← Акыда

Акыда · id 37010

دروس في العقيدة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (427 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حكم الاستشفاء بتراب المكان الذي سقط فيه المرء السؤال أحياناً عندما يسقط أحد في مكان ما على الأرض يصاب بمرض يسميه بعض العامة بالتعوير، فيقومون بمسح المكان الذي سقط فيه ويشرب منه المريض، فما حكم هذا. الجواب لا يجوز مسح المكان والشرب، فما علاقة هذا المكان بالشرب؟! فهذا قد يكون سببه اعتقاد بعض الناس أنه سقط وأن الجن عوروه، فهم يريدون أن يشرب من هذا الشيء، وكأنه تقرب إلى الجن حتى لا يعوروه ولا يؤذوه، فهذا لا يجوز، فكيف يشرب من التراب، وما علاقة التراب بذلك؟! بل إذا حصل له مرض فإنه يعالج عند الأطباء بالعقاقير الطبية والأدوية المباحة، أو الرقية الشرعية، فيقرأ عليه آيات من القرآن والتعويذات الشرعية، أما شرب التراب فهو غلط كبير. والذي يظهر -والله أعلم- أن هناك اعتقاداً سيئاً فاسداً، وهو اعتقاد أن هؤلاء الجن هم الذين عوروه، فيشرب من المكان أو من التراب الذي سقط فيه حتى لا يؤذوه، وحتى يخففوا عنه التعوير وما أشبه ذلك، فإذا كان هذا الاعتقاد حاصلاً فهذا لا يجوز، بل هو حرام، وهذا تقرب إلى الجن وموافقة لهم، فلا يجوز هذا العمل؛ لأنه ناشئ عن اعتقاد فاسد، ويحتمل أنه أخبره أحد بهذا من كاهن أو غيره. فالمقصود أن هذا العمل لا يجوز، وهو محرم، ولا ينبغي هذا.

стр. 247

الموقف من الأقوال الكفرية المنشورة السؤال ذكر بعض العلماء في كتبهم توبة أبي المعالي الجويني والشهرستاني والفخر الرازي وابن عربي، وأن بعضهم صرح بذلك قبل موته ولم يتمكن من الكتابة، وبعضهم تمكن من الكتابة، أي: الرجوع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فما موقفنا من تلك الأقوال، أنصدقها أم نقول: إنها لم تثبت عنهم، علماً أن بعض العلماء ترحم عليهم ودعا لهم بالمغفرة؟ الجواب الأصل المقصود هو بقاؤهم، وهذه كتبهم موجودة، حتى يثبت بنقل صحيح خلافها، فإذا ثبت بنقل صحيح عن الثقات، ووجدنا سنداً صحيحاً أنه تاب أو كتب فهذا لا بأس به، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الرازي تاب في آخر حياته وترحم عليه، وقد نقض كتابه أساس التقديس في مجلدات عظيمة، وهو بيان تلبيس الجهمية الذي وزع على ثمان رسائل دكتوراة، وكنت مشرفاً على الثمان كلها والحمد لله، وهو بيان تلبيس الجهمية في نقض التأسيس للرازي، وهو كتاب مخطوط من أعظم كتب شيخ الإسلام، رد فيه على الرازي، والرازي أشعري ولكنه جهمي ينفي النقيضين، ويقول: لا داخل العالم ولا خارجه، لكن شيخ الإسلام ﵀ قال: إنه تاب في آخر حياته وترحم عليه، وشيخ الإسلام ثقة وإمام عظيم، فإذا أخبرنا فهو ثقة، وكذلك إذا وجدنا سنداً يدل على أنه تاب فلا بأس، أو أعلن ذلك في كتبه، وبعض الناس يقول: ابن سينا تاب، وفلان تاب، وابن عربي تاب. وعلى كل حال فإن من تاب تاب الله عليه، فإذا أشكل عليك الأمر فقل: إن لم يتب، لكن هذا لا يمنع من الرد على آرائه المنتشرة في الكتب وكفرياته وإلحاده وزندقته، فالإلحاد والزندقة والكفر منتشرة في الكتب والمؤلفات، فهل معنى ذلك أن نسكت لأن بعض الناس قالوا: إنه تاب؟ لا، بل يرد عليه، أما الشخص نفسه فقل: إن تاب غفر الله له، وإن لم يتب فعليه من الله ما يستحق. والمقصود أنه إذا وجد سند صحيح ثابت متصل أنه تاب أو أعلن ذلك في كتبه، أو أخبر عن ذلك إمام وثقة -كشيخ الإسلام ابن تيمية حينما ترحم على الرازي وقال: إنه تاب في آخر حياته- فإنا نقبل ذلك. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 248

دروس في العقيدة [١١] الشرك بالله تعالى دحض مزلة في الاعتقاد، ومنه الأكبر المخرج من الملة، ومنه الأصغر القادح في جناب التوحيد المتسبب في حصول الشرك الأكبر، والأصغر منه ما يكون في الألفاظ، ومنه ما يكون في الأفعال، ومنه ما يكون في الاعتقاد، وكل ذلك خطر على عقيدة المسلم، لا سيما الرياء الذي يخشى منه على المعاصي، ولخطر الشرك الأصغر عد خفياً، ووجه النبي ﷺ أمته إلى استغفار الله مما عُلم المرء منه وما لم يعلم.

стр. 249

الشرك الأصغر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق الكلام -فيما مضى- على الشرك بالكهانة والشرك بالتنجيم، وعرفنا أن الكهانة التي يتصل صاحبها بالشياطين يفسق صاحبها، وكذلك التنجيم، وعرفنا أن التنجيم المحرم هو علم التأثير، وأما علم التسيير فجائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهل تدخل معرفة وقت الكسوف والخسوف للشمس والقمر في المنهي عنه أم لا؟ الصواب أن كسوف الشمس والقمر يعرف بالحساب، وأن ذلك ليس من ادعاء علم الغيب، فالكسوف والخسوف كل منهما له سببان: سبب شرعي، وسبب حسي، فالسبب الشرعي هو ما جاءت به النصوص، كقوله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فاسعوا إلى الصلاة)، وفي لفظ: (يخوِّف الله بهما عباده)، فالسبب هو تخويف الله لعباده، ولهذا جاءت الأحاديث بالأمر بالاستغفار والصدقة والعتق والتوبة. والسبب الثاني: سبب حسي، وهو إدراك ذلك بالحساب، فإذا كان الحاسب متقناً فإنه يستطيع أن يدرك ذلك، وإذا لم يكن متقناً في الحساب فإنه يخطئ. فالمقصود أن معرفة الكسوف والخسوف ليست من دعوى علم الغيب، فذلك يدرك بالحساب. وقد سبق الكلام على الشرك الأكبر بأنواعه، والشرك في اللغة معناه: القسْم والنصيب، ومنه قول النبي ﷺ : (من أعتق شركاً له في عبد قُوِّم عليه)، أي: نصيباً وقسماً وجزءاً. والمراد بالشرك الأصغر: ما ورد من الذنوب تسميته شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، أي أنه ليس شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، فإذا كان شركاً في العبادة فهو شرك أكبر، أما إذا كان من الذنوب التي سماها الشارع شركاً ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر -بأن لم يكن شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام- فإنه يكون شركاً أصغر. والشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهو أكبر من الكبائر؛ لأن الشرك الأكبر يتعلق بالقلوب وصرفها عن الله، بخلاف الكبائر؛ فإنها طاعة للهوى والشيطان، فلذلك كان الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.

стр. 250

أنواع الشرك الأصغر

стр. 251

شرك الألفاظ والأقوال والشرك الأصغر يكون في الألفاظ والأقوال ويكون في الأعمال، ويكون في الاعتقاد، ولكل واحد من هذه الأنواع أمثلة. فمن أمثلة الشرك في الألفاظ والأقوال: الحلف بغير الله، وذلك كأن يقول: وحياتِه، فيحلف بحياته، أو وحياةِ فلان، أو أن يقول: والنبي، أو يحلف بالأمانةِ، أو بالكعبةِ، أو يقول: بأبيك، أو بشرفك، أو بلحيتك، وما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، فإذا حلف بغير الله فهو مشرك شركاً أصغر، وقد يكون شركاً أكبر إذا اعتقد أن المحلوف به يستحق من التعظيم كما يستحق الله، أو أنه يستحق شيئاً من العبادة، فإنه يكون شركاً أكبر بهذا الاعتقاد، وإلا فالأصل أنه شرك أصغر. ومن أمثلة الشرك في الألفاظ والأقوال: التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة، كأن يقول: ما شاء الله وشئت، فهذا تسوية بين الخالق والمخلوق، وهو من الشرك الأصغر؛ لأن الواو تكون لمطلق الجمع وللتشريك والتسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، والتسوية بين الخالق والمخلوق شرك، فإن كان في الأصغر فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، ومن الشرك الأكبر التسوية بين الخالق والمخلوق في المحبة والتعظيم والخشية والإجلال والطاعة، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، فالتسوية بين الخالق والمخلوق في المحبة والعبادة شرك أكبر، والتسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة شرك أصغر، كأن يقول: ما شاء الله وشئت. فقد سوى بين الخالق والمخلوق في المشيئة. وثبت أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده)، فقوله: (أجعلتني لله نداً؟!) من التنديد الأصغر، فالتنديد يكون أكبر ويكون أصغر، فالأكبر يكون في العبادة، والتنديد الأصغر كالتشريك والتسوية في المشيئة. وأما إذا أتى بكلمة (ثُمَّ) وقال: ما شاء الله ثم شئتَ؛ فهذا لا بأس به؛ لأن (ثُمَّ) تفيد العطف بتراخي ومهلة، فالمعطوف بـ (ثم) يأتي بعد المعطوف عليه بمهملة وتراخ، ولا تفيد التشريك والتسوية، فلذلك يجوز أن تقول: ما شاء الله ثم شئتَ. وقد ثبت في الحديث عن قتيلة: (أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: والكعبة، وتقولون: ما شاء الله وشئتَ، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت)، رواه النسائي بإسناد صحيح. وعلى هذا فتكون الحالات ثلاث: الحالة الأولى: أن يقول: ما شاء الله وشئتَ، وهذا ممنوع، وهو شرك أصغر. الحالة الثانية: أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، فهذا جائز. الحالة الثالثة: أن يقول: ما شاء الله وحده، وهذا هو الأكمل والأفضل. ومن الشرك الأصغر أن يقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ولولا أنت لم يكن كذا، فكل هذه الألفاظ من الشرك الأصغر؛ لما فيها من التشريك بين الخالق والمخلوق والتسوية بينهما بالعطف بالواو، وهذا ممنوع، فإذا قلتَ: هذا من الله ثم منك، فلا بأس، وكذلك: أنا بالله ثم بك؛ لأن (ثم) للعطف، والمعطوف بعدها يأتي بتراخ ومهلة، وكذلك لو قلت: لولا الله ثم أنت، فذلك لا بأس به، وأما: أنا متوكل على الله ثم عليك فلا يجوز؛ لأن التوكل في الأسباب الظاهرة من الشرك الأصغر، وكذلك الحسْب، كأن تقول: أنا في حسب الله ثم في حسبك، فالحسب والكفاية خاصان بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فالحسب والتوكل خاصان بالله تعالى. وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] قال: الأنداد هو الشرك، وهو أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك -يا فلان- وحياتي، وتقول: لولا كلية هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلاناً، فهذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم. فهذا من ابن عباس ﵄ تفسير للأنداد في الآية، والتنديد ينقسم إلى قسمين: تنديد أكبر وتنديد أصغر، فهذا من التنديد الأصغر، وهو من الشرك الأصغر. يقول ابن عباس ﵄: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. فهل يسمع الإنسان أو يرى دبيب النملة السوداء التي تمشي على صخرة ملساء في ظلمة الليل؟! فالشرك أخفى من دبيب النملة على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو مثل أن تقول: والله وحياتك -يا فلان- وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، فتسند هذا إلى السبب، لكن لو قلت: لولا الله ثم كلبة هذا، ولولا الله ثم البط في الدار لأتانا اللصوص، جاز. وقد ثبت في سنن ابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها أنه قال: (رأيت -يعني: في المنام- كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، فقالوا: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت على نفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: هل أخبرت بها أحداً؟ قلت: نعم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد)، وجاء في بعض الروايات أن الذي منعه عن أن ينهاهم أن يقولوا: (ما شاء الله وشاء محمد) هو الحياء، وهذا قبل أن يوحى إليه بالنهي، فلما أوحي إليه لم يمنعه شيء ﵊، بل نهاهم عن أن يقولوا ذلك، وقد كانت هذه الرؤيا سبباً في النهي، وقد كان الناس في أول الإسلام يقولون: ما شاء الله وشئت، وما شاء الله وشاء محمد، ثم مُنعوا من ذلك. وجاء -أيضاً- عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان)، فدل هذا على أنه إذا أتى بالعطف بـ (ثم) فلا بأس به. وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوَّز أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، وقال: قولوا: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان. فهذه النصوص كلها تدل على أنه لا يجوز الحلف بغير الله، وأنه من الشرك الأصغر، ولا تجوز التسوية بين الخالق والمخلوق بالواو في المشيئة، لكن إذا كان العطف بـ (ثم) فلا بأس به. ومن الشرك في الألفاظ والأقوال أن يقول: مُطرنا بنجم كذا، أو بنوء كذا، معتقداً أن المنزِّل للمطر هو الله والنجم سبب في نزول المطر، أو أنه ليس بسبب ولكن يعتقد أن الله أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فهذا من الشرك الأصغر إن كان يعتقد أنه سبب؛ لأن الله لم يجعل النجم سبباً في نزول المطر، وإن كان لا يعتقد أنه سبب ولكن يقول: إن الله أجرى العادة بنزول المطر عند سقوط ذلك النجم؛ فهذا أيضاً من الشرك الأصغر على الصحيح؛ لأنه نسب ما هو من فعل الله الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر -وهو النجم- لا يضر ولا ينفع، ولو كان لا يعتقد أنه سبب؛ لأنه نسب ذلك إلى النجم، ولو على سبيل المجاز، فيمنع من ذلك حماية لجناب التوحيد، وسداً لذريعة الشرك، ولو كان بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها صاحبها، فيمنع، فيكون كقوله: ما شاء الله وشئت. وإذا كان يعتقد أن النجم له تأثير في إنزال المطر فهذا شرك أكبر، وأما إذا قال: مُطرنا في نجم كذا فلا بأس بذلك، والمراد: في وقت كذا، أي: في وقت الربيع، أو في وقت الخريف، أو في وقت طلوع النجم الفلاني، وعلى هذا تكون الحالات ثلاث في هذا الأمر:- الحالة الأولى: أن يقول: مُطرنا بنجم كذا، معتقداً أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر، فهذا شرك أكبر في الربوبية؛ لأنه جعل النجم مؤثراً ومدبراً، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، نعوذ بالله من ذلك. الحالة الثانية: أن يقول: مُطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا، معتقداً أن مُنزل المطر هو الله، وأن النجم سبب، أو أنه ليس بسبب ولكن الله أجرى العادة في نزول المطر عند سقوط ذلك النجم، وهذا شرك أصغر لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل النجم سبباً في نزول المطر، بل ولو لم يعتقد أنه سبب؛ لأن قوله: إن الله أجرى العادة بنزول المطر عند سقوط ذلك النجم، ثم قوله: مطرنا بنجم كذا موهم أنه يجعله سبباً، فيُمنع؛ سداً لذريعة الشرك، وحماية للتوحيد. الحالة الثالثة: أن يقول: مُطرنا في نجم كذا، وهذا جائز لا بأس به. ومن الشرك في الأقوال أيضاً: التسميع، كأن يحسن صوته بالقراءة تسميعاً للناس، فهذا من الشرك في الألفاظ وإن كان من الرياء في الأقوال، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يدعو إلى الله مراءاة للناس وتسميعاً لهم، فهذا من الرياء في الأقوال، وقد جاء في الحديث: (

