Полный текст (427 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أهمية توحيد الإلهية
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد.
فإن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو توحيد العبادة والألوهية، وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل ما أمر الله به وأمر به رسوله يفعله المؤمن إخلاصاً لله وتعظيماً وخوفاً ورجاءً، وكل ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله يتركه المؤمن خشية لله وإجلالاً وتعظيماً ومحبة ورغبة ورهبة، وهذا التوحيد -أعني توحيد العبادة- هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وهو أول دعوة الرسل، وهو الذي وقعت بسببه الخصومة بين الأنبياء وأممهم في قديم الدهر وحديثه، وهو الذي من أجله خلق الله الجنة والنار، وافترق الناس إلى شقي وسعيد، ولأجله حقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وقامت القيامة، فجدير بالمؤمن أن يعتني بهذا التوحيد، وأن يهتم به، وأن يعرف حقيقته ومعناه حتى يعبد الله على بصيرة؛ فإن الله عرف العباد بنفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله ليعرفوه سبحانه، وليعلموا عظيم حقه وليعبدوه؛ فإن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة لتوحيد العبادة، وتوحيد العبادة هو الغاية التي من أجلها خُلِق الخلق، وهو الغاية المحبوبة لله والمرضية.
وفي توحيد الربوبية اعتراف بأن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر، والاعتراف والإيمان بأسمائه وصفاته، فهو وسيلة إلى أن نعبده، فإذا عرفنا ربنا بصفاته وأفعاله وأسمائه وقضائه وقدره وحكمته خصصناه بالعبادة سبحانه، فتوحيد العبادة المطلوبة المرضية لله هو الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، وهو الذي أنكره المشركون، وكذب فيه الكفار رسلهم حينما أتوا به ودعوهم إلى إخلاص العبادة لله، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٧]، فكذبوه في أنه رسول الله، وأنه جاء بتوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٣]، فكذبوه في دعوى الرسالة والنبوة، وأنه أتى من عند الله بالتوحيد وإخلاص العبادة لله والنهي عن الشرك، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٦٠ - ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٨].
ومن كذب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين، لذا قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، مع أنهم لم يكذبوا إلا بنوح، لكن لما كان الرسل دعوتهم واحدة، والمتقدم بشر بالمتأخر، والمتأخر صدق المتقدم؛ صار من كذب واحداً كمن كذب بالجميع.
وكذلك كفار قريش أنكروا توحيد الإلهية، وكذبوا نبينا ﷺ فيما جاء به من عند الله من إخلاص الدين لله، وإخلاص العبادة والتوحيد له ، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٤ - ٥]، فأنكروا أن تكون الآلهة إلهاً واحداً؛ لأن المشركين ابتلوا بوجود آلهة متعددة يعبدونها من دون الله، ونشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وتوارثوا هذا عن آبائهم وأجدادهم، وصاروا يتبعون آباءهم وأجدادهم على الباطل، فلما قال لهم النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله.
تفلحوا)، عجبوا! كما قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٤ - ٧]، فهذه هي الحجة الملعونة الشيطانية، وهي اتباع الآباء والأجداد على الباطل، واتباع القرون السابقة على الضلال، وهي حجة فرعون حينما قال لموسى: ﴿َمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، وهي حجة كفا قريش لما قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧].
стр. 142
معنى كلمة (لا إله إلا الله)
جدير بالمؤمن أن يعتني بتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهو معنى (لا إله إلا الله)، فإن معناها: لا معبود بحق إلا الله، وقد كان كفار قريش يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، ولذلك امتنعوا ورفضوا قولها؛ لأنهم يعرفون أن المراد ليس هو التلفظ بالحروف فقط، بل المعنى هو إخلاص التعبد لله، والبعد عن الشرك، فلذلك تواصوا بالصبر على آلهتهم والبقاء عليها، وامتنعوا عن قول: (لا إله إلا الله)، ثم جاء المتأخرون من أهل الكلام وغيرهم ممن يتمسحون بالقبور ويعبدونها من دون الله، ويدعونها ويذبحون لها وينذرون لها؛ فصاروا لا يعرفون معنى (لا إله إلا الله)، فصار الواحد منهم يقول: (لا إله إلا الله) وهو يدعو غير الله، ويذبح وينذر لغير الله؛ لأنه لا يعرف من معنى هذه الكلمة إلا مجرد الحروف، وبعضهم يفسرها بتوحيد الربوبية، كما بين ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الإمام المجدد في رسالة (كشف الشبهات)، فقد بين أن كثيراً من الناس في زمنه لا يعرف من معنى (لا إله إلا الله) إلا مجرد الحروف فقط، والذكي منهم الفطن يفسرها بتوحيد الربوبية، فيقول: (لا إله إلا الله)، أي: لا خالق إلا الله.
والصواب أن الإله هو المعبود، ومعنى: (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله، فالإله هو المعبود المطاع المتبع.
فلا بد من العناية بمعنى هذه الكلمة، ولا تتبين عظمة هذه الكلمة، بأنها تنفي الشرك عن الله، وأنها تنفي جميع أنواع العبودية عن غير الله وتثبتها لله إلا إذا فسر الإله بالمعبود، وقدر الخبر بـ (حق)، أي: لا إله حق إلا الله، فـ (لا) نافية للجنس تعمل عمل (إن)، فتنصب الاسم وترفع الخبر، واسمها: (إله)، والإله: هو المعبود المطاع المتبع، والخبر محذوف تقديره: حق، أي: لا معبود حق إلا الله.
أما المعبودات الموجودة فهي معبودة بالباطل، فالشمس والقمر والنجوم والأولياء والأنبياء والملائكة، كل هؤلاء عبدوا بالباطل، ولا يستحقون العبادة، وإنما المعبود بالحق هو الله وحده ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، أما من فسر الإله بأنه الخالق، فهذا قد وافق ما عليه المشركون، فإن المشركين يقولون: لا خالق إلا الله، وكذلك من قدر الخبر فقال: لا إله موجود إلا الله.
فقوله ليس بصحيح، بل الآلهة متعددة وموجودة وكثيرة، وكلها معبودة بالباطل إلا الله، فهو المعبود بالحق .
стр. 143
أنواع التوحيد
توحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة، ويسمى توحيد القصد والطلب، ويسمى التوحيد الإرادي الطلبي، أما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات فيسمى توحيد المعرفة والإثبات، أو التوحيد العلمي، أو التوحيد الخبري، أو التوحيد القولي الاعتقادي؛ لأن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات الأصل فيهما أنهما نوع واحد؛ لأنه توحيد يتعلق بإثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره ومشيئته، فهو نوع واحد، لكن لما كثر الاختلاف حول الأسماء والصفات، وأثيرت الشبه فصل عنه، فصار توحيد الأسماء والصفات اسماً مستقلاً، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والعلامة ابن القيم أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، ولا مشاحة في الاصطلاح، وجعل توحيد المعرفة والإثبات هو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويسمى التوحيد العلمي الخبري، ويسمى التوحيد القولي الاعتقادي.
والنوع الثاني: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الألوهية والعبادة، وهو التوحيد الإرادي الطلبي، ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀: وأما التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فنوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالنوع الأول هو توحيد المعرفة والإثبات، أي: إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره وعموم مشيئته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وأول سورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول (الم تنزيل) السجدة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]، وكما دلت على ذلك سورة الإخلاص بكمالها، وفي أول سورة الحديد بيان هذا التوحيد توحيد المعرفة والإثبات، قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد:١ - ٢]، وفي آخر الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] إلى آخرها، وفي أول سورة (ألم تنزيل) ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وسورة (قل هو الله أحد) بكمالها.
النوع الثاني: التوحيد الطلبي الإرادي، وقد تضمنته ودلت عليه سورة: (قل يا أيها الكافرون) بكمالها، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وكما في أول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وجملة سورة الأنعام.
ثم يقول العلامة ابن القيم: وكل سورة في القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو التوحيد العملي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بحقوقه، فذلك من مكملات التوحيد وحقوقه، وإما خبر عن إكرامه لأوليائه وما حصل لهم في الدنيا من الكرامة والنصر والتأييد، وما يحصل لهم في الآخرة من العاقبة الحميدة والكرامة، فهذا جزاء أهل التوحيد، وإما خبر عن أهل الشرك، وما يحصل لهم في الدنيا من الهزيمة والخذلان، وما يحصل لهم في الآخرة من العذاب السرمدي، فهذا جزاء من خرج عن التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزاء أهله، وفي الشرك وأهله وبيان الشرك والنهي عنه وجزاء أهله.
فتوحيد العبادة هو التوحيد المطلوب، والغاية المرضية لله ، والذي من أجله خلق الخلق، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وخلق من أجله الجنة والنار، وافترق الناس إلى شقي وسعيد، فجدير بالعاقل اللبيب أن يعتني بهذا الأمر، وأن يهتم به، وأن يعرف معناه وحقيقته، وأن يعرف ما يضاده وينافيه أو ينافي كماله الواجب حتى يعبد الله على بصيرة، وحتى يكون مؤمناً حقاً.
