Полный текст (549 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ذكر ما يحصل لأئمة الخير ولأئمة الشر يوم الحساب
هناك أئمة للخير وأئمة للشر، والله يوم القيامة جل في علاه ينادي إمام الخير، أي: ينادي من يقود الناس إلى الخير على رءوس الأشهاد، فيمتلئ خوفاً حين يطلع على سيئاته، يقول الله : (عبدي! هذه سيئاتك وقد محوناها وغفرناها لك)، فيطمئن لأنها مسحت، فيطلع على حسناته فيجدها قليلة، فيقول الله : (وهذه حسناتك قد ضاعفناها لك وقبلناها منك) فيزداد فرحاً ويرجع بوجه قد أشرق نوراً، فيقول لمن كان معه من قبل: السلام عليكم، ألا تعرفونني؟ فيقولون: نعم، أنت رجل قد أشرقت فيك كرامة الله ، لكن من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، وقد أخبرني الله أن أبشر كل واحد منكم بما بشرني أن زحزحني وإياكم عن النار وسوف يدخلني وإياكم الجنة، وهذا تفسير قول الله : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥].
أما إمام الشر فلا يلقى إلا سيئاً، قال رسول الله ﷺ : (من استن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً) فهذا أدخل الفجور إلى مصر، وهذا أدخل ما يسمى بالرقص الشرقي إلى مصر، وهذا أدخل المسرح والتمثيليات الهدامة إلى مصر، ولا أقول هذا تعصباً لمصر؛ وإنما هي شريحة من شرائح الدول الإسلامية أو التي تدعي الإسلام.
فمن أدخل هذا الشر في بلاد المسلمين فإنه يكتسب ذنباً بذنب من أساء على مر الزمن إلى أن تقوم الساعة وهذا كأي قتيل على وجه الأرض، إذ تجمع ذنوب هؤلاء القتلة وتوضع في ميزان من اخترع القتل في الأرض.
إن طلابنا في المدارس يدرسون أن عمرو بن العاص كان مكاراً، وهذا سوء أدب مع صحابة رسول الله ﷺ ، فإن عمرو بن العاص هو الذي أدخل الإسلام إلى مصر، فكل مصلٍّ يصلي في مساجد مصر يأخذ ثواباً ولـ عمرو بن العاص أجر كأجر كل مصلٍّ في مصر لا ينقص من أجور المصلين شيئاً، كذلك ثواب الصيام لكل صائم في مصر تكون صحيفة حسنات عمرو بن العاص مثله، وهكذا في الزكاة إلى أن تقوم الساعة.
أما إمام الشر فيقال له: تعال يا عبد الله! فينظر في كتابه فيلقى حسنات قليلة ويفرح فيقول: هذه حسناتي، لكن الأعمال بخواتيمها، فيقال له: هذه حسناتك وقد رددناها عليك ولم نقبلها منك، وهذه سيئاتك وقد ضاعفناها عليك والعياذ بالله، فيسود وجهه ويرجع إلى الفرقة التابعة له فرقة الطاولة والشطرنج والبريدج والمريدج وغير ذلك، يرجع إليهم ووجهه عليه غبرة، فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا نعرفك، فيقول: أنا فلان بن فلان وقد أمرني ربي أن أبلغكم بأني وأنتم في نار جهنم.
إذاً: حاذر أن تكون رأساً في الشر.
يذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ طلب من كل واحد من الصحابة أن يقول أمنية، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي جبل كجبل أحد من الذهب والفضة لكي أنفقه في سبيل الله تعالى، وقال الآخر: أتمنى أن يكون لي وادٍ كوداي عوف مليء بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى، وهكذا استمرت الأماني على هذه الوتيرة إلى أن وصل الأمر إلى أمير المؤمنين، فقالوا له: وأنت يا أمير المؤمنين؟! قال: أتمنى أن يكون لي مسجد كهذا المسجد مليء برجال من أمثال أبي بكر الصديق.
يقول ذلك لأن أبا بكر كان إماماً لأهل الخير، فقد أسلم على يده ستة من العشرة المبشرين بالجنة، وكل واحد منهم أصبح إماماً في الخير، وكل ثواب من ثواب هؤلاء الستة تجمع في صحيفة حسنات أبي بكر ولا ينقص من ثوابهم شيء.
إن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة قال لرسول الله ﷺ : هناك يوم القيامة آلاف أسماؤهم طلحة فكيف أعرف عند النداء أنني المقصود؟ قال: (يا طلحة! عندما ينادى عليك لن تقوم إلا أنت) فأحسنوا تسمية أبنائكم فإن العبد ينادى يوم القيامة باسمه وباسم أبيه، فمن قال: اسمي ظالم بن سارق، يقال له: تظلم أنت ويسرق أبوك فقد كان.
стр. 212
محاضرة الله سبحانه لكل عبد من عباده
قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يوم القيامة إلا وسيحاضره الله محاضرة) فالمحاضرة هذه ليست في الجامعة فقط، حاضر الإنسان إنساناً، أي: وقف وجهاً لوجه وحدثه، ولله المثل الأعلى، قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد إلا وسوف يقف بين يدي مولاه يحاضره محاضرة ليس بينه وبين الله ترجمان).
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
فإن قال الأمي: أنا لا أستطيع أن أقرأ، أنا رجل أمي نقول: الأمي وغير الأمي القارئ وغير القارئ العربي وغير العربي كل واحد سيقرأ، ويقرئه الذي يعلم السر وأخفى.
стр. 213
كشف الأعمال وفضيحة المذنب يوم القيامة
في يوم القيامة كل الخلائق ينظرون إليك، وما عملت من عمل مستتراً به في الدنيا يصبح مكشوفاً أمام الناس جميعاً؛ نسأل الله أن يسترنا دنيا وأخرى.
سيدنا عمر لما نقض وضوءه على المنبر قال: أيها الناس! على مصافكم، ثم نزل وعاد وآثار الوضوء يقطر من أطرافه، فقال: لقد نقض وضوء إمامكم فذهبت فتوضأت، فقال علي ﵁: يا أمير المؤمنين! ما كان يلزمك أن تقول ذلك، قال: يا علي! فضوح الدنيا أهون عند الله من فضوح الآخرة.
إن الذي يتتبع عورات المسلمين يفضحه الله سبحانه ولو في جوف بيته، ثم يفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، لكن فضيحة الآخرة ليس بعدها فضيحة، وكان سيدنا أبو بكر يقول: اللهم يا من سترت في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، آمين يا رب.
فالعملية صعبة وكل الناس ينظرون، وبعد ذلك تقف أمام الله، فيقال: (أخرجوا له أعماله) ويقال: (لن تظلم اليوم شيئاً) ويخرج له من تحت العرش تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر مكتوب فيه كل صغيرة وكبيرة، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
فيطلع العبد على هذه السجلات صفحة صفحة قال رجل لأمير المؤمنين علي ﵁: كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة على كثرة عددهم؟ قال له: كما يرزقهم على كثرة عددهم، فكما أنه يرزقهم في الدنيا رغم كثرة العدد فإنه سوف يحاسبهم يوم القيامة رغم كثرة العدد، وأنت الآن أيها العبد! لا تذكر إلا القليل القليل وقد نسيت الكثير الكثير.
قال الله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، وقال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
يحكى: أن الحسن البصري بكى لما قرأ الآية: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، فكل شيء مكتوب سواء غفرت أو لم تغفر، فكل شيء يكتبه ملك الحسنات وملك السيئات، إلا دائم التوبة إلى الله سبحانه، فإنه سبحانه من رحمته ينسي الملك الذي يكتب السيئات وينسي الأرض والليل والنهار والشمس والقمر والجوارح فلا يذكر ذنوب التائب إلا الله، وما دام أنه وحده هو الشاهد والشهيد فسوف يغفر لك؛ لأنه ستار حليم.
وحين يكشف للعبد أعماله يطلع على سيئات كثيرة فيخاف، وينظر في الصفحة الثانية فيرى حسنات قليلة ويزيد خوفه، فيقال: إن عبدك فلاناً كان في الدنيا لا يفضح عورة أحد، ولا ينشر سر أحد، ولا يتجسس على عورات الناس، بل كان يحفظ حرمات الناس، فيغفر الله له ما كان من ذنوب في حقه سبحانه، ويدخله الجنة.
