← Акыда

Акыда · id 37010

دروس في العقيدة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (427 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شرك الذبح الشرك في الذبح هو: أن يذبح لغير الله تقرباً لذلك الغير. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فنفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات، فيجب أن تكون الصلاة، والنسك، والذبح، والحياة، والممات كلها لله لا شريك له في ذلك، قال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وفي حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض).

стр. 177

شرح التوبة الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله . فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وثبت في مسند الإمام أحمد ﵁: (أن أسيراً أتي به إلى النبي ﷺ فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد. فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها. وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، وقال الله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. فلا يتاب إلا إلى الله ، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى. وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم. فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك. فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه. وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي ﷺ وهتكها، قالت عائشة: ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية. وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

стр. 178

الشرك في التوبة هو: أن يتوب العبد لغير الله فيما هو من خصائص الله وفيما لا يقدر عليه غير الله تعالى، وفي العبادات التي تخص الله . فإذا تاب لغير الله، وطلب التوبة والمغفرة من غير الله فقد وقع في الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وثبت في مسند الإمام أحمد ﵁: (أن أسيراً أتي به إلى النبي ﷺ فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب لمحمد. فقال النبي ﷺ : عرف الحق لأهله)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]، فالله أهل المغفرة وأهل التقوى، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]. فمن تاب لمخلوق وطلب منه أن يغفر ذنبه، وأن يمحو سيئته؛ لأنه ترك شيئاً من أنواع العبادة فقد وقع في الشرك، وهذا يقع عند الصوفية، فالمريد يتوب عند الشيخ، فيتوب عليه ويغفر ذنبه، وهذا شرك؛ لأن التوبة عبادة كما أن الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والتوبة عبادة لا تكون إلا لله، وكذلك النصراني يتوب عند القسيس، فيغفر ذنوبه كلها، فهو قد فعل الجرائم كلها ثم يتوب منها. وبعض الشيعة يتوب عند الرئيس من الشيعة، ويعطيه صك المغفرة، وفيه فتوى بأنه مغفور له، وأنه يدخل الجنة، فهذا شرك بالله تعالى، كتوبته من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو ترك الصلاة، أو غير ذلك من العبادات، والمسلم يتوب إلى الله لتقصيره في الواجبات، أو اجتراحه لبعض المحرمات، فيتوب إلى الله، فلا أحدَ يُتابُ إليه في فعل شيء من المحرمات أو ترك شيء من الواجبات، فالتوبة من خصائص الله، وهي عبادة لا تكون إلا لله، فليس بعد التوبة النصوح إلا تكفير السيئات ورفع الدرجات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨]، وقال الله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. فلا يتاب إلا إلى الله ، والله تعالى هو الذي يغفر الذنوب، فإذا قصرت في واجب فإنك تتوب إلى الله، وإذا فعلت محرماً تتوب إلى الله، وتندم على ما مضى، وحقيقة التوبة الندم على ما مضى، والإقلاع عن المعصية، والعزم على ألا تعود إلى المعصية مرة أخرى. وإذا كانت المعصية بينك وبين الناس فإنك ترد المظلمة إلى أهلها، فإن كانت مالاً ترده لأهله، أو كانت تتعلق بالبدن تسلم نفسك حتى يقتص منك، أو تُسامَح فيه، وإن كانت في عرض فإنك تتحلل منهم. فإذا كانت التوبة في حق المخلوق فلا بأس، أن تطلب منه أن يسامحك، فتقول: يا فلان! سامحني، فأنا تبت من تقصيري في حقك. فلو قصرت في حق والدك، أو حق صديقك فلا بأس بأن تتوب إليه فيما هو من حقه، وفيما هو من خصائصه. وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: (أنها وضعت نمرقة فيها صور فتغير النبي ﷺ وهتكها، قالت عائشة: ماذا أذنبت يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ فهي تتوب إلى الله فيما هو من خصائص الله، وتتوب إلى الرسول فيما هو من حقه، أي: إن كنت قصرت في حقك فأنا أتوب إليك يا رسول الله مما وقعت فيه من التقصير في حقك، وأتوب إلى الله من المعصية إن كنت فعلت المعصية. وأما التوبة في العبادات والواجبات وترك المحرمات فإنها تكون إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

стр. 179

الأسئلة

стр. 180

حكم قول (في ذمتك) أو (أمانة) السؤال ما رأيك فيمن يقول: في ذمتك، أو أمانة، يريد الحلف؟ الجواب هذا ليس حلفاً، فالحلف يكون بحروف القسم، فيقول: والله وتالله وبالله، فهذا حلف بالله، فإذا قال: بفلان، أو بلحيتك كان هذا حلفاً بغير الله، أما إذا قال بذمتك، أو قال: في ذمتك، فهذه ليست من صيغ القسم، إلا إذا كان على تقدير محذوف، أي: في ذمتك يمين، أو في أمانك وعهدك، فهذا يحتمل، والمقصود أن الحلف يكون بحروف القسم، فإذا قال: بذمتك، أو: بذمتي يريد القسم، صار ذلك قسماً بغير الله، فلا يجوز الحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته.

стр. 181

تعريف بالسيد البدوي وقبره السؤال من هو السيد البدوي؟ الجواب السيد البدوي قبر في طنطا بمصر، ويزار هذا القبر ويقع عنده أنواع من الشرك، حيث يدعى من دون الله، وتسمع ارتفاع الأصوات بالضجيج إذا قربت منه، كما حدثنا بذلك من شاهده، ويذبح عنده الذبائح، ويحجون إليه في وقت المولد، حتى إنه في بعض السنوات كما حُدِّثْتُ حَجَّ إلى قبر السيد البدوي ما يقارب المليونين، أي: أكثر من الحجاج الذين يحجون إلى بيت الله، وهذا من البلاء والمصائب، فهذا القبر يطوف به الناس كما يطوفون بالكعبة، وتسمع ضجيج الأصوات عنده، يا سيدي! البدوي! أغثني، أنا في حسبك! وبعض الجهال المصريين إذا جاء إلى مكة فإنه في بعض الأحيان لا يجد مواقف في الحرم، لكن قبر السيد البدوي فيه مواقف واسعة، فيقف الإنسان هناك بارتياح، ثم يأتي إلى القبر، ثم يقول: أنا أطوف، لكن لا أطوف سبعة أشواط، وإنما أطوف ستة أشواط أو خمسة، وهذا من الجهل، حيث يقارن بين مناسك الحج وهذا القبر. وبعضهم يقول: أنا أذبح عند السيد البدوي وأريد بذلك أن يأكل الفقراء. والمقصود أن هذه الذبائح يتقربون بها إليه، وهذا القبر يقال: إنه دفن فيه شخص، وقال آخرون: ليس فيه أحد، وقال بعضهم: دفن فيه حمار، فالمقصود أنه لو كان قبر نبي لم يجزالطواف به، ولا الذبح له، ولا النذر له، ولا دعاؤه من دون الله؛ فكل هذا من الشرك، حتى ولو كان قبر نبي من الأنبياء. وهذا من الشرك الذي ابتلي به الناس، وافتتن به كثير منهم، كما أنه يطاف بقبر الحسين، والدسوقي ونفيسة وابن علوان في اليمن، وعبد القادر الجيلاني في العراق، والكاظم، وفي كل مكان هناك قبور يطاف بها، في باكستان وليبيا وأفريقيا، ما عدا هذه البلاد التي سلَّمها الله، ونسأل الله أن يسلم أوطان المسلمين، وأن يبعد عنها الشرك، وأن يُكثِّر فيها دعاة الخير والإصلاح الذين يدعون إلى توحيد الله ويبصرون الناس بما يجب عليهم من حق الله، وينهونهم عن الشرك ووسائله وذرائعه.