стр. 252

شرك الأعمال النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في العمل، وهو أن يرائي بعمله، أو يحسن عمله من أجل الناس، أو يعمل العمل لأجل الدنيا، أو لأجل حظ نفسه، أو يتصنع للخلق مراءاة لهم بعمله، فيحسن صلاته إذا رأى رجلاً ينظر إليه، فتجده يتصنّع للخلق ولا يخلص لله في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ويعمل لله تارة، ويعمل لأجل الدنيا تارة، فلله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، وهذا الشرك شرك أصغر، فإذا كان خاطراً وطرده ودفعه فإنه لا يضره، وأما إذا استرسل فيه إلى نهاية العمل فإنه يُخشى أن يحبط العمل الذي وقع فيه. فالشرك في الأعمال كالرياء، والتصنع للخلق، وعدم الإخلاص لله في العبادة، فيعمل العمل لله تارة، وتارة يعمله لأجل حظ نفسه حتى يمدح ويثنى عليه، وتارة يعمله لأجل الدنيا. وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). وفي حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، فسئل عنه فقال: الرياء، يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه)، رواه الإمام أحمد. وروى الطبراني والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، الرياء، إذا كان يوم القيامة وجازى الله الناس في أعمالهم قال للمرائين: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!) أو كما جاء عن النبي ﷺ . وفي حديث أبي سعيد السابق أن النبي ﷺ قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)، ففي هذا الحديث كان يخاطب الصحابة، فإذا كان يخشى الرياء على الصحابة مع علمه بفضلهم فغيرهم من باب أولى، ولهذا قال العلماء: إن الرياء يخشى على الصالحين أكثر من غيرهم، فلا يخشى على الفساق؛ لأن الغالب أن الفساق والعصاة لا يراءون، لكن الرياء إنما يقع في قلوب الصالحين، فيراءون بأعمالهم، ويحسنون أصواتهم في القراءة، أو يدعون إلى الله، أو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مراءاة للناس حتى يمدحوهم ويثنوا عليهم، فيقال: فلان مستقيم يدعو إلى الله، فهذا يقع في القلوب، فلابد من أن يجاهد الإنسان نفسه، ويستعيذ بالله من الشيطان، ويطرد هذه الخواطر الرذيلة، وليعلم أن الناس لا ينفعونه ولا يضرونه. ومن الشرك في العمل: التوكل على غير الله في الأسباب الظاهرة، وأما إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وذلك كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت؛ لحصول مطالبهم من نصر أو رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر، لكن إذا توكل على غير الله في الأسباب الظاهرة -كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق، أو دفع أذى- فهذا نوع من الشرك الأصغر؛ لما فيه من ميل القلب إلى غير الله، فيجب أن تعلق القلوب بالله، ولا يجوز للإنسان أن يميل بقلبه إلى غير الله . والتوكل يجمع شيئين: الأول: الأخذ بالأسباب، والثاني: تفويض الأمور إلى الله، والاعتماد بالقلب على الله في حصول النتيجة، وهذه من أعمال القلوب، أعني تفويض الأمر والاعتماد على الله، وأما فعل الأسباب الحسية فمن أعمال الجوارح، ولهذا كان التوكل على غير الله داخلاً في شرك العمل؛ لأن الأسباب هنا من أعمال الجوارح، وتفويض الأمر إلى الله والاعتماد عليه في حصول النتيجة من أعمال القلوب، فإذا توكل في الأسباب الظاهرة فهو شرك أصغر؛ لما فيه من ميل القلب إلى غير الله، وأما إذا وكل شخصاً نيابة عنه فهذه وكالة جائزة، وبعض الناس حين يوكل يقول: توكلت عليك -يا فلان- في كذا، وهذا خطأ، بل عليه أن يقول: وكّلتك، ولا يقل: توكلت عليك، وإنما يقول: وكلتك هذه النيابة والوكالة، لكن ليس معنى ذلك أن يعتمد على موكله في حصول ما وكله فيه، بل عليه أن يعتمد على الله في توكيل أمره الذي يطلبه بنفسه أو يطلبه بوكيله، فالاعتماد والتوكل هو على الله، وأما الوكالة فهي من جملة الأسباب التي يفعلها الإنسان ولا يعتمد عليها، فلا يعتمد على السبب، بل يعتمد على المسبب، وهو الله الذي بيده السبب والوكالة ، وكذلك على الوكيل أن يعتمد على الله في تيسير أمره الذي يطلبه لنفسه أو لموكله؛ لأن الوكالة سبب، ولا يجوز الاعتماد على السبب، وإنما يكون الاعتماد على الله الذي بيده السبب والمسبَّب.

стр. 253

شرك الاعتقاد النوع الثالث من الشرك الأصغر: الشرك في الاعتقاد، ومن أمثلة هذا: لبس الحلقة والخيط، ومن أمثلته: تعليق التمائم، ومن أمثلته التولة، والتطير والطيرة، فهذه كلها من أنواع الشرك الأصغر، وهذا إذا اعتقد أنها سبب ووسيلة لحفظه كما هو الغالب على من يفعل ذلك، وأن الأمر بيد الله تعالى، وأما إذا اعتقد أن الحلقة أو الخيط أو التميمة تؤثر بذاتها وبنفسها، وتجلب له نفعاً أو تدفع عنه ضراً فهذا شرك أكبر. وأما إذا اعتقد أن النافع والضار هو الله، وأن هذه الحلقة أو الخيط أو التميمة سبب ووسيلة لحفظه فهذا شرك أصغر؛ لأنها لم يجعلها الله سبباً، فالسبب الشرعي هو الرقية الشرعية والتعوذات والأدعية وسؤال الله ودعاؤه بأسمائه وصفاته، وأما الخيط والحلقة والتميمة فكل هذه ليست أسباباً، فلم يجعلها الله أسباباً، بل هي محرمة. وقد ثبت في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ﵀ بسند لا بأس به عن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال: ما هذا؟! قال: من الواهنة. قال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً؛ فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً)، والواهنة: مرض يأخذ في العضد أو في المنكب، فهذا الرجل وجد النبي ﷺ في عضده حلقة من صفر -أي: من نحاس- فقال له: ما هذا؟ لماذا وضعتها؟! فقال: وضعتها لأجل الواهنة، أي: لأجل مرض الواهنة، يعني أنها وسيلة وسبب في الشفاء من هذا المرض، فقال النبي ﷺ : (انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهناً -أي: ضعفاً-، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً). وقد ثبت عن حذيفة ﵁ -كما رواه ابن أبي حاتم -: أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى -أي: وضعه من أجل الحمى-، فقطعه حذيفة ﵁ وتلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فقطعه حذيفة إنكاراً لهذا من المنكر، وفي هذا دليل على أن للإنسان أن ينكر المنكر باليد إذا كان قادراً على ذلك ولم يترتب على ذلك مفسدة أكبر من المنكر الذي أنكره، فإن عجز أنكره باللسان، وإن عجز أنكره بالقلب، كما ثبت في حديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فـ حذيفة كان مستطيعاً على الإنكار باليد فأنكر وقطع الخيط، وتلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وهذه الآية نزلت في الشرك الأكبر، وإيمانهم بالله هنا هو إقرارهم بتوحيد الربوبية، والشرك هنا هو الشرك في العبادة، وقد استدل حذيفة بهذه الآية على دخول الشرك الأصغر في عموم الشرك، وفيه دليل على أن الصحابة كانوا يستدلون على الشرك الأصغر بما نزل في الشرك الأكبر؛ لدخوله في عمومه. ومن أمثلة ذلك: تعليق الأوتار على الدواب؛ لدفع العين، فهذا لا يجوز؛ لأنه من الشرك الأصغر. وثبت في الصحيح عن أبي البشير الأنصاري ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسولاً: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت)، وهذا إذا وضعها من أجل العين، وأما إذا جعلها في رقبة البعير أو الدابة لأجل الزينة والجمال، أو لأجل أن يقودها بها فهذا ليس من الشرك ولا بأس به، لكن إذا وضعها من أجل اتقاء العين ودفع العين فهذا من الشرك. ومن ذلك التمائم التي تعلق في رقبة الإنسان، وأصل التميمة خرزات يعلقونها على الأطفال لدفع العين أو اتقاء العين، وهذا الذي يعلقونه قد يكون من الخرزات، وقد يكون من الحروز أو الحجب، وقد يكون من شعر الذئب أو غيره، فالتميمة التي تعلق لأجل دفع العين هي كل شيء يعلق في رقبة طفل، أو رجل، أو امرأة لأجل دفع العين وهي من الشرك، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، وقال ﵊: (من تعلّق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلّق وَدَعة فلا ودع الله عليه)، وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، فهذا دعاء من النبي ﷺ على من علق تميمة بأن الله لا يتم له أموره، (ومن تعلق ودعة فلا ودع الله عليه) أي: لا جعله في دعة وراحة وسكون، والودَع: شيء يستخرج من البحر يشبه الصدف يعلقونه اتقاء العين، وقد تكون التميمة التي تعلق حرزاً كُتب فيه آيات من القرآن، وقد تكون من غيره، فإذا كان الحجاب أو الحرز أو التميمة التي تعلق فيها آيات من القرآن، أو تعوذات شرعية وأدعية لا محظور فيها فهذه قد أجازها بعض العلماء ورخص فيها، وقالوا: إنها آيات من القرآن، أو أدعية شرعية، فهي تعوذات شرعية، ويروى هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما نقل عن عائشة ﵂. والقول الثاني: المنع من تعليق التميمة ولو كانت من القرآن، وهذا هو ما روي عن عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة، وهو مذهب الجماهير، وهو الصواب، فيمنع تعليق التميمة -وهي الحرز والحجاب- ولو كانت من القرآن أو من الأدعية الشرعية؛ لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن النصوص عامة ولم تخصص، قال النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) ولم يُخص من ذلك شيء، بخلاف الرقى والتعوذات الشرعية، فإنه قد جاء فيها التخصيص، حيث جاء في الحديث الآخر: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)، وفي الحديث الآخر: (لا رقية إلا من عين أو حُمة)، فدل ذلك على أن الرقية إذا لم يكن فيها محظور من شرك، وكانت بلسان عربي، واعُتقد أن الشافي هو الله فلا بأس بها، وأما إذا كانت من الشركيات، أو كانت مجهولة فهذه ممنوعة، بخلاف التمائم، فلم يأت ما يخصصها، فدل ذلك على أن التمائم ممنوعة مطلقة، سواء أكانت من القرآن أم من غير القرآن؛ لأن النصوص عامة. والأمر الثاني: أن إباحة وإجازة تعليق التميمة من القرآن وسيلة وذريعة إلى تعليق التميمة من غير القرآن ومن الأدعية الشرعية، فالناس لا يقفون عند حد. والأمر الثالث: أن تعليق التميمة من القرآن أو من الأدعية النبوية وسيلة إلى امتهانها، فقد يدخل بها الحمام ومكان قضاء الحاجة، وهي آيات من القرآن، وفيها اسم الله، وفيها أدعية شرعية، فيكون ممتهناً لها بذلك، فالصواب هو المنع من تعليق التميمة مطلقاً، ويجب أن تعلق القلوب بالله ولا تتعلق بغيره. وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن. يعني: كان أصحاب عبد الله بن مسعود يكرهون التمائم، أي: كراهة التحريم. وجاء عن سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة. يعني: من وجد إنساناً قد علق تميمة في عنقه ثم قطعها كان أجره كمن أعتق رقبة، والصواب أن من قطع تميمة من إنسان أفضل ممن أعتق رقبة؛ لأن من قطع تميمة من إنسان فقد أعتقه من الشرك، وأما إذا أعتق رقبة فقد أخرجها من الرق، وإعتاق الإنسان من الشرك أفضل من إعتاقه من الرق. وأما التِوَلة فهي شيء يصنعونه ويزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته، فهذا من الشرك الأصغر إذا اعتقد الإنسان أنه سبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، يقول النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتِوَلة شرك)، فهو من الشرك الأصغر إذا كان يعتقد أنه سبب في جلب المحبة، فيحبب المرأة إلى زوجها، ويحبب الزوج إلى امرأته، فهذا من الشرك ولا يجوز استعماله، وهذا إذا اعتقد أنه وسيلة وسبب، وأما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر، فلا يجوز للإنسان أن يعلق التميمة، ولا أن يستعمل التولة، ولا أن يلبس حلقة أو خيطاً لأجل رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، فيعتقد أنه سبب في رفع البلاء، فبعض الناس يلبس حلقة أو خيطاً ويعتقد أنها سبب في رفع البلاء بعد نزوله، أو دفعه قبل نزوله، وهذا غلط، فليست الحلقة والخيط سبباً، وهذا شرك أصغر إذا اعتقد أن ذلك سبب، أما إذا اعتقد أنه مؤثر بذاته فهذا شرك أكبر. ومن الشرك في الاعتقاد: الطِّيَرة والتطير، والطيرة: اسم مصدر لـ (تطير يتطير تطيراً)، فالتطير مصدر، والطيرة اسم مصدر، مثل: تخير يتخير خيرة، والطيرة: هي التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو التشاؤم بالأشخاص أو البقاع أو الأمكنة، فكل هذا من التطير المذموم، وهو من عمل أهل الجاهلية المشركين، قال تعالى عن آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٣١] أي: إذا أصابتهم حسنة من خصب وسعة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابتهم سيئة من جدب وقحط قالوا: هذا بسبب موسى ومن معه، فقد أصابنا هذا بشؤمهم، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١]. وقال عن أصحاب القرية لما جاءتهم الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٨ - ١٩] أي: أمن أجل أن ذكرناكم ووعظناكم تطيرتم بنا؟! بل أنتم قوم مسرفون، فالطيرة من عمل أهل الجاهلية، ومن عمل أهل الشر

