← Акыда

Акыда · id 37010

دروس في العقيدة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (427 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البحث عن العلم وطلبه لمحاربة الجهل السؤال في بلدنا أنواع من الشرك، والعامة ليس عندهم من يعلمهم إلا مشايخ الصوفية، فهل هؤلاء يعذرون بالجهل لعدم علمهم؟ الجواب عليهم أن يبحثوا عن العلم، ولا ينبغي لهم أن يستسلموا للصوفية، بل عليهم أن يبحثوا عن العلماء، ولاسيما في العصر الحاضر، ووسائل الإعلام قد تعددت الآن، فبإمكانهم أن يتصلوا بالعلماء بطريقة الهاتف، أو عن طريق الإذاعة، وإذاعة القرآن فيها برنامج (نور على الدرب)، وفيها الفتاوى، ومن الممكن أن يتصلوا بالعلماء، أو يكتبوا لهم، ولو كان للإنسان حاجة دنيوية لبحث عنها حتى يحصل عليها، فلماذا لا يبحث عن دينه، ويسأل عن دينه، ويسأل عما أشكل عليه؟! فلابد من أن يتصلوا بالعلماء، فهم ليسوا مكتوفي الأيدي، والحمد لله، فلهم قدرة على الاتصال، والطرق متعددة، فيستطيعون أن يتصلوا بالعلماء وهم في بلادهم عن طريق الهاتف، وعن طريق المكاتبة، وعن طريق الإذاعة. والمقصود أنهم لا يعذرون بالاستسلام، فلا يستسلموا للجهل، بل عليهم أن يبحثوا ويسألوا حتى يتعلموا أمور دينهم، ويبحثوا عما أشكل عليهم، ويعبدوا الله على بصيرة.

стр. 212

حكم قول: (إني متوكل على الله ثم عليك) السؤال ما حكم قول بعضهم: إني متوكل على الله ثم عليك؟ الجواب هذا لا بأس به، وإنما الممنوع أن يقول توكلت على الله وعليك، فهذا من الشرك الأكبر، أما إذا جاءت (ثم) فإنه يزول المحذور. لكن هذا اللفظ المقصود منه الوكالة، فتسميته توكلا غلط من قائله، والأفضل أن يقول بأن هذا وكالة، أي: وكلتك في هذا الشيء وأنبتك عني، فالعاصي يقول: أنا متوكل على الله، وبعضهم يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وهذا غلط، فالمقصود هو: الوكالة، وتسميته توكلاً خطأ.

стр. 213

حكم السجود أمام حجرة النبي ﷺ السؤال سجد رجل أمام حجرة النبي ﷺ في المدينة، فلما أنكر عليه قال: هذا سجود احترام مثل سجود أبوي يوسف ليوسف. فكيف يجاب عليه؟ الجواب يجاب عنه كما أجبنا على الصوفي الذي يسجد لشيخه ويقول: إنما أضع الرأس قدام الشيخ احتراماً له وتواضعاً، فنقول له: هذا سجود ولو سميته احتراماً وتواضعاً، فما دام أنه قصد السجود للنبي ﷺ فهذا شرك، وكونه يقول: إن هذا احترام وتواضع لا يغير من الأمر شيئاً؛ لأن العبرة بالحركة والمعنى، وليست العبرة بالتسمية، فلو سمى الناس الخمر شراب الروح فهو خمر، ولا تزيل التسمية تحريمه، ولو سمى الناس الربا الفائدة أو العمولة أو الربح المركب فهو ربا؛ لأن العبرة بالمعاني والحقائق. فلو سمى سجوده للنبي ﷺ ، أو للشمس، أو للقمر، أو للنجم تواضعاً واحتراماً؛ فهو سجود؛ لأن العبرة بالمعنى والحقيقة لا بالتسمية. أما سجود أبوي يوسف وأخوته له فهو سجود احترام، وهو جائز في شريعة يوسف وفي شريعة يعقوب، ولهذا لما رأى يوسف الرؤيا قال في أول الأمر عندما كان صغيراً: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] فقال هذا وهو صغير، ثم بعد ذلك لما كبر وولي خزائن مصر وأتاه الناس يكيل لهم، ثم أتاه إخوته، ثم أخذ أخاه، ثم بعد ذلك أرسل قميصه، وقال لإخوته: ائتوني بأهلكم أجمعين، جاء أبوه وأمه وأخوته وهم أحد عشر أخاً، فلما جاءوا رفع أبويه على العرش، وخروا له سجداً، وهو سجود تحية واحترام لا سجود عبادة، وهذا جائز في شريعتهم، لكن شريعتنا أكمل الشرائع، فلا يجوز فيها سجود التحية. ولما سجد معاذ للنبي ﷺ حين جاء من اليمن، وقال: إنه رآهم يسجدون للملوك؛ أنكر عليه النبي ﷺ وقال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) من عظيم حقه عليها. فالمقصود أن السجود لا يجوز في شريعتنا، أما في شريعة يوسف ويعقوب فإنه جائز، وليس سجود عبادة، وإنما سجود تحية وإكرام، ولما سجدوا قال يوسف لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] أي: وقعت الرؤيا، حيث رآها وهو صغير، ثم تحققت الرؤيا وهو كبير، فلما سجدوا له بالفعل قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠]. ,التأويل بمعنى: الحقيقة التي يئول إليها الشيء، والتأويل يأتي بمعنى: التفسير، ويأتي بمعنى: الحقيقة التي يئول إليها الشيء.

стр. 214

حكم الانحناء للجماهير في المسرح ونحوه السؤال ما يفعله بعض اللاعبين من الانحناء لحكم المباراة، أو ما يفعله بعض الممثلين من الانحناء للجماهير أثناء صعوده إلى المسرح هل يدخل في الشرك؟ الجواب إذا كان المقصود التعظيم لهم؛ فإنه يخشى على صاحبه من الشرك، مثلما يفعل الصوفية حينما يلقى بعضهم بعضاً، ويركع بعضهم لبعض. وعلى كل حال فإنه ينبغي ألا يفعل هذا، ولا ينبغي أن ينحني أحد أمام أحد، فإن هذا يخشى أن يكون من الركوع لغير الله.

стр. 215

منزلة اتباع الهوى السؤال متى يكون إتباع الهوى شركاً، ومتى لا يكون؟ الجواب إذا اُتبع الهوى بترك التوحيد وفعل الشرك والكفر صار شركاً، وإذا كان اتباع الهوى بالمعصية صار معصية، فإذا اتبع المرء الهوى فزنى أو سرق، أو شرب الخمر صار عاصياً، وإذا اتبع الهوى فذبح لغير الله أو نذر لغير الله، أو فعل شيئاً لغير الله صار مشركاً.

стр. 216

حكم استعمال السدر في رقية السحر السؤال ينكر بعضهم استعمال السدر في فك السحر، ويقولون: لا دليل على ذلك؟ الجواب لا دليل على ذلك ولا منع؛ لأن أصله مباح، فأي شيء يستعمل ليس فيه محذور لا مانع منه؛ لأن الأصل فيه الإباحة، والسدر إذا كان فيه فائدة فإنه يستعمله، وإذا كان هناك شيء مفيد كالدواء وفيه تجارب فإنه يفعله، فإذا قلت: هات الدليل على كذا وكذا، قلنا: هات الدليل على أن العين يجعل فيها قطرة للدواء، هل عندك دليل على أن العين يجعل فيها قطرة؟! الجواب: لا دليل، لكن هذا مباح، والتجارب أثبتت أن هذا فيه فائدة والحمد لله، فكذلك السدر إذا كان فيه فائدة، فهو مثل القطرة التي تضعها في عينك، فهذا لا يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل فيه الإباحة، ما لم يكن فيه محذور.

стр. 217

حكم هدم ما يقصد للطواف السؤال يوجد في بعض البلاد عين تقصد ويطاف بها، وينذر لها، وهذه العين تقع في وسط الجبال، فهل لنا أن نذهب خفية فنهدمها، مع العلم أنه ربما يصيبنا من ذلك ضرر؟ الجواب إذا لم يترتب على ذلك ضرر أكبر فهذا مشروع، أما إذا كان يترتب على ذلك ضرر فلا يجوز، فإن كان هدمها عن طريق المسئولين، أو عن طريق أهل الحسبة، أو من له قدرة وسلطة، ولم يترتب على ذلك ضرر أكبر فإنه جائز. وإن من أجل القربات وأفضل الطاعات هدمها وإزالتها إذا كان لا يترتب على هذا ضرر؛ لأنه قد تزال هذه العين ثم يجعل غيرها، وتنصب معابد أكبر منها، كردة فعل، وهذا يترتب عليه منكر أكبر، فبعض الناس إذا أنكرت عليه المنكر زاد في منكره. فإذا كان لا يحصل ضرر أو منكر أكبر فهدمها طيب مشروع، وإن كان يحصل من ذلك ضرر أو منكر أعظم فلا تفعل، ولابد من المشاورة في هذا مع العقلاء في تلك الديار، والعلماء والسمحاء وأهل الخير، وإن كان هناك بعض المسئولين فيه خير فلا بد من التشاور معه، وكذلك إقناعه وأخذ رأيه وبيان عظم هذا الأمر، فيكون ذلك عن طريق الولاة الصالحين، أو طريق العلماء الصالحين، أو العقلاء، أو أعيان البلاد، فلابد من البصيرة في هذا الأمر، والنظر في عواقب الأمور.

