← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37009

شرح صحيح ابن حبان - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (210 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب العلم [٣] فضل العلم عظيم، ودرجة صاحبه عالية، وأفضل العلم كتاب الله، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه.

стр. 107

الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه. قال أخبرنا أبو يعلى حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)]. هذا حديث صحيح، وفيه فضل من دعا إلى الخير، وأن من دعا إلى الخير فله مثل أجور أتباعه، وفيه إثم من دعا إلى ضلالة: (فإن عليه أوزار من تبعه)، نسأل الله السلامة والعافية، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].

стр. 108

بيان أن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله. سمعت أبا خليفة يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمداً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: (مر رسول الله ﷺ على رهط من أصحابه وهم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، فأتاه جبريل فقال: إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ قال: فرجع إليهم، فقال: سددوا، وقاربوا، وأبشروا)]. قال في تخريجه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد. قال الله في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، لا ينبغي للإنسان أن يقنط أو ييئس، بل هذا كبيرة من الكبائر، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله مقدمة إلى الكفر. وقوله: [(ولو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً)]. اليائس المتشائم مسيء للظن بالله ، يرى أنه هالك، وفي ضمن ذلك إنكاره للتوبة ويرى أنه هالك، وأن التوبة لا تفيد. قوله: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً) في البخاري في الأيمان والنذور. قال أبو حاتم ﵁: (سددوا) يريد به: كونوا مسددين، والتسديد: لزوم طريقة النبي ﷺ واتباع سنته، وقوله: (وقاربوا) يريد به: لا تحملوا على الأنفس من التشديد ما لا تطيقون، (وأبشروا) فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد، وقاربتم في الأعمال]. (سددوا) يعني: حاولوا أن تصلوا إلى الصواب والسداد، فإن لم تقدروا فقاربوا السداد.

стр. 109

إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا. أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الأعلى حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع)]. كان الأفضل أن يقول: كتاب الله.

стр. 110

الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله، وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، فقال رسول الله ﷺ : فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من عدادهن من الإبل)]. هذا أخرجه مسلم في صحيحه، وبطحان واد في المدينة (أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان فيحصل على ناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم)، وفي مسلم: (قالوا: كلنا يحب ذلك، فقال: والذي نفسي بيده! لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن). قال في تخريجه: أخرجه مسلم وأبو داود. [قال أبو حاتم: هذا الخبر أُضمر فيه كلمة، وهي: لو تصدق بها، يريد بقوله: (فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث) لو تصدق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث وعدادهن من الإبل لو تصدق بها؛ إذ محال أن يشبه من تعلم آيتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا، وصح بما وصفت صحة ما ذكرت]. هذا فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الحديث؛ لأنه لو تصدق بهن صار من أعمال الآخرة، وقد قال فيه: (بغير إثم أو قطيعة رحم) يعني: حصل عليها وتملكه في الدنيا؛ لأن هذا يرغب الله فيه، مثل أن تقول: لأن تغدو إلى المسجد فتعلم آيتين خير لك من أن تحصل على سيارتين، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن. والحافظ ﵀ له تأويلات، لكن هذه في الفروع وستأتي تأويلات في الاعتقاد. قوله: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يعني: خير لك من أن تتصدق بها من جنسه، خير لك من أن تحصل على الإبل التي هي الحمر التي هي أنفس أموال العرب. وقوله: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام]. يعني: لو لم يتعلم تعلماً كاملاً، ولو كان يحفظ بعض الآيات. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، وعليكم بالزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو فرقان من طير تحاجان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)]. البطلة هم السحرة: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً يوم القيامة لأصحابه) هذا أخرجه مسلم في صحيحه، قال في تخريجه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، ويحيى بن أبي كثير وإن رواه بالعنعنة توبع عليه، وأخرجه الطبراني وذكره، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب: فضل قراءة القرآن.

стр. 111

الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله قال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله جل وعلا، واتباع ما فيه عند وقوع الفتن خاصة. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مسعر بن كدام عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الصامت عن حذيفة قال: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: يا حذيفة! عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه خيراً لك)]. حديث حذيفة هذا غير الحديث الطويل الذي رواه البخاري. قال في التخريج: إسناده صحيح على شرط الشيخين، سوى عبد الله بن الصامت فإنه من رجال مسلم، وأخرجه أحمد عن عبد الصمد عن حماد عن علي بن زيد اليشكري عن حذيفة، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، وأخرجه مطولاً أحمد وأبو داود في الفتن، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن. قوله: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر نحذره؟ قال: يا حذيفة! عليك بكتاب الله فتعلمه واتبع ما فيه خيراً لك). فيه تعلم الكتاب عند الفتن، والرجوع إلى كتاب الله والعمل بكتاب الله عند الفتن. وقوله في الترجمة: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تعلم كتاب الله جل وعلا، واتباع ما فيه عند وقوع الفتن خاصة]. يعني: كتاب الله هو المخرج من الفتن، والعلم يضيء للإنسان الطريق، وماذا يعمل إذا حضرت الفتن وهو لا يشعر، ومن ذلك أنه إذا كثرت الفتن، وخاف الإنسان على نفسه في آخر الزمان، ونزع الخير من المدن؛ فإنه يذهب إلى الصحراء يتعبد الله، ويفر بدينه من الفتن، أما إذا كانت المدن فيها خير وفيها صلوات ومساجد، وهناك من يقبل النصيحة فلا يخرج إلى الصحراء.