جدير بك -أيها المسلم ويا طالب العلم- أن تعتني بهذا التوحيد، وأن تعرف حقيقته، فهو توحيد خلقك الله من أجله، وأرسل من أجله الرسل، وأنزل من أجل الكتب، وهو سبب السعادة، وتركه الشقاوة، جدير بك أن تعتني به، وأن تتعرف على معناه وحقيقته، وأن تعرف ما يضاده وينافيه، أو ينافي كماله الواجب.
فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، وإخلاص التعلق لله، وأن تفرد الله بجميع أنواع العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج، وبر للوالدين، وصلة للرحم، وجهاد في سبيل الله، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ودعوة إلى الله، ودعاء وخوف ورجاء ونذر وتوكل واستعانة واستغاثة وطواف، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، واحذر أن يكون في عملك شرك، حتى لا ينتقض عليك هذا التوحيد الذي من أجله خلقك الله، فهذا هو التوحيد وضده الشرك والكفر والنفاق، فالذين انحرفوا عن هذا التوحيد هم المشركون والكفار والمنافقون بجميع أصنافهم وطبقاتهم، انحرفوا عن هذا الترتيب.
فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، وإخلاص التعلق لله، كما قال الله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]، وهذا هو الأمر الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، وضده -وينافيه- الشرك، والكفر، والنفاق، وإذا كان الشرك لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر فإنه ينافي كماله، وكذلك الكفر إذا كان أصغر فإنه ينافي كماله، وكذلك النفاق إذا كان أصغر فإنه ينافي كماله الواجب.
стр. 144
الشرك وأحكامه
стр. 145
أنواع الشرك
الشرك هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، هذا هو الشرك الأكبر، فمن سوى غير الله بالله في الربوبية أو الأسماء والصفات أو الألوهية فقد أشرك.
أما الشرك الأصغر فهو كل ما ورد تسميته من الذنوب شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر.
ومن الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر ما يأتي: أولاً: الشرك الأكبر لا يغفره الله يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، ويخرج فاعله من ملة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويحبط جميع الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فمن مات عليه فهو غير مغفور له بنص القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
ويخلد صاحبه في النار إذا مات عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
أما الشرك الأصغر فإنه لا يغفر في أصح قولي العلماء؛ لدخوله في عموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وقال بعض العلماء: يكون فاعله تحت المشيئة، كالكبيرة.
ثانياً: يحبط العمل الذي فارنه فقط ولا يحبط جميع الأعمال.
ثالثاً: لا يخرج من ملة الإسلام.
رابعاً: لا يخلد صاحبه في النار، بل يدخل تحت الموازنة بين الحسنات والسيئات، فإن رجحت الحسنات فإنه لا يعذب به، وإن رجحت السيئات عذب به.
стр. 146
بيان خطر الشرك
أولاً: الشرك بالله أعظم الذنوب؛ لأن الله لا يغفره لمن لقيه به، بخلاف غيره من الذنوب؛ فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذبه به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ثانياً: الشرك بالله أظلم الظلم، وأقبح القبيح؛ لأن فيه تنقصاً لله، وصرفاً بخالص حقه لغيره، وعدلاً غيره به، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، فالمشرك عدل غير الله بالله، فهو أظلم الظلم، وأقبح القبيح، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأي ظلم أعظم من أن يضع الإنسان العبادة في غير موضعها؟! والمشرك وضع العبادة في غير موضعها، فعبد غير الله، فوقع في أظلم الظلم وأقبح القبيح، حيث عدل غير الله بالله، وتنقص رب العالمين.
ثالثاً: الشرك بالله مناقض للمقصود بالخلق والأمر، إذ المقصود بخلق الخلق أن يعبدوا الله، والله تعالى أمرهم أن يفردوه بالعبادة، فالشرك مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وهذا غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته والذل له والخضوع والانقياد لأوامره التي لا صلاح للعالم إلا بها، فلا صلاح للعالم إلا بالتوحيد والإيمان، فمتى خلا العالم من الإيمان والتوحيد خرب وقامت القيامة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله).
إذاً: صلاح هذا العالم وبقاؤه بالتوحيد والإيمان، فإذا خلا من التوحيد والإيمان خرب، ولهذا فإنه في آخر الزمان تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات بريح طيبة تأتي من جهة الشام، وفي بعض الروايات: من جهة اليمن، حتى لو كان الواحد من المؤمنين في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فلا يبقى إلا الكفرة يتهارجون ويتناكحون في الأسواق تهارج الحمر والعياذ بالله، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، ويتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادته، فعليهم تقوم الساعة، فتنفطر السماء وتنشق، وتنكدر النجوم، ويخرب هذا العالم بسبب خلوه من الإيمان والتوحيد، ومتى كان الإيمان والتوحيد موجودين فإن صلاح هذا العالم يبقى.
رابعاً: الشرك بالله تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الربوبية من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع الذي يوجب تعليق الخوف والرجاء والدعاء والتوكل وسائر أنواع العبادة بالله .
خامساً: الشرك بالله هضم لجناب الربوبية، وسوء ظن برب العالمين، فإن من خصائص الألوهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون الخشية والتعظيم والدعاء وسائر أنوع العبادة لله ، وهذا واجب شرعاً وعقلاً وفطرة.
وهذه الأمور التي يتبين بها خطر الشرك توجب للعبد شدة الخوف من الشرك، والحذر على نفسه من أن يقع في شيء من الشرك هذا الذنب العظيم والحوب الكبير.
стр. 147
خوف الصالحين من الشرك
ثبت في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)، وقد أخبر الله أن من دعاء إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أنه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]، فإبراهيم الخليل الذي فارق الناس من أجل الله، وسماه الله أمة وحده، ووقف كالجبل الأشم صامداً لا يتزعزع أمام أبيه وقومه، وكسر الأصنام بنفسه، وبقي وحده، وفارق الناس جميعاً، كان يخاف على نفسه وعلى بنيه من عبادة الأصنام! قال الله عنه وهو يدعو الله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وهو إبراهيم الخليل الذي بعثه الله أمة وحده، وسماه الله حنيفاً فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، وقوله: (حنيفاً)، أي: مائلاً عن الشرك إلى التوحيد (ولم يك من المشركين)، وفارق الناس ووقف صامداً كالجبل العظيم أمام عباد الأصنام والأوثان، وكسرها كلها، ووضع الفأس على الصنم الكبير، وصبر حتى ألقوه في النار ليحرقوه، ومع ذلك يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]، فإذا كان إبراهيم الخليل يخاف الشرك على نفسه وبنيه الأنبياء فما حالنا؟! وقد رزقه الله إسحاق وإسماعيل، وهما نبيان كريمان، وإسحاق رزقه الله يعقوب، وهو نبي، ويعقوب رزقه الله يوسف، وهو نبي، فهي سلالة أنبياء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل).
فإذا كان إبراهيم الخليل يخاف هذا الأمر، وهو الذي قال الله عنه لنبيه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، فكيف بالواحد منا لا يخاف؟! ولهذا قال إبراهيم التيمي تعليقاً على هذه الآية: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵊؟! إذا كان إبراهيم الخليل يخاف من عبادة الأصنام ويقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]، فمن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵊؟! وقال عمر بن الخطاب ﵁: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)؛ لأن الصحابة الذين عرفوا الشرك وخبروه، وذاقوا مرارته لا يقعون فيه، بخلاف من نشأ في الإسلام ولم يعرف الشرك، فقد يقع فيه ويظن أنه توحيد، مثل ما حصل لعباد القبور، فتجد أحدهم يطوف بالقبر، ويدعوه من غير الله، وينذر له، فإذا قلت له: إن هذا شرك، قال: ليس هذا شركاً، بل هذه محبة للصالحين، وتوسل بهم.
بخلاف الصحابة الذين كانوا على الشرك قبل الإسلام ثم هداهم الله إلى الإسلام، فقد عرفوا الشرك وخبروه وذاقوا مرارته، فلا يقعون فيه، لكن من نشأ في الإسلام وهو لا يعرف الجاهلية ولا الشرك قد يقع فيه وهو لا يشعر.
ومن هنا يتبين فضل الصحابة على أبنائهم فمن بعدهم، فهم عرفوا الشر ثم عرفوا الخير، فذاقوا مرارة الشرك وخبروه وعرفوه، فلا يقعون فيه، بخلاف من بعدهم؛ فإن من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية ولا الشرك وأنواعه قد يقع فيه ويظن أنه توحيد.
فجدير بالإنسان أن يخاف الشرك على نفسه، وحقيقة الخوف من الشرك توجب للعبد الابتهال إلى الله، والتضرع إليه، وصدق الالتجاء إليه، وسؤاله أن يجنبه الشرك، والبحث عن الشرك ووسائله وذرائعه المفضية إليه حتى يحذرها ولا يقع فيها، هذه حقيقة الخوف من الشرك.
