← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

النهي عن المزابنة والترخيص في بيع العرايا بشروطه قال: [وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المزابنة، وهو شراء التمر بالتمر في رءوس النخل، ورخص في بيع العرايا -فيما دون خمسة أوسق- أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً]. نهى النبي عن المزابنة، والمزابنة: بيع تمر على رءوس النخل بالتمر اليابس، وكذلك بيع العنب بالزبيب، وبيع الحب في سنبله بالحب، هذا يسمى مزابنة؛ لأن التمر الذي في رءوس النخل رطب وهذا يابس، كذلك العنب بالزبيب لا يباع؛ لأن العنب رطب والزبيب يابس، وإذا يبس قل فلا يباع، والحب في سنبله لا يباع بالبر؛ لأنه لا يمكن التساوي، فالحب في سنبله إذا أخلص فلابد أن ينقص، ويستثنى من المزابنة بيع العرايا، وهو بشروط: الشرط الأول: أن تكون خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، يعني: ثلاثمائة صاع، بصاع النبي ﷺ . الشرط الثاني: أن يكون المشتري فقيراً ليس عنده دراهم. الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى الرطب. الشرط الرابع: أن يخرص التمر على رءوس النخل بمقدار يساوي ما عنده من تمر، فيعطيه فيخرصه. الشرط الخامس: أن يتقابضا في المجلس، فإذا وجدت هذه الشروط فهذه مستثناة من المزابنة، فالمزابنة: بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر اليابس وهذا لا يجوز؛ لأنه لا يمكن التساوي؛ لأن التمر الذي على رءوس النخل رطب والتمر الذي على الأرض يابس، ولا يمكن التساوي بين الرطب واليابس؛ لأنه إذا جف نقص، وسئل النبي ﷺ عن بيع الرطب على رءوس النخل، قال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذاً)، فالرطب إذا جف يبس. كذلك يدخل في المزابنة بيع العنب بالزبيب، وبيع الحب في سنبله بالقمح أو بالبر، فلا يباع هذا بهذا، ويستثنى من هذا العرايا بهذه الشروط الخمسة. أن تكون في خمسة أوسق أو في أقل، وبعض العلماء قال: خمسة أوسق، وقيل: فيما دون خمسة أوسق وهو الأثبت، كما جاء في الحديث: (أن النبي رخص في لعرايا -فيما دون خمسة أوسق- يأكلها أهلها رطب)، وأن يكون المشتري فقيراً ليس عنده دراهم، فإن كان عنده دراهم فلا يجوز البيع، وأن يكون محتاجاً إلى رطب، وأن تخرص التمر من رءوس النخل بمقدار ما يساويه إذا يبس، ويعطى مقداره من التمر، فالعرايا جائزة بهذه الشروط الخمسة.

стр. 492

الأسئلة

стр. 493

حكم أخذ قرض ربوي لشراء بيت السؤال إذا كان الرجل فقيراً ومحتاجاً ويدعي أنه يجمع المال ليشتري به سكناً، فهل يجوز له أن يشتري هذا السكن بقرض ربوي حيث إن رسول الله ﷺ أجاز بيع العرايا للحاجة؟ الجواب لا يجوز ذلك؛ لأنه ليس هناك ضرورة، ولا يجوز للإنسان التعامل بالربا، وليس من اللازم أن تشتري بيتاً، بل تستأجر والحمد لله ويعطى الأجرة من الزكاة وكثير من الناس في هذا الزمن والعياذ بالله تجاوزوا الحدود، حتى سمعت أن بعض الناس يجمع أموالاً ويجمدها، وبعضهم يجمع أموالاً ويشتري بيتاً بأربعمائة وخمسين ألفاً للزوجة الثانية إلى هذا الحد! فأين الضرورة في ذلك؟ ليس ضرورياً أن يأخذ من البنك بالربا ليشتري بيتاً نسأل الله العافية، لكن الحمد لله يستأجر، ولا يقاس على العرايا شيء، بل هذا خاص في الأكل، يعني: إذا كان يحتاج إلى الأكل هو وأولاده، أو يريد أن يأكل مع الناس قمحاً، لكن ليس من اللازم أن الإنسان يكون له بيت يملكه.

стр. 494

حكم بيع الذهب بإضافة مبلغ الصياغة السؤال ما حكم المبلغ الذي يضاف في بيع الذهب ويقول له صاحبه: إن هذا ليس قيمة الذهب وإنما قيمة الصنعة؟ الجواب هذا الكلام باطل لا يبيع ذهب بذهب، بل يبيعه بدراهم ويشتري من غيره.

стр. 495

حكم بيع السلم السؤال ما حكم بيع البر بالدراهم مؤجل؟ الجواب هذا لا بأس به، يعني: إذا كان لك أحد النقدين مؤجلاً فهذا لا يخالف، وليس فيه مانع بالإجماع؛ لأنه سلم، والسلم هو أن تقبض الثمن وتؤجل السلعة فإذا اشتريت مثلاً تمراً بدراهم، أو براً بدراهم فلا بأس وبالعكس كذلك، وهذا بالإجماع وبالاتفاق.

стр. 496

حكم شراء النقود المعدنية بالورقية مع التفاضل السؤال ما حكم من يشتري الورق بالمعدن مع التفاضل؟ الجواب في هذا خلاف، مثل صرف الريال الآن بهلل، ويأخذ زيادة، فهذا بعض المعاصرين يتسامح فيه مادام من نوع آخر، وبعضهم قال: لا يجوز، فالأحوط ألا يأخذ زيادة.

стр. 497

حكم التقبيل للمحلات أو نقل القدم السؤال ما حكم التقبيل للمحلات أو نقل القدم، وهو دفع مبلغ لكي يخرج من المحل ويأخذه آخر؟ الجواب هذا يحتاج إلى تأمل، ولا بد أن نصوغ فيه فتوى، والذي يظهر لي أنه لا يجوز؛ لأنه إذا انتهت مدته فليس له أن يحتكر، إذا انتهت مدته من المحل يخرج، أما إذا كان بقي له مدة فيؤجر نقوده، أما أن يأخذ زيادةً وقد انتهت مدته فهذا لا يجوز له، يسلمه لصاحب المحل، والتقبيل هنا ليس ظاهراً، هذا معناه: أنه يؤجره بقية المدة، فإن كان يؤجره بقية المدة فلا بأس أن يؤجره لصاحبه. وبعض الناس صار يؤجر المحل بما فيه من أدوات مقابل مبلغ معين، فهذه الأغراض والأدوات يحتاج الأمر فيها إلى تأمل، وهذا فيه جمع بين العقدين أجرة وبيع، فإذا كان سيبيع عليه ما في الدكان ويؤجر بقية المدة فلا بأس، أما يجعله شيئاً واحداً فهذا لا ينبغي؛ لأنه دمج عقدين في عقد. أما إذا كان قد انتهى إيجاره للمحل، فلا يجوز له ذلك، وإذا أراد أن يخرج من المحل ويأتي مستأجر آخر ويتقبل ما في المحل من أغراض ويستأجر منه، فهذا لا يجوز، بل لابد أن يبيع عليه الأغراض، وأما الإيجار فيستأجر من صاحب المحل، أما أن يؤجره هو فلا يجوز. والمقصود: أنه لابد أن يفصل الأمرين، البيع شيء، والإيجار شيء آخر، فإن كان له مدة باقية فيؤجر، وإن لم يكن له مدة باقية فيسلم المحل، وإن أحب أن يشتري الدكان فلا بأس.

стр. 498

حكم بيع بعض السلع التي قد تمنع السؤال ما حكم بيع بعض السلع التي قد تمنع، مثل منع بيع بوري (الدورية)؟ الجواب إذا كان في هذا ضرر على أهل الإسلام وأهل الحسبة وضرر على المجتمع فلا يجوز بيعه؛ لأن فيه ضرراً وإيهاماً، ومادام أنه ممنوع فلا يجوز له بيعه؛ لأن هذا يستخدمه إنسان آخر ضد الدورية فيكون فيه إيهام، فلا يجوز لأنه ممنوع بيعه للمصلحة، وبيعه فيه ضرر على المسلمين، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار).

стр. 499

شرح عمدة الفقه_ كتاب البيوع [٣] من أحكام البيوع التي نظم لها الشارع أحكاماً مخصوصة بيع الأصول والثمار، حيث نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وحدد المنتفع بهذا الثمر في حال أن كان بادياً، والمنتفع بالزرع الذي يحصد أكثر من مرة، وغير ذلك.