стр. 112

ذكر بيان بأن من خير الناس من تعلم القرآن وعلمه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر بيان بأن من خير الناس من تعلم القرآن وعلمه. أخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني أخبرنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)]. هذا رواه البخاري في الصحيح، وفيه: أن أهل القرآن هم خير الناس سواء الذين يعلمون القرآن أو يتعلمون. والمراد: أن من تعلمه وعمل بما فيه هم خير الناس، فالأفضلية إنما تحصل بالعلم والعمل، أما من تعلم ولم يعمل بما فيه أو علمه وهو لا يعمل بما فيه فهذا ليس من خير الناس؛ لأنه ما عمل بكتاب الله وقد قامت عليه الحجة، فهو من شر الناس، فيكون من المغضوب عليهم الذي يعلمون ولا يعملون، نسأل الله العافية. فالمراد المتعلمون والمعلمون الذين يعملون بالقرآن، وهم أهل الله وخاصته، وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالقرآن وأهله الذي كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران يحاجان عن صاحبهما يوم القيامة)، فلابد من العمل. [قال أبو عبد الرحمن: هذا الذي أقعدني هذا المقعد]. هو أبو عبد الرحمن السلمي، وقد جلس للقرآن أربعين سنة لما بلغه هذا الحديث، وصار يعلم القرآن أربعين سنة!

стр. 113

ذكر الأمر باقتناء القرآن مع تعليمه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر باقتناء القرآن مع تعليمه: أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن علية قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا القرآن واقتنوه فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياًَ من المخاض في العقل)]. من المخاض يعني الإبل. يقال: موسى بن علية ويقال: موسى بن علي أظنه تابعياً. قال: [(تعلموا القرآن واقتنوه، فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفصياً من المخاض في العقل) وفي الحديث الآخر: (تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً أو تفصياً من الإبل في عقلها). قال في التخريج: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في المصنف لـ ابن أبي شيبة، وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي. لا شك أن الإنسان عندما يقتني المصحف يحصل على خير عظيم، واقتناؤه وسيلة للقراءة والحفظ والاستفادة والتدبر. وحديث: (تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) رواه مسلم بهذا اللفظ. وفي الباب عن ابن مسعود سيذكره المؤلف، وقال: أخرجه مسلم. وموسى بن علية بضم أوله.

стр. 114

ذكر الزجر عن أن لا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن ألا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله عز وجلا. أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا يزيد بن موهب حدثنا الليث عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن نهيك عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)]. اختلف في معنى (يتغن بالقرآن) قيل: يحسن صوته، وقيل: يستغني به. ففي الترجمة: [ذكر الزجر عن ألا يستغني المرء بما أوتي من كتاب الله جل وعلا]. ومتن الحديث: [(ليس منا من لم يتغن بالقرآن). قال الشارح: تفسير التغني الوارد في الحديث بمعنى الاستغناء ذهب إليه سفيان بن عيينة كما نقل عنه ذلك البخاري عقب الحديث في فضائل القرآن، والجمهور أن معنى (يتغنى به): يجهر به ويحسن صوته به. [قال أبو حاتم: معنى قوله ﷺ : (ليس منا) في هذا الخبر يريد به: ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل]. هذا تأويل، وينبغي ألا يفسر هكذا، فهذا من باب الوعيد، وهذا التحذير لا يفسر ويترك على الزجر. قال: [لأننا نفعله، فمن فعل ذلك فليس مثلنا]. كل هذا تأويل، ويقول مثل هذا النووي. قال الشارح: [قال الحافظ: وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء فلم يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت، وقال الحافظ: ويؤيده رواية عبد الرزاق عن معمر: (ما أذن لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)]. هذا التأويل مشهور عن سفيان بن عيينة قال: (يتغنى) أي يستغني به، ولو كان معناه يستغني لقال: ليس منا من لم يستغن، والأقرب الذي ذهب إليه الجمهور بأن معنى: (يتغنى) يعني: يحسن صوته، ولهذا قال في اللفظ الآخر: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به)، وفي اللفظ الآخر: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)، والجمهور على أن معنى يتغنى، يعني: يحسن الصوت، وأما سفيان بن عيينة فيفسره بـ: يستغني به، وهذا قول فيه بُعد يخرج من اللفظ، والأقرب قول الجمهور: يحسن صوته. وذكر الشارح الأقوال نقلاً من الفتح فقال: [اختلف في معنى قوله: (يتغنى) على أربعة أقوال: أحدها تحسين الصوت، والثاني: الاستغناء، والثالث: التحزن قاله الشافعي، والرابع: التشاغل به، تقول العرب: تغنى بالمكان أقام به]. والمشهور القول الأول.

стр. 115

وصف من أعطي القرآن والإيمان أو أعطي أحدهما دون الآخر قال المصنف ﵀: [ذكر وصف من أعطي القرآن والإيمان، أو أعطي أحدهما دون الآخر. أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا العباس بن الوليد النرسي حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت عوفاً يقول: سمعت قسامة -هو ابن زهير - يحدث عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (مثل من أعطي القرآن والإيمان كمثل أترجة طيب الطعم طيب الريح، ومثل من لم يعط القرآن ولم يعط الإيمان كمثل الحنظلة مرة الطعم لا ريح لها، ومثل من أعطي الإيمان ولم يعط القرآن كمثل التمرة طيبة الطعم ولا ريح لها، ومثل من أعطي القرآن ولم يعط الإيمان كمثل الريحانة مرة الطعم طيبة الريح)]. هذا رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁، وفيه ترتيب غير الترتيب بهذا اللفظ: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر)، المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب. هذا القرآن، وطعمها طيب: هذا الإيمان، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها؛ لأنه ليس معه قرآن، وطعمها حلو. هذا الإيمان، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب؛ لأن معه القرآن، وطعمها مر؛ لأن معه النفاق والكفر والعياذ بالله، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها؛ لأنه ليس معه قرآن، وطعمها مر؛ لأن معه النفاق والعياذ بالله.

стр. 116

نفي الضلال عن الآخذ بالقرآن قال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر نفي الضلال عن الآخذ بالقرآن. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن حميد بن جعفر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (أبشروا وأبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً)]. وهذا حق بلا شك، فإن من تمسك بالقرآن فإنه لا يضل، وأما من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فهو الضال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. والمراد أيضاً السنة؛ لأن السنة موضحة للقرآن وشارحة له، وهي وحي ثان. قال في التخريج: إسناده حسن على شرط مسلم، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وقال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. ويستدل على هذا بالآية الكريمة، أن من اتبع القرآن فلن يضل ولا يشقى.

