطهارة في الطواف من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه). والأحناف يرون أنه واجب، وبعضهم يرى أنه سنة، ويميل إلى هذا شيخ الإسلام ﵀، لكن المعتمد الآن أنه شرط؛ لأن النبي ﷺ توضأ، وطاف بالبيت على طهارة، وقال: (خذوا عني مناسككم) وقال: (الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه)، وإن كان فيه كلام عن ابن عباس في رفعه ووقفه، ولذلك إذا انتقض وضوءه فإنه يذهب يتوضأ ويعيد الطواف من جديد كما لو أحدث في الصلاة فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة من جديد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره فيطوف سبعاً]. وهذا شرط يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره. وقوله: (سبعاً) هذا شرط، أن يستوعب سبعة أشواط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر] هذا الرمل سنة، والرمل: هو إسراع المشي مع مقاربة الخطا، وإذا دار الأمر بين أن يقرب من الكعبة ولا يرمل، أو يبعد من الكعبة ويرمل، فأيهما يقدم؟! إذا كان بعيداً عن الكعبة استطاع أن يرمل، وإذا قرب ما استطاع، فأيهما يقدم؟! أن يقرب من الكعبة ولا يرمل أو يبعد من الكعبة ويرمل؟! الصواب: أنه يبعد ويرمل؛ لأن الرمل سنة تتعلق بالطواف أي: بذات العبادة، والقرب من الكعبة سنة تتعلق بمكان العبادة، والمحافظة على سنة تتعلق بذات العبادة مقدمة على المحافظة على ما يتعلق بمكان العبادة. فالقاعدة تقول: المحافظة على سنة تتعلق بذات العبادة مقدم على المحافظة على سنة تتعلق بمكان العبادة. [يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر]. هذه السنة كما أمر النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع وفي عمرة القضاء أن يرملوا إلا ما بين الركنين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويمشي في الأربعة الأخرى، وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل]. قوله: (استلمهما) يعني: المسح باليد اليمنى. قوله: (وكبر) قال: الله أكبر. أما التهليل فلا أذكر في هذا سنة؛ لأن ابن عمر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في طوافه، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله). وروى البخاري عن ابن عباس قال: (طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الركن أشار إليه وكبر). فلا يوجد تهليل في هذه الأحاديث، فالسنة أنه يستلمه ويكبر، فإذا لم يستلمه بيده يستلمه بعصا ويكبر، وإذا لم يتمكن يشير إليه إشارة ويكبر. والركن اليماني يستلمه ويكبر إذا أمكن، وإذا لم يمكن فلا يكبر على الصحيح. والرواية الأخرى: أنه يكبر، والصواب: أنه لا يكبر إلا إذا استلم الركن اليماني، وإذا لم يستلمه مشى وتركه، فهذا هو الصواب. أما الحجر فإنه يستلمه ويكبر، فإن لم يتمكن من استلامه أشار إليه وكبر، فهذا خاص بالحج على الصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]]. وهذا مستحب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويدعو في سائره بما أحب]. وكل هذا من المستحبات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام]. هذا هو السنة، إذا انتهى صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر؛ اقتداءً بالنبي ﷺ ، يقرأ فيهما الفاتحة في الأولى وبعدها سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، والركعة الثانية: يقرأ الفاتحة وسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فسورة الكافرون والإخلاص شعار بأن الإنسان إنما يطوف بالكعبة امتثالاً لأمر الله، فهو يعبد الله ولا يعبد الكعبة ولا غيرها، وإذا نسي الركعتين فلا حرج لأنهما مستحبتان. وأما السترة في مكة فلا يوجد دليل على تخصيص مكة، ولهذا بوب البخاري في الصحيح فقال: باب: السترة بمكة وغيرها، فلا يوجد دليل

стр. 431

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٥] أعمال الحج هي: الإحرام يوم التروية والمبيت بمنى والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي جمرة العقبة يوم العيد والذبح والحلق وطواف الإفاضة والسعي ثم المبيت بمنى ليالي التشريق ورمي الجمار الثلاث بها من بعد الزوال ثلاثة أيام لمن تأخر ويومين لمن تعجل، ثم طواف الوداع.

стр. 432

صفة الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب صفة الحج. وإذا كان يوم التروية فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]. إذا كان اليوم الثامن أحرم من أراد الحج من أهل مكة من منازلهم، ويستحب لهم الاغتسال، وكذلك من أحل من عمرته من المتمتعين فإنهم يحرمون من مكة في اليوم الثامن بعد طلوع الشمس، ويسن لهم الاغتسال والتنظيف والتطيب، ثم يلبسون ثياب الإحرام، ثم يحرمون بالحج ويلبون ويخرجون إلى منى. فهذه هي السنة للمحلين من المتمتعين ولأهل مكة ممن أراد الحج؛ فكلهم يحرمون في اليوم الثامن ويتوجهون إلى منى. وأما من كان قارناً أو مفرداً فإنه يتوجه إلى منى ملبياً مع الناس مشتملاً لإحرامه؛ لأنه لم يتحلل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان يوم التروية]. وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي يوم التروية لأنهم يستعدون ويتأهبون بالماء فينقلونه إلى منى للاستعداد، وكذلك ينقلون الماء إلى عرفات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين]. السنة الخروج إلى منى وليس إلى عرفات في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويبيت فيها تلك الليلة، فإذا طلعت الشمس من يوم عرفة صار إلى عرفة. قوله: (وخرج إلى عرفات) الخروج إلى عرفات يوم التروية خلاف السنة، المؤلف اختصر السنة، والسنة أنهم يتوجهون إلى منى، ثم يبيتون بها تلك الليلة، ثم إذا طلعت الشمس صاروا إلى عرفة، ثم ينزل بنمرة إن تيسر له -وهي على حدود عرفة من جهة الغرب- إلى الزوال، لأن النبي ﷺ ضربت له قبة فيها، فإذا زالت الشمس توجه إلى المصلى، والمصلى: هو عرنة، وهو المكان الذي فيه المسجد الآن في بطن الوادي، خطب النبي ﷺ الناس على بعيره في بطن الوادي، ثم لما خطب أمر بلالاً فأذن، ثم أقام وصلى الظهر ركعتين يسر فيهما، ثم قام فصلى العصر ركعتين يسر فيهما، ثم بعد الصلاة توجه إلى عرفة فدخلها. إذاً: النبي ﷺ نزل في ثلاثة مواضع: نزل بنمرة قبل الزوال من جهة الغرب، وهو مكان على حدود عرفة. ثم ركب ناقته عندما زالت الشمس فخطب بالناس في بطن عرنة، وصلى بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، بأذان وإقامتين، وكان ذلك اليوم يوم جمعة، لكنه لم يصليها جمعة ﵇؛ لأنه مسافر والمسافر ليس عليه جمعة؛ ولذلك لم يجهر بالقراءة بل أسر بها، وليست الخطبة خطبة جمعة، فلو كانت خطبة جمعة لكانت بعد الأذان، لكن الخطبة كانت قبل الأذان، هذه تعتبر خطبة عرفة لا خطبة الجمعة، فلما انتهت الخطبة أمر المؤذن فأذن ثم أقام الصلاة فصلاها ظهراً ركعتين ولم يصلها جمعة، ثم جمع العصر معها، ولو كانت جمعة ما جمع معها العصر، كل هذا يدل على أنه لم يصلها جمعة، فالخطبة قبل الأذان، والقراءة سرية، وجمع معها العصر. ثم لما صلى الظهر والعصر ركب ناقته ﵊ فدخل عرفة ووقف بها، وجاء خلف الجبل المسمى جبل هلال وهو المسمى بجبل الرحمة، ووقف تحت الصخرة وجعل حبل المشاة بين يديه، مستقبلاً القبلة ﵊، فهو مستقبل الجبل، والجبل إلى جهة القبلة، فكل هذه السنن فاتت على المؤلف ﵀، فقد ذكر أن النبي ﷺ ذهب إلى عرفات. أما بالنسبة للقصر فإن النبي ﷺ صلى بأهل مكة قصراً وغيرهم، فاختلف العلماء: هل هو قصر للسفر أم أنه للنسك، على قولين، والحنابلة يرون أن أهل مكة يتمون؛ لأن المسافة ليست مسافة سفر. والصواب: أنهم يقصرون؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بالحجاج جميعاً أهل مكة وغيرهم، ولم يقل: أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر، وإنما قال هذا في جوف مكة في غزوة الفتح لما صلى بهم، قال لهم: (أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر). أما في حجة الوداع فلم يقل لهم: أتموا، بل صلى بهم قصراً وصلى خلفه الحجاج من أهل مكة وغيرهم، فهذا هو الصواب.