стр. 182

حقيقة إجابة دعوة المستغيث بالقبر وداعيه السؤال قد نرى من يطلب من الميت أن يشفي ابنه، ونرى أن ذلك يتحقق بعد دعائه له، فهل هذا يعتبر من الاختبار أم لا؟ الجواب هذا من الشرك، فإذا طلب من الميت أن يشفي مريضه فهذا شرك، وإذا شفي المريض فهذا ابتلاء وامتحان له، وهذا الشفاء لمريضه مما وافق القضاء والقدر، فالله قدر أنه يُشفى في هذا الوقت، فلما دعا ثم شفي بعد ذلك ظن أن هذا بسبب دعاء الميت، فصار فتنة له واختباراً، وقد يكون هذا من الأسباب التي تغريه بالبقاء على الشرك. فبعض الناس قد يدعو الله عند قبر ثم يشفى مريضه، فيظن أن السر في القبر، وقد يكون السبب في إجابة دعائه أنه صاحب ضرورة، والله تعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. والمقصود أن هذا دعاء وافق القضاء والقدر، والله قدر لكل شيء قدراً، وفي اللوح المحفوظ أن هذا يشفى في الوقت الفلاني، فلما دعا وأشرك بالله وحصل الشفاء لمريضه ظن أن هذا بسببه، وصار فتنة له، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 183

شرك الدعاء السؤال ما تعريف شرك الدعاء؟ الجواب الشرك في الدعاء هو: أن يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، سواء أكان طلباً للشفاعة أم لغيرها، فيسأله المدد أو قضاء الحاجات وتفريج الكربات، كأن يدعو ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل أن يقول: يا فلان أغثني! يا سيدي البدوي! أو: يا سيدي يا رسول الله! أو: يا سيدي الدسوقي! أو: يا نفيسة! أو: يا عبد القادر! أو: يا ابن علوان! أغثني، المدد المدد، فرج كربتي، خذ بيدي، لا تخيب رجائي، اشفع لي! فهذا كله شرك مع الله تعالى. أما من دعا حياً حاضراً أمامه ومعه أسباب ظاهرة فلا يكون ذلك شركاً، كأن يقول: يا فلان! أعني على إصلاح بيتي، أو: أعني على بناء بيتي، أو: إصلاح مزرعتي، أو: إصلاح سيارتي، أو: أقرضني مالاً، فهذا لا يكون شركاً؛ لأنه حي حاضر قادر أمامه، معه أسباب ظاهرة.

стр. 184

عقيدة الجيلاني السؤال هل كان عبد القادر الجيلاني على عقيدة أهل السنة والجماعة، وتلامذته هم الذين عظموه بعد وفاته؟ الجواب نعم، فـ عبد القادر الجيلاني من الصالحين، وهو من علماء الحنابلة، ولكن الناس عكفوا على قبره وغلوا فيه ودعوه من دون الله، وهو لا يرضى بذلك، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأثنى عليه، وله كتاب (الغنية)، ومن ذلك أيضاً أن شيخ الإسلام ﵀ ذكر قصة له تبين أن الشياطين تستولي على بعض الناس فتغريهم بالشرك وتتسلط عليهم كما تتسلط على المشركين، فبعض الشياطين تدخل في القبور، وتخاطب من يدعوها من دون الله، ويسمع منها الصوت، مثل العزى كان يسمع منها الصوت، فيظن المشرك أنه إذا دعاه وأجابه أنه سيقضي له حاجته، وقد ينشق القبر ثم يخرج شيطان في صورة الميت ويسلم عليه، ويقول: أنا أقضي لك حوائجك، حتى يغريه بالشرك ويشده إليه، هكذا كان شيخ الإسلام يقول: ذكر لي شخص أنه رآني في صورتي في البلد الفلاني، وأنا في البلد الفلاني. ومن ذلك ما حصل لـ عبد القادر الجيلاني، حيث قال: رأيت عرشاً بين السماء والأرض، فنادني بصوت فقال: يا عبد القادر! أنا ربك قد أسقطت عنك الفرائض، وأبحت لك المحارم كلها. فقلت: اخسأ يا عدو الله، فتمزق ذلك العرش، وذهب ذلك النور، وقال: نجوت مني بحلمك وعلمك يا عبد القادر، وقد أغويت بهذه الفعلة سبعين صِدِّيقاً أو كما قال. ثم قيل له: كيف عرفت -يا عبد القادر - أنه الشيطان؟ قال: عرفت عندما قال: أسقطت عنك الواجبات وأبحت لك المحرمات، والأصل أن الواجبات لا تسقط عن أحد، فهي لا تسقط عن أحد إلا من فقد عقله، وقال: إنه لم يستطع أن يقول: أنا الله، وإنما قال: أنا ربك. فهذه من القصص التي ذكرها شيخ الإسلام عن عبد القادر الجيلاني، فالشيطان يتخذ عرشاً من نور بين السماء والأرض، فيخاطبه الشياطين، ولهم أفعال شيطانية كثيرة ولاسيما على من يتسلطون عليهم من عباد القبور وغيرهم، فيشجعونهم على البقاء على الشرك، حتى إنه إذا ترك العبد الشرك يأتيه الشيطان ويقوم بإيذائه والتسلط عليه حتى يفعل الشرك، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، فالذي يتولاه يكون له عليه سلطان، حتى إن بعض عباد القبور يأتي يزحف، أو وهو ساجد حتى يصل إلى القبر، ويقول: إنه لا يستطيع أن يمشي وهو قائم، ولو أنه مشى قائماً لخبطه الشيطان حتى يعظم هذا الميت، ويمشي وهو راكع أو يمشي على ركبتيه، وهذا مشاهد وواقع في قصص كثيرة من هذا القبيل. وقد ذكر لي أحد المصريين الحجاج أنه يذبح للسيد البدوي، وبعضهم يقول: إنه يذبح في العام مرة، ويقول: عليه ذبيحة لأهل الله. وقال: إني أردت مرة أن أترك الذبح، أو تأخرت عن الذبح، فجاءني في الليل جمل قد فتح فاه يريد أن يأكلني، وما تخلصت منه حتى ذبحت له، فانظر كيف أن الشياطين تتسلط عليهم حتى يذبحوا للقبور، كما قال الله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠].

стр. 185

حكم زيارة القبور في أول يوم من العيدين السؤال في منطقتي يذهب الناس في اليوم الأول من العيدين بعد صلاة الفجر إلى زيارة القبور، ويدعون لهم، فالابن يذهب إلى قبر أبيه وأمه وجده وغيرهم من الأقارب، فهل يوجد دليل شرعي على اختصاص زيارة القبور في مثل هذا اليوم الأول من العيدين؟ الجواب لا أعلم دليلاً يدل على تخصيص يوم العيد بالزيارة، وإنما يزور الإنسان القبر في كل وقت شاء، فليس هناك وقت محدد، يزور الإنسان فيه قبر قريبه ويسلم عليه ويدعو له ويترحم عليه ثم ينصرف. والواجب إذا زار القبر ألا يقرأ شيئاً من القرآن، ولا يجلس عنده، ولا يصلي في المقبرة، فكل هذا من وسائل الشرك. والزيارة الشرعية فيها فائدتان: فائدة للحي، وفائدة للميت، ففائدة الميت أن تدعو له وتترحم عليه، وفائدة الحي أن يرق قلبك، وتتذكر الآخرة، وتتذكر مصيرك وأنك صائر إلى ما صار إليه، وتسلم عليه، فتقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تقبله برحمتك إلخ.

стр. 186

العمل شرط في صحة الإيمان السؤال هل العمل شرط لصحة الإيمان أم لا؟ الجواب نعم، فالإيمان لا يكفي فيه الاعتراف والتصديق بالقلب فقط، بل لابد فيه من شرط الانقياد، والانقياد يكون بالعمل، وإلا صار كإيمان فرعون، فإيمانه إيمان بلا عمل. كما أن العمل لا يصح بدون تصديق القلب، وإلا كان كإيمان المنافقين، فالمنافقون يعملون وليس عندهم إيمان وتصديق بالقلب، فهم يصلون ويصومون ويتصدقون، لكن ليس عندهم إيمان، فالإسلام لا بد له من إيمان يصححه، والإيمان لا بد له من أعمال يتحقق بها. ومن يدعي الإيمان ولا يعمل فهو كفرعون الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، وقال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] فهو عالم معترف، لكن لم يعمل، فلابد من أن تكون الجوارح منقادة بالعمل، فمن شروط (لا إله إلا الله) الانقياد، والانقياد يكون بالعمل.