стр. 117

ذكر إثبات الهدى لمن اتبع القرآن والضلالة لمن تركه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات الهدى لمن اتبع القرآن، والضلالة لمن تركه. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: (دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيراً، صحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه؟ فقال: نعم، وإنه ﷺ خطبنا فقال: إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة)]. كما قال الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. قال: أخرجه مسلم في فضائل الصحابة.

стр. 118

ذكر البيان بأن القرآن من جعله أمامه بالعمل قاده إلى الجنة قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن القرآن من جعله أمامه بالعمل قاده إلى الجنة، ومن جعله وراء ظهره بترك العمل ساقه إلى النار. أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر بحران حدثنا محمد بن العلاء بن كريب حدثنا عبد الله بن الأجلح عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: (القرآن مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار)]. من جعل القرآن أمامه مقتدياً به، يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه لا يعمل به ساقه إلى النار والعياذ بالله. قال في التخريج: إسناده جيد، رجاله رجال الشيخين غير عبد الله بن أجلح فإنه لم يخرجا له ولا أحدهما، وهو صدوق، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع، قال ابن عدي: أحاديث الأعمش عنه مستقيمة، وأخرجه البزار عن أبي كريب محمد بن العلاء بهذا الإسناد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. قال أبو حاتم: [هذا خبر يوهم لفظه من جهل صناعة العلم أن القرآن مجعول مربوب، وليس كذلك، لكن لفظه مما نقول في كتبنا: إن العرب في لغتها تطلق اسم الشيء على سببه، كما تطلق اسم السبب على الشيء، فلما كان العمل بالقرآن قاد صاحبه إلى الجنة أطلق اسم ذلك الشيء الذي هو العمل بالقرآن على سببه الذي هو القرآن لا أن القرآن يكون مخلوقاً]. هذا فيه إشكال، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة المعنى: أنه يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، وكلمة جعل ما ثبت أنها تدل على الخلق، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، وسيأتي أن ابن حبان ﵀ ليس عنده تحقيق في مسألة العقيدة وله أغلاط ﵀، وهذا مما أشكل عليه. والحديث ليس فيه إشكال كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] هذا لا يشكل، وهذه اللغة واضحة ما فيها إشكال. وقصد أبو حاتم الرد على المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق، ويستدلون بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، ويقولون: جعل بمعنى خلق، وهذا باطل؛ لأن جعل إذا تعدت إلى مفعولين لا تكون بمعنى خلق، إنما إذا تعدت إلى مفعول واحد، يقول الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] بمعنى خلق، أما إذا تعدت إلى مفعولين فلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] أي: صيرناه، يقول: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] كل هذا ليس بمعنى الخلق، فقصده أن يرد على المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، ويفسرون جعل بمعنى خلق.

стр. 119

ذكر إباحة الحسد لمن أوتي كتاب الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة الحسد لمن أوتي كتاب الله تعالى فقام به آناء الليل والنهار. أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون حدثنا ابن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن الزهري عن سلمان عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار)]. وهذا رواه الشيخان البخاري ومسلم، والمراد بالحسد الغبطة: (لا حسد إلا في اثنتين) أي: في خصلتين، والحسد حسدان: حسد يتمنى صاحبه أن تزول النعمة وهذا حرام، وهذا يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والحسد الثاني هو الغبطة، بمعنى أنك تتمنى أن تكون مثله من غير أن تذهب النعمة عنه. (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار) يعني: يعمل به، (ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) يكثر من مشاريع الخير. وفي لفظ آخر: (رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) يعني: أنفقه في مشاريع الخير وفي الحق: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) يدعو الناس إلى العمل الصالح. قال في تخريجه: رواه البخاري في التوحيد ومسلم.

стр. 120

ذكر البيان بأن قوله: (فهو ينفق منه) أراد به فهو يتصدق به قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ : (فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) أراد به فهو يتصدق به. أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله هذا الكتاب فقام به آناء الليل والنهار، ورجل أعطاه الله مالاً فتصدق به آناء الليل وآناء النهار)]. (ينفق آناء الليل والنهار) يعني: يتصدق به وينفقه في المشاريع الخيرية.

стр. 121

ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لا يجوز أن يخفى عليهم بعض أحكام الوضوء والصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الخلفاء الراشدين والكبار من الصحابة غير جائز أن يخفى عليهم بعض أحكام الوضوء والصلاة]. يعني: قد يخفى عليهم شيء ولو كانوا كباراً، وقد يخفى على العالم شيء ويدركه غيره ممن هو أقل منه. [أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي قال: حدثنا حسين المعلم أن يحيى بن أبي كثير حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان عن الرجل إذا جامع ولم ينزل؟ قال: فليس عليه شيء، ثم قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: سألت بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب ﵁ فقالوا مثل ذلك، قال أبو سلمة: وحدثني عروة بن الزبير أنه سأل أبا أيوب الأنصاري فقال مثل ذلك عن النبي ﷺ . ]. كان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم ينزل فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل، وهذا كان على الأمر الأول، وقد خفي عليهم الناسخ، وكان الأولى أن يذكر بعده الناسخ.

стр. 122

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإيمان [١] اختلف العلماء في حكم أطفال المشركين، فمنهم من قال: إنهم في الجنة واستدل بحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) وحديث النهي عن قتلهم، ومنهم من قال: هم في النار تبعاً لآبائهم واستدل بحديث: (هم منهم)، ومنهم من توقف واستدل بحديث: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

стр. 123

كتاب الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان حدثنا موسى بن مروان الرقي حدثنا مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، والفطرة هي الإسلام، يعني: أنه مفطور على معرفة الله، مفطور على إفراد الله بالربوبية، ولو ترك ونفسه من غير المؤثرات الخارجية لمال إلى الخير ولقبل الخير؛ لأنه مفطور على معرفة الله ووحدانيته فيميل إلى الخير. وفيه: أنه مولود على الإسلام، وهذا لفظ عام، ولهذا قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أوينصرانه أويمجسانه)، ينقلانه إلى الكتابية أو النصرانية أو المجوسية، ولم يقل: يمسلمانه، فدل على أن الفطرة هي الإسلام.

стр. 124

ذكر إثبات الألف بين الأشياء الثلاثة التي ذكرت في حديث الفطرة قال المصنف ﵀: [ذكر إثبات الألف بين الأشياء الثلاثة التي ذكرناها. أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)]. أو بدون الألف، قال: إسناده صحيح على شرط مسلم. قال أبو حاتم: [قوله ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة) أراد به: على الفطرة التي فطره الله عليها جل وعلا يوم أخرجهم من صلب آدم؛ لقوله جل وعلا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] يقول: لا تبديل لتلك الخلقة التي خلقهم لها، إما لجنة وإما لنار، حيث أخرجهم من صلب آدم، فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، ألا ترى أن غلام الخضر قال ﷺ : (طبعه الله يوم طبعه كافراً) وهو بين أبوين مؤمنين، فأعلم الله ذلك عبده الخضر، ولم يعلم ذلك كليمه موسى ﷺ ، على ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا]. وهذا دليل على أن الخضر نبي أوحي إليه على الصحيح، خلافاً للجمهور القائلين بأنه عبد صالح، والصواب أنه نبي؛ لأنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] بل عن أمر الله. لكن موسى أفضل منه؛ لأنه من أولي العزم.

стр. 125

ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن حديث الفطرة تفرد به حميد بن عبد الرحمن قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به حميد بن عبد الرحمن. أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتجون إبلكم هذه، هل تحسون فيها من جدعاء؟)]. (كما تنتجون)، تنتج على الوقت الذي هو محدد لها. [(ثم يقول أبو هريرة ﵁: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]). قال أبو حاتم: قوله ﷺ : (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) مما نقول في كتبنا: إن العرب تضيف الفعل إلى الآمر كما تضيفه إلى الفاعل، فأطلق ﷺ التهود والتنصر والتمجس على من أمر ولده بشيء منها بلفظ الفعل؛ لا أن المشركين هم الذين يهودون أولادهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم دون قضاء الله في سابق علمه في عبيده]. المراد: أنهم بتعليمهم إياهم يتسببون في انتقالهم إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، وإلا فالله هو المقدر، ولا يوجد شيء إلا بقضاء الله وقدره. أي: أن الله تعالى هو الهادي والمضل، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. أحد الأقوال وهو رواية عن الإمام أحمد أن الفطرة الخلقة التي خلق عليها، والقول الثاني: أن الفطرة هي الإسلام، وقيل: الفطرة هي الدين، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يعرف الشريعة بالفطرة ولا حاجة إلى الرسل، بل المعنى أنه يقر بوجود الله ويعرف ربه، ويقبل الحق ممن جاء به إلا إذا غير، وإلا لو كان معنى الفطرة: أنه يولد ويعرف كل شيء لم يكن هناك حاجة إلى الرسل، بل المعنى: أنه يقبل ما جاءت به الرسل إلا إذا جاءته مؤثرات خارجية. قال: [على ما أمر ولده بشيء منها بلفظ الفعل، لا أن المشركين هم الذين يهودون أولادهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم دون قضاء الله في سابق علمه في عبيده، وعلى حسب ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا، وهذا كقول ابن عمر ﵁: (إن النبي ﷺ حلق رأسه في حجته) يريد به: أن الحالق فعل ذلك به ﷺ لا نفسه، وهذا كقوله ﷺ : (من حين يخرج أحدكم من بيته إلى الصلاة فخطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) يريد: أن الله يأمر بذلك، لا أن الخطوة تحط الخطيئة أو ترفع الدرجة، وهذا كقول الناس: الأمير ضرب فلاناً ألف سوط، يريدون: أنه أمر بذلك لا أنه فعل بنفسه].

стр. 126

ذكر خبر قد يوهم عالماً من الناس أنه مضاد لحديث الفطرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر قد يوهم عالماً من الناس أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما قبل. أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب أن عطاء بن يزيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: (سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)]. هذا في الصحيحين، أخرجه البخاري في الجنائز ومسلم. قال: [ذكر خبر قد يوهم عالماً من الناس أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما قبل]. هذا قاله النبي ﷺ لما سألته عائشة قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وهذا لا ينافي قول: الله أعلم بما كانوا عاملين، وبما يصيرون إليه، وإن كانوا يولدون على الفطرة ومحبة الخير، لكن الله أعلم بما يصيرون إليه.

стр. 127

ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه مضاد لحديث أبي هريرة في مآل ذراري المشركين قال المصنف ﵀: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه مضاد لخبر أبي هريرة الذي ذكرناه. أخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا السري بن يحيى أبو الهيثم -وكان عاقلاً- حدثنا الحسن عن الأسود بن سريع - وكان شاعراً، وكان أول من قص في هذا المسجد- قال: أفضى بهم القتل إلى أن قتلوا الذرية، فبلغ النبي ﷺ فقال: (أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)]. قال أبو حاتم في خبر الأسود بن سريع هذا: (ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام) أراد به الفطرة التي يعتقدها أهل الإسلام التي ذكرناها قبل، حيث أخرج الخلق من صلب آدم، فإقرار المرء بتلك الفطرة من الإسلام، فنسب الفطرة إلى الإسلام عند الاعتقاد على سبيل المجاورة]. قال في التخريج: رجاله ثقات، وأخرجه الطبراني في الكبير عن الفضل بن حباب بهذا الإسناد، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير والصغير عن مسلم بن إبراهيم بهذا الإسناد. قال: [عن الأسود بن سريع وكان شاعراً، وكان أول من قص في هذا المسجد قال: أفضى بهم القتل إلى أن قتلوا الذرية، فبلغ النبي ﷺ فقال: (أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام)]. لا شك أن الصحابة كلهم كانوا بعد الإسلام خياراً، وكان آباء كثير منهم على الشرك، وهذا لا يمنع أن يكونوا قد ولدوا على الفطرة. قال المحشي: [وقوله: (حتى يعرب) أي: يفصح ويتكلم، وفي رواية ابن أبي شيبة: حتى يبلغ فيعبر عن نفسه]. هو مولود على الفطرة حتى يبلغ، ثم بعد ذلك يختار.

