← Фикх общий

Фикх общий · id 37008

شرح عمدة الفقه - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (730 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

متى تنفسخ الوكالة قال المؤلف ﵀: [وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه والحجر عليه لسفه]. وكذلك الغيبوبة قد يقال: إنها تنفسخ بها؛ لأن الغيبوبة مثل الجنون وليس ببعيد أن يكون حكمها حكم الجنون ولهذا تسقط عنه الصلاة بالغيبوبة، فالأقرب أنها إذا طالت تنفسخ بها الوكالة. قال: [وكذلك في كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة]. أي: أن كل هذه العقود تسقط بالموت والفسخ والحجر عليه؛ لأنها عقود جائزة. ولو باع الوكيل أو اشترى فإن البيع لازم، ويقوم الوكيل مقام الموكل في هذه الحالة.

стр. 527

ما يحق للوكيل التصرف فيه قال المؤلف ﵀: [وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً]. فمثلاً إذا وكله في بيع سلعة فلا يبيعها على نفسه، ولا على أحد من أقربائه إلا إذا أذن له الموكل، وليس له أن يأخذها قرضاً لنفسه. وبعض الناس يتساهل إذا وضعت عنده أمانة فيصرفها أو يقترضها، وكل هذا تصرف لا وجه له. فليس للإنسان أن يبيع على نفسه ولا أن يقترض سلعة ولا يقسم شيئاً من الدراهم إلا بإذن الموكل. قال: [وليس له توكيل غيره ولا الشراء من نفسه ولا البيع]. أي: وليس للوكيل توكيل غيره إلا بإذن الموكل، ولا الشراء لنفسه أو بيعه لقريبه؛ لأنه متهم.

стр. 528

حكم بيع الفضولي دون إذن موكله قال المؤلف ﵀: [ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن موكله وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز]. وهذه مسألة تصرف الفضولي فلو أن إنساناً مثلاً اشترى سيارة لشخص آخر لم يوكله بالشراء، فلما أخبره أنه اشتراها له، قال الآخر: جزاك الله خيراً. صح الشراء، فإن لم يجز الشراء لزمت المشتري. قال: [وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه].

стр. 529

حالات ضمان الوكيل قال المؤلف ﵀: [والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد]. فإذا وُكل مثلاً في سيارة ثم حفظها في البيت فهو أمين غير مفرط، فإذا حدث لها شيء أو سرقت منه فإنه لا يضمنها؛ لأنه غير متعد وغير مفرط، ولكن إذا ضيعها أو جعلها في مكان معروف بأنه فيه لصوص فقد فرط ويضمنها. فالوكيل أمين إذا لم يتعد ولم يفرط، فإن تعدى وفرط ضمن.

стр. 530

الحكم فيما إذا اختلف الوكيل والموكل قال المؤلف ﵀: [وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه، والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي]. أي: أن القول قول الوكيل في الرد. فإذا اختلف الوكيل والموكل في شيء فقال الوكيل: إنه رده، وقال الموكل: لم يرده فالقول قول الوكيل. وكذلك في التلف، فإذا قال الوكيل: إنه تلف ولم يفرط فيه، وقال الموكل: إنه فرط فالقول قول الوكيل في الرد والتلف وكذلك إذا قال الوكيل: إنه لم يتعد، وقال الموكل: إنه تعدى فالقول قول الوكيل؛ لأنه أمين، والقاعدة: أن الأمين مؤتمن ويقبل قوله في الرد والتلف ونفي التعدي.

стр. 531

حكم شراء الوكيل من نفسه أو البيع لها قال الشارح: [مسألة: وليس للوكيل الشراء من نفسه والبيع لها إلا بإذن؛ لأن العرف في العقد أن يعقده مع غيره فحمل التوكيل عليه، ولأنه يلحقه تهمة ويتنافى الغرضان فلم يجز كما لو نهاه عنه، وعنه يجوز؛ لأنه امتثل أمره وحصل غرضه فصح كما لو كان من أجنبي، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء أو يوكل من يبيع ويكون هو أحد المشترين لتنتفي التهمة]. يعني: على هذه الرواية أنه إذا انتفت التهمة بأن وقف السوم وزاد عليه، أو وكل إنساناً يبيعها واشتراها بما وقفت عنده فيجوز والمذهب هو الأقرب وهو الصواب: أنه ليس له ذلك وليس له أن يبيع أو يشتري لنفسه، حتى يبعد التهمة عن نفسه. قال الشارح: [قال القاضي: ويحتمل ألا يشترط ذلك؛ لأنه قد امتثل أمره فأما إذا أذن له في ذلك فقد عمل بمقتضى التوكيل]. وهذا لا إشكال فيه وإنما الكلام إذا لم يأذن فالأقرب المنع.

стр. 532

حكم من قضى الدين بغير بينة إذا أنكر الغريم قال المؤلف ﵀: [وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن إلا أن يقضيه بحضرة الموكل]. أي: أنه إذا قضى الدين بغير بينة ثم أنكر الغريم، وقال: لم تقض فإنه يضمن؛ لأنه مفرط فلابد أن يشهد، إلا إذا كان في حضور الموكل فهو لازم يقضى به على الموكل، فمادام أن الوكيل قضاه في حضرة موكله فإن أنكر الغريم بعد ذلك فليس على الوكيل شيء في هذه الحالة.

стр. 533

الأسئلة قال المؤلف ﵀: [باب الوكالة وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه، إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه]. فتجوز إذا كان كل منهما رشيداً عاقلاً بالغاً، (في كل ما تجوز النيابة فيه) كأن يوكل في النفقة على أولاده، أو يوكل في إصلاح سيارته، أو يوكل في قضاء دينه، أو يوكل في بيع شيء من ماله فلا بأس، بشرط أن يكون كل من الموكل والوكيل بالغاً عاقلاً رشيداً. قال: [وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها]. يعني: أن عقد الوكالة ليس بلازم ولكل واحد منهما فسخه، فمثلاً: لو وكل إنسان إنساناً في بيع سيارته فلما أراد بيعها قال: أنا فسخت الوكالة، فلا تبع السيارة، أو قال الوكيل: أنا لا أقبل الوكالة فهذا فسخ؛ لأنها عقد جائز، وليس لازماً مثل عقد الإجارة وعقد البيع فإن الأصل فيه: أنه عقد لازم، فلو أنه اشترى سيارة ثم قال: إنها غير مناسبة ولا يرغب فيها ويريد ردها قيل له: إن هذا عقد لازم وقد تم البيع، إلا إذا أقله البائع. (من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة). ولو استأجر منزلاً لمدة سنة ثم خرج بعد خمسة أشهر فجاء آخر يستأجر منه باقي المدة فله أن يؤجرها بمثل أجرها أو أكثر أو أقل، فهو حر في تصرفه، ويسكنها بنفسه أو بغيره، بشرط أن يكون استعماله لها مثل استعمال الأول.

стр. 534

حكم أخذ الوكيل أجرة على وكالته السؤال ما حكم أخذ الوكيل الأجرة على وكالته؟ الجواب تجوز الوكالة بأجرة وبغير أجرة.