стр. 187

حكم تبرك المسلم بأخيه مزاحاً السؤال يقع من بعض الإخوان أن يتمسح بأخيه ويتبرك به من باب المزاح، مع اعتقاد جازم بأن هذا الشخص لن يضره ولن ينفعه، فهل هذا يقع عليه مثال الشرك بالتبرك؟ الجواب إن كان يطلب البركة ويعتقد أن البركة من الله، وهذا سبب، وليس شخصاً مباركاً؛ فهذا من الشرك الأصغر، أما إذا كان شخصاً مباركاً فيه خير ونفع للإسلام والمسلمين، كعالم ينفع الله به الناس، أو محسن يتصدق وينفق أمواله لمساعدة الآخرين، فهذا لا بأس به، وإن كان يعتقد أن ذاته فيها بركة فهذا شرك أكبر، وإذا كان ذلك ليس عن عقيدة فلا يضر. فالمهم النية ومقصوده من هذا المسح، فإن كان مزاحاً فقط من دون نية، التبرك فهذا شيء آخر، أما إذا قصد التبرك فهذا على حسب التفصيل السابق.

стр. 188

حكم طروء الرياء في أثناء العمل وبعده السؤال أحياناً أعمل بعض الأعمال أريد بها وجه الله تعالى، لكن بعد العمل أو أثناء العمل يدخل في قلبي شيء من الرياء، كفرحي بعلم فلان من الناس، أو حبي أن أمدح، فهل هذا من الرياء؟ وما العلاج لهذا؟ الجواب إن كان ذلك في أثناء العمل فهذا فيه تفصيل: إن طرأ الرياء في أثناء العمل وكان خاطراً ودفعه فلا يضره، أما إذا استرسل فيه ففيه خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: يجازى بنيته الأولى؛ لأن نيته الأولى كانت لله، ومن العلماء من قال: إذا استرسل معه إلى نهاية العمل فإنه يحبط العمل. وأما إذا كان بعد العمل، ثم أثنى عليه الناس فهذا لا يضره؛ لأن تلك عاجل بشرى المؤمن، كما في الحديث: (تلك عاجل بشرى المؤمن)، لكن لا يتحدث هو بالعمل، لكن لو تحدَّث الناس بعمله، أو علم الناس به، ثم سره ذلك فلا يضره ذلك، فهذا من عاجل بشرى المؤمن، أما أن يتحدث بعمله ويقول: أنا أفعل كذا، وأنا أصوم، وأنا أصلي الليل، وأنا أصوم الإثنين والخميس؛ فهذا من الرياء كما ذكر العلماء. والإنسان إذا وقع في شيء من ذلك فليجاهد نفسه، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليدفع هذه الخواطر، وليعلم أن الناس لا ينفعونه ولا يضرونه.

стр. 189

كيفية زيارة القبور السؤال ما هي الصيغة المشروعة في زيارة القبور، وهل الداعي إذا دعا للميت يستقبل القبر؟ الجواب نعم يستقبل القبر ويسلم عليه، ويقول: السلام عليك -يا فلان- ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وكان ابن عمر ﵄ إذا زار قبر النبي ﷺ قال: السلام عليك يا رسول الله. ثم يتأخر ويقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام عليك يا أبتاه. ثم ينصرف. ولكن لا يجوز له أن يقرأ القرآن عنده، ولا يصلي عند القبر، فكل هذا من وسائل الشرك، ولا يطيل المكث، بل يدعو ثم ينصرف.

стр. 190

الجنيد والتيجاني والطرق الصوفية السؤال من هو الإمام الجنيد، ومن هو التيجاني؟ الجواب الجنيد من الصوفية، واسمه أبو القاسم الجنيد، وكان يثني عليه شيخ الإسلام ﵀، وتنتسب إليه الصوفية، لكنه من الصوفية المعتدلة، ولهذا نقل عنه شيخ الإسلام وابن القيم أنه قال: (علمنا -أي: الصوفية- مقيد بالكتاب والسنة) وهذا كلام عظيم. أما التيجاني فهو رئيس فرقة التيجانية، وتنتسب إليه التيجانية، وهي فرقة من فرق الصوفية، ومن الفرق الصوفية: القادرية والنقشبندية، وهناك طرق كثيرة موجودة في السودان وباكستان وأفريقيا والشام ومصر، وكل طريقة لها شيخ، ومن هذه الطرق ما يوصل إلى الكفر، ومنها ما يوصل إلى البدعة، ومن هذه البدع صلاة الفاتح، ويعتقدون أن صلاة الفاتح أفضل من الصلاة على النبي ﷺ ، أو يعتقدون أنها أفضل من القرآن، وكذلك الطريقة الشاذلية، وهناك كتب ومؤلفات في هذا، فعلى السائل أن يرجع إلى تفاصيل هذه الطرق في المؤلفات، ليرى الأذكار التي عندهم، وكيف أنهم يتمسحون بشيوخهم، وبعض هذه الطرق تعبد شيوخها، فالواحد منهم يقول له الشيخ: إذا أردت أن تعصي الله فاذكرني. يعني: خف مني ولا تخف من الله. ويقدمونهم على النبي ﷺ ، ويعرضون كلام الرسول على كلامهم، فما وافق كلامهم قبلوه وما خالفه ردوه. وقد يكون في البلد الواحد أكثر من مائة طريقة، وكل طريقة لها شيخ، ولهم طريقة في الأذكار، ولهم طريقة في تقديس وتعظيم شيوخهم، ومنهم المبتدع، ومنهم الكافر، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 191

الفرق بين كمال التوحيد الواجب وكمال التوحيد المستحب السؤال ما الفرق بين كمال التوحيد الواجب وكمال التوحيد المستحب، مع ذكر مثال يوضح ذلك؟ الجواب كمال التوحيد الواجب تنافيه المعصية، فمثلاً: إذا عصى الإنسان ربه نقص توحيده، وذلك مثل قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، فكونه لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ينقص كمال التوحيد الواجب أو كمال الإيمان الواجب، وكذلك قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فإذا قدم شيئاً من محبة الولد أو الوالد فإنه ينقص كمال التوحيد الواجب، ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فإذا قدم شيئاً من محبة الآباء أو الأبناء أو الإخوان أو الأزواج أو العشيرة على الله ورسوله فإنه متوعد بهذا الوعيد، ويكون فاسقاً، لقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، أما إذا ترك شيئاً من المستحبات غير الواجبة، فهذا هو الذي ينقص كمال الإيمان المستحب. إذاً: هناك فرق، فمن ترك شيئاً واجباً فقد نقص كمال التوحيد والإيمان الواجب، وإذا ترك المستحب فهذا نقص في الكمال المستحب. فالزاني أو السارق فعله لهذه المعصية ينقص إيمانه الواجب، لا إيمانه المستحب، وكذلك إذا قصر في بعض الواجبات، كما إذا قصر في بره بوالديه أو صلته لرحمه، فيكون ناقص الإيمان وناقص التوحيد. أما إذا ترك شيئاً من المستحبات -كأن يترك بعض النوافل، مثل صلاة الليل- فقد ترك شيئاً مستحباً.

стр. 192

سماع الموتى كلام الأحياء السؤال هل الميت يسمع كلام أصحابه إذا حدثوه وهو في القبر؟ الجواب الأصل أنه لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، فالأصل أن الميت لا يسمع، إلا ما ورد فيه الدليل بأنه يسمعه، كما جاء في الحديث أن الميت إذا دفنه أصحابه وتولوا عنه سمع قرع نعالهم، وكذلك أيضاً صناديد قريش الذين قتلوا يوم بدر وسحبوا وألقوا في قليب هناك، فناداهم النبي ﷺ وقال: (يا فلان ابن فلان! يا فلان ابن فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؛ فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً. فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أناس هلكى؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون) فالقتلى الذين سحبوا إلى القليب في يوم بدر سمعوا كلام الرسول ﷺ .