стр. 433

ما يفعله الحاج يوم عرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين، ثم يروح إلى الموقف، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة]. لقول النبي ﷺ : (وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف، فارفعوا عن بطن عرنة) وهو بطن الوادي الذي فيه الآن المسجد، وقد وسع المسجد أخيراً فصار مؤخر المسجد من عرفة ومقدمه ليس من عرفة، ويوجد فاصل في الوسط ولوحات تبين للحجاج، لأن بعض الحجاج قد يجلس في المسجد إلى غروب الشمس، والذي يجلس في مقدم المسجد ولا يدخل عرفة ما صح وقوفه، بل لا بد أن يدخل عرفة بعض الوقت، فإذا دخل بعض الوقت أدرك الحج، ولكن إذا خرج قبل غروب الشمس فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، ويستحب أن يقف في موقف النبي ﷺ أو قريباً منه على الجبل قريباً من الصخرات]. الصواب: عند الجبل، أي: يقف عند الصخرات، ويجعل حبل المشاة بين يديه، وحبل المشاة: هو طريق المشاة في الأسفل، ولا يصعد الجبل كما يفعل بعض الجهال، وبعضهم يصلي فيه، وبعضهم يكتب كتابات أو يأخذ شيئاً منه، كل هذا من البدع التي لا أصل لها، والنبي ﷺ ما وقف على الجبل، وإنما وقف أسفل الجبل خلف الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة إلى الجبل. فالوقوف يجب أن يكون داخل حدود عرفة، فإذا خرج ورجع ليس عليه شيء، لكن لا بد أن تغرب الشمس وهو في عرفة، فإذا غربت الشمس وهو ليس فيها فعليه دم، وعند الحنابلة يرجع فإذا رجع في الليل سقط عنه الدم، لأنه جمع جزءاً من الليل وجزءاً من النهار. القول الثاني: لا يكفيه الرجوع في الليل، لا بد أن يبقى، فإن لم يبق فعليه دم. فالوقوف يبدأ من زوال الشمس إلى غروب الشمس، والمتأخر يستمر في الوقوف إلى طلوع الفجر، فهذا هو المشهور عند جمهور علماء. وذهب الحنابلة إلى أن الوقوف يبدأ من طلوع الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر، واستدلوا بقول النبي ﷺ لـ عروة بن مضرس أنه لما جاء إلى النبي ﷺ وهو في مزدلفة فأدركه في صلاة الفجر وقال: (إني أتعبت راحلتي، والله! ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟!)، كان يبحث عن عرفة، وأدرك النبي ﷺ وهو يصلي في مزدلفة، فقال النبي ﷺ : (من أدرك صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه) استدل الحنابلة بقوله: (ليلاً أو نهاراً)، على أن الوقوف يبدأ من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر. والجمهور يرون أنه يبدأ من زوال الشمس وقالوا: إن فعل النبي ﷺ هو الذي بين معنى الحديث، وأن الوقوف لا يبدأ إلا بعد زوال الشمس. وتظهر فائدة الخلاف بين الحنابلة والجمهور لو جاء إنسان ووقف وقت الضحى في عرفة، ثم خرج منها ولم يرجع فهل له حج أم ليس له حج؟ فعند الحنابلة يعتبر قد أدرك الحج، وعند الجمهور فاته الحج؛ لأنه ما جاء في وقت الوقوف، وهو لا يبدأ إلا بعد الزوال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يقف في موقف النبي ﷺ أو قريباً منه عند الجبل قريباً من الصخرات ويجعل حبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة ويكون راكباً]. إن تيسر له أن يكون في موقف النبي ﷺ ، وإلا استقبل القبلة في أي مكان من أرض عرفة، فيستقبل القبلة، ويكثر من الدعاء، ومن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. ويكثر من الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله؛ لأنها عشية عظيمة ينزل فيها الرب إلى السماء الدنيا ويضاهي بهذا الموقف ملائكته فيقول: (يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق! أشهدكم أني قد غفرت لهم)، فهي عشية عظيمة ينبغي على المسلم أن ينتهزها، فإن تيسر له أن يكون في موقف النبي ﷺ وإلا استقبل القبلة، وغالباً لا يتيسر الآن؛ لأن حول الجبل زحام شديد يتجمع الجهال من الناس فيصعدون الجبل، ولا يجد الإنسان له مكاناً هناك، فيتجه للقبلة ويستقبلها في أي مكان. قوله: (راكباً) لأن النبي ﷺ وقف راكباً على ناقته، وهذا على حسب الحال، إن كان وقوفه على دابة أو على السيارة أحسن له وأعون له على الدعاء، وأبعد من زحام الناس فلا بأس، وإلا وقف جالساً في أي مكان يستقبل القبلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير]. وهذا سنة، كما جاء في حديث أنس: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). وقال: (خير الدعاء دعاء عرفة). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله إلى غروب الشمس]. هذا هو السنة، أن يجتهد ويكثر من الدعاء، اقتداءً بالنبي ﷺ ، وانتهازاً للوقت الشريف الفاضل.

стр. 434

الدفع إلى مزدلفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين]. يقال: مزدلفة ويقال: مزتلفة، بالتاء والدال؛ لأن الناس يزدلفون إليها أي: يأتون، ويقال لها: جمع؛ لأنها تجمع الناس، فهي تجمع الناس ويزدلفون إليها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [على طريق المأزمين وعليه السكينة]. أي: مضيق الوادي بين الجبلين، يعني: بين الجبلين اللذين بين مزدلفة وعرفة. والسنة الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، والإكثار من التلبية حين الدفع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار ويكون ملبياً شاكراً لله ]. بأن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ويكثر من الذكر كما كان في عرفة، فيستغل الوقت ويكثر من التلبية والذكر والدعاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما]. السنة أن الحاج إذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قصراً وجمعاً بأذان وإقامتين، يؤذن ثم يقيم فيصلي المغرب ثلاث ركعات، ثم ينيخ الجمال، فالنبي ﷺ أمر بأن تناخ الجمال ثم قام فصلى العشاء ركعتين، ثم حط الرحال، فالسنة أن الصلاة قبل حط الرحال، لكن الإبل والدواب ينيخها بعد صلاة المغرب حتى تستريح ويحط الرحل بعد صلاة العشاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما، ثم يبيت بها، ثم يصلي الفجر بغلس]. هذا هو السنة، أن الحاج يبيت بعد الصلاة ولا يسهر، حتى يكون ذلك أعون له على وظائف يوم العيد؛ لأنه بقي معه أربع وظائف يوم العيد: الوظيفة الأولى: رمي جمرة العقبة، والوظيفة الثانية: الذبح أو النحر، الوظيفة الثالثة: حلق الرأس، الوظيفة الرابعة: الطواف والسعي. كل هذه أعمال يوم العيد وهو يوم الحج الأكبر، ولذلك النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ثم نام ﵊ كما في حديث جابر. وظن بعضهم أن النبي ﷺ ما أوتر، وقالوا: إنه ما أوتر في تلك الليلة، لكن هذا مجمل، ومعروف من سنته ﷺ أنه نام ﵊ ليستعين بذلك على أعمال النهار؛ لأنه ﷺ في اليوم الثاني عمل أعمالاً عظيمة: رمى جمرة العقبة، ثم نحر بدنه، نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده الشريفة ﵊، ونحر علي ما غبر وهي سبع وثلاثون، ثم حلق رأسه، ثم أفاض فطاف وسعى، كل هذا قبل الظهر، ثم أدرك صلاة الظهر في المسجد الحرام فصلى الظهر هناك، ثم رجع إلى منى فصلى بهم الظهر، واختلف العلماء في الجمع بينهما؛ لأنه في حديث جابر أنه صلى في مكة، وفي حديث ابن عمر أنه صلى في منى، والجمع بينهما أن النبي ﷺ أدركته صلاة الظهر في مكة فصلاها، ثم لما رجع إلى منى وجد القوم مجتمعين، فصلى بهم تلك الصلاة، فهي له نافلة ولهم فريضة. فلذلك نام ﵊ من أول الليل حتى يستعين بذلك على أعمال النهار، ثم صلى فجراً بغلس والغلس: هو اختلاط ضياء الصبح بظلام الليل، يعني: في أول وقتها، بعد ما تبين الفجر وانشقاقه؛ حتى يتسع الوقوف بمزدلفة؛ لأنه يسن الوقوف بالمشعر الحرام واستقبال القبلة والدعاء حتى قبل طلوع الشمس، ثم يدفع إلى منى، فصلى الفجر في أول وقتها حتى يتسع وقت الوقوف. وكان النبي ﷺ يصلي الفجر دائماً بغلس، والغلس: هو اختلاط ضياء الصبح بظلام الليل، جاء في الحديث: (وصلاة الصبح كان النبي ﷺ يصليها بغلس) وأنه يصلي معه نساء متلفعات بمروطهن فيخرجن ما يعرفهن أحد من الغلس، لكن بعد تبين الفجر وتحقق طلوعه، ولكن الظلمة تبقى، خلافاً للأحناف الذين يصلون الفجر قرب طلوع الشمس، ويستدلون بحديث: (أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر). والسنة التقديم بالصلاة بعد طلوع الفجر، ولا يزال الغلس بعد الصلاة بنصف ساعة، أو ثلثي ساعة، لكن في مزدلفة صلاها في أول وقتها من أول انشقاق الفجر، وكان قبل ذلك في غير هذا المكان يتأخر بعض الشيء، يأتيه بلال ويؤذنه بالصلاة، ثم يصلي ركعتين، ثم يذهب ويتأخر بعض الشيء، وإن كان يصليها بغلس، لكن في مزدلفة بادر مبادرة شديدة في أول الوقت، حتى قال ابن مسعود ﵁: (ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة في غير ميقاتها إلا صلاته بمزدلفة) يعني: في غير الميقات المعتاد، وليس المراد أنه صلاها قبل طلوع الفجر، والحديث رواه البخاري في الصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو]. المشعر الحرام: جبل صغير، وهو جبل قزح، وقد بني عليه المسجد الآن، فيأتي المشعر ويستقبل القبلة، ويدعو عنده، ومزدلفة كلها مشعر، إن تيسر له أن يأتي الجبل وإلا ففي أي مكان يستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو؛ لأن النبي ﷺ قال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) وقال في عرفة: (وقفت هاهنا -يعني: تحت الصخرات وحبل المشاة بين يديه- وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة)، عرفة واسعة لا تضيق بالناس، ولا ليمكن لأحد ألا يقف في عرفة؛ لأن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم. يبين لهم ﵊ أنه لا يجب الوقوف في هذا المكان خلف الجبل؛ حتى لا يزدحم الناس عليه فقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة)، ولما وقف عند الجبل في مزدلفة قال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) جمع: اسم لمزدلفة، سميت بهذا؛ لأنها تجمع الناس، (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) في أي مكان من أرض مزدلفة لا يشترط أن تذهب إلى الجبل الصغير الذي بني عليه المسجد. ونحر في منى في مكانه قرب جبل مسجد الخيف، نزل فيه النبي ﷺ وقال: (نحرت هاهنا وفجاج مكة كلها طريق ومنحر) في أي مكان ينحر في أرض الحرم، في منى في مكة في مزدلفة أجزأه، لكن الأفضل في منى إن تيسر في داخل حدود الحرم، فلا ينحر في خارجه، فالنحر في عرفة لا يجوز، فلابد أن يكون داخل الحرم، في منى أو مكة أو مزدلفة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيقف عنده ويدعو، ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم! كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩]]. هذا الدعاء إذا ثبت فإنه يستحب، وإذا لم يثبت فيدعو بأي شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقف حتى يسفر جداً ثم يدفع قبل طلوع الشمس]. هذا هو السنة، أنه لا يزال واقفاً في مزدلفة حتى يسفر جداً أي: حتى يظهر الإسفار الشديد، ولكن هذا قبل طلوع الشمس، ثم يدفع؛ لأن النبي ﷺ وقف حتى أسفر، ثم دفع قبل طلوع الشمس، فخالف هدي النبي ﷺ هدي المشركين، وكان هدي المشركين أنهم لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وتشرق على الجبل الذي يقال له: ثبير، فيخاطبون الجبل ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فخالفهم النبي ﷺ فدفع قبل طلوع الشمس. وكان هدي المشركين في عرفة أنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس إذا صارت الشمس على رءوس الجبال كعمائم الرجال دفعوا، فخالفهم النبي ﷺ ولم يدفع حتى غربت الشمس واستحكم غروبها وغاب القرص، فالنبي ﷺ خالف المشركين في الدفع من يوم عرفة، وخالفهم في الدفع من مزدلفة.

стр. 435

الدفع إلى منى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يدفع قبل طلوع الشمس، فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى]. قوله: (فإذا بلغ محسراً) هو وادٍ بين مزدلفة ومنى وليس منها، بين كل مشعرين فاصل، فإذا وصل إلى المحسر أسرع بمقدار رمية بحجر، بمقدار مائة متر أو مائتي متر أو خمسمائة متر، مقدار رمية بحجر، سمي وادي المحسر؛ لأنه يحسر سالكه، ويتعب الإنسان في الرمل. وقيل: إن هذا هو المكان الذي عذب فيه أصحاب الفيل؛ فلذلك أسرع فيه ﵊، كما أنه لما مر بديار ثمود قنع رأسه، وأسرع السير ﵊، فكذلك لما جاء محسراً أسرع فيه بمقدار رمية حجر؛ لأنه مكان العذاب الذي عذب فيه أصحاب الفيل أبرهة وجنوده الذين جاءوا لهدم الكعبة، وكان ذلك العام هو العام الذي ولد فيه النبي ﷺ . والصواب: أن مكان عذاب أصحاب الفيل ليس هنا، وإنما هو في واد يقال له: مغمس، فهذا هو المكان الذي عذب فيه أصحاب الفيل، وإنما هذا أسرع فيه؛ لأنه يحسر سالكه، لا لأنه مكان العذاب. المقصود: أن السنة الإسراع بمقدار رمية حجر، وقد أخبر جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما أتى بطن محسر حرك دابته قليلاً.

стр. 436

أعمال يوم النحر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى، فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف]. هذه هي السنة، أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وهي تحية لمنى، وهي بمثابة صلاة العيد لأهل الأمصار، الحجاج ليس عليهم صلاة عيد، فرمي جمرة العقبة تنوب عن صلاة العيد، ويقطع التلبية إذا بدأ في الرمي. وجمرة العقبة هي آخر الجمار من جهة منى، فأول ما يليها الجمرة الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، وهي أول الجمرات من جهة مكة، وهي حد منى وليست من منى. قوله: (كحصى الخذْف)، حصى الخذْف التي تكون بين الأصابع، وهي الحصى الصغيرة التي يخذفها بين أصابعه. فيرمي بسبع حصيات متعاقبات، وقد مر بنا في درس التوحيد في حديث: (إياكم والغلو! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) أن سببه أن النبي ﷺ قال: يا ابن عباس! هلم القط لي حصيات، والنبي ﷺ أمر بأن تلقط له الحصيات وهو في الطريق من مزدلفة إلى منى، وإذا التقطها من مزدلفة أو من منى فلا حرج. وما يفعله بعض الناس يلقط الحصيات قبل الصلاة إذا وصل إلى مزدلفة لا أصل له، الصلاة أول شيء، والفقهاء يقولون: يأخذ من منى سبعين حصاة، والنبي ﷺ أمر بأن تلقط له سبع حصيات في الطريق وهو ماشٍ بالطريق، فلقط له ابن عباس حصيات، حيث قال: (فالتقطت له حصيات مثل حصى الخذف) يعني: أكبر من الحمص قليلاً، مثل بعر الغنم، أو حبة الفول، فلما وضعها النبي ﷺ في يده قال: (نعم بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) يعني: لا تغلو فتأتوا بالحجارة الكبار وترمونها بناءً على أنها أبلغ من الصغار؛ فهذا من الغلو، والحديث عام. ومثلها أيضاً الرمي بالنعال كما يفعل بعض الجهال، وكذلك أيضاً يشتد بعضهم ويغضب فيشتم! كل هذا من الجهل، فهذه مشاعر لإقامة ذكر الله، قال ﵊: (إنما جعل الطواف بالبيت والصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)، ينبغي للإنسان أن يأتي متواضعاً متخشعاً يرميها ويكبر الله ويذكره، لا أن يأتي غضبان يشتم ويلطم، ويضرب بالحجارة الكبار وبالنعال، كل هذا من الجهل. وإذا أخذ الحجارة من المرمى -أي: من الجمرة- هل يصح؟ يلقطها من بعيد أحوط، والفقهاء يقولون: لا يرمي بحجر رمي به؛ لأنه استعمل في عبادة، وإن كان هذا ليس عليه دليل، وإنما يقيسونه على الماء المستعمل، والماء المستعمل الصواب فيه أنه لا حرج فيه، لكن الإنسان عليه أن يحتاط فيأخذ الحجارة من بعيد ولا يأخذها من الحوض، وإذا أخذ الحجارة من مكانه فلا بأس، فلا يأخذ من الحوض أو قريب منه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف يكبر مع كل حصاة، ويرفع يديه في الرمي]. يقول: الله أكبر الله أكبر يكبر مع كل حصاة ويرفع يده بحيث يكون بعيداً ويرميها مع قوله: الله أكبر الله أكبر سبع حصيات متعاقبات، ولا يرميها دفعة واحدة، فإن رماها دفعة واحدة لم يحسب له إلا حجراً واحداً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقطع التلبية بابتداء الرمي]. هذا هو السنة؛ إذا بدأ في التحلل قطع التلبية، كما أن المعتمر إذا بدأ في الطواف قطع التلبية، والحاج إذا بدأ في الرمي قطع التلبية؛ لأنه شرع في التحلل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقطع التلبية بابتداء الرمي، ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة ولا يقف عندها]. كونه يأتيها من بطن الوادي ويستقبل القبلة فيه نظر؛ لأنه إذا استقبل الوادي لا يستقبل القبلة، وإن رماها من الجهة الأخرى فلا بأس، وسميت جمرة العقبة؛ لأن الطريق كانت ضيقة، ثم أزيل الجبل الآن، وكانت لا ترمى إلا من جهة واحدة، والجهة الثانية كان فيها الجبل، وجاء عن عمر أنه رمى الجمرة من فوق الجبل من الجهة الأخرى، فإذا سقطت في الحوض فلا بأس، فيجزئ من أي جهة، المهم أن تكون الحصاة في الحوض. لكن الأفضل أن يرمي من بطن الوادي، وإذا استقبل الوادي ظاهره أنه لا يستقبل القبلة، إنما هذا في الجمرة الأولى، والجمرة الثانية يستقبل القبلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ولا يقف عندها، ثم ينحر هديه ثم يحلق رأسه]. ينحر هديه إذا كان متمتعاً أو قارناً، أو كان معه هدي ساقه من الحل، فينحره بعد الرمي، أما إذا كان مفرداً فليس عليه نحر، ثم يحلق رأسه بعد النحر ويتحلل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره]. والحلق أفضل؛ لقول النبي ﷺ : (اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً) فدعا للمحلقين ثلاثاً، وفي كل مرة يقولون: والمقصرين؟ قال: (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين) في المرة الرابعة، فدل هذا على أن الحلق أفضل. والمرأة تقصر قدر رأس أصبع من كل ضفيرة إن كان لها ضفائر وإلا قصرت من أطراف الشعر، وليست من أهل الحلق، إنما هذا الفعل للرجل، وإن قصر الرجل فلا حرج، لكن الحلق أفضل. وإذا رمى وحلق تحلل التحلل الأول فيلبس ثيابه، والتحلل يكون باثنين: الرمي والحلق، أما النحر فليس من الأمور التي يتحلل بها، والتي يتحلل بها إنما هي الرمي والحلق والطواف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء]. حل له كل شيء إلا النساء، حل له الطيب، ولبس الثياب، وقص الأظافر، إلا الزوجة فلا تحل له حتى يطوف ويسعى إن كان عليه سعي.