стр. 254

الأسئلة

стр. 255

حكم نداء الواعظ أبطال الإسلام السابقين السؤال هل من الشرك قول الشخص: أين أنت يا سعد بن معاذ، وأين غيرتك من حال المسلمين اليوم؟ أو يقول: أين أنت -يا عمر - من حال المسلمين اليوم؟ أو: أين أنت -يا خالد - من حال المسلمين اليوم؟ الجواب الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا قالها على سبيل التوجع لا على سبيل النداء، فيتوجع ويتمنى أن يكون في الأمة من الخيار كهؤلاء الصحابة فإنه لا بأس به، وأما إذا كان يناديهم ويدعوهم بقصد الاستغاثة بهم فهذا شرك، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن مقصوده التوجع على حال المسلمين، والتمني أن يكون في المسلمين مثل هؤلاء الأخيار الذين يقومون لله، ويجاهدون في سبيل الله، فإذا كان مقصوده التوجع والتمني فلا يظهر لي أن هذا فيه محظور، وأما إذا ناداهم ودعاهم من دون الله فهذا شرك.

стр. 256

حكم تعليق ما يعتقد فيه الحفظ للسيارة والربح في البيع ونحوهما السؤال يوجد في الأسواق صندوق صغير يباع، وهذا الصندوق شكله جميل وهو مزخرف، ويعلق في مرآة السيارة الوسطى، وفي هذا الصندوق كتيب صغير مكتوب على غلافه: الحصن الحصين من كلام رب العالمين، وفي أول الكتاب آيات قرآنية، وفيه أن من علق هذا الصندوق في سيارته فلن يحصل له حادث، ومن علقه في بقالته فسوف يكثر عنده المشترون، وفي آخر الكتيب مربع صغير فيه رموز وطلاسم، فما حكم استعمال هذا الصندوق؟ الجواب لا يجوز استعمال هذا الصندوق، فهذا من التميمة، وهي من الشرك، فإذا جعله في السيارة أو في البقالة لأجل الحفظ، فإن اعتقد أنه سبب فهو كالتميمة، وهو من الشرك الأصغر، وأما إذا اعتقد أنه يجلب الزبائن أو يكثر ماله بذاته فهذا شرك أكبر كما سبق. وهذه الرموز والطلاسم يخشى أن يكون فيها شرك أكبر، فيخشى أن يكون فيها مناداة أو توسل بأسماء الجن أو الملائكة أو الشياطين. ولا أظن أن أحداً يعتقد أن هذا الصندوق يحفظ بذاته أو ينفع بذاته، وأظن أنه يُعتقد أنه سبب، وهذه الطلاسم والرموز يخشى أن يكون فيها شرك أكبر، أو أن يكون فيها نداء أو تعوذات بالجن أو الشياطين أو الملائكة. ومن ذلك أن بعض الناس يضع المصحف في السيارة أو في البيت ويعتقد أنه وسيلة للحفظ، فهذا من جنس التمائم، والواجب أن تقرأ من المصحف، فاقرأ القرآن وتعوذ بنفسك، وأما أن تجعل المصحف تميمة فلا يصح ذلك، فاقرأ الآيات بنفسك، واقرأ التعوذات الشرعية. وأما إذا وضع المصحف في السيارة ليقرأ فيه، أو وضعه في الغرفة ليقرأ فيه في وقت الفراغ فلا بأس بذلك، وأما إذا وضع المصحف في الغرفة أو في السيارة للحفظ فهذا من التمائم ومن الشرك الأصغر.

стр. 257

حكم القول بتأثير النجم في مد البحر وجزره السؤال لقد ذكرت فيما سبق أن الشرك في التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فهل يدخل في ذلك قول من قال: إن النجم هو للعبرة، أي: من أجل المد والجزر، فله علاقة بالقمر، وهو السبب في ذلك؟ الجواب إذا كان يعتقد أن القمر سبب في المد والجزر فهذا من الشرك، وأما إذا كان يعتقد أن الله أجرى العادة بأنه في منتصف الشهر أو في آخر الشهر يحصل مد وجزر؛ فهذا من جنس معرفة فصول السنة، ومعرفة أوقات البدر. وأما إذا اعتقد أن القمر نفسه مؤثر فهذا شرك أكبر. فالمقصود أن ذلك يكون على حسب الاعتقاد، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد أن القمر مؤثر بذاته، أو أن القمر سبب في ذلك.

стр. 258

حكم تحسين الصوت بالقرآن لاستمالة قلب السامع السؤال هل إذا حسنت صوتي لكي يميل قلب الذي بجانبي يكون ذلك رياء؟ الجواب هذا على حسب قصدك ونيتك، فإن كان قصدك أن ترائيه وتحسن صوتك من أجل أن يمدحك ويثني عليك فهذا رياء، وأما إذا كان قصدك أن تحسن صوتك حتى يستفيد وتستفيد أنت من غير أن يقع في قلبك شيء؛ فهذا مطلوب، يقول النبي ﷺ : (حسنوا أصواتكم بالقرآن)، وفي لفظ: (زينوا أصواتكم بالقرآن). وفي الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ استمع إلى أبي موسى الأشعري وكان له صوت حسن، فقال النبي: لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)، وقال النبي ﷺ لـ أبي موسى: لو رأيتني وأنا استمع لقراءتك البارحة، فقال له أبو موسى: لو علمت ذلك لحبرته لك تحبيراً) أي: بينته تبييناً، فهذا على حسب القصد، فإن كان قصدك أن ترائيه فهذا من الشرك الأصغر، وأما إن كان قصدك أن تحسن صوتك امتثالاً لأمر النبي ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم)، وحتى تستفيد وتفيد فهذا مطلوب ومشروع، وهذا شيء يقوم بالقلوب لا يعلمه إلا الله.

стр. 259

حكم توبة ساب الله تعالى ورسوله ﷺ السؤال لقد سمعت منك أن من سب الله تعالى فليست له توبة في الدنيا، فأرجو أن توضح لنا ذلك، فإني قبل الاستقامة كنت مع جلساء السوء، وكنا نقول على الله ما لا يليق ونسبه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، والآن -والحمد لله- اتبعت الرسول ﷺ ، وأصبحت سلفياً، ولله الحمد على الهداية إلى الطريق الصحيح، وقد عرفت أن هنالك آيات، مثل قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وأنا الآن قد تبت وندمت على تلك الكلمات، فهل توبتي صحيحة؟ وماذا أكفر به الآن عن تلك الكلمات التي كنت قلتها في حق الله ﵎؟ الجواب الحمد لله الذي منّ عليك بالتوبة، فهذه نعمة عظيمة، فاحمد الله واشكره، واسأل الله الثبات والاستقامة، ونسأل الله أن يرزقنا وإياك التوبة النصوح، والثبات على دينه والاستقامة عليه حتى الممات، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه، قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، قال العلماء: هذه الآية في التائبين، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه، ألم تسمع إلى قول الله تعالى في عرضه التوبة على المثلثة من النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فعرض الله عليهم التوبة فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤]، فذنبهم عظيم، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ومع ذلك عرض الله عليهم التوبة، فنقول: إن من سب الله أو سب الرسول أو سب الإسلام له توبة، فإذا تاب توبة صادقة تاب الله عليه، فعليك بالتوبة الصادقة، والإكثار من العمل الصالح، ومن تاب وأكثر من العمل الصالح بدل الله سيئاته حسنات، كما في سورة الفرقان: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، فإذا تاب توبة نصوحاً محا الله بها الذنب، وإذا أتبعه بالعمل الصالح بدل الله سيئاته حسنات فضلاً من الله وإحساناً. لكن نقول: لا تقبل توبته في أحكام الدنيا وليس في أحكام الآخرة، فإذا رفع إلى المحكمة شخص سب الله أو سب الرسول ﷺ وقال: أنا تبت الآن، قلنا له: لا، توبتك هذه بينك وبين الله، فإذا كنت صادقاً قبلت توبتك، وأما في أحكام الدنيا فلابد من قطع رقبتك، أي أن من سب الله أو سب رسوله لا بد من قطع رقبته في الدنيا في أصح قولي العلماء، وهذا الأمر يعود إلى ولاة الأمر، فإذا ثبت عند المحكمة الشرعية أن فلاناً من الناس سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو بدينه، وكذلك الساحر والزنديق والملحد، فكل هؤلاء الصواب أنه لا تقبل توبتهم في أحكام الدنيا، فلا بد من إقامة الحد عليهم إذا رُفع أمرهم إلى المحكمة الشرعية؛ حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الوخيم، وأما فيما بينه وبين الله فالله تعالى يقبل توبة الصادقين، ويمحو الله ذنب التائبين، وأما في أحكام الدنيا فلا نقبل منه ذلك في أصح قولي العلماء. والقول الثاني للعلماء: أنه يستتاب أيضاً في الدنيا، فإن تاب قبلنا توبته، وإن لم يتب قتلناه، لكن الصحيح أنه لا تقبل توبته في أحكام الدنيا؛ زجراً له ولأمثاله. وقد ألف في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة سماها: (الصارم المسلول على شاتم الرسول). وأما إذا تاب بينه وبين الله ولم يرفع إلى المحكمة فإنه تقبل توبته، وعلى هذا فإن السائل ما دام أنه قد تاب فإن الله يتوب عليه، والحمد لله، وتوبته مقبولة وصحيحة، ونسأل الله أن يمن علينا وعليه بالتوبة النصوح والعمل الصالح، والشأن كل الشأن في الصدق في التوبة، فإذا كان الإنسان صادقاً في التوبة فإن الله يَقبِل توبته من أي ذنب مهما كان.