يقول الله سبحانه للعبد: (عبدي! هل اطلعت فيقول: نعم يا رب! اطلعت، فيقول الله له: يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، كل شيء مكتوب، فيقول الله: هذه غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، ودعاء الذين دعوا لك بالخير، ودعاء الملائكة لك في جنح الليل وأنت نائم، وكرم الله عليك في الدنيا وضعناه في كتاب حسناتك)، كذلك ولد صالح وعلم ينتفع به، وبناء مسجد، وغير ذلك.
وبعدما يطلع الناس على الحسنات والسيئات ينادى: يا أهل المحشر! -فينصتون- هذا فلان ابن فلان فمن كان له عنده مظلمة فليأت، فيأتون إليه فمنهم من يقول: بعتني سلعة فغششتني، وذاك يقول: رأيتني مظلوماً وكنت تستطيع أن تنصرني فما نصرتني، وذاك يقول: مررت مرة فلم تسلم علي، وذاك يقول: عطست مرة فحمدت الله فلم تقل لي: يرحمك الله، وذاك: مرضت مرة فلم تعدني، وذاك يقول: أعنتك بشيء وكنت تستطيع أن تقضيه فلم تقضه، وهكذا حتى لو بقيت حسنة في كتاب الحسنات أحبطت بالرياء والغش والسوء، وأخذها الخصماء عوضاً عن حقوقهم.
يقول الله: (يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، يقول الله: هل ظلمك حفظتي) أي: هل الملائكة كتبوا عليك سيئات جزافاً؟ وهذا غير ممكن، بل إن العبد الصالح تستغفر له الملائكة وهو نائم، فيجيب العبد ويقول: لا يا رب! أي: أنا مقر بما كتب.
ومن رحمة الله عليك كما قلنا أن جعل ملك الحسنات رئيساً على ملك السيئات، فإن عملت خطأً فإن ملك السيئات مكلف بكتابتها، لكن ملك الحسنات يقول له: انتظر وأمهله حتى يتوب، وفي نفس الوقت يستغفر له ملك الحسنات ويدعو الله له أن ينبهه ويجعله من المستغفرين، فإن تبت فإن الله ينسي ملك السيئات، فيأتي التائب يوم القيامة وليس عليه سيئة، طالما صلحت سريرته، فالله يمدح المؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، واللمم: صغائر الذنوب يستغفر منها العبد أولاً بأول، ما بين الصلاة والصلاة، وما بين الجمعة إلى الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان، وما بين عمرة إلى عمرة، وما بين حج إلى حج، وما بين درس علم إلى درس علم آخر، كذلك قيام ليل أو صيام نهار أو صدقة، فكل هذه الأعمال الصالحة تمسح السيئات واللمم، ولكن لا بد أن يحذر الإنسان من المواظبة على الصغيرة، قال رسول الله ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على ابن آدم حتى يهلكنه) فمحقرات الذنوب مسألة خطيرة، ولا تنظر إلى صغر ذنبك ولكن انظر إلى عظم من تعصيه.
يا مؤمن أنت في بعض الأمور لا تستطيع أن تفعلها أمام طفل صغير عمره سنتان، وربما حقك الشرعي في بيتك لا تقدر أن تعمله أو تمارسه في وجود طفل صغير السن.
فما بالك وأنت تعصي الله ، وتظن أنك إن أغلقت الباب لن يراك أحد؟ فإن فعلت ذلك فقد غررت وغرك بالله الغرور وظننت ألا يراك أحد.
يحكى: أن عالماً كان عنده ثلاثة أولاد، فقال: يا ترى من سيمسك الإمامة من بعدي؟ فأحب أن يمتحن أولاده، فقال لهم: ليأخذ كل واحد منكم ديكاً، ويذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، فأغلق الأول والثاني أبوابهما وكل منهما ذبح ديكه، وجاء الثالث بالديك ضاحكاً، فقال له أبوه: يا بني! لم لم تذبح الديك؟ قال: كلما غلقت الأبواب على نفسي رأيت الله معي، فالذي لا يريد أن يتوب عليه أن يذكر كلام إبراهيم بن أدهم ﵀ للرجل الذي لم يرض أن يتوب.
قال الرجل لـ إبراهيم بن أدهم: إني أعاني من مرض مستعصٍ، فقال له إبراهيم: إنني منشغل عنك، قال: بل علاجي عندك، قال إبراهيم: فأخبرني ما مرضك؟ قال: مرضي كلما أردت أن أتوب عدت إلى الذنوب، قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه، قال: لا، هذا تعجيز فلا يخفى على الله خافية في كل مكان، هات الثاني.
قال له: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في ملك غير ملكه؛ قال: لا، هذه أصعب من سابقتها، وهل هناك ملك غير ملك الله؟! هات الثالثة.
قال: إن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه، قال: إذا لم آكل من رزق الله فمن أين آكل؟ هذه أصعب من سابقتها، هات الرابعة.
قال: إن جاءك ملك الموت فقل له: أخرني حتى أتوب، قال: لا، هذه أصعب، فهات الخامسة.
قال: إذا أردت أن تعصي الله وجاءك الملائكة ليأخذوك للحساب فلا تذهب معهم، فقال هذا الرجل: أشهد الله أمامك أني قد تبت إليه توبةً خالصةً نصوحاً، فلا بد للإنسان أن يتوب قبل فوات الأوان، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
ويقول الله: (يا عبدي! هل ظلمك حفظتي؟ يقول: لا يا رب! لم يظلموني، فيقول الله: ألك عذر تعتذر إلينا به؟).
ولو جئنا لأصحاب الأعذار وسألنا واحداً منهم: لم لم تكن تصلي؟ قال: لم يكن هناك ماء حتى أتوضأ، نقول له: كذبت، يقول: لم يكن عندنا سجادة، تقول له: صلِّ على الأرض، يقول: لم تكن الأرض طاهرة، تقول له: صلِّ في مكان آخر، يقول: لا أستطيع أن أقرأ سورة من القرآن، تقول له: اقرأ الفاتحة، يقول لك: لا أتقن قراءة الفاتحة، فتقول له: قف وصلِّ مثلما يصلون، فليس لك عذر أبداً.
ولو سألنا امرأة غير متحجبة: لم لم تحتجبي؟ تقول: والله لو تحجبت لطلقني زوجي، فلو طلقك كان هذا خيراً لك، وستتزوجين رجلاً يحافظ عليك ولا يرضى أن يكون ديوثاً، فتأتي بعذر أقبح وتقول: شكلي ليس جميلاً في الحجاب، فإن قلت لها: أنت في البيت لست محجبة، فتقول لك: العلماء الذين يقولون: حلال وحرام، هم كذا وكذا، وفي آخر الأمر غير المحجبة ليس لها عذر.
وإن قلت لحامل الأثقال أو لاعب الجودو: لم لم تكن تصلي؟ سيقول: إن الرياضة تأخذ كل وقتي، وهذا ليس عذراً.
وإن قلت لصاحب المال: لم لم تكن تزكي؟ هل مال المال بك عن الحق؟! سيقول: السبب كذا وكذا، فلن يقبل الله منه عذراً في ذلك اليوم.
يؤتى بالأغنياء يوم القيامة، فيقال لهم: لم كنتم لا تصلون في الدنيا؟ يقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، فيقال لهم: أأنتم كنتم أغنى أم سليمان بن داود؟ يقولون: بل سليمان كان أغنى، فيقال: ما شغله ماله عن ذكر الله.
وسأل شاباً يافعاً حسن الصورة: لم لم تكن تصلي؟ يقول: أنا ما زلت شباباً، فتقول: أأنتم أنضر شباباً أم يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟ يقول: بل يوسف ﵇ أنضر، فتقول: يوم القيامة يقال لك: ما شغله شبابه وجماله عن ذكر الله، بل قال: رب! السجن أحب إلي مما يدعونني إليه.