стр. 500

أحكام بيع الأصول والثمار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب بيع الأصول والثمار. روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)]. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، فكيف يقول المؤلف روي بصيغة التمريض؟ مع أنه ثابت في الصحيحين؟! (من باع نخلاًً فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع)، وفي هذا الحديث دليل على أن من باع نخلاً قد أبر -يعني: لقح- فالثمرة للبائع إلا أن يشترطها المبتاع على المشتري، فإذا باع الإنسان نخلاً وفيه تمر قد لقح فالثمرة للبائع، وإن كان لم يلقح فهو للمشتري، إلا إذا اشترط المبتاع وقال: أنا اشتريت منك النخيل، وأشترط عليك أن هذه الثمرة لي ولو لقحت فهو على الشرط، أما إذا لم يشترط فإن الثمرة تكون للبائع، وكذلك غير النخيل من الأشجار إن كانت الثمرة ظهرت وبدت فهي للبائع، وإن كانت لم تظهر وما زالت خفية فهي للمشتري، وبعضهم علقه، فقال: التأبير هو التلقيح، وبعضهم قال: ظهور الثمرة، والأقرب أنه التلقيح، وهو أن يأخذ شيئاً من طلع نخل ذكر ويذره في طلع النخل الأنثى، هذا هو التأبير، ويسمى تلقيحاً، فإذا لقح صار تمراً صالحاً، وإذا لم يلقح لا يكون صالحاً. قال: [وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره بادياً]. ويقاس ثمر الشجر على ما سبق فإذا كان بادياً يكون للبائع، وإن لم يكن بادياً يكون للمشتري. قال: [فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع، وإن يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع]. إذا كان فيه ثمر لا يقطفه إلا مرة واحدة فهو للبائع إلا إذا اشترط المشتري، وإن كان يجز مرة بعد مرة فالأصول تبقى للمشتري، والجزة الظاهرة تكون للبائع، والجزات التي بعدها تكون للمشتري.

стр. 501

النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: (نهى رسول الله ﵌ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها)، ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز]. أما إذا باعها قبل بدو صلاحها فلا يجوز، إلا إذا اشترط القطع، يعني: اشترط القطع علفاً للدواب فبعض النخل أخضر، لكن قلت: أنا لا أريده للأكل، بل أريد أن أقطعه للدواب، فلا بأس أن يشترط القطف في الحال، أما إذا لم يقصد القطع فلا يجوز حتى يبدو صلاحه، وبدو الصلاح أن يحمر أو يصفر كما سيأتي، وفي العنب أن يسود ويتموه، وفي كل ثمر حتى يبدو النضج؛ لأنه في هذه الحالة يأمن من الآفة، بخلاف ما إذا لم يبد صلاحه فإنه يكون عرضة للآفة والتلف. قال: [ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع؛ لقول رسول الله ﵌: (لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)]. وهذا هو الصواب، فإذا اشترى التمر ثم أصابتها جائحة سماوية يرجع الثمن على البائع ولو كان البيع بعد بدو الصلاح؛ لأنه أخذها بدون مقابل، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم لكن الصواب ما دل عليه الحديث. قال: [وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر والعنب أن يتموه، وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله].

стр. 502

أحكام الخيار في البيع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخيار. البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع، إلا أن يشترط الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة]. الخيار: اسم مصدر اختار، أي: طلب خير الأمرين، من الإمضاء أو الترك، واختار يختار والمصدر اختيار، واسم المصدر خيار؛ لأن اسم المصدر ينقص حروفه عن المصدر، فالخيار اسم مصدر اختار، أي: طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الترك، وإذا باع شيئاً أو اشترى شيئاً فإنهما بالخيار ماداما في المجلس ما لم يتفرقا بأبدانهما، والتفرق يكون بالأبدان، فإذا اشتريت من إنسان سيارة وأنتما جالسان في البيت تشربان القهوة، وجلستما ساعة أو ساعتين فهذا خيار المجلس، فإذا أراد أحد أن يفسخ البيع وقال: أنا اشتريت منك قبل ساعة ونحن جالسان في المجلس، لكن الآن بدا لي أن أفسخ؛ لأنني تهورت، فلا أرغب في شرائها. في هذه الحالة له ذلك؛ لأن في مجلس الخيار، فإن تفرقا بالأبدان فقد وجب البيع وانتهى الخيار، إلا إذا اختار إسقاط الخيار، كما جاء في الحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر) كما مر معنا في شرح البلوغ، فإذا اختار إسقاط الخيار يلزم بمجرد العقد، وكذلك إذا اشترط الخيار مدة معلومة، كأن يشتري أحدهم سيارة من آخر ويقول: لي الخيار ثلاثة أيام أو شهراً أو شهرين فهما على المشارطة، قال رسول الله ﷺ : (المؤمنون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، والصواب: أن التفرق يكون بالأبدان، هذا هو الذي عليه الجماهير وهو ما دل عليه الحديث، ومر معنا في البلوغ في رواية: (حتى يتفرقا من مكانهما)، بلفظة (من مكانهما)، خلافاً لـ مالك ﵀، فإنه قال: يتفرقا بالأقوال، وهذا ضعيف؛ لأنه يسقط فائدة هذا الحديث، وهو راوي الحديث أيضاً، ومع ذلك ذهب إلى أن التفرق بالأقوال لا بالأبدان، حتى تشدد بعض الخصوم، فقال -من باب المبالغة-: ينبغي أن يؤدب مالك لمخالفته للحديث. والصواب: أن التفرق إنما يكون بالأبدان، وقد ورد عن ابن عمر ﵁ أنه إذا باع فأراد أن يلزم البيع مشى خطوات، ثم رجع إليه، وهذا محمول على أنه ما بلغه، ولهذا جاء في الحديث: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)، لكن هذا محمول على أن ابن عمر لم يبلغه النهي فلا ينبغي للإنسان إذا اشترى سلعة أن يقوم حتى يمضي البيع، فعليه أن يجلس، والحمد لله كل واحد بالخيار، فقد يبدو لك أنك لا ترغب في السلعة فتردها إلى صاحبها. قال: [البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع، إلا أن يشترط الخيار لهما، أو لأحدهما مدة معلومة، فيكونان على شرطهما، وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه، وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيباً لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب]. إذا وجد في السلعة عيباً فهذا له الخيار، ويسمى خيار العيب، فهناك خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب (الغرر) فإذا وجد بها عيباً فله الخيار إن شاء ردها وأخذ المال، وإن شاء أبقاها وأخذ الأرش، والأرش هو الفارق بين الصحيح والمعيب، فإن اشترى مثلاً سيارة بخمسين ألفاً، ثم وجد بها عيباً، فقال: أنا أريد السيارة، لكن أريد مقابل هذا العيب فينظر أهل الخبرة كم يساوي هذا العيب، وكم تساوي السيارة إذا كانت معيوبة، فإذا قالوا: تساوي ثلاثين ألفاً، وتساوي الصحيحة خمسين ألفاً، فيقول: إذاً سلموا الأرش، والأرش عشرون ألفاً وهو الفارق، أو يرد المشتري السيارة ويرد البائع الدراهم. قال: [وما كسبه المبيع أو حدث فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له؛ لأن الخراج بالضمان]. إذا حصل المبيع وحصل فيه نماء فإنه يكون للمشتري، فمثلاً إنسان اشترى سلعة وجلست عنده سنة، ثم تبين فيها عيب، لكن في هذه السنة المبيع حصل فيه زيادة شجر وصار فيها ثمر أو دابة ولدت ثم رد السلعة إلى صاحبها فإن النماء يكون للمشتري وليس للبائع؛ لأن الخراج بالضمان، والخراج هو النماء والزيادة، يعني: مقابل الضمان، يعني: كما أنها لو تلفت السلعة وهي عند المشتري ضمنها فكذلك إذا كسبت يكون له الكسب، فالكسب الذي يكون للمشتري مقابل الضمان الذي يضمنه لو تلف، فالخراج بالضمان. قال: [وإن تلفت السلعة أو عتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب]. إذا اشترى سلعة وجلست عنده سنة وتلفت هذه السلعة، ولكن تبين أن فيها عيباً قبل أن تتلف، نقول للبائع: رد عليه الأرش، وأعطه مقابل النقص في العيب؛ لأن السلعة لا يمكن ردها، أو اشترى عبداً وتبين فيه عيب، كأن يكون سارقاً فهذا نقص، فنقول للبائع: أعط المشتري الأرش مقابل هذا العيب، فإذا كان العبد يساوي مثلاً مائة ألف، وإذا كان يسرق لا يساوي إلا سبعين ألفاً، نقول: أعطه الأرش ثلاثين ألفاً.

стр. 503

ذكر ما جاء في النهي عن التصرية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي ﷺ : (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر فإن علم بتصريتها قبل حلبها ردها ولا شيء معها)]. هذا حديث فيه النهي عن التصرية، والتصرية: حبس اللبن في الضرع، فإذا أراد أن يبيع الشاة أو البقرة أو الناقة ترك حلبها يوماً أو يومين حتى يكون الضرع ممتلئاً، فإذا جاء المشتري يغتر ويقول: إن هذا حليبها يومياً، وهو متروك يومين أو ثلاثة، ويسمى تصرية وهذا عيب، فإذا باع الدابة على أن هذا حليبها في كل يوم، وجاء المشتري في اليوم الثاني وحلبها فوجد أنها لا تحلب إلا ربع ما حلبت في اليوم الأول فقد تبين العيب، فهذا بالخيار إن شاء أمسكها بعيبها، وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر، قطعاً للنزاع ومقابل الحليب الذي شربه أما إذا ردها قبل أن يحلبها فليس فيه إشكال، لكن إذا حلبها نقول: أنت بالخيار، إن شئت أمسكتها على ما فيها من اللبن القليل، وإن شئت رددتها ومعها صاعاً من تمر، فقد جعل له النبي ﵌ الخيار في هذا؛ إذا حلبها فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها على ما فيها من نقص، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر قطعاً للنزاع، فإن لم يكن معه في بيته تمر يعطي قيمة التمر.