стр. 260

توجيه قوله: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل) السؤال ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما سأله العباس عن أبي طالب قال له: (يا عم! لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) أو كما قال، فما توجيهكم لقوله ﷺ : (لولا أنا)؟ الجواب قوله في هذا الحديث: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) يحتمل أنه تصرف من بعض الرواة، ويحتمل أنه كان أولاً قبل المنع، ويحتمل أن هذا جائز ولكن الأولى تركه.

стр. 261

توجيه قول ابن القيم: (لولا الصحابة ما كان فينا مذنب) السؤال قال ابن القيم في نونيته: لولا الصحابة ما كان فينا مذنب، ولم يقل: لولا الله ثم الصحابة. فما توجيهكم؟ هذا أيضاً من جنس سابقه، فيقال -والله أعلم-: إن هذا جائز، لكن الأولى والأكمل تركه كما ذكر سابقاً.

стр. 262

من تصح الاستعانة به من الأحياء الحاضرين السؤال ما هو ضابط وصف الحاضر الذي يستعان ويستغاث به؟ الجواب الحاضر هو الحي القادر الذي يكون أمامك معه الأسباب التي تستعين به من أجلها، فإذا كان أمامك قلت له: أعني يا فلان. وكذلك استغاثة الغريق إذا استغاث بسباح يجيد السباحة ومعه أسباب ذلك، فهذا لا بأس به، وكذلك في الاستعانة، فيستعين بقادر حاضر، وأما إذا استعان بالجن، أو بغائب، أو بميت؛ فهؤلاء ليست معهم أسباب الإعانة، فالاستعانة بهؤلاء شرك. السؤال: الجن عالم حاضر، وهم يروننا ويسمعوننا ونتكلم معهم ونسمعهم فما حكم الاستعانة والاستغاثة بهم في بعض الحالات؟ الجواب: الاستعانة والاستغاثة بالجن شرك؛ لأنهم ليسوا حاضرين أمامنا، فأكثرهم غائبون ولا نراهم، وكذلك الاستغاثة بالملائكة، فلا تجوز الاستعانة والاستغاثة بهم؛ لأنهم غائبون ولا نراهم، فهذا هو الأصل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فلا يجوز للإنسان أن يستعين بهم، أو أن يقول: يا جن! خذوه، أو ما أشبه ذلك، فبعضهم يقول: يا جن! خذوه. وهذا لا يجوز؛ لأنه من الشرك، لكن لو كلم الجن أو كلموه فهنا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الاستعانة بهم على ثلاثة أحوال: الأول: أن يستعين بهم في أمر محرم، كأن يستعين بهم في أن يسرقوا له، أو ما أشبه ذلك، فهذا محرم. الثاني: أن يستعين بهم في أمور مباحة، فهذا مباح. الثالث: أن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويدعوهم إلى الله، فهذا مطلوب ومشروع؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن لا ينبغي للإنسان أن يتمادى في مثل هذا، فبعض الناس قد يتمادى، وبعضهم يدعي أن الجن يخاطبونه، وبعض القراء الذين يقرءون على المرضى يدعي أنه يكلم الجني، وأن الجني يخبره بالمرض الذي في المصروع الآخر، وأنه يستعين بهذا الجني على الجني الآخر، وهذا الفعل غير صحيح، فالجن لا يصدقون ولا سيما الفسقة منهم. والمقصود أنه ينبغي على الإنسان ألّا يتمادى في مثل هذا، فبعض الناس يتمادى ويتوسع في هذا الأمر، فلا يجوز للإنسان أن ينادي الجن ولا أن يستعين بهم، فهذا من الشرك؛ لأنهم غائبون ولا نراهم.

стр. 263

العلاقة بين الشرك الأصغر والشرك الخفي السؤال ما الفرق بين الشرك الأصغر وبين الشرك الخفي؟ الجواب الشرك الأصغر هو الشرك الخفي، وسمي خفياً لأنه يقوم بالقلوب، وسمي أصغر لأنه لا يصل إلى الحد الأكبر؛ لأنه ليس شركاً في العبادة، ولا ناقضاً من نواقض الإسلام. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 264

دروس في العقيدة [١٢] الإيمان بالله تعالى وتوحيده لا يكمل إلا بانتفاء الكفر الأصغر والشرك الأصغر، ولا يصلح ولا يثبت إلا بانتفاء الشرك الأكبر والكفر الأكبر المخرج من الملة، ككفر التكذيب والجحود، وكفر الإباء والاستكبار، وكفر الشك، وكفر النفاق ونحو ذلك. والواجب على المسلم أن يسعى في صفاء قلبه من أدران الكفر والشرك الأصغر والأكبر.

стр. 265

الكفر الأكبر والأصغر وعلاقتهما بالإيمان والتوحيد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الطحاوي ﵀ افتتح رسالته في العقيدة بقوله: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره]. ويدخل في هذه الجملة أنواع التوحيد الثلاثة التي هي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. والتوحيد ضده الشرك والكفر والنفاق، نسأل الله السلامة والعافية، ولا يكون الإنسان موحداً لله حتى يحذر الشرك بأنواعه، ويحذر الكفر بأنواعه، ويحذر النفاق بأنواعه، وحتى يكون موحداً كامل التوحيد والإيمان، أما إذا فعل شيئاً من أنواع الشرك الأصغر، أو من أنواع الكفر الأصغر؛ فإن توحيده يكون ناقصاً، وإيمانه يكون ناقصاً، أما إذا فعل الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر أو الكفر الأكبر؛ فإنه ينتقض منه الإيمان وينتقض التوحيد بالكلية، فلا يمكن أن يجتمع توحيد وإيمان مع شرك أكبر، ولا يجتمع توحيد وإيمان مع كفر أكبر، ولا يجتمع توحيد وإيمان مع نفاق أكبر، فإذا وجد أحدهما زال الآخر، إذا وجد الكفر الأكبر زال التوحيد والإيمان، وإذا وجد التوحيد والإيمان زال الكفر الأكبر، وإذا وجد التوحيد والإيمان زال الشرك الأكبر، وإذا وجد الشرك الأكبر والنفاق الأكبر زال التوحيد والإيمان. لكنه قد يجتمع مع التوحيد والإيمان نفاق أصغر أو كفر أصغر أو شرك أصغر؛ لأن النفاق الأصغر والكفر الأصغر والشرك الأصغر لا يخرج من الملة، لكنه ينقص التوحيد والإيمان ويضعفه، والنفاق الأصغر والشرك الأصغر والكفر الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر. وقد استعرضنا بعض أنواع الشرك الأكبر وأمثلته التي تنافي التوحيد والإيمان، ثم استعرضنا بعض أنواع الشرك الأصغر التي تنافي كمال الإيمان الواجب، ومن ذلك الحلف، فالحلف بغير الله من الشرك الأصغر، كأن يحلف بالكعبة أو بالنبي أو بالأمانة أو بغير ذلك، فهذا شرك أصغر. وقد يكون أكبراً إذا اعتقد أن المخلوق يستحق شيئاً من التعظيم والعبادة التي لا يستحقها إلا الله ، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر؛ لأنه يتعلق بالقلوب وصرفها عن الله، بخلاف الكبائر فإنها طاعة للهوى والشيطان؛ ولأن الشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً)، وهذا من فقهه ﵁ وتقواه؛ لأن الحلف بالله -وإن كان الشخص كاذباً- يعتبر توحيداً، بخلاف الحلف بغير الله وإن صدق، فهو شرك، فحلفه بالله كاذباً معه حسنة ومعه سيئة، معه حسنة التوحيد ومعه سيئة الكذب، والحالف بغير الله صادقاً معه حسنة ومعه سيئة، فمعه حسنة الصدق وسيئة الشرك، وإذا قارنت بين حسنة التوحيد وحسنة الصدق تجد أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وإذا قارنت بين سيئة الشرك وسيئة الكذب وجدت أن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ هذه المقالة: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً).

стр. 266

الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر أما الكفر فإنه يتنوع وينقسم إلى قسمين: كفر أكبر وكفر أصغر، فالكفر الأكبر مخرج عن الملة - نسأل الله السلامة والعافية- ويحبط الأعمال، ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويوجب الخلود في النار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة:١٠]، فالكافر كفراً أكبر مخلد في النار، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦]. فهذه أحكام الكفر الأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويُخرج من الملة، ويحبط جميع الأعمال، ويخلد صاحبه في النار إذا مات عليه من غير توبة. أما الكفر الأصغر فهو ما ورد تسميته من الذنوب كفراً ولم يصل إلى حد الأكبر، فهو تحت مشيئة الله، ولا يخرج من الملة، ولا يحبط الأعمال، ولا يوجب الخلود في النار. فالكفر بالنسبة للحكم ينقسم إلى قسمين: كفر أصغر وكفر أكبر, ولكل منهما أحكام، فمن أحكام الكفر الأكبر أن الله لا يغفره إلا بالتوبة، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة مفتوحة للعبد، لكن بشرط أن تكون مستكملة ومستجمعة لشروطها، وشروطها: الإقلاع عن الذنب وعن الكفر العظيم، والندم على ما مضى، والعزم الجازم الصادق على ألا يعود إلى هذا الذنب، ولا بد من أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، أي: قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، فإن وصلت الروح إلى الحلقوم فلا توبة. قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٧ - ١٨]. ولا بد من أن تكون التوبة قبل معاينة العذاب وقبل نزول العذاب، فإذا عاين العذاب ونزل العذاب فلا ينفع الإيمان ولا تنفع التوبة، ولهذا يعد فرعون من أكفر خلق الله، فقد ادعى الربوبية والألوهية وقال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، ثم تاب لما رأى العذاب، لكن توبته وقعت في وقت لا تصح فيه ولا تقبل، وهو عند نزول العذاب، قال الله : ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، قال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١]. فأخبر الله أنه عند رؤية العذاب لا تنفع التوبة، ولم يستثن الله إلا أمة واحدة هي قوم يونس، فهؤلاء نفعهم أيمانهم عند رؤية العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]. ومن شروط صحة التوبة: أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فإذا طلعت الشمس من مغربها فلا توبة، ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها كما جاء في الحديث، فهذه الشروط لا بد منها في صحة التوبة وقبولها. ويزاد شرط آخر، وهو أنه إذا كانت المعصية والمظلمة بينك وبين الناس فلا بد من رد المظلمة إلى أهلها إن كانت تتعلق بالبدن، فيسلم نفسه إن قتل لأولياء القتيل للقصاص، أو يسلم نفسه لقطع طرف، أو لضرب حتى يقتص منه أو يعفى عنه بالدية أو يعفى عنه بغير ذلك، وإن كانت المظلمة مالاً -كالسرقة أو الغصب أو الخيانة أو الغش أو الخداع- فلا بد من رد المال إلى صاحبه بأن يرسله إليه بنفسه أو بوكيله، ولا يشترط أن يقول: هذا مال سرقته أو غصبته، بل يقول: هذا حق لك، أو يرسله عن طريق وكيل، وإن كانت المظلمة في عرض فإنه يتحلله ويستسمح منه، فإن كان يترتب على ذلك شر فإنه يدعو لهم بظهر الغيب، ويدعو لمن اغتابه بظهر الغيب ويستغفر له، ويذكر محاسنه وصفاته في الأماكن التي اغتابه فيها ولا يكذب، بل يخبر بالواقع، فهذه الشروط لا بد منها لقبول التوبة، ومن تاب تاب الله عليه، سواء أكان هذا الذنب كفراً، أم كان دون الكفر، أم دون الشرك، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. قال العلماء: هذه الآية في التائبين؛ لأن الله عمم وأطلق، بخلاف الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ففي هذه الآية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه غير مغفور، وعلق ما دونه بالمشيئة، وهذه في غير التائبين، وأما آية الزمر فهي في التائبين. فالمقصود أن الكفر الأكبر لا يغفر إلا بالتوبة بهذه الشروط، فإن مات صاحبه من غير توبة فإنه لا يغفر، ويحبط عمله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويُخرج من ملة الإسلام، ويوجب الخلود في النار. أما الكفر الأصغر فليس له هذه الأحكام، بل صاحبه تحت المشيئة، ولا يخرج من الملة، ولا يحبط الأعمال، ولا يوجب الخلود في النار.