إن الرجل الصالح في هذا الزمان تشدد عليه الرقابة من قبل الدولة، فترى شخصاً يلازمه مثل ظله ومعه هاتفه وسيارته فإذا بدأ الرجل يخف قليلاً عن الذهاب للمساجد، خفت عليه الرقابة قليلاً، وإن التقى بالأصحاب في القهوة أغلقت الرقابة نهائياً، فإذا بدأ يلعب طاولة كتبوا على الملف: استقام وصلح حاله، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ويؤتى بالفقير، يوم القيامة فيقال له: لم لم
стр. 214
أول ما يقضى فيه يوم القيامة
إن أول ما يقضى فيه يوم القيامة الدماء والصلاة، يؤتى بالمقتول الذي قتل سواء الشهداء أو من قتل زوراً وظلماً أو قتل بحق، فيقال له: من قتلك؟ يقول: قتلني فلان ابن فلان، فيؤتى بالقاتل فيقال له: لم قتلته؟ فيقول: يا رب! قتلته لتكون كلمتك هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فيقول الله: (صدق عبدي، ادخلوا هذا القتيل إلى النار) هذا عندما يكون القاتل يقاتل في سبيل الله.
ويؤتى بآخر فيقال له: لم قتلته؟ يقول: لتكون العزة لي أو لمن أمرني، إذاًَ: قتله لأنه أمر بقتله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] فيفر المتبوع من التابع، فيقول التابع: يا رب! خذ لي حقي من هؤلاء، وهات لهم ضعفاً من العذاب، قال: لكل ضعف.
فأول ما يقضى بين العباد في الدماء، فيؤتى بأول قاتل سنَّ القتل، قال تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢٨ - ٣٠]، وبعدما قتله احتقر نفسه: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١].
قال: (من رفع على أخيه حديدة لن يشم رائحة الجنة يوم القيامة).
وقال رسول الله ﷺ : (يخرج القتيل من قتله يشخب جرحه دماً، يقول: يا رب! سل هذا لم قتلني؟).
ويقال: هناك قتل مادي وقتل معنوي، فهناك أناس يقتلون الناس معنوياً، فمن الرجال من يتتبع امرأته ويضيق عليها عيشها حتى تكره جنس الرجال، ومن النساء من تقتل زوجها معنوياً حتى يكره صنف النساء، وكلاهما قتل أخاه، وسيحاسبه الله يوم القيامة على أنه قاتل قتلاً معنوياً، فقد قتل فيه الكرامة الإنسانية.
قال ﷺ : (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، فمن لطم وجه مسلم فكأنما لطم وجه الكريم سبحانه، وحاذر من ذلك، فأول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، ثم يقضى في الصلاة.
اللهم خفف عنا الحساب يوم القيامة، اللهم ثقل موازيننا يوم القيامة، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا، وصلنا بك ولا تقطعنا عنك، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
أحينا إن كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تبارك يا ربنا! وتعاليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء إليك.
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم يا من سترتنا في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وجزاكم الله خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 215
سلسلة الدار الآخرة_الحساب [٢]
لقد أخبر الله أنه سيحاسب عبده على كل صغيرة وكبيرة، وأنه لن يضيع شيء فعله العبد في الدنيا من الأعمال الصالحة والسيئة، وأخبر سبحانه بمراحل الحساب من السجلات التي تعطى العبد، ووزن أعماله الصالحة والسيئة، ومساءلة الله له بما عمل في هذه الدنيا، ولذا كان لزاماً للعبد أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة، وأن يحرص على فعل الخيرات وترك المنكرات!
стр. 216
وجوب إعداد العدة للقبر وما بعده
نحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثانية عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الثانية في موضوع الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب يا رب العالمين، وهذه الحلقة تتصل بأهمية الحلقة السابقة، وقلت في مقدمة الحلقة الحادية عشرة: إن حلقة الحساب من أخطر حلقات الدار الآخرة أو من الحلقات الهامة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، وأكرر ما أقوله في كل سلسلة الدروس: إن حلقات الدار الآخرة ليست قصصاً تقص، وليست تسلية وتضييعاً للوقت، ولكنها عبارة عن تفتيح لقلوبنا عسى أن يتوب العاصي، وأن يهتدي الضال، وأن يرتدع كل من يأكل حراماً، وأن يعيد الظالمون إلى أصحاب المظالم مظالمهم؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع الإنسان أن يرد مظالم الناس إلا بالحسنات والسيئات، فهناك لا يوجد أحد نعطيه رشوة حتى يمشي الأمور، ولا صاحب ضرائب يمشي الموضوع وإنما هناك رب قهار جبار يقول يوم القيامة: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] ويوم الدين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩].
فالأمر يوم القيامة لله ليس لأحد، وما دام الأمر لله فإنه لابد أن يعيد الإنسان حساباته قبل أن يلقى رب العباد ، إن المسلم السعيد هو الذي أعد قبره قبل أن يدخله أو قبل أن يسكنه، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه، ثم ترك دنياه قبل أن تتركه.
لكن الكارثة فينا جميعاً أننا لا نترك الدنيا، ولكن هي التي تتركنا، لا يوجد أحد فينا يترك الدنيا حتى الذي يمسك في منصب من المناصب لا يريد أن يتخلى من منصبه، وإذا أحيل إلى التقاعد يأتيه اكتئاب، وبعد ما كان الناس يعظمونه ويحترمونه ويجلونه إذا بهم يتركونه ويهملونه ولا يوقرونه ولا يعظمونه، فيحصل له اكتئاب وحالة نفسية غريبة.
والمسلم من الواجب عليه أن يضع في ذهنه أن الدنيا كلها عارية مسترجعة، أمانة سوف تعود إلى خالقها ، وما على المسلم إلا أن يعيد الحسابات في أن يترك الدنيا قبل أن تتركه، وليس معنى ذلك أنك تترك الدنيا، وتترك العمل، وتعتزل الناس، ولكن عش بين الناس بجسدك، وقلبك مع ربك تعيش مع الدنيا في الأعمال والأرزاق، وفي السعي والكد، وفي تحصيل العلم، ولكن قلبك متصل بالله ، تدعوه ليل نهار عسى أن تكون من التائبين، وعسى أن يكون قد غفر الله لك أو نظر إليك نظرة رضا تكون فيها سعادة الدهر كلها، اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين يا رب العالمين!
стр. 217
العدة للقبر سبب للسعادة
ثم بعد إن المسلم الحقيقي الذي يؤمن بالله وبرسوله ﷺ يعد العدة للقبر قبل أن يسكنه، قيل: (يا رسول الله! هل ينجو من ضمة القبر أحد؟ قال: لا، قيل: ولا القاسم؟! قال: ولا إبراهيم الذي هو أصغر منه) يعني: القاسم ابن سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ لن ينجو من ضغطة القبر.
إذاً: ضمة القبر لن ينجو منها أحد، ولو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز العرش يوم موته، وهذا فيه دليل على مكانته عند الله، ورغم ذلك لم ينج من ضمة القبر.
стр. 218
قيام الليل ضياء للقبر
قال شقيق البلخي ﵀: بحثنا عن ضياء لقبورنا فوجدناه بقيام الليل.
مكث يبحث عن الذي يضيء قبره من الأعمال الصالحة، وللأسف أنك عندما تضع ميتك تسميه بالميت وانتهى الأمر، والحق أنه ميت في عرفك أنت، ميت بالنسبة لك، لكن بالنسبة له فإنه قد انتقل من حياة إلى حياة من نوع آخر، أي أن الموت عبارة عن نقلة من دار إلى دار، ومن طريقة حياة إلى طريقة حياة أخرى، هنا يعمل ولا يعلم، وبعدما دخل القبر أصبح يعلم ولا يعمل، هنا في الدنيا يأكل ويشرب، في القبر لا يأكل ولا يشرب، وإنما تأكله الدود وتبدأ أهوال القبر، هنا في الدنيا يتكلم معنا فنسمعه، وهناك في القبر ربما يتكلم ولكن لا نسمعه، كل ما نستطيع هو أن نراه في رؤيا يحكي لنا حكاية أو يقول لنا قصة، أو يسألنا سؤالاً يطمئننا على نوع معين أو شيء معين.