стр. 218

حكم الأمر بحلق الشعر في المدارس ونحوها السؤال ما حكم حلق الطلاب الشعر إذا طلبت منهم المدارس ذلك، وحلق الجند في الدورات العسكرية؟ الجواب هذا ليس فيه شيء، أما الصوفية فهم يحلقون رءوسهم تعبداً للشيخ وتقرباً إليه، أما حلق الرأس فهو مباح، والأفضل إبقاء الشعر. وكان النبي ﷺ يترك شعره حتى يكون كالوفرة إلى كتفه أو إلى أذنه، ولا يحلق إلا في الحج أو العمرة، قال الإمام أحمد: هو سنة بقاء الشعر، لو نقوى عليه لاتخذناه، ولكن له كلفة ومشقة، والنبي ﷺ يقول: (من كان له شعر فليكرمه) أي: يحتاج إلى غسل ودهن، فحلقه مباح على الصواب، وقال بعض العلماء بكراهته. لكن إذا كان إبقاؤه فيه تشبه ببعض الفساق والعصاة فعليه أن يحلقه حتى لا يتشبه بهم، والمقصود أن هذا لا محذور فيه، إنما المحذور الذي يفعله الصوفية، بأن يحلق الواحد رأسه تعبداً للشيخ وتقرباً، كما يتعبد الحاج بحلق شعره في العمرة أو في الحج، فإن حلق رأسه نسك من مناسك الحج والعمرة.

стр. 219

حكم تقديم المذاهب على النصوص السؤال هل يدخل في شرك الطاعة ما يفعله المتعصبون للمذاهب المعروفة من رد النصوص المخالفة لمذهبهم مع وضوحها؟ الجواب قال بعض العلماء: إن هذا شرك، وهو أن يتعصب للمذهب حتى يترك نصاً من الآية أو الحديث لقول الشيخ أو إمامه، قال بعض العلماء: يخشى أن يكون هذا داخلاً في الشرك، حتى قال بعض متعصبي الأحناف: كل آية أو حديث يخالف المذهب فهو منسوخ أو متأول. فانظر إلى هذا التعصب، كل نص يخالف المذهب فهو متأول أو منسوخ! يعني: من دون تأمل، ومن دون تفكير، أي آية تخالف المذهب إما منسوخة أو متأولة، وأي حديث يخالف المذهب إما منسوخ وإما متأول. فجعل المذهب هو الأصل، والنصوص من الآيات والأحاديث تخضع للمذهب، والواجب العكس، والأصل هو الدليل من الآيات والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله، والمذهب يخضع للآيات، فإذا وافق المذهب النص أخذ بالمذهب، وإن لم يوافقه ترك وطرح. لكن هؤلاء المتعصبين عكسوا الأمر فقالوا: الأصل المذهب، وإذا جاء نص يخالف المذهب فهو إما منسوخ أو متأول، وهذا من البلاء ومن المصائب. قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 220

حكم تعلم علم الأوراق السؤال ما حكم من يتعلم علم الأوراق -كالجدي والميزان وما نراه في المجلات- بأن يدعي وصف حالة صاحب هذا البرج، وهل يجوز اقتناء الجرائد والمجلات التي تحتوي على هذه الأشياء؟ الجواب إذا كان يتعلمها لدعوى علم الغيب، أو يتعلمها ليستدل بها على السعادة أو الشقاوة والنحاسة، أو المرض؛ فهذا من علم التنجيم، أما إذا كان يتعلم الحروف الأبجدية حتى يتهجاها ويكتبها بالجمل لمعرفة وفيات الأئمة والعلماء، فلا بأس بأن يتعلم هذه الحروف الأبجدية. أي: إذا كان يتعلم أن الألف واحد، والباء اثنان، والجيم ثلاثة، حتى يصل إلى عشرة، ثم الكاف عشرين فلا بأس بذلك، فإن بعضهم ضبط وفيات الأئمة الأربعة بالحروف الأبجدية، فقال: فنعمانهم (قان) و (طعق) لمالك وللشافعي (در) و (رام) لابن حنبل فـ أبي حنيفة النعمان (قان)، فالنون أربعون، والقاف مائة، والألف واحد، أي أن وفاته في مائة وواحد وأربعين، و (طعق) لـ مالك فالطاء تسعة، والعين سبعون، والقاف مائة، أي: في مائة تسعة وسبعين، وللشافعي (در)، فالدال أربعة، والراء مائتان، فوفاته في مائتين وأربعة، و (رام) للإمام أحمد، فالراء مائتان، والألف واحد، والميم أربعون، فوفاته في مائتين وواحد وأربعين. فهذا ضبط وفيات الأئمة بالحروف الأبجدية، ولا بأس إذا كان يستعملها لهذا، لضبط الوفيات، أو لولادة بعض العلماء، أو للتهجي، أما إذا كان يتعلمها ليدعي بها علم الغيب، أو ليعرف بها النحاسة والتعاسة، والسعادة والشقاوة، ويعرف حظه أو ما أشبه ذلك، فهذا من التنجيم المحرم.

стр. 221

الشرك التقليدي والشرك المتطور السؤال هل تسمى عبادة القبور والذبح لها شركاً بدائياً أو ساذجاً؟ الجواب الشرك محرم، والشرك شرك، وتسميته بدائياً أو ساذجاً تسمية خاصة بقائلها، ومقصوده أن هذا شرك الأولين، أما شرك المتأخرين فلأنهم يعبدون الأشخاص، والرؤساء، أو النساء، أو الصور، وهذا هو الشرك المتطور، أما الطواف بالقبور والذبح لها فشرك بدائي، وهذا اصطلاح له، والتسمية لا تغير من الأمر شيئاً.

стр. 222

حكم قصود مياه العيون للاستطباب السؤال توجد عين يذهب إليها الناس، فيغتسلون بها، ويلقون ثيابهم بعد ذلك، وقصدهم بذلك التطبب، وعامة من يأتيها من العوام، فهل ينكر عليهم ذلك، وما حكم ذلك؟ الجواب نعم ينكر عليهم ذلك إذا كانوا يعتقدون أن فيها الشفاء لذواتهم، فهذا من جنس التبرك، فإذا اعتقدوا أن البركة فيها ذاتية فهذا هو الشرك الأكبر. أما إذا كان يعتقد أنها سبب، وأن الله يجعل فيها الشفاء؛ فهذا شرك أصغر، لكن بعض الناس يقول: إن فيها مواد مالحة، وإنها تفيد من هذه الجهة، لا لأنها شافية، ولا لأنها سبب، بل يستفاد من الأملاح التي فيها، أو المعادن التي فيها، فهذا شيء لا بأس به.

стр. 223

تقديم بر الوالدين على الجهاد الكفائي السؤال أنا شاب عمري ستة عشر عاماً، وأنا متعلق بالجهاد، ووالداي يمنعاني منه، وحب الجهاد يزداد في قلبي شيئاً فشيئاً، فماذا أفعل لوالدي حتى أقنعهما بالذهاب إلى الجهاد؟ الجواب الحمد لله، مادام أنهما منعاك فلتمتنع؛ لأن النبي ﷺ استأذنه رجل في الجهاد، فقال: (أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)؛ لأن الجهاد فرض كفاية، وبر والديك فرض عين، ففرض العين مقدم على فرض الكفاية. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وفق الله الجميع لما يرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 224

دروس في العقيدة [١٠] حذر الإسلام من الشرك وأهله، وسد كل الأبواب والذرائع الموصلة إليه، ووجه أتباعه إلى الاهتمام بالعقيدة الصحيحة ومحاربة السحرة والكهنة والمشعوذين وغيرهم، وحذر من إتيانهم فضلاً عن تصديقهم، وتوعد فاعل ذلك وسائله ومصدقه بالوعيد الشديد إن ماتوا على حالهم قبل التوبة.