стр. 193

العذر بالجهل في ارتكاب الشرك السؤال هل يعذر بالجهل من يطوف بالقبر أو يفعل شيئاً من أعمال الشرك إذا كان يجهل أن ما يعمله شرك بالله ؟ الجواب الذين وقع فيهم ذلك قبل بعثة الرسول ﵊ هم أهل الفترة، وفيهم كلام لأهل العلم، وأما بعد بعثة النبي ﷺ وبعد نزول القرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فالله بعث الرسول، وأنزل القرآن، فهل يعذر المشرك إذا لُبِّس عليه أن يطوف بالقبور ويدعوها من دون الله، ويذبح لها، فصار مغطى عليه الحق ولا يبصر الحق ولا يعلمه بسبب تلبيس علماء السوء الذين يلبسون عليه ويحسنون له الشرك؟ قال بعض العلماء: إنه يعذر في هذه الحالة، ولكنه يعامل في الدنيا معاملة المشركين، فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، فحكمه حكم أهل الفترات. وهذا هو الذي ذهب إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، حيث قال: لا نكفر أحداً حتى تقوم عليه الحجة. وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يعذر أحد بعد بعثة الرسول ﵊؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] وقد بعث الرسول، وأنزل القرآن، والقرآن يتلى، والنصوص واضحة في بيان الشرك والتحذير منه، فلا يعذرون، فهما قولان لأهل العلم ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح والعلم النافع، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 194

دروس في العقيدة [٩] من جملة أنواع الشرك بالله تعالى الشرك في طاعة المتبوعين في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ومنها الشرك في الركوع وفي السجود وفي التوكل، وفي حلق الشعر، والشرك بأعمال السحر التي يتم فيها الاتصال بالشياطين، وكل تلك الأمور مخلة بجناب التوحيد، وعلى المسلم أن يتقي الوقوع فيها ليسلم له دينه.

стр. 195

ما ينافي كمال التوحيد الواجب من الشرك

стр. 196

الشرك في الطاعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من أنواع الشرك في العبادة: الشرك في الطاعة، وهو أن يطيع مخلوقاً في معصية الله، من تحليل حرام، أو تحريم حلال، سواء أكان هذا المخلوق عالماً، أم عابداً أم رئيساً أم ملكاً أم غير ذلك، فهو أن يطيع مخلوقاً في معصية الله من تحليل حرام، أو تحريم حلال، فيكون بذلك قد اتخذه رباً من دون الله؛ لأن التحليل والتحريم من خصائص الربوبية، أي: من خصائص الله . فالمشرع هو الله سبحانه، وهو المحلل والمحرم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] وقال في كتابه العظيم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] والآية في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ﵀ في مسنده: (أن النبي ﷺ لما تلى هذه الآية، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] فقال عدي بن حاتم ﵁ -وكان نصرانياً فأسلم-: لسنا نعبدهم يا رسول الله!) أي: لسنا نعبد أحبارنا أو رهباننا، فلسنا نعبد العلماء أو العباد، فبين له النبي ﷺ أن طاعتهم في التحليل والتحريم هي عبادتهم من دون الله، واتخاذهم أرباباً من دون الله، فقال ﵊: (أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه؟! ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟! قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم) فبين له ﷺ أن عبادتهم واتخاذهم أرباباً من دون الله إنما هي طاعتهم في التحليل والتحريم. يعني: يعتقد أن له حق التحليل والتحريم، فهذا العالم أو هذا العابد أو هذا الرئيس يأمره بالمعصية فيعتقد حلها، فيطيعه في تحليلها، فيحل له الخمر -مثلاً- فيعتقد حله، ويحل له الزنى فيعتقد حله، ويحل له نكاح المحارم فيعتقد حله، وهكذا. أما طاعتهم في المعصية من غير اعتقادهم حلها؛ فلا يكون عبادة لهم من دون الله، بل تكون معصية، فإذا أطاع العالم أو أطاع العابد أو الرئيس في معصية من دون اعتقاد حلها، وإنما أطاعه اتباعاً للهوى، وطاعة للشيطان، وهو يعتقد أنها ليست حلالاً؛ فهي معصية، وليست عبادة له من دون الله. والمقصود أن الشرك في الطاعة أن يطيع المخلوق في المعصية من تحليل حرام مع اعتقاد حله، أو تحريم حلال مع اعتقاد حرمته، أما إذا أطاعه في المعصية من دون اعتقاد حلها فإنه لا يكون مشركاً، ولا عابداً له من دون الله، وإنما يكون فعله معصية من جنس المعاصي، فإذا أمره بشرب الخمر فشربه يكون مرتكباً لكبيرة، وإذا أطاعه في تحليل الخمر يكون قد اتخذه إلهاً ورباً من دون الله، وفرق بين الأمرين: بين الطاعة في التحليل والتحريم، والطاعة في المعصية من دون اعتقاد حلها. فالطاعة في التحليل والتحريم تكون شركاً، وعبادة له من دون الله، وطاعته في المعصية من دون اعتقاد حلها معصية.

стр. 197

الشرك في الطواف ومن الأنواع والأمثلة للشرك في العبادة: الشرك في الطواف، وهو أن يطوف بغير بيت الله تقرباً لغير الله، كمن يطوف بقبر ولي، أو بقبر رجل، سواء أكان ولياً أم غيره، وسواء أكان صالحاً أم غيره، فيطوف به تقرباً له، فإن هذا يكون شركاً، فمن يطوف بحجرة النبي ﷺ تقرباً للنبي ﷺ ، أو يطوف بقبر البدوي تقرباً للبدوي، أو يطوف بقبر الحسين تقرباً للحسين، أو يطوف بقبر زينب تقرباً لـ زينب، أو يطوف بقبر نفيسة تقرباً لـ نفيسة، أو يطوف بقبر ابن علوان تقرباً لـ ابن علوان، أو يطوف بقبر عبد القادر تقرباً لـ عبد القادر، ففعله شرك أكبر. وهذا هو الشرك في الطواف؛ لأنه طاف تقرباً لغير الله، قال الله : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. ولا يطاف بغير بيت الله، ولا يطاف لغير الله، أما إذا طاف بغير الكعبة تقرباً لله لا لغيره، كمن طاف بحجرة النبي ﷺ تقرباً إلى الله، وظن أنه لا بأس بأن يطاف بقبر النبي ﷺ ، أو طاف بقبر البدوي تقرباً إلى الله لا للبدوي، أو طاف بقبر الحسين تقرباً لله لا للحسين؛ فإن هذا يكون مبتدعاً لا مشركاً؛ لأنه لم يطف لغير الله، بل طاف لله، لكن المكان الذي طاف فيه لا يطاف به، وليس هناك شيء في الدنيا يطاف به إلا الكعبة، فإذا طاف لله في أي مكان غير الكعبة فإنه يكون مبتدعاً، وإن طاف لغير الله يكون مشركاً، حتى وإن طاف بالكعبة وهو لا يقصد أن يتقرب إلى الله، إنما يتقرب إلى غيره. والشرك في الطواف، والشرك في الدعاء، والشرك في الذبح، والشرك في النذر، هذه كلها منتشرة قديماً وحديثاً عند القبوريين، فهم يفعلونها كثيراً، فمن القبوريين من يفعل ذلك عند قبر من قبور من يسمونهم أولياء، أو يعظمونهم، فتجدهم يشركون بالله، ويصرفون إليهم الدعاء، ويرفعون أصواتهم بسؤال المدد، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ويذبحون لهم الذبائح والقرابين، فهذا يذبح خروفاً، وهذا يذبح عجلاً، وهذا يذبح كذا، وهذا يذبح دجاجة، فيقدمون النذر لهم من دون الله، ينذرون لهم بأرواحهم، ويطوفون بقبورهم تقرباً إليهم.

стр. 198

الشرك في السجود ومن الأمثلة والأنواع للشرك في العبادة: الشرك في السجود، كأن يسجد لغير الله، وذلك كسجود المريدين من الصوفية للشيخ، والصوفي تجده يسجد لمريده، فتجد المريد الصوفي يسمى السالك إلى الله، فهم يسمون أنفسهم المريدين والسالكين، فيسجد المريد للشيخ تقرباً إليه، فإذا قيل له في ذلك، قال: إن هذا وضع الرأس قدام الشيخ احتراماً وتواضعاً، فالصوفي يسجد لشيخه ويضع رأسه أمامه ويقول: إن هذا إنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراماً وتواضعاً، فيقال: العبرة بالمعاني والحقائق، ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود وضع الرأس قدام من يُسجَد له. ومن سجد للنجم أو للشجر أو للحجر أو للقبر فإنما يضع الرأس قدامه تقرباً إليه، فحقيقة السجود وضع الرأس أمام من يسجد له، فسجود المريد للشيخ، شرك من الساجد والمسجود له. أما الساجد فإنه أشرك حيث صرف السجود -وهو عبادة- لغير الله، وأما المسجود له حيث رضي أن يسجد له، ورضي بالعبادة، فيكون طاغوتاً من الطواغيت، فيكون الشيخ الذي رضي أن يسجد له طاغوتاً، والساجد عابداً للطاغوت، فسجود المريدين من الصوفية لشيوخهم من الشرك.

стр. 199

الشرك في الركوع ومن أنواع الشرك: الشرك في الركوع، كأن يركع لغير الله تقرباً إليه، كركوع أصحاب العمائم من الصوفية بعضهم لبعض عند الملاقاة، فإذا لقيه ركع له، فركوع أصحاب العمائم من الصوفية لبعضهم عند الملاقاة هو من الركوع لغير الله. وهذا الركوع يسمى سجوداً في اللغة، وفسر السجود بالركوع في قول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٥٨] والمعنى: ادخلوا الباب منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجبهة. فبنو إسرائيل أمرهم الله أن يدخلوا القرية منحنين، وأن يقولوا: حطة، أي: يا الله! حط عنا ذنوبنا، واغفرها لنا، فقوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة:٥٨] المعنى: ادخلوا الباب منحنين ركوعاً، وإلا فإنه لا يمكن الدخول على الجبهة. ففسر السجود بالركوع في هذه الآية، لكن بني إسرائيل قوم عتاة، غيروا في القول والفعل، فقد أمرهم الله أن يدخلوا الباب سجداً منحنين، فدخلوا يزحفون على أعجازهم، وهذا تغيير في الفعل، وفي القول قالوا: حنطة، بدلاً من أن يقولوا: (حطة)، فغيروا قولاً وفعلاً. والميل يسمى سجوداً في اللغة، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار: إذا أمالتها الريح. قال الله تعالى آمراً عباده أن يخصوه بالركوع والسجود والعبادة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، فالركوع والسجود عبادة لا تكون إلا لله .

стр. 200

الشرك في حلق الرأس ومن الأمثلة والأنواع للشرك في العبادة: الشرك في حلق الرأس، وذلك كحلق الرأس للشيخ عند المريدين من الصوفية تعبداً له وتقرباً إليه، فإن المريد الصوفي من الصوفية يحلق رأسه للشيخ تقرباً إليه، وحلق الرأس عبادة لا تكون إلا في النسك خاصة لله في الحج أو في العمرة، وهو من مناسك الحج، فإذا حلق رأسه لغير الله تقرباً إليه كما يفعل الصوفية -حيث يحلق المريد السالك من الصوفية رأسه تعبداً للشيخ، وتقرباً إليه- فقد أشرك. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، وثبت أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، وأمر أصحابه أن يحلقوا رءوسهم، فحلق الرأس نسك من مناسك الحج، لا يكون إلا في النسك خاصة لله .

стр. 201

الشرك في التوكل ومن أنواع الشرك وأمثلته في العبادة: الشرك في التوكل، وهو أن يتوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في حصول مطالبهم من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة، وهذا هو الشرك الأكبر؛ لأنه اعتماد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. والذين يتوكلون على الأموات أصحاب القبور، ويعتمدون عليهم في حصول مطالبهم من نصر أو رزق أو حفظ أو شفاعة قد عبدوهم من دون الله، وأشركوهم في توكلهم على الله، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. أما التوكل على الحي الحاضر في الأسباب الظاهرة فلا يكون شركاً أكبر، وإنما يكون شركاً أصغر، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو دفع أذى أو غير ذلك، فهذا نوع من الشرك؛ لما فيه من ميل القلب واعتماده على غير الله، هذا إذا كانت الأسباب ظاهرة، أي: يتوكل على من أسبابه ظاهرة. أما إذا توكل على ميت أو غائب في رجاء ما يطلبه من نصر أو رزق أو حفظ فيما وراء الأسباب، فهذا هو الشرك الأكبر؛ لأنه توكل على غير الله، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] فالتوكل على غير الله تعالى فيما وراء الأسباب يكون شركاً أكبر، والتوكل على غيره فيما أسبابه ظاهرة يكون شركاً أصغر؛ لما فيه من ميل القلب واعتماده على هذا المخلوق، والواجب على المسلم أن يفوض أمره إلى الله. والتوكل أقوى من الرجاء، فالرجاء يكون عادياً ويكون حسياً، لكن التوكل أقوى؛ لما فيه من اعتماد القلب وميله إلى المخلوق.

стр. 202

الشرك في السحر ومن أمثلة الشرك في العبادة وأنواعه: الشرك بالسحر، والسحر: عبارة عن عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه، والساحر يأتي بعزائم ورقى وعقد يسحر بها بعض الناس فتؤثر فيه أو في قلبه بالمرض، أو بالقتل أحياناً، أو بالتفريق بين المتحابين كالزوجين أو الأخوين أو غيرهم. وقد يكون السحر عن طريق الأدوية والتدخينات، وسقي أشياء تضر، والساحر يتصل بالشياطين ويتقرب إليهم، ويأخذ عنهم، وهناك اتفاق بين الساحر وبين الشياطين، فيفعل هذه العزائم وهذه الرقى والعقد، فيحصل التأثير في القلب بالمرض أو القتل أو التفريق بين الاثنين بإذن الله الكوني القدري، ولا يمكن أن يضر أحد أحداً إلا بإذن الله، قال الله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] والمراد بالإذن هنا: الإذن الكوني القدري، وليس الشرعي. والساحر قد يصنع أدوية وتدخينات وأشياء تضر في الأبدان فيبتز أموال الناس. ويسمى فعله سحراً لأنه يشارك السحر في التأثير في الخفاء؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، فالشيء الخفي اللطيف السبب يسمى سحراً، ومنه سمي السَّحَر سَحَراً؛ لأنه يقع خفياً آخر الليل، ومنه يسمى القول البليغ سِحْراً، كما في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن من البيان لسحراً). ومعلوم أن الرجل البليغ يؤثر في السامعين في الخفاء، ومنه سميت النميمة سحراً؛ لتأثيرها في الخفاء، وفي الحديث: (أنبئكم ما العضة؟ قالوا: بلى، قال: هي النميمة، القالة بين الناس) قال بعض السلف: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. فالساحر يصنع عزائم ورقى وعقداً، ويستخدم الشياطين، وتؤثر هذه العزائم والرقى والعقد في القلوب والأبدان بالمرض أو القتل أو بالتفريق بين المتحابين. وقد لا يتصل بالشياطين، فيكون فعله سحراً عن طريق الأدوية والتدخينات وسقي أشياء تضر. واختلف العلماء في حكم الساحر هل يكفر أو لا يكفر؟ فذهب الجمهور -ومنهم الأئمة الثلاثة مالك وأحمد وأبو حنيفة - إلى أن الساحر يكفر، واستدلوا بقول الله تعالى في قصة الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: فلا تكفر بتعلم السحر، قالوا: فتعلم السحر وتعليمه كفر. قال أصحاب أحمد إلا أن يكون السحر بأدوية وتدخينات وسقي أشياء تضر، فلا يكفر. وذهب الإمام الشافعي ﵀ وجماعة إلى التفصيل، وقالوا: إذا تعلم السحر فإننا نقول له: صف لنا سحرك! فإن تضمن السحر ما يوجب الكفر كفر، وإن تضمن ما لا يوجب الكفر فإذا اعتقد إباحته كفر، فنقول له: هل تعتقد أنه حلال أو حرام؟ فإذا اعتقد إباحته كفر، وإن اعتقد تحريمه فلا يكفر، وإنما يكون مرتكباً لكبيرة ولأمر عظيم محرم. إذاً: الجمهور لا يفصلون، بل يقولون: إن السحر كفر مطلقاً، وأما الشافعي فإنه يفصل، فيقول: لابد من أن نسأل الساحر؛ فإن تضمن سحره كفراً كفر، وإن لم يتضمن كفراً نسأله ونقول: هل تعتقد أنه حرام أم حلال؟ فإن اعتقد حله كفر، وإن اعتقد تحريمه فإنه لا يكفر، ولكنه ارتكب محرماً وكبيرة يستحق عليها التعزير. والواقع أن الخلاف بين جمهور العلماء الذين يكفرون الساحر بإطلاق، وبين الشافعي الذي يفصل هو خلاف اصطلاحي. فالجمهور يرون أن السحر لا يسمى سحراً إلا إذا كان عن طريق الاتصال بالشياطين، فهذا هو السحر الاصطلاحي. وأما السحر الذي يكون عن طريق الأدوية والتدخينات، ولا يتصل صاحبه بالشياطين، فقالوا: هذا لا نسميه سحراً؛ لأنه يسمى سحراً من جهة اللغة، فهو سحر لغوي، فلذلك فلا يحتاج إلى تفصيل. إذاً: الجمهور لا يسمون السحر سحراً، إلا السحر الاصطلاحي الذي يتصل صاحبه بالشياطين، وهذا لا يكون إلا كفراً، أما السحر الذي لا يتصل بالشياطين فهذا لا يسمونه سحراً؛ لأن تسميته سحراً تسمية لغوية، فلا يحتاج إلى تفصيل. أما الشافعي وجماعة فإنهم أدخلوا سحر الأدوية والتدخينات وسقي الأشياء في مسمى السحر، فاحتاجوا إلى تفصيل، وعلى ذلك يكون الجمهور والشافعي على أن الساحر الذي يكون سحره عن طريق الاتصال بالشياطين كافر، وعلى هذا يكون السحر نوعين، النوع الأول: سحر يتصل صاحبه بالشياطين، وهذا كفر وردة، ولابد من أن يقع في عمل الساحر شرك.