стр. 267

أقسام الكفر الاعتقادي ينقسم الكفر بالنسبة إلى ذاته إلى قسمين: كفر اعتقادي، وكفر عملي. والكفر الاعتقادي خمسة أنواع: النوع الأول: كفر تكذيب وجحود. النوع الثاني: كفر إباء واستكبار مع التصديق. النوع الثالث: كفر الإعراض. النوع الرابع: كفر الشك والظن. النوع الخامس: كفر النفاق. فهذه الأنواع الخمسة أنواع للكفر الاعتقادي، والكفر الاعتقادي بأنواعه الخمسة من أقسام الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة، نسأل الله العافية، ويوجب الخلود في النار إذا مات صاحبه عليه من غير توبة، ويحبط جميع الأعمال، وإذا فعل المرء واحدة من هذه الأنواع الخمسة فإنه يحبط عمله ويخرج من ملة الإسلام وإذا مات على ذلك صار من أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 268

كفر التكذيب والجحود أما النوع الأول من أنواع الكفر الاعتقادي -وهو كفر التكذيب والجحود- فهو كاسمه، يكون صاحبه مكذباً ويكون جاحداً لله أو لرسوله ﷺ ، والدليل على هذا النوع من الكفر قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨] وكفر التكذيب والجحود ينقسم إلى أقسام باعتبارات: فينقسم بالنسبة إلى جهة التكذيب إلى قسمين: القسم الأول: تكذيب بالقلب واللسان، وهو اعتقاد كذب الرسل وجحد ما جاءوا به، فيكذب ويجحد ما جاءت به الرسل بقلبه ولسانه، وهذا القسم قليل في الكفار، ونادر جداً، وقد لا يوجد، وذلك لأن الله أعطى الرسل من الآيات والبراهين والحجج والأدلة الواضحة على صدقهم وصدق ما جاءوا به ما يتبين به صدقهم لكل أحد، حتى قامت الحجة وانجلت المعذرة، قال الله : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، فهذا الكفر قليل؛ لأن حجج الرسل وأدلتهم تدل على صدقهم، وهي واضحة نيرة لكل أحد، وأوضح من الشمس في رابعة النهار. القسم الثاني: تكذيب باللسان مع اعتراف القلب وتصديقه، وهذا القسم كثير في الكفار، وهو الغالب على أعداء الرسل، ومن أمثلة هذا النوع كفر فرعون وقومه، فإن فرعون وقومه معترفون بصدق موسى ﵊ وأنه رسول من عند الله، لكنهم كذبوا بألسنتهم فصاروا مكذبين وجاحدين، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤]، فقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: بألسنتهم، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]، فنفوسهم مستيقنة مصدقة، أخبر عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] فقال له: ﴿عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢]، والعلم هو اليقين، ففرعون متيقن، لكنه كذب وجحد بلسانه عناداً للحق وتكذيباً للحق الواضح البين. ومن أمثلة ذلك أيضاً: كفر ثمود الذين أرسل الله إليهم صالحاً، قال الله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس:١١]، أي: بسبب طغيانها، فالطغيان هو الذي حملهم على التكذيب بألسنتهم وإن كانوا مصدقين ومعترفين ببواطنهم وقلوبهم. وكذلك كفار مكة ومشركو قريش كذبوا النبي ﷺ بألسنتهم وهم متيقنون في الباطن معترفون بصدق الرسول ﷺ ، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك﴾ [الأنعام:٣٣] يعني كفار قريش، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلمن يعني: لا يكذبونك بقلوبهم، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: يجحدون بألسنتهم، فنفى عنهم التكذيب وأثبت لهم الجحود؛ لأن الجهة منفكة، فجهة الجحود غير جهة الاعتراف والتصديق، فهم لا يجحدون بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: بقلوبهم، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، وهذا القسم كثير في الكفار. وينقسم كفر التكذيب والجحود انقساماً آخر أيضاً، فينقسم بالنسبة إلى المكذب به إلى قسمين: تكذيب مطلق عام، وتكذيب مقيد خاص، فالأول كأن يكذب بجميع ما أنزل الله به من الكتب وبجميع ما أرسل الله به الرسل، وهذا تكذيب مطلق عام، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] أي: اليهود، فقد أنكروا الرسالات كلها وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، قال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]، فمن عتوهم وعنادهم أنهم قالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]. القسم الثاني: كفر مقيد خاص، كأن يجحد أو ينكر فريضة من فرائض الإسلام، كأن ينكر وجوب الصلاة، أو ينكر وجوب الزكاة، أو ينكر وجوب الحج، أو ينكر البعث بعد الموت، فهذا لم ينكر كل شيء ولم يجحد كل شيء، وإنما أنكر شيئاً خاصاً، فيكون كافراً خارجاً من الملة؛ لأن هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإنه لا خلاف في وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، فإذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وجوبه كَفَر، وإذا قال: الصلاة غير واجبة كفر ولو صلى، أو قال: الزكاة غير واجبة كفر ولو زكى، أو قال: الصوم غير واجب كفر، أو قال الحج غير واجب كفر؛ لأن هذه فرائض وواجبات معلومة من الدين بالضرورة وليس فيها خلاف. ومثال ذلك أيضاً: أن ينكر تحريم محرم من محرمات الإسلام، كأن ينكر تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم شرب الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو تحريم قطيعة الرحم؛ لأن هذه محرمات معلوم من الدين بالضرورة تحريمها، ولم ينازع فيها أحد من العلماء، فيكون كافراً، بخلاف ما إذا أنكر شيئاً فيه خلاف بين أهل العلم، فهذا لا يكفر، كما لو أنكر الوضوء من لحم الإبل، فهذا لا يكفر؛ لأن المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء يرى الوضوء من لحم الإبل وبعضهم لا يرى ذلك، أو أنكر تحريم الدخان؛ لأن الدخان قيل فيه: إنه ليس بحرام، والصواب أنه حرام، لكن بعض الناس قال: إنه ليس بحرام، فمن أجل الشبهة لا يكفر، بخلاف الخمر فإنه مجمع على تحريمه، ولم يقل أحد: إن الخمر حلال بخلاف الدخان، وإن كان الصواب أنه محرم، وقد اتفق العلماء في المملكة على تحريم الدخان، لكن بعض العلماء في خارج المملكة أفتوا بعدم تحريمه، فمن أجل ذلك لا يكفر من أنكر تحريم الدخان لأجل الشبهة. ومثال ذلك أيضاً: أن ينكر صفة وصف الله بها نفسه أو يجحدها، كأن يجحد قدرة الله، أو علم الله، أو سمع الله أو بصره، أو ينكر خبراً أخبر الله به، كالجنة والنار، فينكر الجنة أو ينكر النار أو ينكر البعث أو غير ذلك مما أخبر الله به. ومن ذلك: أن يقدم قول أحد من الناس على قول الله أو قول رسوله لغرض من الأغراض، ويكون في ذلك كله عالماً متعمداً لا جاهلاً ولا متأولاً تأويلاً يعذر فيه. فالذي جحد فريضة من فرائض الإسلام، أو جحد تحريم محرم من محرمات الإسلام، أو جحد صفة وصف الله بها نفسه، أو جحد خبراً أخبر الله به، وأنكر ذلك متعمداً لا عن جهل ولا عن تأويل يعذر فيه، بل عن عناد وعن علم وعن مكابرة كافر فيه أما إذا جحد شيئاً من ذلك جاهلاً فهذا معذور حتى يعلم وتقوم عليه الحجة، أو أنكره متأولاً تأويلاً يعذر فيه، مثل بعض الأشاعرة حين تأولوا بعض الصفات فتأولوا الرضا بالثواب، وهناك فرق بين الجاحد وبين المتأول، فالجاحد المنكر يكفر، فالذي يجحد قدرة الله، أو علم الله، مكذب لله في إثباته العلم لنفسه وقدرته، وهذا بخلاف المتأول، فالمتأول يقول: أنا أثبت الاستواء لكن معناه الاستيلاء, وأثبت الرضا لكن معناه الثواب. فهذا متأول، وفرق بين المتأول وبين الجاحد، فالجاحد يكفر والمتأول يعذر بتأويله ولا يكفر. ومثال ذلك: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة الرجل الذي قال لبنيه: إنه لم يبتئر خيراً، يعني: لم يعمل خيراً، وأوصى بنيه أنه إن مات فعليهم أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروه في الريح، وفي بعض الألفاظ: ثم يذروا بعضه في البر وبعضه في البحر وقال: (فوالله لئن قدر الله علي وبعثني ليعذبني عذاباً عظيماً) والحديث له طرق وله روايات. وجاء في الحديث: (أن الله تعالى يأمر البر فيجمع ما فيه والبحر فيجمع ما فيه، ثم يقول له: كن، فإذا هو قائم بين يدي الله، فيقول الله تعالى: ما حملك على ذلك؟ قال: يا رب! خوفك، قال: فغفر الله له ورحمه)، فهذا الرجل أنكر قدرة الله على بعثه، لكن ليس عن عناد ولا عن تكذيب، وإنما عن جهل بسبب الخوف العظيم من الله، فغفر الله له ورحمه، والحديث -أيضاً- فيه كلام لأهل العلم، فبعض أهل العلم يقول: إن هذا فيمن كان قبلنا، وإنه خاص بهم، والصواب ما ذهب إليه المحققون -مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أن هذا الرجل إنما أنكر ذلك عن جهل، وحمله على ذلك الخوف العظيم، وليس عن عناد ولا تكذيب، فلو أنكر مكذباً جاحداً لكفر، ونلحظ في هذه القصة أموراً: الأمر الأول: أن هذا الرجل ما أنكر قدرة الله، ولا أنكر البعث، فهو يرى أن الله قادر على بعثه، ويؤمن بالبعث، إلا أنه ظن أنه إذا أحرق وسحق وذري في البر والبحر فإنه الله لا يقدر عليه، لكن لو لم يحرق ولم يذر فإن الله سيبعثه ويقدر عليه، فهذا الرجل ما أنكر البعث ولا أنكر قدرة الله، وإنما أنكر كمال تفاصيل القدرة، حيث ظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة من الحرق والسحق فإن الله لن يقدر على بعثه. ثانياً: أن هذا من الأمور الدقيقة الخفية وليس من الأمور الجلية الواضحة، وفرق بين من ينكر أمراً واضحاً جلياً وبين من ينكر أمراً دقيقاً خفياً، وهذا أمر دقيق خفي بالنسبة له. ثالثاً: أنه لم يجحد ما جحده عن عناد ولا عن تكذيب، بل هذا الذي قاله مبلغ علمه، فهو عن جهل. رابعاً: أن الحامل له على ذلك هو الخوف العظيم من الله، فاجتمع الأمران: الجهل مع الخوف العظيم من الله،