стр. 504

بعض صور التدليس في البيع قال المؤلف ﵀: [وكذلك كل مدلس لا يُعلم تدليسه فله رده كجارية حمر وجهها أو سود شعرها أو جعده]. (كذلك كل بيع مدلس) من التدليس وهي الظلمة، فكل عيب مدلس؛ يعني: أخفى العيب، فإذا تبين العيب فإن المشتري بالخيار إما أن يرده وإما أن يمسكه ويأخذ الأرش، مثل: الجارية التي حمر وجهها وسود شعرها. وهذا يدل على قوة المسلمين فكان المسلمون يقاتلون ويغنمون من الأعداء نساءهم وذراريهم ويصيرون عبيداً يباعون ويشترون ويتناسلون، ولا يوجد عبيد في زماننا؛ وهذا يدل على ضعف المسلمين في الجهاد؛ لأن الرق يدل على قوة المسلمين. وبعض الناس يظن أن النساء اللاتي يخدمن في البيوت أنهن من الجواري، فيجامعوهن وهذه مصيبة، فالخادمة في البيوت ليست مثل الجارية، فالجارية هي الأمة التي تباع وتشترى وسببها الكفر، ولسيدها أن يتسراها وله أن يزوجها وله أن يبيعها، أما الخادمات فهن أحرار لا إماء، فالخادمة مستأجرة للخدمة، وقد يكون لها أولاد، أو ليس لها أولاد، ولا يجوز استخدامها إلا بمحرم. وفي الزمان الماضي كان بعض الناس يدلس فيبيع جارية كبيرة في السن ويحمر وجهها حتى تكون كأنها شابة، فإذا اشتراها الإنسان ظن أنها شابة، ثم يتبين له فيما بعد أنها عجوز شمطاء، أو غير ذلك من طرق التدليس في بيع الإماء، فإذا تبين أن هذا عيب فإنه إما أن يردها وإما أن يأخذ الأرش. وقوله: (وكذلك كل مدلس لا يعلم تدليسه فله رده كجارية حمر وجهها أو سود شعرها أو جعده) فهذا عيب من العيوب لرد المبيع. قال: [أو رحى ضم الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري]. أي: لما أراد أن يبيع الرحى جمع الماء وصبه عليها حتى تدور بقوة وبسرعة أمام المشتري فيظن المشتري أن هذا عملها، وأنها جيدة، فلما جف الماء الذي وضعه عليها صارت ضعيفة في دورانها فهذا عيب، فإذا تبين هذا فإما أن يردها وإما أن يأخذ الأرش. وإذا كان هناك عيب أخفاه البائع ثم تبين بعد ذلك، فإن المشتري يرجعها ويأخذ الأرش. ويجب على البائع أن يبين العيب، ويأثم إذا لم يبينه، وإذا تبين العيب للمشتري فهو بالخيار، فله أن يردها وله أن يبقيها. وإذا أحب المشتري أن يبقيها على ما فيها من عيب إذا رضي بالعيب فلا بأس. قال: [وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة]. كما لو باع رجل عبداً وقال أنه نجار أو خراز أو بناء أو سباك أو دهان، فلما بيع على المشتري تبين أنه لا يعرف أن يصنع شيئاً مما سبق، فهذا عيب؛ لأنه وصفه بصفة يزيد بها على المشتري، وظن المشتري أنه سيعمل، فلما جاء وجده لا يعرف شيئاً أبداً. فلو أنه ما دام أن معه حرفة أو صناعة كانت قيمته ثمانين ألفاً، فلما تبين أنه ليس عنده شيء، سألنا أهل الخبرة فقالوا: لا تساوي قيمته إلا خمسين ألفاً فقط، فيرد للمشتري ثلاثين ألفاً أو يفسخ البيع. قال: [أو أن الدابة هملاجة والفهد صيود أو معلم]. وكذلك لو قال البائع أن الدابة هملاجة بمعنى: سريعة العدو والجري ثم تبين للمشتري أنها بطيئة فهذا يعتبر عيباً، فللمشتري الفسخ أو الأرش. والفهد هو السبع المعروف، والفهد للصيد وكذا الكلب المعلم، فالفهد والكلب لا يباعان؛ لأن السباع ليس لها ثمن ولا تباع، إلا الصقر فإنه مستثنى مع أنه لا يؤكل. قال: [أو أن الطائر مصوت ونحوه]. أي: إذا جاء أحد الناس وطرق الباب فإن الطائر يصوت ليعلم صاحب البيت أن أحداً من الناس قد دخل، فلو تبين للمشتري أن هذه الصفة ليست فيه فله أن يرده أو يأخذ الأرش.

стр. 505

حكم البيع إذا اختلف المتبايعان أو غلطا قال المؤلف ﵀: [ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة]. أي: إذا كان عنده سلعة وقال لرجل: أنا اشتريت هذه السلعة بمائة وأريد أن أربح منك العشر، وهو عشرة، أي: اشتريتها بمائة وبعتها بمائة وعشرة، فلما قبضها المشتري وجد أن البائع اشتراها بتسعين، فهنا ترد للمشتري العشرة؛ لأن المرابحة هكذا. قال: [وإن بان أنه غلط على نفسه خير المشتري بين رده وإعطائه ما غلط به]. ولو غلط البائع بالثمن فقال أنه اشتراها بمائة وعشرة وقيمتها مائة فقط، خير المشتري بين إعطائه ما غلط عليه وهي العشرة وبين إمضاء البيع. قال: [وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه]. يعني: بعت عليك هذا البيت مؤجلاً إلى سنة، فقلت: أنا ما أخبرت أنه بالأجل وما تبين لي، فأنت مخير بين أن تقبل أو ترد. قال: [وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا، ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى بما قال صاحبه]. لو اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فقال الأول: أنا بعت هذه السيارة بمائة ألف، وقال الآخر: أنا اشتريتها بتسعين، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، فيحلف البائع أنه باعها بمائة ويحلف المشتري أنه اشتراها بتسعين ويتفاسخان إلا أن يرضى أحدهما، أي: البائع والمشتري.

стр. 506

أحكام السلم

стр. 507

تعريف السلم ودليل مشروعيته قال المؤلف ﵀: [باب السلم. عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)]. السلم: هو تعجيل الثمن وتأجيل المثمن؛ بأن يقدم الدراهم ويؤخر السلعة، ولابد في المثمن من الصفات المنضبطة، ولابد من تحديد الأجل. فمثلاً: إذا أسلم في سيارة فأعطاه -مثلاً- خمسين ألف ريال في سيارة في الذمة، فالثمن معجل وهو الخمسون ألفاً، فلا بد من قبض الثمن في الحال، ولا بد في المثمن وهي السيارة من أن يضبطها بالأوصاف الكاملة فيقول: سيارة صغيرة أو كبيرة، وموديلها كذا، ونوعها كذا، وإذا كان مكيلاً أو موزوناً فلابد من ضبطه بالكيل أو الوزن، ولابد من تحديد الأجل بعد سنة أو بعد ستة أشهر؛ لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)، ويقال فيه: سلم وسلف، وأسلف أو أسلم، قوله: (فكانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين) يعني: يعطون الثمن مقدماً كمائة ريال مثلاً بمائة صاع من التمر الموصوف بعد سنة، أو بمائة صاع من البر بعد سنة أو بعد ستة أشهر، ولهذا لما قدم النبي المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، أي: يعطون الثمن مقدماً والمثمن يكون مؤجلاً بعد سنة أو سنتين في التمر أو البر قال: (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)، فلابد من ضبطه بالكيل إذا كان مكيلاً أو بالوزن إذا كان موزوناً، ولابد من تحديد الآجال، وإذا كان غير مكيل أو موزون فبالصفات التي تضبطه وتحدده، ولابد من قبض الثمن معجلاً، وإذا كان معدوداً أيضاً لابد من ضبطه بالعد، وإذا كان مذروعاً فلا بد من ضبطه بالذرع.

стр. 508

فيما يصح فيه السلم قال المؤلف ﵀: [ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر به من كيل أو وزن أو ذرع أو عد، وجعل له أجلاً معلوماً وأعطاه الثمن قبل تفرقهما]. يصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة، سواء كان في السيارات أو في الحيوانات أو في الثمار أو في الحبوب أو في الأمتعة، فكل ما ينضبط ويعرف ويتحدد بالصفة يصح السلم فيه، ولابد من تحديد الآجال، وذكر قدره إذا كان مكيلاً بالكيل، أو موزوناً بالوزن كأن يكون مائة كيلو أو بالصاع مائة صاع. ولابد أن يكون الأجل معلوماً ومحدداً كأن يكون بعد سنة أو بعد ستة أشهر، ولابد من قبض الثمن مقدماً، فالبائع يقبض الثمن مقدماً، والمشتري يستفيد من المثمن المؤجل في وقته.