стр. 128

ذكر الخبر المصرح بأن قوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين) كان بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن قوله ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين) كان بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة): أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج أخبرنا أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة)]. تنتج على اللفظ المبني للمجهول، وهو مروي للمعلوم عنه الشيء الملازم تناتج، والمعروف تنتج، يراجع هذا. [(كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء، هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين). فقوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، هو بعد قوله: (كل مولود يولد على الفطرة)، استدل به المؤلف ﵀ فقال: (كل مولود يولد على الفطرة) قال: الفطرة هي الإسلام، ثم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

стр. 129

ذكر العلة التي من أجلها قال: (أوليس خياركم أولاد المشركين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر العلة التي من أجلها قال ﷺ : (أوليس خياركم أولاد المشركين). سمعت أبا خليفة يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمد بن زياد يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل)]. إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والبخاري. قال: [(عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل)]. فيه إثبات العجب لله ، وقوله: (بالسلاسل) يعني: بالجهاد، يقاتلون ثم يسلمون فيدخلون في الإسلام، يعني: يقاتلهم المسلمون، ثم يمن الله عليهم بالإسلام، فبالقوة يدخلون إلى الإسلام، ويقادون إلى الجنة بالسلاسل. [قال أبو حاتم: قوله ﷺ : (عجب ربنا) من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ علم المخاطب بما يخاطب به في القصد إلا بهذه الألفاظ التي استعملها الناس فيما بينهم، والقصد في هذا الخبر: السبي الذي يسبيهم المسلمون]. هذا غلط من أبي حاتم فقد أنكر صفة العجب، وله أغلاط أخرى في العقيدة، قوله: من الألفاظ التي يتعارف عليها، يعني: يقصد إنكار العجب، والصواب: أن هذا فيه صفة العجب لله ، وفي الحديث الآخر: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره)، (يعجب ربكم من شاب ليست له صبوة)، وفي قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] (بل عجبتُ ويسخرون)، على هذا فيه إثبات العجب لله، ((بَلْ عَجِبْتُ)) على إحدى القراءتين، قراءة حفص: ((بَلْ عَجِبْتَ)) الخطاب للرسول، وقراءة (بل عجبتُ) فيه إثبات العجب لله، فـ أبو حاتم ﵀ له تأويل في الصفات، قال أبو حاتم: هذا من الألفاظ التي نتعارف عليها، وليس المقصود إثبات العجب. هكذا! من الألفاظ المتعارف عليها يخاطب الناس بما يعرفون، فأنكر بذلك صفة العجب لله. فمعنى: (عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل) يعني: يجاهدهم ويقاتلهم المسلمون ويسبونهم ويكتفونهم، ثم يدخلون الإسلام ويدخلون الجنة. قال: [والقصد في هذا الخبر السبي الذي يسبيهم المسلمون من دار الشرك مكتفين بالسلاسل يقادون بها إلى دور الإسلام حتى يسلموا فيدخلون الجنة، ولهذا المعنى أراد ﷺ بقوله في خبر الأسود بن سريع: (أوليس خياركم أولاد المشركين)، وهذه اللفظة أطلقت أيضاً بحذف (من) عنها، يريد: أو ليس من خياركم]. يعني: أن الصحابة كان آباؤهم مشركين.

стр. 130

ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانة أنه مضاد لما ورد في مآل ذراري المشركين قال المصنف ﵀: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي تقدم ذكرنا لها]. الذي لا يهتم بالعلم وأخذه من مصادره يغلط. قال: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي تقدم ذكرنا لها. أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء والصبيان). قوله: [ذكر خبر أوهم من لم يحسن طلب العلم من مظانه أنه مضاد للأخبار التي ذكرنا لها]. الأخبار السابقة هل فيها الأمر بالقتل: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: (خياركم أولاد المشركين)، ونهى عن قتل النساء والصبيان؟! هذا من محاسن الإسلام؛ لأن النساء والصبيان ليسوا من أهل السلاح ولا يحملون السلاح فلا يقتلون، وكونه نهى عن قتل النساء والصبيان فهذه أحكام، وهم لهم أحكامهم في الدنيا ولهم أحكام في الآخرة، وأحكامهم في الدنيا أنهم لا يقتلون وحدهم، لكن إذا بيت المسلمون المشركين قتلوا معهم، لكن أولاد المشركين الصواب أنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ.

стр. 131

ذكر الخبر المصرح بأن نهي النبي عن قتل الذراري كان بعد قوله: (هم منهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن نهيه ﷺ عن قتل الذراري من المشركين كان بعد قوله ﷺ : (هم منهم). أخبرنا جعفر بن سنان القطان بواسط حدثنا العباس بن محمد بن حاتم حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حمى إلا لله ورسوله، وسألته عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: نعم فإنهم منهم)، ثم نهى عن قتلهم يوم حنين]. النهي إذا تميزوا، وإذا اختلطوا يقتلون.