стр. 269

كفر الإباء والاستكبار النوع الثاني من أنواع الكفر الاعتقادي: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، وهو: أن يتلقى أمر الله أو أمر رسوله ﷺ بإباء واستكبار لا بتكذيب، ويكون في ذلك مصدقاً، فهو مصدق لكنه يتلقى أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ بالإباء والاستكبار، فيكون كافراً بإبائه واستكباره وإن كان مصدقاً، ومن أمثلة ذلك كفر إبليس، فإبليس ما قابل أمر الله بالتكذيب والرد، وإنما قابل أمر الله بالاستكبار والإباء والاعتراض، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فكفر إبليس بالإباء والاستكبار والاعتراض على الله، ولهذا اعترض على الله وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فهذا اعتراض على الله، وقد عارض أمر الله بالقياس الفاسد، وأول من قاس قياساً فاسداً هو إبليس، ولهذا يقول بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وأول من قاس قياساً فاسداً هو إبليس. والقياس أو الرأي في مقابل النص فاسد عند أهل العلم. فإبليس عنده نص، وهو أمر الله ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الإسراء:٦١]، لكنه قال: كيف أسجد لآدم وعنصري أحسن من عنصر آدم؟! فآدم عنصره الطين وعنصري النار، والنار أحسن من الطين، ولهذا قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، فأنا أفضل منه ولا يمكن أن يسجد الفاضل للمفضول، وهذا اعتراض على الله ورد لأمر الله، وقياس فاسد في مقابل النص، وما علم الأبله أن عنصر آدم خير من عنصره، فإن عنصر آدم الطين والتراب، والطين والتراب فيه الدعة والسكون والثبات والاستقرار، وما حوله ينبت ويزهو، وأما عنصر إبليس فهو النار، والنار من طبيعتها الخفة والطيش والعلو وأكل ما حولها، كما قال تعالى: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٨]، فمن قال لك -أيها الأبله-: إن عنصرك أحسن من عنصر آدم؟! فإبليس قابل أمر الله بالإباء والاستكبار والاعتراض لا بالإنكار والتكذيب. ومن أمثلة ذلك: فرعون وقومه، فكفرهم -أيضاً- كان بالإباء والاستكبار، قال الله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٥ - ٤٧]، فهذا إباء واستكبار، فقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون:٤٧] يعني موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧]، وسبق أن فرعون كفر بالتكذيب والجحود، كما كفر بالإباء والاستكبار، فاجتمع في فرعون الأمران، فهو مكذب جاحد بلسانه أحياناً، وهو -أيضاً- مستكبر، فاجتمع فيه النوعان: كفر الإباء والاستكبار، وكفر التكذيب والجحود، وهذا هو الغالب على أعداء الرسل من الأمم الذين أبوا واستكبروا عن اتباع الرسل، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم:١٠]، فهذا إباء واستكبار، حيث قالوا: كيف نؤمن لكم وأنتم بشر مثلنا؟ ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم:١١]. وأخبر عن عاد قوم هود بأن كفرهم كان إباءً واستكباراً فقال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٣ - ١٥]. وكذلك ثمود استكبروا وكفروا، وأبوا، قال الله تعالى في بيان دعوة صالح ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٧٤ - ٧٦]. فكفروا بالاستكبار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٧٦]. وكذلك اليهود كفرهم كان بالإباء والاستكبار؛ لأنهم كفروا عن علم ومعرفة لا عن جهل بالحق، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، وأخبر أنهم لا يشكون في صدق نبوة نبينا ﷺ ، بل يعترفون بأنه نبي الله وأنه رسول الله حقاً، ويعرفونه من كتبهم كما يعرفون أولادهم، ولهذا قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني محمداً ﵊ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، بل قد اعترف بعض اليهود وقال: نعرف محمداً أكثر من معرفة أبنائنا؛ لأن ابناءنا قد يتطرق الشك إلى الواحد منا هل هو ابن له أو ليس بابن له، بخلاف محمد، فلا يتطرق إلى شخص شك في أنه نبي الله وأنه رسول الله ﵊، واليهود قوم بهت، ومعروف عنهم العتو والعناد والاستكبار، ولم يسلم منهم إلا القليل، ولهذا جاء في بعض الآثار في عتو اليهود أنه: (أنه لو أسلم عشرة من اليهود لتبعهم بقيتهم) أو كما جاء، بخلاف النصارى؛ فإنه يسلم منهم ألوف، ونحن نسمع عن الذين يعلنون إسلامهم من النصارى في مكاتب الدعوة وفي المحاكم في المملكة وفي غيرها، فهم ألوف مؤلفة، أما اليهود فما سمعنا أن أحداً أسلم منهم إلا قلة، ومن هذه القلة عبد الله بن سلام ﵁، فإنه صحابي جليل وبادر بالإسلام، وكان سيداً مطاعاً في اليهود، فأسلم ولم يعلم اليهود بإسلامه في أول الأمر، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت فإن يعلموا بإسلامي يبهتوني، لكن اسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي. فدخل عبد الله بن سلام واختفى عند النبي ﷺ ، وجاء اليهود ودخلوا عليه وهم لا يعلمون بإسلام عبد الله ولا يعلمون أن عبد الله عند النبي ﷺ قد اختفى، فقال النبي ﷺ لليهود: (ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. وجعلوا يثنون عليه، فقال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله بن سلام ﵁ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا في الحال: شرنا وابن شرنا، وجعلوا يسبونه)، وهذا من بهتهم، نسأل الله السلامة والعافية. ومن أمثلة كفر الإباء والاستكبار كفر أبي طالب عم النبي ﷺ ؛ فإن أبا طالب معترف بصدق الرسول ﷺ وأنه رسول الله حق، ومعترف بأن دينه خير الأديان، وقد قال في قصيدته المعروفة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فقد بين المانع له من الدخول في الإسلام، وهو أن يلومه الناس، والحذر من أن يسب دين آبائه وأجداده، ولهذا لما حضرته الوفاة جاءه النبي ﷺ ودعاه إلى الإسلام وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، وكان عنده عبد الله بن أمية وأبو جهل بن هشام، فذكراه الحجة الملعونة، وقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا عليه، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، ومات على الشرك، فهو مصدق للنبي ﷺ ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحمية، وتعظيم آبائه وأجداده وأسلافه، فكان مستكبراً عن عبادة الله واتباع الرسول ﷺ ، فمات على الكفر، وكفره بالإباء والاستكبار، لكن خف كفره بسبب حمايته للنبي ﷺ ، فقد كان يذود عنه، فشفع له النبي ﷺ شفاعة خاصة، لكنها شفاعة تخفيف، وهي شفاعة خاصة بالنبي ﷺ وخاصة بـ أبي طالب، فلا يشفع في أحد من الكفار إلا في أبي طالب، ثم هي خاصة بالنبي ﷺ فلا يشفع أحد غيره في كافر، وهي -أي

стр. 270

كفر الإعراض وهو: أن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ بحيث لا يواليه ولا يعاديه ولا يصدقه ولا يكذبه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة، فهو معرض عن دين الله، لا يتعلم دين الله ولا يعبد الله، فهذا كفر الإعراض، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]. وهذا كما يقول بعض الناس فلان لاديني. أي: معرض فلا يتدين بدين، ومثال ذلك قصة ابني عبد ياليل، فإن أحدهما عرض عليه النبي ﷺ الإسلام ودعاه إلى الإسلام فقال للنبي ﷺ : والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك، ثم مضى وتركه، فليس عنده استعداد لأن ينظر فيما جاء به الرسول، فهو يقول له: يحتمل أن تكون صادقاً وأن تكون كاذباً، فإن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك. ثم مضى وتركه، فهذا معرض. وإعراض المرء عن دين الله بحيث لا يتعلم دين الله، ولا يعبد الله كفر وردة، كمن يقول بعض الناس عنه: إنه لاديني، أي: لا يتدين بدين، فهو معرض.

стр. 271

كفر الشك وهو ألا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا بكذبه، بل يشك في أمره، فليس عنده جزم بالصدق ولا بالكذب، بل يشك في أمره، وهذا الشك إنما يكون في أول الأمر، ولا يبقى الشك؛ لأنه إذا تأمل في آيات صدق الرسول ﷺ ودلائل نبوته والأدلة التي تدل على الحق وعلى وجوب توحيد الله وإخلاص الدين له فإنها لا بد من أن تدله على الحق واليقين وتوصله إلى الصدق، فهي مستلزمة للصدق بمجموعها، فإن دلالتها على الصدق كالشمس في رابعة النهار. فالشك يكون في أول الأمر ولا يكتمل؛ لأنه حينما يشك إما أن ينظر في دلائل صدق الرسول ﷺ ودلائل نبوته وإما ألا ينظر، فإن لم ينظر صار معرضاً والتحق بالقسم السابق، وهو قسم الإعراض، وإن نظر فلا بد من أن يتبين له الحق، وحينئذ يكون له أحوال: فإما أن يؤمن ويصدق فيكون مؤمناً بالله ورسوله، وإما أن يعترف ويصدق بقلبه ويجحد بلسانه، فيكون مكذباً جاحداً، وإما أن يصدق بقلبه ولسانه لكن يستكبر ولا يقبل، فيكون كفره بالإباء والاستكبار. فالشك يكون في أول الأمر، وبعد ذلك لا بد من أن يكون له موقف آخر، والدليل على هذا النوع من الكفر -وهو كفر الشك والظن- كفر صاحب الجنتين الذي قص الله علينا قصته مع صاحبه في سورة الكهف فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٢ - ٣٦]، فهذا الشك شك في الساعة وقيامها، قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٧]، فأخبر أنه كفر بهذا الشك، ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف:٣٧ - ٣٩]، ثم أرشده إلى الإيمان فقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ َتَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٣٩ - ٤٣]. ومثال ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت:٤٩ - ٥٠] فهذا شك ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠]. والمقصود بالإنسان في قوله تعالى: ﴿يَسْأَمُ الإِنْسَانُ﴾ [فصلت:٤٩] أي: الكافر، بدليل أنه شك في الساعة. إذاً: لا يكون هناك إيمان مع الشك، بل لابد من الجزم واليقين، فإذا شك الإنسان أو تردد فليس بمؤمن.

стр. 272

كفر النفاق وهو: أن يظهر الإيمان والتصديق بلسانه وينطوي قلبه على التكذيب والكفر، كحال المنافقين في زمن النبي ﷺ ، كـ عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين، فإنهم كانوا يظهرون الإيمان بألسنتهم والتصديق، بل ويعملون بجوارحهم فيصلون ويحجون ويجاهدون مع النبي ﷺ ، لكن قلوبهم منطوية على التكذيب والكفر، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣]، وكفر النفاق ضد كفر التكذيب والجحود، فكفر التكذيب والجحود يكون قلب صاحبه مصدقاً واللسان جاحداً، أما كفر النفاق فالقلب جاحد واللسان مصدق، فهذا ضد الآخر. والكفر الاعتقادي بجميع أنواعه من قسم الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة، وهو يوجب الخلود في النار. نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يعافينا وأن يعصمنا وإياكم من مضلات الفتن، وأن يجنبنا الكفر بأنواعه والشرك بأنواعه والنفاق بأنواعه، ونسأله أن يرزقنا وإياكم العصمة، والثبات على دينه، والاستقامة عليه، وأن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 273

الأسئلة

стр. 274

منزلة العمل من الإيمان السؤال هل العمل شرط في صحة الإيمان أو في كماله؟ الجواب لا بد من العمل وانقياد الجوارح في الإيمان، فمن زعم أنه مؤمن مصدق ولم يعمل فليس بمؤمن؛ لأنه إذا لم يعمل ولم ينقد بجوارحه صار إيمانه كإيمان فرعون، ففرعون كان مصدقاً، ولهذا أخبر الله تعالى عن موسى أنه قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ [الإسراء:١٠٢] أي: بأن دينه حق، فلا بد للإيمان من انقياد الجوارح ومن عمل يتحقق به هذا الإيمان، وإلا كان كإيمان فرعون، كما أن الإسلام لا بد له من إيمان يصح به وإلا كان كإسلام المنافقين، فالمنافقون يعملون بجوارحهم وعندهم عمل، لكن ليس عندهم إيمان باطن يصح به هذا الإسلام، فعندهم إسلام في الظاهر لكن ليس عندهم إيمان يصححون به إسلامهم. فلا بد للإيمان من عمل يتحقق به، ولا بد للإسلام والعمل من إيمان يصح به، فمن صدق ولم يعمل فليس بمؤمن؛ لأن إيمانه كإيمان فرعون، ومن عمل بجوارحه ولكنه لم يصدق في الباطن فليس بمؤمن؛ لأن إسلامه ليس معه إيمان يصححه.

стр. 275

ضابط المعلوم من الدين بالضرورة السؤال ما هو ضابط المعلوم من الدين بالضرورة؟ الجواب ضابطه كاسمه، فهو معلوم من الدين بالضرورة يعرفه الخاص والعام، فكلهم علموا وجوب هذا الشيء أو تحريم هذا الشيء، ولم ينازع في هذا أحد من المسلمين ولم يخالف في هذا أحد من أهل العلم، كوجوب الصلاة، فلم يقل أحد من الناس: إن الصلاة غير واجبة، لا من العلماء ولا من غيرهم، بل أجمع المسلمون على أن الصلاة واجبة، فمن أنكر وجوبها كفر، وكذلك الزكاة، فلم يقل أحد: إن الزكاة غير واجبة، وكذلك الصوم والحج، فهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة إيجابه، فإذا أنكره شخص كفر، ولو فرضنا أن هناك شخصاً نشأ في بلاد بعيدة ولا يدري ففي هذه الحالة لا بد من أن يعلم، وكذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة تحريمه، مثل تحريم الزنا، فلم يقل أحد من الناس: إن الزنا حلال فالزنا حرام بإجماع الأمة كلها، فمن استحل الزنا كفر، وكذلك الربا، فلم يقل أحد: إن الربا حلال، لكن الخلاف في التفاصيل، ولو فرضنا أن أحداً أسلم في بلاد بعيدة أو في مجتمع ربوي يتعامل بالربا وهو لا يدري وقال: هو حلال، فهذا لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة وتبين له النصوص، فإن أصر كفر، وكذلك الخمر، فلم يقل أحد من الناس: إن الخمر حلال، بل الخمر مجمع على تحريمه، وكل أمر معلوم من الدين بالضرورة تحريمه أو إيجابه من أنكر تحريمه أو أنكر إيجابه كفر.

стр. 276

حكم اتباع الهوى السؤال ما معنى هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]؟ وهل كل من اتبع هواه كافر؟ الجواب إذا اتبع هواه فعمل الكفر فقد كفر، وإذا اتبع هواه فعمل معصية فإنه يكون عاصياً، فاتباع الهوى قد يصل به إلى الكفر، فيكذب الله أو يكذب رسوله أو يعبد غير الله، فيفعل ناقضاً من نواقض الإسلام فيكون كافراً، وقد يتبع الهوى فيعصي، كأن يزني أو يشرب الخمر ولا يستحله، فيكون عاصياً ومرتكباً لكبيرة.