فالمسلم يجب أن يضيء قبره بقيام الليل.
стр. 219
صلاة الضحى فيها صدق الإخلاص
قال شقيق البلخي: بحثنا عن ضياء القبور فوجدناه في قيام الليل، قال: وبحثنا عن صدق الإخلاص مع الله فوجدناه في ركعتي الضحى.
ويوجد أناس كثيرون ينسون ركعتي الضحى، أنت بعدما تصلي صلاة الصبح يستحسن أن تظل في مجلسك الذي صليت فيه إلى أن تطلع الشمس، فمن صلى صلاة الصبح وانتظر حتى تطلع الشمس وصلى ركعتي الضحى فكأنما حج واعتمر مع رسول الله ﷺ ، وإن لكل عبد ثلاثمائة وستين مفصلاً، على كل مفصل صدقة كل يوم أنت مطالب بثلاثمائة وستين صدقة شكراً لله على نعمه، فالذي لا يملك شيئاً يجزئ عن هذا أن يصلي ركعتي الضحى، فمن صلى ركعتي الضحى فكأنما حج واعتمر مع رسول الله ﷺ ، وأقام سنة الحبيب المصطفى ﵊، ثم بعد ذلك حصل على ثلاثمائة وستين صدقة.
إذاً: السعيد من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يسكنه، فيجهز نفسه، وينظر ما الذي ينفعه في القبر؟ هل فلوس الدنيا تنفع؟ لا، هل النصب والاحتيال ينفع في القبر؟ لا، هل المال الحرام ينفع؟ لا، هل هل، تسأل نفسك هذه الأسئلة.
стр. 220
إرضاء الخالق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثانية عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الثانية في موضوع الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب يا رب العالمين، وهذه الحلقة تتصل بأهمية الحلقة السابقة، وقلت في مقدمة الحلقة الحادية عشرة: إن حلقة الحساب من أخطر حلقات الدار الآخرة أو من الحلقات الهامة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، وأكرر ما أقوله في كل سلسلة الدروس: إن حلقات الدار الآخرة ليست قصصاً تقص، وليست تسلية وتضييعاً للوقت، ولكنها عبارة عن تفتيح لقلوبنا عسى أن يتوب العاصي، وأن يهتدي الضال، وأن يرتدع كل من يأكل حراماً، وأن يعيد الظالمون إلى أصحاب المظالم مظالمهم؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع الإنسان أن يرد مظالم الناس إلا بالحسنات والسيئات، فهناك لا يوجد أحد نعطيه رشوة حتى يمشي الأمور، ولا صاحب ضرائب يمشي الموضوع وإنما هناك رب قهار جبار يقول يوم القيامة: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] ويوم الدين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩].
فالأمر يوم القيامة لله ليس لأحد، وما دام الأمر لله فإنه لابد أن يعيد الإنسان حساباته قبل أن يلقى رب العباد ، إن المسلم السعيد هو الذي أعد قبره قبل أن يدخله أو قبل أن يسكنه، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه، ثم ترك دنياه قبل أن تتركه.
لكن الكارثة فينا جميعاً أننا لا نترك الدنيا، ولكن هي التي تتركنا، لا يوجد أحد فينا يترك الدنيا حتى الذي يمسك في منصب من المناصب لا يريد أن يتخلى من منصبه، وإذا أحيل إلى التقاعد يأتيه اكتئاب، وبعد ما كان الناس يعظمونه ويحترمونه ويجلونه إذا بهم يتركونه ويهملونه ولا يوقرونه ولا يعظمونه، فيحصل له اكتئاب وحالة نفسية غريبة.
والمسلم من الواجب عليه أن يضع في ذهنه أن الدنيا كلها عارية مسترجعة، أمانة سوف تعود إلى خالقها ، وما على المسلم إلا أن يعيد الحسابات في أن يترك الدنيا قبل أن تتركه، وليس معنى ذلك أنك تترك الدنيا، وتترك العمل، وتعتزل الناس، ولكن عش بين الناس بجسدك، وقلبك مع ربك تعيش مع الدنيا في الأعمال والأرزاق، وفي السعي والكد، وفي تحصيل العلم، ولكن قلبك متصل بالله ، تدعوه ليل نهار عسى أن تكون من التائبين، وعسى أن يكون قد غفر الله لك أو نظر إليك نظرة رضا تكون فيها سعادة الدهر كلها، اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين يا رب العالمين!
стр. 221
مسئولية العلماء عن النصح وقول الحق
الدليل الثالث على أنك من السعداء المقبولين اللهم اجعلنا وإياك منهم والمسلمين والمسلمات يا رب العالمين الحاضرين والغائبين إن شاء الله، من أرضى خالقه قبل أن يلقاه، أنت سوف تلقى الله في إخوة أصبحوا من أهل الآخرة، وتركنا العباد في الحلقة السابقة وقد نودي على أئمة الخير، ونودي على أئمة الشر، إمام الخير: الرجل الذي يقود الناس إلى ما يرضي الله ربنا ، ويأخذه على رءوس الأشهاد، وبعد أن يحاسبه ويكرمه بكرامته ومغفرته ورحمته يقول له: يا عبدي! بلغ من خلفك بمثل ما بشرناك به؛ لأنهم كانوا أناساً طائعين، والأئمة في الشر والعياذ بالله الذين يأخذون الناس إلى كل شر فتجدهم كثيرين في هذا الزمن.
ووجب علينا إذا رأينا أحداً على معصية ألا نسكت؛ لأنه يوم القيامة سوف يتعلق بك، وإن رأيتني على الشر ولم تنهني فسوف تسأل عني، مثل العلماء المنافقين الذين ينافقون الحكومات في كل البلاد، سوف يسألهم الله عن علمهم ماذا صنعوا مع حكامهم به، يا ترى نهوهم أو لم ينهوهم، ويا ترى تقاعسوا وخافوا على أنفسهم أم أنهم بلغوا كلام الله ، يا ترى هل أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؟! يا ترى هل صنعوا ما كان يصنعه الصحابة مع الخلفاء والمسلمين ومع أمراء المؤمنين سواء في الدولة الأموية أو العباسية أم أنهم يطبلون مع من يطبل، ويزمرون مع من يزمر؟! ولو كان الناس ينافقون كلهم لوجب على العالم ألا ينافق وألا يخاف في الله لومة لائم؛ لأن الله سيسأله عن هذا العلم: هل بلغت؟! يقول: نعم يا رب بلغت، أنت بلغت المساكين الذين لا يقولون لك لا، لكن هل ذهبت إلى الرجل المفسد وبلغته وقلت له كلمة الحلق؟! إذاً: سوف يسألنا جميعاً رب العباد عن تبليغنا أوامر الله ، وتبليغنا النواهي التي نهانا رب العباد سبحانه عنها؛ لأن هؤلاء سيتعلقون في رقبتنا ويقولون: أنتم كنتم معنا ولم تكلمونا، ذهبنا نزوركم ولم تسمعونا، لا، نحن إذاً نبلغ في كل وقت وفي كل حين، وهذه مسئوليتنا جميعاً أن نبلغ كلام الله ، ويقول ﷺ : (بلغوا عني ولو آية)، حتى يقول: والله أنا سمعت الشيخ يقول كذا.
يقول ﷺ : (فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
стр. 222
الصحابة قدوة في قول الحق عند الخلفاء
ولعلنا رأينا سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁ عندما استوقف عمر بن الخطاب وهو يخطب على المنبر قائلاً: أيها الناس! اجلسوا واستمعوا، فقال سعد: يا أمير المؤمنين! لا جلوس ولا استماع، لماذا لن تجلس ولن تسمع؟ قال: وزعت من بيت المال على كل واحد منا ثوباً، وأنت رجل طويل فمن أين جئت ببقية ثوبك؟ فينادي عمر عبد الله ابنه ويقول: يا عبد الله بن عمر أجب عمك، قال له: أعطيت ثوبي لأبي فأكمل ثوبه، قال: الآن نجلس ونستمع، نعم، هذا هو الدين، هذا هو التبليغ، وقد قال عمر ﵁: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.
فما دمتم تروني أمشي فيما يرضي الله، إذاً فعليكم بطاعتي ولا تعصوني، وعندما تروني منحرفاً -أقول لكم كلاما وأعمل خلافه- فليس لكم طاعة علي.
قال حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه: يا أمير المؤمنين! والذي بعث محمداً بالحق نبياً لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فتبسم عمر وقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها، رضي الله عن صحابة رسول الله.
اللهم احشرنا في زمرتهم، واجعلنا من جيرانهم في الجنة، واجعلنا من الذين يكونون تحت لواء رسولك ﷺ ، إنك يا مولانا على ما تشاء قدير.
إذاً: أخطر المواقف في الحساب مظالم العباد، حتى إن كثيراً من الآباء والأمهات لهم حقوق عند أولادهم، فالحقوق هذه يأخذون بها حسنات، ويتمنى الأب والأم أن يكون لهما من الحقوق عند ابنهما أكثر من هذا، إذاً أين العاطفة؟ أين الحنان؟ لأن الكل يقول: نفسي نفسي نفسي نفسي، لا يوجد أم ولا أب ولا غيرهما، سبحان الله فأنت لا تعرف أباك ولا أمك، ولا هما يعرفانك هناك، ويعرفك امرأتك ولا ابنك ولا عمك ولا مديرك أبداً! قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] فكل طير معلق بعرقوبه ﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج:١٠] لا يوجد أحد يسأل عن الثاني ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف:٦٧] كلهم أعداء، الأصدقاء والصداقات كلها انقلبت إلى عداوات ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! إذاً: أنت عندما تصاحب الأتقياء فإنهم سيشفعون لك يوم القيامة، وأحياناً يكون هناك شخص ظلمك، ولكن هذا الظالم صنع خيراً كثيراً بينه وبين ربه، ومظلمتك صغيرة ماذا يعمل يوم القيامة؟ يأتي الله أول ما يفصل في مظالم العباد فيقول: عبدي ما لك عنده؟ فيقول له: يا رب! باعني كذا وغشني في البيع مثلاً، باعني سيارة أو أرضاً وإذا بها مزورة وأخذ مالي ظلماً.
وكل شيء هناك بالميزان قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] حتى إن الله ليأخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، إذاً: إذا أخذت من مال أخواتك في ميراث أو غيره حتى الدانق الذي يساوي اثنين مليم مصري يؤخذ منك مقابله يوم القيامة، فتأخذ بقية حسناتك مقابل الاثنين دانق، فيؤخذ منك ثواب سبعمائة صلاة مفروضة مقبولة، وكم صلاة تصلي في الشهر؟ مائة وخمسين صلاة.
أكلت (١٠٠٠٠) جنيه كم سيؤخذ منك حسنات؟ ولذا يقول ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار).
فبعد ما يأخذ العبد مظلمته يقول له: عبدي! فيقول: نعم يا رب! فيقول: هل رضيت؟ يقول: لا زلت يا رب لم أرض بعد، فيقول الظالم: يا رب! لقد أخذ كل حسناتي، فيقول الله للعبد المظلوم: لقد أخذت كل حسناته فيقول المظلوم: يا رب! خذ من أوزاري وضعها عليه، فيأخذ الله من أوزاره، إذاً هو يأخذ أوزاره أساساً؟ وأوزار من ظلمهم.
لكن هذا الظالم كان يصنع الخير في الناس فيقول الله للمظلوم: انظر خلفك، فينظر المظلوم خلفه، ويقول الله: عبدي ماذا ترى؟! فيقول: يا رب! أرى قصوراً من ذهب لها حلل من فضة وزبرجد لأي نبي هذه؟ أم لأي شهيد؟ أم لأي صديق؟ فيقول له: لا لنبي ولا لشهيد ولا لصديق، إنما لمن يعطيني الثمن؟ قال: وما ثمنه؟ قال: أن تعفو عن أخيك، قال: عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك إلى الجنة.
قال الإمام الشافعي: من واجب الناس أن يتوبوا، لكن ترك الذنوب أوجب.
يعني: الواجب أنني عندما أعمل خطأ أتوب منه، لكن من الأفضل أنني لا أعمل الخطأ.
أول ما يقضى بين الناس في المظالم في الدماء، فأول شيء يحاسبون عليه الدماء، القتل المادي والقتل المعنوي، القتل المادي: كأن يكون شخص أخذ سكيناً أو عصا فقتل أحداً أو صدمه بسيارة متعمداً حتى يريح الدولة منه، المهم بأي طريقة قتل فإن أول ما يقضى يوم القيامة بين الناس في الدماء، فيؤتى بالقتيل يحمل رأسه على كفه، تمتلئ أوداجه دماً يقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ حتى إن سبعة من أهل اليمن اجتمعوا على قتل رجل، فقتل عمر السبعة كلهم، فقيل له: أتقتل سبعة في واحد؟ فقال: لو اجتمع على قتله أهل اليمن لقتلتهم جميعاً، لكن في القانون الوضعي يقول لك: الذي حرض على القتل هذا لا دخل له.
الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله.
يعني: أنت لو قلت لشخص: هناك درس علمي في المكان الفلاني، فذهب هذا الشخص فإنه يكون له مثل أجره.
ولو أن أحداً قال لآخر: هناك مقطع فلم في السينما جميل، ولم يذهب هذا الذي دل عليه، لكنه حصل على ذنب الذي دله فذهب؛ فالدال على الشر كفاعله! يقول المقتول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: يا رب! قتلته لتكون كلمتك هي العليا، قال: صدق عبدي، أدخلوا القاتل الجنة؛ لأنه قاتل في سبيل الله، واحد قاتل في سبيل الله ومنع شراً عن المسلمين هذا في الجنة إن شاء الله، أما الثاني فيقال: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون لي الكلمة العليا أو تكون العزة لي، فيسحب إلى النار والعياذ بالله!
стр. 223
أقسام الناس في الحساب
الناس في مسألة الحساب على ثلاثة أقسام: قسم لا حسنات لهم والعياذ بالله، تخرج أعناق من النار فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب، فهؤلاء من الدار للنار أول ما يقف في الحساب، وأول ما يبدأ الحساب تطلع أعناق النار فتلتقطهم.
стр. 224
الحمادون وكافلة الأيتام يدخلون الجنة بغير حساب
القسم الثاني: من لا سيئة لهم؛ ولذا أول من ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون لله على كل حال، الذي يحمد الله في السراء والضراء، والصابر في الضنك والسعة، فهو في حالة من الحمد المستمر؛ فسيدنا موسى يقول: يا رب! كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستوجب الشكر؟! قال: يا موسى لقد شكرتني، فالله يخبره أنه بهذه الكيفية يكون قد شكره.
فأنا إذا قلت: الحمد لله أليس هذا الحمد أساساً يستوجب أن أحمد الله على أن رزقني أن أحمده؛ لأن هناك نوعاً من الناس لا يقول: الحمد لله إلا بعدما يشكو إليك الشكوى كلها، فهو ليس حمداً؛ لأنك تشكو الذي يرحم إلى الذي لا يرحم.
كذلك الأرملة التي مات عنها زوجها وترك لها أيتاماً، فربتهم وأحسنت التربية، فهذه ليست في الجنة فقط، بل سيدنا الحبيب يقول: (بينا أنا أقعقع حلقة الجنة لأدخل إذا بامرأة سفعاء الخدين تريد أن تسبقني) يعني: وجهها مصفر، هزيلة متعبة من التربية (فأقول: من أنت يا أمة الله؟ فتقول: أنا امرأة توفي عنها زوجها وترك لها يتامى، فقعدت عليهم وربتهم، فيدخلها الرسول معه خطوة بخطوة) انظر إلى هذه العظمة! هذا أيضاً من باب الحمد، ومن باب الصبر، اللهم اجعلنا من الحمادين، واجعلنا من الصابرين يا رب! يقول سيدنا الحبيب: (أول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! عجباً وأين أبو بكر؟ قال: عجباً لكم أنتم، أتريدون أن يقف أبو بكر للحساب إن الملائكة قد زفته إلى جنات عدن)، ويقال أيضاً: إن أبا بكر هو الذي يقال له يوم القيامة: (يا أبا بكر! أسرع بالمرور من فوقي، فإن نورك غطى على ناري) ما سبقكم أبو بكر بصلاة ولا صيام، ولكن سبقكم بشيء وقر ههنا.