стр. 132

ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن أن أطفال المسلمين يخاف عليهم النار قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن واشتغل بضدها أنه مضاد للأخبار التي ذكرناها قبل]. التراجم يدخل بعضها في بعض، وإذا أردت أن تربط عناوين الكتاب فانظر الفهرس. قال: [ذكر خبر قد أوهم من أغضى عن علم السنن واشتغل بضدها أنه مضاد للأخبار التي ذكرناها قبل. أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن العلاء بن المسيب عن فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: (توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ : أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً؟)]. قال في التخريج: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مسلم في القدر. قال ابن حاتم: [أراد النبي ﷺ بقول هذا ترك التزكية لأحد مات على الإسلام، ولئلا يشهد بالجنة لأحد، وإن عرف منه إتيان الطاعات، والانتهاء عن المزجورات]. المراد ألا يشهد لأحد بعينه بخصوصه لما قالت: (طوبى له عصفور من عصافير الجنة)، ولهذا قال: (أو غير ذلك)، وإلا أولاد المؤمنين في الجنة ولا شك في هذا، لكن لما خصصت شخصاً بعينه أنكر عليها النبي ﷺ الشهادة له بخصوصه لما في ذلك من التزكية. قال أبو حاتم: [أراد النبي ﷺ بقوله هذا ترك التزكية لأحد مات على الإسلام، ولئلا يشهد بالجنة لأحد، وإن عرف منه إتيان الطاعات، والانتهاء عن المزجورات؛ ليكون القوم أحرص على الخير، وأخوف من الرب، لا أن الصبي الطفل من المسلمين يخاف عليه النار، وهذه مسألة طويلة قد أمليناها بفصولها والجمع بين هذه الأخبار في كتاب فصول السنن، وسنمليها إن شاء الله تعالى بعد هذا الكتاب في كتاب الجمع بين الأخبار ونفي التضاد عن الآثار، إن يسر الله تعالى ذلك وشاء].

стр. 133

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإيمان [٢] لا يكلف العباد إلا بما يطيقون، ولا إكراه في الدين فإنه موافق للفطرة، فلا يمتنع من الدخول فيه بعد تبين الرشد له إلا من أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، والواجب على الإنسان أن يقبل دين الفطرة ويدفع الوساوس التي يلقيها الشيطان على قلبه.

стр. 134

باب التكليف قال ابن حبان رحمه الله تعالى: [باب التكليف. ذكر الإخبار عن نفي تكليف الله عباده ما لا يطيقون]. هذه الترجمة أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، فلا يرى أنها تكليف؛ وإنما هذا حق الله تعالى لكن لا يسمى تكليفاً؛ لأن ليس فيه كلفة ولا مشقة، وإن كان أصل الكلفة موجوداً، لكن لا يسمى كلفة. قال: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: (لما نزلت على النبي ﷺ هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب، وقالوا: لا نطيق، لا نستطيع، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فقال النبي ﷺ : لا تقولون كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم)]. وهذا رواه مسلم في الصحيح، وفيه: أن الله تعالى نسخ الآية الأولى بالآية التي بعدها. في مسلم: أن الصحابة جاءوا إلى النبي وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام وأنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٤] من يستطيع أن يزيل ما في نفسه؟ لا أحد يستطيع ذلك، فقال النبي: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]، بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فقالوا: ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا))، فلما قرأها القوم وذلت لها أنفسهم وألسنتهم أنزل الله في إثرها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]). رواه مسلم في الصحيح. يعني: أن الصحابة سموا هذا تكليفاً، وقالوا: كلفنا، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، وشيخ الإسلام يعارض في تسميتها تكليفاً، وقد يقال: إن الصحابة قالوا للنبي: (كلفنا يا رسول الله من العمل ما نطيق)، ولم ينكر قول: كلفنا، نعم الله كلف العباد وألزمهم بأن يعبدوه ويسجدوا له؛ لأن العباد مخلوقون لهذا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. قال: أخرجه مسلم في صحيحه في باب الإيمان.

стр. 135

ذكر الإخبار عن الحالة التي من أجلها أنزل الله: (لا إكراه في الدين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن الحالة التي من أجلها أنزل جل وعلا: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببست قال: حدثنا حسن بن علي الحلواني حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها ولد؛ فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله! أبناؤنا؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل في الإسلام]. هذا موقوف على ابن عباس، قال في تخريجه: إسناده صحيح على شرطهما وأبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وأخرجه أبو داود والبيهقي. هذا موقوف على ابن عباس، قال: كانت المرأة من الأنصار لا يأتي لها ولد، فتنذر أو تحلف لئن عاش لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير، قالوا: أبناؤنا الذين نذروا وحلفوا ليهودونهم معهم، فأنزل الله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].

стр. 136

ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله نفلاً جائز أن يفرض ثانياً قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله جل وعلا نفلاً جائز أن يفرض ثانياً، فيكون ذلك الفعل الذي كان فرضاً في البداية فرضاً ثانياً في النهاية]. أي: إذا كان الأمر فرضاً ثم خفف فصار نفلاً قد يفرض مرة أخرى. [أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان الطائي بمنبج قال: حدثنا سعيد بن حفص النفيلي قال: قرأنا على معقل بن عبيد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها أخبرته: (أن رسول الله ﷺ خرج ليلة في رمضان فصلى في المسجد، فصلى رجال وراءه بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله ﷺ الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا بذلك، فاجتمع أهل المسجد الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ إلا لصلاة الفجر، فلما قضيت صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتقعدوا عنها، وكان رسول الله ﷺ يرغبهم في قيام شهر رمضان من غير أن يأمرهم بقضاء أمر فيه، يقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)]. وكان هذا في رمضان، صلى بهم ثلاث ليال، ثم ترك خشية أن يفرض عليه، وبقيت صلاة الناس أوزاعاً في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل ومعه الرجلان، ثم جمعهم عمر على إمام واحد. قال أبو حاتم: [فخرج رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر رضوان الله عليهم أجمعين]. التخريج: إسناده حسن، معقل بن عبيد الله حديثه لا يرقى إلى الصحة، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين. وجه الدلالة: أن الأمر الذي كان واجباً، ثم كان مستحباً، قد يكون فرضاً، يعني: أنه كان يخشى أن تفرض عليهم صلاة الليل، وكأن المؤلف ﵀ رأى أن قيام الليل كان واجباً على الأمة، ثم نسخ فصار نفلاً، ثم يمكن أن يكون فرضاً آخر، ولهذا خشي النبي ﷺ أن يفرض عليهم قيام الليل مرة ثانية، فلهذا ترك القيام معهم، وهذا على القول بأن قيام الليل كان واجباً في أول الإسلام على النبي ﷺ وعلى الأمة، ثم نسخ فصار نفلاً في حق الأمة، ويمكن أن يعود الفرض مرة أخرى، ولهذا خاف النبي ﷺ عليهم فلم يخرج في الليلة الرابعة لئلا يفرض عليهم مرة أخرى. قال: [ذكر البيان بأن الفرض الذي جعله الله جل وعلا نفلاً]. يعني قيام الليل صار نفلاً بعد أن كان فرضاً. قال: [جائز أن يفرض ثانياً]. فيكون واجباً مرة ثانية.