стр. 509

ما يجوز فيه السلم قال المؤلف ﵀: [ويجوز السلم في شيء يقبضه أجزاء متفرقة في أوقات معلومة]. مثلاً: إذا كان في ثمر أو حبوب ففي السنة يقبضه مرتين، فيقبض مائة صاع بعد ستة أشهر والمائة صاع الأخرى بعد ستة أشهر فهذا لا بأس به. قال: [وإن أسلم ثمناً واحداً في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس]. أي: إذا أسلم ثمناً واحداً في شيئين كمائة ألف في سيارتين فلا يصح هذا فلا بد من تحديد ثمن كل سلعة مع الوصف. قال: [ومن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره]. أي: إذا أسلم في سيارة شبح بسعر خمسمائة ألف ووصفها كذا وكذا، قال له: أعطيك بدل سيارة الشبح بيتاً فليس له أن يصرفه من السيارة إلى البيت؛ لأن السلم كان في سيارة، فهذا لا يصح.

стр. 510

حالة عدم صحة بيع المسلم فيه قال المؤلف ﵀: [ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الحوالة به]. ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، فإذا أسلمت في سيارة بعد سنة ولما بقي على السنة شهرين بعتها، فليس ليس لك أن تبيعها حتى تقبضها. وكذا لو قلت: سأحولك على هذه السيارة التي أسلمتها من فلان فليس لك أن تحولها قبل قبضها، فإذا قبضتها ففي هذه الحالة تتصرف فيها ما تشاء ببيع أو حوالة. قال: [وتجوز الإقالة فيه أو في بعضه؛ لأنها فسخ]. فلو أعطاه مائة ألف لأجل سيارة، ثم لما مضت ستة أشهر قال له: أنا ما أرغب في السيارة، فلا بأس أن ترد عليه مائة ألف لأنها فسخ. أو لعله يقيل في بعضها كما لو أعطاه مثلاً خمسة آلاف بألف كيلو سكر أو عشرة آلاف بألف فلما مضى قال: لعلك تقيلني فلا أريد إلا خمسين في المائة، فلو أعطيتك عشرة آلاف فإنك ترد علي خمسة آلاف، ويبقى خمسة آلاف، فهذا لا بأس به.

стр. 511

شرح عمدة الفقه_ كتاب البيوع [٤] عقد الفرض من عقود الإرفاق التي أجازها الشرع، وهو عقد يكون بين رجلين، لينتفع المقترض بمال المقرض ثم يرد مثله دون زيادة، وإذا رد خيراً منه دون اشتراط من المقرض جاز له ذلك.

стр. 512

أحكام القرض

стр. 513

مشروعية القرض من السنة النبوية قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب القرض وغيره. عن أبي رافع: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطوه فإن خير الناس أحسنهم قضاء)]. يستحب القرض، لما جاء في الحديث: (من أقرض شخصاً مرتين كان كصدقة مرة) -هو عقد إرفاق- وإذا أقرضه فإنه يرد مثله، وإذا رد خيراً منه بدون شرط فهذا لا بأس به، فرد القرض بأفضل منه ليس خاصاً بالنبي ﷺ . والرباعي ما له سنتان، فإذا اقرضك شخص مائة ريال فلما حل الأجل أعطيته مائة وعشرين بدون شرط فلا بأس بالزيادة إذا لم تكن مشروطة، أما إذا كانت مشروطة فهذا رباً ولا يجوز كألف بألف ومائتين. ولو كنت تعرف منه ذلك فلا تأخذ الزيادة، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. وإذا شرط عليه كان ذلك رباً ولو كان من الإبل أو من البقر أو من الغنم، فلو شرط عليه أنه سيقرضه من الإبل ما له سنة على أن يعطيه ما له سنتان فهذا ربا. قال [ومن اقترض شيئاً فعليه رد مثله، ويجوز أن يرد خيراً منه]. قول النبي ﷺ : (كل قرض جر نفعاً فهو رباً) هذا الحديث ضعيف لا يصح، لكن أجمع العلماء على أن كل قرض جر نفعاً فهو رباً. ومن اقترض شيئاً فالواجب أن يرد مثله، وإذا رد خيراً منه فهذا أفضل إذا لم يكن هناك شرط، فإن كان هناك شرط صار رباً. قال: [وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن شرط]. أي: يجوز له أن يقترض -مثلاً- في شهر محرم مائة ريال وفي شهر صفر مائة وفي ربيع مائة وفي جمادى مائة وهكذا حتى تجتمع عليه ألف، ثم يردها ألفاً مرة واحدة فهذا لا بأس به. قال: [وإن أجله لم يتأجل]. لأنه حال. قال: [ولا يجوز شرط شيء لينتفع به المقرض إلا أن يشترط رهناً أو كفيلاً]. لا يجوز أن يشترط المقرض منفعة؛ لأنه رباً، فلو قال: سأقرضك الآن مائة ألف بشرط أن تعطيني سيارتك لأستعملها شهراً أو شهرين، أو تعطيني بيتك أسكنه شهراً أو شهرين فهذا رباً، إلا إذا كان رهناً فهذا لا بأس به؛ لأنه توثقة للقرض، أما أن يصير شيئاً ينتفع به فهذا رباً.

стр. 514

حكم قبول هدية المقترض قال المؤلف ﵀: [ولا يقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض]. لا يجوز أن يقبل الهدية؛ لأنها من الربا إلا إذا احتسبها من الدين فخصم جزءاً منها، فإذا أقرضه ألف ريال ثم أهدى له هدية تساوي مائة ريال فإنه يخصم من القرض مائة، إلا إذا كان بينهما مهاداة قبل المعاملة. وإذا صنع المقترض وليمة للمقرض لأجل القرض فلا ينبغي للمقرض أن يأكل منها؛ إلا إذا كان بينهما ذلك قبل القرض فلا بأس به. أما الجمعيات التعاونية عندما يجمع المشتركون فيها مرة واحدة ويأخذها أحدهم ليستفيد منها، فهي لا تدخل في الشرط في القرض. أما البنوك فإنهم يتعاونون بالربا، لما رأوا الناس يقبلون على البيع المقسط صاروا يفتحون للناس باب التقسيط من أجل أن يكسبوا الناس وأن يأخذوا ما عندهم بأي طريقة. وبعض الدوائر الحكومية كالتربية يأخذون رواتبهم من البنوك الربوية، والأولى عدم التعامل معهم في هذا. أما الحديث: (من أقرض شخصاً مرتين كان كصدقة مرة) والذي رواه ابن ماجة فهو حديث مرفوع وإن لم يكن له شواهد فهو ضعيف، وإن كان له شواهد فهو صحيح.

стр. 515

أحكام تتعلق بالدين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: أحكام الدين. من لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله]. إذا كان على الإنسان دين مؤجل فإن صاحب الدين ليس له أن يطالبه به قبل أجله؛ لأن من حقه أن يؤخر قضاءه حتى يحل الأجل؛ لأن الأجل من حق المدين، فليس للدائن أن يطالبه قبل حلول الأجل؛ إلا أن يسافر ويخشى أن يسلم الدين قبل مجيئه أو يغلب على ظنه أنه لا يجيء، فإنه يمنعه -كما سيأتي- من السفر حتى يوثق دينه، أما أن يطالبه قبل حلول الأجل فليس له ذلك؛ لأن المدة من حق المدين. فلو اشترى منه السلعة بثمن مؤجل إلى رمضان فلا يحق له أن يطالبه بالثمن في رجب أو في شعبان؛ لأن بينهما عقداً فلا يطالب حتى يأتي رمضان. وإذا دفع الدين مؤجلاً فإن للمقرض أن يتفق معه حتى يسقط عنه بعض دينه فهذا حسن، وهذه مسألة بع وتعجل، فمثلاً: لو كان له دين مؤجل إلى رمضان وقدره عشرة آلاف، فلما كان في شهر محرم صار المقرض محتاجاً للمال، فيسقط عنه ألفين، فأعطاه المقترض ثمانية آلاف وسامحه المقرض في ألفين فهذا لا بأس به، فهو أبرأه من بعض حقه وهذا قبل حلول الأجل. قال: [ولم يحجر عليه من أجله]. أي: لا يحجر عليه؛ لأنه ما حل وقت سداد الدين. قال: [ولم يحل بتفليسه]. أي: إذا صار المدين فقيراً فلا يحل الدين المؤجل بتفليسه، فلو أن شخصاً له دين مؤجل على شخص إلى رمضان وأفلس المدين فلا يحل المؤجل بتفليسه. فلا يطالبه قبل حلول الأجل من أجل كونه أفلس، لأن من حقه أن يتمتع بهذا الأجل. قال: [ولا بموته إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل]. كذلك إذا مات المدين فلا يحل الدين إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل، فلو أعطاه الورثة رهناً أو كفالة فإن الدين يبقى على أجله؛ لأنه توثق برهن أو كفيل. قال: [وإن أراد سفراً يحل قبل مدته، أو الغزو تطوعاً فلغريمه منعه إلا أن يوثق بذلك]. لأنه يخشى في هذه الحالة ألا يعطيه حقه. والرواية الأخرى: أنه إذا قدم من سفر قبل حلول الدين فليس له أن يطالبه، وعلى هذه الرواية أنه إذا خشي ألا يعطيه إذا غزى أو سافر، حتى ولو قال أنه سيرجع قبل حلول الدين فإن له أن يمنعه من السفر حتى يوثقه، فيقول له: لا تسافر، فإن قال له: سأرجع قبل حلول الدين، قال: ما ندري ترجع أو ما ترجع، أريد منك أن توثق بكفيل أو رهن، فله في هذه الرواية أن يمنعه حتى يوثقه دينه برهن أو كفيل، وعلى الرواية الأخرى أنه ليس له ذلك مادام أنه سيقدم قبل حلول الدين. قال: [وإن كان الدين حالاً على معسر وجب إنظاره]. أي: إذا حل الدين والمدين فقير فلا يجوز لصاحب الدين إيذاؤه ولا حبسه مادام أنه معسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، يعني: فأنظروه إلى أن ييسر الله له، ولا يجوز حبسه ولا إيذاؤه ويأثم بذلك؛ لأنه لا حيلة له فيه، ولا يفيد الحبس ما دام أنه ليس عنده شيء، بل تركه أولى حتى يترك له مجالاً لعله يكسب ويوفي الدين. أما إذا عرف أنه مماطل وعنده مال فهذا يحبس حتى يسلم الدين، يقول النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته). وقرابة المعسر لا يدفعون عنه؛ أما في دية الخطأ فإنهم يدفعون عنه. والراجح أنه لا يجوز له إيذاؤه ولا حبسه إذا تحقق أنه معسر للآية. قال: [فإن ادعى الإعسار حُلف وخلي سبيله]. أي: إذا ادعى الإعسار، وصاحب الدين لا يدري هل هو معسر أم لا؟ حلف المدعي أنه معسر فلو حلف يقبل يمينه ويخلي سبيله، هذا إن كان ما يعلم حاله. وهذا يكون عند القاضي، فيقول القاضي: هات بينة تثبت أنك معسر، فلو قال: ما عندي بينة، قال له القاضي: ما لك إلا اليمين، فيحلف أنه معسر ويخلى سبيله. قال: [إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة]. أي: إلا أن يعرف أن له مالاً فلا يقبل ادعاؤه الإعسار إلا بدليل أو بينة، وإذا كان عنده بيت ملك فإنه لا يباع؛ لأنه من الضروريات، وهذا هو الظاهر؛ إلا إذا كان البيت زائداً عن حاجته أو حاجة أمثاله، كأن يكون بيتاً كبيراً فيلزم بيعه ويشتري بيتاً مناسباً صغيراً ويوفي الدين. ولا يقبل قوله أنه ما عنده مال إلا ببينة. قال: [فإن كان موسراً لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيه]. أي: إذا كان معروفاً أنه غني وامتنع عن وفاء الدين، لزمه وفاء الدين، فإن أبى حبس من جهة القاضي أو الحاكم؛ لقول النبي ﷺ : (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)، أي: امتناع الغني عن وفاء الدين لمستحقه ومماطلته له يحل عرضه، فيقول: فلان منعني حقي (وعقوبته) أي: حبسه حتى يوفي الحق الذي عليه؛ لأنه ظالم. قال: [فإن كان ماله لا يفي بدينه كله فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم]. إذا كان ماله قليلاً وأفلس وطلب الغرماء أصحاب الديون من الحاكم أو القاضي أن يحجر عليه، فللحاكم أو القاضي أن يجيب طلبهم فيحجر عليه. والحجر عليه معناه: أن يمنعه من التصرف في أمواله فلا يحق له أن يبيع أو يشتري حتى يوفي الديون التي عليه. قال: [فإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله، ولم يقبل إقراره عليه]. لأن النبي ﷺ حجر على معاذ. وإذا أعلن الحاكم أو القاضي الحجر على فلان فلا يجوز تصرفه، فلو باع لا يصح البيع، والحاكم هو الذي يتولى جمع أمواله وبيعها وإعطاءها الغرماء. وإذا حجر الحاكم عليه في طلب الغرماء فإن الحكم ينفذ، فإذا باع بيته لا ينفذ البيع، فلو أقر أن فلاناً يطلبه عشرة آلاف مثلاً، فيقول له: إقرارك غير صحيح، وبيعك غير صحيح؛ لأنك محجور. قال: [ويتولى الحاكم قضاء دينه، ويبدأ بمن له أرش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من أرشها أو قيمة الجاني]. أي: حينما تكون على الشخص ديون وله غرماء وقل ماله وأفلس وطلبوا أن يحجر عليه، وحجر عليه الحاكم، وهو الذي يتولى جمع أمواله ويبيعها، ويخصص لجنة تحصي أمواله وتسدد الديون، ويبدأ أولاً بمن له أرش جناية، فمثلاً إذا كان له عبد، لما كان العبيد موجودين، والآن العبيد لا يوجدون، ووجود العبيد يدل على قوة المسلمين، والعبيد إنما يوجدون إذا وجد الجهاد في سبيل الله وقاتل المسلمون الكفرة وغنموا أموالهم ونساءهم وذراريهم؛ أما والمسلمون ضعفاء فلا يوجد جهاد. فلو كان له عبد واعتدى على شخص، أو اعتدى على دابته أو سيارته وأفسدها، فإذا جمع الحاكم أمواله فإنه يبدأ بمن له أرش جناية هذا العبد؛ لأن الجناية تعلقت في رقبته. ولو قال الذي أفسد هذا العبد ماله: إن هذا العبد هو الذي أفسد سيارتي وأريد هذا العبد فيسلم له العبد، وينظر في ثمن السيارة التي أفسدها وثمن العبد، فإذا وجدنا أن ثمن السيارة عشرة آلاف والعبد خمسة عشر ألفاً يعطى عشرة آلاف، وإذا وجدنا أن ثمن العبد عشرة آلاف والسيارة خمسة عشر ألفاً، يسلم له العبد فيأخذ العبد كاملاً وينتقل إليه؛ لأن هذه الجناية تعلقت برقبة الجاني. فإن كان ثمن العبد أقل سلم له العبد فيأخذه ويكون من أمواله؛ وإن كان ثمن العبد أكثر نعطيه القيمة والعبد يبقى لصاحبه؛ لأن الجناية تعلقت برقبة العبد وأرش الجناية هنا بين القيمة وثمن العبد فيدفع له أقل الأمرين، فإن كان ثمن السيارة أقل نعطيه ثمن السيارة، وإن كان ثمن السيارة أكثر يسلم العبد لصاحب السيارة، والباقي يكون للغرماء الآخرين. قال: [ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه]. ثم يبدأ أيضاً بالمرتبة الثانية وهي: الدين الذي به رهن، ونوفي صاحب الدين ونعطيه الأقل، فلو رهن سيارة قيمتها عشرة آلاف، ودينه يساوي خمسة عشر ألفاً يسلمه الرهن مثل العبد، وإن كانت السيارة أكثر من الدين سلم له الدين وتبقى السيارة للمدين، فتكون الخطوات المتبعة في ذلك ما يلي: الأولى: يبدأ بمن له أرش جناية. الثانية: الدين الذي به رهن. قال: [وله أسوة الغرماء في بقية دينه]. أي: الباقي من الدين يكون للغرماء بالنسبة. قال: [ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه لم يتلف بعضه، ولم يزد زيادة متصلة، ولم يأخذ من ثمنه شيئاً فله أخذه لقول رسول الله ﷺ : (من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره)]. هذا هو الأمر الثالث: من وجد متاعه بعينه فله أخذه بشروط: ألا يتغير، ولا يزيد زيادة متصلة، ولا يأخذ من ثمنه شيئاً، فمثلاً باع إنسان سيارة على شخص بعشرة آلاف وأفلس وحجر عليه الحاكم وطلب الغرماء فجاء صاحب السيارة وقال: هذه سيارتي بعينها ما تغيرت أي ما زاد ولا نقص من ثمنها شيء، فله أن نسلمها إياه؛ لأنه وجد متاعه بعينه للحديث: من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به. أما إذا أخذ جزءاً من ثمنها أو تغيرت السيارة أو عمل فيها أو باعها، ثم رجع فيها مرة أخرى ففي هذه الحالة لا تعطى له بخلاف ما لو كانت دابة زاد ثمنها. فمن وجد متاعه بعينه فله أخذه بشرط: أنه ما زاد فيه شيء ولا قبض من ثمنه شيئاً، ولم يتغير المبيع بحال أو بصفة من الصفات، وألا يتعلق بحق غيره فليس له أن يأخذه، وأن يكون المفلس حياً فلو توفي وجاء أولاده يطالبون فلا يحق لهم. قال: [ويُقْسَمْ الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم]. أي: يقسم الباقي بالنسبة، فلو أن شخصاً عليه دين وقدره مليون ريال ثم حجر عليه، وجمعنا ماله ووجدناه مائة ألف، ولغريمه الأول مائة ألف، والثاني: خمسمائة ألف، والثالث: أربعمائة ألف، فنقسم المائة ألف هذه بالنسبة، فالذي يطلبه مائة ألف نسبته العشر فنعطيه من المائة عشرة آلاف، والذي يطلبه خمسمائة ألف نعطيه خمسة آلاف؛ لأن نسبته نصف العشر، والذي يطلبه أربعمائة ألف نعطيه أربعة آلاف، وباقي الدين حتى ييسر الله، فهذه نسبة الغرماء، والذي له دراهم أخذها، والذي وجد ماله بعينه أخذه قبل أن توزع الديون أو تقسم وكذلك العبد الذي تعلق برقبته شيء يسلم له إياه، وليس لهم إلا هذا، وإن جاءه شيء من المال قسم مرة ثانية، وإن لم يأت شيء يبقى هكذا حتى ييسر الله. قال: [وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يفرغ من القسمة]. أي: أن الحاكم الذي يجمع ا

стр. 516

أحكام تتعلق بالحوالة والضمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الحوالة والضمان. ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل]. أي: من أحيل بدينه على مثله فرضي فإنه ينتقل ما في ذمته إلى ذمته، فلو أن زيداً يطلب ديناً من عمرو ألف ريال وبكر يطالب زيداً، فأحال زيد بكراً على عمرو فرضي عمرو انتقل ما في ذمة زيد إلى عمرو. والحوالة لها شروط: لابد أن يكون على مليء، وأن يكون الدين مماثلاً، وأن يكون التأجيل أو الحلول، أي: كل منهما مؤجل وكل منهما حال.

стр. 517

شروط الحوالة ولصحة الحوالة شروط: أحدها: تماثل الحقين؛ أي: ذهب بذهب وفضة بفضة، أما إذا كان هذا يطلب دولارات وهذا يطلب ريالات سعودية فهذا ليس بمتماثل، أو هذا يطلب ذهباً وهذا يطلب فضة فلا بد من التماثل، أو زيد يطلب عمراً ألف ريال وبكر يطلب زيداً ألف ريال فكل منهما يحيله عليه، أما إذا كان زيد يطلب عمراً مائة جنيه وبكر يطلب زيداً ألف ريال فهذا مختلف فلابد أن يتماثل الحقان. الشرط الثاني: يحيل برضاه فإن لم يرض فلا يحيل. الشرط الثالث: أن يحيل على دين مستقر في الذمة، فلا يكون مثل دين الكتابة؛ لأن العبد الذي يسدد الدين عن نفسه قد يعجل بفسخه، وهو مستقر عليه في الذمة. الشرط الرابع: أن يحيل بمال معلوم، فلابد أن يكون معلوم العدد كأن يكون زيد يطلب عمراً ألف ريال، وبكر يطلب زيداً ألف ريال. قال: [ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)]. أي: إذا حولت بكراً الذي يطلبك ماله على عمرو وهو مليء يلزمه أن يقبل؛ لأنه سواء يؤديه لزيد أو لبكر، أما إذا كان معسراً أو مماطلاً فلا يجوز، فإذا أحاله على مثله فلا بأس والدراهم نسبية والحلول كذلك. قال: [وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ وصار الدين عليهما، ولصاحبه مطالبة من شاء منهما]. إذا ضمن شخص شخصاً في دينه فإن الضامن والمضمون كل منهما ذمته مشغولة حتى يؤدى الدين ولصاحب الدين مطالبة الضامن أو المضمون عليه. قال: [فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه]. أي: إن استوفى صاحب الدين من المضمون عنه دينه أو أبرأه صاحب الدين وأسقط عنه الدين برئ الضامن. قال: [وإن برئ الضامن لم يبرأ الأصيل]. أي: إن برئ الضامن فيبقى الدين في ذمة المضمون عليه، فإذا برئ الضامن لا يبرأ المضمون بخلاف العكس، وهو إذا برئ المضمون برئ الضامن. قال: [وإن استوفى من الضامن رجع عليه]. أي: إذا استوفى حقه من الضامن يرجع الضامن إلى المضمون عنه، فيقول: أنا ضمنتك وسلمت الدين عنك أعطني حقي. قال: [ومن تكفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه]. إذا تكفل بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه الدين الذي عليه، أما إذا تكفل بإحضار بدنه فقط، فتسمى كفالة حضورية، أي: كفالة إحضاره إلى الحاكم، ولم يتكفل بضمان ما عليه فإنه في هذه الحالة يلزم بإحضاره، أو يحبس حتى يحضره، أما إذا كان عليه مال وتكفل بإحضاره من أجل المال الذي عليه ولم يحضره فيطالب بالمال الذي عليه في ذمته. قال: [فإن مات برئ كفيله]. أي: فإن التزم الكفيل بأن يحضره حتى يسلم الحق الذي عليه ثم مات المكفول فقد برئ الكفيل.

стр. 518

شرح عمدة الفقه_ كتاب البيوع [٥] الرهن هو عقد من عقود التوثيق، فمن استدان ديناً فإن للدائن أن يوثق دينه برهن، ويكون هذا في الحضر والسفر على حد سواء، وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه.

стр. 519

أحكام الرهن

стр. 520

تعريف الرهن ودليل مشروعيته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرهن. وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا]. الرهن: توثقة دين بعينه، والرهن يكون في الحضر والسفر، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فهذا في بيان الأغلب. وإذا كان زيد يطلب عمراً ألف ريال، ولكنه قال: أخشى ألا توفيني حقي وأريد منك رهناً، فارهني سيارتك، فيوثق دينه الذي في ذمة عمرو بهذه السيارة التي سلمها له. وكل ما جاز بيعه جاز رهنه، كالعقارات والأراضي وغيرها، أما الذي لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه مثل الطير في الهواء والجمل الشارد والعبد الآبق والحوت في البحر فلا بد للرهن أن يكون عيناً مقبوضة يمكن قبضها، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣]. قال: [ولا يلزم إلا بالقبض، وهو نقله إن كان منقولاً والتخلية فيما سواه]. لا يلزم الرهن إلا بالقبض، وهو نقله إن كان منقولاً، وإن لم يكن منقولاً فبالتخلية، فإذا رهن السيارة يسلمه المفتاح، أما إذا كان لا ينقل إلا بالتخلية كالأرض فيخلي بينه وبينها أو يعطيه الصك، وكذلك الدار يسلمه مفاتيحها، فما يقبل قبضه فبالنقل، وما لا يقبل قبضه فبالتخلية. أما قوله في الشرح: ولا يصح، وفي المتن: ولا يلزم فهما متقاربان؛ لأنه إذا لم يسلمه فلن يستطيع أن يوثق دينه إلا إذا قضاه. وأما بيع الدين بالدين فلا يصح لأنه لابد من قبضه، وهو منهي عنه بالإجماع، ولا يجوز إلا إذا قبض مفاتيح الدار أو الدراهم، أي: قبض العوض أو المعوض. وإذا سلمه العربون وهو أن يدفع له جزءاً من المال، ويقول له: إن سددت لك المال في وقت كذا وإلا فهو لك، فهذا جزء من الشرط، فإن سدد باقي المال وإلا فالعربون له. والصواب: أن بيع العربون يصح؛ لأنه مقابل تأخير السلعة وحبسها. والمقصود: أنه لابد من قبض أحد العوضين وأظن أن هذا البيع يوجد في الشركات، فيبيعون الدين بالدين وهو شيء لم يقبض. أي: صاحب الدين إذا أرسل وكيله ليقبض عنه فهو قبض له إذا كان أميناً. قال: [والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى]. الرهن أمانة في يد المرتهن وهو صاحب الدين أو وكيله، فإن تلف الرهن بدون تعد ولا تفريط فلا شيء عليه، وإن تعدى وفرط ضمنه، فإذا أهمل الرهن كأن يكون دابة ولم يعلفها حتى ماتت يضمنها، أما إذا ماتت ولم يفرط في حفظها وعلفها فليس عليه شيء، والقاعدة: أن المؤتمن إذا لم يتعد ولم يفرط لا يضمن، وإذا تعدى وفرط ضمن.

стр. 521

ما ينتفع به من الرهن وما يضمن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا ينتفع المرتهن بشيء منه إلا ما كان مركوباً أو محلوباً، فللمرتهن أن يركب ويحلب بمقدار العلف]. أي: لا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن إلا ما كان مركوباً فمثلاً: السيارة في مقابل البنزين، والعناية بها، وتغيير الزيت إذا احتاج، ويركب الدابة ويحلبها في مقابل العلف، فالمركوب يركب في مقابل النفقة عليه، والمحلوب في مقابل علفه، أما ما عدى ذلك فلا يستعمله كالدار فلا يؤجره، فإن أجره فالإجارة تكون للراهن؛ لأنها لا تحتاج إلى مقابل، لكن الدابة لابد من نفقة فهو ينفق عليها ويشرب حليبها، أو ينفق عليها ويركبها وفي الحديث: (لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان محلوباً والظهر يركب إذا كان مركوباً). قال: [وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه، لكن يكون رهناً معه]. أي: للراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه، فأجرة الدار للراهن، وكذلك أيضاً النماء، فلو ولدت الدابة تكون للراهن، كذا لو سمنت؛ لأنها لو تلفت تكون عليه، فكذلك إذا حصل فيها نماء فإنها تكون له. وإذا ولدت الدابة يكون ولدها رهناً معها، والجميع للراهن. قال: [وعليه غرمه من مؤنته ومخزنه وكفنه إن مات]. أي: عليه غرمه ومؤنته يعني: حفظه وكذلك كفنه، كما لو كان عبداً ومات فإن كفنه على الراهن، وكما أنه له غنمه فعليه غرمه، وإذا احتاج إلى نفقة فإنها تكون عليه، إلا إذا كان يركب أو يحلب فينفق عليها بقدر الركوب أو الحليب، وما عدى ذلك يكون كل هذا على الراهن. قال: [وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهناً مكانه]. أي: إذا أتلف الراهن الرهن، فإن كان عبداً ثم أعتقه أو أتلفه، يلزمه بأن يدفع رهناً مكانه توثقة لدين المرتهن. قال: [وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه]. أي: وإن جنى الخصم على العبد المرهون أو على الدابة المرهونة، كأن اعتدى على الدابة بكسر عظم أو على العبد بكسر عضو من أعضائه، اتفق معه على أنه يدفع له مثلاً عشرة آلاف أو خمسة آلاف مقابل الجناية ويقبضها الراهن وتكون رهناً معه، فيكون العبد وما سلم له مقابل الجناية رهناً. قال: [وما قبض بسببه فهو رهن]. أي: يكون رهناً معه. قال: [وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته]. وهذه المسألة عكس الأولى وهي: وإن جنى العبد المرهون على شخص فقتله فالمجني عليه أحق أن يأخذه برقبته، فلو جنى العبد على حر فقطع يده ودية اليد نصف الدية، ولما قدرنا العبد صار يساوي نصف الدية فيسلم الرهن للمجني عليه، ويأخذ العبد والراهن يضع قيمته مكانه. أي: وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته، وقدم على حق المرتهن لأنه فداؤه؛ فهو قد اعتدى على نفس والفداء مقدم، فيقدم على المالك، فأولى أن يقدم على المرتهن ولسيده فداؤه. ولو جنى العبد وهو غير مرهون تؤخذ الجناية من رقبته، فإذا كان مرهوناً أخذ من باب أولى، فيؤخذ إذا كان في ملك المالك، فإذا كان توثقة للمرتهن فمن باب أولى؛ لأن التوثقة أقل من الملكية. قال: [فإن فداه فهو رهن بحاله، وإذا حل الدين فلم يوفه الراهن بيع ووفي الحق من ثمنه وباقيه للراهن]. أي: فإن فداه ودفع قيمته يبقى رهناً بحاله، وإن لم يفده فالظاهر أنه يجعل شيئاً قيمته مكانه فإن كان أرش الجناية أكثر من ثمنه فطلب المجني عليه تسليمه للبيع وأراد الراهن فداءه فله ذلك؛ لأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه، ولسيده الخيار بين أن يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه، وبين أن يفديه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته فلو قدرت الجناية بعشرة آلاف، وثمن العبد لا يساوي إلا ثمانية آلاف، فالمجنى عليه يأخذ العبد والباقي دين عليه، أما إذا كانت الجناية ثمانية آلاف وثمنه عشرة آلاف فإن الولي مخير بين أن يسلمه ثمانية آلاف ويبقى الرهن، أو يسلمه العبد فيبيعه ويأخذ حقه ويسلمه ألفين. قال في الشرح: فإن فداه فهو رهن بحاله؛ لأن حق المرتهن لم يبطل وإنما قدم حق المجني عليه بقوته، فإذا زال ظهر حق المرتهن، وإن سلمه بطل الرهن. وظاهره أنه لا يضع قيمته مكانه؛ لأنه ما تسبب، فإذا كان العبد هو المتسبب والمالك لا يعلم ذلك يسلم العبد ويبطل الرهن. وإذا أحل الدين فلم يوفه الراهن بيع ووفي الحق من ثمنه، أي: إذا حل الدين ولم يوفه الراهن الدين يباع الرهن من قبل الحاكم، فيقدم صاحب الدين شكوى للحاكم الشرعي أو القاضي فيباع الرهن ويستوفي حقه، فإن كان مماثلاً لحقه سلمه إياه، وإن كان ثمنه أكثر أخذ حقه والباقي يرده على الراهن، وإن كان أقل سلم له قيمته والباقي يبقى في ذمة الراهن. قال: [وإذا شرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه، وأبى الضمين أن يضمن، خُير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين]. أي: إذا باع سلعة وشرط فيها رهناً أو كفيلاً، وامتنع الراهن أو الضمين لهذا الشرط، خير المشتري: فإن أحب أن يبقى بدون رهن أو ضمين، وإلا فسخ البيع. والمماطل يحبس حتى يسلم ما عليه، لقول النبي ﷺ : (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)، فيقول صاحب الحق: ظلمني حقي، أما عقوبته: فإنه يحبس حتى يسلم. وإذا كان مماطلاً وله كفيل فيطالب الكفيل بإحضاره، فلو حضر المماطل أمر بأن يسلم وإلا يحبس مادام أنه مماطل. ومن التزم بإحضار من عليه دين فلم يحضره لزمه ما عليه؛ لأنه ضامن فيلزم أن يحضره وإلا سلم ما عليه. وإذا التزم بإحضاره وضمان ما عليه التزم بالأمرين. وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه للضرورة.

стр. 522

أحكام تتعلق بالصلح قال المؤلف ﵀: [باب الصلح. ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز ما لم يجعل وفاء الباقي شرطاً في الهبة والإبراء]. أي: ومن صالح على إسقاط بعض دينه فلا بأس، فلو كان له دين عند شخص قدره مائة ألف، وتأخر في وفاء الدين، فقال له صاحب الدين: أعطني ثمانين أو سبعين، فهذا لا بأس بشرط ألا يقول المدين: أنا لا أعطيك المائة إلا إذا أسقطت سبعين، فإذا اشترط عليه لا يصح. ومن صالح على إسقاط بعض دينه فلا بأس كأن يكون له دين عند شخص مقداره مائة ألف، وتأخر الآخر في وفاء الدين فقال: أعطني ثمانين وأسقط عنك عشرين، أو أعطني سبعين، فهذا لا بأس به، بشرط ألا يقول المدين: أنا لا أعطيك المائة إلا إذا أسقطت السبعين، فإذا اشترط عليه فلا يصح كما لو طالبته بالمائة فقال: لا أعطيك المائة إلا إذا أسقطت ثلاثين؛ لأنه قد جعله شرطاً، وإذا جعله شرطاً لا يصح إلا إذا أسقطه باختياره، نظراً لكون المدين فقيراً مثلاً، أو لأنه مماطل ولا يريد أن يشتكيه فإذا كان هذا الإسقاط من قبل الغريم لا من قبل المدين فلا بأس به، وأما إذا كان شرطاً فلا، وكذلك أيضاً إذا كان في يده عين كسيارة مثلاً أو غيرها وقال: أعطني هذه العين، فقال: لا أعطيك إياها إلا إذا أعطيتني ربعها، فهذا شرط، وليس له ذلك، أو مثلاً أخذ منه نوعاً من الطعام، كأن يكون له مائة كيلو من التمر فقال: لا أعطيك المائة حتى تعطيني بعضه، فلا يجوز؛ لأنه جعله شرطاً، ولا يصح إلا إذا أسقطه هو كأن يقول له: أعطني العين الذي في يدك ولك جزء منها، فلا بأس ما لم يجعله المدين شرطاً. قال المؤلف ﵀: [ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز، ما لم يجعل وفاء الباقي شرطاً في الهبة والإبراء، أو يمنعه حقه إلا بذلك]. فإذا جعله شرطاً أو منعه إلا بهذا فلا يصح. قال: [أو يمنعه حقه إلا بذلك، أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي]. فإذا كانا قد اتفقا على هذا فلا بأس ويسمى: ضع وتعجل فإذا كان له مائة ألف ديناً على شخص تحل في ذي الحجة ونحن في محرم، فقال له: أنا محتاج الآن، وديني لا يحل إلا في ذي الحجة، ولكن إن شئت تعجل الدين وأسقط عنك البعض فبدلاً من أن تسلم المائة الألف في ذي الحجة فعجلها لي الآن وأسقط عنك ثلاثين أو أربعين وأعطني ستين وضع وتعجل عكس الربا، وليس مثله. وقوله: (أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي). يعني: لو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً مثل أن يصالح عن المائة المؤجلة بخمسين حالة لم يجز؛ لأنه ربا وهو بيع بعض ماله ببعض، ولأن بيع الحلول غير جائز. والمعروف أن هذا جائز وهو مسألة: ضع وتعجل وأنه ضد الربا. والجمهور على: أنه لا يجوز؛ لأنه بيع دراهم مؤجلة بدراهم معجلة أقل منها وقال بعض العلماء: إنه لا بأس بذلك؛ لأنه تنازل مقابل تنازل ولأن النبي ﷺ حين أراد إجلاء بني النضير وعليهم ديون للناس قال لهم: (ضعوا وتعجلوا) فالصواب أنه ليس ربا بل هو عكس الربا.

стр. 523

شروط قضاء الذهب بالفضة والفضة بالذهب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجوز اقتضاء الذهب عن الورق والورق عن الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس]. أي: ولم يبق شيء فلا بأس فإذا كان إنسان مثلاً يطلب من شخص مائة جنيه من الذهب فلما حل الدين قال له: أعطيك عن المائة الجنيه ألف ريال مثلاً، فلا بأس، بشرطين: الأول: التقابض في المجلس، الثاني: ألا يتفرقا وبينهما شيء. ومثله بالعكس لو كان يطالبه بألف ريال فلما حل الدين قال له: أعطيك عنها مائة جنيه من الذهب، ومعلوم أن بيع الذهب بالفضة لا يجوز إلا يداً بيد، فلا بأس إذا تقابضا في المجلس، ولم يبق بينهما شيء؛ لما ثبت عن ابن عمر أنه كان يبيع الإبل في البقيع فيأخذ عن الدراهم الدنانير وعن الدنانير الدراهم، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال له: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء). فمثلاً: إذا حل أجل المائة الجنية وكان ثمنها الآن ألف ريال فلا بأس أن يأخذها بها وأما إذا أخذها بسعر سابق أو بسعر لاحق كأن يكون قيمة الذهب الآن ألف ريال، ولكنه يقول: أنا يوم أسلفتك كان ثمنه ألفين، فأعطني ألفين، فهذا لا يصح، وهو ربا. فلا بد أن يكون الثمن بسعرها في الوقت الحاضر، وبشرط ألا يبقى شيء منها فإذا قال: أنا أعطيك الآن خمسمائة عن خمسين ويبقى في الذمة خمسين فلا يصح هذا، بل لا بد أن يتقابضا في المجلس ويتفرقا ولا يبقى بينهما شيء، كما قال النبي ﷺ : (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء). وكل منهما مستفيد، فهذا يستفيد إسقاط جزء من الدين، والغريم يستفيد أن يعجل ماله ليستفيد منه ويقضي حاجته.

стр. 524

الحكم إذا جهل الدين من الطرفين أو من أحدهما قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن كان له دين على غيره لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شيء جاز]. وذلك كأن يكون لشخص على آخر دراهم ونسياها معاً ولا يدرون هل هي ألف ريال أو ألفان أو خمسة آلاف، وطالت المدة وليس عندهما بينة، فقال له الغريم: أعطني الآن ثمانمائة وأحللنني وأحللك وسامحني وأسامحك، فلا بأس بذلك فإن كان المدعى عليه يعلم فكتم فقد وقع في الحرام ويجب عليه أن يبين. ولكن إن نسي كل منهما ثم تصالحا على شيء معلوم فلا بأس أما إذا كان أحدهما يعلم فلا يجوز له أن يكتم. قال: [ومن كان له دين على غيره لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شيء جاز، وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل]. فمثلاً إذا كان المدعى عليه يدري أنها ألفان وصالح على ألف فهو حرام عليه. قال: [ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز]. وهذا كما سبق، فمن له حق غير محدد -نقوداً أو غيرها- فاصطلحا على شيء وتحالا فلا بأس.

стр. 525

أحكام الوكالة قال المؤلف ﵀: [باب الوكالة وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه، إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه]. فتجوز إذا كان كل منهما رشيداً عاقلاً بالغاً، (في كل ما تجوز النيابة فيه) كأن يوكل في النفقة على أولاده، أو يوكل في إصلاح سيارته، أو يوكل في قضاء دينه، أو يوكل في بيع شيء من ماله فلا بأس، بشرط أن يكون كل من الموكل والوكيل بالغاً عاقلاً رشيداً. قال: [وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها]. يعني: أن عقد الوكالة ليس بلازم ولكل واحد منهما فسخه، فمثلاً: لو وكل إنسان إنساناً في بيع سيارته فلما أراد بيعها قال: أنا فسخت الوكالة، فلا تبع السيارة، أو قال الوكيل: أنا لا أقبل الوكالة فهذا فسخ؛ لأنها عقد جائز، وليس لازماً مثل عقد الإجارة وعقد البيع فإن الأصل فيه: أنه عقد لازم، فلو أنه اشترى سيارة ثم قال: إنها غير مناسبة ولا يرغب فيها ويريد ردها قيل له: إن هذا عقد لازم وقد تم البيع، إلا إذا أقله البائع. (من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة). ولو استأجر منزلاً لمدة سنة ثم خرج بعد خمسة أشهر فجاء آخر يستأجر منه باقي المدة فله أن يؤجرها بمثل أجرها أو أكثر أو أقل، فهو حر في تصرفه، ويسكنها بنفسه أو بغيره، بشرط أن يكون استعماله لها مثل استعمال الأول.

стр. 526

متى تنفسخ الوكالة قال المؤلف ﵀: [وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه والحجر عليه لسفه]. وكذلك الغيبوبة قد يقال: إنها تنفسخ بها؛ لأن الغيبوبة مثل الجنون وليس ببعيد أن يكون حكمها حكم الجنون ولهذا تسقط عنه الصلاة بالغيبوبة، فالأقرب أنها إذا طالت تنفسخ بها الوكالة. قال: [وكذلك في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة]. أي: أن كل هذه العقود تسقط بالموت والفسخ والحجر عليه؛ لأنها عقود جائزة. ولو باع الوكيل أو اشترى فإن البيع لازم، ويقوم الوكيل مقام الموكل في هذه الحالة.

стр. 527

ما يحق للوكيل التصرف فيه قال المؤلف ﵀: [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً]. فمثلاً إذا وكله في بيع سلعة فلا يبيعها على نفسه، ولا على أحد من أقربائه إلا إذا أذن له الموكل، وليس له أن يأخذها قرضاً لنفسه. وبعض الناس يتساهل إذا وضعت عنده أمانة فيصرفها أو يقترضها، وكل هذا تصرف لا وجه له. فليس للإنسان أن يبيع على نفسه ولا أن يقترض سلعة ولا يقسم شيئاً من الدراهم إلا بإذن الموكل. قال: [وليس له توكيل غيره ولا الشراء من نفسه ولا البيع]. أي: وليس للوكيل توكيل غيره إلا بإذن الموكل، ولا الشراء لنفسه أو بيعه لقريبه؛ لأنه متهم.

стр. 528

حكم بيع الفضولي دون إذن موكله قال المؤلف ﵀: [ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز]. وهذه مسألة تصرف الفضولي فلو أن إنساناً مثلاً اشترى سيارة لشخص آخر لم يوكله بالشراء، فلما أخبره أنه اشتراها له، قال الآخر: جزاك الله خيراً. صح الشراء، فإن لم يجز الشراء لزمت المشتري. قال: [وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه].

стр. 529

حالات ضمان الوكيل قال المؤلف ﵀: [والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد]. فإذا وُكل مثلاً في سيارة ثم حفظها في البيت فهو أمين غير مفرط، فإذا حدث لها شيء أو سرقت منه فإنه لا يضمنها؛ لأنه غير متعد وغير مفرط، ولكن إذا ضيعها أو جعلها في مكان معروف بأنه فيه لصوص فقد فرط ويضمنها. فالوكيل أمين إذا لم يتعد ولم يفرط، فإن تعدى وفرط ضمن.

стр. 530

الحكم فيما إذا اختلف الوكيل والموكل قال المؤلف ﵀: [وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه، والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي]. أي: أن القول قول الوكيل في الرد. فإذا اختلف الوكيل والموكل في شيء فقال الوكيل: إنه رده، وقال الموكل: لم يرده فالقول قول الوكيل. وكذلك في التلف، فإذا قال الوكيل: إنه تلف ولم يفرط فيه، وقال الموكل: إنه فرط فالقول قول الوكيل في الرد والتلف وكذلك إذا قال الوكيل: إنه لم يتعد، وقال الموكل: إنه تعدى فالقول قول الوكيل؛ لأنه أمين، والقاعدة: أن الأمين مؤتمن ويقبل قوله في الرد والتلف ونفي التعدي.
следующие страницы →