стр. 277

حال الحسنات بعد التوبة من الردة السؤال إذا كفر العبد وكان له قبل كفره حسنات ثم تاب ورجع، فهل ترجع إليه حسناته؟ الجواب إذا كان الإنسان مؤمناً ثم ارتد -والعياذ بالله- ثم من الله عليه بالإسلام فإنه يحرز حسناته وأعماله السابقة بإيمانه وإسلامه، ولا تحبط أعماله السابقة، إلا إذا مات على الردة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، فاشترط الله لحبوط العمل الموت على الكفر، فإذا مات على الكفر حبطت الأعمال، أما إذا من الله عليه بالإسلام ورجع فإنه يحرز أعماله السابقة، بل حتى إذا أسلم وكان له أعمال صالحة كان يعملها قبل إسلامه فإنه يحرزها. وقد ثبت أن حكيم بن حزام ﵁ أخبر النبي ﷺ : أنه أعتق في الجاهلية مائة من العبيد، فهل ينفعه ذلك؟ فقال النبي ﷺ : (أسلمت على ما أسلفت من خير). فـ حكيم بن حزام ﵁ أعتق مائة في الجاهلية وأعتق مائة في الإسلام ﵁ وأرضاه.

стр. 278

حكم الشك في وجود الله بسبب وسوسة الشيطان السؤال هل يدخل في كفر الشك والظن ما يعتري قلب المؤمن في بعض الأحيان من الشك في أشياء اعتقادية، كوجود الله وغيره لوسوسة الشيطان؟ الجواب على الإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان ومن وساوسه، وأن يدافعها ولا تضره إذا دافعها واستعظمها، ولهذا استعظم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الشيء، وقالوا للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه شيئاً لا يستطيع أن يتكلم به -يعني: من عظمه- لأن يخر من السماء خير له من أن يتكلم به -وفي بعض الروايات: لأن يكون حممة- أي: فحمة -تحترق ولا يتكلم به- فقال النبي ﷺ : وقد وجدتموه؟! ذاك صريح الإيمان) يعني: أن كتم الوسوسة ودفعها واستعظام التكلم بها هو طريق الإيمان، فهذا عدو الله يريد أن يتعب الإنسان، فعلى الإنسان أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وجاء في الحديث الآخر: (أن الشيطان لا يزال بالإنسان يوسوس له، ثم يقول: هذا خلقه الله وهذا خلق الله، فمن خلق الله؟! فإذا وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته) يعني: ليقطع الشك فيه، ولينظر في عمله، فإذا وجد شيئاً من ذلك قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقطع الشك فيه، وجاء في بعضها (ويقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]). وفي بعضها (يقرأ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]). والمقصود أن الإنسان إذا وجد شيئاً من ذلك فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي، ولا يسترسل في التفكير، ولينظر في عمله، ويقرأ سورة (قل هو الله أحد)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ﴾ [الحديد:٣] ولا يضره ذلك إن شاء الله.

стр. 279

حكم إحراق الميت بعد موته السؤال إذا كان من شأن الرجل الذي أمر بإحراقه بعد موته ما علم، فهل يجوز فعل ذلك الآن خوفاً من الله؟ الجواب لا يجوز ذلك؛ لأن هذا فعله عن جهل، ولا يقول بهذا أحد، فالإنسان المسلم يغسل ويصلى عليه ويقبر مع المسلمين في مقابرهم كما شرع الله، لكن هذا كان فيمن قبلنا، وهذا فعله عن جهل، وحمله على ذلك الخوف العظيم. فمن اعتقد أن الله لا يبعثه، وأمر بأن يحرق حتى لا يبعثه الله عناداً وتكذيباً كافر مرتد بإجماع المسلمين، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 280

دروس في العقيدة [١٣] مما يناقض التوحيد الكفر العملي المخرج من الملة، وأمثلته كثيرة، فمنه بغض ما جاء به الرسول ﷺ ، واعتقاد وجود هدي أحسن من هديه، وسب الله تعالى وسب رسوله، ونحو ذلك، ومما ينافي كمال التوحيد الكفر الأصغر، ويقع بجملة من الأمور، منها قتال المسلم، وتكفيره، وتصديق الكاهن في مسألة بعينها صحت منه، ونحو ذلك من الأمور التي يجب على المسلم أن يحذرها على توحيده.

стр. 281

الكفر العملي

стр. 282

الكفر العملي المخرج من الملة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مما ينافي التوحيد ويناقضه: الشرك والكفر، وقد سبق الكلام على أنواع الشرك وأمثلة الشرك، وسبق الكلام على الكفر، وأنه ينقسم إلى اعتقادي وعملي، وأنواع الكفر الاعتقادي كلها تنافي التوحيد وتناقضه بالكلية، وأما الكفر العملي فهو نوعان: النوع الأول: ينافي الإيمان ويناقضه بالكلية. والنوع الثاني: ينافي الكمال الواجب. فالنوع الأول من الكفر العملي ينافي الإيمان وينقضه بالكلية، وهو ما إذا كانا شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام، وهذا له أمثلة، فمن أمثلته: قتل النبي، كما فعل بنو إسرائيل، فإنهم قتلوا كثيراً من أنبيائهم، قال الله : ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] فمن قتل نبياً فقد كفر، وكذلك سب النبي، فمن سب نبياً فقد كفر، أو سب الله، أو سب دين الله، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه أو بثوابه أو بعقابه، فإنه يكفر؛ لأن هذا ناقض من نواقض الإسلام، وكذلك إذا استهان بالمصحف بأن داسه تحت قدميه مستهيناً به أو لطخه بالنجاسة، فإنه يكفر فهذا كفر عملي والعياذ بالله. وكذلك من سجد للصنم أو للشمس أو للقمر، فإذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه يكفر؛ لأن نواقض الإسلام كثيرة، وقد ذكرها العلماء وبوّبوا لها في كل مذهب من المذاهب، كالحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكلهم يبوبون في كتب الفقه باباً يسمونه: (باب حكم المرتد)، وهو الذي يكفر بعد إسلامه.

стр. 283

نواقض الإسلام ونواقض الإسلام كثيرة، منها عشرة ذكرها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وهي: الأول: الشرك بالله، فمن فعل أي نوع من أنواع الشرك التي سبقت أمثلتها فقد انتقض دينه وإسلامه. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم قضاء الحاجات أو الشفاعة أو يتوكل عليهم كَفَر إجماعاً. الثالث: من شك في كفر المشركين أو اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو لم يكفرهم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر بالله. أي: لو قال مثلاً: اليهود والنصارى وغيرهم لا أقول فيهم شيئاً، فهذه كلها أديان لا أحكم فيهم بشيء، فأنا أعبد الله ولا أقول فيهم شيئاً! فهذا يكفر؛ إذ لابد من أن يحكم عليهم بالكفر، فمن لم يكفر اليهود أو النصارى أو المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر. الرابع: من اعتقد أن هناك هدياً أكمل من هدي النبي ﷺ فإنه يكفر. فلو قال: هدي فلان من الناس -ولو كان من الصحابة أو من التابعين- أفضل من هدي النبي ﷺ ؛ فإنه يكفر. الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ بعد علمه ومعرفته في الشريعة فإنه يكفر، قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]. السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، وكذلك إذا استهزأ بشيء من دين الإسلام أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. السابع: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين بالرأي أو بالسلاح أو بالمال. فإذا ساعد الكفار على المسلمين أو عاونهم على المسلمين بالمال أو بالسلاح أو بالرأي كفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. الثامن: من اعتقد أن هناك أحداً يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر. فمن اعتقد أن هناك أحداً يجوز له أن يخرج عن شريعة محمد ﷺ ، كما أن الخضر جاز له الخروج عن شريعة موسى فهذا يكفر؛ لأن شريعة نبينا محمد ﷺ عامة للثقلين: الجن والإنس، وهو آخر الأنبياء ﵊، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، أما شريعة موسى ﵊ فليست عامة، فلذلك وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، ثم إن الخضر -على الصحيح- هو نبي أوحي إليه، بدليل أنه فعل أموراً لا يمكن فعلها إلا عن طريق الوحي، حيث خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] ففعله عن أمر الله، فهو نبي يوحى إليه، وقال كثير من العلماء: ليس بنبي، وإنما هو رجل صالح. وعلى كل حال فإنه -ولو كان رجلاً صالحاً- ليس من بني إسرائيل، ولم يرسل إليه موسى ﵊، فوسعه الخروج عن شريعة موسى، أما نبينا محمد ﵊ فلا يسع أحداً الخروج عن شريعته؛ لأنه آخر الأنبياء، وشريعته عامة لجميع الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]. فمن خصائص رسالة النبي ﷺ العموم والشمول لكل أحد، ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح لما ذكر خصائصه: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة). التاسع: السحر، فمن تعلمه أو علمه أو رضي به كفر، ومن ذلك الصرف والعطف، فهو داخل في السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: فلا تكفر بتعلم السحر. العاشر: الإعراض عن دين الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]. ونواقض الإسلام كثيرة، وليست محصورة في هذه العشر، فمن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه يكفر، سواء أكان عملاً أم اعتقاداً أم قولاً أم شكاً، فقد يكون الكفر بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالاعتقاد، وقد يكون بالشك. فيكون الكفر بالقول إذا تكلم بكلمة الكفر، كأن سب الله، أو سب الرسول ﵊، أو سب الإسلام، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، ومن ذلك ما قص الله علينا في كتابه في وصف بعض المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، فأثبت لهم كفراً بعد الإسلام، بسبب قولهم كلمة، فغزوة تبوك تكلم أناس بكلام على وجه المزاح، حيث استهزءوا بقراء الصحابة، فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فأثبت لهم بقولهم كفراً بعد الإيمان. ويكون الكفر بالفعل كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف أو تلطيخه بالنجاسة. ويكون بالشك كما لو شك في البعث، أو شك في الجنة، أو شك في النار، أو شك في صدق الرسول ﵊، أو شك في وجود الملائكة، أو شك في وجود العرش، فإنه يكفر بهذا. ويكون الكفر بالاعتقاد، فإذا اعتقد أن لله صاحبه أو ولداً، أو أن له شريكاً أو أن هناك أحداً يستحق العبادة مع الله؛ فهذا كفر مخرج من الملة، وهذه كلها من أنواع الكفر. ومن أنواع الكفر ونواقض الإسلام: اعتقاد أن هناك نبياً بعد الرسول ﵊، فمن قال: إن محمداً ﷺ ليس خاتم النبيين، وسيأتي بعده نبي، أو قال: إن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب، وليست لجميع الناس؛ فهذا كافر؛ لأنه مكذب بقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، ولهذا قاتل الصحابة بني حنيفة وهم يصلون ويؤذنون ويلتزمون بشرائع الإسلام؛ لأنهم سمعوا منهم كلمة واحدة، وهي أنهم قالوا: إن مسيلمة نبي، فلما رفعوا مسيلمة إلى مقام النبوة كفروا. ومن ذلك -أيضاً- ما حدث في عهد علي ﵁، فإنه عاقب الذين غلوا فيه ورفعوه إلى مقام الألوهية، فخذ لهم أخاديد وأضرمها وأججها ناراً، ثم ألقاهم وأحرقهم فيها، رغم أنهم كانوا يصلون ويصومون ويتعلمون العلم من الصحابة؛ لأنهم فعلوا ناقضاً من نواقض الإسلام، فكل من غلا في شخص وجعل فيه نوعاً من الإلهية أو ادعى أنه يستحق أن يعبد أو يدعى من دون الله أو يذبح له أو ينذر له أو أنه إله فقد كفر بالإجماع. ومن ذلك ما فعله بنو عبيد القداح في آخر القرن الثالث الهجري وأول القرن الرابع، حينما ملكوا المشرق والمغرب وهم يصلون الجمعة والجماعة، ويخطب لهم على المنابر، لكن لما أظهروا شيئاً من نواقض الإسلام أجمع العلماء على كفرهم، وقاتلهم المسلمون واستنقذوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين؛ بسبب ما كانوا يعتقدونه من اعتقاد باطل، وهو الغلو في آل البيت، فمن اعتقد من الرافضة أن أحداً من آل البيت يستحق شيئاً من العبادة، أو أنه يتصرف في الكون، أو أن القرآن طار ثلثاه ولم يبق إلا الثلث -كما تعتقده بعض الرافضة- أو سب الصحابة كلهم أو كفرهم فقد كفر؛ لأن سب الصحابة وتكفيرهم جميعاً سب للدين وللذين حملوه، فمن الذي حمل إلينا الدين؟ فإذا كان الصحابة الذين حملوا الدين كفاراً فكيف يوثق بهذا الدين؟! بل استنبط الإمام مالك ﵀ كفر من سب الصحابة جميعاً من قول الله تعالى في سورة الفتح في وصف الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فقال: من أبغض الصحابة فهو كافر بنص القرآن. فهذه كلها نواقض من نواقض الإسلام، فلابد المسلم -ولاسيما طالب العلم- من الاعتناء بها ومراجعتها دائماً وأبداً، فمن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام كفر وانتقض إسلامه ودينه، ولا ينفعه ما كان يفعله من الصلاة والصوم والحج، إلا إذا تاب قبل الموت وقبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، فمن تاب تاب الله عليه. ومن أمثلة الكفر الذي يخرج من الملة: من قال: مُطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا. معتقداً أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر، فإن النبي ﷺ سماه كفراً؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، فإذا قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب. لكن هـ

