← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37009

شرح صحيح ابن حبان - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (210 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مدافعة الوساوس صريح الإيمان لا ذاتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يتفقه في صحيح الآثار ولا أمعن في معاني الأخبار أن وجود ما ذكرناه هو محض الإيمان. أخبرنا أبو عروبة بحران قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا شيئاً لأن يكون أحدنا حممة أحب إليه من أن يتكلم به، قال: ذلك محض الإيمان). قال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها، من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان]. قوله: صريح الإيمان، أي: محض الإيمان، والمعنى أن الوساوس ليست من الإيمان، بل المراد كتمها ومحاربتها ودفعها. وقوله: [قال أبو حاتم ﵁: إذا وجد المسلم في قلبه أو خطر بباله من الأشياء] أي: من الوساوس. وقوله: [التي لا يحل له النطق بها من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذا، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان رده إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان لا أن خطرات مثلها من الإيمان]. المعنى: ليس المراد الوساوس إنما المراد دفع هذه الوساوس.

стр. 142

بيان أن المرء غير مؤاخذ بما حدث به نفسه إن لم يتكلم قال المصنف ﵀: [ذكر الإباحة للمرء أن يعرض بقلبه شيء من وساوس الشيطان، بعد أن يردها من غير اعتقاد القلب على ما وسوس إليه الشيطان. أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن منصور عن ذر عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه الشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﷺ : الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة)]. الحديث إسناده صحيح على شرطهما، وذر هو ابن عبد الله المرهبي وأخرجه الطيالسي وأحمد وأبو داود. وفيه أنهم قالوا: (يا رسول الله! يجد أحدنا في نفسه ما لأن يكون حممة)، والمعنى: أنه إن ردها بعد أن عرضت عليه فلا تضره؛ لأن النبي ﷺ قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة). وقوله: حممة، أي فحمة، فيحترق ويصير فحماً.

стр. 143

ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه الوساوس والمحدث إياها به سيان ما لم ينطق به لسانه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن حكم الواجد في نفسه ما وصفنا، وحكم المحدث إياها به سيان، ما لم ينطق به لسانه]. أي: لا فرق بين أن يقول: وجدت في نفسي، أو: حدث نفسه، فما دام أنه لم يتكلم فالحكم واحد، وهو أن ذلك معفو عنه، سواءً وجد في نفسه أو حدث نفسه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسدد حدثنا خالد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بالشيء يعظم على أحدنا أن يتكلم به قال: أو قد وجدتموه؟! ذاك صريح الإيمان)]. أي: دفعه ومحاربته وكتمه صريح الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة وعدة قالوا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: سمعت علي بن عثام يقول: أتيت سعير بن الخمس أسأله عن حديث الوسوسة فلم يحدثني؛ فأدبرت أبكي ثم لقيني فقال: تعال حدثنا المغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (سألنا رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيء لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم قال: ذاك صريح الإيمان)]. الحديث إسناده صحيح على شرط الصحيح.

стр. 144

ما ينبغي للمرء أن يقوله عند الوسوسة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر للمرء بالإقرار لله جل وعلا بالوحدانية، ولصفيه ﷺ بالرسالة عند وسوسة الشيطان إياه. أخبرنا العباس بن أحمد بن حسان السامي بالبصرة قال: حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا مروان بن معاوية أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : لن يدع الشيطان أن يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماوات والأرض؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فإذا حس أحدكم بذلك فليقل: آمنت بالله وبرسله)]، وفي الحديث مشروعية القول: (آمنت بالله ورسله)، وجاء في اللفظ الآخر يقول: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وفي اللفظ الآخر يقول: (آمنت بالله، ولينته) أي: ليقطع التفكير. والحديث إسناده صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد والبخاري.

стр. 145

الأسئلة

стр. 146

حكم من انتشرت في بلاده القبور السؤال من كان في بلده عدد كبير من القبور التي تزار ويطاف بها، فما موقفه منها؟ وهل يقطع صلته بكل من يفعل هذه الأفعال الشركية عند القبور؟ الجواب لا، بل يناصحهم، (الدين النصيحة)، ويبين لهم، وينقل لهم فتاوى العلماء والأشرطة المفيدة لعل الله أن يهديهم، وهؤلاء الناس إن لم يستمعوا له فلا يخالطهم ولا يجالسهم، وإنما يزورهم ويحسن إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فالإحسان الدنيوي مطلوب.

стр. 147

تقديم الصحابة في الحب على النفس السؤال هل يحب الصحابة فوق محبة النفس؟ الجواب هذا جاء في حق النبي ﷺ حين قال لـ عمر: (حتى أكون أحب إليك من نفسك).

стр. 148

حكم الثناء على الله والصلاة على النبي قبل الدعاء في السجود السؤال هل يبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ في كل دعاء حتى في أدعية السجود وآخر الصلاة وأذكار النهار؟ الجواب لا، وذلك موجود في الصلاة، وهي شيء واحد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، في الفاتحة موجود الحمد والثناء، وفي الدعاء يقول: سبحان ربي الأعلى، وأما الثناء فيكتفي بالفاتحة.

стр. 149

المشير في الصلاة السؤال هل عائشة ﵂ هي التي أشارت إلى أسماء أو أسماء هي التي أشارت لها في صلاة الكسوف؟ الجواب عائشة كانت تصلي، وأسماء جاءت سألتها، كما في البخاري.

стр. 150

حكم من أقسم على آخر ألا يتكلم السؤال أقسمت على صديق لي ألا يتكلم في موضوع معين، وامتثل ثلاثة أيام، فهل له أن يعود للكلام أم أن علي كفارة؟ الجواب إذا أقسمت ألا يتكلم مطلقاً فتكلم بعد ثلاثة أيام عليك كفارة.

стр. 151

حكم قصد محطات الوقود للهدية السؤال هل يجوز قصد محطات البنزين للتعبئة من أجل الهدية؟ الجواب إذا كانت شيئاً يسيراً، ولا يسبب إيهاماً ولا انصراف الناس عن المحطات الأخرى فأرجو ألا يكون في الأمر حرج.

стр. 152

حكم تكرار الاستخارة السؤال هل يجوز تكرار الاستخارة؟ وما الدليل على ذلك؟ الشيخ: الدليل الأحاديث التي فيها الاستخارة؛ فإن مقتضاها أن الإنسان إذا لم يتبين له يستخير مرة أخرى وثانية.

стр. 153

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإيمان [٣] جاءت الأخبار الكثيرة عن النبي ﷺ مبينة فضل الإيمان، وأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، والإيمان ليس قولاً باللسان أو اعتقاداً بالقلب فحسب؛ بل هو قول واعتقاد وعمل كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة.

стр. 154

فضل الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الإيمان: أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا محرر بن قعنب الباهلي قال: حدثنا رياح بن عبيدة عن ذكوان السمان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (بعثني رسول الله ﷺ فقال: ناد في الناس من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فخرج فلقيه عمر في الطريق، فقال: أين تريد؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ بكذا وكذا، قال: ارجع، فأبيت، فلهزني لهزة في صدري ألمها -أي: آلمته وأوجعته- قال: فرجعت ولم أجد بداً، قال: يا رسول الله! بعثت هذا بكذا وكذا؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله! إن الناس قد طمعوا وخشوا، فقال ﷺ : اقعد)]. الحديث أصله في الصحيح: (أن النبي ﷺ أعطاه نعليه وقال: اذهب فمن وجدت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فبشره بالجنة, فلقيه عمر فسأله فقال: إن النبي ﷺ أخبرني بذلك، فلهزه لهزة أوجعته -ضربه في صدره- فرجع إلى النبي ﷺ وهو يجيش بالبكاء من عمر، فلحقه عمر فقال: يا رسول الله! أبعثت هذا بنعليك يقول كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: لا تفعل فيتكلوا، أو قال: فإذاً يتكلوا). وفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم. ومحرر بن قعنب وثقه أبو زرعة كما في الجرح والتعديل، وفي الحديث فضل التوحيد، ومن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة عاجلاً أو آجلاً, لكن من مات على توحيد سالم من الشرك والبدع والكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وإلا فهو على خطر إذا فعل الكبائر من غير توبة. واللهز: هو الضرب بجمع الكف في الصدر.