стр. 148
أثر الشرك في الآخرة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن خلص منهما مات على التوحيد ودخل الجنة.
يعني: من تخلص من الشرك الأكبر والأصغر دخل الجنة، ومن مات على الشرك الأكبر دخل النار، ومن مات على الشرك الأصغر مع حسنات راجحة على سيئاته دخل الجنة، فإن تلك الحسنات توحيد كثير مع يسير من الشرك، ومن رجحت سيئاته على حسناته عذب بهذا الشرك الأصغر.
فالشرك يؤاخذ به الإنسان إذا كان أكبر أو كان كثيراً أصغر، والأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 149
أنواع شرك الربوبية
الشرك يكون في الربوبية، ويكون في الأسماء والصفات، ويكون في الألوهية، أي أنه يقابل أقسام التوحيد الثلاثة، والشرك في الربوبية نوعان: النوع الأول: شرك التعطيل، والنوع الثاني: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر، ولم يعطل أسماء الرب وصفاته وربوبيته.
ومن أمثلة شرك التعطيل: شرك فرعون، فإن فرعون أنكر الرب العظيم، قال الله سبحانه عنه: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، وقد أخبر الله أن فرعون قال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وأخبر الله عنه في آية أخرى أنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ففرعون عطل الرب، وأنكر الرب .
ومن أمثلة شرك التعطيل شرك الفلاسفة المتأخرين كـ أرسطو والفارابي وابن سينا، إذا قيل: الفلاسفة فالمراد بهم المتأخرون الذين يتزعمهم أرسطو ويسمون الفلاسفة المشائين، بخلاف الفلاسفة الذين سبقوا أرسطو، فإنهم يعظمون الشرائع والإلهيات في الجملة، أما المتأخرون فيستثنون وجود الله والشرائع والإلهيات.
وكان يتزعم أرسطو الفلاسفة المشائين، ويسمون بالمشائين لأنهم كانوا يدرسون نظرياتهم وهم يمشون، وهو الذي ابتدع القول بقدم العالم، وكان مشركاً يعبد الأصنام، فالفلاسفة شركهم من أمثلة شرك التعطيل، فهم يقولون بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يزل ولا يزال، والحوادث عندهم بأسرها مستندة إلى أسباب ووثائق اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس.
إذاًَ: الفلاسفة يقولون بقدم العالم، ولا يقولون: إن الله هو الذي خلقه بقدرته ومشيئته، وإذا كان قديماً فلا خالق له، أي: ليس له أول وقدمه أبدي، فهم ينكرون وجود الله، فمذهبهم إثبات وجود الله مجرداً عن الماهية والصفة، بل هو الوجود المطلق لا يعرض لشيء من الماهيات، ولا يقوم به وصف، وهذا هو التوحيد عندهم.
ومن فروع هذا التوحيد -الذي هو من أعظم الكفر- إنكار ذات الله ، والقول بقدم الأفلاك، وإنكار أسماء الله وصفاته، والقول بأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب، ولا يعلم شيئاً من المعينات الموجودة البتة، ولا يوصف بالقدرة، فلا يقدر على شق الأفلاك ولا حرقها، ولا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم.
ومن فروع هذا التوحيد: إنكار الملائكة، واعتبار أن الملائكة عبارة عن أشكال نورانية، أي: خيالية.
ومن فروع هذا التوحيد: إنكار الكتب المنزلة، والقول بأنها عبارة عن فيض فاض من العقل الفعال، فهي أمور معنوية تفيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية فيحصل لها تصورات بحسب ما قبلته منه.
ومن فروع هذا التوحيد: إنكار النبوة والرسالة، والقول بأن النبوة مكتسبة، وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة، وليست هبة من الله، وأن النبي رجل عبقري له صفات يحصل عليها بالمران والخبرة.
ومن فروع هذا التوحيد: إنكار الشرائع، وأنه ليس هناك حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي.
ومن فروع هذا التوحيد: إنكار البعث والجزاء والمعاد والجنة والنار، ويقولون: هذه أمثال مضروبة لتسليم العوام فقط.
ومن أمثلة شرك التعطيل شرك أهل وحدة الوجود، ورئيسهم ابن عربي، حيث يقولون: الوجود واحد، والرب هو العبد والعبد هو الرب، والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق، هذا شرك تعطيل في الربوبية، ورؤساؤهم هم ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني والقونوي وغيرهم من الذين تستروا باسم الإسلام وكسوا إلحادهم حلية الإسلام، ومزجوه بشيء من الحق حتى راج على ضعفاء الأبصار؛ لأنهم منافقون زنادقة، يتسترون باسم الإسلام، ومزجوا باطلهم بشيء من الحق حتى يخفى أمرهم على ضعفاء الأبصار.
ومن أمثلة شرك التعطيل: شرك غلاة الجهمية والقرامطة الذين أنكروا أسماء الرب وصفاته.
فهذه كلها أمثلة للنوع الأول من شرك الربوبية، وهو شرك التعطيل، ومنه شرك فرعون، وشرك الفلاسفة، وشرك طائفة أهل وحدة الوجود، وشرك غلاة الجهمية والقرامطة الذين أنكروا أسماء الرب وصفاته.
النوع الثاني من الشرك في الربوبية: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر ولم يعطل أسماء الرب وصفاته وربوبيته، ومن أمثلته: شرك المجوس القائلين بخالقين وإلهين: النور والظلمة، وإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن أمثلته أيضاً: الشرك المثلث من النصارى القائلين: الآلهة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس.
ومن أمثلة هذا النوع أيضاً: شرك الصابئة الذين يقولون: إن الكواكب العلويات مدبرة لأمر هذا العالم.
ومن أمثلة هذا النوع من الشرك: شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف في هذا الكون، وأن روح الميت تخرج وتتصرف في هذا الكون فتجلب نفعاً، وتدفع ضراً، وتجيب من دعاها، وتحمي من لاذ بحماها واستجار بها، فهذا شرك في الربوبية.
ومن أمثلة أيضاً: شرك من قال: مطرنا بنجم كذا أو نوء كذا، معتقداً أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر، وقد يقال: إن هذا داخل في شرك الصابئة.
стр. 150
أنواع شرك الأسماء والصفات
أما الشرك في الأسماء والصفات فهو نوعان أيضاً: النوع الأول: اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الله الإله الحق، كاشتقاقهم اسم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
النوع الثاني: شرك المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، فيقول أحدهم: لله يد كيدي، واستواء كاستوائي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، وهؤلاء المشبهة غالبهم من غلاة الشيعة، كالبيانية الذين ينسبون إلى بيان بن سمعان، والسالمية الذين ينسبون إلى سالم الجواليقي.
قال بعضهم: إن الله على صورة الإنسان، وقال بعضهم: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل، ويصافح ويحاضر ويسامر ويعانق.
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهؤلاء المشبهة كفرة؛ حيث شبهوا الله بخلقه، فهم أشركوا بأسمائه وصفاته، ومن شبه الله بخلقه فلا يعبد الله على الحقيقة، وإنما يعبد وثناً صوره له خياله ونحته له فكره، وهو -أيضاً- مشابه للنصارى الذين عبدوا غير الله وقالوا بالتثليث، فلهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀: من شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصراني وكذلك أيضاً بين أن المشبه إنما يعبد وثناً، فقال: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان فالمشبه لا يعبد الله حقيقة، وإنما يعبد وثناً خيله وصوره ونحته له فكره.
стр. 151
أنواع شرك الألوهية والعبادة
стр. 152
شرك المحبة
الشرك في الألوهية والعبادة هو الشرك الأعظم، وهو شرك أهل الجاهلية، فالشرك يكون في الربوبية، ويكون في الأسماء والصفات، ويكون في الألوهية، فالشرك في الألوهية والعبادة هو الشرك الأعظم، وهو شرك أهل الجاهلية، وهو اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية والعبادة، أو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله .
أما الشرك الأصغر في العبادة فإنه الشرك الذي لم يصل إلى حد الأكبر، وكل ما ورد تسميته شركاً لكنه لم يصل إلى حد الشرك، فلا يكون شركاً في العبادة ولا يكون ناقضاً من نواقض الإسلام.
أما الشرك الأكبر فهو اعتقاد شريك لله في الألوهية والعبادة، أو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله ، وهذا هو الشرك الأعظم، وهو شرك أهل الجاهلية، وهذا له أمثلة وأنواع كثيرة لابد من أن يكون المؤمن منها على بصيرة، ومن هذه الأنواع: الشرك في المحبة.