стр. 203

جهة دخول الساحر في الشرك ويدخل الساحر الذي يتصل بالشياطين في الكفر من جهتين: الأولى: من جهة الاتصال بالشياطين، والتعلق بهم، والتقرب إليهم بما يحبونه، وبفعل الأعمال الخبيثة؛ ليقوموا بخدمته ومطلوبه، فقد يذبح لهم، وقد يدعوهم من دون الله، ويتقرب إليهم بما يحبونه، ويتصل بهم عن طريق الأفعال الخبيثة حتى يقوموا بخدمته، فهناك خدمة متبادلة بين الساحر وبين الشيطان الجني. إذاً: الساحر يخدم الجني بالكيفيات التي يتقرب بها إليه، كدعائه، والذبح له، والتقرب إليه بما يحب، والجني يخدم الساحر بما يطلبه منه، ويساعده على لطم المصروع، ويساعده على أعماله السحرية، وبينهما خدمة متبادلة. الجهة الثانية: دعوى الساحر لعلم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر وردة؛ لأن هذا مشاركة لله في علمه الذي اختص به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥]، فهذا بالنسبة للساحر الذي يتصل بالشياطين. أما الساحر الذي لا يتصل بالشياطين فهذا يكون سحره عن طريق الأدوية والتدخينات وسقي أشياء تضر يأتي بها حتى يبتز أموال الناس. وبعض الناس لا يجد له حرفة، وإيمانه ضعيف، فيتصدر لعلاج الناس، ويأتي بأدوية وتدخينات، وبأصباغ وألوان، فإذا جاءه المريض أعطاه شيئاً من الأصباغ والألوان، وقال: استعمل هذا للشراب، وهذا للدهون، وهذا للاستنشاق، ويبتز أموال الناس، وقد تضر هذه الأدوية، وقد تقتل. فهذا يستحق التعزير البليغ من قبل الحاكم الشرعي، فإذا رفع إلى المحكمة، يجتهد الحاكم في تعزيره بالضرب أو السجن، وقد يصل التعزير إلى القتل إذا كان شره لا يندفع إلا بذلك، هذا إذا كان الساحر لا يتصل بالشياطين، كسحر الأدوية والتدخينات، وسقي أشياء تضر.

стр. 204

حد الساحر واختلف العلماء في حد الساحر، فذهب الجمهور إلى أن حد الساحر القتل، واستدلوا بحديث (حد الساحر ضربة بالسيف) وثبت أن عمر كتب إلى عماله أن: (اقتلوا كل ساحر وساحرة)، قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر. وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك جندب قال: حد الساحر القتل. فقتل الساحر ثابت عن ثلاثة من الصحابة: عمر وابنته حفصة وجندب. وقال بعض العلماء: إنه يحبس حتى يتوب أو يموت، واختلف القائلون بقتله، هل يكون قتله حداً أو كفراً؟ فالجمهور على أن قتله للكفر، فيقتل كافراً، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، هذا إذا كان سحره عن طريق الشياطين، أما إذا كان سحره عن طريق الأدوية والتدخينات وسقي أشياء تضر ولم يستحله، فهذا لا يكفر، وإذا استحله في إيذاء الناس بالمرض أو القتل وأكل أموالهم بالباطل كفر، أما إذا لم يستحله ولكن حمله على ذلك الهوى والطمع والجشع وحب المال، وحمله ذلك على أن صار يمتهن هذه المهنة، فهذا لا يكون كافراً. والسحر عن طريق الشياطين لا يأتي إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا جاء في الحديث (من سحر فقد أشرك) وسماه الله كفراً كما في قوله سبحانه في قصة الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: فلا تكفر بتعلم السحر، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]. واتفق العلماء على أن ما كان من الساحر الذي يتصل بالشياطين ويعبد الكواكب ويتقرب إليهم كفر وردة، ومن ذلك مناجاة الكواكب السبعة ومناداتها، وهي الشمس والقمر والزهرة والمريخ وزحل وعطارد والمشتري، فإذا كان يناجيها ويناديها، فهذا شرك.

стр. 205

حكم توبة الساحر واختلف العلماء في قبول توبة الساحر، فقال بعض العلماء: تقبل، وقال آخرون: لا تقبل في أحكام الدنيا، والصواب أنه إذا سلم الساحر نفسه قبل أن يقبض عليه؛ فإن توبته تقبل في هذه الحالة؛ لأنه غير متهم، أما إذا لم يسلم نفسه حتى قبض عليه، ثم ادعى التوبة، فالصواب أنه لا تقبل توبته في هذه الحالة في أحكام الدنيا، بل لابد من إقامة الحد عليه، كالزنديق ومن سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه أو بدينه، فالصواب أنه يقتل، ولا تقبل توبته في أحكام الدنيا. وأما في الآخرة فأمره إلى الله، فإن كان صادقاً في توبته أو في دعواه التوبة فإن الله يقبل الصادقين، وإن كان كاذباً فلا يقبل الكاذبين. وكذلك الزنديق والمنافق، وكذلك من سب الله أو سب الرسول أو سب دين الإسلام، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، فلا تقبل منه توبته، قال بعض العلماء: لأن علم السحر لا يزول بالتوبة. وقال آخرون من أهل العلم: إنه تقبل منه التوبة، ويستتاب، فإن تاب خلي سبيله، وإن لم يتب قتل، لكن المعروف والمشهور والأرجح أن الزنديق ومن سب الله أو سب الرسول أو سب الدين، والساحر لا تقبل توبته في أحكام الدنيا، زجراً للناس حتى لا يتجرءوا على مثل هذا الكفر العظيم.

стр. 206

حقيقة السحر وخياله واختلف العلماء هل السحر له حقيقة، أو كله خيال؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه تخييل، وينسب هذا إلى قوم من المعتزلة، وإلى بعض الأحناف. والصواب أن السحر نوعان: نوع حق، أي: له حقيقة، والنوع الثاني: تخييل، والدليل على أن منه ما هو خيال قول الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] والضمير يعود إلى موسى ﵊ في قصة السحرة لما وضعوا الحبال والعصي، ووضعوا عليها الزئبق، فصارت تتلون في الشمس، فموسى ﵊ -كما قال تعالى عنه- ﴿أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ [طه:٦٧] وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال الله له: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨ - ٦٩] فألقى موسى العصا، فابتلعت جميع ما في الوادي من العصي والحبال التي وضعوها. فهذه عصي وحبال وضعوها، ووضعوا عليها الزئبق فجعلت تتلون، فخيلوا للناس أنها حيات وعقارب، ولهذا قال الله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. وهذا النوع من الخيال يسحر الساحر به أعين الناس فقط، ويكون الشيء المرئي ليس على حقيقته. النوع الثاني: السحر الحقيقي، أي: له حقيقة تؤثر في القلوب والأبدان بالمرض والقتل وبتغيير العقل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥]. فالنفاثات: السواحر اللاتي يعقدن العقد، وينفثن في عقدهن، فلولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، وبما أن الخيال لا يؤثر إلا في العيون فقط لم يأمر الله بالاستعاذة منه، فلما أمر الله بالاستعاذة من السحر؛ دل على أن له حقيقة، فلو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير، وهو أن السحر نوعان: نوع له حقيقة، يؤثر في القلوب والأبدان ويمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ونوع هو خيال. وقد ثبت في الصحيحين (أن النبي ﷺ سحر، فكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله)، وقد أنكر بعض الناس أن النبي ﷺ سحر، وظن أن هذا يقدح في شخصه ﵊، وهذا غلط؛ لأن هذا ثابت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سحر في مشط ومشاطة، في وعاء طلع النخل، وجعل في صخرة أسفل بئر ذروان. والمشط معروف، والمشاطة: ما يحصل من الشعر حينما يمشط الشعر بالمشط، فيسقط بعض الشعر، وهذه تسمى مشاطة، وقد جعلهما الساحر في جف طلعة ذكر، وهو وعاء الطلع، ويسمى حبوب اللقاح الذي يلقح به النخلة. فأخذ هذا الوعاء -وعاء طلع الذكر- وجعله في مشط ومشاطة، وجعله في صخرة تحت بئر ذروان، فكأن النبي ﷺ أصابه شيء في جسده، وصار يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. ثم جاءه ملكان على صورة رجلين في رؤيا -ورؤيا الأنبياء وحي- فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بال الرجل؟ فقال: مطبوب. يعني: مسحور، والسحر يسمى طباً تفاؤلاً بالسلامة، كما يسمى اللديغ سليماً، تفاؤلاً له بالسلامة، فكذلك المسحور يسمونه مطبوباً تفاؤلاً له بالطيب والسلامة. قال: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، فسأله: في أي؟ قال: في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر، في بئر ذروان. فلما أصبح النبي ﷺ أمر بأن يستخرج السحر، فذهب إلى تلك البئر، واستخرج السحر، ثم أمر بالبئر فدفنت، وقال النبي ﷺ لـ عائشة: (يا عائشة! والله لكأن ماء هذه البئر نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين) فقالت له عائشة: أفلا تنشرت، فقال النبي: (أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن أثير على الناس شراً) أو كما قال ﵊. وجاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ استخرج السحر، وفي بعضها أنه لم يستخرجه، وجمع العلماء بينهما أن النبي ﷺ استخرج وعاء طلع النخل، ثم أزيل السحر؛ ولكنه لم يستخرج ما بداخله من المشط والمشاطة. ثم أمر بهذه البئر فدفنت، ولم يعاقب النبي ﷺ لبيد بن الأعصم اليهودي. وهذا السحر الذي أصاب النبي ﷺ لا يقدح في عصمته، فلم يؤثر في عصمته ولا في عقله ﵊، ولا في تبليغه الرسالة، وإنما في شيء يتعلق بأمور الدنيا، ويتعلق بجسده، فكان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، لكنه لم يتعلق بعقله، ولا بتبليغه الرسالة، ولا بعصمته ﵊، وإنما هذا الذي أصابه من السحر نوع من المرض كسائر الأمراض، لا يقدح في عصمته ﵊ كما يظن ذلك بعض الناس، فالصواب أن ذلك لا يقدح في عصمته ﵊، وليس له تأثير على تبليغ الرسالة، ولا على عقله ولا فكره ﵊.

стр. 207

حكم النشرة وإذا أصيب أحد بالسحر فإنه يشرع له أن يتنشر، وأن يحل السحر، لكن عن طريق الرقية الشرعية، عن طريق قراءة القرآن، والأدوية المباحة، والأدعية، أما أن يتنشر ويحل السحر عن طريق السحرة فهذا لا يجوز، وقد بوب لهذا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد باباً هو (باب ما جاء في السحر)، فالنشرة: حل السحر عن المسحور. وقد جاءت روايات أو آثار فيها المنع من النشرة، وآثار أخرى فيها الإباحة، وجمع العلماء بينهما بأن الرواية التي فيها المنع محمولة على حل السحر بسحر مثله، كما في الحديث: (لا يحل السحر إلا الساحر) والمراد: النشرة المحرمة، فلا يجوز لمن ابتلي بالسحر أن يحل السحر عن طريق السحرة، ولا يجوز له إتيان السحرة ولا سؤالهم ولا تصديقهم؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) وقال ﵊ في الحديث الآخر: (فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ . فإذا سأله ولم يصدقه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإذا سأله وصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، ولما سئل النبي ﷺ عن السحرة قال: (ليسوا بشيء) يعني: أخبارهم لا يوثق بها، وفي الحديث: (ليس منا من تكهن أو تكهن له، أو تطير أو تطير له، أو سحر أو سحر له)، فلا يجوز للمسلم أن يأتي السحرة، ولا يجوز له سؤالهم ولا تصديقهم، ولا المعالجة عندهم؛ لأن السحر لا يحله إلا سحر مثله، ولا يحل السحر إلا ساحر. لكن يجوز له أن يحل السحر وأن يتعالج عن طريق الأدوية المباحة، والرقية الشرعية، وهي آيات من القرآن تقرأ عليه، والأدعية الشرعية المباحة لا بأس بها، وهذا ما يحمل عليه كلام بعض السلف، كما سئل سعيد بن المسيب عن رجل به طب -أي: سحر- أيحل عنه أو ينشر؟ فقال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينهوا عنه. يعني: لا بأس بحل السحر؛ لأن حل السحر إنما يراد به الإصلاح، والمراد حل السحر عن طريق نشرة شرعية، وهي النشرة الشرعية التي لا محذور فيها.

стр. 208

كيفية رقية السحر ذكر العلماء أمثلة للنشرة الشرعية، وهي أن يؤتى بسبع ورقات من السدر، فتدق في ماء، ويقرأ فيها الآيات التي فيها الحديث عن السحر، كالآيات الأربع من سورة الأعراف، ويه قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١١٨ - ١٢٢]، وآية في سورة طه، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، وآيتين في سورة يونس، وهما قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢]. فهذه الآيات تقرأ في إناء في ماء، ثم يصب من فوق رأس المسحور، ويكرر هذا، ولابد من الثقة بالله والاعتماد عليه، وسكون القلب عند قراءة الآيات، وتكون نفس المريض منفعلة وقابلة، فإذا وجدت الأسباب ووافق ذلك ما قدر الله فإنه يشفى بإذن الله. وكذلك الرجل الذي يحبس عن امرأته، فلا يتوق إلى جماعها، يؤتى له بسبع ورقات من السدر، وتوضع في الماء، ويقرأ فيها آية الكرسي، و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وهذا مجرب، قد جربه العلماء، وجربه الكثير من مشايخنا، وجربته أنا أيضاً بنفسي، إذ أتي إلي مرات عديدة بعض الناس يقول الواحد منهم: إنه محبوس عن امرأته، ولا يستطيع أن يجامعها، فقرأت له آية الكرسي وغيرها مما ذكر فاستفاد والحمد لله، وشفاه الله، وآخر كذلك، وثالث، فهذا مجرب، وقال العلماء: إن هذا العلاج جيد في حبس الرجل عن امرأته. وعلى كل حال فإنه ينبغي للإنسان أن يثق بالله، وأن يعلق رجاءه بالله، وأن يعتمد عليه، ويفوض أمره إليه، ويدعوه ويتضرع إليه دائماً أن يشفيه، فالمريض يتضرع إلى الله ويبتهل إليه، وكذلك من حوله من أقاربه، لا ينسون الدعاء، فيتضرعون إلى الله، ويدعون الله له بالشفاء، فالدعاء سلاح المؤمن، فيدعو ربه ليلا ونهارا، ويسأل الله الشفاء، مع الأخذ بالأسباب، وقراءة الرقى الشرعية، والأدوية لا بأس بها، وكذلك العقاقير الطبية التي لا محذور فيها عند الأطباء، ومن الأدعية التي وردت أن يكثر من قوله: (اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)، و (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، و (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)، و (بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك)، و (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء والأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع). ويستعمل مع هذه الأدعية والرقى الأدوية المباحة التي لا محذور فيها عند الأطباء، أما هذه التي عند السحرة والمشعوذين فلا تجوز المعالجة بها، ولا يجوز الإتيان إليهم أبداً؛ لأن هذا رفع من شأنهم، والنبي ﷺ قال: (ليسوا بشيء)، ولأن من أتى إليهم متوعد بهذا الوعيد: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)؛ لأنه قد يأمره بالشرك، وبعض الناس يذهب ليتداوى عند السحرة، فيقول له -وقد يكون جاهلاً-: علاج مرضك أن تأتي بكبش أو ديك أبيض أو كذا ثم تذبحه على كذا، ولا تسمي الله، أو لا تذكر الله، وبعضهم يصرح ويقول: هذا لشيوخ الجن، والعياذ بالله، وهذا من البلاء والمصائب. وإن أغلى ما يملكه الإنسان هو دينه، فلا يجوز للإنسان أن يأتي السحرة؛ ولهذا جاء الوعيد الشديد: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، وفي الحديث الآخر: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ ، فالأمر جد خطير. فالعلاج له طريقان: طريق شرعي، وطريق محرم مسدود ممنوع، وهو الإتيان إلى السحرة، والطريق الثاني: مباح مشروع، وهو العلاج عن طريق الرقى الشرعية، والآيات القرآنية، والدعوات المباحة، والأدوية والعقاقير الطبية التي لا محذور فيها.