فهو عنده يقين غريب في الله ، وعنده صلة بالله لا يعلمها إلا الله.
стр. 225
الشهداء يدخلون الجنة بغير حساب
إذاً: الحمادون لله على كل حال، وبعد ذلك الأرملة سبحان الله التي توفي عنها الزوج وترك لها أيتاماً، ثم بعد ذلك الشهداء، من قاتل منهم لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فهذا شهيد، يعني: لو أن شخصاً قيل له: لماذا تحارب؟ فقال: من أجل أن آخذ الأرض، فتقول له: لو أعطوك الأرض من غير حرب هل ستحارب؟ يقول: لا، إذاً أنت لست شهيداً، أنت ذهبت تحارب من أجل الأرض، وأنت ذهبت تحارب لأنك مجند؛ ولذلك أذكر إخواني وأبنائي من الضباط والجنود في القوات المسلحة أن يحتسبوا مدة تجنيدهم أو وظيفتهم العسكرية هذه رباطاً في سبيل الله يعني: الناس الذين على الحدود أو في أي معسكر من المعسكرات، لو أن العسكري أو الضابط -مهما قلت أو علت رتبته- نوى أن هذا رباطاً في سبيل الله، فإنه يكتب له من الحسنات ما لا يعلمه إلا الله يعني: يحول المهنة إلى خير، أما الجندي الذي لا يتعامل إلا بالمال وأخذ الرشوة ثم يقول: أنا مرابط في سبيل الله، نقول له: بل أنت مرابط في سبيل الشيطان، أنت نصاب؛ لأن المرابط في سبيل الله هو من يتقي الله ويخاف من الله ويجعل الليالي التي يقومها في المعسكر إنما هي رباط في سبيل الله؛ لأن الرسول يقول: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله).
стр. 226
السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله
كذلك من الذين يدخلون الجنة بلا حساب: السبعة الذين ذكروا في الحديث الشريف، الذين هم في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وهم: أولاً: إمام عادل، ليس الإمام الذي يصلي بالناس، فهذه إمامة صغرى؛ لأن أصل الإمامة في الفقه نوعان: إمامة كبرى، وإمامة صغرى.
الإمامة الكبرى: إمامة المسئول على أمور المسلمين، إمامة أهل الحل والعقد، هذه اسمها الإمامة الكبرى عند الفقهاء، وإمامة الصلاة إمامة صغرى؛ لأن مراعاة حقوق العباد ليست مسألة سهلة عند الله.
إمام عادل؛ لأن أهل الجنة ثلاثة: إمام مقسط -يعني: عادل- ومتصدق وموفق، يعني: لو أن قاضياً ظل يحكم بين اثنين، وتمنى في قلبه أن يكون الحق مع واحد معين؛ لأنه استراح له، وقلبه مال إليه؛ ولكنه حكم بالحق بعد ذلك، فهذا يجيء يوم القيامة على الصراط وشقه مائل، فالمسألة صعبة وليست سهلة.
ثم قال: (وشاب نشأ في طاعة الله).
عندما تجد المسجد بفضل الله مليئاً بالشباب تطمئن كثيراً، ولذلك يعجب ربك من شاب لا صبوة له، كما يضرب المثل بـ علي ﵁ أنه لم يسجد لصنم قط؛ لذلك يقال: كرم الله وجهه، وسيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣]، السجن أحسن له من المعصية التي يتمناها كثير من المنحرفين، لكن الشباب الصالح، الشباب التقي الورع الذي نشأ في أحضان كتاب الله وسنة حبيبه ﷺ هؤلاء هم الأمل.
ثم قال: (ورجل قلبه معلق بالمسجد حتى يعود إليه)، إذا اعتاد الرجل المسجد فلا تشكوا في صلاحه، لكن ليعلم أنه أصبح مسئولاً عن نظر الإسلام أمام الناس؛ لأنه أصبح وجه الإسلام، أصبح هو وجهاً من وجوه الإسلام؛ لأنه لو عمل خطأً يقولون: انظر إلى هؤلاء المطاوعة الكذابين، انظر إلى هذا الذي صلى خلف الشيخ عمر كذاب، فهم سيتهموننا كلنا، وأقول لك: لنفرض أن لك هيبة عند الناس لالتزامك وطاعتك، ثم إنك وقفت في طابور تقطع تذكرة في المسرح أو السينما مثلاً والعياذ بالله رب العالمين! فأصحاب السينما أنفسهم إذا وجدوك واقفاً هكذا بلحيتك وشكلك الملتزم يتحولون إلى دعاة ووعاظ يعظونك: عيب عليك يا شيخ، هذا الأمر نفعله نحن، أنت لا ينبغي لك فعل هذا، ينقلب الحال أنهم هم الذين سيعظونك.
فمن فضل الله على المؤمن أن الناس ينظرون له بهذه النظرة، حتى يبعث الله له الإنسان المنحرف ليعظه، أليس هذا من كرم الله على المؤمن؟ إذاً: المسلم ما دام أنه تعودت قدماه المشي إلى المسجد فلا تشكوا في صلاحه، ألا إن من تطهر في بيته ثم توجه إلى بيت مولاه فإن الله يتبشبش في وجهه كما يتبشبش أهل الغريب عندما يعود إليهم غريبهم.
قال ﷺ : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)، وهذه كلنا عندنا فيها أزمات نفسية، نحب نخرجها أمام الناس، والله يريدك تخرجها في السر حتى لا تعرف شمالك ما تنفق يمينك، إذاً: من باب أولى ألا يعلم صاحبك وصديقك.
قال ﷺ : (إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد حتى يعود إليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
ولابد أن ننتبه لكلمة (خالياً)، فنحن في المسجد نرفع أصواتنا بالبكاء؛ لكن الحديث يقول: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، وكان عمر بن الخطاب من كثرة بكائه وخشيته صنعت الدموع تحت عينيه خطين.
ثم قال: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين) هذا هو الشاب التقي الورع الذي يخاف من الله ، وقدوته في ذلك يوسف الصديق ﵇.
قال: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) اللهم اجعلنا منهم يا رب.
الحب في الله هذا هو الذي يمكن أن ينجينا يوم القيامة؛ فهناك من الأقوام أقوام تحابوا على غير أرحام بينهم، أنت ربما ترى شخصاً لا تعرف اسمه، لكنك لمجرد أنك نظرت إلى وجهه، فتقول في نفسك: أحب أن أقعد معه قليلاً، كلامه حلو، والجلوس معه حلو، يقول ﷺ : (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
فلو دخل مؤمن مجلساً فيه مائة منافق وبينهم مؤمن واحد لجلس بجوار المؤمن وهو لا يعرفه، لكن قلبه دله عليه، الأرواح هكذا تتسالم مع بعضها، ولذلك إبراهيم بن أدهم لما رأى عصفوراً يسير مع غراب قال: ما الذي جمع هذا مع هذا؟ قال: فرأيتهما يعرجان فقلت: سبحان الله جمعتهما المصيبة، وهناك من الناس من تجمعهم مصيبة الانحراف والفسق! تجدهم قاعدين مع بعض في كرة الطاولة.
وما زلنا نؤكد أن حلقات الدار الآخرة ليست حكايات، وإنما هي أحكام، فالطاولة حرام، والذي يلعبها حرام، والوقت الذي يهدر فيها حرام، وسوف يسألك رب العباد عنها؛ لأنك ضيعت وقتك في شيء حرمه الرسول ﷺ .
إذاً: كل جلسة ليس فيها ذكر لله فهي حسرة، قال ﵊: (أيما قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله فيه فكأنما قاموا عن جيفة حمار) يعني: كأنما قاموا وهم يأكلون جيفة حمار، ولذلك هناك دعاء كفارة المجلس لابد أن تقوله وتقرأ سورة العصر؛ لأنه عسى أن يكون حصل هناك لغو أو كلام تخطيت به حدود الأدب مع الله .
إذاً: انقسم الناس إلى أقسام ثلاثة: أناس لا حسنة لهم، فالتقطتهم أعناق من النار والعياذ بالله، وأناس لا سيئة لهم فدخلوا بفضل الله الجنة، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين، وأغلب أهل المحشر ممن اختلطت حسناته بسيئاته، هذه هي الغالبية العظمى.
عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: (اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت: يا رسول الله! ما الحساب؟ قال: ينظر في كتابه ويتجاوز عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذٍ يا عائشة هلك)، يعني: أنا أسأل الله أن يخفف عني الحساب لمجرد أن أقف بين يدي الله، هذا اسمه تخفيف الحساب، أما من ناقشه الله فقد هلك!
стр. 227
وقوف الناس لوزن أعمالهم بالميزان
المسألة ليست من السهولة بمكان، أنا لا أصعب عليكم المسألة، ولكن من الأمانة العلمية أن ننقل النص كما جاء في الكتاب والسنة، فإذاً نحن نقف أمام الله والغالبية العظمى منا إما شخص كثرت حسناته أو شخص كثرت سيئاته أو شخص استوت حسناته وسيئاته، كل ذلك بالميزان يوم القيامة، يقول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، هذه موازين، والميزان: وهذا الميزان توزن به الأعمال، وهذه الأعمال إما مادية أو معنوية، فالمادية يزنها الميزان؛ لأنها شيء محسوس.
أما المعنوية فيزنها رب العباد سبحانه، الذي يقول للشيء: كن، فيكون، يقول الله عن الكفار: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، والوزن هنا هل هو وزن مادي أم وزن معنوي؟ إنه ميزان حسي أمام الناس كلهم لا نعلم كيفيته.
فتوضع حسناتك في كفة، وسيئاتك في كفة، وقد قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣]، المراد به النتيجة العامة إما من أهل الجنة أو من أهل النار، أما تفاصيل الأعمال فهذا موجود في السجلات التي تحت العرش، في الأرشيف الرباني، حيث يخرج لكل واحد منا من تحت العرش تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فتجد كل الأعمال التي عملتها، عند ذلك تقول: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
стр. 228
العناوين الخمسة التي يحاسب عليها العبد
فإذا وضع الميزان فمن أراد الله به خيراً رجح جانب الحسنات، والعناوين الخمسة التي سنحاسب عليها هي الأوامر والنواهي والذكر والشكر والنعم، هذه هي مجاميع المواد التي سوف سنحاسب عليها فتعال إلى جانب الأوامر فمثلاً قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩] فهذا أمر، والعبد إذا امتثل هذا الأمر يقال له: قد قبلناها منك، فيسجد العبد سجدة شكر أن الله قبل منه هذه الحسنة.
الأمر الثاني: الصلاة لوقتها، يأتي واحد من الحكام لا يصلي فيقال له: ما الذي شغلك عن الصلاة؟ فإن اعتذر بأعذار الدنيا فإنه لا يقبل منه فيسحب على وجهه إلى جوار فرعون، ومن شغل بالوزارة سحب على وجهه إلى جوار هامان في النار، ومن شغله المال عن الصلاة سحب على وجهه إلى جوار قارون في النار، ومن شغل بالتجارة عن الصلاة سحب إلى النار على وجهه مع أمية بن خلف وهكذا! فأول ما يحاسب عليه العبد الصلاة فإن كانت ناقصة قال الله: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ وليس المقصود أنه يكمل للعبد ما تركه من صلاة مدة عشرين سنة، فإن الله لن يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، فأنا عندما أعتمر مائة ألف عمرة هل سيسقط هذا عني الحج؟ لا يسقطه، لابد أن أحج، وكذلك الصلاة، لو صليت مائة ألف ركعة ولم أصل الفرض فإنه لا تقبل النوافل.
فأقول: مع محافظتك على الصلاة لوقتها وصلاة الجماعة في المسجد لا تترك صلاة ركعتين في جوف الليل؛ لأن الذين يخرجون من القبور إلى باب الجنة هم أهل قيام الليل، الذين لم تشغلهم أيضاً تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والله قد مدحهم في كتابه العزيز، فقال: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
لنأت إلى جانب الزكاة التي أمر الله بأدائها، فإذا قبل الله من العبد الصلاة انتقل به إلى الزكاة فإن وجدها ناقصة نظر هل من صدقات تكملها؟! فإن وجدت صدقات تكمل الزكاة قبلها الله منه.
ثم ينتقل الله به إلى الصيام ثم إلى الحج فينظر الله هل كان يستطيع الحج؟ لماذا لم يذهب ليحج؟ والأوامر كثيرة جداً، فإن وجدوه كاملاً في الأوامر انتقلوا به إلى جانب المنهيات، فالله نهانا عن الظلم وقال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا) احذر أن تظلم أحداً.
ثم النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والنهي عن شرب المسكرات والمخدرات، والنهي عن التبذير في المال الذي جعل الله لك فيه قياماً، والنهي عن الإساءة إلى مسلم من قريب أو من بعيد، والنهي عن تضييع فرائض الله ، والنهي عن السخرية بالمسلمين، والنهي عن الغيبة والنميمة، والنهي عن شهادة الزور، والنهي عن المحلل والمحلل له، كل هذه المنهيات تحاسب عليها: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجياً
стр. 229
ذكر الله تعالى
لنأت إلى جانب الذكر، قيل لـ علي بن أبي طالب: يا علي! كيف يحاسبهم الله على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرة عددهم.
يقول الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] فمن ذكر الله ذكره، ومن نسي الله نسيه، فإذاً: جانب الذكر، وقيام الليل والتوكل على الله، فإذا تقلبت في فراشك في الليل فاذكر الله؛ لأن الملائكة تكتب لك الحسنات، فلا داعي لأن يضيع الوقت، فلا تضحك على نفسك تستغفر وتجلس أمام التلفاز إلى أن يطلع الفجر، لا تستطيع أن تخادع الله، لا يمكن أن تنصب على من يعلم السر وأخفى، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه تجلس أمام التلفاز إلى الفجر وتذكر الله! فاذكر الله على كل حال، واشكره على نعمه وآلائه.
стр. 230
نعم الله على العباد
الخامس: جانب النعم، فتحاسب على نعمة الإسلام ماذا عملت فيها؟ كذلك نعمة الإيمان، ونعمة التوحيد، ونعمة الصحة، ونعمة السكن، ونعمة الزوجة، ونعمة الأولاد، ونعمة المال، كل هذه نعم ستحاسب عليها، فهل استخدمتها في عصيانك لله أو استخدمتها في طاعة الله؟! أم أنك ستأخذ المال حراماً وتقول: سأتصدق به؟ لا، إن من يتصدق بالمال الحرام كمن يغسل الثوب المتنجس بالبول، فهذا لا ينفع.
ثم بعد هذا يكتمل حسابك، سواء رجحت الكفة أو خفت، ثم ينادي جبريل هنا: لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وتخيل فرحتك أنت بهذه السعادة في هذا الوقت، فهي تختلف عن سعادتك في الدنيا التي كنت ترائي فيها المخلوقين بأعمالك، وتجعل نفسك رجلاً وقوراً ومحترماً وقواماً لليل وصواماً للنهار، ورجلاً تمشي مع أهل العلم والصالحين، ورجلاً متصدقاً، ورجلاً تحل مشاكل المسلمين، وتجعل في ذهنك هذا الهم الكبير من أجل الناس، لكن انظر إلى هذه السعادة والناس كلهم يغبطونك يوم القيامة، وأنت تجري وسطهم وترفع كتابك قائلاً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، يعني: إني أيقنت أنني سآتي إلى هذا اليوم، فكنت مستعداً له، وأعددت نفسي ليوم الامتحان، فالله أكرمني: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢٠ - ٢١]، العيشة نفسها راضية فما بالك بمن يعيش فيها؟! أصبحت العيشة راضية؛ لأنه هناك سوف ينظر العجب في الجنة بإذن الله رب العالمين! الجنة فيها العجب العجاب لا ألم ولا تعب، ولا ضيق ولا كد ولا اكتئاب، ولا ملية ولا منية، ولا بصاق ولا مخاط، ولا عرق ولا حيض، ولا نفاس ولا ولادة ولا تعب، ولا مدارس ولا فرق، ولا مشاكل ولا حكام ولا شيء من هذا الكلام كله.