стр. 155

الإيمان أفضل الأعمال قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن أفضل الأعمال هو الإيمان بالله. أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني قال: حدثنا سفيان والدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مراوح الغفاري عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله)]. هذا الحديث فيه فضل الإيمان بالله ورسوله، وفيه تسمية الإيمان عملاً؛ لأن الإيمان: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، والإيمان إذا أطلق يشمل الأقوال والأعمال، والاعتقاد يشمل من الأعمال أعمال القلوب، وأعمال الجوارح, ويشمل تصديق القلب وإقراره، ويشمل قول اللسان، ويشمل عمل القلب مثل: النية والإخلاص، والصدق، والمحبة، فكلها من أعمال القلوب، وكلها داخلة في الإيمان، وفيه أنها أفضل الأعمال بدليل قوله في الحديث: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله)، فجعله من العمل، وفيه الرد على المرجئة الذين يقولون: الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ سمى الإيمان عملاً، بل جعله والجهاد أفضل الأعمال، وفي اللفظ الآخر: أن النبي ﷺ سئل: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم ماذا؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) وفي بعضها قدم الجهاد على الوالدين. والحديث السابق إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البخاري ومسلم والدارمي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الواو الذي في خبر أبي ذر الذي ذكرناه ليس بواو وصل وإنما هو واو بمعنى (ثم)]. يريد الواو في قوله: (إيمان بالله وجهاد في سبيله)، إذ الواو فيه معناه (ثم)؛ لأنه جاء في الحديث الآخر: (أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، فجعل (ثم) محل الواو، فدل على أن الواو ليس للعطف والجمع وإنما هي بمعنى ثم، كما فسرتها الأحاديث الأخرى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)]. وهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح. وذكره أيضاً أحمد ومسلم. وفيه أن الجهاد بعد الإيمان بالله ورسله ثم الحج المبرور.

стр. 156

بيان أن من اقتصر على الواجبات وترك المحرمات دخل الجنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الإيمان. أخبرنا عمر بن محمد الهمداني قال: حدثنا عيسى بن حماد قال: حدثنا الليث بن سعد عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: (بينما نحن جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكىء بين ظهرانيهم، قال: فقلنا له: هذا الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب! فقال له رسول الله ﷺ : قد أجبتك، فقال الرجل: يا محمد! إني سائلك فمشتد عليك في المسألة فلا تجدن علي في نفسك، فقال رسول الله ﷺ : سل ما بدا لك، فقال الرجل: نشدتك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهم نعم، قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهم نعم. قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال رسول الله ﷺ : اللهم نعم. قال: فأنشدك الله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو حديث عظيم فيه من الفوائد: أن من أدى الفرائض وترك المحرمات فهو من أهل الجنة يدخل الجنة من أول وهلة؛ لأنه أدى ما عليه ولو لم يأت بالنوافل، ويكون من المقتصدين، وهم أصحاب اليمين الذين يقتصرون على الفرائص والواجبات، لكن السابقين أفضل منهم، وهم الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وقد أقر ضمام بن ثعلبة أنه سيصوم الشهر، ويؤدي الصلاة، ويزكي، ولا يزيد، بدليل قوله: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وفي اللفظ الآخر أنه قال: (لا أزيد على هذا ولا أنقص). وفيه من الفوائد: أن النبي لم يكن متميزاً عن أصحابه، ولهذا يأتي الغريب فلا يعرفه حتى يسأل: أين محمد؟ فيجيبه الصحابة -كما في هذا الحديث-: هذا الرجل الأبيض المتكئ، ولو كان متميزاً بلباسٍ أو بشيء آخر كما يتميز الملوك لعرفه من سأل عنه ﵊. وفيه أن الجد أب، ونسبة الإنسان إلى جده نسبة إلى أبيه، وهذا يستفاد من قوله: يا ابن عبد المطلب لأن عبد المطلب كان مشهوراً بخلاف عبد الله والد النبي فإنه مات شاباً، فلما كان عبد المطلب رئيساً في قومه، مشهوراً عند العرب اسمه؛ نسب النبي إليه، والجد أب. وفيه عناية ضمام بن ثعلبة واعتذاره حيث قال: إني سائلك فمشتد عليك في المسألة، ثم قال: آلله أرسلك؟ آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات؟ آلله أمرك أن نصوم؟ آلله أمرك أن نؤدي الصدقة؟ يستحلفه فيها، وهذا مبالغة في التأكيد، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يهابون النبي ﷺ ، ويجلونه؛ حتى إنهم لا يطيقون النظر إليه إجلالاً له واحتراماً وتوقيراً، ويعجبهم الرجل يأتي من البادية لا يستحي أن يسأل عن دينه فيستفيدون بما أجابه النبي ﷺ ؛ وذلك لأن الصحابة ما كانوا يجرءون على أن يسألوا بهذه الأشياء، أما الأعرابي فإنه بما عنده من جفاء وغلظة يجرؤ على أن يسأل النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يجيب، فيتعلمون مما علمه. والمقتصد هو من أصحاب اليمن، الذين اقتصدوا أي: اقتصروا على الواجبات، وليس المعنى: قاصد أي: المريد للشيء، ولا القاسط بالسين؛ إذ القاسط هو الجائر الظالم، والمقتصد هو العادل وفرق بينهما، والقاسط مشتق من الثلاثي قسط التي تعني: جار وظلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥] أي: الظالمون الجائرون، وأما المقتسط فهو اسم فاعل من أقسط الرباعي وفي الحديث: (المقسطون على منابر من نور). والمقسطون من أقسط بمعنى عدل والفرق بينهما الهمزة. والحديث أخرجه أحمد والبخاري. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا محمد بن الخطاب البلدي قال: حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم، فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله، قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال: وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا؟ قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن شيئاً، فلما قفى قال رسول الله ﷺ : لئن صدق ليدخلن الجنة)]. وفيه أن المقتصد من اقتصر على الفرائض، وهو معنى قوله: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، وقد دل الحديث على أن المقتصد يدخل الجنة من أول وهلة، وأنه من أصحاب اليمين، ولكنهم ليسوا الأفضل بل السابقون بالخيرات أفضل منهم، وهم الذين يؤدون النوافل بعد الفرائض، أما الظالمون لأنفسهم فهم الذين يقصرون في الواجبات، ويفعلون بعض المحرمات، وفيه توكيد الأسئلة، وأنها مؤكدة مشددة لعظم ما تتناوله، وقوله: (زعم رسولك)، الزعم يطلق ويراد به الادعاء الكاذب، ويطلق ويراد به مجرد القول، ومعنى: زعم رسولك، أي: قال لنا رسولك كذا وكذا، وليس المراد أنه ادعى كذباً كما في قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]، أي: زعموا زعماً كاذباً، بل زعم في الحديث بمعنى قال. والحديث أخرجه مسلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: هذا النوع مثل: الوضوء والتيمم والاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس والصوم الفرض وما أشبه هذه الأشياء التي هي فرض على المخاطبين في بعض الأحوال لا الكل]. والمقصود أنه في بعض الأحيان تختلف أحوال الناس فيها على حسب الأدلة، فمن أصابته الجنابة يجب عليه الغسل، ومن لم تصبه الجنابة لا يجب عليه الغسل، كذلك من فقد الماء يتيمم ومن لم يفقد الماء لا يتيمم, ومن كان قادراً على الصوم يصوم ومن لا يقدر على الصوم لا يصوم، بل يطعم إذا كان عاجزاً أو يفطر ويقضي إذا كان مسافراً أو مريضاً.

стр. 157

الحث على التدرج في الدعوة والابتداء بالمهم فالأهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني قال: حدثنا أمية بن بسطام قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، وإذا فعلوها فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس)]. حديث معاذ مشهور رواه الشيخان، وفيه أن الداعية يبدأ بالأهم فالأهم، فيبدأ بالتوحيد، وهو معنى قوله: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)، وفي لفظ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) واختلاف الروايات في الألفاظ يدل على أن المراد من الشهادتين توحيد الله وليس المراد النطق باللسان فقط، بدليل قوله في الرواية الأخرى: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله)، أي: توحيد الله، وفي اللفظ الآخر: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وليس المراد قولها باللسان، بل واعتقاد معناها كما في الحديث الآخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وفي لفظ: (إلى أن يوحدوا الله)، فذلك معناها. وفيه أن الداعية يتدرج في الدعوة إن كان المخاطبون كفاراً، فيدعوهم إلى التوحيد، ثم يدعوهم إلى الصلاة، فإذا استجابوا دعاهم إلى الزكاة, وكان أهل اليمن في ذلك الزمن أهل كتاب كما في الحديث الآخر: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: استعد لمناظرتهم؛ لأنهم أهل علم فليسوا كالمشركين الذين ليس عندهم علم، بل هم أهل كتاب. وفيه أن الداعية ينبغي أن يعرف حال المدعوين حتى تكون الدعوة مناسبة، ولهذا أخبره النبي بحالهم وأنهم أهل كتاب، ثم وجهه إلى ما يبدأ به معهم فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، وفيه قال عن الزكاة: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، والجمهور على أن الضمير في قوله: أغنيائهم وفقرائهم، يعود إلى أهل اليمن ولذا قالوا: فلا تنقل الزكاة إلى بلد آخر، وقال البخاري والأحناف: بل الضمير في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) يعود إلى المسلمين، وعلى هذا فلا بأس بنقل الزكاة إلى بلد آخر، وقد توسط آخرون كشيخ الإسلام ابن تيمية فقالوا: لا تنقل الزكاة من بلد المال إلا إذا كان لمصلحة راجحة، كما إذا كان هناك قريب أو فقير أشد حاجة من فقراء البلد فإنها تنقل، وإلا فإنها تصرف في بلد المال، وقد بوب البخاري فقال: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم أينما كانوا) يريد في أي بلد، وهو مذهب الأحناف. وفيه قوله: (اتق دعوة المظلوم) وأنه ينبغي للإنسان أن يحذر دعوة المظلوم، فلا يأخذ الزكاة من أنفس المال وإنما يأخذ من الوسط، وفي اللفظ الآخر: (وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم)، أي: ستظلم إذا أخذت النفيس من الزكاة، فاحذر دعوة المظلوم فليس لك إلا أن تأخذ من وسط المال فلا تأخذ من شراره ولا من خياره. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: هذا النوع مثل الحج والزكاة وما أشبههما من الفرائض التي فرضت على بعض العاقلين البالغين في بعض الأحوال لا الكل]. يريد أن الزكاة لا تجب على كل أحد، وإنما تجب على من عنده مال.

стр. 158

بيان أن الإيمان قول وعمل قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا عباد بن عباد قال: حدثنا أبو جمرة عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحي من ربيعة حالت بيننا وبينك كفار مضر، ولا نخلص إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به، وندعو من وراءنا، قال: آمركم بأربع: الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم، والنقير والمقير)]. هذا الحديث -حديث وفد عبد القيس- حديث مشهور رواه الشيخان وغيرهما، وفيه أنه فسر الإيمان بالأعمال فقال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) ثم فسر فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) فدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا من أفصح الأدلة في الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. وقوله: (وأنهاكم عن أربع: الدباء والحنتم والنقير والمقير)، أي: لا تنبذوا النبيذ في هذه الأشياء الأربعة الصلبة؛ لأنهم كانوا ينتبذون بها، والنقير: جذع النخل ينقر ثم يجعل فيه العصير، والمقير: المطلي بالقار، والحنتم: هي الجرار الخضر وهي تشبه صلبة الزير، والدباء: هو ما يعرف بالقرع، يؤخذ منه اللب ثم يُيَبس ويجعل فيه العصير المأخوذ من التمر أو من العنب أو من غيرها، فإذا مكث العصير في هذه الأشياء يومين أو ثلاثة فإنه يتخمر من شدة الحر، ثم يشربونه وهو خمر، فنهاهم النبي ﷺ عن أن ينتبذوا في هذه الأشياء الصلبة؛ لأنه قد يتخمر وهم لا يشعرون، وإنما أمرهم أن ينتبذوا في الأسقية في الجلد؛ لأنها إذا وضع فيها العصير وتخمر تشققت وقذفت الزبد وحينها تعرف أنها خمر، أما هذه الأشياء الصلبة فإن العصير يتخمر فيها وهم لا يعلمون؛ فلهذا نهاهم، وهذا في أول الإسلام قبل أن تستقر الشريعة ويعلم الناس الحكم، فلما استقرت الشريعة وعرف الناس الحكم نسخ ذلك، وأباح لهم النبي ﷺ أن ينتبذوا في كل الأوعية وقال: (انتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا الخمر)، وإنما نهاهم في أول الإسلام أن ينتبذوا في هذه الأشياء الصلبة؛ لئلا يتخمر وهم لا يشعرون، وأباح لهم أن ينتبذوا في الأشياء الرقيقة التي تتشقق كالجلود والأسقية. ووفد عبد القيس هم أهل جواثا، حيث كانت ثاني جمعة جمعت فيها بعد مسجد النبي ﷺ ، وهذه المنطقة في الأحساء، وكل المنطقة التي تطل على الخليج كانت تسمى البحرين، وآثار جواثا موجودة إلى الآن في الأحساء في منطقة محمية. قال المصنف ﵀: [قال أبو حاتم: روى هذا الخبر قتادة عن سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس وأبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁].

стр. 159

الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام اسمان لمعنىً واحد أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا وكيع عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت عكرمة يحدث طاوساً أن رجلاً قال لـ ابن عمر: ألا تغزو؟ فقال عبد الله بن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت)]. هذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، وفيه أن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقد استدل به المصنف على أن الإيمان والإسلام شيء واحد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: هذان خبران خرج خطابهما على حسب الحال؛ لأنه ﷺ ذكر الإيمان ثم عده أربع خصال، ثم ذكر الإسلام وعده خمس خصال، وهذا ما نقول في كتبنا: بأن العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفياً عما وراءه، ولم يرد بقوله ﷺ : إن الإيمان لا يكون إلا ما عد في خبر ابن عباس؛ لأنه ذكر ﷺ في غير خبر أشياء كثيرة من الإيمان ليست في خبر ابن عمر ولا ابن عباس اللذين ذكرناهما]. يستدل المصنف بهذين الحديثين على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، ففي حديث وفد عبد القيس وهو في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (آمركم بأربع وأنها كم عن أربع: الإيمان بالله)، ثم فسر الإيمان بالشهادتين فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)، وفي لفظ: (وصوم رمضان وأن تؤدوا الخمس)، وفي حديث ابن عمر قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت)، فالإسلام فسر بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، وفسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وفي لفظ والصوم، فاحتج المؤلف بهذين الحديثين على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وهذا اختيار البخاري في صحيحه وهو قول لبعض أهل العلم. والقول الثاني وهو قول الجمهور: أن الإيمان والإسلام ليسا شيئاً واحد، وإنما يختلفان بالاجتماع والافتراق، فإذا ذكر أحدهما وحده دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والدليل على ذلك أن الله تعالى فرق بين الإيمان والإسلام فقال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وفي حديث سعد بن أبي وقاص: (ما لك عن فلان إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً)، وأما في حديث وفد عبد القيس فقد ذكر الإيمان وحده فدخل فيه الإسلام، وفي حديث جبريل سأله عن الإيمان وعن الإسلام ففرق بينهما، فلما سأله عن الإسلام فسره بالأركان الخمسة، ولما سأله عن الإيمان فسره بالأعمال الباطنة، فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فالإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، أي: إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وهذا هو الصواب، وقول ابن حبان ﵀ مرجوح وهو قول لبعض أهل العلم كما تقدم. والقول بأنهما يختلفان بالاقتران والافتراق، فإذا ذكر أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل له نظائر، منها: الفقير والمسكين, فإنه إذا أطلق الفقير وحده دخل فيه المسكين، والمسكين إذا أطلق وحده دخل فيه الفقير، وإذا اجتمعا صار الفقير في الحال والمسكين في المآل، ومثل ذلك: الربوبية والألوهية، فإن الرب إذا أطلق يدخل فيه الإله؛ لأن الرب هو الإله، وإذا اجتمعا صار الرب له معنى والإله له معنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣]، فإله الناس معبودهم، ورب الناس مربيهم، وغير ذلك من النظائر. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] لأن البيت -وهم لوط وابنتاه- اتصفوا بالإسلام والإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد. أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن أبي حيان التيمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يوما بارزاً للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله! فما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: يا محمد! فمتى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، ورأيت العراة الحفاة رءوس الناس، في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة﴾ [لقمان:٣٤] الآية، ثم انصرف الرجل، فالتمسوه فلم يجدوه فقال: ذاك جبريل جاء ليعلم الناس دينهم)]. هذا حديث من رواية أبي هريرة، وقد رواه مختصراً، وقد رواه أيضاً عمر رواية أقوى من حديث أبي هريرة خرجها الشيخان، وحديث عمر الطويل في بيان الإسلام والإيمان انفرد به مسلم. قوله: (كان رسول الله ﷺ يوماً بارزاً للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله! فما الإسلام؟ قال: لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، فيه حجة على المؤلف؛ لأن الحديث فرق بين الإسلام والإيمان، فقد فسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي قوله: (تؤمن بالله وملائكته ولقائه والبعث الآخر)، وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة فقال: (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة). وقوله: (وسأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها ورأيت العراة الحفاة رءوس الناس). ربة الأمة أي: سيدتها، كأن يأسر الملك أمة ثم يتسرى بها فتلد بنتاً، فتكون سيدة على أمها؛ لأنها بنت الملك، وكذلك الابن يكون ربها؛ لأنه ابن الملك، فسيكون سيداً على أمه، وقد جاء في رواية (إذا ولدت الأمة ربها-) أي: سيدها. قوله: (في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] الآية)، هذه مفاتيح الغيب وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد يشتمل ذلك المعنى على الأقوال والأفعال معاً. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي قزعة عن حكيم بن معاوية عن أبيه أنه قال: (يا رسول الله! والذي بعثك بالحق ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك فما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك لله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد توبة أشرك بعد إسلامه)]. الحديث إسناده صحيح وأبو قزعة هو سويد بن حجير البصري ومعاوية هو ابن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري صحابي نزل البصرة، وقد أخرجه أحمد والطبراني من طريق أسد بن موسى كلاهما عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد. وعلى كل ليس فيه حجة للمؤلف على أن الإسلام والإيمان شيء واحد، فقد فسر الإسلام بالأعمال فقال: أن تسلم قلبك وأن تبتعد عن الشرك، وكل هذه أعمال.

стр. 160

ذكر أقوال العلماء في تأويل قوله ﵊: (الكافر يأكل في ستة أمعاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد. أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المسلم يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء)]. الحديث سنده صحيح على شرط الشيخين، ومن طريقه أخرجه مالك والبخاري. ولفظ البخاري (المؤمن) بدلاً من المسلم، واستدل به ابن حبان على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وهذا قول لبعض العلماء، وهو اختيار البخاري، والقول الثاني: أن الإسلام والإيمان ليسا اسماً لمسمى واحد، بل يتفقان ويفترقان، فإذا ذكر أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا أريد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وأريد بالإيمان الأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل، فقد فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة حين اجتمعا، أما إذا جاء أحدهما وحده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فإنه يشمل الإيمان والإسلام، وقوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، لفظ (المؤمن) يشمل المؤمن والمسلم، هذا هو الصواب وهو الذي عليه الجمهور، وهو اختيار المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية. وللحديث سابق الذكر قصة، وهي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وكان كافراً، فَحُلِبت له سبع شياه فشرب لبنها كله، ثم لما أسلم حلبت له شاة واحدة فشربها ولم يستطع شرب الثانية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن هذا الخطاب مخرجه مخرج العموم والقصد فيه الخصوص أراد به بعض الناس لا الكل]. وكأنه يريد أن الحديث السابق عن الكفار وأكلهم خاص ببعضهم لا كل الناس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمر ين سعيد بن سنان الطائي بمنبج، قال: أنبأنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة، فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : إن المؤمن يشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء)]. قوله: (إن المؤمن) يعني: إن المسلم، وهذا هو الذي استدل به على أن الإيمان هو الإسلام. والحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، وهو في الموطأ ومن طريق مالك وقد أخرجه أحمد ومسلم. وما ذهب إليه ابن حبان من أن الحديث ورد في كافر مخصوص قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو جعفر الطحاوي، وجزم به ابن عبد البر، فقال: لا سبيل إلى حمله على العموم؛ لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً من مؤمن وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله، وقال غيرهم: ليس المراد ظاهره، وإنما هو مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا والكافر وحرصه عليها، فكأن المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معى واحد، والكافر لشدة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء، فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا خصوص الأكل، وإنما المراد التقلل من الدنيا. والأصل أن يحمل النص على ظاهره، والقول بأنه الكافر المعين لا يعدل إليه إلا إذا وجد الدليل على أن المراد الكافر المعين، وحينها يكون قول ابن حبان أقرب، أما مع عدم وجود دليل فالأصل حمل الحديث على ظاهره، فالحديث صريح أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وفيه أن العلة: الكفر، وأن المؤمن يأكل في معى واحد والعلة: الإيمان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالماً من الناس أن الإسلام والإيمان بينهما فرقان. أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁: (أن النبي ﷺ أعطى رجالاً ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلاناً شيئاً وهو مؤمن! فقال رسول الله ﷺ : أو مسلم؟ قالها ثلاثا) قال الزهري: نرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل]. قول الزهري: الإسلام الكلمة، أي: النطق بالشهادتين (والإيمان العمل)، ليس المقصود أن الإسلام لا يكون إلا بالكلمة وحسب، بل مقصوده أن الكافر إذا نطق بالشهادتين حكم بإسلامه، ومراد ابن حبان أن هذا الدليل استدل به بعضهم على أن الإسلام والإيمان شيئان؛ لأن سعد بن أبي وقاص قال للنبي ﷺ لما أعطى رجلاً: ما لك عن فلان فو الله إنا لنراه مؤمناً، فقال: (أو مسلماً)، أي: ما بلغ الإيمان، وكررها ثلاثاً، فدل على أن الإيمان والإسلام شيئان، وهذا دليل من أدلة الجمهور على أن الإيمان غير الإسلام وأنهما يجتمعان ويفترقان.

стр. 161

يعصم دم الكافر بنطقه للشهادة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم بعض المستمعين ممن لم يطلب العلم من مظانه أنه مضاد للخبرين اللذين ذكرناهما. أخبرنا ابن قتيبة قال: حدثنا يزيد بن موهب قال: حدثني الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه أخبره أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة وقال: أسلمت لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله، قلت: يا رسول الله! إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)]. ومعنى قوله: إذا قتلته تكون بمنزلته قبل أن تقتله، أي: تكون مهدر الدم، وهو بمنزلتك قبل أن تقتله، أي: معصوم الدم؛ لأنه قال: لا إله إلا الله، وأنت إذا قتلته تصير مهدر الدم؛ لأنك قتلت مسلماً معصوم الدم فأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته مهدر الدم، وهو بمنزلتك بعد أن قالها معصوم الدم، وليس المراد أنه يكون كافراً. والحديث أخرجه مسلم والبخاري في المغازي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: قوله ﷺ : (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) يريد به أنك تقتل قوداً - أي: قصاصاً - لأنه كان قبل أن أسلم حلال الدم، وإذا قتلته بعد إسلامه صرت بحالة تقتل مثله قوداً به، لا أن قتل المسلم يوجب كفراً يخرج من الملة إذ الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]]. المراد بالخبرين في الترجمة: الخبر الذي قبل هذا والخبر الذي ترجمه بالخبر الدال على أن الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد يشتمل ذلك المعنى على الأقوال والأفعال قبل هذا الخبر بثلاثة أحاديث.

стр. 162

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإيمان [٤] إن دخول الإسلام يكون بنطق الشهادتين والعمل بما تضمنتاه، والإيمان يزيد وينقص، وتضعفه المعاصي لكنها لا تزيله، وإنما يزيله ويقضي عليه الشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، والكفر الأكبر، ومن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأن الأعمال لا تؤثر عليه فقد أخطأ ووافق أهل البدع.

стр. 163

بيان أن من قال الشهادتين مؤمن وإثبات صفة العلو لله تعالى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات الإيمان للمقر بالشهادتين معا. أخبرنا الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حجاج الصواف قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم وقد ذهب الذئب منها بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، فعظم ذلك علي، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله ﷺ ، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)]. هذا الحديث فيه دليل على أن المقر بالشهادتين يكون مؤمناً، وقد رواه مسلم في صحيحه، وفيه أن جارية أعجمية كانت لـ معاوية بن الحكم السلمي ترعى الغنم خلف أحد، فاطلع عليها وهي ترعى، فرأى الذئب أخذ شاة فأكلها فغضب عليها، قال: كيف تتركين الذئب يأكل الشاة؟! فصكها صكة ثم عظم عليه ذلك؛ لأنها مسكينة وليس لها حيلة في أن تخلصها من الذئب، فعظم ذلك عليه وذهب إلى النبي ﷺ ، وقال يا رسول الله! أنا صككت الجارية، أفأعتقها فقال: (ائتني بها) أي: لأختبرها هل هي مؤمنة، ثم سألها النبي ﷺ فقال: (أين الله؟ قالت: في السماء, قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) وقد احتج به أهل العلم على إثبات العلو وأن الله فوق العرش في السماء، وفيه رد على المعطلة الذين يقولون: لا يسأل عن الله بـ (أين)، ولا ترفع أصبعك إلى السماء، فإنك لو رفعت أصبعك عند الجهمي قطع الصلاة، فاحذر أن ترفع أصبعك عند الجهمي، فهو يعتقد أن هذا تنقص لله؛ لأنك بزعمه تجعل الله في مكان معين وهو في كل مكان! تعالى الله عما يقولون، ويعترضون على النبي ﷺ بسؤاله للجارية: (أين الله) ويقولون: إن سؤاله فاسد، وإنما سأل بهذا السؤال؛ لأن هذه جارية أعجمية فسألها سؤالاً فاسداً يناسب عقلها، وأقرها على الجواب الفاسد، فاتهموا الرسول ﵊ بالرضى على الجواب الفاسد من الجارية، ويقولون: مقصود الرسول في سؤاله: (من الله) وليس مقصوده: أين الله؟ لكن قال: أين الله؛ لأجل أن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وإنه لعجب أن الرسول لا يستطيع أن يقول: من الله! والرسول أفصح الناس ﷺ ، فهؤلاء والعياذ بالله بلغت بهم الحال إلى أن يتهموا النبي ﵊ لا لشيء إلا لأنه ثبت عنه قولاً يناقض مذهبهم، فهم يقولون: لا يصح أن يقال: إن الله في السماء؛ لأن هذا تحيز وتنقص لله فإن قولنا: إن الله في مكان يعني أنه متحيز، وهذا تنقص ولذا فلا يصح أن يقال: عن الله أنه في مكان، وأين يسأل بها عن المكان؛ فلهذا اتهموا الرسول ﵊ وقالوا: إنه سألها سؤالاً فاسداً لا يناسب معناه لكنه اضطر إلى هذا السؤال؛ لأن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وقد أقرها لما قالت: (في السماء) على جوابها الفاسد؛ لأن هذا هو الذي فهمته. وهنا يقول المؤلف: من أقر بالشهادتين فهو مؤمن، لكن هل ذكر فيه الشهادتان الآن، قالت: الله في السماء يعني شهدت لله بالعلو، فأثبتت وحدانية الله. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم في المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة. قوله: الجوانية بفتح أوله وتشديد ثانيه وكسر النون وياء مشددة موضع قرب المدينة، وقوله: وآسف: أي: أغضب، وصككتها: أي: لطمت وجهها.

стр. 164

الإيمان شعب وأجزاء لها أعلى ولها أدنى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان أجزاء وشعب لها أعلى وأدنى. أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا جرير قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، فأرفعها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)]. وهذا الحديث رواه الشيخان، ورواية البخاري: (الإيمان بعض وستون شعبة)، ورواية مسلم: (الإيمان بضع وسبعون)، وفيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فهو رد على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، فقوله: (بضع وسبعون شعبة) بيان أن كلها داخلة في مسمى الإيمان، حتى أن البيهقي ﵀ تتبع هذه الشعب وألف كتاباً سماه شعب الإيمان، وقد أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، والبضع من الثلاثة إلى التسعة، فجعلها أعلى البضع، وقد تتبعها من النصوص، وتقدم قريباً أن في هذا رداً على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال تصديق بالقلب فقط, يريدون أعمال القلوب فحسب أما أعمال الجوارح فهي عندهم ليست داخلة في مسمى الإيمان، ومثل هذا الحديث حديث وفد عبد القيس المتقدم وفيه: (آمركم بالإيمان بالله وحده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس)، فقد أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا الحديث رواه الشيخان، وحديث وفد عبد القيس رواه الشيخان. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: أشار النبي ﷺ في هذا الخبر إلى الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في جميع الأحوال، فجعله أعلى الإيمان]. فذكر أن أعلاها: قول لا إله إلا الله، وذلك قوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى) ثم بين أن بين الأعلى والأدنى شعباً متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، وأعلى تلك الشعب على الإطلاق هي كلمة التوحيد، وأدنى تلك الشعب أن تميط الأذى، (والحياء شعبة من الإيمان)، وهو عمل قلبي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم أشار إلى الشيء الذي هو نفل للمخاطبين في كل الأوقات، فجعله أدنى الإيمان - وهو الإماطة - فدل ذلك على أن كل شيء فُرض على المخاطبين في كل الأحوال، وكل شيء فُرض على بعض المخاطبين في بعض الأحوال، وكل شيء هو نفل للمخاطبين في كل الأحوال كله من الإيمان -كالفرائض والنوافل فإنها كلها من الإيمان- وأما الشك في أحد العددين فهو من سهيل بن أبي صالح في الخبر كذلك قاله معمر عن سهيل -يعني: بضع وستون أو بضع وسبعون- وقد رواه سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح مرفوعاً وقال: (الإيمان بضع وستون شعبة) -وهذه رواية البخاري - ولم يشك وإنما تنكبنا خبر سليمان بن بلال - أي تركناه وملنا عنه- في هذا الموضع واقتصرنا على خبر سهيل بن أبي صالح؛ لنبين أن الشك في الخبر ليس من كلام رسول الله ﷺ وإنما هو كلام سهيل بن أبي صالح كما ذكرناه]. وهذا الخبر رد على بعض الأحناف المتعصبين للمرجئة فيما يرون من أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، حيث يقولون: الحديث فيه شك؛ لأن بعض رواياته تقول: بضع وسبعون، وبعضها بضع وستون وعلى هذا فلا يعتمد دليلاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كل ذلك نصرة لمذهبهم: أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وهذا كلام باطل، فإن الرسول ﷺ لم يشك، وإنما الشك من الراوي.

стр. 165

التحقق في قوله: بضع وستون أو بضع وسبعون قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به سهيل بن أبي صالح: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)]. فذكر أنها بضع وستون شعبة ولم يرد في هذه الرواية شك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: اختصر سليمان بن بلال هذا الخبر فلم يذكر ذكر الأعلى والأدنى من الشعب، واقتصر على ذكر الستين دون السبعين، والخبر في بضع وسبعين خبر متقصى صحيح لا ارتياب في ثبوته، وخبر سليمان بن بلال خبر مختصر غير متقصى، وأما البضع فهو اسم يقع على أحد أجزاء الأعداد؛ لأن الحساب بناؤه على ثلاثة أشياء: على الأعداد والفصول والتركيب، فالأعداد من الواحد إلى التسعة والفصول: هي العشرات، والمئون، والألوف، والتركيب: ما عدا ما ذكرنا. وقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي ﷺ لم يتكلم قط إلا بفائدة، ولا من سننه شيء لا يعلم معناه فجعلت أعد الطاعات من الإيمان، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيرا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد منها، فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول الله ﷺ من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء]. وابن حبان ﵀ أبدى عناية في هذا الحديث فذكر أن الرسول قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، وعلى ذلك فيمكن أن يصل العدد إلى تسع وسبعين، فأخذت أعد كل طاعة أعدها الله من الإيمان فوجدتها تنقص على البضع والسبعين، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة جعلها الرسول من الإيمان فوجدتها تنقص، ثم رجعت مرة أخرى فتدبرت القرآن آية آية ثم ضممت ما في السنة إلى ما في الكتاب وأسقطت المكرر فوصلت إلى تسعة وسبعين شعبة. وهو في صنيعه هذا قد وافق البيهقي , فقد عدها البيهقي في كتابه شعب الإيمان، فأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فعلمت أن مراد النبي ﷺ كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن، فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: وصف الإيمان وشعبه. ]. قال القاضي عياض فيما نقله الحافظ في الفتح: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة. ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان، قال الحافظ: وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره وهو ثم سردها الشيخ قوله: مما أوردوه يعني: ما أورده العلماء اجتهاداً منهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: (وصف الإيمان وشعبه)، بما أرجو أن فيه الغنية للمتأمل إذا تأملها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، والدليل على أن الإيمان أجزاء بشعب أن النبي ﷺ قال في خبر عبد الله بن دينار: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) فذكر جزءاً من أجزاء شعبه هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال؛ لأنه ﷺ لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة]. لأن ذلك داخل في كلمة التوحيد، فإذا أطلقت إحدى الشهادتين تدخل فيها الأخرى. قال المصنف رحمه الله تعالى: [واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)، فدل هذا على أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان، ثم عطف فقال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فذكر جزءاً من أجزاء شعبه هي نفل كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك على أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان]. أي: ذكر أعلاها وأدناها وترك ما بينهما من الشعب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما قوله ﷺ : (الحياء شعبة من الإيمان)، فهو لفظة أطلقت على شيء بكناية سببه، وذلك أن الحياء جبلة في الإنسان، فمن الناس من يكثر فيه، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه، صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص، والحياء في نفسه: هو الشيء الحائل بين المرء وبين ما يباعده من ربه عن المحظورات، فكأنه ﷺ جعل ترك المحظورات شعبة من الإيمان بإطلاق اسم الحياء عليه على ما ذكرناه].

стр. 166

الأخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما: قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميرى حاجين أو معتمرين وقلنا: لعلنا لقينا رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ]. وفي اللفظ: لو وفق أحد من أصحاب النبي ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [فنسأله عن القدر فلقينا ابن عمر فظننت أنه يكل الكلام إلي فقلنا: يا أبا عبد الرحمن قد ظهر عندنا أناس يقرءون القرآن يتقفرون العلم تقفرا]. قوله: يتقفرون العلم: أي: يطلبون العلم ويقرءون القرآن، أي: أن في البصرة أناساً يقرءون القرآن ويطلبون العلم، ولكنهم يعتقدون هذه العقيدة الخبيثة وهي نفي القدر. قول المصنف ﵀: [يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف]. أي: ينفون القدر، ويقولون: لا قدر، أولم يقدر الله الأشياء، قوله: وأن الأمر أنف، أي: مستأنف وجديد، فلا يعلم به الله حتى يقع، فإذا وقع علمه الله، وهؤلاء كفرة، وهم القدرية الأولى، الذين أنكروا علم الله، ونسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، ثم بقي عامة القدرية الذين يثبتون العلم والكتابة لكن ينفون عموم الإرادة وعموم الخلق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: فإن لقيتهم فأعلمهم أني منهم بريء وهم مني برآء والذي يحلف به ابن عمر: لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ثم لم يؤمن بالقدر لم يقبل منه، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالساً، إذ جاء رجل شديد سواد اللحية، شديد بياض الثياب، فوضع ركبته على ركبة النبي ﷺ وقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت)]. ويقصد بهذه الأركان الإسلام الظاهر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: صدقت قال: فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه، قال: فأخبرني: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره حلوه ومره. قال: صدقت قال: فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه)]. وهذه خصال الإيمان, إذ الإيمان: أمور باطنة، فجميع هذه الخصال باطنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [(قال: فأخبرني: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: فتولى وذهب فقال عمر: فلقيني النبي ﷺ بعد ثالثة، فقال: يا عمر! أتدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)]. وهذا الحديث رواه البيهقي في صحيحه مطولاً، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة مختصراً، وفي الحديث بيان خصال الإسلام، وخصال الإيمان، وفي آخر الحديث قال: (أتاكم جبريل يعلمكم دينكم -وفي لفظ- أمر دينكم)، فدل على أن الدين له مراتب ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد أتى به المؤلف ليبين خصال الإسلام وخصال الإيمان. وقد ترجم له كما تقدم ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما. وعند المحققين من أهل العلم أن الإسلام والإيمان يختلف معناهما بالاقتران والافتراق، فإذا اقترنا كما في هذا الحديث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة. وإذا جاء أحدهما وحده وأطلق دخل فيه الآخر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فالإسلام هنا يشمل الأعمال الباطنة والظاهرة كذلك، الإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الإسلام والإيمان، هذا هو الصواب، أما إذا اجتمعا فيكون لكل واحد منهما معنى.

стр. 167

ذكر خبر أوهم أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون العمل بالجوارح قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء. أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير حدثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وعبد العزيز بن رفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)]. وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم. وفيه دليل على أن الموحد من أهل الجنة ولو فعل الكبائر إذا مات على التوحيد لا بد أن يدخل الجنة إن عاجلاً أو آجلاً، لكن إن مات على توبة نصوح من الكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وأما من مات على الكبائر: كالزنا والسرقة، وشرب الخمر، فهو على خطر من دخول النار، قد يعذب وقد يعفى عنه، ولهذا قال: (وإن زنى وإن سرق) يعني: لا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه موحد، وحتى قال: في بعض الروايات: (وإن زنى وإن سرق؟! كررها ثلاثاً، قال في الثالثة: وإن رغم أنف أبي ذر). ولهذا الحديث قد يظن بعض الناس أن الإيمان هو الإقرار فقط، وأن من قال: لا إله الله دخل الجنة، وهذا كما ذكر المؤلف ﵀ ليس بصحيح، فلا بد من العمل؛ ولا بد من أداء الواجبات إذا تمكن، والصلاة لا بد منها، ومن لم يصل وتمكن من الصلاة لا ينفعه قول: لا إله إلا الله؛ لأن ترك الصلاة يخل بصحة لا إله إلا الله، وإذا قال: لا إله إلا الله وامتنع عن الصلاة، سقط التوحيد والعياذ بالله. وقوله في الترجمة: (ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء). إذاً النصوص يُضم بعضها إلى بعض؛ لحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان)، وهنا قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) يعني: قالها عن إخلاص وصدق، عن إخلاص فلم يدخل في عمل الشرك، وعن صدق فلم يكن منافقاً، وقال عن يقين، ومن قال ذلك عن إخلاص وصدق ويقين فلابد أن يعبد الله بجوارحه، فإذا لم يعبد دل على أنه غير مخلص وغير صادق، فهذا الحديث قد يحتج به بعض الجهلة على أن الإيمان مجرد إقرار باللسان وهذا باطل، فإن الذي يقول: لا إله إلا الله عن إخلاص وصدق لابد أن يعمل، فإذا لم يعمل دل على أنه لم يقلها عن إخلاص وصدق فلا تنفع، ولهذا قيدت كما في الحديث: (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه -وفي رواية- مخلصاً دخل الجنة).

стр. 168

ذكر الخبر المدحض لمن زعم أن حديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) كان بمكة قبل نزول الأحكام [ذكر الخبر المدحض قول من زعم من أئمتنا أن هذا الخبر كان بمكة في أول الإسلام قبل نزول الأحكام]. يعني: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قالوا: إن هذا كان في أول الإسلام، وهذا ليس بصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أشهد لسمعت أبا ذر بالربذة يقول: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ بحرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر! ما يسرني أن أحداً لي ذهباً أمسي وعندي منه دينار إلا أصرفه لدين، ثم مشى ومشيت معه، فقال: يا أبا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك! فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، ثم قال: يا أبا ذر! لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق حتى توارى، فسمعت صوتاً فقلت: أنطلق)]. يعني: خاف على النبي ﷺ ، فأراد أن يذهب ليطمئن عليه، لكن ذكر قوله: (لا تبرح المكان) فمكث في مكانه. قال: [(ثم ذكرت قول النبي ﷺ لي، فلبثت حتى جاء، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت صوتاً، فأردت أن أدركك، فذكرت قولك لي، فقال: ذاك جبريل أتاني فأخبرني: أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق). قال: أخبرنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ مثله]. وفيه: أن النبي ﷺ أمر بأن تتصدق مما أعطاك الله؛ لأن الأكثرين من أهل الأموال هم الأقلون يوم القيامة. وهذا الحديث رواه الشيخان.

стр. 169

ذكر الخبر الموهم بأن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون جعل الطاعات من شعبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالماً من الناس أن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون أن تكون الطاعات من شعبه. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن أبي مالك الأشجعي قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)]. هذا الحديث فيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن من وحد الله لابد وأن يأتي بالعمل؛ لأن من شروط التوحيد الصلاة، والبعد عن الشرك. قوله: [من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله]. أي: أن من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله، فلابد أن يعبد الله، وتوحيد الله لابد فيه من أداء الشروط، ومنها: أن يكون عمله خالصاً، وأن يؤدي ما أوجب الله عليه من شروط الإيمان ومقتضيات الإيمان، من الابتعاد عن الشرك بجميع أنواعه. وهذا الحديث أخرجه مسلم. إذاً: هذا الحديث فيه دليل على أنه لابد من شيئين: إيمان بالله، وكفر بالطاغوت، فالإيمان بالله هو أن يوحد الله، والكفر بالطاغوت هو أن يكفر بما يعبد من دون الله، قال : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف قوله ﷺ : (وحد الله وكفر بما يعبد من دونه). أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي جمرة قال: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى، قالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت -قال شعبة: وربما قال: والنقير، وربما قال: المقير- وقال: احفظوه وأخبروه من وراءكم)]. يعني: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) فهنا فسر الإيمان بالأعمال، قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان) فإذاً: في هذا الحديث فسر الإيمان بهذه الأعمال، فالمؤلف يقول: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) أي: من توحيد الله: الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخمس. وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم.

стр. 170

ما جاء في أن الإيمان شعب وأجزاء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام شعب وأجزاء، غير ما ذكرنا في خبر ابن عباس وابن عمر بحكم الأمينين: محمد وجبريل ﵉. أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا يوسف بن واضح الهاشمي قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر قلت: يا أبا عبد الرحمن -يعني ابن عمر - إن أقواماً يزعمون أن ليس قدر، قال: هل عندنا منهم أحد؟ قلت: لا. قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم: أن ابن عمر يبرأ إلى الله منكم وأنتم برآء منه، حدثنا عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذ جاءه رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان. قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان: أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك، قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: نعم، قال: صدقت. قال: فمتى الساعة؟ قال: سبحان الله! ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل، قال: إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البنيان وكانوا ملوكاً. قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العُرَيْبُ، قال: وإذا رأيت الأمة تلد ربتها، فذلك من أشراط الساعة، قال: صدقت، ثم نهض، فولى، فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال رسول الله ﷺ : هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شُبِّهَ علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى). قال أبو حاتم: تفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه)، وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء)]. وتفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه) وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء) لا تكون شاذة؛ لأنه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. وهذا حديث جبريل المشهور الطويل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ثم قال: (أتاكم يعلمكم دينكم)، فدل على أن الدين ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، والإسلام إذا اجتمع مع الإيمان فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بأعمال القلوب. قوله: (ما شبه علي) يعني: ما عرفه، حتى ولى، فلما ولى عرفه. قال: (فلبث ملياً) جاء في بعض الروايات: (ثلاثة أيام) وفي بعضها (ثلاث ليال). واحتج بهذا الحديث على وجوب العمرة، وبعضهم طعن في هذه الزيادة وقال: إن هذه الزيادة شاذة. وسليمان التيمي قال عنه في التقريب: صدوق يخطئ، لكن كان قليل الخطأ، والنسائي وغيره من المتقدمين يرون التفرد شذوذاً ويرى المتأخرون أن التفرد إذا كان من ثقة فلا يعتبر شذوذاً؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.

стр. 171

ما جاء في أن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى من الإيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى ﷺ من الإيمان. أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) تفرد به الدراوردي قاله الشيخ]. قوله: (ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى ﷺ من الإيمان). هذا واجب. وقوله: (تفرد به الدراوردي قاله الشيخ) قال في الحاشية: (هذا وهم من ابن حبان فقد تابعه عليه روح بن القاسم وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كما تقدم في التخريج). قوله: (قاله الشيخ) يرجع لمقدمة ابن حبان ليعلم مراده بذلك.

стр. 172

ما جاء في أن الإيمان بكل ما أتى به النبي من الإيمان مع العمل به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما أتى به النبي ﷺ من الإيمان مع العمل به. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). قال أبو حاتم: تفرد به شعبة. وفي هذا الخبر بيان واضح: بأن الإيمان أجزاء وشعب تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه ﷺ ذكر في هذا الخبر: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فرض على المخاطبين في جميع الأحوال. ثم قال: (ويقيموا الصلاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال. ثم قال: (ويؤتوا الزكاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان]. يعني: ذكر ما يجب على كل أحد، أو ما يجب في بعض الأحيان من البعض.

стр. 173

ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه. أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن، قال: يا رسول الله! فما الإثم؟ قال: إذا حاك في قلبك شيء فدعه)]. قال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والطبراني، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي) وهذا يدل على إطلاق الإيمان على بعض الإيمان، (وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن) فهنا أطلق الإيمان على جزء الإيمان.

стр. 174

ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءاً من بعض أجزائه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءاً من بعض أجزائه. أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عاصم بن محمد عن عامر بن السمط عن معاوية بن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني ثم استكتمني أن أحدث به ما عاش معاوية، فذكر عامر قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يقول: قال رسول الله ﷺ : (سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده). قال عطاء: فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالمدخل عليه في حديثه، قال عطاء: فقلت: هو مريض فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله ﷺ ]. نعم، هذا رواه الإمام مسلم في صحيحة بدون: (لا إيمان بعده). وفيه: أن من الإيمان مجاهدة الأمراء باللسان وباليد، وأن إنكار المنكر من الإيمان.

стр. 175

ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار قال المؤلف ﵀: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار. أخبرنا الفضل بن الحباب حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن ربعي عن علي عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر)]. هذا الحديث أخرجه الحاكم والطيالسي ومن طريقه الترمذي، وأخرجه أحمد. والإقرار من الإيمان يعني: أن يقر فهذا من شعب الإيمان، والتصديق شعبة من شعب الإيمان.

стр. 176

ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)]. يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فإذا قدم محبة الولد والوالد والوالدة على محبة الرسول ﷺ فإن إيمانه يكون ناقصاً. قوله في الترجمة: (ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة). يعني: المعرفة كونه يعرف هذا الشيء بقلبه، والإقرار يعني: أن يصدق بقلبه، فالمعرفة أعم والإقرار أخص. والحديث فيه أنك إذا صرت تشتغل وقت الصلاة والناس يصلون ولم تصل إلا بعد ما فاتت الجماعة، فقد قدمت الآن محبة العمل على محبة الله ومحبة الرسول ﷺ ، وهذا إيمانه ناقص ضعيف، ولو كنت صاحب إيمان كامل فإنك إذا سمعت الأذان تسرع إلى المسجد وتترك العمل. إذاً: الذي يحب الرسول ﵊ لا يقدم العمل على طاعته ﷺ .

стр. 177

ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم. أخبرنا إسماعيل بن داود بن وردان بمصر حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)]. يعني: المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن الكامل من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والذي لا يسلم الناس من لسانه هو مسلم، لكنه مسلم ناقص، والذي لا يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم مؤمن لكنه ضعيف الإيمان.

стр. 178

ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص]. هذا فيه رد على المرجئة. قال: [أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب، حدثنا أبو داود السنجي سليمان بن معبد حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون باباً، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)]. وهذا الحديث فيه دليل على أن الإيمان شعب متعددة، وكلما نقصت شعبة نقص الإيمان، والإيمان بضع وسبعون شعبة (أعلاها: قول لا إله إلا الله هذه شعبة قولية، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق هذه شعبة عملية، والحياء شعبة من الإيمان، هذه شعبة قلبية، فمن قال: الإيمان شيء واحد فقد خالف النص، وهذا الحديث رواه الشيخان، رواه مسلم بلفظ: (بضع وسبعون)، ورواه البخاري بلفظ: (بضع وستون). وقوله: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب). يحتمل أنه غريب من حيث السند، مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو غريب، وهنا صح الحديث، قال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرطهما، ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري ثقة ثبت، ويحيى بن أيوب هو الغافقي أخرج حديثه الجماعة، قال الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ، وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني روى له الجماعة، وأخرجه ابن مندة في الإيمان). [قال أبو حاتم: الاقتصار في هذا الخبر على هذا العدد المذكور في خبر ابن الهاد مما نقول في كتبنا: إن العرب تذكر العدد للشيء، ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفياً عما وراءه، ولهذا نظائر نوعنا لهذا أنواعاً، سنذكرها بفصولها فيما بعد إن شاء الله تعالى]. يعني: ليس المقصود من هذا الحصر، وإنما هذا يجري على عادة العرب ولا يقصدون به الحصر لكن البيهقي ألف كتاباً اسمه: (شعب الإيمان) وأوصلها إلى بضع وسبعين شعبة، والبضع من ثلاثة إلى تسعة.

стр. 179

ما جاء في الرد على من زعم أن إيمان المسلمين واحد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن إيمان المسلمين واحد، من غير أن يكون فيه زيادة أو نقصان. أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا علي بن المديني حدثنا معن بن عيسى حدثنا مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها حمماً، فيلقون في نهر في الجنة، فينبتون كما تنبت حبة في جانب السيل، ألم ترها صفراء ملتوية؟)]. هذا الحديث أصله في صحيح البخاري وقوله: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد، وقولهم: هذا باطل، فإن الناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتاً عظيماً، وفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال حبة من خردل.

стр. 180

ما جاء في أن إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان كان قبل إخراج من في قلبه حبة خردل من إيمان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ : (أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان) أراد به بعد إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان]. أي: أنهم أخرجوا أولاً من كان في قلبه أكثر من حبة خردل من إيمان، ثم الذين أقل منهم إيماناً. قال: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا يحيى بن أبي رجاء بن أبي عبيدة الحراني حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: (إذا مُيِّزَ أهل الجنة وأهل النار، يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قامت الرسل فشفعوا، فيقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشراً كثيراً، ثم يقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال خردلة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشراً كثيراً، ثم يقول جل وعلا: أنا الآن أخرج بنعمتي وبرحمتي، فيخرج أضعاف ما أخرجوا، وأضعافهم قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيلقون في نهر، أو في نهر من أنهار الجنة، فتسقط محاشهم على حافة ذلك النهر)]. يعني: ما أكلت النار منهم، فيزال أثر الاحتراق بماء النهر. قال: [(فيعودون بيضاً مثل الثعارير، فيكتب في رقابهم: عتقاء الله، ويسمون فيها الجهنميين). قال: الثعارير: القثاء الصغار، قاله الشيخ]. والحديث أخرجه مختصراً مسلم من طريق يزيد الفقير عن جابر بنحوه، باب: أدنى أهل الجنة منزلة. وهذا الحديث فيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، ففيه دليل على أن العصاة يخرجون من النار ولا يبقون فيها إذا كانوا موحدين. وفيه أنه من في قلبه قيراط أخرج، ثم من في قلبه مثقال حبة من خردل، وقد ثبت أن النبي ﷺ يقول: (يشفع الله شفاعات كل مرة يحد الله لهم حداً، في بعضها: أخرجوا من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان). وفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا قليل؛ لأن المعاصي إذا كثرت تضعف الإيمان، لكن لا تقضي عليه فإنه لا يقضي عليه إلا الكفر الأكبر، والنفاق الأكبر، والشرك الأكبر، أما المعاصي وإن عظمت فإنها لا تقضي على الإيمان، وإنما تضعفه حتى لا يبقى إلا مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى معهم أصل التوحيد وبه يخرجون من النار فضلاً من الله سبحانه، أما الكفرة فلا يخرجون من النار؛ لأن الجنة حرام عليهم نسأل الله العافية. وتارك الصلاة ليس معه شيء من الإيمان؛ لأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، مثل الوضوء شرط لصحة الصلاة، فهل تصح الصلاة بدون وضوء؟! كذلك لا يصح الإيمان بدون صلاة.
следующие страницы →