стр. 437

الإفاضة إلى مكة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يفيض إلى مكة فيطوف للزيارة، وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج]. هو يقصد طواف الإفاضة، فيسمى طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، ويسمى طواف الحج. فيطوف طواف الإفاضة سبعة أشواط، وهو طواف الحج. وجميع الحجاج يطوفون طواف الإفاضة، لا بد منه، وهو ركن من أركان الحج سواء كان الحاج متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، أما السعي فإنما هو للمتمتعين، والقارن إذا سعى مع طواف القدوم فله ذلك، وإن أخره مع طواف الإفاضة فله ذلك، سعي واحد، أما المتمتع فعليه سعيان سعي مع طواف العمرة، وسعي مع طواف الحج.

стр. 438

السعي بين الصفا والمروة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو ممن لم يسع مع طواف القدوم]. إن كان متمتعاً سعى؛ لأن عليه السعي، وإن كان مفرداً أو قارناً وسعى مع طواف القدوم كفاه، وإن لم يسع مع طواف القدوم سعى بعد طواف الإفاضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قد حل من كل شيء]. أي: حل التحلل الثاني، فإذا طاف وسعى حل التحلل الثاني، وحلت له زوجته، ولو كان بقي عليه يومان من أيام التشريق، ويبقى عليه الرمي والبيتوتة وطواف الوداع، فتحل له زوجته إذا رمى وحلق وطاف وسعى. وهذا مما يبين جهل كثير من الحجاج الآن، إذا رمى وحلق وطاف حلت له زوجته ولو كان في مكة، فبعض الحجاج المساكين من المغاربة وغيرهم يسألون فيقولون: إذا وصلنا إلى بلادنا تنصب لنا الخيام، ونستقبل الناس، ونجلس فيها أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، ولا ندخل بيوتنا، حتى إن الحاج ممنوع من زوجته، ولا يقابل زوجته، فهذه أغلال وآصار! هكذا يفعل بعض الحجاج المغاربة وغيرهم. وهنا مسألة: إذا انتهى الرجل من مناسكه بما فيه الطواف ولم تنته المرأة من طواف الإفاضة إلا قبل سفرهما إلى البلد فهل يحل له أن يجامعها؟ الجواب لا يجوز له وإن حل هو، وهي عليها أن تمتنع منه حتى تطوف.

стр. 439

ما يستحب للحاج فعله بعد الطواف والسعي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه، ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبْعاً وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك]. يشرب من ماء زمزم؛ لأن النبي ﷺ شرب من زمزم، أما هذا الدعاء فإنه يحتاج إلى مراجعة، إن ثبت فيستحب قوله، وإلا فليدع بأي دعاء. وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: (ماء زمزم لما شرب له). يعني: إن شربه وقصد به العلم صار علماً، وإن قصد به الري صار رياً، وإن قصد به الشبع صار شبعاً، قال ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له)، إن صح الحديث. وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثاً من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله؛ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من زمزم) رواه ابن ماجة. وهذا يحتاج إلى مراجعة لسنده، والحديث الأول حسنه الألباني وابن القيم رحمهما الله تعالى.

стр. 440

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٦] أركان الحج: الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة والسعي والحلق، وواجباته الإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الليل والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل والمبيت بمنى والرمي وطواف الوداع. وأركان العمرة: الطواف والسعي والحلق.

стр. 441

ما يفعله الحاج بعد الحل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يفعله بعد الحل. ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها، فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها]. قوله: (ثم يرجع بعد الحل إلى منى) يعني: إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد، ثم ذبح هديه، ثم حلق رأسه، ثم طاف تحلل تحللين، التحلل الأول والتحلل الثاني، ثم يرجع إلى منى. فهذه الوظائف الأربع أداها يوم العيد، فرمى أولاً جمرة العقبة، ثم ذبح هديه إن كان متمتعاً أو قارناً، وإذا كان مفرداً ليس عليه ذبح، ثم حلق رأسه، ثم يفيض إلى مكة فيطوف ويسعى إن كان متمتعاً أو كان مفرداً ولم يكن سعى مع طواف القدوم، فيكون تحلل تحللين. ثم يرجع بعد الحل إلى منى فيجلس بها ثلاث ليال إن تأخر، وليلتين إن تعجل في كل يوم من الأيام الثلاثة، الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، فيرمي الجمار الثلاث بعد الزوال، فيبدأ يرمي الجمرة الصغرى، ثم يرمي الجمرة الوسطى وهي التي بعدها، ثم يرمي جمرة العقبة وهذه ترمى يوم العيد وتكون هي الأخيرة، فهي آخر الجمرات من منى، وأقرب الجمرات إلى مكة، ولا بد من الترتيب، فإن رمى الجمرة الوسطى ثم الصغرى سقط رمي الجمرة الوسطى، فلابد من الترتيب، ولو نكس فرمى جمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الصغرى يحسب له الصغرى، وعليه أن يرمي الوسطى مرة ثانية بعد الصغرى، ثم العقبة الكبرى، والجاهل بالترتيب هنا لا يعذر، لابد أن يرتبها، فإن لم يرتبها وفاتت أيام التشريق عليه دم، والواجبات ليس فيها عذر، فالعذر في المحظورات مثل: حلق الرأس أو لبس الثوب، أما الواجبات فلابد منها، ومن لم يؤديها ولو جاهلاً أو ناسياً فعليه أن يؤديها في وقتها، فإن فات وقتها عليه دم عند أهل العلم. قوله: (ولا يبيت لياليها إلا بها). هذه هي السنة، يبيت الليالي في منى، والمراد بالبيتوتة أن يكون أكثر الليل موجوداً على أرض منى، سواء كان نائماً أو جالساً أو يصلي أو يأكل، فلا يلزمه النوم، فوجوده على أرض منى يكفي، لابد أن يبيت فيها، وهذا واجب على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ رخص للعباس بعدم البيتوتة؛ لأجل سقاية الحاج، ورخص للسقاة والرعاة، والرخصة لا تكون إلا من شيء واجب، فدل على أنه واجب، وهذا هو المذهب. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن المبيت بمنى سنة وليس بواجب، ولا شيء على من تركه، وهو قول لبعض العلماء. والصواب: أنه واجب؛ لأن الرخصة لا تكون إلا من شيء واجب، ولولا أنه واجب لما احتاج العباس أن يستأذن النبي ﷺ ليرخص له، وكذلك السقاة والرعاة، فلما رخص لهم دل على أن غيرهم لا يرخص لهم لوجوبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يبيت لياليها إلا بها فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات يبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم فيقف فيدعو الله، ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها، ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك]. هذه هي السنة، أن يكون الرمي بعد الزوال، فلا يجزئ قبل الزوال، والزوال عند أذان الظهر، فإذا زالت الشمس رمى مرتباً، يبدأ بالجمرة الصغرى، فيرميها مستقبلاً القبلة إن تيسر، وإن لم يتيسر يرميها من أي جهة، سواء كان مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة، والأفضل الأيسر له، فكونك تؤدي العبادة براحة هذا هو الأفضل، فإذا كان الاستقبال فيه مشقة وزحام تذهب إلى الجهة الثانية، والاستقبال مستحب وليس بواجب، ولا بد أن تكون سبع حصيات، وتكون متعاقبة، ويكبر مع كل حصاة، ويرميها رمياً، ولا يضعها وضعاً، لا بد من رمي، فيرى بياض إبطه حين يرميها، لأن الوضع لا يسمى رمياً، وإن رماها كلها مرة واحدة فيعتبر حجراً واحداً، لا بد أن تكون سبع مرات. ثم بعد ذلك يجعلها عن يمينه ويتقدم ويرفع يديه فيدعو، والنبي ﷺ دعا دعاءً طويلاً بمقدار قراءة سورة البقرة، وهذا وقت يكون طويلاً، لكن نحن ضعفاء، فيدعو الإنسان ولو دعاء قصيراً، ولو لمدة دقيقتين أو ثلاث أو خمس دقائق أو أقل، والسنة التطويل، لكن لا نستطيع أن نجلس مثلما جلس النبي ﷺ ، ولا قريباً منه ﵊، فهو دعا دعاءً طويلاً بمقدار قراءة سورة البقرة، يعني: وقت طويل، وهذا صبر عظيم! ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك سبع حصيات متعاقبات، ويستقبل القبلة إن تيسر، وإلا ففي أي جهة، ثم يجعلها عن يساره ويتقدم فيستقبل القبلة، ويرفع يديه ويدعو دعاءً طويلاً بمقدار قراءة سورة البقرة، فالنبي ﷺ فعل هذا، لكن المسلم يفعل ما يستطيع. ثم يرمي جمرة العقبة، وذكر المؤلف أنه يستقبل القبلة، والصواب: أنه لا يستقبل القبلة، وإنما يستقبل الوادي ويجعل العقبة أمامه، ولا يقف عندها ولا يدعو. واختلف العلماء في الحكمة، فقال بعضهم: لأن المكان ضيق، فجمرة العقبة كانت متكئة على جبل، فأزيل هذا الجبل، ولما كان المكان ضيقاً ذهب النبي ﷺ ولم يدع عندها؛ لأنه قد انتهت العبادة، فالجمرة الصغرى والوسطى دعا فيها لأنه ما زال في صلب العبادة، كما لو كان في الصلاة، فلما رمى جمرة العقبة انتهت العبادة فانصرف، كما لو انصرف من الصلاة، وهذا هو الصواب، ولهذا الدعاء في صلب الصلاة أفضل من الدعاء بعد الصلاة. ويفعل هذا الفعل في كل من الأيام الثلاثة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر إن تأخر، وإن تعجل في اليوم الثاني عشر وخرج قبل غروب الشمس سقط رمي يوم الثالث عشر، ويستمر الرمي من زوال الشمس إلى الغروب، فهذا متفق عليه، وأما الرمي في الليل فالمذهب أنه ممنوع. والقول الثاني: أنه لا بأس بالرمي بالليل؛ لأن النبي ﷺ حدد أول الرمي ولم يحدد آخره، وعلى هذا فيستمر الرمي من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وتكون الليلة تابعة لليوم الثاني، ليلة الحادي عشر تابعة لليوم العاشر يوم العيد، فيكون يوم العيد من طلوع الشمس إلى غروبها، ومن الغروب إلى الفجر تابع ليوم العيد، وليلة الثاني عشر تكون تابعة لليوم الحادي عشر، وليلة الثالث عشر تابعة لليوم الثاني عشر. أما اليوم الثالث عشر فليس هناك رمي في الليل؛ لأن الرمي من زوال الشمس إلى الغروب في اليوم الأخير، لأنه بغروب الشمس تنتهي أيام الرمي والذبح وأيام الحج، وليس هناك رمي في الليل في اليوم الثالث عشر. والذي عليه فتوى هيئة كبار العلماء بالأغلبية أن الرمي في الليل جائز، والمذهب منع الرمي في الليل، ولكن القول الثاني -وهو قول الأئمة الثلاثة- أنه لا بأس بالرمي في الليل، وهذا هو الذي يتفق مع سماحة الشريعة ويسرها، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ولا يكفي الآن الوقت من زوال الشمس إلى غروبها بسبب العدد الكثير من الحجاج، فإذا كانوا مليوناً ونصف فلا يتمكنون من الرمي من زوال الشمس إلى غروبها. وأما من وكل بالرمي للجمرات، فبعض العلماء -وهو المذهب- يرى أنه يرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة عن نفسه، ثم يرجع فيرمي الصغرى، ثم الوسطى، ثم العقبة عن موكله الأول، وإذا وكله آخر أيضاً يعود، وإذا وكله ثالث يرميها ثلاثاً ثم يرجع. والقول الثاني: أنه يرمي الجمرة الصغرى عن نفسه، ثم يرميها عن موكله، ثم يرمى جمرة الوسطى عن نفسه، ثم يرميها عن موكله، ثم يرمي جمرة العقبة عن نفسه، ثم يرميها عن موكله، ولعل هذا لا بأس به لاسيما مع الزحام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف عندها، ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك]. أما من طلوع الفجر إلى زوال الشمس فهذا ليس فيه رمي، وليس وقتاً للرمي بالاتفاق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب]. خرج قبل غروب الشمس من منى، والمراد خروجه من منى إذا تجاوز جمرة العقبة، بل جمرة العقبة ليست من منى، وإنما هي في حد منى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غد]. إذا غربت الشمس وهو لم يتعجل لزمه المبيت والرمي في اليوم الثالث عشر، وإن بات باختياره ورمى فهو أفضل، وهو فعل النبي ﷺ ، وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته]. نعم، لأنه طاف وسعى ورمى وحلق، وانتهى من الرمي، ولم يبق إلا طواف الوداع. [وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه]. هذا إذا كان مفرداً بأن أحرم بالحج، وبقي عليه العمرة، أما إذا كان قارناً ومتمتعاً فقد جمع الحج والعمرة، فالمتمتع له عمرة مستقلة قبل الحج، والقارن عمرته داخلة في الحج، وبقي المفرد وهو الذي أحرم بالحج فقط، بقي عليه العمرة فإنها تبقى في ذمته، وليس لها وقت فإذا أحب أن يخرج إلى التنعيم ويأتي بعمرة أداها، وإن أتى بعمرة في رمضان أو في أي وقت كفى، ولا تجب العمرة إلا مرة، وأما ما ذكره المؤلف من كونه يخرج إلى التنعيم ويأتي بالعمرة فهذا تركه أولى ولاسيما في وقت الحج؛ لأنه يكون هناك زحام كثير من الناس الذين يخرجون إلى التنعيم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه لا يشرع لمن كان بمكة أن يأتي بعمرة، والرسول ﷺ والصحابة ما فعلوا هذا، وما فعل هذا إلا عائشة لما ألحت وطلبت وقالت: (يا رسول الله! يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج!)، فهي كانت قارنة، لكنها تريد عمرة مستقلة، فأعمرها النبي ﷺ من التنعيم، فقال شيخ الإسلام: ليس بمشروع أن يخرج من مكة ويأتي بعمرة، وإنما المشروع لمن كان بمكة أن يتعبد بالطواف والقراءة، والعمرة إنما هي ل

стр. 442

لزوم الطواف بالبيت عند الوداع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره]. يعني: لا يخرج أحد من مكة حتى يودع البيت فيطوف سبعة أشواط؛ لقول النبي ﷺ لما رأى الناس ينفرون من كل وجه: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبين)، وفي حديث ابن عباس: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض) فهذا طواف الوداع الذي لابد منه، فهو واجب إلا على الحائض والنفساء فيسقط عنهما، ولكن هذا يكون عند إرادة السفر، وإن أقام بمكة فلا يطوف حتى يخرج، ولو أقام سنة أو سنتين ما عليه طواف وداع حتى يخرج من مكة، وإذا أراد الخروج طاف سواء كان متمتعاً أو قارناً أو مفرداً لابد من الطواف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى يكون آخر عهده بالبيت، فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده]. إذا اتجر وصار يبيع ويشتري بالتجارة فيعيد طواف الوداع حتى يكون هو الآخر، أما إذا كان اشترى شيئاً وهو في طريق فلا يضر.

стр. 443

ما يستحب لمن طاف طواف الوداع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، فيلتزم البيت ويقول: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإلا فمُنَّ الآن]. (فمن) من المنة يعني: ابتدأ من الآن فمن علي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإلا فمنّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم أصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، ويدعو بما أحب، ثم يصلي على النبي ﷺ ]. وهذا الدعاء مروي عن ابن عباس، وأما كونه يقف بالملتزم ويلصق صدره وذراعيه ووجهه ويدعو فهذا جاء في حديث ابن عمرو، وجاء في حديث آخر عن عبد الرحمن بن صفوان (أن النبي ﷺ كان يلصق صدره وذراعيه في الملتزم) وهذا يحتاج إلى بحث للتأكد من صحة الحديث، وأما هذا الدعاء فهو مروي عن ابن عباس، وهذا من باب الاستحباب، ولو تركه فلا حرج، ليس من الواجبات. وقد ذكر حديث عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن صفوان في التعليق فقال: أخرجه أبو داود في باب الملتزم وابن ماجة والبيهقي كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، قال: كنت مع عبد الله أي: ابن عمرو بن العاص، ورواه الدارقطني باختصار، وقال المنذري في مختصره: في إسناده المثنى بن الصباح لا يحتج به، وقد سمع شعيب من جده على الصحيح، قال في التقريب: المثنى ضعيف اختلط في آخره. وحديث عبد الرحمن بن صفوان قال: إنه ضعيف أخرجه أبو داود في باب الملتزم، والبيهقي وفي سنده يزيد بن أبي زياد. فعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً فلا يشرع هذا الفعل، فكونه يلصق صدره وذراعيه ما ثبت، والدعاء كذلك هذا مروي عن ابن عباس، والأمر في هذا واسع.

стр. 444

حكم من لم يطف طواف الوداع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريباً، وإن بعد بعث بدم، إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء]. هذا الاستحباب يحتاج إلى دليل، فاستحباب الوقوف عند الباب يحتاج إلى دليل، والصواب أن طواف الوداع واجب، وأنه إذا تركه فعليه دم، يقول ابن عباس: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض) والتخفيف إنما يكون على الشيء الواجب، فلو كان مستحباً فلا يحتاج إلى تخفيف، فلما قال: (إلا أنه خفف عن الحائض) دل على أنه واجب. والقول الثاني لأهل العلم: أن طواف الوداع سنة ولا شيء في تركه، لكن هذا قول ضعيف، والصواب أنه واجب، وهو الذي عليه الفتوى الآن، فمن تركه عليه دم. وأما وقوف الحائض في البيت ودعاؤها فيحتاج إلى دليل.

стр. 445

أركان الحج

стр. 446

الوقوف بعرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أركان الحج والعمرة. أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، وواجباته: الإحرام من الميقات]. ذكر أن للحج ركنين: الوقوف بعرفة، وهذا هو الركن الأعظم؛ لقوله ﷺ : (الحج عرفة).

стр. 447

طواف الإفاضة الركن الثاني: طواف الإفاضة، ويقال له: طواف الحج، وطواف الزيارة، وكل هذه أسماء له؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وهذان ركنان متفق عليهما. فمشى المؤلف على القول بأن الحج ليس له إلا ركنان، والمذهب: أنها أربعة أركان، وقد مشى عليه شارح الزاد في الروض المربع أنها أربعة: الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والإحرام الذي هو نية الحج، ونية الدخول في النسك، والسعي؛ لقول النبي ﷺ (اسعوا إن الله كتب عليكم السعي). والسعي مختلف فيه، فقيل: إنه ركن، وهو المذهب، وقيل: إنه واجب يجبر بدم، وقيل: إنه سنة، والقول بأنه واجب قول قوي، لكن المذهب على أن الأركان أربعة، وهنا المؤلف عده من الواجبات، وصاحب الزاد عده من الأركان، فتكون الأركان أربعة: الإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة. والمؤلف قد جعل السعي والإحرام من الواجبات، لكن الإحرام يعتبر ركناً وكونه من الميقات هذا واجب.

стр. 448

واجبات الحج

стр. 449

الإحرام من الميقات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وواجباته: الإحرام من الميقات]. هذا الواجب الأول: الإحرام من الميقات، والواجبات سبعة، وهنا زاد واجباً ثامناً وهو السعي، وكذلك الإحرام جعله واجباً تاسعاً، فلو أحرم من بعد الميقات وجب عليه دم، لابد أن يكون الإحرام من الميقات، وهي المواقيت الخمسة التي حددها النبي ﷺ .

стр. 450

الوقوف بعرفة إلى الليل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والوقوف بعرفة إلى الليل]. كذلك الوقوف بعرفة ركن، لكن كونه يجلس إلى الليل فهذا واجب، فإن خرج قبل غروب الشمس ولم يرجع فعليه دم؛ لترك الواجب، لابد أن يجمع بين جزء من الليل وجزء من النهار. القول الثاني: أنه يلزمه الدم ولو رجع.

