Полный текст (427 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ضلال أهل الكلام والفلسفة في إثبات توحيد الربوبية
إن توحيد الأسماء والصفات أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﵊ في سنته، فالأسماء والصفات كلها ثابتة لله، وهذه الطوائف انحرفت في هذا التوحيد مع أنه فطري، كما أن توحيد الربوبية أمر فطري أيضاً، ومع ذلك انحرفت فيه هذه الطوائف، وأقر بهما المشركون ولم ينكروهما، وقد عرف الله تعالى العباد بنفسه وبصفاته وأفعاله، وعرفهم بعظيم حقه حتى يعبدوه، ولهذا فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة إلى توحيد الألوهية والعبادة، فالغاية هي توحيد الألوهية والعبادة، فقد خلق الله الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويخلصوا له العبادة.
ولهذا نجد القرآن الكريم يحتج على المشركين في إلزامهم بتوحيد الألوهية بتقريرهم بتوحيد الربوبية، فكما أنكم تقرون بتوحيد الربوبية فأقروا بتوحيد الألوهية، واعبدوا الله وأخلصوا له الدين، فهو يلزمهم بشيء يعتقدونه ويثبتونه.
فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أمران فطريان فطر الله عليهما جميع الخلق، إلا من شذ، وقد أثبتهما المشركون في أزمنة متعددة من الأزمنة الغابرة.
مع ذلك فكثير من أهل الكلام، وكثير من أهل النظر، وكثير من أهل الفلسفة، وكثير من أهل التصوف قد تعبوا في إثبات توحيد الربوبية، حتى قال بعضهم: إنه لا يمكن إثباته بالعقل، مع أنه أمر فطري أقر به المشركون، وأقر به قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وأقر به مشركوا العرب، كما في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١]، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٨]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١].
إذاً: فهؤلاء لم ينكروا توحيد الربوبية، ولم تنكره الأمم السابقة، ومع ذلك جاء أهل الكلام والنظر والفلسفة والتصوف فقالوا: لا نستطيع إثبات توحيد الربوبية بالعقل، وقالوا: إنما يتلقى بالسمع لا بالعقل.
فالفلاسفة وفرق المتصوفة تعبوا وهم يقررون النظريات والمناهج الفلسفية ويؤلفون الكتب في إثبات توحيد الربوبية، فقد سئموا وتعبوا كثيراً حتى وصلوا إلى توحيد الربوبية، وظنوا أنهم بوصولهم إلى توحيد الربوبية قد وصلوا إلى الغاية والنهاية، فهم مع تعبهم العظيم وإضاعتهم للأوقات، وتفنيدهم للكتب والأوراق يصلون في النهاية إلى شيء قد سبقهم إليه عباد الأصنام والأوثان، فعباد الأصنام والأوثان أقروا بتوحيد الربوبية بكل يسر وسهولة، وليس عندهم فيه إشكال، وأهل الكلام والتصوف صعب عليهم توحيد الربوبية.
وقال كثير من أهل الكلام: إن الدليل على وجود الرب هو دليل التمانع، وهو أمر فطري، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم:١٠] ففطر الله جميع الخلق على إثبات وجوده، وهؤلاء يقولون: الدليل على إثبات توحيد الربوبية دليل التمانع.
ودليل التمانع عندهم هو دليل بطريقة السبر والتقسيم، فيقولون: لو كان للعالم خالقان وربان، فعند اختلافهما -كأن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، أو يريد أحدهما إحياء شيء والآخر يريد إماتته- لا يخلو الأمر من أن يحصل مرادهما، أو يحصل مراد واحد منهما، أو لا يحصل مرادهما جميعاً، والعقل لا يتصور أكثر من هذا التقسيم، فأما الأول فباطل تماماً، وهو أن يحصل مرادهما جميعاً؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المتناقضين، فيكون الشيء متحركاً ساكناً في نفس الوقت، أو يكون حياً ميتاً في نفس الوقت، وهذا مستحيل وممتنع، فبطل الأمر الأول.
والثالث -أيضاً- مستحيل، وهو أنه لا يحصل مراد واحد منهما؛ لأنه يلزم منه رفع النقيضين معاً، فيكون الشيء غير متحرك ولا ساكن، ولا حي ولا ميت، وهذا مستحيل، فرفع النقيضين كالجميع بينهما، ويلزم منه عجز كل منهما، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً.
ولم يبق إلا الأمر الثاني، وهو أن يحصل مراد أحدهما ولا يحصل مراد الآخر، فالذي يحصل مراده هو الإله القادر، والذي لا يحصل مراده عاجز لا يصلح للألوهية ولا للربوبية.
قالوا: فهذا هو الدليل على إثبات الرب، فنقول لهم: لا حاجة إلى هذا؛ لأن إثبات الرب أمر فطري فطر الله عليه الخلق، وهو أمر ضروري لا يستطيع الإنسان أن ينكره.
وبعضهم يظن أن هذا الدليل هو معنى قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية، وهذا باطل، فإن الآية ليست في دليل التمانع في الخالق، وإنما هي تمانع في الألوهية؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٢٢].
وهذا أيضاً إنما يكون بعد وجودهما؛ لأنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فهذا فساد بعد الوجود، فبين أنه لو كان فيهما معبودان لفسد نظام السموات والأرض، وأن الفساد يلزم من وجود إلهين، وأنه لا صلاح للسموات والأرض إلا بأن يكون فيهما معبود واحد، وأن يكون هذا المعبود هو الله وحده؛ لأن السموات والأرض إنما قامتا بالعدل، وأعدل العدل هو توحيد الله ، وأظلم الظلم هو الشرك.
فأهل البدع يظنون أن هذه الآية تدل على توحيد الربوبية، وهذا خطأ، وإنما تدل على توحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية.
стр. 107
أهمية العلم بالفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة
إن كثيراً من الناس لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ويظنون أن الموحد هو الذي يثبت الرب ويثبت أسمائه وصفاته وأفعاله فقط، ولو لم يعبده، وهذا باطل.
فالتوحيد الذي أثبته القرآن، والذي خلق الله الخلق من أجله، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، هو توحيد العبادة والألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، فالمعبود هو الخالق، والعاجز لا يصلح للعبادة، فالله تعالى معبود لكماله؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة، فهو له الكمال المطلق؛ لأنه متصف بالأسماء الحسنى، ولأنه خلق الخلق وأوجدهم من العدم، ولأن هذا الكون قام به سبحانه، وهو الحي القيوم.
إذاً: فالتوحيد الذي قرره القرآن هو توحيد العبادة، وهو الذي أنكره المشركون، لكن كثيراً من أهل الكلام وأهل النظر وأهل الفلسفة وأهل التصوف لا يعرفون توحيد العبادة، ويظنون أن توحيد الربوبية هو توحيد العبادة، وأنه لا فرق بينهما، وأن من أثبت الربوبية فقد عبد الله، وهذا من أبطل الباطل، والأدلة على هذا كثيرة، وقد أخبر الله سبحانه عن الأمم السابقة أنهم كانوا يقرون بالربوبية، وإنما حصل شركهم في العبادة، قال عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، وقد ثبت في صحيح البخاري وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء أن هذه الأسماء -وهي: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر- أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا وغلا فيهم من بعدهم لصلاحهم، وعكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
إذاً فشرك قوم نوح كان في العبادة، فأرسل الله إليهم نوحاً ﵇ ليدعوهم إلى الله، ويدعوهم إلى توحيد وإخلاص العبادة له، فمكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد.
فالمطلوب هو توحيد العبادة، ولا يكفي توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية وسيلة إلى توحيد العبادة.
وكذلك قوم صالح ﵇، فقد كانوا كفاراً، ومع ذلك كانوا يقرون بوجود الله، وكان كفرهم هو عدم توحيد الله، وعدم الاعتراف والإقرار والإيمان بنبوة صالح ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٨ - ٤٩]، فهؤلاء التسعة الرهط من قوم صالح كانوا كفاراً، ومع ذلك أقسموا بالله على قتل نبيهم صالح ﵇ وأهله، فهم مقرون بتوحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل:٤٩]، وكان شركهم في العبادة، وقد دعاهم صالح ﵊ إلى عبادة الله ولم يدعهم إلى توحيد الربوبية؛ لأنهم مقرون بتوحيد الربوبية.
وكذلك المشركون في زمن النبي ﷺ ، وسائر الأمم السابقة، كأمة الهند والترك والبربر، كل شركها كان في العبادة، بدليل أن هذه الأصنام التي وجدت في قوم نوح انتقلت إلى العرب، كما ثبت ذلك عن ابن عباس، وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم كانوا يقرون بالربوبية، وأن شركهم إنما هو في عبادة هذه الأصنام، قال الله تعالى عنهم وهم يطلبون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] أي: قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم أشركوا في العبادة، فهم يطلبون القربى من الله بهذه الأصنام والأوثان، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].
وثبت في الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة كانتا قد هاجرتا إلى الحبشة، فذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).
وقال ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) لأن ذلك ذريعة إلى الشرك.
وقال ﵊ قبل أن يموت بخمس ليال: (لا تتخذوا القبور مساجد)، وقال: (لا تتخذوا قبري عيداً)، قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره ﵊.
إذاً: فالتوحيد مطلوب من الأمم، وهو خلاصة دعوة الرسل وزبدتها، وأما أهل الكلام وأهل النظر وأهل الفلسفة وأهل التصوف؛ فلا يفرقون بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية، وهذا من البلاء، فلا بد من أن يكون طالب العلم على بصيرة من هذا الأمر، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية: على الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولم يقل: أو يمسلمانه، فدل هذا على أنه مفطور على الإسلام.
وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم وأحمد -وهو حديث قدسي- يقول الرب : (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشيطان عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم).
وأما توحيد الربوبية فهو أمر فطر الله عليه جميع الخلق، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٧].
ففي هذه الآيات مناقشة ومحاجة ومجادلة للمشركين، وإثبات لتوحيد الألوهية والربوبية، فلابد من معرفة هذا الأمر.
وهؤلاء -أعني الفلاسفة وأهل التصوف وأهل النظر وأهل الكلام الذين غايتهم ونهايتهم توحيد الربوبية- إن لم يوحدوا الله في ألوهيته فهم مشركون من جنس أمثالهم من المشركين والوثنيين، فإذا ماتوا على ذلك فهم من أهل النار؛ لأن من مات وهو مثبت لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ولا يعبد الله ولا يوحده؛ فهو من أهل النار، ولا ينفعه هذا التوحيد؛ لأن الرسول ﵊ كفر المشركين، واستحل دماءهم وأموالهم مع أنهم كانهوا يقرون بتوحيد الربوبية.
إن كثيراً من أهل الكلام -ومنهم بعض الأشاعرة- لا يفرقون بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ويفسرون (لا إله إلا الله) بتوحيد الربوبية، ويقولون معناها: لا خالق إلا الله.
وهذا غير صحيح؛ لأنه لو كان معناها (لا خالق إلا الله) لما امتنع المشركون من اعتقادها، ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) امتنعوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٥ - ٦] أي: اصبروا على عبادة الأصنام والأوثان، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٦ - ٧] أي: ما سمعنا بهذا الكلام في الأمم السابقة، فبعض الأشاعرة يقول: المعنى: لا خالق إلا الله.
فيفسرون الإله بالخالق، وبعضهم يقول: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا تفسير باطل، فمعنى (لا إله) ك لا معبود بحق (إلا الله)، وهذه هي كلمة التوحيد، وهي كلمة عظيمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وقامت القيامة، وانقسم الناس إلى فريقين: شقي وسعيد، فكيف يكون معناها: لا قادر إلا الله؟! إن عظمة هذه الكلمة لا تتبين، ولا يظهر منها أنها تنفي الألهية عن جميع المعبودات إلا إذا فسر الإله بالمعبود، فيكون معنى (لا إله)، أي: لا معبود، فـ (لا) نافية للجنس تعمل عمل (إن)، فتنصب الاسم وترفع الخبر، و (إله): اسمها، والخبر محذوف والتقدير: لا إله حق إلا الله، والمعنى: لا معبود بحق إلا الله، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله.
وأما تفسير بعض الأشاعرة وبعض أهل الكلام للإله بأنه القادر أو الخالق؛ فهو تفسير باطل؛ لأن معناه تفسير كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية، وهذا باطل، فلو كان المعنى: (لا خالق إلا الله)، فهل يمتنع المشركون من أن يقولوا: لا خالق إلا الله وقد قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]؟! إن كثيراً من الصوفية لا يفرقون بين توحيد الر
стр. 108
الأسئلة
стр. 109
اعتقاد الأشاعرة في ذات الله تعالى
السؤال
هل صحيح أن الأشاعرة يعتقدون أن الله في كل مكان؟
الجواب
المعروف عن المتقدمين من الأشاعرة أنهم لا يعتقدون هذا الاعتقاد، فـ أبو الحسن الأشعري وغيره لا يثبتون العلو، وقد يفسرون الاستواء بالقدرة.
وأما متأخروا الأشاعرة -كـ الرازي - فقالوا بنفي النقيضين عن الله، وهذا القول أشد من القول بالحلول.
والرازي أشعري، لكنه تحول بنفيه النقيضين عن الله إلى جهمي، فقرر في كتابه (أساس التقديس) وغيره أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه! وهذا أشد من القول بالحلول، والأشاعرة لا يقولون بالحلول، وإنما يقول بهذا الجهمية ومن تحول إليهم من الأشاعرة كـ الرازي.
والجهمية -كما سبق- طائفتان: طائفة تقول بالحلول والاتحاد، وهم المتقدمون منهم، كعباد الصوفية، وطائفة تقول بنفي النقيضين عن الله، وهؤلاء أشد كفراً ممن يقول بالحلول والاتحاد؛ لأن هذا وصف لله بالممتنع، فمن كان لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، فكيف سيكون؟! سيكون معدوماً، بل أشد من المعدوم، فإنه يمتنع ويستحيل وجود من يتصف بهذه الأوصاف.
وأما الذين يقولون بالحلول والاتحاد فإنهم أثبتوا وجودين أحدهما حل في الآخر، وهذا كفر، ولكنه أقل كفراً من نفي النقيضين.
فالمقصود أن الأصل في الأشاعرة أنهم لا يقولون بهذا، لكن من قال منهم بالحلول أو الاتحاد، أو قال بنفي النقيضين فإنه يتحول من كونه أشعرياً إلى كونه حلولياً أو اتحادياً.
стр. 110
الأشاعرة والقول بخلق القرآن
السؤال
هل يقول الأشاعرة بخلق القرآن؟
الجواب
لا يقول الأشاعرة بذلك، والمعروف أن الذين قالوا بخلق القرآن هم الجهمية والمعتزلة، وأما الأشاعرة فيثبتون الكلام لله تعالى، لكن لا يثبتونه على الوجه الصحيح، فكلام الله عندهم معنىً قائم ليس بحرف ولا صوت؛ لأن الحرف والصوت عندهم مخلوقان، ويقولون: إن كلام الله تعالى في نفسه كالعلم، فلا يسمع، وإن جبريل عبر عن المعنى القائم في نفس الله بالقرآن، فالله تعالى اضطره حتى فهم المعنى الذي قام في نفسه، فعبر به.
ويقولون أحياناً: إن الذي عبر بالقرآن هو محمد ﷺ ، فالقرآن قول محمد وقول جبريل، فالمعنى من الله واللفظ من محمد وجبريل ﵉، فجبريل فهمه من نفس الله، والله تعالى لا يتكلم بحرف ولا صوت؛ لأن الحرف والصوت حادثان، هكذا يقولون.
وقال بعضهم: إن الذي تكلم بالقرآن هو محمد ﷺ ، وقال بعضهم: هو جبريل، وقال بعضهم: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ ولم يتكلم به الله، وعلى هذا فيكون القرآن الموجود بين أيدينا على مذهب الأشاعرة يسمى قرآناً مجازاً؛ لأن كلام الله تأدى بالقرآن، وكلام الله معنى تأدى بهذا النص؛ لأن الكلام معنى نفسي لا يسمع، لكن هذا القرآن تأدى به كلام الله، فيسمى كلام الله مجازاً.
وهم أحياناً يقولون عند خصومهم: القرآن كلام الله، وأما عند المناظرة فيقولون: إن مقصودنا بذلك أنه كلام الله مجازاً، وقلنا: كلام الله لأنه تأدى به كلام الله.
وعلى هذا المذهب تكون الحروف والأصوات مخلوقة، والمعنى غير مخلوق، فيكون مذهبهم نصف مذهب الجهمية والمعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن القرآن مخلوق حروفه ومعانيه، والأشاعرة يقولون: إن المعاني ليست مخلوقة، وأما الحروف والألفاظ فمخلوقة.
وصفة الكلام من الصفات السبع التي أثبتوها، لكنهم لم يثبتوها على وجهها، فالكلام عندهم معنىً قائم بالنفس لا يسمع، والحروف والأصوات دليل على ذلك المعنى، ويستدلون بقول الأخطل النصراني: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فالكلام في القلب، واللسان يعبر عما في القلب ويترجم عنه ويدل عليه فقط، فهذا القرآن الموجود في المصاحف ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله؛ لأنه تأدى به كلام الله تعالى، وهذا مذهب خطير.
ولهذا تجرد الإمام ابن القيم ﵀ في كثير من كتبه، وكذلك شيخ الإسلام وغيرهم من علماء السنة للرد على هؤلاء؛ لأن أمرهم ملتبس أكثر من التباس مذهب الجهمية والمعتزلة، ولأنهم يسمون كتبهم كتب أهل السنة.
стр. 111
الفرق بين طريقة إثبات الأشاعرة للسبع الصفات وطريقة أهل السنة
السؤال
هل طريقة إثبات الأشاعرة للصفات السبع مثل طريقة أهل السنة؟
الجواب
ذكرنا أنهم يثبتون السبع الصفات بالعقل والشرع، ويقولون: إنه اجتمع فيها دليل العقل والشرع؛ فلذلك نثبتها، وأما بقية الصفات فيؤولونها، لأنها لم يدل عليها العقل وإن دل عليها الشرع.
وأما أهل الحق -وهم أهل السنة- فيثبتونها لأن النصوص أثبتتها، ولا ينظرون إلى العقل هل أثبتها أم لا، لكن لا شك في أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح، وهذه قاعدة عند أهل العلم، فالعقل الصريح السالم من الشبهة والشهوة، والسالم من الإرادة الباطلة والهوى يوافق النقل الصحيح، ولا يمكن أن يوجد اختلاف بينهما، وإن وجد اختلاف فذلك لأحد أمرين: إما لأن العقل غير صريح، بل فيه انحرف بسبب شبهة أو شهوة، أو أن النقل غير صحيح عن رسول الله ﷺ ، فالنقل الصحيح -قرآناً كان أو سنة- لابد من أن يوافق العقل الصريح.
стр. 112
أقسام صفات الله تعالى
السؤال
هل يصح أن نقول: إن الصفات المأخوذة من أسماء الله صفات ذاتية لا تنقل عن الله تعالى؟
الجواب
الصفات عند أهل الحق على قسمين: صفات ذاتية لا تنفك عن الباري، كالعزة والقدرة والعظمة والكبرياء والعلم والسمع والبصر واليد والرجل والوجه.
وصفات اختيارية، وتسمى فعلية، وهي التي تتعلق بالإرادة والمشيئة والاختيار، كالغضب، فالله تعالى يغضب إذا شاء، والرضا، فهو يرضى إذا شاء، وكذلك الكلام، فيتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ، فالكلام من الصفات الذاتية الفعلية، فهو قديم النوع حادث الآحاد، فالرب سبحانه يتكلم متى شاء بما شاء، وهو يتكلم بقدرته ومشيئته .
стр. 113
القراءة في كتاب (نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين)
السؤال
بعض أئمة المساجد يقرءون بعد العصر من كتاب (نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين)، فهل تصلح القراءة في هذا الكتاب على العامة؟
الجواب
كتاب (رياض الصالحين) كتاب عظيم ومبارك نفع الله به، فإذا قرأ الأئمة منه فهذا أمر طيب، وإذا كان الإمام عنده بصيرة فعلق عليه فذلك جيد، وهناك شروحات كثيرة على هذا الكتاب، منها: (دليل الفالحين)، (ونزهة المتقين)، وهذا الأخير مختصر، وعليه تعليقات مختصرة، وكذلك (دليل الفالحين) كتاب جيد، وعليه بعض الملاحظات، وأنا لي كلمات في شرح (رياض الصالحين) ألقيتها في الإذاعة، ثم كتبت بعضها ولم أكمل ذلك.
وعلى كل حال فإن كتاب (نزهة المتقين) فيه تحليل وتفسير للألفاظ، ووقع فيه تأويل لبعض الصفات، وكذلك (دليل الفالحين) عليه بعض الملحوظات في الصفات، فيحذر من ذلك فيهما، والأصل المعروف الآن في المساجد هو قراءة كتاب (رياض الصالحين)، وهذا يكفي، وإذا كان الإمام طالب علم وعلق على بعض الأحاديث فهذا طيب، وهذا نور على نور.
стр. 114
تفسير المعية عند أهل السنة والجماعة
السؤال
لماذا أهل السنة لا يمرون قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] على القاعدة، وهي إثبات المعنى لفظاً وتفويض الكيفية، ويقولون: إنه فوق العرش وهو معنا بعلمه؟
الجواب
أهل السنة والجماعة مدينون للنصوص، ويجمعون بينها، فحينما يقول الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فإنهم يستدلون بنفس النص على المراد بذلك العلم؛ لأن ذكر العلم جاء في مثل هذا النص، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فافتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فعلم أن معنى ذلك معية العلم.
ثم إن أدلة إثبات الفوقية أدلة ونصوص محكمة واضحة لا لبس فيها، وهي تزيد على ثلاثة آلاف دليل، مثل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، فليس فيه إشكال، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠].
وقال النبي ﷺ حين سأل الجارية -كما في صحيح مسلم -: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)، فهم يجمعون بين النصوص ويضمون بعضها إلى بعض، فدل ذلك على أن المعية هنا ليس معناها الاختلاط بالمخلوقات، وإنما هي معية علم واطلاع وإحاطة ونصر وتأييد وحفظ للمؤمنين.
فالله تعالى فوق السموات وفوق العرش بذاته، وهو مع الخلق بعلمه واطلاعه وإحاطته وبصره ونفوذ قدرته ومشيئته وتصرفه في خلقه.
стр. 115
دروس في العقيدة [٦]
يتميز التصوف بانتشار واسع في بلاد المسلمين، ويكمن خطر هذا المذهب في بدع أصحابه وعقائدهم المفضية إلى الفناء المتمثل في الاكتفاء بتقرير توحيد الربوبية بمشاهدة قدرة الله ومشيئته في خلقه، وفي جعلهم الناس طوائف، فطائفة هم أصحاب الشريعة، وأخرى هم أصحاب الحقيقة، وثالثة هم أصحاب التحقيق، وإسقاطهم التكاليف عن طائفتي الحقيقة والتحقيق، وذهاب كثير منهم إلى القول بوحدة الوجود، مع ما يقررونه من بدع في طريق السلوك إلى الله تعالى.
стр. 116
تقرير توحيد الربوبية وبيان حال من ضل فيه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن علم أصول الدين أشرف العلوم وأجلها، وهو العلم بالله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظيم حقه سبحانه على عباده، وقد افتتح الإمام الطحاوي ﵀ رسالته بقوله: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره].
وهو يشمل أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء، وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية.
وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة إلى توحيد الإلهية.
وتوحيد الإلهية هو الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، فإذا عرفنا الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وجب علينا أن نخصه بالعبادة، وأن نفرده بها ، والله فطر الخلق على الإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فتوحيد الربوبية أمر فطر الله عليه جميع الخلق إلا من شذ من بعض طوائف بني آدم، ومشركو الأمم السابقة يعترفون بهذا التوحيد ولا ينكرونه، كأمة الهند والترك والبربر، وكذلك الأمم السابقة الذين بعث الله إليهم الأنبياء السابقين، كقوم نوح وهود وصالح، كلهم يعترفون بتوحيد الربوبية ويقرون به ولا ينكرونه، ويحلفون بالله، كما أخبر الله عن التسعة الرهط الكفار أنهم أقسموا بالله على قتل نبيهم صالح ﵇.
ومع كون توحيد الربوبية أمراً قد فطر الله عليه الخلق كلهم -إلا من شذ- فقد جاء أهل الكلام المتأخرين، وأهل النظر، وأهل الفلسفة، وأهل التصوف فتعبوا في إثبات هذا التوحيد وتقريره، فجعلوا يدأبون كثيراً ويتعبون، ويقررون النظريات، ويسوقون الأدلة لإثبات هذا التوحيد، مع أنه أمر فطر الله عليه الخلق جميعاً، ولهذا قالت الرسل لأممهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، حتى الحيوانات العجماوات فطرها الله على معرفة ربها، وأن الله في السماء، وأنه في العلو، لكن الفلاسفة تعبوا في إثباته وتقريره، حتى قال بعض أهل الكلام وأهل النظر: إنه لا يمكن تقريره بالعقل، وإنما يتلقى من السمع.
وكذلك الفلاسفة -مثل ابن سينا والفارابي - تعبوا في إثبات الخالق، ويدأبون كثيراً ويصلون في النهاية إلى أن هذا الوجود له موجد يسمونه واجب الوجود، والمخلوق يسمونه ممكن الوجود، فهم يعبون كثيراً، وفي نهاية المطاف يصلون إلى أمر برز عليهم فيه عباد الأصنام والأوثان، فعباد الأصنام والأوثان معترفون بوجود الله وليس عندهم إشكال، ولا تعبوا في معرفة هذا، بخلاف الفلاسفة، فقد تعبوا كثيراً، فيقررون ويذكرون الأدلة، وكذلك أهل الكلام وأهل النظر يركبون الأدلة في هذا حتى يصلوا إلى إثبات وجود الله.
стр. 117
الفناء وأنواعه عند الصوفية
الصوفية يرون أن توحيد الربوبية هو النهاية والغاية، حتى إنهم إذا وصلوا إليه فنوا فيه، ومعنى أنهم يفنون فيه أنهم يستغرقون في توحيد الربوبية، وفي رؤية الله ووجوده، وتفرده بخلق الأشياء وملكها واختراعها، وأنه ما شاء الله كان، ويستغرقون في شمول مشيئة الله، وشمول ربوبيته للأشياء وقيوميته وقدرته، ونفوذ مشيئته، ويشهدون ما اشتملت عليه المخلوقات من قدرة الله عليها، وملكه لها، ونفوذ مشيئته وشمول قيوميته وربوبيته.
وهذا الفناء يعده الصوفية غاية، ويعدونه نهاية التوحيد.
وقد انتشر الصوفية في كل مكان من أرجاء الدنيا، فلابد من معرفة توحيدهم وفنائهم حتى يكون الإنسان على بصيرة، لاسيما أن العالم صار كحلقة واحدة، وكثير من الإخوان ابتلوا بالصوفية في بلادهم، فتجد في السودان صوفية، وفي الشام صوفية، وفي مصر صوفية، وفي المغرب صوفية، وفي ليبيا صوفية، وفي باكستان صوفية، وفي أفريقيا صوفية، على طرق متعددة، وكل طريقة لها شيخ، فالصوفية يفنون في توحيد الربوبية، ويرونه الغاية والنهاية.
стр. 118
الفناء عن وجود السوى
والفناء عند الصوفية ثلاثة أنواع: فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن مراد السوى.
فالفناء الأول فناء عن وجود السوى، وهو الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكتل عنها بكل اعتبار، فلا يشهد غيراً، ولا يشهد رباً وعبداً، بل يشهد الرب نفس العبد، والعبد نفس الرب، بل ليس هناك رب ولا عبد، وهذا فناء الملاحدة والزنادقة، فناء أهل وحدة الوجود، والفناء عندهم هو الوحدة المطلقة، فيقولون: الخالق هو الواحد المطلق، أي: الذي لا يقيد بشيء، لا باسم ولا بصفة ولا بمكان ولا بزمان، فهو كل الأشياء، فهذه المحدثات تلبسه وتخلعه، وتكتسيه الماهيات كلها، فيفنون في الوحدة المطلقة، والواحد المطلق الذي ليس له اسم ولا صفة يكون في الذهن، وهذه المحدثات تلبسه وتخلعه، وعلى ذلك فلا يكون هناك عبد ورب، فأنت العبد وأنت الرب! نسأل الله السلامة والعافية، هذا هو فناء الملاحدة والزنادقة، وهذا كفر وإلحاد، بل هو أعظم من كل كفر، وكفر كل كافر جزء من هذا الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.
ومن هؤلاء الملاحدة والزنادقة ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني والقونوي وغيرهم من ملاحدة الصوفية الذين ينعقون بوحدة الوجود، ويقولون: الوجود واحد، وهؤلاء ألغوا عقولهم، نسأل الله السلامة والعافية، وإلا فهذا الكلام لا يتصوره عاقل.
وكلمة الفناء كلمة يعنون بها تجريد شهود الحقيقة الكونية والغيب عن شهود الكائنات.
فالمخلوقات كلها يغيب عنها وينساها، فلا يكون هناك إلا تجريد شهود الحقيقة الكونية، وهو الله، ويغيب عن شهود المخلوقات كلها، لكن الزنادقة من ملاحدة الوجود يغيبون عن وجود هذه المخلوقات، بمعنى أنهم ينكرون وجود المخلوقات، فلا يقولون: إن هناك خالقاً ومخلوقاً، بل كل ما تراه هو الخالق، فكل ما تراه من سماء وأرض ومتحرك وساكن وناطق هو الله، وهذا تجليه وأسماؤه وصفاته، وهو الوجود المطلق، وكل شيء يلبسه ويخلعه، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 119
الفناء عن شهود السوى
والفناء الثاني هو فناء عن شهود السوى، وهذه هي الدرجة المتوسطة بين ملاحدة وحدة الوجود وبين أهل الشريعة، وهي التي بنى عليها أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الصوفي الحنبلي كتابه (منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين)، الذي شرحه العلامة ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين، فحقيقة هذا الفناء غيبة أحدهم عن سوى مشهوده.
فمشهوده هو الله، فلا يشاهد إلا الله، ويغيب عما سواه، بل غيبته أيضاً عن شهوده نفسه، فيقول: أنا لا أشاهد إلا الله، ولا أنكر وجود المخلوقات، لكن أغيب عنها وأتناساها حتى لا تشوش علي، فأنا أوجه شهودي لله فقط، أما كوني أنظر إلى سماوات وأرضين وآدميين وحيوان ونبات فإنه يشوش علي، وأنا أريد أجمع همتي على الله، فلا أشهد إلا الله، وأغيب عما سواه، فيغيب بموجوده عن وجوده، ويغيب بمعبوده عن عبادته، ويغيب بمذكوره عن ذكره، فهو يغيب بالله عن المخلوقات فلا يراها، ويتناسى العبادة من أجل أنه لا يرى إلا المعبود فقط.
وقد يقوى شهود القلب بمحبوبه حتى يغيب به، فيظن أنه اتحد به وامتزج، بل يظن أنه هو الله من شدة قوة الشهود، كما يحكى أن رجلاً كان له محبوب فغاب به ونسي نفسه، فألقى المحب نفسه في الماء، فألقى نفسه وراءه في الماء، فقال: أنا وقعت في الماء، لكن أنت ما الذي أوقعك في الماء؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أنا.
يعني: نسيت نفسي، وأظن أنك أنا، فأنا أنت وأنت أنا.
وهذا من قوة شهود القلب عند الصوفية بالمحبوب، حتى يغيب بالمحبوب عن نفسه وينسى نفسه، فيظن أنه هو المحبوب وأنه اتحد به وامتزج، وهذا يحصل للصوفية.
ومن ذلك ما يحكى عن أبي يزيد البسطامي أنه غاب بالله عن نفسه، فجعل يقول عن نفسه: سبحاني سبحاني، غاب بنفسه عن نفسه، وجعل ينقض الجبة ويقول: ما في الجبة إلا الله.
يعني نفسه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذه الأقوال لو صدرت من إنسان ومعه عقله فلا شك في كفره، لكن قد يكون زال عقله في هذه الحالة، ويكون مرفوعاً عنه القلم مثل المجنون، فإذا كان عقله معه فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، وإذا كان ليس معه عقل فقد رفع عنه القلم، ويلتحق بالمجانين، نسأل الله السلامة والعافية.
وهذا الكلام يعده الصوفية النهاية والغاية، وهو كمال التوحيد عندهم الصوفية.
стр. 120
الفناء عن مراد السوى
والفناء الثالث هو فناء مراد السوى، أي: الفناء عن إرادة ما سواه، فيكون فانياً بمراد محبوبه منه عن مراده هو فضلاً عن إرادة غيره، قد اتحد مراده بمراد ربه، أي: المراد الديني الشرعي لا القدري الكوني، وهذا فناء خواص الأولياء والمقربين.
ومن تحقيق هذا الفناء ألا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، ولا يوالي إلا في الله، ولا يعادي إلا في الله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يرجو إلا الله، ولا يستعيذ إلا بالله، فيكون أمره كله باطنه وظاهره كله لله.
فهذا فناء بمراد ربه عن مراده هو، فالله تعالى أراد منك أن تصرف له العبادة فأنت تقدم حقه، وأراد منك أداء الفرائض فتقدم حقه، وإذا نازعتك نفسك تقدم حق الله، فتفنى وتتناسى حقك من أجل تقديم حق الله، أراد منك ترك المحرمات فتتركها ولو نازعتك نفسك؛ لأنك فنيت بمراد ربك عن مراد نفسك، فتلغي مراد نفسك، بل ومراد الخلائق كلها، ولا تنظر إليه من أجل تقديم مراد الله وما يحبه الله من أداء الفرائض، والابتعاد عن المحارم، والاستقامة على دين الله.
يقول شيخ الإسلام ﵀: إن كان هناك اتحاد في العقل صحيح فهو اتحاد المرادين هذين، اتحد مراد العبد بمراد ربه، فكل شيء يريده الله فالعبد المؤمن يريده، وكل شيء يكرهه الله فالعبد المؤمن يكرهه، وكل شيء يحبه الله فالمؤمن يحبه، وهكذا.
فيكون موافقاً لله فيما يحبه وفيما يكرهه وفيما يخافه، فيقدم مراضي الله ومحابه، ويبتعد عن مساخطه ومناهيه مهما كلفه الأمر، ولا ينظر إلى مراده هو ومطلوبه، بل يلغي مراده لمراد الله، ويلغي محبوبه لما يحبه الله، بمعنى: أنه يقدم المراد الديني الشرعي وما يحبه الله على ما تحبه نفسه، فضلاً عما يحبه غيره من الناس، فيكون دينه كله لله باطناً وظاهراً.
стр. 121
أقسام التوحيد عند الصوفية
وهذه الأنواع الثلاثة مبنية على أقسام التوحيد الثلاثة عند الصوفية، وهم يقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام، ويقولون بناء على ذلك: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة، فالعامة هم أهل الشريعة، والخاصة هم أهل الحقيقة، وخاصة الخاصة هم أهل التحقيق.
فالعامة هم الذين لهم الشريعة والتكاليف والأوامر والنواهي والطاعات والمعاصي، أما أهل الحقيقة فليس عندهم معاص، بل كل ما يصدر منهم طاعات؛ لأنهم ارتقوا درجة، ومرتبتهم أعلى من مرتبة العامة، ومن العامة عندهم جميع الأنبياء والمرسلين.
أما أهل التحقيق -خاصة الخاصة- فما عندهم طاعات ولا معاص؛ لأنهم وصلوا إلى القول بوحدة الوجود، والعياذ بالله.
стр. 122
توحيد العامة
فتوحيد العامة عند الصوفية هو الذي يصح بالشواهد، وهو الذي ينفي الشرك الأعظم، والشواهد هي الأدلة والآيات والبراهين، وهذه الأدلة نوعان: أدلة عقلية أو عيانية أو حسية، وهي ما يشاهده الإنسان ويحسه ويعقله، كالشمس والقمر والليل والنهار والسماوات والأرضين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [يونس:٣]، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فهذه كلها شواهد وأدلة على وحدانية الله.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد والنوع الثاني: الآيات القرآنية التي أرشد الله بها العباد، فالله تعالى قد أرشد العباد إلى الأدلة العقلية.
فقالوا: هذا التوحيد العام الذي يصح بالشواهد، وهو الذي ينفي الشرك الأعظم، وهذه الشواهد والأدلة عقلية وشرعية، فهؤلاء الموحدون هم العامة الذين يحتاجون إلى دليل، أما الخاصة فلا يحتاجون إلى أدلة على التوحيد كما سيأتي، ومن العامة عندهم جميع الأنبياء والمرسلين.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الأنواع الثلاثة، وقال تعليقاً على قولهم: (توحيد العامة): هذا التوحيد الذي يسموه توحيد العامة هو توحيد الأنبياء والمرسلين، وأكمل الناس في هذا التوحيد هم الأنبياء والمرسلون، وأكملهم -أي: الرسل- أولو العزم الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فإنهما قاما بهذا التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفة وحالاً ودعوة للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من التوحيد الذي جاءت به الرسل ودعت إليه، وإذا كان هذا هو توحيد العامة فهنيئاً للعامة أن يكون توحيدهم توحيد الأنبياء والمرسلين.
ويقول الصوفية: إن هذا التوحيد -توحيد العامة- هو الذي ينفي الشرك الأعظم، وهذا يدل على كماله وشرفه، فقد قامت عليه الشواهد، ونادت عليه الأدلة، وهو ينفي الشرك الأعظم عن الله ، فيكون العبد مخلصاً لله ، فلظهور هذا التوحيد ووضوحه وانجلائه وشهادة العقول والفطر له بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فهو واضح لا لبس فيه، قامت عليه الأدلة، والشواهد والبراهين أثبتته، ونادت عليه، وأوضحته وبينته وقررته، وجاء به الأنبياء والمرسلون، ونفى الشرك الأعظم، وما عداه فإنه لا يقوم على الوضوح والبيان، وإنما يقوم على الرموز والإشارات والتعقيد.
стр. 123
توحيد الخاصة
يقول الصوفية: إن النوع الثاني من التوحيد هو توحيد الخاصة، وهو الذين يثبت بالحقائق، وأما توحيد العامة فهو الذي يصح بالشواهد، وعندهم الثبوت أقوى من الصحة، والحقائق أقوى من الشواهد، والحقيقة أنه لا شواهد ولا أدلة على توحيد الخاصة، وإنما يقوم على رموز وإشارات وأمور خفية، والحقائق أمور اصطلاحية خاصة بهم تسمى: الكشف والقبض والبسط والمعاينة والاتصال والانفصال، وغير ذلك من الاصطلاحات التي اصطلحوا عليها، ولا يعرفها غيرهم، وهي أمور خفية ليست ظاهرة.
وقالوا في تعريف توحيد الخاصة: هو إسقاط الأسباب الظاهرة، والصعود عن منازعة العقول، وعن التعلق بالشواهد، وهو: ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، فيكون مشاهداً سبق الحق بحكمه وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها، وتعليقه إياها بأحايينها، وإخفائه إياها في رسومها، ويتحقق معرفة العلل، ويسلك سبيل إسقاط الحدث، هذا هو توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجلب إلى توحيد أرباب الجمع.
إذاً: توحيد الخاصة عندهم هو إسقاط الأسباب الظاهرة، فتبطل الأسباب كلها، وليس هناك أسباب، والأسباب الظاهرة يحتمل أن يريدوا بها التي جعلها الله أسباباً، وجعل فيها قوى وطبائع، كالإحراق للنار، والقطع للسكين، والأكل سبب في الشبع، والشرب سبب في الري، والعين سبب في الإبصار، والأذن سبب في الاستماع، فهم يقولون: ليس هناك سبب، وتسقط الأسباب الظاهرة كلها، فليست النار فيها قوة الإحراق، ولا السكين فيها قوة القطع، ولا الأكل فيه قوة الشبع، ولا الشرب فيه قوة الري، ولا العين فيها قوة الإبصار، ولا الأذن فيها قوة الاستماع، ولا الكسر فيه قوة الانكسار، ولا العلم فيه قوة الاستدلال، هذه كلها ليست أسباباً.
فإذا قيل لهم: كيف ذلك، فنحن إذا أشعلنا النار أحرقت، وإذا أجرينا السكين قطعت؟! قالوا: إن الله يوجد هذه الأشياء عند ملاقاتها لا بها، فالله تعالى يوجد الإحراق عند إشعال النار لا بالنار، ويوجد القطع عند إجراء السكين لا بالسكين، ويوجد الإبصار عند فتح العين لا بالعين، ويوجد الاستماع عند فتح الأذن لا بالأذن، ويوجد الاستدلال عند العلم لا بالعلم، حتى قالوا: إن المؤثر هو الله فقط؛ لأن موجتهم موجة متوسطة، فهم يريدون أن يصلوا إلى القول بوحدة الوجود.
ويحتمل أن يريدوا بالأسباب أعمال العباد، فليست أعمال العباد من الطاعات والمعاصي سبباً في دخول الجنة، وليست المعاصي سبباً في دخول النار، وإنما دخول الجنة بمشيئة الله من دون حكمة، ودخول النار بمشيئة الله، هكذا يقولون، ولا شك في أن هذا مخالفة للنصوص، فالله تعالى يقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢])) [المائدة:١٠٥]، والله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها، فالمسببات مربوطة بأسبابها في الدنيا والآخرة، واقتضت حكمة الله وإرادته أن يربط الأسباب بالمسببات، فإذا كانوا يسقطون الأسباب الظاهرة فهذا مخالفة للمشروع ومخالفة للعقل، وإن كانوا يريدون بالأسباب الطاعات والمعاصي، فليست أسباباً في دخول الجنة ولا دخول النار، فهذا -أيضاً- مخالف للنصوص الشرعية.
وقالوا: (الأسباب الظاهرة) احترازاً من الأسباب الباطنة؛ لأنهم لو قالوا بإسقاط الأسباب الباطنة لوقعوا في الكفر؛ فإن الإيمان من الأسباب الباطنة، وهو سبب في دخول الجنة، والتوحيد سبب من الأسباب الباطنة، فمن قال: إنه ليس سبباً في دخول الجنة فقد انسلخ من الدين والإسلام، وخلع ربقة الإيمان، لكن قالوا: الأسباب الظاهرة.
وعلى كل حال فالأمر خطير، وإسقاط الأسباب -سواء أكانت الأسباب العادية، أم كانت الطاعات والمعاصي -من الخطورة بمكان.
والصعود عن منازعة العقول يعني أن لا تنازع بمعقولك ما جاءت به الرسل، وهذا ظاهره لا بأس به، وما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعة العقول الذين ينازعون بمعقولهم ما جاءت به الرسل في إثبات ما أثبتوه، ونفي ما نفوه، وإيجاب ما أوجبوه، وتحريم ما حرموه.
والصعود عن التعلق بالشواهد معناه ألا تتعلق بأي دليل، وألغ الأدلة كلها، فليس هناك دليل على التوحيد، وليس هناك أدلة على وجود الله.
فتوحيدهم ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، أي: لا يرى على التوحيد أي دليل، فيكون توحيدهم توحيداً غامضاً ليس عليه دليل عقلي ولا شرعي، ولا يرى في التوكل سبباً، بل يلغي الأسباب، ويتوكل على الله، ويعتمد على الله من دون سبب، بل إنهم يقولون: إن هذه علل في مقامات الخاصة، فلا يكن مع التوكل شيء، بل يكفي أن تفوض أمرك إلى الله من دون أن تفعل شيئاً.
بل قالوا: إن التوكل من مقامات العامة، والتوكل فيه علل، وهي أن المتوكل يشهد متوكِلاً، ومتوكَلاً عليه، ومتوكلاً فيه، ويشهد نفس توكله، وهذا عمل في طريق الخاصة، المتوكل على الله عنده أربع علل لابد من أن يبيحها: العلة الأولى: أنه يشهد نفسه متوكلاً.
والعلة الثانية: يشهد المتوكل عليه، وهو الله.
والعلة الثالثة: يشهد متوكلاً فيه، وهو الأمر الذي يتوكل على الله فيه.
والعلة الرابعة: يشهد نفس توكله، وهذه كلها علل في طريق الخاصة تعميهم وترجعهم إلى الإسلام، فلابد من إزالتها، ولذا يبطلون التوكل.
كما أن الخوف من الله فيه علل، والرجاء علة عند الخاصة من الصوفية لابد من أن يزال، ويقولون: ليس في الرجاء إلا فائدة واحدة، وهي أنه يبدد حرارة الخوف فقط، وإلا فهو علة يجب إزالتها، والدعاء كلك، وهكذا.
فهذه كلها من مقامات العامة: الدعاء والتوكل والرجاء والخوف والصلاة والصيام والزكاة والحج، ومن العامة جميع الأنبياء والرسل، أما الخاصة فلابد من أن يزيلوا هذه العلل من طريقهم إلى الله بزعمهم، ولهذا قال: وهو ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، فلا يرى على التوحيد أي دليل عقلي ولا شرعي، ولا يرى سبباً مع التوكل، ولا يرى في النجاة من النار وسيلة، فالأعمال الصالحة ليست وسيلة في النجاة من النار، بل النجاة من النار بالمشيئة المحضة، ودخول الجنة بالمشيئة المحضة.
وليس لله حكمة في ذلك، وليس في الأشياء قوى ولا طبائع ولا غرائز ولا أسباب ولا علل ولا حكم، وليس هناك إلا المشيئة الإلهية، ويقولون: المشيئة الإلهية تخبط خبط عشواء، فتجمع بين المتفرقات، وتفرق بين المتماثلات، فعن المشيئة الإلهية يصدر كل حادث، ويصدر مع الحادث حادث آخر مرتبط به ارتباطاً عادياً، لا أن أحدهما سبب في الآخر، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا هو منهج الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان.
وعلى هذا فكل الشرائع عبث لا قيمة لها، والكتب السماوية عبث لا قيمة لها؛ لأن الأعمال ليست سبباً في دخول الجنة، ولا في النجاة من النار، وإذا كانت الأعمال الصالحة ليست سبباً في دخول الجنة، وكذلك الأعمال السيئة ليست سبباً في دخول النار؛ فما الفائدة من الشرائع؟! وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين، ولجميع أديان الرسل، وهم في خاصة أنفسهم لا يستطيعون طرد هذا المذهب، بل يفعلون الأسباب، فيأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون وينكحون ويبذرون ويزرعون، وهذه كلها أسباب فطر الله الخلق على فعلها، وفطر الله الخلق على بطلان هذا المذهب الخبيث، ولو طردوا مذهبهم لما أكلوا؛ لأن الأكل سبب، وحينئذٍ يقال للواحد منهم: اجلس حتى يأتي إنسان فيفتح فمك ويضع فيه الأكل، ولا تشرب، ولا تبع ولا تشتر، ولا تتزوج، ولا تبذر، ولا تزرع، ولا تطالب بحقك إذا أخذ أو ضربت؛ لأن هذه كلها أسباب، والواقع أنهم يعملون بالأسباب في أمور الدنيا، لكن في أمور الدين يبطلونها.
فهذه طريقة المتوسطة، ولهذا يقول: وهو ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة.
إذاً: فماذا يعمل إذا كان التوحيد ليس عليه دليل، والتوكل ليس معه أسباب، وليس هناك وسيلة للنجاة من النار؟! يقولون: يكفيه مشاهدة الله فقط، فيكون مشاهداً سبق الحق لحكمه وعلمه، والحق هو الله، والله تعالى علم الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وقدر وجودها في أوقاتها المحددة فيكفي أن تشاهد سبق الله بحكمه وعلمه بالأشياء، ووضعه الأشياء مواضعها، واخفائه إياها في رسومها، وتعليقه إياها بأحايينها، أي أن كل شيء معلق بأحايين هي الأزمان، فكل شيء له زمن وله مكان وله مادة تحمله، فيكفيك أن تشاهد أن الله سبق بحكمه وعلمه الأشياء، وأن كل شيء له زمن محدد، ومكان محدد، ومادة محدودة، فتكون مشاهداً سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها، وتعليقه إياها في أحايينها، وإخفائه إياها في رسومها، وهي هذه المادة الحاملة للشيء، ومادام أن كل شيء مكتوب الآن، وأن الله تعالى سبق علمه وحكمه بكل شيء، وأن هذا الشيء يقع في المكان المعين، وأخفاه في المادة المعينة، وهذا يدخل النار، وهذا يخرج من النار، وكل شيء محسوب؛ فلا حاجة إلى العمل، ولا إلى الأسباب، ولا إلى الغرائز، ولا إلى الطبائع، ولا إلى الاستناد على التوحيد، بل يكفيك أن تشاهد سبق الحق بحكمه وعلمه، وفي هذه الحالة تتحقق معرفة العلل، وهي العلل التي تكون حجر عثرة في طريقك إلى الله، فتحققها إذا وصلت إلى هذه الحالة، فتكون الأعمال كلها حجر عثرة، فالصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء هذه كلها أسباب تلغيها؛ لأنها حجر عثرة، فكل هذه علل في طريق الخاصة، فإذا عرفت العلل التي تقف في طريقك إلى الله، وتقف في طريق السالك والعارف إلى الله؛ تحققت معرفة العلل، وفي هذه الحالة تسلك سبيل إسقاط الحدث، وتمشي حتى تبحث فتسقط الحدث، والحدث هو كل ما سوى الله فأنت تسلك سبيل إسقاط المحدثات، وهي المخلوقات، وسبيل إسقاط الحدث هذا هو توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء، وهو أن يفنى ويغيب بالله عن المخلوقات فلايتناساها من الوجود، بل يتناسها من الشهود فلا يشهدها، فإذا وصل إلى المرتبة الثالثة التي هي مرتبة أهل وحدة الوجود يتناسها من الوجود وينكرها، لكن هو في طريقة متوسطة، فيغيب بالله عن المخلوقات فيتناساها ولا يشهدها، حتى لا تشوش عليه سيره إلى الله.
هذا طريق أهل المعرفة وأهل الحقيقة عندهم، وهذا هو
стр. 124
توحيد خاصة الخاصة
النوع الثالث من أنواع التوحيد: توحيد خاصة الخاصة، ويسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وهو التوحيد القائم بالقديم، أي: قائم بالله، وهو توحيد اختصه الحق بنفسه، واستحقه بقدره، أي: لا يوحده به غيره، فالتوحيد هو كلامه وصفته القائمة، كقوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ [الحشر:٢٢]، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤].
واستحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره، وألاح منه لائحاً إلى أفراد طائفة من أهل خاصته، أي: أظهر منه شيئاً يسيراً إلى طائفة قليلة من الخلق هم أهل خاصته، وأخرصهم عن نعته، بمعنى أنه لا يقبل نعت المخلوقين له، كما لا يقبل لسان الأخرص الكلام، أو أن الله أسكتهم عنه غيرة وصيانة له.
وأعجزهم عن بثه، أي: أعجزهم عن الإخبار به والبيان، فما هو هذا التوحيد؟! إنه توحيد أسره إلى طائفة من الخلق، وهم الذين حل بهم، والعياذ بالله، وهم طائفة قليلة هم أهل الحلول، أسر إليهم شيئاً من التوحيد، ومع ذلك أخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثه، أي: لم يمكنهم من الكلام به.
فما هذا الكلام الذي يدندن حوله هؤلاء الصوفية؟! وما هو التوحيد الذي لا يتكلم به الإنسان؟! إن الإنسان يتكلم إذا أعطاه الله القدرة على الكلام، وإن كان الناس يتفاوتون في البيان والإيضاح، لكن كل ما علمه القلب أمكن التعبير عنه باللسان وإن اختلفت العبارة وضوحاً وخفاء، ولهذا يقول الهروي في بيان توحيد خاصة الخاصة: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد فقوله: (ما وحد الواحد من واحد) يعني: ما وحد الله أحد سواه؛ لأن التوحيد الحقيقي هو الذي يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده، بخلاف العبد إذا وحد الله، فيكون توحيده تثنية ظاهرة، حيث يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذا الشرك عندهم، فالتوحيد الحقيقي هو الذي يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده، والذي تتلاشى فيه الأقوال، وتضمحل فيه الرسوم، والعبد المخلوق حينما يوحد ربه يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذا ليس بدقيق، بل التوحيد هو الذي تتلاشى فيه الرسوم، وتضمحل فيه الأكوان، ولا يبقى شيء إلا الله، وهذا حينما يكون الرب هو الذي يوحد نفسه بنفسه، فهو الموحِد وهو الموحَد، فقوله: (ما وحد الواحد من واحد) (من) زائدة، أي: ما وحد الواحد أحد من الخلق.
وقوله: (إذ كل من وحده جاحد) معناه أن كل من وحد الله من الخلق جاحد بحقيقة توحيده؛ فإن حقيقة التوحيد تتضمن شهود نفي الواحد وانفراده، وإذا وحد واحد من الخلق يكون توحيده تثنية.
ثم أن كل من وحد الله من الخلق فقد وصفه بالصفات، وهذا جحود للتوحيد الذي هو عدم انحصار في الأوصاف، إذ لا يحتاج إلى وصف؛ فهو كل شيء، فإذا وحده فمعناه أنه وصفه بوصف، وحصره بوصف، وهذا شرك وليس بتوحيد، فالتوحيد يتضمن عدم انحصاره تحت الأوصاف، ولهذا قال: ما وحد الله من واحد إذ كل من وحده جاحد فكل من وحد من الخلق جاحد لحقيقة توحيده؛ لأنه يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذه تثنية، ولأنه وصفه فجعله محصوراً، وهو لا يدخل تحت الأوصاف.
وقوله: (توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد) أي: كل من ينطق من البشر بنعت الله فنطقه ونعته عارية استعارها من الله، وهي مردودة على صاحبها كما تسترد العواري، وهذه العارية ترده إلى مالكها الحق وهو الله! فهذا التوحيد عارية أعارك الله إياها، ووحدة الله المطلقة من جميع الوجوه تبطل هذه العارية وتردها إلى مالكها الحق وهو الله، فيسقط المخلوق.
وقوله: (توحيده إياه توحيده) يعني: توحيده الحقيقي هو توحيد نفسه لنفسه، هذا هو التوحيد، فتوحيده إياه توحيد حقيقي، وهو توحيده لنفسه بنفسه، فلا تثنية، ولا تعدد، فهو الموحِد وهو الموحَد، ولا رسم ولا شرح ولا مكون ولا مخلوق.
وقوله: (ونعت من ينعته لاحد) يعني: كل من ينعت الله فهو ملحد؛ لأنه أسند إلى ما لا يقوم به إسناده، ووصفه بما لا يليق به وصفه؛ فإن عين الأولية في الله تأبى نطق الحدث، فالله هو الأول، فعين الأولية تأبى أن ينطق كل مخلوق بما ينطق، فإذا نطق يكون ملحداً.
ومحض التوحيد عند هؤلاء الملاحدة يأبى أن يكون للسوى أثر البتة، أي: ما سوى الله، فمحض التوحيد يأبى أن يكون للسوى أثر، فمحض التوحيد عند هؤلاء الملاحدة هو القول بوحدة الوجود، فهذه الأبيات تقرر مذهب وحدة الوجود لخاصة الخاصة، حيث قال: ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد فهؤلاء هم خاصة الخاصة يسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وليس عندهم طاعات ولا معاص ولا عمل، فالوجود عندهم واحد.
فالصوفية يقسمون الناس إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: العامة، ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين، وهؤلاء يسمونهم: أهل الشريعة، فلهم طاعات ولهم معاص، ويحرم عليهم الشرك، ويجب عليهم أن يوحدوا الله، ويخلصوا له العبادة، ويأتمروا بالأوامر وينتهون عن النواهي.
الطائفة الثانية: أهل الحقيقة الخاصة، وهؤلاء قد ارتفعوا دريجة -كما ذكر العلامة ابن القيم - فصارت المعاصي كلها في حقهم طاعات، وسقطت عنهم التكاليف، واكتفوا بالشهود والنظر إلى ربوبية الله ومشيئته، وشمول قيوميته، وانفراده بخلق الأشياء، وألغوا صفاتهم وأفعالهم وجعلوها صفات لله، فسقطت عنهم التكاليف، فصار جميع ما يصدر منهم طاعات.
ثم يرتفعون درجة أخرى فيصلون إلى الطائفة الثالثة، وهم أهل وحدة الوجود، وهم خاصة الخاصة، ويسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وهؤلاء ليس عندهم طاعات ولا معاص أبداً؛ لأن الوجود واحد، فالعبد هو الرب والرب هو العبد.
إذاً: الصوفية يفنون في توحيد الربوبية حتى يصلوا إلى القول بوحدة الوجود، ولا يسلكون طريق توحيد العبادة والعياذ بالله، كما أن كثيراً من أهل النظر يظن أن توحيد الربوبية هو نفي العبادة، ومن ذلك الصوفية الذين يفنون في توحيد الربوبية، ويرون أن الفناء هو النهاية، وأن الشهود في هذا هو الفناء، وهو نهاية التوحيد، وهذا هو خلاصة التوحيد عند هؤلاء الملاحدة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 125
فناء الصوفية في توحيد الربوبية
إن التصوف منتشر على نطاق واسع في كل زمان ومكان، ولاسيما في هذا الزمان، وهذه الأمور كلها موجودة، ولا تظن أن هذا خيال، بل ذلك موجود في طوائف متعددة، حيث تجد في البلد مائة طريقة، ولكل طريقة شيخ، ويقررون هذا، ويقولون: هذا هو التوحيد، ومن هؤلاء ابن عربي رئيس وحدة الوجود، الذي يسمونه: خاتم الأولياء، وكبير العارفين والمحققين والسالكين إلى الله، وهناك من يقدسه ويعظمه من الناس، وهناك مؤلفات كثيرة لهؤلاء الصوفية، فلابد من معرفة ما يقال، ولابد من معرفة حالهم.
ومن قال: إن أحداً من الناس قد تسقط عنه التكاليف، وعقله معه، وهو ليس صغيراً ولا مخرفاً ولا مجنوناً غير الحائض والنفساء في الصلاة خاصة من قال ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ويفرد بالعبادة، فالله كلف العباد، فكان نبينا ﵊ أشرف الرسل وأشرف الخلق وأعلى الخلق مكاناً عند الله، يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه ﵊، وهو أشرف وأكمل خلق، وأعلى الخلق مقاماً عند الله، فتقول له عائشة ﵂: (لم تصنع هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)، فهو يفعل هذا ﵊ تعبداً لله، وشكراً لله، ولتتأسى به أمته ﵊.
فالرسل أعلى الناس مقاماً ومنزلة عند الله، وهم أطوع الناس لله، وأعرفهم بالله، وأخوفهم من الله، وأكثرهم عبادة وتقوى وخشية لله، ولهذا قال ﵊ لما جاء بعض الناس.
فسألوا عن عبادة رسول الله ﷺ في السر، فأخبروا بأن الرسول ﵊ يصلي بعض الليل وينام بعض الليل، ويصوم بعض الأيام ويفطر بعض الأيام، ويتمتع بما أحل الله له، فيأكل اللحم، وله زوجات، قالوا: أين نحن من رسول الله؟! فرسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فما ندري عن حالنا، فلابد من أن نزيد على ما فعله الرسول، فقال أحدهم: أنا أصلي الليل ولا أنام على فراشي، وقال الآخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم زهداً، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ خطب الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وهؤلاء الملاحدة يرون أن الخاصة تسقط عنهم التكاليف، نسأل الله السلامة والعافية.
فالواجب على طالب العلم أن يعتني بمعرفة توحيد العبادة وتوحيد الربوبية والفرق بينهما، ويعرف ما عليه هؤلاء الملاحدة من الانحراف والضلال حتى لا يقع في الشر، وحتى لا يقع في الشبكة.
وقد كان حذيفة ﵁ يقول: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)، فلابد أن يعرف الإنسان ما عليه هؤلاء من الانحراف عن الصراط المستقيم حتى يَحذر ويُحذِّر؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن هؤلاء الصوفية على الحق والصواب، ويظنون أنهم من كبار العارفين، وبعض الصوفية يغلون في بعض شيوخهم، ويزعمون أن بعض الصوفية لهم تصرف في الكون، حتى قال بعضهم: إن الأبله -وهو ضعيف العقل- قد يكون ولياً من أولياء الله وأنت لا تشعر، وقد يكون قطباً من الأقطاب يتصرف في الكون وأنت لا تشعر، يقول: لا تدري لعل هذا الأبله الذي أظفاره طويلة، وعليه ثياب خلقة مشققة، ويجلس على زبالة، لا لعله ولي يتصرف في الكون، هكذا يقولون ويزعمون، ولقد قال بعضهم: هناك أقطاب وأوتاد يتصرفون في الكون غلواً فيهم، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا شرك في الربوبية أعظم من الشرك في الإلهية.
ومنهم من يزعم أن الرسول ﵊ يحضر حفل الصوفية ويكون معهم ويؤيدهم، ومنهم من يزعم أنه جاء إلى الرسول ومد إليه الكف وأعطاه كذا وكذا، ومنهم من يزعم أن الرسول ﷺ يخبره ببعض الأشياء ويقره على بعض الأشياء، ومنهم من يزعم أن الرسول يأتيه في المنام، وكل هذه أقوال باطلة، فلابد لطالب العلم من أن يكون على بصيرة.
والمقصود أن هؤلاء الصوفية يفنون في توحيد الربوبية، أي: يكتفون بمشاهدة الرب، وبإثبات هذا التوحيد، وإثبات وجود الله، وأن الله تفرد بخلق أشياء ووجودها واختراعها وملكها، وأن ربوبيته وقيوميته وقدرته شاملة لها، ويكفي هذا الشهود، وهذا النظر هو نهاية التوحيد وغايته.
وهؤلاء ألغوا عقولهم، وكلامهم هذا موجود الآن في كتب محققة منقحة في أوراق صقيلة، وهناك من يعتني به، ويعتبر قائليه من كبار العارفين والمحققين، ويعتبر هذا نهاية التوحيد، نسأل الله السلامة والعافية.
وإثبات توحيد الربوبية أثبته عباد الأصنام والأوثان، وهم أحسن منهم في هذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فالتوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
فالتوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، فالله تعالى عرفنا بنفسه وبأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة، فمن حقه أن نعبده ونخصه بالعبادة، لا أن نكتفي بالشهود، أو نفنى في توحيد الربوبية، ولا يقف عند هذا أحد، وسيأتي الكلام على توحيد العبادة إن شاء الله تعالى.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 126
الأسئلة
стр. 127
عقيدة ابن سينا
السؤال
هل ابن سينا كافر أم أنه رجع عن الفلسفة في آخر حياته؟
الجواب
ابن سينا من الفلاسفة المتأخرين، ويسمونه المعلم الثالث، والمعلم الأول أرسطو، والمعلم الثاني الفارابي، وأرسطو هو أول من ابتدع القول بقدم العالم، وخالف الفلاسفة الذين قبله، وكان الفلاسفة والأساطين قبل أرسطو يعظمون الشرائع والإلهيات، ويثبتون وجود الله، وأن الله فوق العرش، وأن العالم حادث خلقه الله، ومنهم أفلاطون شيخ أرسطو، فلما جاء أرسطو ابتدع قولاً عظيماً، ابتدع القول بأن العالم قديم كقدم الله، لم يخلقه الله بمشيئته وقدرته، ولم يثبت وجوداً لله إلا من جهة كونه مبدأً عقلياً للكثرة، وعلة غائية لحركة الفلك فقط، يقول: مبدأ الكثرة هو الله، وهو الذي يحرك الفلك، ثم جاء الفارابي -وهو أول من وضع علم صروف المنطق- وتوسع في علم المنطق، وصاروا يسمونه المعلم الأول، ولم يثبت وجوداً لله ولا للملائكة، ولا للكتب، ولا للرسل، ولا لليوم الآخر، ولا للقدر، ثم جاء أبو علي بن سينا -ويسمونه المعلم الثالث- فحاول أن يجمع بين الفلسفة والإسلام، وأن يقرب الإسلام من الفلسفة، لكن في محاولته الشديدة لم يصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم، فالجهمية الغالية في التجهم أحسن حالاً منه وأصح مذهباً، مع أن غالب الجهمية الغالية في التجهم لا يثبتون شيئاً من الأسماء والصفات، فلما جاء ابن سينا أثبت وجودين، فقال: هناك وجودان: وجود واجب ووجود ممكن، فالوجود الواجب هو وجود الله، والوجود الممكن هو وجود المخلوق، لكن الواجب ليس له اسم ولا صفة ولا علم ولا قدرة ولا سمع، ولا خلق الخلق بقدرته، بل وجوده مطلق في الذهن، وهذا من محاولته في التقريب إلى الإسلام.
أما الفارابي وأرسطو فما أثبتا أي شيء أبداً، لكن ابن سينا حاول التقريب، ولذلك أثبت الملائكة على أنهم أشكال نورانية، وليسوا ذواتاً تصعد وتنزل، بل هم أشكال نورانية، وأثبت الإسلام على أنه عبارة عن أمور معنوية، أو هو القوى العقلية التي تبعث الخير، والكتب هي فيض معنى يسير من العقل الفعال على رجل عبقري، والرسول رجل عبقري توافرت فيه قوة الإدراك والتخييل والتأثير، وهذه الصفات يمكن أن يحصل عليها الإنسان المران والخبرة والكسب، وليست هبة من الله، بل هناك أعلى منها، فالفلسفة عنده أعلى منها، وكثير من الفلاسفة لا يرضى بالنبوة، ويقول: النبوة منزلة ليست عالية، بل هي منزلة هابطة، وهناك ما هو أعلى منها، وهو الفلسفة، فالنبوة فلسفة العامة، والفلسفة نبوة خاصة، والنبوة الخاصة أعلى من العامة، ولا يثبتون اليوم الآخر ولا البعث ولا النشور ولا الجنة ولا النار، ولا الشرائع، فليس هناك حلال ولا حرام، والرسل أمثال مضروبة لتهذيب العوام، والرسول رجل عبقري يفهم الناس، فيقول: هناك جنة ونار، وبعث وحساب حتى يعيش الناس بسلام، ولا يعلو أحد على أحد، وإلا فإن الواقع أنه لا يوجد جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور! هذا مذهب ابن سينا.
ويسميه ابن القيم (إمام الملحدين) كما في إغاثة اللهفان في الجزء الثاني، وله كتاب (الإشارات)، كله إلحاد وزندقة، ونصير الدين الطوسي الذي تسبب في جلب التتار إلى بلاد المسلمين وسقوط بغداد أخذ كتاب (الإشارات) لـ ابن سينا وأراد أن يلغي القرآن، فحين لم يوافقه الناس قال: هذا قرآن الخواص -يعني كتاب ابن سينا - وهذا قرآن العوام! وحاول أن يختصر الصلوات الخمس إلى صلاتين، نسأل الله السلامة والعافية.
ويقول ابن سينا عن نفسه: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي، ودعوة الحاكم العبيدي رافضي خبيث، لا يؤمن بالله، ولا بملائكته، ولا بكتبه، ولا برسله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقدر.
وبعض الناس يغتر فيقول: ابن سينا الفيلسوف الإسلامي! ويعتز به، وقد سميت باسمه مدارس ومؤلفات، صحيح أنه طبيب، وله كتاب القانون، فيه شيء من الطب وشيء من الصيدلة، لكن لا ينبغي أن يسمى باسم هذا الملحد، فهو ملحد ليس من الإسلام في شيء، لكن بعض الناس وبعض الأدباء وبعض المذيعين لا يعرفون حاله، فيعتزون به ويقولون: فلاسفة الإسلام الفارابي وابن سينا نعتز بهم! وهؤلاء ملاحدة زنادقة ليسوا من الإسلام في شيء.
أما كونه رجع عن الفلسفة فلا ندري به، لكن كتبه ومؤلفاته في إنكار البعث موجودة، حيث ويقول: إن البعث للأرواح.
وله كتاب (النجاة)، وإذا ثبت أنه رجع ووجد ذلك في كتاب وعرف تأريخه فلا بأس، وما يذكره بعض الناس في ذلك احتمالات تحتاج إلى دليل، فهذه مؤلفاته وهذا هو اعتقاده، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 128
الرد على مدعي اندثار فرق الضلال
السؤال
ما رأيك فيمن يقول: لماذا تدرسون أقوال المعتزلة والخوارج وغيرهما من الفرق مع أنها فرق قديمة مندثرة؟
الجواب
ليست مندثرة، ومن قال ذلك؟! بل امتلأت الأرض بهم، فالجهمية موجودة، وقد قال بعض الطلاب: إن بعض المدرسين يقول: ما أدري الله في السماء أو في الأرض! وهذا جهمي، فمن يقول: إنهم انقرضوا؟! فالأرض مليئهم بهم، وفي كل مكان جهمية ومعتزلة والأشاعرة.
стр. 129
حكم الصلاة خلف مبتدع ينكر النزول
السؤال
صليت في مسجد عدة مرات، وسمعت من بعض الإخوة أن إمام هذا المسجد ينكر النزول، فما حكم منكر ذلك، وما حكم الصلاة خلفه؟
الجواب
يحتاج إلى قيام الحجة عليه، ويمكن أن يكون جاهلاً لا يدري، فإذا كان ما يفعله مكفراً فلا تصح الصلاة خلفه، ويحتاج إلى قيام الحجة عليه، ونصوص النزول متواترة.
والقاعدة أنه إذا كان الإمام الذي تصلي خلفه قد فعل مكفراً وقامت عليه الحجة، فلا تصح الصلاة خلفه، وإن كان فعله بدعة أو فسقاً فقد قال بعض العلماء: تعاد الصلاة، وقال آخرون: لا تعاد، والصواب أنك لا تعيد، فإذا أعاد المرء على قول بعض العلماء فذلك حسن، لكن الصواب أنه لا يعيد إلا إذا كان الإمام قد فعل مكفراً.
стр. 130
حكم قول (إني اعبد الله حباً له)
السؤال
ما رأيكم في قول بعضهم: إني أعبد الله لا رجاء في جنته ولا خوفاً من ناره، ولكن حباً له؟
الجواب
هذا قول الصوفية الملاحدة الزنادقة، وهذه العبارة مكتوبة في كتب الوعظ مثل كتب ابن الجوزي وغيرها، والبعض يقرؤها على الناس في المساجد.
فبعضهم ينقلها من كتب بعضهم، ويقرأ هذا على الناس في رمضان وفي غيره، وينسبون هذا الكلام إلى رابعة العدوية، وهو أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه.
تقول: أنا إذا عبدت الله خوفاً ورجاء فمعنى ذلك أنني أنفع نفسي فقط، وإنما أعبده حباً لذاته وشوقاً إليه، حتى قال بعض الصوفية: أنا أعبد الله، ولا أبالي أوضعني في النار أو في الجنة! بل بعضهم يفضل أن يجعل في النار على أن يجعل في الجنة، يقول: لأن نفسه تميل إليها ليتمتع، أما النار فهو بها يعاكس مراده، وهو يحب النار! نسأل الله السلامة العافية.
فهذه المقالة مقالة الملاحدة والزنادقة، والعبادة لا تكون إلا بالحب والخوف والرجاء، فلابد من أن يعبد الإنسان ربه حباً وخوفاً ورجاء، كما أخبر الله تعالى بذلك عن أنبيائه ورسله الذين هم أفضل وأخص الناس وأعرفهم بالله، فلما ذكر إبراهيم ﵊، وإسحاق، ويعقوب، ونوحاً، وداود، وسليمان، وأيوب، وزكريا، وعيسى، واليسع، وذا الكفل، قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، فقوله: ((رَغَبًا)) هذا الرجاء، ((وَرَهَبًا)) هذا الخوف، فكانوا يعبدون الله خوفاً ورجاء وهم أشرف الخلق.
وقال في وصف عباده المتقين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
فلا تتم العبادة إلا بالحب والخوف والرجاء، ولهذا يقول العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري من الخوراج، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
وبعض الصوفية له كلام شنيع، يقول: إذا كان يوم القيامة فسوف ينصب خيمته على النار، ويمنع أصحابه وأصدقاءه من دخول الجنة، وهذا كلام -والعياذ بالله- كفري، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 131
نظرة في بيت النشيد (أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى)
السؤال
ما رأيكم في هذا البيت الذي ينشد: أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى وهل في ذلك إنكار الرؤية؟
الجواب
هذا مثل ما قال البلقيني عن الكشاف: استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش.
ومن ذلك أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران:١٨٥] قال: أي فوز أعظم من الجنة؟! وقصده بذلك إنكار الرؤية؛ لأن الرؤية أعظم أعلى نعيم يعطاه أهل الجنة؛ فلذا أقول: لا ينبغي قراءة هذا النشيد.
стр. 132
حقيقة الفناء عن مراد السوي
السؤال
ذكرتم أن القسم الثالث من فناء الصوفية: هو أن يقدم رضى الله على رضى النفس، ومراد الله على مراد النفس والناس، أليس هذا علم التوحيد، ومنهج الرسل والأنبياء؟!
الجواب
هذا النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن مراد السوى، وهو أن يفنى بمراد ربه عنه عن مراده هو، وهذا فناء خواص الأولياء والمقربين، وأكمل الناس في هذا الفناء توحيداً هم الأنبياء والرسل، لكن تسميته فناء من باب المقابلة، فالمعنى: أن يقدم محبة الله على محبته نفسه، ويقدم مراد الله على مراد نفسه، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان في العقل اتحاد صحيح فهو هذا.
وتسميته فناء من باب المقابلة للأقسام الأخرى، وإلا فإن أصل الفناء معناه أن تفني مادة في مادة، فإذا وضعت الدقيق في الماء فقد أفنيت الدقيق في الماء، وهذا الفناء هو فناء خواص الأولياء والمقربين، فخواص المؤمنين يقدمون مراد الله على مراد النفس ومراد الناس.
стр. 133
حكم الصلاة خلف إمام أشعري
السؤال
هل تجوز الصلاة خلف إمام أشعري؟
الجواب
هذه مسألة خلافية، وهي مسألة الصلاة خلف الفاسق أو المبتدع هل تصح أو لا تصح؟ فبعض العلماء يرى أن الصلاة غير الصحيحة، فإذا صلى خلف المبتدع أو الفاسق فإنه يعيدها، وقال بعضهم: يصلي خلفه نفلاً ثم يعيدها، وذهب آخرون إلى أنها تصح، وهو الصواب، بشرط أن تكون بدعته أو فسقه لا تصل إلى الكفر، أما إذا كانت بدعته أو فسقه موصلة إلى الكفر فإن صلاته لا تصح، فإذا كان وثنياً يدعو غير الله ويذبح للأولياء وللصالحين، أو حلولياً أو اتحادياً لا تصح الصلاة خلفه، والدليل على ذلك أن الصحابة صلوا خلف الحجاج، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، ولما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم -يعني الأئمة- فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)، لكن إذا وجدت غير الفاسق لا تصل خلف الفاسق، ولا ينبغي أن يكون إماماً للناس وهو فاسق أو مبتدع، وإذا وجد فاسق أو مبتدع يصلي بالناس فإنه يجب أن يرفع به إلى ولاة الأمور حتى يعزل ويعين مكانه إمام من أهل السنة والجماعة سلفي المعتقد، لا أشعري، ولا فاسق، بل عدل، لكن إذا بليت به وصليت خلفه فصلاتك صحيحة، أو لم تجد جماعة إلا جماعته فإنك تصلي خلفه، وإذا وجدت غيره فلا تصل خلفه، وصل خلف غيره، وإذا صليت خلفه فمعناه أنك أقررته على المنكر، ولهذا يقول العلماء: من صلى خلف فاسق وهو يجد غيره فإنه ما أنكر عليه المنكر، وأقل إنكار المنكر أنك لا تصلي خلفه، فإذا كنت لا تنكر المنكر باللسان فأقل شيء ألا تصلي خلفه، لكن لو صليت خلفه فالصلاة صحيحة في أصح قولي العلماء، بشرط ألا تكون هذه البدعة أو الفسق موصلة إلى الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، أما إذا كانت البدعة أو الفسق توصله إلى الشرك الأكبر فلا تصح الصلاة، وإذا صلى أمرؤ خلفه يجب عليه إعادتها، كما لو صلى خلف من يدعو غير الله، أو صلى خلف من يذبح للأولياء، أو يطلب المدد منهم، أو ينذر للصالحين، أو ينكر وجود الله، أو يقول: إن الله حال في المخلوقات، أو: إن الله متحد في المخلوقات، فهذا لا يصلى خلفه، وإذا صلى امرؤ خلفه أعاد الصلاة.
стр. 134
غلو المحذرين من كتب ابن حجر والنووي
السؤال
ما رأيكم فيمن يحذر الناس من كتب ابن حجر والنووي؛ لأن فيها شيئاً من التعطيل، بل ربما أمر بإحراقها ووصفهما بأنهما من أهل البدع؟
الجواب
هؤلاء -والعياذ بالله- عندهم غلو، وهؤلاء مخطئون خطأ عظيماً كبيراً، فكتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر كتاب عظيم، مازال العلماء في كل عصر ومصر بعده ينهلون من معينه، فهو من أعظم الكتب، وأما الأخطاء التي في العقيدة فيمكن تلافيها بأن ينبه عليها، ومازال العلماء ينبهون عليها، وهم لم يتعمدوها، فهم علماء كبار أجلاء نرجو أن يغفر الله لهم، فهذا ما نشئوا عليه، فصاروا يؤولون في بعض الصفات، لكن ليس معنى ذلك أن يهجر الكتاب، فهو كتاب عظيم.
وكذلك النووي في شرحه لـ مسلم سلك هذا المسلك في الصفات، لكنه كتاب عظيم في معاني الأحاديث والاستنباطات والأحكام الفقهية.
فكيف يهجر ما في هذه الكتب من العلم من أجل أشياء يسيرة يمكن تلافيها ويمكن التنبيه عليها؟! إن هذا غلط كبير، وهؤلاء الذين يفعلون ذلك يوصفون بالجهل والسفه، أما الأخطاء فليس هناك أحد يسلم منها، وليس هناك كتاب معصوم إلا كتاب الله ، فالغلط ينبه عليه وتؤخذ الفائدة، أما لو كان الكتاب أكثره فيه أغلاط وفيه أخطاء وأخطار عظيمة -مثل كتاب الزمخشري الكشاف، وكتاب مفاتيح الغيب للرازي - فإنه يؤثر على المبتدئ، فلا ينبغي للإنسان أن يقرأ الكشاف، ولا أن يقرأ مفاتيح الغيب؛ لأنه يدعوك إلى القول بالحلول وإنكار وجود الله وتعلم السحر، ولا يصلح أن يقرأ هذين إلا طالب العلم الذي عنده بصيرة.
أما كتاب (فتح الباري) للحافظ ابن حجر فهو كتاب عظيم نفع الأمة، فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له، وقد مكث في شرحه سبعة عشر عاماً، وهو من أحسن الكتب، ولا يستغني عنه طالب العلم، وكذلك النووي في شرح صحيح مسلم، فكيف تقال هذه المقالة؟! فتهجر الحسنات العظيمة والعلم العظيم في الكتاب من أجل أخطاء يسيرة في التأويل في الصفات، من يقول هذا؟! هذا لا يقوله إلا سفيه جاهل، والذي يعمل هذا فيحذر الناس أو يحرق الكتابين سفيه جاهل، ويجب أن يؤخذ عليه ويؤدب ويعزر حتى يترك هذا العمل المشين، ويرفع به إلى ولاة الأمور ليرتدع، فيرفع به إلى المحكمة ليرتدع عن هذا العمل بالسجن أو بالضرب، على حسب ما يراه القاضي، فهو يستحق الضرب والتأديب والسجن حتى يتوب من هذا العمل المشين، فكيف يحرق هذين الكتابين العظيمين اللذين تلقتهما الأمة والعلماء بالقبول والاستفادة؟!
стр. 135
الضابط في تكفير أهل البدع
السؤال
أي الفرق نستطيع القول بأنها خرجت من الإسلام؟ وما هو الضابط الشرعي في تكفير هذه الطوائف وغيرها؟
الجواب
الحلولية والجهمية من العلماء من كفرهم بإطلاق، ومنهم من بدعهم بإطلاق، ومنهم من كفر الغلاة دون غيرهم، وعلى كل حال فإن من قال: إن الله حال في شيء من مخلوقاته، أو اتحد بمخلوقاته، وهو يعلم ذلك كافر بإجماع المسلمين لا شك فيه، أما من كان عنده شبهه مثل المعتزلة، فهناك خلاف في تكفيرهم، فمن العلماء من بدعهم، ومنهم من كفرهم، والمشهور تبديعهم، وكذلك الأشاعرة المبتدعة؛ لأن لهم تأويلاً وشبهة، وهناك فرق بين الجاحد والمتأول، فالمتأول لا يكفر، وهذا هو الضابط، فمن كان له تأويل فالأصل أنه لا يكفر، وأما الجاحد عن علم وبصيرة فإنه يكفر.
стр. 136
حقيقة الإيمان
السؤال
هل الإيمان قول وعمل واعتقاد، أم قول واعتقاد، وما حكم الذي يقول: إن الإيمان اعتقاد وقول فقط؟
الجواب
هذا السؤال يحتاج إلى كلام طويل، والخلاصة أن الإيمان عند أهل الحق قول القلب، وقول اللسان، وتصديق القلب، وعمل القلب، وعمل الجوارح، ومرجئة الفقهاء -وهم طائفة من أهل السنة- يقولون: الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وأما الأعمال فليست من الإيمان، لكنها مطلوبة، وأما المرجئة المحضة فيقولون: ليست مطلوبة، فأهل السنة من الأحناف وغيرهم من مرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، لكنها مطلوبة، والواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، لكن لا نسميها إيماناً، فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان، وواجب العمل، أما المرجئة المحضة فقالوا: لا تؤثر الأعمال في الإيمان ولا تضر، وهذا هو الفرق بينهما، والصواب أن الإيمان قول باللسان، وقول بالقلب، وهو التصديق، وعمل القلب وعمل الجوارح، وكلها داخلة في مسمى الإيمان، والنصوص الدالة على هذا كثيرة.
стр. 137
إقرار المشركين بتوحيد الأسماء والصفات
السؤال
ذكرت أن المشركين آمنوا بتوحيد الأسماء والصفات، فكيف نقول في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠]؟
الجواب
قد وجد منهم من جحد بعض الأسماء من باب التعنت والعناد أو من باب الجهل، قال الإمام ابن كثير ﵀: الظاهر أن إنكارهم لصفة الرحمن من باب التعنت والعناد، وإلا فقد وجد في أشعارهم ما يثبت صفة الرحمن، قال الشاعر: (وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق).
وكذلك في صلح الحديبية قالوا: لا نعرف إلا رحمن اليمامة، من باب التعنت، وإلا فالمعروف عنهم إثبات الأسماء والصفات، فإذا وجد شيء -مثل إنكارهم للرحمن- فهو إما جهل وإما من باب التعنت والعناد.
стр. 138
حكم قول (أمره بين الكاف والنون)
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن أمر الله بين الكاف والنون، إذا أراد أمراً فإنما يقول له: (كن) فيكون؟
الجواب
ينبغي أن يقال كما قال الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فهو سبحانه يخلق بكلمة (كن)، أما (بين الكاف والنون) فلا أعرف هذا، إنما يقال: إن الله يخلق بكلمة (كن)، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وهذا هو الذي ينبغي، أما هذه العبارة فلا أعرفها.
стр. 139
حكم قول (الله بالعقل عرفناه)
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: الله بالعقل عرفناه؟
الجواب
عرفناه بالعقل وعرفناه بالفطرة، وعرفناه بالشرع، فالله تعالى فطر الخلق على معرفته وإثبات وجوده، وفطرهم أيضاً على الميل إلى الخير وحب الخير، لحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالله تعالى معروف بالعقل وبالفطرة، وأدلة الشرع أرشدت إلى هذا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
стр. 140
دروس في العقيدة [٧]
توحيد الله تعالى منه ما هو علمي خبري، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ومنه ما هو إرادي طلبي، وهو توحيد الإلهية والعبادة، وهو أعظم أنواع التوحيد، ولأجله خلق الله تعالى العباد، وينافي التوحيدين الشرك بالله تعالى، وهو كائن في الربوبية والإلهية والأسماء والصفات، ولا شيء أقبح منه، ولا ذنب أعظم منه، ولا ظلم مثله، لأنه تنقص لله تعالى، وصرف لخالص حقه عنه إلى غيره، ومن مات عليه فقد حرم الله عليه الجنة.
стр. 141
أهمية توحيد الإلهية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد.
فإن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو توحيد العبادة والألوهية، وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل ما أمر الله به وأمر به رسوله يفعله المؤمن إخلاصاً لله وتعظيماً وخوفاً ورجاءً، وكل ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله يتركه المؤمن خشية لله وإجلالاً وتعظيماً ومحبة ورغبة ورهبة، وهذا التوحيد -أعني توحيد العبادة- هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وهو أول دعوة الرسل، وهو الذي وقعت بسببه الخصومة بين الأنبياء وأممهم في قديم الدهر وحديثه، وهو الذي من أجله خلق الله الجنة والنار، وافترق الناس إلى شقي وسعيد، ولأجله حقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وقامت القيامة، فجدير بالمؤمن أن يعتني بهذا التوحيد، وأن يهتم به، وأن يعرف حقيقته ومعناه حتى يعبد الله على بصيرة؛ فإن الله عرف العباد بنفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله ليعرفوه سبحانه، وليعلموا عظيم حقه وليعبدوه؛ فإن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة لتوحيد العبادة، وتوحيد العبادة هو الغاية التي من أجلها خُلِق الخلق، وهو الغاية المحبوبة لله والمرضية.
وفي توحيد الربوبية اعتراف بأن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر، والاعتراف والإيمان بأسمائه وصفاته، فهو وسيلة إلى أن نعبده، فإذا عرفنا ربنا بصفاته وأفعاله وأسمائه وقضائه وقدره وحكمته خصصناه بالعبادة سبحانه، فتوحيد العبادة المطلوبة المرضية لله هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وهو الذي أنكره المشركون، وكذب فيه الكفار رسلهم حينما أتوا به ودعوهم إلى إخلاص العبادة لله، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٧]، فكذبوه في أنه رسول الله، وأنه جاء بتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٣]، فكذبوه في دعوى الرسالة والنبوة، وأنه أتى من عند الله بالتوحيد وإخلاص العبادة لله والنهي عن الشرك، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٦٠ - ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٨].
ومن كذب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين، لذا قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، مع أنهم لم يكذبوا إلا بنوح، لكن لما كان الرسل دعوتهم واحدة، والمتقدم بشر بالمتأخر، والمتأخر صدق المتقدم؛ صار من كذب واحداً كمن كذب بالجميع.
وكذلك كفار قريش أنكروا توحيد الإلهية، وكذبوا نبينا ﷺ فيما جاء به من عند الله من إخلاص الدين لله، وإخلاص العبادة والتوحيد له ، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٤ - ٥]، فأنكروا أن تكون الآلهة إلهاً واحداً؛ لأن المشركين ابتلوا بوجود آلهة متعددة يعبدونها من دون الله، ونشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وتوارثوا هذا عن آبائهم وأجدادهم، وصاروا يتبعون آباءهم وأجدادهم على الباطل، فلما قال لهم النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله.
تفلحوا)، عجبوا! كما قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٤ - ٧]، فهذه هي الحجة الملعونة الشيطانية، وهي اتباع الآباء والأجداد على الباطل، واتباع القرون السابقة على الضلال، وهي حجة فرعون حينما قال لموسى: ﴿َمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، وهي حجة كفا قريش لما قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧].
стр. 142
معنى كلمة (لا إله إلا الله)
جدير بالمؤمن أن يعتني بتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فإن معناها: لا معبود بحق إلا الله، وقد كان كفار قريش يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، ولذلك امتنعوا ورفضوا قولها؛ لأنهم يعرفون أن المراد ليس هو التلفظ بالحروف فقط، بل المعنى هو إخلاص التعبد لله، والبعد عن الشرك، فلذلك تواصوا بالصبر على آلهتهم والبقاء عليها، وامتنعوا عن قول: (لا إله إلا الله)، ثم جاء المتأخرون من أهل الكلام وغيرهم ممن يتمسحون بالقبور ويعبدونها من دون الله، ويدعونها ويذبحون لها وينذرون لها؛ فصاروا لا يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، فصار الواحد منهم يقول: (لا إله إلا الله) وهو يدعو غير الله، ويذبح وينذر لغير الله؛ لأنه لا يعرف من معنى هذه الكلمة إلا مجرد الحروف، وبعضهم يفسرها بتوحيد الربوبية، كما بين ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الإمام المجدد في رسالة (كشف الشبهات)، فقد بين أن كثيراً من الناس في زمنه لا يعرف من معنى (لا إله إلا الله) إلا مجرد الحروف فقط، والذكي منهم الفطن يفسرها بتوحيد الربوبية، فيقول: (لا إله إلا الله)، أي: لا خالق إلا الله.
والصواب أن الإله هو المعبود، ومعنى: (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المعبود المطاع المتبع.
فلا بد من العناية بمعنى هذه الكلمة، ولا تتبين عظمة هذه الكلمة، بأنها تنفي الشرك عن الله، وأنها تنفي جميع أنواع العبودية عن غير الله وتثبتها لله إلا إذا فسر الإله بالمعبود، وقدر الخبر بـ (حق)، أي: لا إله حق إلا الله، فـ (لا) نافية للجنس تعمل عمل (إن)، فتنصب الاسم وترفع الخبر، واسمها: (إله)، والإله: هو المعبود المطاع المتبع، والخبر محذوف تقديره: حق، أي: لا معبود حق إلا الله.
أما المعبودات الموجودة فهي معبودة بالباطل، فالشمس والقمر والنجوم والأولياء والأنبياء والملائكة، كل هؤلاء عبدوا بالباطل، ولا يستحقون العبادة، وإنما المعبود بالحق هو الله وحده ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، أما من فسر الإله بأنه الخالق، فهذا قد وافق ما عليه المشركون، فإن المشركين يقولون: لا خالق إلا الله، وكذلك من قدر الخبر فقال: لا إله موجود إلا الله.
فقوله ليس بصحيح، بل الآلهة متعددة وموجودة وكثيرة، وكلها معبودة بالباطل إلا الله، فهو المعبود بالحق .
стр. 143
أنواع التوحيد
توحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة، ويسمى توحيد القصد والطلب، ويسمى التوحيد الإرادي الطلبي، أما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فيسمى توحيد المعرفة والإثبات، أو التوحيد العلمي، أو التوحيد الخبري، أو التوحيد القولي الاعتقادي؛ لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات الأصل فيهما أنهما نوع واحد؛ لأنه توحيد يتعلق بإثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره ومشيئته، فهو نوع واحد، لكن لما كثر الاختلاف حول الأسماء والصفات، وأثيرت الشبه فصل عنه، فصار توحيد الأسماء والصفات اسماً مستقلاً، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والعلامة ابن القيم أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، ولا مشاحة في الاصطلاح، وجعل توحيد المعرفة والإثبات هو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويسمى التوحيد العلمي الخبري، ويسمى التوحيد القولي الاعتقادي.
والنوع الثاني: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الألوهية والعبادة، وهو التوحيد الإرادي الطلبي، ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀: وأما التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فنوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالنوع الأول هو توحيد المعرفة والإثبات، أي: إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره وعموم مشيئته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وأول سورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول (الم تنزيل) السجدة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، وكما دلت على ذلك سورة الإخلاص بكمالها، وفي أول سورة الحديد بيان هذا التوحيد توحيد المعرفة والإثبات، قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:١ - ٢]، وفي آخر الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] إلى آخرها، وفي أول سورة (ألم تنزيل) ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وسورة (قل هو الله أحد) بكمالها.
النوع الثاني: التوحيد الطلبي الإرادي، وقد تضمنته ودلت عليه سورة: (قل يا أيها الكافرون) بكمالها، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وكما في أول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وجملة سورة الأنعام.
ثم يقول العلامة ابن القيم: وكل سورة في القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو التوحيد العملي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بحقوقه، فذلك من مكملات التوحيد وحقوقه، وإما خبر عن إكرامه لأوليائه وما حصل لهم في الدنيا من الكرامة والنصر والتأييد، وما يحصل لهم في الآخرة من العاقبة الحميدة والكرامة، فهذا جزاء أهل التوحيد، وإما خبر عن أهل الشرك، وما يحصل لهم في الدنيا من الهزيمة والخذلان، وما يحصل لهم في الآخرة من العذاب السرمدي، فهذا جزاء من خرج عن التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزاء أهله، وفي الشرك وأهله وبيان الشرك والنهي عنه وجزاء أهله.
فتوحيد العبادة هو التوحيد المطلوب، والغاية المرضية لله ، والذي من أجله خلق الخلق، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وخلق من أجله الجنة والنار، وافترق الناس إلى شقي وسعيد، فجدير بالعاقل اللبيب أن يعتني بهذا الأمر، وأن يهتم به، وأن يعرف معناه وحقيقته، وأن يعرف ما يضاده وينافيه أو ينافي كماله الواجب حتى يعبد الله على بصيرة، وحتى يكون مؤمناً حقاً.
جدير بك -أيها المسلم ويا طالب العلم- أن تعتني بهذا التوحيد، وأن تعرف حقيقته، فهو توحيد خلقك الله من أجله، وأرسل من أجله الرسل، وأنزل من أجل الكتب، وهو سبب السعادة، وتركه الشقاوة، جدير بك أن تعتني به، وأن تتعرف على معناه وحقيقته، وأن تعرف ما يضاده وينافيه، أو ينافي كماله الواجب.
فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، وإخلاص التعلق لله، وأن تفرد الله بجميع أنواع العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج، وبر للوالدين، وصلة للرحم، وجهاد في سبيل الله، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ودعوة إلى الله، ودعاء وخوف ورجاء ونذر وتوكل واستعانة واستغاثة وطواف، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، واحذر أن يكون في عملك شرك، حتى لا ينتقض عليك هذا التوحيد الذي من أجله خلقك الله، فهذا هو التوحيد وضده الشرك والكفر والنفاق، فالذين انحرفوا عن هذا التوحيد هم المشركون والكفار والمنافقون بجميع أصنافهم وطبقاتهم، انحرفوا عن هذا الترتيب.
فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، وإخلاص التعلق لله، كما قال الله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]، وهذا هو الأمر الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، وضده -وينافيه- الشرك، والكفر، والنفاق، وإذا كان الشرك لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر فإنه ينافي كماله، وكذلك الكفر إذا كان أصغر فإنه ينافي كماله، وكذلك النفاق إذا كان أصغر فإنه ينافي كماله الواجب.
стр. 144
الشرك وأحكامه
стр. 145
أنواع الشرك
الشرك هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، هذا هو الشرك الأكبر، فمن سوى غير الله بالله في الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية فقد أشرك.
أما الشرك الأصغر فهو كل ما ورد تسميته من الذنوب شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.
ومن الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر ما يأتي: أولاً: الشرك الأكبر لا يغفره الله يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، ويخرج فاعله من ملة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويحبط جميع الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فمن مات عليه فهو غير مغفور له بنص القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
ويخلد صاحبه في النار إذا مات عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
أما الشرك الأصغر فإنه لا يغفر في أصح قولي العلماء؛ لدخوله في عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وقال بعض العلماء: يكون فاعله تحت المشيئة، كالكبيرة.
ثانياً: يحبط العمل الذي فارنه فقط ولا يحبط جميع الأعمال.
ثالثاً: لا يخرج من ملة الإسلام.
رابعاً: لا يخلد صاحبه في النار، بل يدخل تحت الموازنة بين الحسنات والسيئات، فإن رجحت الحسنات فإنه لا يعذب به، وإن رجحت السيئات عذب به.
следующие страницы →