стр. 209

الأسئلة

стр. 210

العلاقة بين الدعاء والقدر السؤال هل الدعاء يغير القدر؟ الجواب الدعاء من القدر، ولا يخرج عنه، والدعاء سبب من أسباب الإجابة، فالله قدر السبب والمسبب، فلا يخرج الدعاء عن القدر، وجاء في حديث آخر (الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض، فأيهما كان أقوى غلب صاحبه) والله تعالى قدر أن يكون شفاء المريض بهذا السبب وهو الدعاء، وقدر أن هذا لا يشفى بترك الدعاء. والمقصود أن الدعاء سبب من الأسباب، وهو من قدر الله، فلا يخرج عن القدر.

стр. 211

البحث عن العلم وطلبه لمحاربة الجهل السؤال في بلدنا أنواع من الشرك، والعامة ليس عندهم من يعلمهم إلا مشايخ الصوفية، فهل هؤلاء يعذرون بالجهل لعدم علمهم؟ الجواب عليهم أن يبحثوا عن العلم، ولا ينبغي لهم أن يستسلموا للصوفية، بل عليهم أن يبحثوا عن العلماء، ولاسيما في العصر الحاضر، ووسائل الإعلام قد تعددت الآن، فبإمكانهم أن يتصلوا بالعلماء بطريقة الهاتف، أو عن طريق الإذاعة، وإذاعة القرآن فيها برنامج (نور على الدرب)، وفيها الفتاوى، ومن الممكن أن يتصلوا بالعلماء، أو يكتبوا لهم، ولو كان للإنسان حاجة دنيوية لبحث عنها حتى يحصل عليها، فلماذا لا يبحث عن دينه، ويسأل عن دينه، ويسأل عما أشكل عليه؟! فلابد من أن يتصلوا بالعلماء، فهم ليسوا مكتوفي الأيدي، والحمد لله، فلهم قدرة على الاتصال، والطرق متعددة، فيستطيعون أن يتصلوا بالعلماء وهم في بلادهم عن طريق الهاتف، وعن طريق المكاتبة، وعن طريق الإذاعة. والمقصود أنهم لا يعذرون بالاستسلام، فلا يستسلموا للجهل، بل عليهم أن يبحثوا ويسألوا حتى يتعلموا أمور دينهم، ويبحثوا عما أشكل عليهم، ويعبدوا الله على بصيرة.

стр. 212

حكم قول: (إني متوكل على الله ثم عليك) السؤال ما حكم قول بعضهم: إني متوكل على الله ثم عليك؟ الجواب هذا لا بأس به، وإنما الممنوع أن يقول توكلت على الله وعليك، فهذا من الشرك الأكبر، أما إذا جاءت (ثم) فإنه يزول المحذور. لكن هذا اللفظ المقصود منه الوكالة، فتسميته توكلا غلط من قائله، والأفضل أن يقول بأن هذا وكالة، أي: وكلتك في هذا الشيء وأنبتك عني، فالعاصي يقول: أنا متوكل على الله، وبعضهم يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وهذا غلط، فالمقصود هو: الوكالة، وتسميته توكلاً خطأ.

стр. 213

حكم السجود أمام حجرة النبي ﷺ السؤال سجد رجل أمام حجرة النبي ﷺ في المدينة، فلما أنكر عليه قال: هذا سجود احترام مثل سجود أبوي يوسف ليوسف. فكيف يجاب عليه؟ الجواب يجاب عنه كما أجبنا على الصوفي الذي يسجد لشيخه ويقول: إنما أضع الرأس قدام الشيخ احتراماً له وتواضعاً، فنقول له: هذا سجود ولو سميته احتراماً وتواضعاً، فما دام أنه قصد السجود للنبي ﷺ فهذا شرك، وكونه يقول: إن هذا احترام وتواضع لا يغير من الأمر شيئاً؛ لأن العبرة بالحركة والمعنى، وليست العبرة بالتسمية، فلو سمى الناس الخمر شراب الروح فهو خمر، ولا تزيل التسمية تحريمه، ولو سمى الناس الربا الفائدة أو العمولة أو الربح المركب فهو ربا؛ لأن العبرة بالمعاني والحقائق. فلو سمى سجوده للنبي ﷺ ، أو للشمس، أو للقمر، أو للنجم تواضعاً واحتراماً؛ فهو سجود؛ لأن العبرة بالمعنى والحقيقة لا بالتسمية. أما سجود أبوي يوسف وأخوته له فهو سجود احترام، وهو جائز في شريعة يوسف وفي شريعة يعقوب، ولهذا لما رأى يوسف الرؤيا قال في أول الأمر عندما كان صغيراً: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] فقال هذا وهو صغير، ثم بعد ذلك لما كبر وولي خزائن مصر وأتاه الناس يكيل لهم، ثم أتاه إخوته، ثم أخذ أخاه، ثم بعد ذلك أرسل قميصه، وقال لإخوته: ائتوني بأهلكم أجمعين، جاء أبوه وأمه وأخوته وهم أحد عشر أخاً، فلما جاءوا رفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وهو سجود تحية واحترام لا سجود عبادة، وهذا جائز في شريعتهم، لكن شريعتنا أكمل الشرائع، فلا يجوز فيها سجود التحية. ولما سجد معاذ للنبي ﷺ حين جاء من اليمن، وقال: إنه رآهم يسجدون للملوك؛ أنكر عليه النبي ﷺ وقال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) من عظيم حقه عليها. فالمقصود أن السجود لا يجوز في شريعتنا، أما في شريعة يوسف ويعقوب فإنه جائز، وليس سجود عبادة، وإنما سجود تحية وإكرام، ولما سجدوا قال يوسف لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] أي: وقعت الرؤيا، حيث رآها وهو صغير، ثم تحققت الرؤيا وهو كبير، فلما سجدوا له بالفعل قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]. ,التأويل بمعنى: الحقيقة التي يئول إليها الشيء، والتأويل يأتي بمعنى: التفسير، ويأتي بمعنى: الحقيقة التي يئول إليها الشيء.

стр. 214

حكم الانحناء للجماهير في المسرح ونحوه السؤال ما يفعله بعض اللاعبين من الانحناء لحكم المباراة، أو ما يفعله بعض الممثلين من الانحناء للجماهير أثناء صعوده إلى المسرح هل يدخل في الشرك؟ الجواب إذا كان المقصود التعظيم لهم؛ فإنه يخشى على صاحبه من الشرك، مثلما يفعل الصوفية حينما يلقى بعضهم بعضاً، ويركع بعضهم لبعض. وعلى كل حال فإنه ينبغي ألا يفعل هذا، ولا ينبغي أن ينحني أحد أمام أحد، فإن هذا يخشى أن يكون من الركوع لغير الله.

стр. 215

منزلة اتباع الهوى السؤال متى يكون إتباع الهوى شركاً، ومتى لا يكون؟ الجواب إذا اُتبع الهوى بترك التوحيد وفعل الشرك والكفر صار شركاً، وإذا كان اتباع الهوى بالمعصية صار معصية، فإذا اتبع المرء الهوى فزنى أو سرق، أو شرب الخمر صار عاصياً، وإذا اتبع الهوى فذبح لغير الله أو نذر لغير الله، أو فعل شيئاً لغير الله صار مشركاً.
следующие страницы →