стр. 535

حكم الوكالة في النكاح والطلاق السؤال ما حكم الوكالة في النكاح أو الطلاق؟ الجواب يجوز التوكيل في الزواج، فيأتي الوكيل فيقول الأب لوكيل الزوج: زوجت بنتي موكلك فلان، فيقول الأخير: قبلت هذا الزواج لموكلي فلان، وكذلك في الطلاق إذا وكل أن يطلق وقال: طلقت زوجة فلان.

стр. 536

حكم توكيل الإمام لغيره في الصلاة السؤال ما حكم توكيل الإمام غيره في الصلاة؟ الجواب الإمام الأصل أنه لا يوكل، ولكن لو رأى أن هناك أولى منه بالإمامة ثم أناب فأرجو ألا يكون حرج.

стр. 537

شرح عمدة الفقه_ كتاب البيوع [٦] الشركة هي عقد بين شخصين ولها صور عدة، فمنها شركة العنان والتي يشتركان فيها ببدنيهما وما ليهما، وشركة الوجوه والتي يشتركان فيها بالذمة، وشركة المضاربة والتي يشترك فيها أحدهما بماله والآخر بعمله، وشركة الأبدان والتي يشتركان فيها ببدنيهما، وشركة المفاوضة والتي يفوض فيها أحدهما الآخر في المال والبدن والذمة وكل شيء.

стр. 538

ما جاء في الشركة قال المؤلف ﵀: [باب الشركة. وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما، وشركة الوجوه: وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما، والمضاربة، وهي: أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه، ويشتركان في ربحه، وشركة الأبدان وهي: أن يشتركا فيما يكسبان لأبدانهما من المباح، إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار]. الشركة دل عليها الكتاب والسنة قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] أي: الشركاء. وفي الحديث القدسي كما يقول الله تعالى: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر، فإذا خانه خرجت من بينهما)، أو كما جاء. فالشركة جائزة وهي كما ذكر المؤلف ﵀ أربعة أنواع: شركة العنان, وشركة الوجوه, وشركة المضاربة, وشركة الأبدان وهناك نوع خامس وهو: شركة المفاوضة.

стр. 539

شركة العنان النوع الأول: شركة العنان هي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما فيكون من كل واحد منهما المال والعمل كأن يضع أحدهما مثلاً خمسة آلاف والآخر مثله، وكل منهما يشتغل بماله ومال صاحبه، فأما اشتغاله بماله فمن أجل ملكه له، ويشتغل كذلك بمال صاحبه بالوكالة عنه. يعني: أن كلاً منهما قد وكل صاحبه، فمثلاً: هذا يشتري سيارات وهذا يشتري عقارات ويشغلها، وقد يربحون أو يخسرون، وقد يربح أحدهما ويخسر الآخر، فإن خسرا جبرت الخسارة من رأس المال، وإن ربحا كان الربح بينهما على حسب الشرط. ولابد أن يكون المال من النقدين أو أحدهما ولا يكون عروضاً. ولابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً فإن كان الربح مجهولاً أو اشترطا لكل واحد منهما دراهم معينة، أو شرط أحدهما أن ربح هذه السيارة لي دون ربح القمار فلا يصح، بل لابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً، يعني: أن لكل واحد منهما نصف الربح، أو لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان، فيتقاسمان الربح حسب الاتفاق.

стр. 540

شركة الوجوه النوع الثاني: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا فيما يشتريانه بالذمة وليس بينهما مال، وإنما هو في الذمة مثل أن يشتري أحدهما سيارات ديناً والآخر يشتري عقاراً ديناً، والربح بينهما نصفان، أو ثلاثة أرباع، ثم يبيع كل منهما ويسدد ما عليه وهكذا. فإذا مضى مدة تقاسما الربح بينهما وقد سميت هذه الشركة شركة الوجوه؛ لأن كلاً منهما يشتري بوجهه وبذمته؛ لأنه ليس عندهما مالاً.

стр. 541

شركة المضاربة النوع الثالث: شركة المضاربة، وهي: أن يكون من أحدهما المال والآخر منه العمل قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] فدل القرآن على شركة المضاربة، وأن أحدهما منه المال والآخر منه العمل، مثل: أن يدفع شخص عشرة آلاف لآخر يشتغل بها، فإن خسر فالخسارة تكون على صاحب المال، وإن لم يبق إلا رأس المال فليس له شيء، وإن ربح كان الربح على حسب الشرط الذي بينهما، فمثلاً: إذا قال أحدهما للآخر: أعطيك مائة ألف تشتري بها سيارات أو أرضاً أو عقارات ويكون لك الربع من الربح ولي ثلاثة أرباع، فإذا مضت سنة أو سنتان اقتسما الربح على حسب الشرط الذي بينهما، فإن خسر كانت الخسارة على صاحب المال وليس على العامل شيء فإن لم يوجد إلا رأس المال فليس للعامل منه شيء.

стр. 542

شركة الأبدان النوع الرابع: شركة الأبدان، وهي: أن يشتغل كل واحد منهما ببدنه. مثل: أن يشتغل أحدهما بالنجارة والآخر بالحدادة ويتقاسمان الربح بينهما على حسب الاتفاق أو مثلاً: يشتغل أحدهما في الاحتشاش والآخر في الاحتطاب وقد جاء أنه اشترك عبد الله بن مسعود وسعد وعمار في غزوة بدر فجاء سعد بأسيرين ولم يجئ عبد الله وعمار بشيء فاشتركوا في ربح الأسيرين. فإذا اشتركا في الصناعة أو التجارة أو الاحتطاب أو الصيد فما ربحاه كان بينهما على حسب الشرط، ولابد أن يكون الربح جزءاً مشاعاً، سواء كان ربعاً أو نصفاً أو ثلثاً على حسب الاتفاق بينهما.

стр. 543

شركة المفاوضة النوع الخامس: وشركة المفاوضة، شركة المفاوضة هذه عامة تشمل المال والبدن والذمة وكل شيء، وهي: أن يفوض كل منهما صاحبه في كل شيء، كأن يضعان مالاً ويشتغلان ببدنهما، ويشتريان في ذمتهما، فإذا رأى أحدهما مثلاً بيعة مناسبة اشتراها بالمال الذي عنده، وإذا رأى أيضاً كسباً بالبدن كسبه ببدنه، وإن رأى شيئاً يُشترى في الذمة اشتراه في الذمة أيضاً، وهكذا: ويكون الربح بينهما على حسب ما اتفقا عليه. قوله: (باب الشركة: وهي على أربعة أضرب: شركة العنان، وهي: أن يشتركا بماليهما وبدنيهما). أي: أن يضع كل واحد ماله وبدنه ويشتغلان معاً ويتصرف كل منهما بالمال، أما تصرفه بماله فلأنه ملكه، وأما تصرفه بمال شريكه فلأنه فوضه ووكله. (وشركة الوجوه، وهي: أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما). أي: أن كل واحد منهما يشتري في الذمة، ولا يوجد فيها مال ولا بدن، وما حصل من الربح كان بينهما على حسب الشرط. قوله: (والمضاربة، وهي: أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه، ويشتركان في ربحه). وهي مثل القراض فأحدهما منه المال والآخر منه العمل، ويكون الربح بينهما على حسب الشرط، فإن خسر فليس على العامل شيء، وإن بقي رأس المال فليس له شيء، وإن ربح كان الربح بينهما على حسب الشرط. قوله: (وشركة الأبدان، وهي: أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه). وهذه ليس فيها إلا العمل بالبدن، وليس فيها مال، وإنما كل منهما يشتغل ببدنه، كأن يشتغل أحدهما في السيارات والآخر نجاراً، أو كأن يكون أحدهما مصلحاً للساعات والآخر بناءً أو دهاناً أو سباكاً، وما ربحاه جمعاه واقتسماه بينهما. قوله: (وشركة الأبدان، وهي: أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد ونحوه؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء). والمعنى: أن النبي ﷺ أقره على ذلك. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود وفيه علة قال ابن حجر: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وقد كان من قتل قتيلاً أو أتى بأسير فله سلبه، وهذا من باب التشجيع، وهو من غير الغنائم؛ لأنه في الغنائم يشارك الغانمين، وأما هذا فهو شيء خاص.