وهو أن يتخذ نداً من دون الله يحبه كما يحب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فالذين آمنوا أشد حباً لله من محبة المشركين لله؛ لأن محبة المؤمنين خالصة ومحبة المشركين مشتركة، أو المعنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] من محبة المشركين لآلهتهم، والشرك في المحبة هو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، كما أخبر الله تعالى عن المشركين في النار أنهم قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، فسووا آلهتهم برب العالمين في المحبة والتعظيم لا في الخلق والرزق، فهم لا يقولون: إنها تخلق وترزق.
بل سووهم بها في المحبة، ودليل هذا الشرك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، والمراد بالمحبة محبة العبادة التي يصاحبها خضوع وذل ورجاء وتعظيم وإجلال للمحبوب، وكل محبة مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، فالعبادة تتضمن غاية الحب لله وغاية الذل لله، فهذان الأمران يدور عليهما فلك العبادة، والذي يديره هو أمر الله ورسوله بالفعل وبالكف، ولا يقوم دين الله إلا بإخلاص العمل لله، وإحسان العمل وإتقانه بأن يكون موافقاً لشرع الله، والله تعالى إنما يرضى منا الإخلاص والإحسان، والعارف هو الذي يعتني بالإحسان والجاهل لا يبالي به، ولهذا يقول العلامة ابن القيم في أبيات عظيمة هي من أحسن ما قيل في بيان محبة العبادة، وأن عبادة الله إنما تكون على غاية الحب وغاية الذل، يقول ﵀: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان فقيام دين الله بالإخلاص والإحسان إنهما له أصلان لم ينج من غضب الإله وناره إلا الذي قامت به الأصلان والناس بعدك مشرك بإلهه أو بابتداع أو له الوصفان والله لا يرضى بكثرة فعلنا لكن بأحسنه مع الإيمان فالعارفون مرادهم إحسانه والجاهلون عموا عن الإحسان يقول ﵀: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان فقطبا العبادة غاية الحب لله مع غاية الذل والخضوع لله، وعليهما فلك العبادة دائر، ولذا قال: وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان وما الذي يدير هذا الفلك؟ قال: ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان فالذي يدير فلك العبادة أمر الله ورسوله، افعل، ولا تفعل، افعل الأوامر، ولا تفعل المنهيات، فغاية الحب لله تستلزم فعل الأوامر، وغاية الذل لله تستلزم ترك النواهي، قال: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان فغاية الحب تقتضي فعل الأوامر، وغاية الذل تقتضي ترك المنهيات، وأيضاً لابد من الإخلاص لإحسان العمل، لابد لعملك من إخلاص لله، فهذا أصل من الأصول، فإن كان لغير الله لم يقبل، فلا بد من أن يكون العمل موافقاً لشرع الله، ولهذا قال: فقيام دين الله بالإخلاص والإحسان إنهما أصلان، فإذا وجد هذان الأصلان نجا العبد من غضب الله، وإلا فهو في غضب الله، ولذا قال: لم ينج من غضب الإله وناره إلا الذي قامت به الأصلان فلا ينجو من غضب الله ولا ناره إلا من أخلص العمل لله، وكان عمله موافقاً لشرع الله ولهذا يقول الله تعالى في بيان هذين الأصلين: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠]، هذا هو الإحسان ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، هذا هو الإخلاص، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢] أي: من يسلم وجهه لله ويخلص، وهو محسن هذا الإحسان، قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة:١١٢]، فقوله تعالى: (أَسْلَمَ) أي: أخلص العمل لله، (وَهُوَ مُحْسِنٌ) المراد به إحسان العمل وإتمامه، ولهذا قال ابن القيم ﵀: فقيام دين الله بالإخلاص والإحسان إنهما له أصلان لم ينج من غضب الإله وناره إلا الذي قامت به الأصلان والناس بعدك فمشرك بإلهه أو بابتداع أو له الوصفان فمن فقد الإخلاص فهو مشرك، وإذا فقد موافقة الشرع فهو مبتدع، فإما هذا وإما هذا، وإما له الأمران، قال: والله لا يرضى بكثرة فعلنا لكن بأحسنه مع الإيمان فليس المراد كثرة العمل، فقد يعمل الإنسان عملاً مبتدعاً لا يرضاه الله، لكن الله تعالى يرضى بأحسنه مع الإيمان، إيمان وإخلاص مع عمل حسن موافق للشرع.
قال: فالعارفون مرادهم إحسانه.
أي: العارفون مرادهم إحسان العمل وإتقانه، وموافقته للشرع، مع كونه خالصاً لله، والجاهلون عموا عن الإحسان.
فالمراد بالمحبة محبة العبادة التي تقتضي كمال الذل وكمال المحبة.
والرجاء كذلك لا بد منه؛ لأنه مستوجب للعبادة؛ لأن محبة العبادة مصحوبة بالخوف والرجاء، أما المحبة المنفردة عن الذل والخضوع فلا تكون عبادة، بل تكون محبة طبيعية، كمحبة المال والولد والزوجة؛ هذه تسمى محبة طبيعية ليست محبة عبادة، فمحبة العبادة هي التي تقتضي كمال المحبة وكمال الذل، أما إذا خرجت عن ذلك فلا تكون محبة عبادة، بل تكون محبة طبيعية، والمحبة الطبيعية يقسمها بعض العلماء إلى أربعة أنواع: النوع الأول: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء.
النوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده.
النوع الثالث: محبة تقدير واحترام وإجلال، كمحبة الولد لوالده.
النوع الرابع: محبة أنس وألف، كمحبة المشتركين في صناعة أو تجارة، والطلبة بعضهم لبعض.
стр. 153
شرك الخوف
النوع الثاني من أنواع الشرك في العبادة والألوهية: الشرك في الخوف، وهو: أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقاد للضر والنفع في غير الله، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، والمراد بالخوف خوف العبادة، وهو الخوف الذي يكون معه تعظيم وإجلال وخشية ورجاء للمخوف، هذا هو خوف العبادة، وهو المسمى بخوف السر، وهو الخوف الذي يكون فيما وراء الأسباب، كأن يخاف منه أن يقطع رزقه بسره لا بسبب ظاهر، أو يمرضه، أو يسلط عليه عدواً، أو يحرمه من دخول الجنة، أو يدخله النار، ويكون مع خوفه إجلال وتعظيم وخشية ورجاء له، فهذا الخوف الذي يكون فيما وراء الأسباب، فهو لا يخاف لأن أمامه سبب، بل يخاف لأنه يعتقد أن هناك سر يستطيع به أن يغفر ذنبه، أو يسلط عليه عدوه، أو يقطع رزقه، أو يميت ولده، أو يحرمه دخول الجنة، فهذا شرك أكبر.
أما إذا خاف من شيء أسبابه ظاهرة فهذا لا يكون خوف عبادة، كأن يخاف من السباع فيبتعد عنها، أو من الحيات والعقارب، أو من عدو كسلطان ظالم، فهذا أسبابه ظاهرة، وهذا لا يكون شركاً، بل هو خوف طبيعي، قال الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:١٨] أي: خائفاً من فرعون، وهذا سببه ظاهر، فهو ملك ظالم كافر جبار، فيخشى أن يبطش به، ولهذا قال تعالى: ﴿َجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١]، فهل هذا شرك؟! لا، بل هذا خوف طبيعي؛ لأن أسبابه ظاهرة أمامه، لكن الشرك أن تخاف من ميت، أو تعتقد أن الولي يمكن أن يقطع رزقك، أو يحرمك من دخول الجنة، أو لا يغفر ذنبك، أو يسلط عليك عدوك.
ولهذا كان لابد من الخوف في عبادة الله مع المحبة والإجلال والتعظيم، فمن أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، ومن خضع لشيء ولم يحبه لم يكن عابداً له، فلهذا لا يكون المرء عبداً لله حتى يكون الله أحب إليه من كل شيء، وأعظم عنده من كل شيء، فمن أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، ومن خضع لشيء ولم يحبه لم يكن عابداً له، كالعدو تخضع له لكن لا تحبه.
стр. 154
شرك الرجاء
النوع الثالث من أنواع الشرك في العبادة والألوهية: الشرك في الرجاء، وهو: أن يرجو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ليحصل له مطلوب من جهته، ومثال ذلك الذين يقصدون الأموات فيدعونهم من دون الله، ويذبحون لهم وينذرون رجاء أن تحصل لهم مطالبهم من نصر أو رزق أو شفاعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، قال علي ﵁: (لا يرجُوَنَّ عبدُ إلا ربه)، والمراد بالرجاء هنا رجاء الشرك الذي يكون فيما وراء الأسباب، كأن يرجو ميتاً أو غائباً بسره أن ينصره على عدوه، أو يدخله الجنة، أو يسلمه من النار، أو لا يحرمه دخول الجنة، فهذا يرجوه بسره لا بسبب ظاهر، فهذا شرك أكبر، والمراد الرجاء الذي يكون معه محبة للمرجو وذل وخضوع، وكل محب فهو خائف راج بالضرورة، فيرجو حصول المطلوب ويخاف من فواته، فهو راج خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون في أحب ما يكون إليه، فهذا رجاء العبادة، وهو الرجاء الذي يكون فيما وراء الأسباب، فهو ليس ظاهراً، بل يرجوه بسره لا بسبب ظاهر، فيرجوه أن ينصره على عدوه، ويغفر ذنوبه، ويوفقه، فهذا هو رجاء السر، وهو رجاء العبادة.