стр. 451

المبيت بمزدلفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل]. كذلك المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، والأقرب إلى غيبوبة القمر؛ لأن النبي ﷺ أذن للضعفه حين غاب القمر، والقمر يغيب ليلة عشرة بعد مضي ثلثي الليل تقريباً في الساعة الثانية، لكن العلماء يقولون: بعد نصف الليل؛ لأنه يتحقق بدأ النصف الثاني، فالمبيت في مزدلفة واجب؛ لأن النبي ﷺ رخص للعباس من أجل سقايته، والرخصة لا تكون إلا في الشيء الواجب، وقال بعض العلماء: إنه ركن، ذكر هذا ابن القيم ﵀ عن اثنين من العلماء، والقول الثالث: أنه سنة لا شيء فيه، وأعدل الأقوال: أنه واجب، فهذا هو الصواب، إذا تركه من غير عذر فعليه دم، أما إذا كان مريضاً ونقل المستشفى فهو معذور، وكذلك من يرافقه يسقط عنه المبيت في مزدلفة والمبيت في منى. وأما بالنسبة للوقوف بعرفة فمن جعل الوقوف ليلاً فلا يستطيع أن يجمع بين الليل والنهار، ومن وقف في النهار لابد أن يبقى إلى الغروب، ووقوف النهار يكفي في الركنية، لكن لا يكفي في الواجب.

стр. 452

السعي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسعي]. كذلك سعي الحج جعله من الواجبات، وجعله صاحب متن الزاد من الأركان، والمذهب أنه من الأركان. والسعي فيه ثلاثة أقوال كما سبق، قيل: إنه ركن، وقيل: إنه واجب، وقيل: إنه سنة، والمذهب أنه ركن، وهو المعتمد الآن، والقول بأنه واجب يجبر بالدم قول قوي.

стр. 453

المبيت بمنى والرمي والحلق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمبيت بمنى والرمي والحلق]. إذا كان سيبيت في منى ليلة الحادي عشر والثاني عشر إن تعجل، وثلاث ليال إن تأخر، فهذا المبيت واجب، وكذلك رمي الجمار واجب، والحلق والتقصير.

стр. 454

طواف الوداع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وطواف الوداع]. وطواف الوداع، فهذه ثمانية واجبات، والإحرام بالحج هذا ركن، وأما كونه من الميقات فهذا واجب، وهو جعله واحداً، والصواب أن الواجبات سبعة، والأركان أربعة كما سبق.

стр. 455

أركان العمرة وواجباتها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأركان العمرة: الطواف. وواجباتها: الإحرام، والسعي، والحلق]. العمرة لها ركن واحد، وهو الطواف، وهذا ما مشى عليه المؤلف، والقول الثاني: أن أركانها ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي، فالإحرام: نية الدخول في العمرة، هذا ركن، والثاني: طواف العمرة، والثالث: السعي. وواجباتها ثلاثة: الإحرام من الميقات أو من الحل كالتنعيم، الثاني: الحلق، والمؤلف مشى على أن العمرة مالها إلا ركن واحد، وهو الطواف. الثالث: الحلق أو التقصير. والصواب: أن واجباتها اثنان: الإحرام من الميقات، والحلق، وأما الأركان فنية الإحرام وهو النية، والطواف، والسعي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه]. هذا هو الفرق بينها: إذا ترك ركناً لابد أن يأتي به سواء تركه سهواً أو عمداً أو جهلاً، لابد من الإتيان به، لا يتم الحج إلا بالأركان، وكذلك العمرة، والواجب لا يجوز تركه عمداً، وإذا تركه سهواً أو ناسياً، أو جاهلاً ولا يمكن استدراكه جبره بدم، وإن تركه متعمداً ففيه تفصيل، وأما إذا ترك سنة فلا شيء عليه لا إثم ولا كفارة.

стр. 456

حكم من فاته الوقوف بعرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل بطواف وسعي وينحر هدياً إن كان معه وعليه القضاء]. إذا فاته الحج فعليه أولاً أن يحوِّل إحرامه إلى عمرة، فيطوف ويسعى ويقصر ويتحلل، وعليه هدي يذبحه من أجل فوات الحج، وعليه قضاء هذا الحج من العام القادم ولو كان نفلاً؛ لأنه لما دخل فيه وجب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إذا كان الإنسان حج متنفلاً ثم فاته الحج، نقول: يجب عليك قضاء هذا الحج الذي فوته، ولو كان في الأصل نافلة، فهو صار الآن واجباً؛ لأن الحج والعمرة لهما مزية على غيرهما، وأما الصلاة والصوم فكون الإنسان يقطعهما لا يقضي، لكن في الحج لا بد من قضائه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] وعليه مع ذلك الهدي، فيذبح. القول الثاني: أنه ليس عليه هدي ولا قضاء إلا إذا كان الحج الذي فاته حج الإسلام، أو حج نذر، فيقضي، وأما إذا كان حجه مستحباً فليس عليه قضاء، ولعل هذا هو الأقرب، وكذلك الهدي إنما يتحلل بالعمرة، فيطوف ويسعى ويقصر في الحج والعمرة؛ لقول النبي ﷺ : (من فاته الحج فعليه دم، وليجعلها عمرة، وليحج من قابل). لكن هذا منقطع، فهو ضعيف، ولو صح وكان متصلاً ومرفوعاً لانتهى النزاع.

стр. 457

الحكم فيما إذا أخطأ الناس فوقفوا في عرفة في غير يوم عرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أخطأ الناس العدد، ووقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك، وإن فعل ذلك نفر منهم فقد فاتهم الحج]. إذا أخطأ الناس جميعاً في العدد والحساب، فوقفوا في عرفة اليوم الثامن، ونقصوا كلهم يوماً، أو وقفوا في اليوم العاشر، فجعلوا يوم عرفة اليوم العاشر صح حجهم، أما إذا أخطأ بعض الناس كأن وقف الحجاج يوم الخميس، وجاء بعض الناس ولم يأت إلا يوم الجمعة نقول: فاته الحج، لكن إذا أخطأ الناس كلهم فحجهم صحيح؛ لأنهم لم يعلموا هذا، وهذا هو الذي أدى إليه اجتهادهم، فهم معذورون، لكن لو أخطأ بعض الناس وخالف الناس فالذي أخطأ فاته الحج.

стр. 458

حكم زيارة قبر النبي ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويستحب لمن حج زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه ﵄]. هذا الاستحباب ليس بوجيه؛ لأن القبر لا يشد إليه الرحل، فلو قال: ويستحب زيارة مسجد النبي ﷺ لكان هو الأولى؛ لقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى). فإذا نوى الزيارة للمسجد النبوي، ثم بعد ذلك يزور قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، أو ينوي الزيارة لهم جميعاً للمسجد وللقبر، فحسن، أما أن ينوي الزيارة للقبر فقط فهذا الصواب أنه بدعة، وأنه لا يجوز، وهذا الذي عليه المحققون، وقال بعض العلماء: لا بأس به، ومسألة شد الرحل من المسائل التي امتحن فيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والصواب الذي عليه المحققون: أنه لا يجوز شد الرحل إلى قبر النبي ﷺ ، يقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وهذا من وسائل الشرك، وبعض العلماء يرى الجواز، لكنه قول ضعيف، فلو قال المؤلف: وتستحب زيارة مسجد النبي ﷺ لكان الأولى.

стр. 459

شرح عمدة الفقه_ كتاب الحج [٧] الأضحية مستحبة، وأقل ما يجزئ في الأضحية الجذع من الضأن، والثني من الماعز والبقر والإبل، ولا تجزئ في الأضحية العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريض البين مرضها، والعجفاء التي ذهب مخها من الهزال. ووقت الأضحية من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق.

стр. 460

أحكام الهدي والأضحية
следующие страницы →