стр. 544

كيفية تحمل الخسارة في الشركة قال المؤلف ﵀: [والربح في جميع ذلك على ما شرطاه، والوضيعة على قدر المال]. والوضيعة: الخسارة فإذا خسرا مثلاً في شركة العنان فتكون الخسارة على قدر المال، فإذا دفع أحدهما مثلاً خمسة آلاف ودفع الآخر عشرة آلاف ثم خسرا فتكون الخسارة على صاحب العشرة آلالاف أكثر وهكذا. وفي المضاربة تكون الخسارة على رب المال؛ لأن أحدهما منه العمل والآخر منه المال، وليس فيها مال من الطرفين. فإذا كان فيها مال من الطرفين فهي شركة العنان فإذا دفع أحدهما مثلاً ستين ودفع الآخر أربعين ثم خسراً مائة كانت الخسارة على صاحب الستين ستين فقط وعلى صاحب الأربعين أربعين، وهكذا بالنسبة، فإذا دفع أحدهما ستمائة ألف ودفع الآخر أربعمائة ألف ثم خسرا ألفاً كانت الخسارة على الذي دفع الستمائة ألف ستمائة، وعلى الذي دفع الأربعمائة ألف أربعمائة وهكذا. وإذا فسخ أحدهما العقد بطلت الشركة مثل عقد المساقاة والمزارعة، فهي عقد جائز، متى ما فسخها أحدهما فسخت وبطلت، وكذلك تبطل الشركة بموت أحد الشريكين أو بالحجر عليه.

стр. 545

حكم اشتراط أحد الشريكين شرطاً زائداً على نسبة الربح أو تصرفه في الشركة دون إذن الآخر قال المؤلف ﵀: [ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة]. لأن فيها غرراً فلا يقول أحدهما مثلاً: أنا أشترك معك على أن لي من الربح عشرة آلاف؛ لأنهما قد لا يكسبان عشرة آلاف وقد يكسبانها هي فقط، فيأخذها صاحب الشرط، ويبقى الآخر ليس له شيء، فلا يجوز التحديد في الشركة، وإنما يجوز فيها النسبة. قال: [ولا يجوز أن يجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح بشيء معين والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك]. والمساقاة على الشجر، والمزارعة على الأرض، والمساقاة هي: أن يدفع شخص شجر النخيل لشخص آخر يشتغل فيها بالعمل أو السقي، وتكون الثمرة على حسب ما يخرج منها. والمزارعة هي: أن يعطيه الأرض ليزرعها وسواء كان البذر من العامل أو من رب المال وما خرج يكون بينهما بجزء مشاع من الربح، والأصل في هذا: (أن النبي صلى الله علية وسلم عامل أهل خيبر لما فتحها بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فدفع النبي صلى الله علية وسلم لهم الأرض والشجر يعملون فيها بالنصف) أي: لهم نصف الثمار ولليهود النصف، وذلك لأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد ولا يستطيعون العمل في النخيل، فلهذا أبقى اليهود وعاملهم عليها. قال: [والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك وتجبر الوضيعة من الربح]. أي: تجبر الخسارة من الربح، فيكمل رأس المال من الربح حتى ولو لم يبق منه شيء. قال: [وليس لأحدهما البيع بنسيئة ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر]. أي: ليس له أن يبيع بشيء مؤجل إلا إذا أذن له صاحبه، ولا يأخذ شيئاً من الربح إلا إذا أذن له.

стр. 546

ما جاء في المساقاة والمرابحة قال: [باب المساقاة والمزارعة. يجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم. والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها]. وتكون المساقاة على الشجر، والمزارعة على الأرض، والمساقاة هي: أن يدفع ما عنده من أشجار النخيل أو أشجار العنب أو البرتقال أو التفاح إلى شخص آخر يشتغل فيها بالسقي والحراسة وغيرها، والربح بينهما, فإذا خرج التمر أو العنب أو التفاح أو البرتقال باعه والربح بينهما على النصف أو على الربع, والمزارعة هي: أن يدفع أحدهما أرضه لشخص يسقيها ويحرسها ويبذرها ويزرعها وما تحصل من الحبوب يكون بينهما بالنصف أو بالربع أو بالثلث على حسب الاتفاق, سواء كان البذر من رب الأرض أو من العامل. قال: [تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر بجزء من ثمره مشاع معلوم والمزارعة في الأرض بجزء من زرعها، سواء كان البذر منهما أو من أحدهما؛ لقول ابن عمر ﵄: (عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر)]. والشطر يعني: النصف، وجاء في بعض الروايات: (أنه لما فتحت خيبر قال اليهود: أنتم مشغولون لو تركتموها في أيدينا نعمل لكم فتركهم النبي يعملون، وساقاهم على الشجر وعلى الأرض جميعاً وزارعهم على الأرض). قال المؤلف ﵀: [وفي لفظ: (على أن يعمروهما من أموالهم) وعلى العامل ما جرت العادة بعمله]. وعلى العامل أن يعمل ما جرت العادة بعمله وكان معروفاً أن على العامل عمله، مثل: أن يحرث ويسقي ويبذر ويأتي بالبذر من عنده، وعليه أن يسمدها، ويقوم بما جرت العادة به، فيأتي بالسماد وبغيره في كل وقت. قال: [وعلى العامل ما جرت العادة بعمله ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك]. فلو أعطاه الفرس أو الحمار أو البعير وقال له: اشتغل عليه وما حصل بيننا نصفين فلا بأس، أو قال له: جر عليه عربة واحمل البضائع للناس وما ربحت يكون على النصف أو الربع فلا بأس.

стр. 547

حكم تأجير السيارات على أن يدفع السائق لصاحبها كل يوم مبلغاً معيناً ومثله الآن تأجير السيارة على النصف أو الربع أو الثلث وأما ما يفعله بعض الناس الآن من كونه يعطيه سيارته ويقول له: كل يوم تعطيني أربعة آلاف أو خمسة آلاف فهذا غرر وفيه مخاطرة، فقد لا يربح المستأجر هذا المبلغ، ولذلك تجد السائقين يتهورون ويسرعون ويخاطرون من أجل أن يحصل على ما يسدد به لصاحب السيارة وعلى ربحه، فتجده يسهر ويتعب، فالتحديد غرر ولا يصح وهو غلط؛ لأنه قد لا يحصل شيئاً في بعض الأيام. وهذا غرر وظلم وطريقة الخروج منه أن يشتغل بالسيارة بأحد أمرين: إما بالراتب، فيعطيه راتباً شهرياً ويكون الباقي لصاحب السيارة وإما أن يعطيه نسبة مما يكسب، فيعطيه الربع أو الخمس أو السدس أو عشرة في المائة أو عشرين في المائة أو خمسة وعشرين في المائة أو ثلاثين في المائة، والباقي لصاحب السيارة، فهذا لا بأس به فأما أن يفرض عليه أن يأتيه كل يوم بمبلغ معين فهذا غرر وظلم ويترتب عليه مشاكل متعددة كما هو الواقع، ولكن بعض الناس لا يبالي والعياذ بالله. وقد يقال: إنه إذا أجر له السيارة مثل إيجار البيت يشتغل عليها فلا بأس بهذا الإيجار، فيكون مثلاً شهرياً أو يومياً والدليل على هذا ما أخرجه البخاري أن الزبير كان له كذا وكذا من العبيد وكان يطلب من كل أحد منهم كل يوم ديناراً وقد كان هؤلاء العبيد أصحاب صناعات ومهن، وكان منهم أبو لؤلؤة المجوسي الذي قتل عمر ﵁ فجاء إلى عمر يشتكي المغيرة ويقول: إنه يطلب مني كل يوم درهمين أو كذا، فسأله عمر عن الصناعة التي في يده وقال له: أنت تصنع كذا وكذا وكذا والدرهمان ليست كثيرة عليك فحنق عليه وتوعده. وإذا أعطى شخصاً -مثلاً- خمسين وقال: إن كسبت هذه التجارة فلي ثلاثين في المائة وإن لم تكسب تكون سلفة عليك فلا يصح هذا؛ لأنه عقدين في عقد، وهذا عقد غرر، وإذا أراد أن يعطيه سلفة فليعطه من غير أن يشترط عليه جزءاً من الربح. والفرق بين أن يعطيه السيارة على أن يعطيه كل يوم مبلغاً معيناً وبين الإجارة: أن شرطه هذا ليس عن رضا العامل، وإنما هو مجبر على القبول وإلا فُصل. ولو كان راضياً فهو أيضاً مضطر إلى هذا العمل.

стр. 548

ما جاء في الجعالة قال المؤلف ﵀: [باب الجعالة. وهي أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل]. والجعل هو: شيء يخرجه الإنسان يتبرع به لمن عمل عملاً, مثل: من يضيع عليه شيء فيقول: من رد لقطتي فله كذا وكذا، فإذا أتى بها إنسان فيستحق الجعل أو يقول: ضاع مني بعير فمن يأتي به فله كذا فإن أتى به إنسان استحق الجعل. أو يقول: من بنى لي هذا الجدار أو هذا البيت فله كذا وكذا فجاء إنسان وبناه فله الجعل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] في قصة إخوة يوسف قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧٢] يعني: كفيل. قال المؤلف ﵀: [وهو أن يقول: من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فمن فعل ذلك استحق الجعل؛ لما روى أبو سعيد: (أن قوماً لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا، حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى برأ فأخذوا الغنم وسألوا عن ذلك النبي ﷺ فقال: وما يدريك أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم)]. وهذا دليل أيضاً من السنة على جواز الجعالة، فالدليل الأول قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف:٧٢]. والدليل الثاني: حديث أبي سعيد وهو في الصحيحين في قصة اللديغ وذلك أن قوماً من الصحابة استضافوا حياً من العرب فلم يضيفوهم ولم يقروهم، فلما ذهبوا عنهم لدغ سيدهم فجعلوا ينادونهم ويقولون: إن سيدنا لدغ وإنا فعلنا الأسباب ولم يستفد منها، فهل فيكم من راق؟ أو هل عندكم أحد يرقي؟ فقالوا: نعم، ولكن لا نعطيكم إلا بجعل؛ لأنكم لم تقرونا، فاجعلوا لنا جعلاً فاتفقوا معهم على قطيع من الغنم فجاء أحدهم وأخذ بيده أو برجله وجعل يقرأ الفاتحة ويتفل ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فجعل السم يسيل ويخرج. وقد كان الصحابة يظنون أنه ليس قارئاً، فقالوا: يا فلان! ما نعلم وما نعرفك قارئاً. قال: والله ما رقيت إلا بأم الكتاب. فساقوا القطيع من الغنم، ثم تحرجوا وقالوا: كيف نأخذها ولم نسأل النبي ﷺ ؟ فلما سألوا النبي ﷺ قال: (وما يدريك أنها رقية، خذوها واضربوا لي معكم بسهم) من باب تطييب نفوسهم. وكأنه: يقول: أنا شريك لكم فاجعلوا لي سهماً منها؛ حتى يطيب نفوسهم ويطمأنوا أنها لا شبهة فيها. ولمن يرقي بالفاتحة أن يقرأ دون تحديد فيكررها مرتين وثلاثاً. والحديث فيه دليل على: أنه لا بأس بأخذ الأجرة على الرقية، ولكن لا يستغل الناس, مثل بعض الناس الآن الذين يستغلون حاجة الفقير؛ لأنهم قد لا يتمكنون مثلاً من الكسب وكذلك أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا بأس بها. ويجوز أن يقرأ معها آية الكرسي والمعوذتين وقل هو الله أحد ويأتي بالتعوذات المسنونة، مثل: (اللهم رب الناس مذهب البأس).

стр. 549

الفرق بين الجعالة والأجرة والفرق بين الجعالة والأجرة: أن الفاعل في الجعالة غير محدد، بخلاف الأجرة فإنها اتفاق مع شخص على أن يعمل عملاً معيناً بأجرة معينة، وأما الجعالة فيكون العامل غير معين. قال المؤلف ﵀: [ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه]. فلو أتى بالبعير وسلمه قبل الجعل أو قبل أن يسلمه فلا يستحق الجعل إلا إذا التقطه بعد أن يجعل له.

стр. 550

ما جاء في اللقطة قال المؤلف ﵀: [باب اللقطة وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف؛ لقول جابر: (رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به). الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوهما فلا يجوز أخذها؛ لأن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل فقال: (ما لك ولها؟ دعها، معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها) ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام. الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه، ويجب تعريفه حولاً في مجامع الناس، كالأسواق وأبواب المساجد، فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك]. اللقطة هي: المال الضائع الذي لا يعرف صاحبه. فإذا وجد إنسان مالاً ضائعاً لا يعرف صاحبه فهو على أحوال ثلاث: الحالة الأولى: أن يكون هذا الملتقط شيئاً حقيراً لا قيمة له، كالسوط والعصا والحبل والريال والخمسة الريالات مثلاً، فهذه يلتقطها وينتفع بها ولا شيء فيها. الحالة الثانية: أن يكون الملتقط حيواناً يمتنع من صغار السباع كالإبل والبقر والخيل، فهذه يتركها ولا يأخذها؛ لأن النبي ﷺ : (لما سئل عن لقطة الإبل احمر وجهه وقال: دعها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر) أي: لا يضرها شيء، وتستطيع أن تصبر فالبعير يصبر على الماء مدة طويلة وينفر عن صغار السباع كالذئب وغيره، اللهم في حالة الإرهاق كأن يكون في أرض مسبعة ولا يستطيع الامتناع لكثرة السباع، فينقله من المسبعة إلى مكان آخر ولا يأخذه فإذا التقطه في هذه الحالة فإنه يضمنه ولا تبرأ ذمته إلا بأن يسلمه إلى نائب الإمام. الحالة الثالثة: الأثمان والأمتعة التي لها قيمة في همة أوساط الناس، كأن يجد دراهم كثيرة، وكذلك الحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع كالشاة والماعز التي لا تستطيع أن تقاوم السباع، فإنه يلتقطها في هذه الحالة وقد قال النبي ﷺ : (لما سئل عن لقطة الشاة قال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) يعني: أن تأخذها أو يأكلها الذئب، فهذه يعرفها سنة في مجامع الناس في الأسواق ويعلن عنها أو يوكل شخصاً يعلن عنها في مجامع الناس في الأسواق وعند أبواب المساجد وعليه أن يعرف صفتها ويضبطها ويسجل عنده أوصافها ولا بد أن يعرف عددها وعفاصها، وهو: الوعاء التي هي فيه ويعرف وكاءها، وهو: الرباط المربوطة فيه فإذا جاء طالبها وعرف عددها وصفتها ووكاءها دفعها إليه، وإلا فلا يعطيه، فإن جاء طالبها قبل تمام الحول فيدفعها إليه وإن انتهى الحول فإنه يملكها بعد ضبط أوصافها، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر ولو بعد سنة أو سنتين فيدفعها إليه، وإن لم يأت أحد فهي له وينتهي تعريفها بانتهاء الحول، وأما لقطة الحرم فلا يزال يعرفها مدى الدهر، يقول النبي ﷺ لما خطب الناس: (ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد)، وإذا كان هذا الملتقط يحتاج إلى نفقة كالشاة التي يخشى عليها أن تهلك أو تحتاج إلى علف، والتي ربما ينفق عليها أكثر من ثمنها فإن الملتقط بين أحد أمرين: إما أن يسجل أوصافها ثم يبيعها ويحفظ الثمن، وله أن يذبحها ويأكلها ويسجل ثمنها، فإذا جاء طالبها دفع إليه ثمنها؛ لأنه إن رباها وأنفق عليها فإنه يتضرر. فإذا جاء صاحبها وعرفها ففليس هناك حاجة إلى تحليفه، فإن لم يعرفها فلا يدفعها إليه. وإن لم يستطع أن هو يعرفها فوكل أحداً يعرفها، ويضبطها وإذا تم الحول فهي له. وإذا كانت اللقطة لا قيمة لها في أوساط الناس فلا بأس أن يتصدق بها وإن جاء طالبها يوماً خيره. ولو وجد اللقطة في عرفة فعليه أن يعرفها في السنة في عرفة وفي المشاعر وفي مكة؛ لأن الحاج يأتي عرفة، وينتقل بين المناسك فإن لم يجد صاحبها عرفها في السنة القادمة، والآن هناك لجان للاهتمام باللقطة فيدفعها إليها. قال المؤلف ﵀: [فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة، وإن لم يعرف فهو كسائر ماله ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك، وإن كان حيواناً يحتاج إلى مؤنة أو شيئاً يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه]. ويحفظ الثمن لصاحبه. قال: [ثم يعرفه؛ لما روى زيد بن خالد عنه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب والورق؟ فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه)]. فإن لم يأت فتكون له بعد السنة. قال: [(وسأله عن الشاة؟ فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها]. لأنه مؤتمن فإذا تلفت وهو لم يتعد ولم يفرط فلا يضمنها، فإن كان متعدياً أو مفرطاً فيضمنها.

стр. 551

ما جاء في اللقيط قال المؤلف ﵀: [فصل في اللقيط. هو الطفل المنبوذ وهو محكوم بحريته وإسلامه، وما وجد عنده من المال فهو له]. اللقيط هو: الطفل المنبوذ كأن يكون نبذ في المسجد أو في الشارع، فيحكم له بأنه حر وبأنه مسلم، وأحياناً يكون معه مال فينفق عليه منه، وإن لم يكن معه شيء فينفق عليه من بيت المال فإن جاء أحد يدعيه فيما بعد فينسب إليه وإن كان كافراً، ولا يلحق به من جهة الدين. قال: [وولايته لملتقطه إذا كان مسلماً عدلاً، ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه وما خلفه فهو فيء]. أي: إذا كبر وصار رجلاً وخلف مالاً وليس له وارث ولا يعرف له أب ولا أم فيكون ماله في بيت مال المسلمين وقيل: تكون ولايته لمن التقطه، وهو ضعيف. قال: [ومن ادعى نسبه ألحق به، إلا إن كان كافراً ألحق به نسباً لا ديناً، ولم يسلم إليه]. فيلحق به نسباً من باب حفظ النسب، ولكنه لا يسلم إليه؛ لأنه ليس بمسلم وقد اختار شيخ الإسلام أن ميراث اللقيط لملتقطه؛ لما روى سعيد عن سفيان عن الزهري أنه سمع شبيباً أبا جميلة فقال: وجدت ملقوطاً فأتيت به عمر ﵁ فقال: عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم، قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته، أو: قال رضاعه. وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن عمر، والصواب هو ما قال الجمهور: أن ولاءه لبيت المال.

стр. 552

شرح عمدة الفقه_ كتاب البيوع [٧] السبق جائز في الأشياء كلها ما لم يكن بجعل، فإن وجد الجعل فيكون بشروط، كأن يكون الجعل من غير المتسابقين أو يكون من أحدهما دون الآخر، وإن كان من كليهما دخل معهما ثالث يكون مكافئاً لهما.

стр. 553

ما جاء في السبق

стр. 554

معنى السبق وحكمه من حيث الجملة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب السبق]. السبق بالسكون يعم المسابقة بعوض أو بغير عوض، والسبَق بالفتح يكون خاصاً بالمسابقة التي يكون فيها عوض، فيقال لها سَبَق. وتجوز المسابقة في كل شيء بدون عوض على الأقدام وعلى الخيل وعلى الإبل وفي غيرها مما يشرع المسابقة فيه، وعلى الزوارق، والحجة في ذلك ما ثبت (أن النبي ﷺ سابق عائشة على الأقدام، فسابقها مرتين: وفي المرة الأولى سبقته لما كانت خفيفة اللحم، وفي المرة الثانية سبقها لما كانت ثقيلة اللحم فقال: هذه بتلك). وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار، وصارع النبي ﷺ ركانة فصرعه، فلا بأس بالمسابقة بالخيل أو على الإبل أو على الأقدام أو على الزوارق وما أشبه ذلك من الآلات الحربية التي لا محظور فيها، أما السيارات فلا ينبغي المسابقة بها؛ لأنها تفضي إلى الهلاك. وأما السَبَق بالفتح فهو العوض الذي يؤخذ على السباق، أما العوض فلا يؤخذ إلا في ثلاثة أشياء: الإبل، والخيل، والسهام، يقول النبي ﷺ : (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر)، والنصل: هي السهام والرماية، والخف هو الإبل، والحافر: هو الخيل، فلا بأس أن يؤخذ العوض على المسابقة على الخيل، ولا بأس أن يؤخذ العوض على المسابقة على الإبل، ولا بأس أن يؤخذ العوض على الرماية بالسهام، مثل المسابقة على الرماية بالسهام والذي يصيب له كذا وكذا من العوض، والذي يسبق على بعيره له كذا وكذا، والذي يسبق على خيله له كذا وكذا، على تفصيل سيأتي في العوض.

стр. 555

حكم المسابقة بغير عوض وأجرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها]. يعني: المسابقة بغير عوض وبدون أجرة لا بأس بها، مثل المسابقة على الأقدام وعلى خيل، فحين يكون بدون مال يدفع فهو جائز في كل ما يجوز السباق فيه. مثلاً: لو خرجت في البر أنت وزميلك فلا بأس أن تتسابقا على الأقدام بغير عوض، أما أن تقول: نتسابق أنا وأنت على الأقدام ومن سبق فله مائة ريال، فهذا لا يجوز، وإنما يجوز في ثلاثة أشياء: في الإبل، والخيل، والسهام، لكن المسابقة بدون مال في غير هذه الأشياء لا بأس به، كما لو قلت: نتصارع وننظر أينا يصرع الآخر، كذلك السباق على الدرجات إذا لم يكن فيها خطر وما أشبه ذلك لا بأس به. فإن قيل: إن كان الجعل من غير المتسابقين هل يجوز؟ نقول: ولو كان من غيرهما لا يجوز إلا في هذه الأشياء الثلاثة خاصة، أما في غير الثلاثة فلا يجوز لا منهما ولا من غيرهما. إذاً: السباق على الأقدام لا يجوز بمال، ويجوز بدون مال، والمال لا يؤخذ إلا على ثلاثة: الإبل، والخيل، والسهام. أما المسابقات العلمية الشرعية فهذه فيها خلاف، فبعض أهل العلم له كلام فيها، لكن إن وضعت عليها جوائز فهذا يدخل في باب الجعل.

стр. 556

بيان الأمور التي تجوز المسابقة فيها بعوض وصورها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والسهام؛ لقول رسول الله ﷺ : (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر)]. كان الخليفة المهدي العباسي مولع باللعب بالطيور، فجاء بعض الكذابين الوضاعين يريد أن يؤيد الخليفة ويدخل السرور عليه، فروى له الحديث بهذه الصورة: قال رسول الله ﷺ : (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح) فزاد: (أو جناح)، فلما خرج قال المهدي العباسي: والله إن القفا لقفا كذاب، وبعد ذلك ترك اللعب بالحمام لما رأى هذا الوضاع وضع هذه الزيادة في الحديث. ولا شك أن اللعب بالحمام منهي عنه؛ لأن فيه إيذاء لها وقد تموت، وكذلك الحيوانات كأن تجعل بعض التيوس تتناطح وتضرب بعضها بعضاً وتؤذي بعضها بعضاً فهذا ممنوع؛ لأن فيه إيذاء للحيوان. كذلك جاء النهي عن أن يتخذ الحيوان غرضاً كالطير وغيره، بأن يجعله إشارة فيرمونه، ولما رأى ابن عمر أناساً جعلوا طيراً غرضاً يرمونه قال: لعن الله من فعل هذا، سمعت الرسول ﷺ يقول: (لعن الله من اتخذ الروح غرضاً).

стр. 557

أن يكون الجعل من غير المتسابقين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز، وهو للسابق منهما]. يعني: أن يكون الجعل من شخص ثالث، كأن يتسابق زيد وعمرو وكل واحد منهما على بعير أو خيل، فجاء بكر وقال: أنا أجعل للسابق منكما ألف ريال، فهذا لا بأس به؛ لأن العوض من شخص ثالث. كذلك لو تسابق اثنان في أيهما يصيب الهدف فجاء شخص ثالث وقال: أجعل لمن يصيب الهدف منكما ألف ريال فهذا لا بأس به.

стр. 558

أن يكون الجعل من أحد المتسابقين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معاً، أحرز سبقه ولا شيء له سواه]. يعني: لو أن زيداً تسابق مع غيره وقال: أنا أخرج ألف ريال للسابق، فسبق زيد، ففي هذه الحالة يكون الألف لنفسه، كذلك لو جاءا معاً ولم يسبق أحد منهما الآخر، فيكون الألف لزيد أيضاً، هذه الصورة الثانية. قال: [وإن سبق الآخر أخذه]. يعني: هذه ثلاث صور: الصورة الأولى: سبق المخرج في هذه الحالة تكون له، الصورة الثانية: جاءا جميعاً ولم يسبق أحدهما الآخر فهي للمخرج أيضاً، الصورة الثالثة: سبق الثاني فتكون له، فهذه الصورة الثانية تحتها ثلاث صور.

стр. 559

الصورة الثالثة من صور السباق أن يكون الجعل منهما مع وجود ثالث بينهما أو عدمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن أخرجا جميعاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما، أو بعيره بعيريهما، أو رميه رميهما؛ لقول رسول الله ﷺ : (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن من أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار)]. قال المحقق في تخريج هذا الحديث: ضعيف، أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد كلهم من حديث أبي هريرة، وفيه ضعف؛ بسبب سفيان بن حسين وهو الرواي عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وتابعه سعيد بن بشير عن الزهري به، وأخرجه الحاكم وقال: إسناده صحيح. لكن سعيد بن بشير ضعيف، والحاكم متساهل في التصحيح. قال ابن حجر في التلخيص الحبير: وكذا صححه ابن حزم، وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، وقد رواه معمر وعقيل عن الزهري عن جماعة من أهل العلم، قال أبو داود: وهذا أصح عندنا، وقال أبو حاتم: أحسن أحواله أن يكون موقوفاً على ابن المسيب، فقد رواه يحيى بن سعيد عنه من قوله، انتهى كلام أبي حاتم. وكذا هو في الموطأ عن الزهري عن ابن المسيب قوله، وقال ابن أبي خيثمة: سألت عنه ابن معين فقال: هذا باطل، وضرب على أبي هريرة. انتهى. ومتابعة سعيد بن بشير واهية؛ لكونه ضعيفاً، والثقات يروونه عن ابن المسيب قوله، كذا رواه مالك. الخلاصة: هذا حديث قال عنه يحيى: إنه باطل، وكذا أبطله أبو حاتم -أي: كونه مرفوعاً- وكذا رجح عدم وصله أبو داود فلا يلتفت إلى تصحيح الحاكم له، ولا إلى تصحيح ابن حزم، وضعفه الألباني في الإرواء. فالحديث فيه ضعف، لكن العلة في هذا أنه يكون قماراً إذا أخرجا جميعاً؛ لأنه إما أن يَغلب وإما أن يُغلب، إما أن يسبق هو فيكون غانماً، وإما أن يُسبق فيكون غارماً، لكن إذا كان معهما ثالث صار هناك احتمال أن يسبق الثالث، وعلى هذا فلا يكون غانماً ولا غارماًً، يعني: يأمن أن يكون غانماً أو غارماً، بخلاف ما إذا كانا اثنين، فإنه لابد إما أن يكون غانماً أو غارماً، لكن إذا كان معهما ثالث، فإنه يحتمل وقد يغلب على الظن أنه لا يكون غانماً ولا غارماً. إذاً: إذا كان العوض من شخص ثالث فلا بأس، وإذا كان من أحدهما فلا بأس، وإذا كان منهما جميعاً فلا يصح إلا إذا كان معهما ثالث. والحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما صح من قول ابن المسيب، وقول الصحابي أو التابعي إذا لم يكن في الباب شيء، فإن بعض أهل العلم يحتج به؛ كالإمام أحمد وغيره، يعني: إذا لم يكن في المسألة إلا قول صحابي أو تابعي فيستأنس به. والمقصود: أن مسألة السباق على الإبل أو الخيل أو السهام لا بد أن يكون العوض فيها إما من شخص ثالث أو من أحدهما، أما إذا كان العوض منهما جميعاً فلا يصح إلا إذا أدخلا ثالثاً حتى يزول احتمال الغنم أو الغرم وتزول مسألة القمار. إذاً: هذه المسألة فيها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون العوض من شخص خارج. الحالة الثانية: أن يكون من أحدهما، وهاتان الصورتان جائزتان. الحالة الثالثة: أن يكون منهما جميعاً، وهذه لا تجوز إلا إذا أدخلا معهما ثالثاً، حتى تزول صورة القمار؛ لأنهما إذا كانا اثنين وأخرجا يكون قماراً؛ لأن أحدهما يصير غانماً أو غارماً على كل حال، أما إذا دخل ثالث فيزول هذا؛ لأنه قد يسبق الثالث فلا يكون غانماً ولا غارماً. قوله: (وإن أخرجا جميعاً لم يجز إلا أن يدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما وبعيره بعيريهما ورميه رميهما) يعني: لا يكون ضعيفاً؛ لأنه إذا كان ضعيفاً، أو فرسه أضعف، أو بعيره أضعف صار يغلب على الظن أنه يُسبق فتأتي مسألة القمار، فيكون أحدهما غانماً أو غارماً، فلا بد أن يكافئ فرسه فرسيهما، وبعيره بعيريهما؛ حتى تزول صورة القمار. أما حديث: (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار) فالصواب أنه موقوف على ابن المسيب، ورفعه ضعيف.

стр. 560

ضوابط وشروط تتعلق بالسبق الجائز قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن سبقهما أحرز سبقيهما، وإن سبق أحدهما أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه، ولا بد من تحديد المسافة]. يعني: لا بد من تحديد المسافة، بأن تكون من كذا إلى كذا؛ لأن النبي ﷺ سابق بين الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع. وتسابقت الخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، فلا بد من تحديد المسافة من كذا إلى كذا، كمسافة كيلوين أو ثلاثة كيلو مترات. قال: [وبيان الغاية]. كذلك بيان الغاية، يعني: يتسابقان إلى مسجد بني زريق مثلاً. قال: [وقدر الإصابة]. يعني: قدر الإصابة إذا كان في الرماية بالسهام، يقول مثلاً: الإصابة تكون مقدارها كذا وكذا، عرضها كذا طولها كذا، بالسنتيمتر، أو تكون الإصابة في الوسط، ولا تكون في آخر الهدف، ولا تكون في طرفه، بل لا بد أن تكون في الوسط، فلا بد من تحديد المسافة وبيان الغاية وقدر الإصابة. قال: [وصفتها]. يعني: صفة الإصابة، مثلاً: الإصابة لا بد أن يكون طولها كذا بالسنتيمتر، وعرضها كذا. قال: [وعدد الرشق] يعني: أن يكون عدد الرشق رميتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فيبين عدد الرمي. قال: [وإنما تكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد]. يعني: لا يقول مثلاً: أنا سهمي قطع مائة متر، وأنت سهمك ما قطع إلا تسعين متراً، فليس المراد البعد، وإنما المراد إصابة الهدف؛ لأنهما لو تراميا على المسافة وقالا: أينا أبعد مسافة وأبعد سهماً فله كذا وكذا، ثم وجد أحدهما أن مسافة سهمه خمسين متراً، والثاني مسافة سهمه أربعين متراً، ثم قال صاحب الخمسين: أنا أستحق العوض، نقول: لا، إنما المسابقة في الرمي على إصابة الهدف لا على بعد المسافة.

стр. 561

ما جاء في الوديعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوديعة. وهي أمانة عند المودع لا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى]. الوديعة: هي ما يودع عند الإنسان، فإذا أودع شخص أمانة عند آخر فإنها تسمى وديعة، فإذا أودعها أمانة يحفظها عنده فإنه يعتبر مؤتمناً في هذه الحالة، فإن لم يتعد ولم يفرط فلا يضمنها إذا تلفت، وإذا أودع شخص عند شخص أمانة كسيارة أو أمتعة أو أوانٍ أو أقمشة ثم تلفت فإنه لا يضمنها، إلا إذا تعدى وفرط، فإذا تعدى وفرط ضمنها لأنه فرط في حفظها. ولو كان الأمين يضمنها لانقطع المعروف، وصار كل واحد لا يقبل الأمانة، فالمودع أمين لا يضمنها إذا تلفت إلا إذا فرط وتعدى، أما إذا حفظها بما تحفظ به أمثالها ولكنها تلفت بدون تعد فلا يضمنها، أما إذا تسبب وتعدى وفرط كما في هذه الصور التي ذكرها المؤلف ﵀ فإنه يضمنها. قال: [وإن لم يحفظها في حرز مثلها]. أي: إذا لم يحفظها في حرز مثلها فإنه يضمنها، مثلاً: أعطاك سيارة، وتركتها في الشارع، وفي عرف بعض البلدان أنه في الليل يتركها في الشارع ولا يضمن، لكن لو قال له: أدخلها البيت فأنا لا آمن عليها ثم تساهل وتركها في الشارع، فقد خالف قول المودع، فإنه يضمنها في هذه الحالة. كذلك الدراهم تكون محفوظة في الصناديق والأقفال. قال: [أو مثل الحرز الذي أمر بإحرازه فيه]. يعني: وضعها في حرز أقل حفظاً من الحرز الذي أمره، في هذه الحالة يضمنها؛ لأنه خالف ما أمره به. قال: [أو تصرف فيها لنفسه]. يعني: لو تصرف فيها لنفسه، مثلما يفعل بعض الناس حيث يتكلف ويأخذ الوديعة قرضاً، ثم يردها بعد ذلك، ولكن في هذه المرة لم يستطع أن يردها، أو ضاعت ولم يستطع أن يردها فإنه يضمنها؛ لأنه متعد. قال: [أو خلطها بما لا تتميز منه]. يعني: إذا خلطها بشيء لا يمكن فصلها منه، أو اختلطت مع غيرها في أشياء مشابهة لها، فإنه يضمنها في هذه الحالة؛ لأنه متعد. قال: [أو أخرجها لينفقها ثم ردها]. يعني: أخرج الأمانة وأنفقها وردها ثم بعد ذلك تلفت، فيضمنها في هذه الحالة؛ لأنه متعد. يعني: لما أخرجها صار ضامناً لها ولو لم ينفقها، فلو أنه كانت عنده وديعة لفلان دراهم، وقال: أنا أقترضها وأردها عليه، ثم بعد أن أخرجها قال: لا، هذا لا يحل، فأرجعها مرة ثانية فتلفت، فإنه يضمنها في هذه الحالة بمجرد إخراجها أول الأمر. قال: [أو كسر ختم كيسها]. يعني: إذا كان عليها ختم أو كيس، فهتك الحرز؛ فإنه يضمنها لو تلفت. قال: [أو جحدها ثم أقر بها]. يعني: لو قال صاحب الأمانة: أعطني الأمانة، فقال: ليس عندي لك شيء، ثم قال: عندي فإنه يضمنها في هذه الحالة؛ لأنه بجحودها صار متعدياً. قال: [أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها]. يعني: إذا امتنع من ردها حين طلبها منه صاحبها وهو مستطيع، ثم تلفت يضمنها؛ لأنه يعتبر متعدياً لامتناعه. قال: [وإن قال: ما أودعتني ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه]. يعني: لو قال: ما أودعتني ثم قال: أودعتني لكنها تلفت، أو رددتها عليك، لا يقبل منه في هذه الحالة إلا ببينة؛ لأنه أنكر ثم اعترف وأقر. قال: [وإن قال: ما لك عندي شيء، ثم ادعى ردها أو تلفها قبل]. هذه الصورة تختلف عن التي قبلها، فلو قال: ما لك عندي شيء، ثم قال بعد يوم: نعم، ما لك عندي شيء؛ لأني رددت عليك الأمانة، فهذا يقبل، يعني: كان لك عندي شيء، لكن الآن ما لك عندي شيء؛ لأنها تالفة وهو لم يفرط، أو لأنه ردها عليه، كل هذا يقبل.

стр. 562

حكم العارية والفرق بينها وبين الوديعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير]. والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها، (لأن النبي ﷺ لما أخذ من صفوان بن أمية أدراعاً يوم حنين، قال: أغصباً يا محمد؟! قال: بل عارية مضمونة). فالعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها، هكذا شأن العارية إذا استعار إناءً أو سكيناً أو كتاباً لا بد أن يرده، فإذا تلفت العارية فهي مؤداة، يعني: لا بد أن يردها، أو يضمن ثمنها. والعارية غير الأمانة؛ لأن العارية إنما استعارها ليستفيد منها، فلو استعرت كتاباً لتستفيد منه ثم تلف تضمن، ولو استعرت قدراً لتطبخ فيه ثم تلف تضمنه، أما في الأمانة لو أعطاك شخص القدر وقال: احفظه عندك ثم تلف لا تضمن، لكن العارية أنت تستفيد منها. إذاً: مسألة العارية فيها خلاف بين أهل العلم، والمذهب أنه يضمنها مطلقاً؛ لأنه قبضها للانتفاع بها. القول الثاني: وهو الصحيح أن العارية لا تضمن إلا بالتعدي، ووجه الحديث قول النبي ﷺ : (بل عارية مضمونة) هذا من باب الشرط، والمسلمون على شروطهم، فإن اشترط عليه فإنه يضمن. وقال المحقق في الحاشية: والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: في خطبته عام حجة الوداع: (العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم). وروى صفوان بن أمية ﵁: (أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعاً فقال: أغصباً يا محمد؟! قال: بل عارية مضمونة)، رواه أبو داود. فعلى القول الثاني أن العارية لا تضمن إلا إذا اشترط، كأن يقول: أنا أعطيك الكتاب لكن أشترط عليك إن تلف أن تضمنه، أو تعدى وهذه رواية أخرى عن الإمام أحمد قال الشيخ تقي الدين: هذا القول له وجه، لكن ما مشى عليه المؤلف هو المذهب وهو المشهور، والثاني: رواية عن الإمام أحمد تحتاج إلى مراجعة المغني وغيره وينظر في الأدلة والترجيحات. فإذاً: المسألة فيها روايتان: المذهب أنها مضمونة على كل حال؛ لأنه قبضها لمصلحة فتخالف الوديعة، والوديعة إنما وضعها المودع من أجل مصلحته هو، وأما المستعير فهو الذي ينتفع من العارية. ولحديث صفوان الذي ذكره. والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط أو اشترط عليه ضمانها، وهذه الرواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والغالب أن اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اختيارات موفقة، ولا يلزم أن يكون هذا في كل اختياراته ﵀، إذ من اختياراته ﵀ في الحج أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد، وهذا ليس عليه العمل الآن، وهو مرجوح. وفي مسألة وجوب العارية فإن شيخ الإسلام يقول بوجوبها وقوله قوي، قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] فالله تعالى ذم المشركين؛ لأن من أوصاف المشركين منع الماعون، فإذا كانت العارية لا تتلف ولا يحصل عليها ضرر وهو ليس بحاجة إليها، فليس له أن يمنعها، والقول بوجوبها قول قوي تدل عليه الآية الكريمة، ((وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)) لأن الله ذم المشركين. فلو طلبه السكين أو دلواً في بئر أو صحناً فينبغي بذله.

стр. 563

الأسئلة

стр. 564

بيان مدة نحر الهدي وحكم من أخره عن وقته مع القدرة السؤال ما هي آخر مدة لنحر الهدي في الحج؟ ومن تأخر عن النحر عن شهر ذي الحجة علماً بأنه قادر فماذا عليه؟ الجواب هدي التمتع والقران مدته أربعة أيام: يوم العيد وثلاثة أيام بعده، هذه أيام نحر الهدايا والضحايا، وبعد ذلك فليس له أن يؤخره، لكنه لو أخره بعد ذلك فإنه يقضيه مع التوبة إذا كان يستطيع أن يقضيه.

стр. 565

حكم تحلية الخناجر والسيوف بالذهب السؤال ما حكم الخناجر التي يكون في مقبضها جنيهات ذهب للرجال، وهل عليها زكاة؟ الجواب العلماء ذكروا أنه لا ينبغي تحلية السيوف والخناجر إلا الشيء اليسير فيعفى عنه، لكن ينبغي أن تؤخذ الجنيهات وتزال منها، وفيها الزكاة بلا شك إذا حال عليها الحول وبلغت نصاباً، أو ضمها إلى نصاب عنده. وذكر العلماء من الحنابلة وغيرهم أن تحلية السيف بالذهب جائز إذا كان شيئاً يسيراً.
следующие страницы →