أما من رجا حياً حاضراً فيما يقدر عليه فهذا ليس بشيء؛ لأنه رجاء عادي، كأن ترجو أخاك أن يصلح سيارتك، أو يبني بيتك، أو يقرضك مالاً، فهذا ليس شركاً؛ لأنه رجاء عادي أسبابه ظاهرة، لكن رجاء العبادة هو رجاء السر الذي يكون فيما وراء الأسباب، ولهذا فإن العبادة التي أمر الله بها هي التي تتضمن معنى الحب والخوف والرجاء، ولها ثلاثة أركان: المحبة والخوف والرجاء، ولابد من اجتماعها في العبادة، وهذه الأركان الثلاثة موجودة في فاتحة الكتاب في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فهذه هي المحبة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] هذا هو الرجاء، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] هذا هو الخوف، فمن عبد الله بالمحبة والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد، ومن عبد الله بواحد منها وتعلق بواحد منها فليس بعابد لله على الحقيقة، فمن عبد الله بالحب وحده فهو صوفي زنديق، يقول أحدهم: ما عبدت الله خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه، فهذه طريقة الزنادقة، لا يعبدون الله بالخوف والرجاء، والله تعالى قال عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عن أوليائه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، وإذا عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، وإذا عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، وإذا عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 155
الأسئلة
стр. 156
حكم الشراء من رجل صوفي
السؤال
إذا علمت أن البائع الفلاني من الصوفية، فهل يجوز الشراء منه؟
الجواب
ينبغي للمؤمن أن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر على قدر الاستطاعة، ومن إنكار المنكر على الصوفي ألا تشتري منه، إلا إذا استطعت أن تنصحه، وأن يقبل نصيحتك، ثم تشتري منه تشجيعاً له، فلا بأس بذلك، وينبغي هجره، ومن هجره ألا تشتري منه، وإذا هجر أهل الخير والتوحيد والإيمان الصوفية سيؤثر ذلك عليهم، فالمقصود أنه ينبغي هجره، وكما أنك لا تجيب دعوته فكذلك لا تشتري منه، إلا إذا كان في شرائك منه فائدة، بأن تنصحه وتذكره بالله وهو يقبل منك ويستفيد، فهذا طيب.
стр. 157
مدى صحة تفسير كلمة التوحيد بإخراج اليقين الفاسد
السؤال
هناك من يفسر (لا إله إلا الله) بأنها إخراج اليقين الفاسد من ذات الأشياء، وإدخال اليقين الصادق بالله، فهل لهذا التعريف أصل؟
الجواب
لا أعرف هذا، لكن من شروط كلمة التوحيد اليقين المنافي للشك والريب، وأن تتيقن بمعنى هذه الكلمة، وأن معناها نفي العبادة عن غير الله، ولا شك في أن عبادة غير الله فاسدة، فلابد من أن تنفيها وتنكرها.
واليقين الفاسد لا يسمى يقيناً، فالمؤمن ليس عنده يقين فاسد، بل المؤمن عنده يقين صحيح، وهو توحيد الله والإيمان به، فيكيف يقال: يخرج اليقين الفاسد؟! فالمراد أن ينفي العبودية عن غير الله بأنواعها، فيقول: (لا إله إلا الله) عن يقين لا شك فيه، فإن هذا من شروط كلمة التوحيد، أعني اليقين المنافي للشك والريب، فلا يكون عندك شك في استحقاق الله العبادة، وأن عبادة غيره باطلة.
стр. 158
حكم هجر المبتدع
السؤال
هل يهجر المبتدع؟
الجواب
إذا كان الهجر من باب إنكار المنكر ويستفاد منه فاهجره، وكذلك غيره من أصحاب المعاصي، فالعاصي إذا كان في هجره فائدة فاهجره حتى في الكلام، وإن كان ترك الكلام أو الهجر يسبب مفسدة فلا تهجره، بل داوم على نصيحته.
стр. 159
حكم الخوف من الحي الحاضر
السؤال
هناك من يعمل السحر، وأريد أن أبلغ به، ولكني أخاف أن يلحقني ضرر، فهل هذا يدخل في شرك الخوف؟
الجواب
لا شك في أن هذا خوف من المخلوق، وقد يقال: إن هذا أسبابه ظاهرة، وهي الخوف من حي حاضر، لكن لا ينبغي لك أن تخاف منه، بل عليك أن تقوي رجاءك بالله، وأن تثق بالله، وأن تعتمد عليه وتتوكل عليه، ولن يضرك، ولتتحصن بالآيات القرآنية والأدعية الشرعية، ولن يضرك، وهو لا يعلم الغيب، فإذا كان المرء يعتقد أنه يضره، أو أنه يعلم الغيب فهذا شرك وكفر أكبر والعياذ بالله، فالواجب عليك أن تبلغ به، وأن ترفعه إلى ولاة الأمر، فحد الساحر ضربة بالسيف.
فلا شك في أن هذا جبن وخور وضعف، وإذا كان يعتقد أن الساحر يعلم خبره، وأنه يضره بسحره أو بمشيئته وقدرته فهذا شرك أكبر، قال الله تعالى عن السحرة: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فلا يصيبك إلا ما قدر الله لك، فعليك أن تثق بالله وأن تلجأ إلى الله، وأن تعتمد على الله وتتوكل عليه، وأن تعلم أن هذه الساحر لا قدرة له، ولا يستطيع أن ينفعك ولا يضرك، وعليك أن تبلغ وأن ترفع به إلى ولاة الأمر حتى يحال إلى المحكمة الشرعية.
стр. 160
حكم الشرك الأصغر في الآخرة
السؤال
قلتم: إن الشرك الأصغر لا يغفر، أي: سيعذب صاحبه، ثم قلتم: إنه داخل تحت الموازنة بين الحسنات والسيئات، فنرجوا الجمع بين القولين؟
الجواب
يعذب به إذا رجحت السيئات، فإن رجحت الحسنات لا يعذب، فالحسنات الكثيرة فيها توحيد كثير بجانب شرك قليل، فهو لا يغفر، فإما أن يعذب به، وإما أن يسقط بما يقابله من حسنات، فإذا كانت الحسنات كثيرة سقط ما يقابلها، وإذا كانت السيئات راجحة عذب به، وقال بعض أهل العلم: إنه كالكبائر تحت مشيئة الله، لكن ظاهر النصوص أنه داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 161
حكم إطلاق لفظ الجسم على الله
السؤال
هل هناك نص يدل على إثبات الجسم لله؟
الجواب
إثبات الجسم ونفي الجسم لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولهذا سكت عنه السلف، فمن قال: إن الله جسم أو ليس بجسم فهو مبتدع عند أهل السنة، والله له الكمال المطلق، وهو متصف بالصفات التي وردت في الكتاب والسنة، ومن قال: إن الله جسم عند أهل الحق يسأل، فإن كان مراده الحق فإنه قبل المعنى ورد اللفظ، وإن كان مراده باطلاً رد اللفظ والمعنى جميعاً.
стр. 162
إثبات اسم الإله لله
السؤال
هل اسم (الإله) من أسماء الله؟
الجواب
هو سبحانه الإله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الزخرف:٨٤]، فظاهر الأدلة أنه من أسماء الله تعالى.
стр. 163
حكم سؤال الله بجاه النبي
السؤال
ما حكم سؤال الله بجاه محمد ﷺ ؟
الجواب
هذا من البدع عند أهل العلم، فمن قال: أسألك بجاه فلان، أو: بحق فلان، أو: بحرمة فلان، فقوله من البدع، وهو توسل بوسيلة غير شرعية، والذي ينبغي هو التوسل بأسماء الله وصفاته، وبالعمل الصالح، بالفقر والحاجة إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فلا تتوسل بحق فلان ولا بجاه فلان، ولكن توسل بأسماء الله وصفاته، وبالإيمان بالله وبالتوحيد، وبالعمل الصالح.
стр. 164
حكم ذبيحة من يدعو غير الله
السؤال
هناك من يعمل في المسالخ وهو يدعو غير الله، فما حكم ذبيحته؟
الجواب
إذا ثبت أنه مشرك، وأنه يدعو غير الله، أو يذبح ولم يتب فلا تصح ذبيحته، ومن عرف شيئاً من ذلك فعليه أن يبلغ المسئولين حتى يُبعد عن المسالخ، فإذا كان يطوف بالقبور تقرباً إليها أو يذبح لغير الله أو ينذر أو يدعو غير الله، أو كان لا يصلي -على أحد قولي أهل العلم- فلا تجوز ذبيحته، وعلى من عرف ذلك أن يبلغ المسئولين حتى يبعد هذا المشرك عن الذبح.
стр. 165
حكم قول: (العمر الطويل لله)
السؤال
ما حكم من يقول: العمر الطويل لله؟
الجواب
لعل مقصوده: البقاء لله، وأن الله هو الباقي، وهذا حق، فهو الأول والآخر، لكن العبارة ليست بسليمة؛ لأن العمر محدد، فالله تعالى هو الأول وهو الآخر ، وقد ثبت في الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح أن النبي ﷺ قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، فهذه الكلمة ليست سليمة؛ لأنها تشعر بالتحديد، إلا إذا كان مقصوده أن العمر من الله يعطيه المخلوق، فهذا شيء آخر على حسب مقصده، وبكل حال فالأولى تركه.
стр. 166
حكم قول: (حياك النبي)
السؤال
بعض الناس إذا قال أحدهم: حياك الله يقول له الآخر: حياك النبي، فما حكم ذلك؟
الجواب
لا أعلم معنى هذه الكلمة، والذي ينبغي أن يرد عليه تحيته، ويقول: حياك الله، فالنبي ﵊ ميت، كما قال الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فكيف يقال: حياك النبي وهو ميت بالقبر لا يعلم؟! وقد يقال: إن هذه الكلمة تشعر بأنه يعتقد أن الرسول يعلم وأنه حي، وهذا غلط، والذي ينبغي أن يقول: حياك الله، ويرد عليه تحيته، ولا يقول: حياك النبي.
стр. 167
دروس في العقيدة [٨]
الشرك بالله تعالى أنواع كثيرة، فمنه شرك الدعاء، وشرك الاستعاذة، وشرك الرقى، وشرك الاستعانة، وشرك الاستغاثة، وشرك الرياء، وشرك التبرك، وشرك النذر.
والواجب على المسلم أن يعلم هذه الأمور حتى لا يقع في مزالق الانحراف في توحيد الله تعالى.
стр. 168
أنواع من الشرك
стр. 169
شرك الدعاء
فإنه لا يزال الحديث موصولاً بالكلام على توحيد الألوهية -وهو العبادة- وما ينافيه من الشرك، وقد سبق أن استعرضنا بعض أمثلة الشرك في العبادة، وهي: شرك المحبة، وشرك الخوف، وشرك الرجاء.
ومن الأمثلة كذلك: الشرك في الدعاء، وهو: أن يدعو الإنسان غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يدعو ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً أو جنياً أو شجرة أو قبراً أو ولياً أو ملكاً، أو غيرهم ممن هو عاجز لا يقدر، فيكون قد أشرك بالله شركاً أكبر يخرجه من ملة الإسلام.
وسواء أكان هذا الدعاء طلباً للشفاعة أم لغيرها، كأن يسأل إنسان المدد، أو قضاء الحاجات، أو تفريج الكربات، أو إغاثة اللهفات، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، يخبر الله تعالى عن المشركين أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله، وأخلصوا له العبادة، وأخلصوا له الدعاء، فإذا نجاهم إلى البر أشركوا بالله ، ودعوا غيره، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، يعني: المشركين.
فقد حكم الله تعالى على من دعا غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه بالشرك قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤] فسماه الله شركاً، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤].
وقد حكم الله على من دعا غيره بالكفر، فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وقال : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] يعني: قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]، فحكم عليهم بالكذب، وكفرهم بهذا العمل في قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
وبين الله أن غيره من المدعوين لا يملكون للداعي شيئاً، ولا يستطيعون إجابة دعائه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، والقطمير هو: اللفافة الرقيقة البيضاء على نواة التمرة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، أي: لا يسمع؛ لأنه غائب، أو ميت قد بليت عظامه وصارت تراباً.
﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ [فاطر:١٤] على الفرض والتقدير ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤].
وهذا النوع من الشرك في الدعاء انتشر ووقع فيه كثير من المشركين قديماً وحديثاً، فأنت تجد في بعض القبور من يسميه بعضهم بالولي، فتسمع ارتفاع الأصوات بالضجيج والدعاء: يا فلان، يا فلان، يا عبد القادر الجيلاني! أغثني، مدد مدد! يا دسوقي! مدد مدد! يا سيدي البدوي أغثني المدد المدد! يا حسين! يا نفيسة! يا ابن علوان! وهكذا تسمع في كثير من الأماكن والبلدان في غير هذه البلاد قبوراً تدعى من دون الله.
وبعض الحجاج حينما يأتون للحج، ومن ثم زيارة مسجد الرسول ﵊ تجدهم يقعون في الشرك، فيقول أحدهم: يا سيدي يا رسول الله أغثني! يا سيدي يا رسول الله! فرج كربتي! يا سيدي يا رسول الله! جئتك من بلاد بعيدة، لا تخيب رجائي! أنا في حسبك! أنا في جوارك! وبعضهم يقول: اغفر ذنبي! أدخلني الجنة! نجني من النار! وهذا شرك أكبر، وهو شرك أهل الجاهلية.
والشرك الذي بعث رسول الله ﷺ بالنهي عنه، وقتال فاعله وتكفيره واستحلال دمه وماله هو شرك الدعاء الذي انتشر وعم وطم في كثير من البلدان، وفي كثير من الأقطار في الأزمنة القديمة، وفي العصور الحاضرة، فمن فعل ذلك فإنه يكون مشركاً وثنياً، إلا من تاب، ومن تاب تاب الله عليه، فمن دعا غير الله فقد أشرك، والمراد بالدعاء: الذي يكون فيما وراء الأسباب، أما إذا دعا حياً حاضراً قادراً معه أسباب ظاهرة فلا يكون دعاؤه شركاً، كأن يدعو شخصاً يطلب منه حاجة دنيوية فيقول: يا فلان! أعني على إصلاح بيتي، أعني على إصلاح سيارتي، يا فلان! ساعدني على إصلاح مزرعتي، أقرضني مالاً، أو كان غريقاً يطلب إنقاذه من غرقه، فهذا لا بأس به، وهذا بخلاف الميت، فإنه لا يستطيع؛ لأنه ليس معه أسباب ظاهرة، وكذلك الغائب، والحي الحاضر الذي لا يقدر.
стр. 170
شرك الاستعانة والاستغاثة
الشرك في الاستعانة هو: أن يستعين بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستعين بميت، أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول للميت: أعني على قضاء ديني، أو ينادي غائباً أن يعينه، أو يستعين بأسماء الملائكة، أو أسماء الجن، أو الأنبياء.
والاستعانة لا تكون إلا بالله، قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك، أما من استعان بحي حاضر قادر فلا بأس بذلك؛ لأن المراد بالاستعانة الممنوعة بالمخلوق: الاستعانة التي تكون فيما وراء الأسباب، أما إذا استعان بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، بل هذا جائز مباح، كأن يقول: يا فلان! أعني على إصلاح سيارتي، أعني على إصلاح مزرعتي، ساعدني على إنكار المنكر، ساعدني على الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
أما الشرك في الاستغاثة فهو: أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستغيث بميت أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يستغيث بأسماء الملائكة، أو بأسماء الجن، أو بأسماء الأنبياء، أو يستغيث الغريق بالميت أن ينقذه فيقول: يا فلان! أغثني.
يا سيدي البدوي! أغثني، أنقذني من الغرق! أو يا عبد القادر الجيلاني! أنقذني من الغرق، أو: أنفذني من الحريق! وهكذا.
والاستغاثة لا تكون إلا بالله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فإذا استغاث بميت، أو غائب، أوحي حاضرٍ فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك، والمراد بالاستغاثة الممنوعة الاستغاثة فيما وراء الأسباب، أما من استغاث بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، بل هذا جائز.
ومثال ذلك: أن يستغيث غريق برجل أمامه يعرف السباحة، فيقول: يا فلان! أغثني.
فهذا لا بأس به، أو استغاثة مَنْ وقع في كربة كحريق، فيستغيث بمن يستطيع إنقاذه، فهذا لا بأس به، قال الله تعالى في شأن موسى ﵊ لما خرج فوجد قبطياً وإسرائيلياً يقتتلان، وكان الإسرائيلي من شيعة موسى، والقبطي من عدوه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]، استغاث الإسرائيلي بموسى، فأغاثه موسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥]، فهذه استغاثة بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة.
والفرق بين الاستعانة والاستغاثة والدعاء من حيث العموم والخصوص: أن الدعاء والاستعانة أعم، والاستغاثة أخص؛ لأن الاستغاثة دعاء خاص لا تكون إلا ممن وقع في كربة أو شدة، فإذا دعا من هو في كربة أو شدة يقال لفعله: استغاثة، كالغريق إذا دعا من ينقذه من الغرق.
أما الدعاء فإنه يكون ممن هو في كربة ومن غيره، وكذلك الاستعانة أعم، فهي تشمل الداعي في كربة وفي غيرها، فالدعاء والاستعانة كل منهما أعم من الاستغاثة، فالاستغاثة نوع من الدعاء، لكنها تكون من المكروب، والدعاء من المكروب يسمى استغاثة، والدعاء من غير المكروب يسمى دعاء.
стр. 171
شرك الاستعاذة
الشرك في الاستعاذة هو: أن يستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يستعيذ بميت، أو غائب، أو حي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، كأن يقول: يا فلان -ينادي القبر-! أعذني، يا سيدي البدوي! أعذني من فلان، أعذني من العدو الفلاني، فيلوذ به ويلتجئ إليه، فهذا يكون شركاً؛ لأن الاستعاذة عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١].
وثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ قالت: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك)، فهذه استعاذت بالله، والاستعاذة بالله توحيد.
والمراد بالاستعاذة الشركية: الاستعاذة فيما وراء الأسباب، أما من استعاذ بحي حاضر قادر معه أسباب ظاهرة فاستعاذته لا تكون شركاً؛ لأنه حي حاضر قادر أمامك، كأن تقول: يا فلان! أعذني من شر أولادك، أو يا فلان! أعذني من شر زوجتك؛ لأنها سليطة اللسان، أو: أعذني من شر خادمك، فلا بأس بهذا؛ لأنك تستعيذ بحي حاضر قادر يستطيع أن يمنع أولاده، ويستطيع أن يمنع خادمه، ويستطيع أن يمنع زوجته، فهذه استعاذة حسية أسبابها ظاهرة، فلا بأس بها.
стр. 172
شرك الرقى
الرقى المقصود بها: الرقية التي يُرقى بها صاحب الآفة، كالحمى والصرع، فإذا رقى شخص شخصاً بأسماء الملائكة، أو بأسماء الجن، أو بأسماء الأموات أو الغائبين أو غيرهم فهذا يقع في الشرك، أما إذا رقى شخصاً بآيات من القرآن، أو بأسماء الله وصفاته، أو بأدعية لا محذور فيها فلا يكون فعله شركاً، بل هي رقية مستحبة أو جائزة.
والرقية الشرعية لها ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون الرقية بآيات من القرآن، أو بأسماء الله وصفاته، أو بأدعية شرعية، أو بأدعية مباحة لا محذور فيها، كأن يقول -كما ورد في الحديث-: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك)، وكذلك: (اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما).
وكذلك: (أعيذك بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، وكذلك: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم).
الشرط الثاني: أن تكون بلسان عربي، فلا يرقية بلغة أجنبيه كالإنجليزية أو غيرها، ولا يكون فيها تمتمة، كحال بعض السحرة، أو المشعوذين إذا أراد أن يرقي فيتمتم بكلمات فلا تدري ما يقول، فلابد من أن تكون بلسان عربي مفهوم معلوم، أما تمتمة السحرة والمشعوذين فلا تجوز، وبعض المشعوذين والسحرة يقرأ أمامك، فيجهر بقراءة الفاتحة، أو (قل هو الله أحد)، حتى تطمئن إليه في أول الأمر، ثم يتمتم، فلا تدري ماذا يقول؟ فيحتمل أنه يرقي بأسماء الجن، أو الشياطين، فلا بد من أن تكون بلسان عربي مفهوم.
الشرط الثالث: أن يعتقد بأنها سبب، والشافي هو الله.
فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة فهي رقية شرعية.
стр. 173
شرك الرياء
الشرك في الرياء هو: شرك النية والإرادة والقصد، وهؤلاء الذين يقعون في شرك الرياء على طبقتين: الطبقة الأولى: المنافقون الذين أسلموا لأجل الدنيا، وهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وإنما أسلموا لأجل الدنيا، فهم يصومون ويتصدقون ويحجون مراءاة للناس، فهؤلاء أشركوا شركاً أكبر، وهم أهل الرياء الكثير.
الطبقة الثانية: مؤمنون مسبحون، مؤمنون بالله واليوم الآخر، عملوا أعمالاً صالحة أرادوا بها الرياء، فهؤلاء وقعوا في الشرك الأصغر، فالرياء إذا كان كثيراً كان شركاً أكبر، وهذا الذي يكون من المنافقين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فيقع ممن معه ناقض من نواقض الإسلام كالمنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فهم يصومون ويتصدقون ويحجون مراءاة للناس، كما كان يفعل ذلك عبد الله بن أبي زعيم المنافقين في زمن النبي ﷺ ، فهم يصلون، ويحجون، ويجاهدون مع النبي ﷺ ، وفي يوم أحد رجع عبد الله بن أبي بثلث الجيش، وقال: إن محمداً لا يطيعني، فهو دخل في الإسلام نفاقاً فلم يكن مؤمناً بالله واليوم الآخر، وإن كان يصلي ويصوم ويتصدق.
أما المؤمن بالله واليوم الآخر إذا صدر منه الرياء في العمل فهو شرك أصغر، أما إذا كان الرياء في العقيدة فهو شرك أكبر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، فهذه الآية في أهل الرياء الأكبر من الكفار، ولكن عمومها يتناول -أيضاً- أهل الرياء اليسير، وهم المؤمنون.
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠].
فالمنافق يكثر منه الرياء في العقيدة؛ لأنه دخل في الإسلام رياءً ونفاقاً، وأهل الرياء الكثير أعمالهم حابطة، وهم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].
أما المؤمن فإنه يقع منه الرياء في العمل، كأن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً، أو محمدة، أو جاهاً، كمن يحج ليأخذ مالاً، أو يجاهد ليأخذ مالاًَ، أو يتعلم العلم الشرعي ليأخذ مالاً، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يتعلم القرآن أو يحافظ على الصلاة لأجل وظيفة في المسجد، فهذا شرك أصغر ينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل الذي قارنه فقط، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وهناك صاحب الشائبتين، وهذا مسكوت عنه، وهو الذي يؤدي الواجبات إخلاصاً لله، ثم يعمل أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، كالمؤمن الذي يؤدي الصلوات الخمس، والزكاة، ويصوم، ويحج، ثم يعمل أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، كأن يحج فريضة الله عليه، ثم يحج بعد حجة الفرض لأجل الدنيا، فهذا صاحب الشائبتين، وهو مسكوت عنه، فالقرآن كثيراً ما يذكر أصحاب الجنة الخلص، وأصحاب النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، فهو لما غلب عليه منهما، فإذا غلب عليه قصد وجه الله فهو لما غلب عليه، وإذا غلب عليه قصد الدنيا فهو لما غلب عليه، وهو على خطر عظيم.
стр. 174
شرك التبرك
الشرك في التبرك كالتبرك بالأشجار، أو الأحجار، أو أن يتبرك ببقعة أو غار أو عين أو موطئ أو أثر أو مقام كمقام إبراهيم أو صخرة بيت المقدس أو حجرة النبي ﷺ .
ومعنى التبرك: اعتقاد البركة ورجاؤه في هذا الشيء الذي يتبرك به.
وهذا هو الذي وقع فيه المشركون في زمن النبي ﷺ ؛ فإنهم كانوا يدعون أوثانهم، ويذبحون لها وينذرون ويرجون ويؤملون منها، فهؤلاء وقعوا في الشرك الأكبر، فإذا تبرك بشجر، أو بحجر، واعتقد أن البركة حاصلة في ذاتها؛ فقد وقع في الشرك الأكبر؛ لأن الله لم يجعل فيها تلك البركة التي يعتقدها.
أما إذا اعتقد أن البركة من الله، ولكن الله جعل هذه الشجر سبباً للبركة، أو هذا الحجر سبباً للبركة، أو هذا المقام سبباً للبركة فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد أن البركة من الله، لكنه اعتقد أن هذا الشجر فيه بركة، أو أن هذا الحجر فيه بركة، أما إذا اعتقد أن البركة ذاتية فيها فهذا شرك أكبر.
أما إذا كان الشخص فيه خير، وجعل الله على يديه خيراً ونفعاً وقيل له: أنت رجل مبارك، أو هذه من بركتك، فهذا لا بأس به، والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين في قصة التيمم، فإن النبي ﷺ في إحدى الغزوات لما أراد الرحيل انقطع عند رحيله عقد لـ عائشة، فحبس النبي ﷺ الناس، وأرسل رجالاً يطلبون عقد عائشة، وذهبوا بعيداً فلم يجدوه، وحضرت الصلاة وليس عندهم ماء، ولم يكن شرع التيمم بعد، فصلوا بغير ماء ولا تيمم، فلما بعثوا البعير وجدوا العقد تحته، وأقسام الناس وليس معهم ماء، وحضرت الصلاة، فأنزل الله آية التيمم، فتيمم الناس، فقال أسيد بن حضير لـ عائشة ﵂: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
أي: هذه من بركاتكم التي جعل الله فيكم حيث حبست الناس من أجل العقد، ثم أنزل الله آية التيمم.