стр. 137

ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس قال ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه: [ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس في كتبة الشيء عليهم. أخبرنا أبو يعلى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق)]. حتى يحتلم يعني: يبلغ، فإنه يرفع عنه القلم، (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ). قال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وحماد هو ابن أبي سليمان الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الإمام الثقة المجتهد، وأخرجه أحمد والدارمي وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. [ذكر الإخبار عن العلة التي من أجلها إذا عدمت رفعت الأقلام عن الناس في كتبة الشيء عليهم]. الكلام الآن على التكليف ورفع قلم التكليف، والنائم رفع عنه القلم، فلو انقلب على شخص وقتله لا يأثم، لكن عليه الدية؛ أو أتلف شيئاً وهو نائم فعليه أن يغرم لكن لا يأثم؛ لأنه ليس بوعيه، لكن المتلفات لابد من عزمها، ومثل ذلك المرأة لو انقلبت على طفلها فمات لا تأثم، لكن عليها الدية والكفارة، وكذلك المجنون لو قتل شخصاً لا يأثم؛ لأنه لا عقل له، لكن عاقلته تلزمهم الدية، وكذلك الصبي الصغير لو قتل شخصاً أو أتلف شيئاً لا يأثم؛ لأنه رفع عنه القلم، لكن يغرم ما أتلفه من ماله أو من عاقلته، وعلى العاقلة دية المقتول، وهكذا الصبي لو قتل شخصاً أو أتلف شيئاً لا يأثم؛ لأنه مرفوع عنه القلم لكن يغرم ما أتلفه من ماله أو من عاقلته، وكذا لو كان المرء في غيبوبة فإنه مرفوع عنه القلم في غيبوبته وليس عليه تكليف. وللزوج أن يتنازل عن دية الطفل الذي مات بسبب أمه، لكن لا تسقط عنها الكفارة، وإن لم تستطع فتبقى في ذمتها حتى تستطيع.

стр. 138

ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما سبق ذكره في رفع القلم عن فئات من الناس قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه. أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان بن مهران عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ قال: مر علي بن أبي طالب ﵁ بمجنونة بني فلان قد زنت أمر عمر برجمها، فردها علي وقال لـ عمر: يا أمير المؤمنين! أترجم هذه؟ قال: نعم. قال: أو ما تذكر أن رسول الله ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب عن عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)؟ قال: صدقت. فخلى عنها]. قال في تخريجه: رجاله ثقات رجال مسلم، وأبو ظبيان هو حصين بن جندب بن الحارث الجنبي بفتح الجيم أبو ظبيان الكوفي حدث عن حذيفة وسلمان وعلي وطائفة، وعنه ابنه قابوس بن حصين وسماك وعطاء. وثقه ابن معين توفي سنة تسعين وقيل: سنة خمس أو ست وتسعين. والحديث أيضاً في صحيح ابن خزيمة، وأخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن أبي حصين عن أبي ظبيان عن علي موقوفاً عليه. وأخرجه الترمذي والنسائي في الرجم كما في التحفة، وأحمد والبيهقي من طريقين عن الحسن البصري عن علي مرفوعاً. وهذه القصة موافقة للحديث فالمجنون مرفوع عنه القلم.

стр. 139

صحة حج الصبي ومن في حكمه، وحصول الأجر للمتسبب في حجه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما تأولنا الخبرين الأولين اللذين ذكرناهما، بأن القلم رفع عن الأقوام الذين ذكرناهم في كتبة الشر عليهم دون كتبة الخير لهم]. أي أن الخير يكتب لهم والشر لا يكتب عليهم. [أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان قال: سمعت إبراهيم بن عقبة قال: سمعت كريباً يخبر عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ صدر من مكة -أي: خرج - فلما كان بالروحاء، استقبله ركب فسلم عليهم، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فمن أنت؟ قال: رسول الله ﷺ ، ففزعت امرأة منهم، فرفعت صبياً لها من محفة وأخذت بعضلته فقالت: يا رسول الله! هل لهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر)]. الحديث رواه مسلم في صحيحه، وفيه دليل على صحة حج الصبي ولو كان طفلاً في المهد، فإنه إذا عمل الخير يكتب له، قوله: (ألهذا حج؟ قال: نعم له حج ولك أجر) أي: لها أجر المعونة والسبب، وهذا يدل على أن الصبي إذا فعل الخير يكون الأجر له، ونسمع عن بعض العامة أنهم يقولون: إذا حج الصبي يكون حجه لأبيه، أو لأمه، أو لجده، أو لجدته، وهذا لا أصل له، بل يكون الأجر له، وللمتسبب على المعونة، إذ إن التسبب له أجر آخر، غير أجر الحج، وعلى وليه أن يكشف رأسه عند أداء النسك إن كان ذكراً ويلبسه إزاراً ورداءً ويطوف به وينوي عنه ولو كان في المهد، ويطوف به ويسعى ثم يقصر عنه، وإذا لم يتم الحج يلزم وليه أن يتمه ولا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، بل عليه إذا بلغ أن يحج، وكذلك العبد إذا أذن له سيده يصح حجه، ولا يكفيه عن الفرض كما جاء في الحديث: (أيما صبي حج ثم بلغ الحلم فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى)، ويقاس على الصبي المجنون؛ لأن كلاً منهما مرفوع عنه القلم، فحكمهما واحد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال إبراهيم: فحدثت بهذا الحديث ابن المنكدر فحج بأهله أجمعين]، وإنما فعل ذلك حتى يستفيدوا ويؤجروا، والحديث رواه مسلم في باب صحة حج الصبي. مسألة: المرأة إذا قتلت ابنها وهي نائمة؛ فإن الدية على العاقلة وعليها الكفارة. وإذا مات القاتل ولم يكمل الكفارة، فإنه يلزم وليه أن يكملها.