стр. 225

أمثلة الشرك وأنواعه

стр. 226

الشرك في الكهانة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الحديث لا يزال موصولاً عن أمثلة الشرك وأنواع الشرك في العبادة التي تنافي التوحيد، وقد استعرضنا فيما سبق بعض الأنواع والأمثلة، ومن الأمثلة والأنواع للشرك في العبادة: الشرك في الكهانة. والكهانة: هي ادعاء علم الغيب مع الاستناد إلى سبب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، فالكهان هم الذين يخبرون عن المغيبات في المستقبل من الزمان، ويأخذون عن مسترق السمع من الشياطين. والأصل في الكاهن أنه يأخذ عن مسترق السمع من الشياطين، والشيطان يلقي الكلمة في أذن الكاهن فيأخذها، فالكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وهو الذي يدعي علم الغيب عن طريق الاتصال بالشياطين والجن، فيتخذ له قريناً من الجن يأتيه ويخبره. وقد كثر الكهان قبيل بعثة النبي ﷺ ، وتكلموا ببعثة النبي ﷺ كما هو معروف في كتب التاريخ وكتب السير. والكهانة التي عن طريق الاتصال بالشياطين شرك بالله من جهتين: من جهة تقرب الكاهن إلى الوسائط التي يستعين بها على العلوم الغيبية بما هو من خصائص الله، فيتقرب إلى الشيطان بما يحب من الشركيات، فإما أن يدعوه، وإما أن يذبح له، وإما أن يفعل غير ذلك. والجهة الثانية: دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، فالكاهن يدعي علم الغيب فيكون كافراً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، فالكاهن الذي يتصل بالشياطين كافر من جهتين: من جهة تقربه إلى هذه الوسائط التي يستعين بها على دعوى علم الغيب، ومن جهة ادعائه لعلم الغيب. والكاهن قد يسمى العراف، ولهذا قال البغوي رحمة الله: العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بالمقدمات، فيستدل بها على المسروق ومكان الضالة، وقيل: هو الكاهن, والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير. وقال أبو العباس ابن تيمية ﵀: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يدعي معرفة الأمور بهذه الطرق. وعلى كل حال فإنه يجمع هؤلاء شيء واحد، وهو دعوى علم الغيب، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر، لكن إن كان دعوى علم الغيب عن طريق الإخبار عن المغيبات في المستقبل سمي فاعل ذلك كاهناً، وإن كانت عن طريق عقد العقد والنفث فيها والاستعانة بالشياطين سمي فاعل ذلك ساحراً، وإن كانت عن طريق الاستدلال على معرفة المسروق ومكان الضالة سمي فاعل ذلك عرافاً, وإن كانت عن طريق النظر في النجوم والاستدلال بها على علم الغيب سمي فاعل ذلك منجماً، وإن كانت عن طريق الخط في التراب أو الضرب بالحصى سمي فاعل ذلك رمالاً. وكل من ادعى علم الغيب فإنه يكون كافراً بأي طريق، سواء عن طريق العقد والنفث فيها، أو عن طريق الإخبار عن المغيبات في المستقبل، أو عن طريق ادعاء معرفة الأمور التي يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، أو عن طريق الإخبار عما في الضمير، أو عن طريق النظر في النجوم، أو عن طريق الخط في التراب أو الرمل أو الضرب بالحصى، أو عن طريق فتح الكتاب وإحضار الجن، أو عن طريق القراءة في الكف أو القراءة في الفنجان، فإذا ادعى علم الغيب بأي طريقة من هذه الطرق فإنه يكون كافراً مشركاً؛ فإن دعوى علم الغيب كفر أكبر وشرك أكبر، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 227

حكم سؤال الكاهن وتصديقه وقد ورد الوعيد الشديد على من أتى إلى الكاهن وسأله أو صدقه، فقد ثبت في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، وهذا وعيد شديد إذا سأله ولم يصدقه. وعن أبي هريرة ﵁ الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ ، رواه أحمد وأبو داود وغيرهم, فإذا كان هذا حال السائل والمصدق فكيف بحال الكاهن نفسه؟! إذا كان السائل الذي يسأل الكاهن جاء في حقه هذا الوعيد فكيف بحال الذي يُصدَّق؟! فإذا سأله ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ لأن سؤاله ميل إليه، ولأن سؤاله رفع لشأنه واهتمام به، ولا يجوز للإنسان أن يهتم بالكاهن، ولا أن يرفع من شأنه، ولهذا لما سئل النبي ﷺ قال: (ليسوا بشيء) أي: أخبارهم لا يوثق بها. وما يأخذه الكاهن على كهانته وما يأخذه الساحر على سحره سحت حرام، وليس بحلال، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكهان خبيث)، ومهر البغي: ما تعطاه الزانية من أجرة على زناها، فهذا خبيث وسحت، وثمن الكلب خبيث، فالكلب لا يباع ولا يشترى، حتى ولو كان كلب صيد أو ماشية، ويجوز أن يقتنى كلب الصيد أو الماشية أو الحرث، لكن لا يباع، وإنما يهدى فقط، أما أن يُعطي من أجله ثمناً فليس للكلب ثمن، ولو كان كلباً أذن الشارع باقتنائه وهو كلب الصيد والماشية والحرث، لكن لو أعطاه كرامة وهدية من دون اشتراط ثمن فلا بأس. وحلوان الكاهن: أجرته على الكهانة، سمي حلواناً لأنه يأكله حلواً بدون تعب ولا مشقة، فالذي يأتي الكاهن ويسأله جاء في حقه هذا الوعيد، بأنه لن تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ لأنه رفع من شأن الكاهن، وهو خبيث يدعي علم الغيب ويدعي مشاركة الله في علمه، فكيف تأتي إليه وترفع من شأنه وتهتم به؟! ولهذا لما سئل النبي ﷺ عنهم قال: (ليسوا بشيء). أما إذا أتاه وصدقه ففيه وعيد آخر، فقد قال ﷺ : (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما نزل على محمد) ﷺ ، واختلف العلماء في المراد بالكفر، فقال بعض العلماء: قد كفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، وتوقف آخرون من أهل العلم، فقالوا: نتوقف فلا نقول: إنه كفر أكبر أو كفر أصغر، والصواب أنه كفر أكبر إذا صدق دعوى الكاهن في دعوى علم الغيب؛ لأنه مكذب لله في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، هذا إذا صدقه في دعوى علم الغيب، أما إذا صدقه في قضية معينة، كأن يحتمل أن تكون هذه الكلمة سمعت من السماء، أو صدقه في شيء يتعلق بعلاج مريضه أو ما أشبه ذلك؛ فلا يعتبر كفراً أكبر، لكن إذا صدق الكاهن في دعوى علم الغيب فإنه يكفر والعياذ بالله؛ لأنه مكذب للقرآن، فإذا كان هذا حال المصدق للكاهن والذي يأتي إلى الكاهن فكيف بحال الكاهن؟! فالكهنة كذبة كفرة.

стр. 228

كيفية استراق الشياطين السمع وإلقائه في آذان الكهان وقد جاء في الحديث بيان كيفية استراق الشياطين السمع وإلقائه في أذن الكاهن، ثم كذب الكاهن معه، قد جاء في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله يفزعهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيأخذها مسترق السمع) ومسترق السمع هكذا وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، أي: فرق بين أصابعه، فالشياطين يكونون واحداً فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء من دون ملاصقة، فبعضهم يكون فوق بعض، ولا يلزم من ذلك الملاصقة، هكذا وصف سفيان ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض، والله تعالى يتكلم بالأمر، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. وفي حديث آخر: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة شديدة-، فإذا سمع الملائكة كلام الله صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بوحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق، فيقولون: قال الحق، ويتحدث أهل السماء ويتحدث كل سماء بما تكلم الله به من الوحي، حتى يصل إلى أهل السماء الدنيا، فيتحدث أهلها فيسمع الجني) وربما كانت الملائكة في العنان في السحاب وتكلمت بالوحي، ثم يسمع مسترق السمع الشيطان الأعلى كلام الملائكة، والكلمة التي سمعت من السماء كلمة حق من الوحي، فيلقيها الشيطان الأعلى إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى تصل إلى الشيطان الذي في أسفل الأرض، فيلقيها الشيطان الذي في الأسفل في أذن الكاهن، فيقرقرها كقرقرة الدجاجة (قر قر قر)، والشهب تلاحق هؤلاء الشياطين، وتحرق هؤلاء الشياطين، وأحياناً يصل الشهاب إلى الشيطان الذي في الأسفل قبل أن يلقي الكلمة في أذن الكاهن، وأحياناً يلقيها قبل أن يدركه الشهاب، فمرة ومرة، فربما أدركه الشهاب وأحرقه قبل أن يلقيها في أذن الكاهن، وربما ألقاها قبل أن يحرقه، وهذا يدل على أن الشياطين كثيرون، وأنهم يتناسلون، وكل إنسان معه قرين. فإذا وصلت الكلمة إلى أذن الكاهن كذب معها مائة كذبة أو أكثر، ثم يحدث الكاهن الناس بهذا الكذب الكثير ومعه كلمة واحدة سمعت من السماء، فإذا وقعت هذا الكلمة التي سمعت من السماء صدق الناس الكاهن بجميع كذبه من أجل الكلمة التي سمعت من السماء، فيقول الناس بعضهم لبعض: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فوقع ذلك؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، ويصدق في الكذب الكثير من أجل كلمة واحدة وقعت؛ لأنها سمعت من السماء. قال العلماء: وهذا فيه دليل على قبول النفس للشر والباطل، فكيف يصدقونه بالكذب الكثير من أجل واحدة؟! فلا يعتبرون بالكذب الكثير، ويعتبرون بواحدة، والحكم للأغلب والأعم، فواحدة سمعت من السماء ووقعت، ومائة أو أكثر كلهن كذب، ومع ذلك يصدق هذا الكاهن بجميع كذبه من أجل أنها سمعت من السماء. فإذاً: فالكهان كفار، وكانت للعرب قبيل البعثة في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه، فكثروا، ثم بعد بعثة النبي ﷺ شددت حراسة السماء، وكانوا قبل البعثة يسترقون السمع كثيراً ويلقونه في آذان الكهان، والكهان يتكلمون ويكذبون، فانتشرت الخرافة والكذب والدجل والتلبيس والكفر والظلم والطغيان قبيل بعثة النبي ﷺ ، حتى كان الناس في ظلام دامس، وكانوا في أشد الحاجة وأشد الضرورة إلى بعثة النبي ﷺ . فبعث الله محمداً ﷺ على حين فترة من الرسل، وفي وقت الحاجة والضرورة إلى بعثته، ومن الله تعالى ببعثته على الناس وعلى هذه الأمة ورحمها به، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. إذاً: هؤلاء الكهنة كفار كذبة، فلا يجوز الإتيان إليهم، ولا يجوز الأخذ عنهم، ولا يجوز سؤالهم ولا يجوز تصديقهم، ومن سألهم لزمه الوعيد الشديد، فلم تقبل له صلاة أربعين يوماً، ومن صدقهم في دعوى علم الغيب فقد كفر، فالأمر جد خطير، وكثير من الناس يتساهلون مع هؤلاء المشعوذين وهؤلاء السحرة وهؤلاء الدجالين، ولا يجوز التساهل معهم، بل يجب على من عرف أحداً منهم أن يرفع به إلى ولاة الأمر حتى يحال إلى المحكمة الشرعية، ويقام عليه الحد، وقبل ذلك يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقد مر معنا ذكر الخلاف في قبول توبة الساحر، والصواب أنه لا تقبل توبته في أحكام الدنيا، بل يقام عليه الحد، أما في الآخرة فأمره إلى الله, فالله تعالى يقبل توبة الصادق، فإن كان صادقاً في توبته فالله يقبل توبته، وإن كان كاذباً فله حكم الكاذبين. فهؤلاء الكهنة وهؤلاء المشعوذون وهؤلاء الدجالون يجب التبليغ عنهم، ويجب إيصالهم إلى ولاة الأمور حتى يقام فيهم حكم الله ، والمشعوذ الذي يعالج الناس -ولو لم يدع علم الغيب، ولكنه يبتز أموال الناس ويضرهم- يجب تأديبه وتعزيره من قبل ولاة الأمر؛ حتى يرتدع عن ظلم الناس وإيذائهم والإضرار بهم وابتزاز أموالهم.

стр. 229

الشرك في التنجيم ومن أمثلة الشرك في العبادة: الشرك بالتنجيم. والتنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فيستدل بالأحوال الفلكية على شيء يقع في الأرض، أو: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع، مستندين في ذلك إلى علم النجوم، كاستدلالهم على أوقات هبوب الرياح، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، ومجيء الحروب، وقيام الدول وزوالها، وموت عظيم أو ولادة عظيم، أو ما أشبه ذلك، فيستدلون على هذه الحوادث بالنجوم وينظرون فيها، ويستدل بها على وقوع حرب، أو غلاء أسعار، أو نزول مطر، أو ولادة عظيم، أو زوال عظيم، أو قيام دولة أو زوال دولة، أو ما أشبه ذلك، مستندين في ذلك إلى علم النجوم.

стр. 230

أقسام علم التنجيم علم التنجيم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ادعاء أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الحوادث مركبة من تأثيرها، وهذا كفر بإجماع المسلمين وشرك أكبر بالله العظيم من غير خلاف، وهذا الشرك هو الذي وقع فيه الصابئة عباد الكواكب، وهم الذين بعث فيهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل السلام وأتم التسليم، وهذا شرك أكبر، وهو شرك في الربوبية. القسم الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، ويقولون: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، وإن الله هو المسير وهو المقدر، لكن يستدلون على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، فإذا سارت الكواكب أو اجتمعت أو افترقت استدل بذلك على وقوع حرب في الأرض، أو زوال دولة أو قيام دولة، أو ولادة عظيم أو موت عظيم، أو وقوع المطر، أو تغير الأسعار، أو ظهور الحر والبرد، أو هبوب رياح عظيمة، أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء يقولون: هذا بمشيئة الله وقدرته، وهو الذي خلق ذلك وأوجده وسيره، لكن يستدلون على ذلك بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، فإذا سارت الكواكب أو اجتمعت أو افترقت استدل بها على حادث يقع في الأرض، وهذا -أيضاً- كفر وشرك أكبر؛ لما فيه من دعوى علم الغيب؛ لأن صاحبه يدعي علم الغيب. وهذا اقتباس من النجوم، وهو داخل في قول النبي ﷺ : (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)، فكلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في اقتباس السحر. وقد اختلف المتأخرون في حكم متعلم هذا النوع، والصواب الذي ينبغي القطع به أنه كافر، فمن استدل على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها فهو كافر؛ لما فيه من دعوى علم الغيب، وقد نص الله على أنه لا يعلم الغيب إلا هو سبحانه فقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] ومن ادعى علم الغيب كفر، ومسير الكواكب واجتماعها ليس دليلاًُ على علم الغيب، فإنه لا يعلم الغيب إلا عن طريق الأنبياء والرسل، فما أخبر به نبينا ﷺ من علم الغيب قبلناه وصدقناه، أما الاستدلال على علم الغيب بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها فهو كفر أكبر، نسأل الله السلامة والعافية. وهذان النوعان والقسمان من علم التنجيم يسميان عند العلماء بعلم التأثير. النوع الثالث من علم التنجيم: علم التسيير، فيكون علم التنجيم قسمان: علم التأثير وهو قسمان كما سبق، والثالث: علم التسيير، وهو الاستدلال بمنازل الشمس والقمر على معرفة القبلة، ومعرفة الزوال ليعلم به وقت دخول الظهر، ومعرفة فصول السنة، أو الاستدلال به على معرفة أوقات البذور من الفلاحين، ومعرفة الطرق في البر أو في البحر حتى يستدل بها المسافرون، كأن ينظر في النجوم فيعرف النجم القطبي؛ لأن النجم القطبي نجم ثابت في جهة الشمال، وإذا تحددت جهة الشمال تحددت بقية الجهات، فيعرف المسافر الطريق ويمشي، ويستدل بالنجوم على معرفة سيره، فيعرف في أي جهة هو، وينظر إلى النجم القطبي فيستدل به، سواء أكان في البر أم في البحر، فهذا جائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهو علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر، وشيء يخبرك به الثقات، فتُعلم به جهة القبلة، ويعلم به وقت الزوال وأوقات الصلوات، ويعلم به معرفة الطرق، ويهتدي به المسافرون في البر أو في البحر، ويعرف به فصول السنة، فيعرف فصل الربيع وفصل الخريف وفصل الشتاء وفصل الصيف، وتعرف أوقات البذور؛ لأن البذر يختلف، فهناك بذر في وقت الصيف، وبذر في وقت الشتاء، وبذر في وقت الخريف، فتنظر في النجوم حتى تعرف أوقات البذر، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهو الصواب، قال الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥]. فهذا يسمى علم التسيير عند أهل العلم، وهو تعلم منازل الشمس والقمر، والنظر في النجوم؛ ليستدل بذلك على معرفة جهة القبلة حتى يصلي المرء، أو يستدل بذلك على معرفة زوال الشمس، فإذا كانت الشمس أمامك فإنه تصلي، وإذا كانت بين الحاجبين فوقع وقت العصر فإنك تصلي، وتنظر في الشمس حتى تعرف جهة القبلة، وتعرف وقت الزوال، وتعرف أوقات فصول السنة، وأوقات البذر للفلاحين، وطرق المسافرين في البر أو في البحر أو في الجو، فالطيار في الجو قد يستدل بالنجوم، فهذا جائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب. وذهب بعض العلماء إلى المنع منه، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي وسفيان بن عيينة، ذكر ذلك حرب الكرماني في مسند الإمام أحمد عنهما، وأنهما منعا من علم التسيير. ورخص في تعلم المنازل الإمام أحمد ﵀ وإسحاق بن راهويه، وهو رأي جمهور العلماء وهو الصواب. أما القول بأنه ممنوع فهو قول ضعيف؛ لأنه لا محذور فيه، ولأن الحاجة ماسة إلى معرفته، ولأن الفائدة ظاهرة، بل قد يضطر الإنسان إلى معرفته، بل قد يؤمر الإنسان بالنظر في الشمس والقمر والنجوم حتى يعرف جهة القبلة إذا أراد أن يصلي، ويعرف وقت الزوال، وكذلك المسافر ينظر في النجوم حتى يعرف جهة سيره في البر أو في البحر، وهذه فائدة محضة لا محذور فيها، ولهذا يقول الحافظ ابن رجب ﵀ مبيناً خلاف العلماء في هذا: والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير؛ فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه؛ لشغله عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، وذلك يفضي اعتقاده إلى خطأ المسلمين في صلاتهم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀. إذاً: الحافظ ابن رجب ﵀ يحكي الخلاف في هذا، ويقول: المأذون في تعلمه علم التسيير، أما علم التأثير فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وقد سبق أن علم التأثير ينقسم إلى قسمين: إدعاء أن الكواكب فاعلة مختارة، أو ادعاء علم الغيب عن طريق سير الكواكب واجتماعها وافتراقها. قال: وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لشغله عما هو أهم منه، فكون الإنسان يتعمق في معرفة منازل الشمس والقمر والنجوم شيء زائد عن الحاجة يشغل عما هو أهم. قال: وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، وذلك يفضي اعتقاده إلى خطأ المسلمين في صلاتهم. وهذا واقع الآن، فبعض الناس يتشدد إذا أراد أن يحدد جهة القبلة بالبوصلة بالشعرة، فيقول: هذه جهة القبلة، حتى إن بعض الناس قال: إن كثيراً من المساجد الآن مائلة عن جهة القبلة؛ لأنه ينظر إلى البوصلة بالدقة، وهذا تشديد لا وجه له؛ لأن ما بين الشمال والجنوب قبلة والحمد لله، وما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة ونحوهم، فالميل اليسير والانحراف لا يضر، فإذا كانت القبلة عندنا في مدينة الرياض على أربعة عشر، فمالت القبلة إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر فذلك لا يضر. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: إن التعمق وتدقيق النظر في علم التسيير قد يؤدي إلى محذور، وهو إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، فبعض الناس يتعمق وينظر إلى القبلة بالشعرة، فيرى القبلة مائلة عن أربعة عشر فيقول: القبلة مائلة، والقبلة ليست بصحيحة، هذا معنى قول الحافظ ابن رجب: وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، وذلك يفضي اعتقاده إلى تخطئة المسلمين والعلماء السابقين والمسلمين في صلاتهم، يقول: مضت مئات السنين أو مائة سنة والمسجد هذا مائل عن القبلة، فالمسلمون الذين سبقوا أخطئوا في صلاتهم، هذا مراد الحافظ ابن رجب ﵀. إذاً: لا ينبغي التشدد في مثل هذا، فقد قال بعض الناس: كل المساجد القديمة مائلة عن جهة القبلة، وهذا غلط، فليست مائة عن جهة القبلة؛ إذ القبلة ما بين الجهتين، والميل اليسير لا يضر، إنما الذي يضر أن تستقبل الشمال أو تستقبل الجنوب وتنحرف انحرافاً واضحاً، أما كون الإنسان يقول: أن القبلة بالدقة وبالشعرة والدبوس لا تميل عن أربعة عشر فهذا غلط. وعلى كل حال فإن هذه النجوم خلقها الله وجعلها علامات يهتدى بها، كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] وخلقها الله زينة للسماء ورجوماًَ للشياطين، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاوز هذا الحد ويستدل بها على دعوى علم الغيب، فهذا باطل، بل كفر وردة، ولهذا قال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف مالا علم له. وهذا كلام سديد وجيد، وهذه الثلاث التي ذكرها قتادة ﵀ دل عليها القرآن، فهي زينة للسماء ورجوم للشياطين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فهذان أمران، وعلامات يهتدى بها، قال الله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، فهذه الحكمة من خلق النجوم: زينة ل

стр. 231

الأسئلة

стр. 232

حكم علاج السحر بالسحر السؤال رجل صالح ابتلي بإصابة زوجته بالسحر، فعالجها بالرقية الشرعية فترة من الزمن عند كثير من القراء الصالحين، ولكنها لم تشف، وتراوده نفسه بعلاجها عند بعض السحرة؛ لأنهم قد ضمنوا له علاجها، وقد قيل له: يجوز ذلك عند الضرورة القصوى، فما رأيكم؟ الجواب الذي أنصح به هذا السائل ألا يذهب إلى السحرة، وعليه أن يكرر العلاج بالقرآن والأدوية والدعوات المباحة والمشروعة، مع التضرع إلى الله والابتهال إليه وسؤاله العافية والشفاء، فإن الشفاء بيد الله، وهذا ابتلاء وامتحان، وعليه الصبر والتحمل، والمرض يكفر الله به السيئات ويرفع به الدرجات. ومعلوم أن النشرة -وهي حل السحر عن المسحور- نوعان كما ذكر العلامة ابن القيم ﵀: نوع جائز ونوع محرم، وفي هذا تجتمع النصوص؛ فإنه ثبت أن النبي ﷺ سئل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)، وقال الحسن ﵀: لا يحل السحر إلا ساحر. وقال قتادة: قلت لـ ابن المسيب: رجل به طب أو يؤخر عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلا ينهى عنه. فهذه النصوص وهذه الآثار في بعضها جواز النشرة، وفي بعضها المنع من النشرة، والجمع بينهما: أن ما ورد من الآثار والنصوص في المنع محمول على النشرة المحرمة، وهي النشرة التي من عمل الشيطان التي تكون عن طريق الذهاب إلى السحرة، ولهذا قال الحسن: لا يحل السحر إلا ساحر. وسئل النبي ﷺ عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)، وقال ابن المسيب لـ قتادة لما سأله: رجل به طب أو يؤخر عن امرأته -يعني: يدخل على امراته فلا يصل إلى جماعها- أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلا ينهى عنه. فهذا محمول على النشرة الجائزة، ولهذا قال العلامة ابن القيم ﵀: النشرة نوعان: النوع الأول: محرم، وهو أن يعالج عن طريق حل السحر عن الساحر، وهو حله عن طريق الإتيان إلى السحرة؛ لأنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، وهذا طريق مسدود ومحرم؛ لأن الناشر والمنتشر يتقرب إلى الشيطان بما يحب من الشركيات فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة عن طريق الرقية الشرعية، وقراءة القرآن، والأدوية المباحة، والدعوات التي لا محذور فيها. فالسائل أنصحه أن يداوم على النشرة الشرعية، وليحذر من الإتيان إلى الكهنة والسحرة، وعليه أن يصبر ويحتسب ويتضرع إلى الله ويبتهل إليه في شفاء مريضه، وعليه مع ذلك أن يستعمل الأسباب الشرعية، وهذه من المصائب التي قدرها الله، وهي خير للمؤمن، تكفر بها السيئات، وترفع بها الدرجات، وقد ورد في الحديث الصحيح أن المؤمن يكون له الدرجة العالية من الجنة لا يبلغها بكثير عمل، وإنما بالمصائب التي أصيب بها واحتسب، وإذا رضي بالمصيبة صار له ثواب أعظم، وإذا اعتبرها نعمة وشكر الله عليها صار من عباد الله الخلص. فالناس حينما تنزل بهم المصائب والنكبات يكون على أقسام: القسم الأول: من يجزع ويتسخط، ويفعل ما حرم الله، ويلطم الخد ويشق الثوب، وينتف الشعر، ويدعو بالويل والثبور، فهؤلاء تسخطوا ولم يصبروا، فتركوا الصبر وهو واجب، ومن ترك الواجب فإنه يأثم، ولهذا جاء في الحديث: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والسربال: ثوب من قطران، حتى يكون اشتعال النار به أشد، وتكسى ردعاً من جرب، ثم تشعل فيه النار والعياذ بالله، لأنها ناحت ولم تصبر، وإنما تسخطت، وهذا متسخط حصل على الإثم والوزر. القسم الثاني: من يصبر عند المصيبة، والصبر هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشفي، وحبس الجوارح عن فعل ما لا يرضاه الله، فلا يلطم خداً ولا يشق ثوباً، ولا ينتف شعراً، بل يصبر ويحتسب، فهذا أدى ما عليه. والقسم الثالث من الناس: من يصبر ويرضى, فيرضى بقضاء الله وقدره؛ لما يعلم من ترتب الأجر والثواب العظيم، فهذا له أجر الصابرين وله أجر الراضين، فتراه يصبر ويرضى ويشكر الله على هذه المصيبة، ويعتبرها نعمة، ولا فرق عنده بين المصيبة وبين غيرها، فهي نعمة يشكر الله عليها حيث قدرها عليه؛ ليرفع درجاته، ويكفر سيئاته، ولا يقوى على هذا ولا يصل إلى هذه الدرجة إلى عباد الله الخلص الصابرون الراضون الشاكرون لله. فنصيحتي لهذا السائل أن يصبر ويحتسب، ويتضرع إلى الله كثيراً ولا ييأس، وليكرر النشرة الشرعية من دعوات وآيات من القرآن وتعويذات شرعية، ولا ييأس، بل يصبر ويحتسب، وليكثر من دعاء الله وسؤاله الشفاء والعافية، ومن صدق مع الله فالله تعالى يصدقه, وربما كان في وقوع ذلك خير له، فقد ثبت في الحديث: (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خلال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يعطيه من الخير مثلها، وإما يصرف عنه من الشر مثلها) أو كما جاء في الحديث، فهو على خير، سواء أجيبت دعوته، أو صرف عنه من الشر ما هو أعظم منها أو مثلها، أو أعطي من الخير ما هو أفضل، (قالوا: يا رسول الله! إذاً: نكثر؟ قال: الله أكثر) أي: الله أكثر عطاءً. إذاً: نكثر من الدعاء، وما دام أن الإنسان دعا بخير فلم يكن في دعوته إثم ولا قطيعة رحم فقد وجدت الشروط، فهذا إما أن تجاب دعوته، وإما أن يعطى من الخير ما هو أفضل، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم. فأنت -يا أخي- عليك أن تصبر وتحتسب وتكثر من التضرع والدعاء، وأنت على خير عظيم، وإياك أن تذهب إلى السحرة والمشعوذين، فإن هذا طريق مسدود ممنوع شرعاً.

стр. 233

حكم القيافة السؤال هل الذين يعرفون الأثر يعتبرون عرافين؟ الجواب العراف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: العراف الذي يدعي معرفة الأمور في المقدمات، فيستدل بها على مكان المسروق ومكان الضالة، ويدعي علم الغيب، فهذه هي العرافة الممنوعة، وفاعلها يدعي علم الغيب. والثاني: العراف من القافة الذي يعرف الشبه، ويعرف الأثر، وهذا ليس داخلاً في ذلك، وقد كانت العرب تعرف هذا. وقد ثبت أن أسامة بن زيد وأباه زيد بن حارثة كانا ملتحفين بقطيفة، وقد بدت رجلاهما الأربع، وأحدهما رجلاه بيضاوان، والآخر رجلاه سوداوان، ومعلوم أن زيداً أنجب أسامة، لكنه خالفه في اللون، فطعن الناس في نسب أسامة، فقالوا: ليس أسامة ابناً لـ زيد؛ لأن اللون مختلف، فدخل مجزز المدلجي، وكان رجلاً يعرف القافة والشبه، وهو لا يدري من هذان اللذان التحفا بالقطيفة، وغطيا جسميهما ورأسيهما ولم يبد منهما إلا الأرجل، فقال مجزز المدلجي: إن هذه الأرجل بعضها من بعض، فدخل النبي ﷺ مسروراً تبرق أسارير وجهه على عائشة، وقال يا عائشة: (ألم تري إلى مجزز المدلجي؟! دخل فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) تأييداً له، فهذا دليل على أن الإسلام يعتبر القافة والشبه، والأصل أن الولد للفراش، فالطعن بغير دليل لا يعتبر، فهذا مؤيد. وكذلك بعض الناس يعرف أثر القدم في الأرض، فهذه خاصية أعطاها الله لبعض الناس، وهي قوة معرفة، فليست من هذا الباب، إنما الممنوع العرافة التي يستدل بها على دعوى علم الغيب.

стр. 234

حكم اعتقاد تسبب تحول النجوم في إحداث تغير الجو السؤال عندما يحدث أحياناً تغير في الجو من رياح وغبار يقول بعض العامة: إن هذا بسبب دخول نجم أو خروج نجم، وهو لا يعتقد أن لهذا النجم تأثيراً، ولكن يجعل هذا علامة وسبباً، فما حكم ذلك؟ الجواب قد يقال: إن هذا من جنس معرفة فصول السنة، وإن المراد أن الله أجرى العادة، وأنه إذا طلع النجم الفلاني فقد دخل الفصل الثاني، لكن كونه يقول: إن هذا سبب غلط، فلا ينبغي أن يعتبر هذا بسبب النجم، فالسببية هذه ممنوعة، لكن كونه يتعرف على النجوم وعلى فصول السنة، ويعرف أنه في هذا الوقت يدخل فصل الربيع أو فصل الخريف أو فصل الشتاء، ويكون الجو بارداً، وأن الله تعالى أجرى العادة بهذا، فهذا لا بأس به، لكن حين يقول: بسبب كذا فالسببية هذه لا ينبغي له أن يقولها، فلا ينبغي أن يجعل النجم هو السبب، وإنما الله تعالى هو الذي جعل ذلك، لكن الله جعل علامات لفصول السنة، وطلوع النجوم وغروبها، أما السببية فلا ينبغي ذكرها، وسيأتي أن من قال: (مطرنا بنجم كذا)، إذا كان يعتقد أن الله أجرى العادة بنزول المطر عند طلوع النجم أو غروبه فهذا من الشرك الأصغر، فلا ينبغي أن يكون هذا بسبب النجم، لكن كونه يعرف الفصول ويتعرف على النجوم، ويعرف أنه دخل الفصل الفلاني، وهذا وقت البدر، وإذا طلع النجم الفلاني أو النجوم الفلانية دخل فصل الربيع أو فصل الشتاء أو فصل الخريف، من دون أن يقول: هذا سبب، فهذا لا بأس به.

стр. 235

حكم دراسة علم الفلك السؤال ما حكم دراسة علم الفلك؟ الجواب إن كان يدرس فيه علم التسيير فلا بأس، أما علم التأثير فهذا حرام، وإن كان يدرس ليستدل به على دعوى علم الغيب أو اعتقاد أن النجوم لها تأثير في الأرض فهذا شرك، أما إذا كان يدرس علم التسيير ليتعرف به على وقت الزوال أو وقت القبلة أو وقت البذر ونحو ذلك، فهو علم جائز، وعلم التأثير محرم باطل -كما قال الحافظ ابن رجب - قليله وكثيره.

стр. 236

حكم قراءة الأبراج في الصحف والمجلات وحكم تصديقها السؤال هل من قرأ في باب الأبراج والحظ في الصحف والمجلات لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإذا صدقها فهل يكفر؟ الجواب إذا صدقهم في دعوى علم الغيب يكفر، أي: إذا صدقهم في دعوى علم الغيب وأن هذه الأبراج سبب في الحظ وسبب في السعادة أو التعاسة، أو سبب في طول العمر وفي كثرة المال، أو أن هذا البرج الفلاني إذا طلع يكون حظ الإنسان سعيداً أو تعيساً، فمن ادعى ذلك أو صدق من يقول ذلك كفر؛ لأن هذا دعوى لعلم الغيب وتصديق في دعوى علم الغيب، وهذا معناه تنجيم، ومن قال ذلك فهو منجم، من قال: إذا طلع النجم الفلاني حصل لفلان حظ وحصل له سعادة، أو طال عمره، أو كثر رزقه، أو حصل له مال، فهذا منجم كافر، ومن صدقه في دعوى علم الغيب فهو كافر. أما إذا قرأها للرد عليها، أو للنظر وللعبرة في هذا، أو لإيصالها وتبليغها للعلماء حتى يردوا على القائل، أو للتعرف على خرافات هؤلاء المنجمين لا لتصديقها؛ فهذا لا بأس به، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سأل ابن صياد -وكان دجالاً من اليهود- فقال: (ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب، فقال له: لقد خبأت لك خبأً، قال: هو الدخ. قال: اخسأ عدو الله، فلن تعدو قدرك)، أي: إنما أنت من إخوان الكهان، وثبت أن النبي ﷺ جاء يختل أن يسمع من ابن صياد قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أمه النبي ﷺ مقبلاً، فقالت: أي صاف! هذا محمد، فثار، فقال النبي ﷺ : (لو تركته بين). فـ ابن صياد هذا سأله ﵊ للتعرف على حاله والتحذير منه، ولهذا قال: (ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب) ثم قال في النهاية: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك).

стр. 237

بيان حال صلاة سائل الكاهن السؤال في الحديث أن من أتى كاهناً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فهل يترك الصلاة أربعين يوماً، أم يصلي وتكون صلاته بدون أجر؟ الجواب لا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة، بل عليه أن يصلي، لكن لا تقبل له صلاة من باب الوعيد، والمقصود أنه لا يثاب على صلاته أربعين يوماً، لكن صلاته مجزئة، ولابد من الصلاة، فيجب عليه أن يصلي، ولا أحد يقول: إنه لا يصلي، فيزيد الطين بلة، بل يؤمر بالتوبة والندم على ما مضى والاستغفار، وعدم الذهاب إلى الكهان، ويصلي ويتوب، ومن تاب تاب الله عليه، أما أن يترك الصلاة فهذا جهل عظيم، بل عليه أن يصلي ويتوب إلى الله، ويندم على ما مضى، ويعزم عزماً جازماً على أن لا يأتي الكهان ولا يصدقهم.

стр. 238

الموقف من تأثر العامة بالسحرة السؤال يوجد في قريتنا شركيات كثيرة، وسحرة، وأخشى إذا ذهبت إليها أن يصيبوني بأذى، سواء بسحر أو بقتل أو غيره، علماً أنهم يعرفونني، فما واجبي تجاه العامة الذين تأصل فيهم تقديس هؤلاء السحرة؟ الجواب الواجب عليك أن تتحصن بالأوراد الشرعية والأدعية والآيات من القرآن، فتقرأ بعد كل فريضة آية الكرسي، وتقرأها عند النوم، فإن من قرأها عند النوم لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه الشيطان حتى يصبح، فهؤلاء السحرة معهم شياطين، ولا يقربك الشيطان إذا صدقت مع الله، فتقرأها عند النوم، وتقرأها بعد كل فريضة كما ثبت في الحديث، وتقرأ (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس) بعد كل فريضة، وتقرأ هذه السور الثلاث بعد المغرب ثلاث مرات، وبعد الفجر ثلاث مرات، وعند النوم تقرؤها أيضاً، وتنفث بكفيك وتمسح وجهك ورأسك وما استطعت من جسدك، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك عند النوم، وتتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وتقول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)، وتقرأ الآيتين من آخر البقرة في كل ليلة، وأبشر بالخير، ولن يضرك شيء. وعليك أن تعلم العامة أنهم سحرة وأنهم ليس بأيديهم شيء فالأمر بيد الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فلا يضرك شيء إلا شيء قدره الله عليك، فلا ينبغي للإنسان أن يكون جباناً رعديداً، بل تحصن بالأوراد الشرعية، وقو إيمانك بالله، وثق به وتوكل عليه، والله هو الحافظ وهو الواحد ، وأفهم العامة ذلك، وبين لهم أن يعلقوا آمالهم وأن يثقوا بالله، وأن يتوكلوا على الله، وأن يتحصنوا بالآيات والأوراد الشرعية من شر هؤلاء الشياطين ومن غيرهم. فقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] أي: جميع ما خلقه الله تستعيذ بالله من شره، وإلا فهناك بعض المخلوقات لا شر فيها، فالأنبياء والملائكة هم خير، فقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يعني: من شر المخلوقات التي فيها شر. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] أي: الليل إذا دخل؛ لأن أهل الشرور ينتظرون الليل فيظهرون، وتظهر شرورهم في ظلام الليل. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] أي: السواحر اللاتي يعقدن وينفثن في عقدهن، فاصدق مع الله، فإن هذه آيات عظيمة. وتقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦]. وكذلك آية الكرسي اقرأها بتدبر وتمعن، وفكر في معانيها، وثق بالله، وتوكل عليه، واعتمد عليه، ولن يضرك أحد إلا بشيء كتبه الله عليك لابد منه، فالقدرة والمشيئة ونفوذ القضاء والقدر لابد منه, فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

стр. 239

حكم مصدق الكاهن الجاهل بالتحريم السؤال أصابني مرض نفسي، وبعد مدة جاء أخي بشخص وقال: إنه شيخ، فقال هذا الشيخ: إنني مصاب بعين، والذي أصابني بالعين أوصافه كذا وكذا، فذهب والدي إلى هذا الشخص الذي أصابني بالعين، فقال له: توضأ وأتى بوضوئه واغتسلت به، فهل أصبح أنا وأخي ووالدي ممن ينطبق عليهم الحديث، وهل علي ذنب وأنا لم أعلم ذلك إلا منك هذا اليوم؟ الجواب إذا لم تعلم فالحمد لله، وعليك بالتوبة مع الاستغفار والندم، فلا لوم عليك؛ لأن الإنسان لا يكلف إلا بعد العلم، فعليك بالتوبة والندم، وفي المستقبل لا تذهب إلى هؤلاء الذين يدعون علم الغيب، فهذا الشخص مشعوذ، فكونه يقول: إن ذلك الشخص هو الذي أصابك ويجزم بدون دليل يدل على أنه مشعوذ في الغالب؛ لأنه ليس عنده دليل على هذا، إلا إذا كان قد حضر ورأى أو سمعه، لكن هذا رجل بعيد كما ذكرت وليس بقريب، وعلى كل حال فإنه إذا عُرف العائن فإنه يؤمر بالاغتسال، فيغسل أطراف القدمين وركبتيه ووجهه وداخلة إزاره، كما ثبت في الحديث أن رجلاً من الصحابة كان يغتسل فرآه عائن فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فعان الرجل وأصابه، فقال النبي ﷺ : (علام يقتل أحدكم أخاه؟ استغسل له) أو كذا، والاستغسال معناه أن يغسل قدميه وركبتيه ويديه ووجهه وداخلة إزاره. وكذلك إذا عرف العائن وأخذ شيء من آثاره، كنوى التمر الذي كان يأكله، أو فنجان يشرب به، فهذا مجرب ونافع، هذا إذا عرف العائن، أما التخمينات بدون دليل فلا تجوز، وبعض الناس يوسوس في كل شيء أصابه ويقول: هذا عين أو جن، وهذا ليس بصحيح، بل لابد من دليل.

стр. 240

الموقف الشرعي عند حصول صدق الكاهن السؤال أخبرني أحد الكهنة فيما مضى أني مشارع مع أهلي، وهذا صحيح، وأخبرني أن هذا بسبب سحر عمل لي، ولم آخذ الأمر بجدية، ولكن قد زاد الأمر الآن، فهل يجوز أن أذهب إلى أحد المشايخ وأسأله عن هذا السحر؟ الجواب ليس لك هذا بسبب إتيانك إلى الكاهن، وليس لك أن تأتي إلى الكاهن كما سبق، فلا يجوز الإتيان إلى الكهان ولا سؤالهم، وعليك التوبة والاستغفار والندم على ما مضى، وإنما عليك أن تستعمل العلاج الشرعي، والكهان كذبة ولو صدقوا، ولو وافقوا الواقع، ومن طبيعتهم الكذب، فليس لك أن تأتي إليهم، بل عليك أن تلتجئ إلى الله ، وتعتمد عليه، وتتوكل عليه سبحانه، وتقرأ على نفسك أو يقرأ عليك بعض الإخوان، فيرقيك بالرقية الشرعية بآيات من القرآن، وأدعية شرعية، نحو: اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. ونحو: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك. ونحو: أعيذك بكلمات الله التامات من شر ما خلق. ونحو: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فهذه كلها رقى شرعية وردت منها غنية عن الحرام، وما أباحه الله من الرقية الشرعية والتعويذات والأدوية المباحة والعقاقير الطبية عند الأطباء التي لا محذور فيها يكفيك عن الحرام، وعليك بالتوبة والندم على ما مضى، واستعمال ما شرعه الله من الرقية الشرعية، والحذر من الإتيان إلى الكهنة والمنجمين والسحرة والعرافين.

стр. 241

حكم الأخذ من بول العائن ونعاله وثيابه لإذهاب العين السؤال بعض الناس يأخذ من بول العائن ونعاله وثيابه ويغسلها ويشربها، فما حكم ذلك؟ الجواب شرب البول حرام؛ لأنه نجس، ولا يجوز التداوي بالمحرم ولا بالنجاسات، يقول النبي ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاء أمتي في ما حرم عليهم) وقال: (عباد الله! تداووا ولا تداووا، بالحرام) فلا يجوز التداوي بالنجاسات من البول، لكن إذا عرف أنه عائن فإنه يأخذ من سؤره من الفنجان الذي يشرب فيه ويغسله، أو ما أشبه ذلك، وغسل الثوب ليس بطيب، أما شرب البول فلا يجوز، بل هو حرام؛ لأنه نجاسة، وهذا من صفات الشيطان، فيدفعه إلى ذلك ويزين له أن يشرب البول، فالبول نجس لا يجوز التداوي به، لا بول نفسه ولا بول غيره، إلا الأبوال التي أباح الله شربها، وهي أبوال الإبل أو البقر أو الغنم، فلا بأس بها، فقد ثبت أن جماعة من العرنيين جاءوا إلى النبي ﷺ ودخلوا المدينة فأصابهم الوخم، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوها وصحوا، لكنهم بعد ذلك قتلوا راعي النبي ﷺ وسملوا عينيه، وسرقوا الإبل وارتدوا عن دينهم، فأرسل ﷺ في أثرهم وجيء بهم إلى المدينة، فأمر بهم النبي ﷺ ، فسملت أعينهم كما فعلوا بالراعي، وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فكل واحد قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم تركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا، قال الراوي: إن هؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بالله، وارتدوا عن دينهم، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 242

حكم اعتقاد ارتباط الظواهر الكونية بالأحداث في الأرض السؤال سمعت في برنامج علمي فلكي أنهم وجدوا علاقة بين الظاهرة التكوينية التي تسمى البقع الشمسية، وبين الكوارث والحروب التي تقع على سطح الأرض، وذلك بالملاحظة والمراقبة، فهل يجوز تصديق هذا القول من باب معرفة سنة الله في الكون والاستفادة منها؟ الجواب لا يجوز تصديق هذا القول، فهذا من التنجيم، وهذا من علم التأثير، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية أو بمسير الكواكب أو باجتماعها وافتراقها على حادث أرضي، فهذا من علم التأثير وهو باطل محرم قليله وكثيره، فإذا كان يُدعى أن هذه البقع الشمسية مؤثرة في الحروب والكوارث فهذا شرك أكبر في الربوبية، وهو شرك الصابئة، أما إذا كان يعتقد أن الحوادث والكوارث بإذن الله وبتقدير الله، لكن هذه البقعة الشمسية دليل عليها، فإذا حصل كذا صار كذا، فهذا من النوع الثاني من علم التأثير. وعلى كل حال فهذا محرم لا يجوز تصديقه، ولا يجوز تصديق من أخبر بذلك، ولا يجوز العمل بذلك، ولا يجوز النظر في ذلك ولا اعتقاد صحة ذلك، فكل هذا لا أساس له من الصحة، بل هو من علم التأثير الباطل المحرم.

стр. 243

حكم النشرات المتضمنوة بيان أحوال الطوالع وذكر حالات الطقس السؤال تصدر بعض الشركات جدولاً تبين فيه أحوال الطوالع على مدار السنة، بحيث إنه في الفترة الفلانية إلى الفلانية من المتوقع أن يكون الجو ممطراً، ومن الأفضل زراعة الفاكهة الفلانية، ويصدرون ذلك بقولهم: بمشيئة الله؟ الجواب لا أعلم محذوراً في هذا، ومن ذلك ذكر أحوال الطقس التي يتوقع حصولها في الإذاعة، فإن هذا يبنونه على توقعات وعلى أشياء يشاهدونها ولا يجزمون بها، وإنما هو من باب التوقعات، وكذلك ما تصدره بعض الشركات من التقاويم التي فيها بيان مطالع النجوم وأوقات البذر وأوقات رأس السنة، فهذا كله من علم التسيير لا محذور فيه؛ لأنهم لا يدعون علم الغيب، وإنما يضعون جدولاً لبيان طلوع النجوم وأفولها، وما كان في سنة الله الكونية، فالتوقعات التي يذكرها أهل المراصد في نزول المطر بمشيئة الله إنما هي توقعات يبنونها على أشياء يرونها ولا يجزمون بذلك، فهم لا يجزمون بأن هذا الأمر سيقع وإنما يتوقع.

стр. 244

جهة استحقاق إقامة الحدود السؤال جزاء الساحر القتل، فهل يجوز لي أن أقوم بهذا إن كنت قادراً عليه؟ الجواب لا يجوز لك ذلك، إنما هذا من قبل ولاة الأمر، فليست المسألة فوضى، إذ بذلك يكون كل من أبغض شخصاً أو كان له عدو قتله وقال: هذا ساحر، والساحر يقتل، بل هذا يكون من قبل ولاة الأمر، فيرفع به إلى ولاة الأمور، ويرفع به إلى المحكمة الشرعية، وينظر فيه ويتحقق من الأدلة التي تدل على أنه ساحر، ثم يحكم عليه بما تقرر شرعاً، أما الأفراد فليس لهم أن يقيموا الحدود، وليس لهم أن يعملوا شيئاً، فالساحر الذي ثبت سحره، أو علم أنه يتعاطى هذه الأمور يرفع به إلى المحكمة، ويرفع به إلى الإمارة حتى يحال إلى المحكمة الشرعية، وحتى يصدر حكم شرعي في حقه، فإقامة الحدود والتعزيرات ليست للأفراد، وإنما هي لولاة الأمور.

стр. 245

التحذير من شراء المجلات الناشرة للتنجيم السؤال في إحدى المجلات ركن لأحد علماء النجوم يطلب القراء منه أن يحدد لهم النوم المفضل، والعطر المفضل، والطعام المفضل، وذلك عن طريق إعطائه الاسم والعنوان، ثم يجيبهم ويبين جميع الأشياء التي طلبها السائل، فما حكم ذلك وما حكم شراء هذه المجلة، وما توجيهكم تجاه ذلك؟ الجواب لا أدري ما المقصود باللون المفضل والطعام المفضل، فإن كان يدعي أن هذا الطعام له تأثير، بحيث إذا طلع النجم الفلاني وأكل الإنسان الطعام الفلاني في النجم الفلاني يحصل له كذا وكذا، ويحصل له عافية وشفاء، أو إن حصل اللون الفلاني ربطه بشيء من دعوى علم الغيب، فهذا لا يجوز. والذي يظهر لي في هذا -والله أعلم- أنه لا يخلو شيء من هذا، فنصيحتي هي بالبعد عن هذه الأمور، ولا ينبغي شراء هذه المجلة والاعتناء بها، وينبغي الرفع بها إلى ولاة الأمر حتى تزال؛ لأن هذا من ادعاء علم الغيب، والذي يظهر -والله أعلم- أن هناك دعوى لعلم الغيب عن طريق اللون وعن طريق الطعام، وأن لها تأثيراً؛ لأنه ربط اللون وربط الطعام بالفلك وظهور النجوم.

стр. 246

حكم الاستشفاء بتراب المكان الذي سقط فيه المرء السؤال أحياناً عندما يسقط أحد في مكان ما على الأرض يصاب بمرض يسميه بعض العامة بالتعوير، فيقومون بمسح المكان الذي سقط فيه ويشرب منه المريض، فما حكم هذا. الجواب لا يجوز مسح المكان والشرب، فما علاقة هذا المكان بالشرب؟! فهذا قد يكون سببه اعتقاد بعض الناس أنه سقط وأن الجن عوروه، فهم يريدون أن يشرب من هذا الشيء، وكأنه تقرب إلى الجن حتى لا يعوروه ولا يؤذوه، فهذا لا يجوز، فكيف يشرب من التراب، وما علاقة التراب بذلك؟! بل إذا حصل له مرض فإنه يعالج عند الأطباء بالعقاقير الطبية والأدوية المباحة، أو الرقية الشرعية، فيقرأ عليه آيات من القرآن والتعويذات الشرعية، أما شرب التراب فهو غلط كبير. والذي يظهر -والله أعلم- أن هناك اعتقاداً سيئاً فاسداً، وهو اعتقاد أن هؤلاء الجن هم الذين عوروه، فيشرب من المكان أو من التراب الذي سقط فيه حتى لا يؤذوه، وحتى يخففوا عنه التعوير وما أشبه ذلك، فإذا كان هذا الاعتقاد حاصلاً فهذا لا يجوز، بل هو حرام، وهذا تقرب إلى الجن وموافقة لهم، فلا يجوز هذا العمل؛ لأنه ناشئ عن اعتقاد فاسد، ويحتمل أنه أخبره أحد بهذا من كاهن أو غيره. فالمقصود أن هذا العمل لا يجوز، وهو محرم، ولا ينبغي هذا.

стр. 247

الموقف من الأقوال الكفرية المنشورة السؤال ذكر بعض العلماء في كتبهم توبة أبي المعالي الجويني والشهرستاني والفخر الرازي وابن عربي، وأن بعضهم صرح بذلك قبل موته ولم يتمكن من الكتابة، وبعضهم تمكن من الكتابة، أي: الرجوع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فما موقفنا من تلك الأقوال، أنصدقها أم نقول: إنها لم تثبت عنهم، علماً أن بعض العلماء ترحم عليهم ودعا لهم بالمغفرة؟ الجواب الأصل المقصود هو بقاؤهم، وهذه كتبهم موجودة، حتى يثبت بنقل صحيح خلافها، فإذا ثبت بنقل صحيح عن الثقات، ووجدنا سنداً صحيحاً أنه تاب أو كتب فهذا لا بأس به، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الرازي تاب في آخر حياته وترحم عليه، وقد نقض كتابه أساس التقديس في مجلدات عظيمة، وهو بيان تلبيس الجهمية الذي وزع على ثمان رسائل دكتوراة، وكنت مشرفاً على الثمان كلها والحمد لله، وهو بيان تلبيس الجهمية في نقض التأسيس للرازي، وهو كتاب مخطوط من أعظم كتب شيخ الإسلام، رد فيه على الرازي، والرازي أشعري ولكنه جهمي ينفي النقيضين، ويقول: لا داخل العالم ولا خارجه، لكن شيخ الإسلام ﵀ قال: إنه تاب في آخر حياته وترحم عليه، وشيخ الإسلام ثقة وإمام عظيم، فإذا أخبرنا فهو ثقة، وكذلك إذا وجدنا سنداً يدل على أنه تاب فلا بأس، أو أعلن ذلك في كتبه، وبعض الناس يقول: ابن سينا تاب، وفلان تاب، وابن عربي تاب. وعلى كل حال فإن من تاب تاب الله عليه، فإذا أشكل عليك الأمر فقل: إن لم يتب، لكن هذا لا يمنع من الرد على آرائه المنتشرة في الكتب وكفرياته وإلحاده وزندقته، فالإلحاد والزندقة والكفر منتشرة في الكتب والمؤلفات، فهل معنى ذلك أن نسكت لأن بعض الناس قالوا: إنه تاب؟ لا، بل يرد عليه، أما الشخص نفسه فقل: إن تاب غفر الله له، وإن لم يتب فعليه من الله ما يستحق. والمقصود أنه إذا وجد سند صحيح ثابت متصل أنه تاب أو أعلن ذلك في كتبه، أو أخبر عن ذلك إمام وثقة -كشيخ الإسلام ابن تيمية حينما ترحم على الرازي وقال: إنه تاب في آخر حياته- فإنا نقبل ذلك. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 248

دروس في العقيدة [١١] الشرك بالله تعالى دحض مزلة في الاعتقاد، ومنه الأكبر المخرج من الملة، ومنه الأصغر القادح في جناب التوحيد المتسبب في حصول الشرك الأكبر، والأصغر منه ما يكون في الألفاظ، ومنه ما يكون في الأفعال، ومنه ما يكون في الاعتقاد، وكل ذلك خطر على عقيدة المسلم، لا سيما الرياء الذي يخشى منه على المعاصي، ولخطر الشرك الأصغر عد خفياً، ووجه النبي ﷺ أمته إلى استغفار الله مما عُلم المرء منه وما لم يعلم.

стр. 249

الشرك الأصغر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق الكلام -فيما مضى- على الشرك بالكهانة والشرك بالتنجيم، وعرفنا أن الكهانة التي يتصل صاحبها بالشياطين يفسق صاحبها، وكذلك التنجيم، وعرفنا أن التنجيم المحرم هو علم التأثير، وأما علم التسيير فجائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهل تدخل معرفة وقت الكسوف والخسوف للشمس والقمر في المنهي عنه أم لا؟ الصواب أن كسوف الشمس والقمر يعرف بالحساب، وأن ذلك ليس من ادعاء علم الغيب، فالكسوف والخسوف كل منهما له سببان: سبب شرعي، وسبب حسي، فالسبب الشرعي هو ما جاءت به النصوص، كقوله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فاسعوا إلى الصلاة)، وفي لفظ: (يخوِّف الله بهما عباده)، فالسبب هو تخويف الله لعباده، ولهذا جاءت الأحاديث بالأمر بالاستغفار والصدقة والعتق والتوبة. والسبب الثاني: سبب حسي، وهو إدراك ذلك بالحساب، فإذا كان الحاسب متقناً فإنه يستطيع أن يدرك ذلك، وإذا لم يكن متقناً في الحساب فإنه يخطئ. فالمقصود أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من دعوى علم الغيب، فذلك يدرك بالحساب. وقد سبق الكلام على الشرك الأكبر بأنواعه، والشرك في اللغة معناه: القسْم والنصيب، ومنه قول النبي ﷺ : (من أعتق شركاً له في عبد قُوِّم عليه)، أي: نصيباً وقسماً وجزءاً. والمراد بالشرك الأصغر: ما ورد من الذنوب تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أي أنه ليس شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، فإذا كان شركاً في العبادة فهو شرك أكبر، أما إذا كان من الذنوب التي سماها الشارع شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر -بأن لم يكن شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام- فإنه يكون شركاً أصغر. والشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر؛ لأن الشرك الأكبر يتعلق بالقلوب وصرفها عن الله، بخلاف الكبائر؛ فإنها طاعة للهوى والشيطان، فلذلك كان الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.

стр. 250

أنواع الشرك الأصغر
следующие страницы →