قال: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر -يخاطب عائشة - فو الله ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينه إلا جعل الله لك منه مخرجاً، وللمسلمين منه خير وبركة.
أو كما جاء في الحديث، وأقره النبي ﷺ على هذه المقالة.
وهذه قصة فيها فوائد، منها: أولاً: أن فاقد الماء والتراب يصلي بغير ماء ولا تراب؛ لأن الصحابة الذين أرسلهم النبي ﷺ يلتمسون العقد حضرت الصلاة وليس معهم ماء، ولم يشرع التيمم، فصلوا بغير تراب ولا ماء، فدل ذلك على أن فاقد الطهورين يصلي بغير ماء ولا تراب، مثل إنسان مريض في المستشفى لا يستطيع أن يتيمم وليس عنده تراب، ولا عنده أحد ييممه، ولا يستطيع الوضوء، فيصلي بالنية على حسب حاله، أو إنسان محبوس، أو مصلوب على خشبة لا يستطيع أن يتيمم، فيصلي بغير ماء ولا تراب.
ثانياً: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ففيها الرد على من قال: إن الرسول ﷺ يعلم الغيب كما قاله بعض الطوائف التي غلوا في النبي ﷺ ، ويدَّعون أنه يعلم الغيب، فالنبي ﷺ لم يكن يدري أين عقد عائشة، ولذلك أرسل رجالا ًيبحثون عنه، وذهبوا بعيداً يبحثون عنه ولم يجدوه، فلما بعثوا البعير وجدوا العقد تحته، فلو كان يعلم الغيب لما بحث عنه، ولا أرسل أناساً يبحثون عنه.
وفي هذا الباب قصة أبي واقد الليثي ﵁ أنه قال: (غزونا مع النبي ﷺ غزوة حنين، وكنا حديثي عهد بشرك، فمررنا بالمشركين ولهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم -يعني: يعلقون بها أسلحتهم- يقال لها: ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط)، أي: اجعل لنا سدرة نتمسح بها ونتبرك، ونجعل عليها سلاحنا مثلهم، فأنكر ذلك عليهم النبي ﷺ وقال: (الله أكبر؛ إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨])، فالنبي ﷺ جعل مقالة الصحابة: (اجعل لنا ذات أنواط) كمقالة بني إسرائيل لموسى، فالعبرة بالمعنى.
ولكن الصحابة لم يفعلوا الشرك، فهم قالوا ذلك عن جهل، واعتذر أبو واقد الليثي بقوله: (وكنا حديثي عهد بشرك) أي: أسلمنا قريباً، فلما زجرهم النبي ﷺ انزجروا وامتنعوا فلم يفعلوا الشرك، ففيه دليل على أن الإنسان إذا طلب أن يفعل الشرك جاهلاً ثم منع منه، وبين له فانزجر وامتنع لا يقع في الشرك، وكذلك بنو إسرائيل لم يقعوا في الشرك؛ لأنهم ما فعلوا، وإنما طلبوا عن جهل، فبين لهم نبي الله موسى ﵇ وزجرهم عن ذلك، وكذلك نبينا محمد ﷺ بين لهم أن هذه المقالة مثل مقالة بني إسرائيل، فلم يقعوا في الشرك، كما أن بني إسرائيل أيضاً لم يقعوا في الشرك.
فالمقصود أن التبرك بالشجر والحجر وغيره إذا فعله الإنسان، واعتقد أن فيه بركة، فإن كان يعتقد أن البركة ذاتية منه فهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه سبب، والبركة من الله، وأن الله جعله سبباً للبركة فهذا شرك أصغر.
أما إذا استظل تحت الشجرة وعلق عليها سلاحه لا يقصد شيئاً من ذلك؛ فهذا لا شيء فيه.
стр. 175
شرك النذر
الشرك في النذر هو: أن ينذر لغير الله تقرباً لذلك الغير يرجو شفاعته، أو نفعه، كالذين ينذرون للقبور تقرباً إلى أصحابها؛ ليشفعوا لهم ويقضوا حوائجهم، أو ينذرون للأموات، كأن يقول: يا سيدي البدوي! إن شفى الله مريضي فلك علي كذا وكذا من الجنيهات أو من الدراهم يقسمها على روحه أو: إن شفى الله مريضي فلك ذبيحة أذبحها أتقرب بها إليك! أو ينذر أن يصلي له، أو ينذر أن يصوم له، فالنذر عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠].
ومن نذر وجب عليه الوفاء، قال ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، فإذا نذر الإنسان طاعة لله -سواء أكان نذراً معلقاً أم غير معلق- أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وجب عليه أن يصوم، أو نذر أن يصلي عشرين ركعة وجب عليه الوفاء، أو نذر أن يحج وجب عليه كذلك.
وهذا إذا كان نذر طاعة، أما إذا كان نذر معصية فليس له الوفاء به، مثل من نذر أن يشرب الخمر، أو يشرب الدخان، أو نذر أن يعق والديه، أو يقطع رحمه، فلا يجوز له الوفاء به، وعليه التوبة والاستغفار، وعليه مع ذلك كفارة يمين، كما جاء في بعض الأحاديث (وعليه كفارة يمين) أما إذا نذر لغير الله فهذا شرك.
وأصل النذر مكروه؛ لأنه يلزم نفسه بشيء، ويوجب على نفسه شيئاً عافاه الله منه، وقد لا يستطيع الوفاء به، وقد يشق عليه بعد ذلك، فلا ينبغي للإنسان أن ينذر، بل ينبغي للإنسان أن يفعل الطاعة بدون نذر، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إياكم والنذر؛ فإنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)، فالبخيل هو الذي لا يخرج شيئاً إلا إذا نذر، لكن غير البخيل يتصدق، ويصوم، ويصلي، ولو لم يوجب على نفسه شيئاً، ولأن الناذر قد يتصور أن النذر هو السبب في قضاء حاجته، وهذا غلط كبير، فليس النذر سبباً في قضاء الحاجة، فالله تعالى يقضي الحاجة، سواء نذرت أو لم تنذر، وقد لا تُقضى حاجتك، سواء نذرت أو لم تنذر.
فالنذر مكروه أو حرام، وبعض العلماء قال بأنه مكروه، لكن إذا نذر طاعة وجب الوفاء بها، وقد مدح الله الأبرار في وفائهم بالنذر، فإذا وقع النذر وكان طاعة فإنه يمدح الوفاء به، ويثنى على من وفى به، قال الله تعالى في وصف الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧].
وقد ينذر الإنسان نذراً ثم يعجز بعد ذلك عن الوفاء به، فيكون وعد الله بشيء ثم لم يف بوعده، فيكون شبيهاً بالمنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧].
وقد يشق على الإنسان الوفاء بالنذر، ثم يذهب إلى عتبة كل عالم لعله يجد مخرجاً يخلصه من هذا النذر، فالذي ينبغي للإنسان ألا ينذر، بل يفعل الطاعة من دون نذر.
стр. 176
شرك الذبح
الشرك في الذبح هو: أن يذبح لغير الله تقرباً لذلك الغير.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فنفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات، فيجب أن تكون الصلاة، والنسك، والذبح، والحياة، والممات كلها لله لا شريك له في ذلك، قال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وفي حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض).
стр. 177
شرح التوبة
الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله .
فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
وثبت في مسند الإمام أحمد ﵁: (أن أسيراً أتي به إلى النبي ﷺ فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد.
فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها.
وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، وقال الله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
فلا يتاب إلا إلى الله ، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى.
وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم.
فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك.
فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه.
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي ﷺ وهتكها، قالت عائشة: ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية.
وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦].
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.
стр. 178
الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله .
فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
وثبت في مسند الإمام أحمد ﵁: (أن أسيراً أتي به إلى النبي ﷺ فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد.
فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها.
وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، وقال الله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
فلا يتاب إلا إلى الله ، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى.
وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم.
فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك.
فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه.
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي ﷺ وهتكها، قالت عائشة: ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية.
وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦].
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.
стр. 179
الأسئلة
стр. 180
حكم قول (في ذمتك) أو (أمانة)
السؤال
ما رأيك فيمن يقول: في ذمتك، أو أمانة، يريد الحلف؟
الجواب
هذا ليس حلفاً، فالحلف يكون بحروف القسم، فيقول: والله وتالله وبالله، فهذا حلف بالله، فإذا قال: بفلان، أو بلحيتك كان هذا حلفاً بغير الله، أما إذا قال بذمتك، أو قال: في ذمتك، فهذه ليست من صيغ القسم، إلا إذا كان على تقدير محذوف، أي: في ذمتك يمين، أو في أمانك وعهدك، فهذا يحتمل، والمقصود أن الحلف يكون بحروف القسم، فإذا قال: بذمتك، أو: بذمتي يريد القسم، صار ذلك قسماً بغير الله، فلا يجوز الحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته.
следующие страницы →