стр. 284

الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة النوع الثاني من أنواع الكفر العملي: الذي لا يخرج من الملة، وهو كل ما ورد من الذنوب تسميته كفراً ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، فهو ليس شركاً في العبادة ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، بل هو ذنب من الذنوب ورد في النصوص تسميته كفراً، فهذا يكون كبيرة من الكبائر، لكنه لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط الأعمال، بل صاحبه تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. والكفر العملي الذي لا يخرج من الملة له أمثلة، فمن أمثلته: قتال المسلمين بعضهم بعضاً، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع قال في خطبته: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فسمى قتال المسلمين بعضهم بعضاً كفراً، فهو كفر عملي، إلا من استحل، فمن استحل قتل أخيه ورآه حلالاً فإنه يكفر كفراً أكبر، لكن إذا كان قتاله نتيجة الهوى وطاعة للشيطان فهذا يكون ذنباً، أما إذا كان يرى أن قتال المسلمين حلالاً فإنه يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، وقتال المسلم -ولو كان واحداً- من الأعمال الكفرية، أما سب المسلم فهو فسوق، قال ﵊: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). ومن أمثلة الكفر الأصغر: أن يرمي أخاه بالكفر، فيقول: يا كافر، وهذا من الأعمال التي تعتبر كفراً أصغر؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وثبت في حديث آخر أن الإنسان إذا رمى أخاه بالكفر أو لعنه فإنها تصعد إلى السماء، ثم ترجع إلى الذي لُعن أو رمي بالكفر، فإن كان أهلاً لها وقعت عليه، وإن لم يكن أهلاً لها رجعت إلى الذي قالها وتكلم بها، وهذا يفيد الحذر، فينبغي للإنسان أن يحذر من شر اللسان. ومن أمثلة الكفر العملي: إتيان المرأة في دبرها، فإذا أتى الرجل زوجته في دبرها فهذا كفر أصغر؛ لأن الجماع في الدبر حرام، وهو من الأعمال الكفرية؛ لما ثبت في السنن أن النبي ﷺ قال: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، فالجماع يكون في الفرج الذي هو محل الحرث، أما الجماع في الدبر فهو من كبائر الذنوب، وهو من الأعمال الكفرية. ومن أمثلة الكفر العملي: تصديق الكاهن؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وهذا فيه اختلاف كما سبق، فهل تصديق الكاهن كفر يخرج من الملة أو لا يخرج من الملة؟ فمن العلماء من قال: إنه يخرج من الملة بإطلاق، ومن العلماء من قال: إنه كفر أصغر لا يخرج من الملة، ومن العلماء من توقف، والصواب أنه يخرج من الملة إذا صدقه في دعوى علم الغيب، فإذا صدق الكاهن في دعوى علم الغيب فإنه يكفر كفراً أكبر، ويكون من الكفر العملي الذي يخرج من الملة؛ لأنه مكذب لله في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾ [النمل:٦٥]، أما لو صدقه في قضية معينة، كأن تكون هذه الكلمة التي قالها الكاهن سُمعت من السماء، فوقعت كما قال فصدقه؛ لأنه سمع من السماء، أو تتعلق بعلاج مريضه أو ما أشبه ذلك؛ فهذا لا يخرج من الملة. ومن أمثلة الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة: انتساب الإنسان إلى غير أبيه وإلى غير قبيلته؛ لما ثبت في الصحيحين: (ما من رجل ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر)؛ لما فيه من التلبيس، ولما فيه من كفر النعمة، فأبواه هما السبب في وجوده، ثم ينتسب إلى غيرهما، أو ينتسب إلى غير قبيلته، كأن يكون من قبيلة المطير فينتسب إلى قبيلة هذيل، أو إلى قبيلة شمر أو قبيلة عنزة، فإذا أنكر قبيلته فهذا من الأعمال الكفرية. ومن أمثلة الكفر العملي: انتساب العبد والمولى إلى غير مواليه، كما جاء في الحديث: (من انتسب إلى غير مواليه فقد كفر) أو ما معناه. وجاء في آية نسخ لفظها وبقي حكمها: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم)، وهي من الآيات التي نسخ لفظها وبقي حكمها. ومن أمثلة الكفر العملي: كفر النعمة، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].

стр. 285

الحكم بغير ما أنزل الله ومنزلته من الكفر ومن أمثلة الكفر العملي: الحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وقد اختلف العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله هل هو كفر يخرج من الملة أو كفر لا يخرج من الملة؟ اختلف العلماء في هذا على أقوال: فمن العلماء من تأول الآية على الكفر الأصغر، وقال: إن الحكم بغير ما أنزل كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهذا روي عن ابن عباس وعطاء، قال ابن عباس ﵁ في آية الحكم بغير ما أنزل الله: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وقال عطاء: هو كفر دون كفر. هذا القول الأول. ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهذا تأويل عكرمة، لكنه تأويل مرجوح ضعيف؛ لأن نفس الجحود كفر، سواء حكم أو لم يحكم، فإنه إذا جحد ما أنزل الله كفر ولو لم يحكم. ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، فيكون كفراً أكبر، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهذا أيضاً قول ضعيف وتأويل مرجوح؛ لأن الله توعد من حكم بغير ما أنزل الله، والوعيد يتناول ترك الحكم بجميع أو ببعض ما أنزل الله، فهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه أو ببعضه. ومن العلماء من تأول الآية على الحكم بمخالفة النص عمداً من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، وقد حكى هذا القول البغوي عن العلماء، ويكون كفراً أكبر، وهذا -أيضاً- تأويل مرجوح؛ لأن هذا تقييد ليس عليه دليل. ومن العلماء من تأول الآية في أهل الكتاب، وقال: إن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] أي: من أهل الكتاب: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وهذا -أيضاً- قول مرجوح، وهو قول قتادة والضحاك، وهو تأويل مرجوح؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل، ولأن العبرة بعموم اللفظ، والآية عامة. ومن العلماء من أخذ بإطلاق الآية وقال: إن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ينقل عن الملة مطلقاً. فهذه ستة أقوال لأهل العلم، والتحقيق والصواب في هذه المسألة أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، وذلك بحسب حال الحاكم، فقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر، وقد يكون كفراً أصغر، بحسب حال الحاكم، فإذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله من الآراء والقوانين الوضعية معتقداً أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه يجوز له أن يحكم بالآراء والقوانين، أو أنه مخير بين أن يحكم الآراء والقوانين وبين أن يحكم بما أنزل الله؛ فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، سواء حكم بالقوانين والآراء معتقداً أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، أو مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أقل من الحكم بما أنزل وأن الحكم بما أنزل الله أحسن، فمادام أنه يرى أنه يجوز له الحكم بالقوانين والآراء الوضعية؛ فإنه يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، سواء اعتقد أن القوانين والآراء مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أحسن أو أقل، وكذلك لو استهان بحكم الله مع تيقنه أنه حكم الله. أما إذا لم يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله وحكم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان؛ فإنه يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، وعلى ذلك يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ممن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية له حالات: الحالة الأولى: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، وأن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر الحاضر، وإنما يناسبه الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، فهذا كفر أعظم، وهذا من أعظم الكفر، وهو أسوأ الحالات وأعظمها كفراً، قال الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀: وهذا مثلما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها الذين أشربوا في قلوبهم حبها والشغف بها والذب عنها، فأذاعوها وحكموا بها لما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام، ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذا مثال يمثل به الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀. فهؤلاء الذين درسوا القوانين الأوربية وأذاعوها وحكموا بها وأشهروها هم أعظم الناس كفراً. الحالة الثانية: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أنه يجوز الحكم بها ويجوز الحكم بما أنزل الله، ويعتقد أن الحكم بالآراء والقوانين مماثل لحكم الشريعة، فهما على حدٍ سواء، وأنه مخير بين أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية أو يحكم بالشريعة، فهذا -أيضاً- كافر كفراً أكبر بسبب هذا الاعتقاد. الحالة الثالثة: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، لكنه يعتقد أنه لا مانع من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، وأنه يجوز الحكم بالآراء والقوانين الوضعية وإن كان الحكم بالشريعة الإسلامية أحسن، فهذا -أيضاً- كفر أكبر؛ لأنه جوز الحكم بغير ما أنزل الله واستحله، ومثله مثل من استحل الزنا، لكن لا يكون المستحل كافراً إلا إذا استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فكذلك إذا استحل الحكم بالآراء والقوانين الوضعية كفر ولو كان يعتقد ويرى أن الحكم بالشريعة أحسن. الحالة الرابعة: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة معتقداً أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، وأنه عاصٍ لله مستحق للعقوبة، ولكنه إنما حَكَم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان وطمعاً في مال أو طمعاً في رياسة أو لأجل رشوة دفعت له، أو لأجل أن ينفع المحكوم له؛ لأنه صديق له أو قريب له، أو لأجل أن يغر بالمحكوم عليه، أو خوفاً من سلطان أو من شخص هدده، فحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه عاصٍ بهذا وأنه مستحق للعقوبة، ويعتقد أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل، فهذا يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة. الحالة الخامسة: أن يحكم بغير ما أنزل الله بعد بحثه عن حكم الله واستفراغ وسعه وبذل جهده في تعرف حكم الله، لكنه اجتهد وبحث، وبذل جهده، واستفرغ وسعه ليعرف حكم الله، فجهل وأخطأ وحكم بغير ما أنزل الله خطأً بعد البحث واستفراغ الوسع، فهذا خطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر). وعلى ذلك نقول: الحاكم بغير ما أنزل الله له خمس حالات، يكفر كفراً أكبر في ثلاث منها، ويكفر كفراً أصغر في الرابعة، وأما في الحالة الخامسة فخطؤه مغفور، بل له أجر على اجتهاده. هذه هي حالات الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا التفصيل هو الصواب، وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ والحسن، وروي عن ابن مسعود والحسن أنه قال: إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً له فهو كافر، وإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه آثم فهو من فساق المسلمين. وبهذا تكون أقوال العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله سبعة أقوال: القول الأول: أنه كفر أصغر مطلقاً. القول الثاني: أنه كفر أكبر مطلقاً. القول الثالث: أن الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] محمولة على من جحد الحكم بما أنزل الله. القول الرابع: أن الآية محمولة على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله. القول الخامس: أنه إذا حكم بغير ما أنزل الله وخالف النص عمداً من غير جهل ولا خطأ في التأويل. القول السادس: أن الآية محمولة على أهل الكتاب. القول السابع: التفصيل الذي هو مروي عن ابن مسعود والحسن، وهو أنه يكفر كفراً أكبر إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً للحكم بالآراء والقوانين، سواء اعتقد أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله أو مماثلة له أو أقل. وهذا هو الصواب، والحمد لله. ونحن في هذه البلاد -المملكة العربية السعودية- التي قامت على التوحيد والإسلام نعتز بالشريعة والحكم بالشريعة، حيث أقيمت المحاكم الشرعية التي تحكم بشرع الله، وهذا من فضل الله علينا، فالمحاكم الشريعة -والحمد لله- موجودة في هذه البلاد، وتحكم بشريعة الله، وتقام فيها الحدود، فيقتل القاتل، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على المحارب، وكثيراً ما نسمع في بيانات وزارة الداخلية إقامة الحدود، وهذا من فضل الله تعالى على هذه البلاد، حيث قامت هذه البلاد -بلاد التوحيد- على الإسلام منذ أن نشأت ومنذ أن تعاقد الإمامان: الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، والدولة -والحمد لله- قامت على التوحيد والإسلام، وتحكم بشريعة الله، وهي تعتز بالإسلام والحمد لله، حيث أقامت المحاكم الشرعية التي تقيم حدود الله وتحكم بشريعة الله، فكان ذلك سبباً في استتباب الأمن. ومن محاسن ولاة الأمر فيها السماح بهذه الدروس وهذه الدورات العلمية التي نفع الله بها، فنسأل أن يوفق ولاة أمورنا في هذه البلاد إلى كل خير، وأن يوفقهم للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يزيدهم من الهدى والتوفيق، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، وأن يريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه، وأن يجعلنا من أعوانهم وأنصارهم في الحق، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →