Полный текст (210 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ما جاء في وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه.
أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة حدثنا محمد بن سهل بن عسكر حدثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)].
قال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الصحيح.
وأخرجه ابن ماجة، وقال البوصيري في زوائده: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم.
стр. 72
شرح حديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمان الخزاعي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة).
].
وهذا وعيد شديد، والواجب على الإنسان أن يجاهد نفسه وأن يطلب العلم لله؛ لأن طلب العلم من أجلِّ القربات وأفضل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من أن تكون خالصة لله، وموافقة للشرع.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] فجاهد نفسك حتى يكون العمل خالصاً لوجه الله، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، يعني: في أول الأمر طلب العلم لأجل الدنيا، ثم بعد ذلك لما ذاق حلاوة العلم حسنت نيته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا أبو الطاهر بن السرح أنبأنا ابن وهب بإسناده مثله].
стр. 73
ما جاء في الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال.
أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة وهارون بن معروف قالا: حدثنا المقرئ حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عطاء بن دينار عن حكيم بن شريك عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن ربيعة الجرشي عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم)].
هذا الحديث فيه ضعف.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لجهالة حكيم بن شريك الهذلي كما قال أبو حاتم.
لكن أهل القدر هم من المبتدعة، ولا ينبغي أن يجالس المرء أهل البدع، إلا إذا أراد أن يرد عليهم وينكر عليهم، ويدعوهم إلى الله، ويبين باطلهم.
стр. 74
ما جاء في أن النبي كان يتخوف على أمته جدال المنافق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما كان يتخوف ﷺ على أمته جدال المنافق.
أخبرنا أبو يعلى حدثنا خليفة بن خياط حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه البزار عن محمد بن عبد الملك عن خالد بن الحارث بهذا الإسناد، وقال: لا نحفظه إلا عن عمر، وإسناد عمر صالح فأخرجناه عنه، وأعدناه عن عمران لحسن إسناده.
وفيه النهي عن جدال المنافق عليم اللسان، وفي هذا الزمن المنافقون يتكلمون في الصحف والفضائيات، وهم زنادقة، يضلون الناس عن الحق، ويجادلون بالباطل ويدافعون عن السفور والمجون، ويطعنون في الأحاديث التي فيها الأمر بالحجاب، والمنافقون عندهم فصاحة وعندهم شبه، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر منهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن عن جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئاً للإسلام غيّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي)].
قال شعيب الأرنؤوط: أخرجه البزار عن محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة كلاهما عن محمد بن بكر البرساني بهذا الإسناد، وقال: لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة، وإسناده حسن.
стр. 75
ما جاء في أن الواجب على المرء أن يسأل العلم النافع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا العلم النافع، رزقنا الله إياه وكل مسلم.
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لا ينفع)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، رجاله رجال مسلم، أسامة بن زيد وهو الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، فهو حسن الحديث.
стр. 76
ما يستحب للمرء أن يقرن في التعوذ مع العلم الذي لا ينفع من أشياء معلومة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يستحب للمرء أن يقرن إلى ما ذكرنا في التعوذ منها أشياء معلومة.
أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، وقول لا يسمع)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز القشيري النسائي.
وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
стр. 77
ما جاء في تسهيل الله طريق الجنة على من يسلك طريقاً فيه علم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر تسهيل الله جل وعلا طريق الجنة على من يسلك في الدنيا طريقاً يطلب فيه علماً.
أخبرنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي الزاهد حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن خازم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً يطلب فيه علماًَ سهل الله له به طريقاً من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرطهما، وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود في العلم.
قوله: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أيضاً هذا في الصحيح.
стр. 78
ما جاء في بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضاً بصنيعهم ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بسط الملائكة أجنحتها لطلبة العلم رضاً بصنيعهم ذلك.
أخبرنا ابن خزيمة حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن عاصم عن زر قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنبط العلم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج يخرج من بيته يطلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها؛ رضاً بما يصنع)].
هذا فيه فضل طلب العلم، والمراد بالعلم إذا أطلق العلم الشرعي من الكتاب والسنة، أما غيره من العلوم فينبغي أن يقيد ويقال: علم الطب، علم الصيدلة، علم الفلك، علم الزراعة، علم النجارة، علم الحدادة، وهكذا.
حتى إنهم يقولون: العالم، عالم الفضاء، يطلقون العالم على من يعلم العلوم الشرعية، أما غيره فيقيدون ويقولون: عالم الفضاء، عالم الطب.
قال شعيب الأرنؤوط: يقال: أنبط الحفار إذا بلغ الماء في البئر، ونبط الماء إذا نبع، والاستنباط: الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه.
ثم قال: إسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود، وهو في مصنف عبد الرزاق، ومن طريقه أخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني والنسائي وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
стр. 79
ما جاء في أمان الله من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر أمان الله جل وعلا من النار من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة.
أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان حدثنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، فلما وقفا على رسول الله ﷺ سلما، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ ، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)].
هذا رواه البخاري في الصحيح.
وفيه فضل العلم ومن أوى إليه ودخل في الحلقة.
قوله في الترجمة: (ذكر أمان الله جل وعلا من النار، من أوى إلى مجلس علم ونيته فيه صحيحة).
وجاء في الحديث أن الملائكة تقول: (يا رب، إن فيهم عبدك فلاناً جاء وليس منهم وجلس معهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فهذا أوضح في بيان الترجمة وموافقتها.
стр. 80
ما جاء في التسوية بين طالب العلم ومعلمه وبين المجاهد في سبيل الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر التسوية بين طالب العلم ومعلمه، وبين المجاهد في سبيل الله.
أخبرنا أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا المقرئ أنبأنا حيوة قال: حدثني أبو صخر أن سعيداً المقبري أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو يعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وأبو صخر هو حميد بن زياد الخراط، ويقال: حميد بن صخر أبو مودود الخراط، قال الحافظ في التقريب: صدوق يهم.
وسعيد المقبري ثقة، أخرج حديثه الجماعة، ورمي بالاختلاط قبل موته، لكن لم يأخذ عنه أحد في اختلاطه فيما قاله الإمام الذهبي في الميزان.
وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولم أعلم له علة، فقال البوصيري: وقد أعله الدارقطني في علله بأن اختلف فيه على سعيد المقبري، فرواه حميد عنه هكذا، وخالفه عبيد الله بن عمر فرواه عن المقبري عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن كعب قوله.
ورواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب قوله.
وقول عبيد الله بن عمر أشبه بالصواب.
وقول الحاكم: إن الشيخين احتجا بجميع رواته فيه نظر.
قوله: (ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له) يعني: إذا دخل المسجد لا يتعلم.
قال شعيب الأرنؤوط: وأخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن ماجة في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، عن حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر به، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح، احتج مسلم بجميع رواته.
стр. 81
ما جاء في وصف العلماء الذين لهم الفضل المذكور في الأحاديث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل.
أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عبد الله بن داود الخريبي قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: (كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ، فقال أبو الدرداء: أما جئت لحاجة؟ أما جئت لتجارة؟ أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
قال أبو حاتم ﵁: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا، هم الذين يعلمون علم النبي ﷺ دون غيره من سائر العلوم.
ألا تراه يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا ﷺ سنته، فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء].
قال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن، إسناده ضعيف؛ لضعف داود بن جميل، ويقال: الوليد بن جميل، وكثير بن قيس، ويقال: قيس بن كثير، والأول أكثر.
وأخرجه أبو داود في أو كتاب العلم، وابن ماجة في المقدمة.
وأخرجه أبو داود من طريق محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد قال: لقيت شبيب بن شيبة فحدثني عن عثمان بن أبي سودة عن أبي الدرداء وهذا سند حسن في الشواهد فيتقوى الحديث به.
وعبارة: (وإن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أورده البخاري في صحيحه في كتاب العلم، ضمن عنوان باب العلم قبل القول والعمل.
قال الحافظ في الفتح: هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححاً من حديث أبي الدرداء.
стр. 82
شرح صحيح ابن حبان_ كتاب العلم [٢]
من توفيق الله للعبد وإرادته الخير له أن يفقهه في الدين، ومن فقهه الله في الدين فيجوز أن يغبطه الإنسان ويتمنى أن يعلمه الله كما علم ذاك الرجل.
ومن فقهه الله في الدين فلا ينبغي له أن يكتم العلم إلا لحاجة شرعية، كما أن عليه ألا يفتخر على الناس بعلمه، وأن يتواضع لمن سأله عن هذا العلم.
стр. 83
ما جاء في إرادة الله خير الدارين بمن تفقه في الدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إرادة الله جل وعلا خير الدارين بمن تفقه في الدين.
أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)].
هذا الحديث فيه أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، أما من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً.
والحديث أخرجه البخاري.
стр. 84
ما جاء في إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس.
أخبرنا محمد بن يحيى بن خالد أنبأنا محمد بن رافع حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا داود الطائي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)].
الحديث رواه الشيخان، والحسد هنا هو الغبطة، والحكمة هي العلم النافع، وجاء في الحديث الآخر: (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الله وآناء النهار).
والحكمة هي العلم النافع، وهي مأخوذة من القرآن والسنة، والغبطة مشروعة، وهي أن يتمنى المرء أن يكون مثل فلان في أعمال الخير، مع عدم تمني زوال النعمة عن الغير.
стр. 85
ما جاء في أن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه.
أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا هدبة بن خالد القيسي حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: (خيركم أحاسنكم أخلاقاً، إذا فقهوا)].
هذا عام، لكن إذا اجتمع الفقه مع حسن الخلق فيكون أفضل، وحسن الخلق هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل المعروف.
стр. 86
ما جاء في أن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بيان بأن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا.
أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (الناس معادن في الخير والشر، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)].
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان من الخيار في الجاهلية، وكان من الخيار في الإسلام، وغيره من الصحابة.
يعني: كانوا قبل إسلامهم عندهم شجاعة وإكرام للضيف فهم أخيار، ويعملون الأعمال الخيرة، فلما أسلموا استمروا على تلك الصفات الحميدة فصاروا خياراً.
стр. 87
ما جاء في أن العلم من خير ما يخلف المرء بعده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن العلم من خير ما يخلف المرء بعده.
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة هو الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم ينتفع به من بعده)].
هذا الحديث رواه الإمام مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
[قال أبو حاتم ﵁: قد بقي من هذا النوع أكثر من مائة حديث بددناها في سائر الأنواع من هذا الكتاب، لأن تلك المواضع بها أشبه].
يعني: هناك أكثر من مائة حديث تتعلق بهذا الموضوع، قد ذكرها المؤلف في كتابه في أبواب متفرقة.
стр. 88
ما جاء في الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين.
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سعيد بن عبد الجبار ومحمد بن الصباح وقتيبة بن سعيد قالوا: حدثنا أبو بكر بن نافع العمري عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم)].
وفي رواية: (أقيلوا ذوي العثرات) يعني: الرجال المعروفين الذين لهم مكانة في المجتمع، وهم متسترون ثم تحصل لهم زلة أو غلطة فإنهم يقالون ويستر عليهم؛ لأنهم ليسوا معروفين بالسوابق، بخلاف الإنسان المعروف بالسوابق، فهذا لا ينبغي أن يقال، بل يقام عليه الحد.
قال شعيب الأرنؤوط: أبو بكر بن نافع مولى زيد بن الخطاب ضعيف، وهو من رجال التهذيب، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، والخطيب في تاريخه، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، وسنده حسن في الشواهد.
стр. 89
ما جاء في إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين.
أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن الحكم البناني عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من كتم علماً تلجَّم بلجِام من نار يوم القيامة)].
رواه ابن ماجة في السنن وفيه حماد بن سلمة وهو ممن اختلط.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الصحيح، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو في الحديث الذي بعده.
والحديث رواه ابن ماجة في السنن ضعيف: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار) لكن النصوص من كتاب الله تؤيد ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧].
والنصوص من كتاب الله واضحة فيه.
стр. 90
ما جاء من التصريح بصحة الوعيد لمن كتم علماً يحتاج إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)].
قال المحقق: إسناده حسن في الشواهد، وأخرجه الحاكم وصححه.
ووافقه الذهبي.
أقول: سنده ضعيف عند ابن ماجة، قد تكلم على رواته.
стр. 91
ما جاء في إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم للمصلحة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم؛ إذا علم أن قلوب المستمعين له لا تحتمله.
أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا ابن إدريس عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: (بينما النبي ﷺ في بعض حيطان المدينة متوكئاً على عسيب، إذ جاءته اليهود، فسألته عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥])].
وجه الدلالة أن الله تعالى أنزل هذه الآية عن الروح ولم يخبرهم عنه؛ لأنه لا مصلحة لهم في ذلك.
стр. 92
ما جاء في أن الأعمش لم ينفرد في سماع خبر سؤال اليهود عن الروح من عبد الله بن مرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر من عبد الله بن مرة دون غيره.
أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال: بعضهم لبعض: لو سألتموه، فقال بعضهم: لا تسألوه فيسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر الوحي، فعرفت أنه يوحى عليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥])].
هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وعبد الله هو عبد الله بن مسعود ﵁.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه مسلم والبخاري.
стр. 93
ما جاء في صحة سؤال اليهود للرسول عن الروح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.
أخبرنا أبو يعلى حدثنا مسروق بن المرزبان حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فقالوا: لم نؤت من العلم نحن إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة، ومن يؤت التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩])].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، ومسروق بن المرزبان صدوق له أوهام.
يحتمل أن قريشاً سألوا اليهود أن يعطوهم أسئلة يسألون بها النبي ﷺ يعلمون بها صدق نبوته.
стр. 94
ما جاء في استحباب ترك المرء لسرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها.
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: (ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)].
يعني: كانت تصلي صلاة السبحة وهي النافلة.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مسلم في الصحيح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: قول عائشة: (لرددت عليه) أرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه].
يعني: أنكرت عليه سرد الحديث لا أصل التحديث، وإلا فـ أبو هريرة قد روى أحاديث كثيرة.
стр. 95
ما جاء في إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل، وإن كان في تلك الحالة مدحه.
أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: (بينما النبي ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال النبي ﷺ : يا ويلي لقد شقيت إن لم أعدل)].
هنا قال: (يا ويلي) وفي لفظ آخر قال: (ويلك، فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله).
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي بعض روايات مسلم: (لقد خبت وخسرت).
قال النووي: روي بفتح التاء وبضمها، ومعنى الضم ظاهر، وتقدير لا أعدل؛ لكونك تابعاً ومقتدياً بمن لا يعدل، والفتح أشهر، والله أعلم.
стр. 96
ما جاء في أن على العالم ترك التصلف بعلمه ولزوم الافتقار إلى الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن العالم عليه ترك التصلف بعلمه، ولزوم الافتقار إلى الله جل وعلا في كل حاله].
التصلف من الصلف وهو الشدة، أو أن يمدح نفسه، فينبغي للعالم أن يتواضع، وأن يلزم الافتقار إلى الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: (أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: يا أبا الطفيل، هلم إلينا فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه شيئاً؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بل عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك تلقاه، فسار موسى ما شاء الله أن يسير، ثم قال لفتاه: آتنا غداءنا، فقال لموسى حين سأله الغداء: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] وقال موسى لفتاه: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، فوجدا خضراً، وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه في صحيحه، والبخاري وغيرهما.
وجاء في البخاري: (هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا.
فعتب الله إذ لم ينسب العلم إليه، قال: بلى عبدنا خضر، قال: أين أجده يا رب؟ قال: في مجمع البحرين) فموسى لما سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا، وهذا ليس بجيد، ولذلك عتب الله عليه.
стр. 97
ما جاء في إباحة إجابة العالمِ السائلَ بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إجابة العالم السائل بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة دون الفصل في القصة.
أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا المخزومي حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد الله بن عبد الله الأصم حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ : أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال: فإن الله يفعل ما يشاء)].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البزار والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
فيه: أن النبي ﷺ ضرب لهم مثالاً عن القيامة.
والجنة أعلى وسقفها عرش الرحمن، والنار أسفل وأعلاها جهنم وأسفلها سقر فهي دركات.
وهذا الحديث فيه دليل على القياس.
стр. 98
ما جاء في إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور.
أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما رسول الله ﷺ يحدث القوم جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال وكره ما قال.
وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا ذا.
قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: فما إضاعتها؟ قال: إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة)].
هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.
وفيه أن النبي ﷺ أخر الجواب، وأن التأخير بالجواب لا بأس به إذا كان هناك تعليم ضرورة تعرف في الحال.
قال: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) والمحفوظ في رواية البخاري: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله).
стр. 99
ما جاء في الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة ثم يجيب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة، ثم يجيب ابتداء منه.
أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ فقام النبي ﷺ إلى الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: أين السائل عن ساعته؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير شيء ولا صلاة ولا صيام، أو قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب، أو قال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام مثل فرحهم بهذا)].
هذا نفس الحديث السابق، والترجمة تختلف قليلاً عما قبلها، قال في الترجمة السابقة: (ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة ثم يجيب ابتداء منه).
والتي قبلها قال: (ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور).
стр. 100
ما جاء في إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل التي يريد أن يعلمهم إياها ابتداءً، وحثه إياهم على مثلها.
أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أموراً عظاماً، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به ما دمت في مقامي، قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: سلوني سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة، فلما أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول: سلوني، برك عمر بن الخطاب على ركبتيه، قال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لقد عرض علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر)].
هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ إنما قال هذا مغضباً ﵊، أغضبه بعض الناس وأراد أن يسأله على سبيل التعجيل، فصعد المنبر وقال: (لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلا حدثتكم به) وقال هذا بوحي من الله، وجعل يقول: (سلوني سلوني) فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة السهمي وكانوا قد شكوا في نسبه، وكان إذا تخاصم هو وغيره عيره بنسبه وأنه ليس بمعروف، فأراد أن يعرف، فقال للرسول: (من أبي؟ قال: أبوك حذافة) يعني: ثبت نسبه.
قال: أبوك حذافة السهمي.
ويقال: إن أمه قالت له: ما رأيت ابناً عاقاً مثلك، ألا تخشى أن تكون أمك قد اقترفت ما يقترفه الجاهلية فتفضحها سائر الدهر؟ يعني: ما تخشى أن يكون يعني: أبوك غير معروف بسبب ما تفعل أمك من فعل أهل الجاهلية، فقال: لا، أنا أريد أن أعرف نفسي، والله لو ألحقني بكذا للحقت به فلما رأى عمر ﵁ غضبه ﵊ قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً حتى سكن غضبه ﵊.
وقول النبي ﷺ : (لقد عرض علي الجنة والنار) يعني: في تلك الحال عرضت عليه الجنة وعرضت النار فقال: (لم أر كاليوم في الخير والشر) فقد عرضت عليه الجنة والنار في وقت واحد.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه، وأخرجه عبد الرزق ومن طريقه أخرجه أحمد والبخاري في الاعتصام.
стр. 101
ما جاء في أن المصطفى قد كان يعرض له الأحوال لإعلام أمته الحكم فيها لو حدثت بعده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن المصطفى ﷺ قد كان يعرض له الأحوال في بعض الأحايين، يريد بها إعلام أمته الحكم فيها لو حدث بعده ﷺ .
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ يسمع قراءة رجل في المسجد، فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها)].
يعني: أنه ﷺ كان ينسى؛ لأنه بشر ﵊، وكان ﵊ يسهو في الصلاة؛ لأنه بشر ﵊، والله تعالى لا يلحق به نسيان؛ لكماله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
هذا الحديث أخرجه مسلم والبخاري.
стр. 102
ما جاء في إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم.
أخبرنا محمد بن الحسن بن خليل حدثنا هشام بن عمار حدثنا أنس بن عياض حدثنا الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: سمع أبا هريرة يقول: (قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، نعمل في شيء نأتنفه، أم في شيء قد فرغ منه؟ قال: بل في شيء قد فرغ منه، قال: ففيم العمل؟ قال: يا عمر، لا يدرك ذاك إلا بالعمل، قال: إذاً نجتهد يا رسول الله)].
قوله: (ففيم العمل؟) هذا سؤال استرشاد وسؤال تعليم، ولم يكن ﵁ يسأل للرياء ولا لإظهار المكانة، فإذا سأل المرء من باب الاستفسار فهذا جائز ولا بأس به.
стр. 103
ما جاء في إباحة أن يسأل المرأ عن الشيء وهو خبير به من غير استهزاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإباحة للمرء أن يسأل عن الشيء وهو خبير به، من غير أن يكون ذاك به استهزاء].
يعني: قد يسأل من يعلم من أجل أن يتكلم ويجيب المعلم عن هذه المسألة فيفهم الحاضرون إجابة السؤال الذي لم يكونوا يعلمون جوابه، كما حصل من سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، من أجل تعليم الصحابة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا حوثرة بن أشرس حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل علينا، ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، فدخل علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أبا عمير، ما فعل النغير؟)].
هذا من إيناسه ﷺ لهذا الصبي لأهله.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، وحوثرة بن أشرس العدوي أبو عامر روى عن جمع، وروى عنه غير واحد وذكره المؤلف في (الثقات)، وأخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد.
стр. 104
ما جاء فيما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله بما تنكب عنه وأغضي عن إبدائه.
أخبرنا ابن سلم حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إن أعظم الناس في المسلمين جرماً من سأل عن مسألة لم تحرم، فحرم على المسلمين من أجل مسألته)].
قد جاء في القرآن النهي عن المسألة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الشافعي، وأخرجه أيضاً مسلم.
والحديث يحمل على أشياء تقدمت في هذه المسألة.
ومن ذلك أن النبي ﷺ لما سئل في حجة الوداع قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أكل عام؟ فسكت النبي ﷺ فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم).
فلا ينبغي مثل هذا السؤال، لكن كونه يسأل عن أشياء ليس فيها إشكال لا بأس.
إذاً: السؤال المقصود بالنهي عنه هو الذي فيه الحرج، والذي في التعنت، فمثل هذه الأسئلة ينبغي تركها والإعراض عنها.
стр. 105
ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره
قال رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره.
أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس كان يحدث: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، وإذا الناس يتكففون منها بأيديهم فالمستكثر والمستقل، وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا، قال أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت والله لتدعني فلأعبره، فقال النبي ﷺ : عبر، قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن وحلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس في ذلك، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، أخذته فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به)].
وهو أبو بكر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به)].
وهو عمر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به)].
هو عثمان حينما قتل، وهذه من الأشياء التي فيها كشف عن المستقبل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يوصل له فيعلو، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله ﷺ : أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، قال: والله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم)].
وهذا أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه دليل على أن الرؤيا ليس كما عبرت وقعت، وهو يدل على ضعف حديث: (الرؤيا على جناح طائر، فإن عبرت وقعت)، يرده هذا الحديث.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه في الرؤيا، وأخرجه البخاري في التعبير.
وتعلق الرجل بـ أبي بكر زيادة لاأظنها في البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: قال ابن التين: فيه أن الأمر بإبرار القسم خاص بما يجوز الاطلاع عليه، ومن ثَم لم يبر قسم أبي بكر؛ لكونه سأل ما لا يجوز الاطلاع عليه لكل أحد، قلت: فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهاراً، وأن يكون أعلمه بذلك سراً.
стр. 106
شرح صحيح ابن حبان_ كتاب العلم [٣]
فضل العلم عظيم، ودرجة صاحبه عالية، وأفضل العلم كتاب الله، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه.
стр. 107
الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحكم فيمن دعا إلى هدى أو ضلالة فاتبع عليه.
قال أخبرنا أبو يعلى حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)].
هذا حديث صحيح، وفيه فضل من دعا إلى الخير، وأن من دعا إلى الخير فله مثل أجور أتباعه، وفيه إثم من دعا إلى ضلالة: (فإن عليه أوزار من تبعه)، نسأل الله السلامة والعافية، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].
стр. 108
بيان أن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن على العالم ألا يقنط عباد الله عن رحمة الله.
سمعت أبا خليفة يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول: سمعت الربيع بن مسلم يقول: سمعت محمداً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: (مر رسول الله ﷺ على رهط من أصحابه وهم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، فأتاه جبريل فقال: إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ قال: فرجع إليهم، فقال: سددوا، وقاربوا، وأبشروا)].
قال في تخريجه: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد.
قال الله في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وقال: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، لا ينبغي للإنسان أن يقنط أو ييئس، بل هذا كبيرة من الكبائر، والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله مقدمة إلى الكفر.
وقوله: [(ولو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً)].
اليائس المتشائم مسيء للظن بالله ، يرى أنه هالك، وفي ضمن ذلك إنكاره للتوبة ويرى أنه هالك، وأن التوبة لا تفيد.
قوله: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً) في البخاري في الأيمان والنذور.
قال أبو حاتم ﵁: (سددوا) يريد به: كونوا مسددين، والتسديد: لزوم طريقة النبي ﷺ واتباع سنته، وقوله: (وقاربوا) يريد به: لا تحملوا على الأنفس من التشديد ما لا تطيقون، (وأبشروا) فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد، وقاربتم في الأعمال].
(سددوا) يعني: حاولوا أن تصلوا إلى الصواب والسداد، فإن لم تقدروا فقاربوا السداد.
стр. 109
إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة تأليف العالم كتب الله جل وعلا.
أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الأعلى حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع)].
كان الأفضل أن يقول: كتاب الله.
стр. 110
الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله، وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام.
أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح قال: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين يأخذهما في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، فقال رسول الله ﷺ : فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من عدادهن من الإبل)].
هذا أخرجه مسلم في صحيحه، وبطحان واد في المدينة (أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان فيحصل على ناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم)، وفي مسلم: (قالوا: كلنا يحب ذلك، فقال: والذي نفسي بيده! لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن).
قال في تخريجه: أخرجه مسلم وأبو داود.
[قال أبو حاتم: هذا الخبر أُضمر فيه كلمة، وهي: لو تصدق بها، يريد بقوله: (فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث) لو تصدق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث وعدادهن من الإبل لو تصدق بها؛ إذ محال أن يشبه من تعلم آيتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حطام الدنيا، وصح بما وصفت صحة ما ذكرت].
هذا فيه نظر، وهو خلاف ظاهر الحديث؛ لأنه لو تصدق بهن صار من أعمال الآخرة، وقد قال فيه: (بغير إثم أو قطيعة رحم) يعني: حصل عليها وتملكه في الدنيا؛ لأن هذا يرغب الله فيه، مثل أن تقول: لأن تغدو إلى المسجد فتعلم آيتين خير لك من أن تحصل على سيارتين، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن.
والحافظ ﵀ له تأويلات، لكن هذه في الفروع وستأتي تأويلات في الاعتقاد.
قوله: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) يعني: خير لك من أن تتصدق بها من جنسه، خير لك من أن تحصل على الإبل التي هي الحمر التي هي أنفس أموال العرب.
وقوله: [ذكر الحث على تعليم كتاب الله وإن لم يتعلم الإنسان بالتمام].
يعني: لو لم يتعلم تعلماً كاملاً، ولو كان يحفظ بعض الآيات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الفضل بن حباب الجمحي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، وعليكم بالزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو فرقان من طير تحاجان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)].
البطلة هم السحرة: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً يوم القيامة لأصحابه) هذا أخرجه مسلم في صحيحه، قال في تخريجه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، ويحيى بن أبي كثير وإن رواه بالعنعنة توبع عليه، وأخرجه الطبراني وذكره، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب: فضل قراءة القرآن.
следующие страницы →