стр. 140

مدافعة الوساوس في ذات الله صريح الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما وضع الله من الحرج عن الواجد في نفسه ما لا يحل له أن ينطق به]. أي: الوساوس التي تكون في نفس الإنسان، فإذا وجد في نفسه الوساوس فليس عليه إثم، لكن عليه أن يدافعها وإذا كانت وساوساً تمر ولا تستقر فلا ينظر إليها، لكن عليه أن يدافعها ويحاربها ولا ينطق بها فإن فعل فلن تضره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا أشياء ما نحب أن نتكلم بها وإن لنا ما طلعت عليه الشمس، فقال ﷺ : قد وجدتم ذلك؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)]. أي أن كتم الوسوسة، ودفعها ومحاربتها صريح الإيمان، وفي اللفظ الآخر: أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا ما لأن يخر الإنسان من السماء خير له أن ينطق به) وفي لفظ: (ما لأن يكون حممة -يعني فحمة- خير له من أن يتكلم به، قال وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان)، أي أن كتم الوسوسة، ومحاربتها، ومدافعتها، واستعظام التكلم بها صريح الإيمان، وليس المعنى أن الوسوسة هي صريح الإيمان؛ لأنهم قد قالوا: يتمنى الواحد أن يسقط من السماء ولا يتكلم أو يكون حممة، أي: فحمة ولا يتكلم بالوساوس، وفي اللفظ الآخر أن النبي ﷺ قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) يريد الشيطان، وقد يسأل سائل: هل تكون هذه من الابتلاءات التي تكفر الذنوب؟ و الجواب هذه وساوس لا تكفر الذنوب، ومن الواضح أن الصحابة خافوا أن تكون ذنوباً يؤاخذون عليها، ولذا قصاراه أنها تكون معفواً عنها. والحديث إسناده حسن، ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة بن وقاص الليثي المدني حسن الحديث، وأخرجه أحمد بهذا الإسناد.

стр. 141

مدافعة الوساوس صريح الإيمان لا ذاتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يتفقه في صحيح الآثار ولا أمعن في معاني الأخبار أن وجود ما ذكرناه هو محض الإيمان. أخبرنا أبو عروبة بحران قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا شيئاً لأن يكون أحدنا حممة أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ذلك محض الإيمان). قال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها، من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان]. قوله: صريح الإيمان، أي: محض الإيمان، والمعنى أن الوساوس ليست من الإيمان، بل المراد كتمها ومحاربتها ودفعها. وقوله: [قال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء] أي: من الوساوس. وقوله: [التي لا يحل له النطق بها من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان]. المعنى: ليس المراد الوساوس إنما المراد دفع هذه الوساوس.

стр. 142

بيان أن المرء غير مؤاخذ بما حدث به نفسه إن لم يتكلم قال المصنف ﵀: [ذكر الإباحة للمرء أن يعرض بقلبه شيء من وساوس الشيطان، بعد أن يردها من غير اعتقاد القلب على ما وسوس إليه الشيطان. أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن منصور عن ذر عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه الشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﷺ : الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة)]. الحديث إسناده صحيح على شرطهما، وذر هو ابن عبد الله المرهبي وأخرجه الطيالسي وأحمد وأبو داود. وفيه أنهم قالوا: (يا رسول الله! يجد أحدنا في نفسه ما لأن يكون حممة)، والمعنى: أنه إن ردها بعد أن عرضت عليه فلا تضره؛ لأن النبي ﷺ قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة). وقوله: حممة، أي فحمة، فيحترق ويصير فحماً.

стр. 143

ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه الوساوس والمحدث إياها به سيان ما لم ينطق به لسانه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه ما وصفنا، وحكم المحدث إياها به سيان، ما لم ينطق به لسانه]. أي: لا فرق بين أن يقول: وجدت في نفسي، أو: حدث نفسه، فما دام أنه لم يتكلم فالحكم واحد، وهو أن ذلك معفو عنه، سواءً وجد في نفسه أو حدث نفسه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسدد حدثنا خالد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بالشيء يعظم على أحدنا أن يتكلم به قال: أو قد وجدتموه؟! ذاك صريح الإيمان)]. أي: دفعه ومحاربته وكتمه صريح الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة وعدة قالوا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: سمعت علي بن عثام يقول: أتيت سعير بن الخمس أسأله عن حديث الوسوسة فلم يحدثني؛ فأدبرت أبكي ثم لقيني فقال: تعال حدثنا المغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم قال: ذاك صريح الإيمان)]. الحديث إسناده صحيح على شرط الصحيح.

стр. 144

ما ينبغي للمرء أن يقوله عند الوسوسة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر للمرء بالإقرار لله جل وعلا بالوحدانية، ولصفيه ﷺ بالرسالة عند وسوسة الشيطان إياه. أخبرنا العباس بن أحمد بن حسان السامي بالبصرة قال: حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا مروان بن معاوية أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : لن يدع الشيطان أن يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماوات والأرض؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا حس أحدكم بذلك فليقل: آمنت بالله وبرسله)]، وفي الحديث مشروعية القول: (آمنت بالله ورسله)، وجاء في اللفظ الآخر يقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وفي اللفظ الآخر يقول: (آمنت بالله، ولينته) أي: ليقطع التفكير. والحديث إسناده صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والبخاري.

стр. 145

الأسئلة
следующие страницы →