المسكين الذي لا يجد ما يأكل، يصبح في الجنة ملكاً عند ملك الملوك سبحانه، نعم؛ لأن الله هو الذي سيملكه، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤] حتى يقول المولى في الجنة: (يا عبادي! إني رضيت عنكم فهل رضيتم عني؟).
إذاً: الحديث عن الدار الآخرة يشجع للاستعداد للقاء الله ، فإذا نادى جبريل: لقد سعد فلان سعادة يرفع كتابه وينطلق إلى أهله مسروراً؛ لأنهم ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] يعني: خائفين من عذاب الله في الآخرة، فيوم القيامة يأمن من العذاب، أما الذي قال: هؤلاء هم يكذبون عليكم ويخوفونكم فيزيدون من عندهم، إن الله غفور رحيم فهم يؤلفون لنا كلاماً من عندهم، المطلوب أنك تميز بين الأوامر والنواهي فقط، فالمسألة مسألة تمييز، اتركنا يا سيدي من العلم والعلماء، افتح أنت المصحف واقرأ؛ دعنا من علم العلماء، دعنا من الدروس، دعنا من الكتب، افتح كتاب الله واقرأ ما فيه، وانتهى الأمر.
والعكس! الأوامر والنواهي والذكر والشكر إن كنت مقصراً فيها تساقطت الحسنات التي معك يأخذها أصحاب الحقوق والمظالم الذين أنت أكلت حقوقهم واغتبتهم، حتى قال أهل العلم: لو علم المغتاب ما يؤخذ منه من الثواب لكان حرياً أن يغتاب أبويه.
يعني: لو أنه أراد أن يوزع الحسنات فليعطها أقرب الناس إليه أباه وأمه، فلماذا تذهب لأحد غريب؟! وقد قلنا يوم الجمعة: المغتاب إن تاب فهو آخر أهل الجنة دخولاً، وإن مات المغتاب ولم يتب فهو أول أهل النار دخولاً، يعني: المغتاب الذي تاب فهو آخر شخص يدخل الجنة، والمغتاب الذي لم يتب يكون أول شخص يدخل النار والعياذ بالله يا رب العالمين، نسأل الله السلامة لنا ولكم وللمسلمين.
فإذا خفت الموازين والعياذ بالله على الشخص فإنه يخبئ كتابه ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧].
قد يجد العبد وسائط في الدنيا أما في الآخرة فهل سيحن عليه أحد؟ قال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]، يا ليتني لم أعرف الحساب هذا.
ثم يقول: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] لا يوجد أحد يقول: ارحموه، بل يقول الله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣١] أي: أحرقوه بالنار ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] قالوا: وما هذه السلسلة يا رسول الله؟ قال: لو وضعت منها حلقة على جبل أحد لذاب من ساعته.
فكثير من الناس يرتكب الحرام، بعضهم لا يصلي والبعض يأكل الحرام، والذي يخرج امرأته عريانة، والذي بناته ذاهبات الجامعة ببنطلون وقلة أدب فهذا سوء أدب مع الله، فلابد أن أراجع حساباتي؛ لأنني سوف أقف في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، الذي جعل سيدنا عيسى يقول: يا رب! لا أسألك عن مريم بنت عمران، وسيدنا موسى يقول: أنا لا أعرف هارون، ويقول سيدنا إبراهيم: وأنا مالي ولإسماعيل؟! نفسي نفسي! كلهم يقول: نفسي نفسي.
стр. 231
محاسبة الأمم يوم القيامة
ثم بعد ذلك يحاسب الله الأمم، وأول أمة يؤتى بها أمة نوح، يؤتى بنوح فيقال له: يا نوح! هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب! بلغت قومي فيقول الله: هل بلغكم نوح؟ فبين مصدق ومكذب، القليل الذين آمنوا به يقولون: نعم بلغنا، والأغلبية الكافرة يقولون: لم يبلغنا، فيقول الله: يا نوح! إن قومك يقولون: ما بلغتهم، مع أن الله هو الحكيم الخبير، وهو العليم الخبير، لكن من أجل أن يلزم الحجة لعباده، يقول: يا نوح! أمعك من يشهد لك؟ فيقول: نعم يا رب، محمد وأمته، فيأتي النبي ﷺ فيقال له: هل بلغ نوح قومه؟ فيقرأ النبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح:١] إلى آخر الآية، حتى قال أهل العلم: حتى إن المسلمين يسمعون صوت النبي كأنهم ما سمعوا القرآن من قبل، فربنا يسمع المؤمن ساعتها بصوت الحبيب المصطفى بالشكل هذا، فسيدنا محمد شهد، ويأتي أصحاب محمد فيقولون: نعم يا ربنا لقد بلغهم، فيقولون: كيف يشهد علينا من لم يرنا؟! فيقول الله : نعم كيف تشهدون عليهم وأنتم ما رأيتموهم أيضاً من أجل يلزمهم الحجة؟ فيقولون: يا ربنا! قرأنا كتابك، وتلاه علينا رسولك، وعلمنا أن ما فيه صدق وحق، وقرأنا فيه أن نوحاً بلغ قومه، فيقول الله: صدق محمد، وصدق أصحاب محمد، ثم نفس القضية، وموسى وعيسى كلهم يكذبون من قبل أقوامهم.
ثم ينادى على جبريل وكل واحد سيسأل يوم القيامة قال: فيأتي جبريل تصطك ركبتاه يكاد أن يقع فرطاً وخوفاً من الله تعالى، فيقال له: يا جبريل! هل بلغت محمداً؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله: يا محمد! فيقول: نعم يا رب العباد! فيقول الله: يزعم جبريل أنه بلغك فيقول: نعم يا رب صدق جبريل، ثم يقول الله: يا أمة محمد! هل بلغكم محمد؟ قالوا: نعم يا ربنا، قد بلغنا، فيقول الله: صدقتم يا أمة محمد، فهذا هو سؤال الأمم، يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ﵊، كل أمة يطلع منها شهيد ويأتي سيدنا الحبيب فيشهد علينا وعلى الأمم كلها، ﷺ ، وهذا هو المقام المحمود يوم القيامة، والجزئية الباقية التي هي مسألة الشفاعة إن شاء الله رب العالمين.
إذاً: مثقال الذرة ربنا يحاسبنا عليها، وإن تك مثقال ذرة، يعني: لذلك يقول يوم القيامة: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهذه الذرة التي لا ترى بالعين المجردة ستوزن في الميزان يوم القيامة، يعني: لا توزن بالموازين العادية التي معنا، فيوم القيامة ربنا سيزن مثقال الذرة، إذاً: النظرة والضحكة والسخرية والكلمة والغدوة والروحة، والذهاب والإياب، والقعود والجلوس والحركة، كلها مسائل يجب أن يراعي العبد فيها ربه؛ لأن الله سوف يسألنا على صغير الأمر أو كبيره.
هذه حلقة من الحلقات الصعبة جداً على الناس، والمرعبة جداً والمخيفة، ولكن هذا من أمانة العلم، فيجب علينا أن ننقلها إليكم.
بارك الله فيكم، ولا تنسونا من صالح دعائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 232
سلسلة الدار الآخرة_المنجيات عند الميزان
جعل الله أعمالاً في الدنيا يستطيع الإنسان أن يفعلها فينجو يوم القيامة، ومن هذه الأعمال أعمال ينجو بها عند الميزان، واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أم موازين متعددة، وعلى كل فالميزان ثابت في الكتاب والسنة.
стр. 233
الأعمال التي تنجي عند الميزان من عذاب الله
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثالثة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، نسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يثقل موازيننا يوم القيامة، اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا غانماً سالماً لأهله رددته.
اللهم ارزقنا يا مولانا! قبل الموتة توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله، واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفع فينا نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم احشرنا تحت لوائه، واجعلنا من الذين يردون حوضه، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم بدون سابقة عذاب يا أكرم الأكرمين! وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عرفنا أن العباد قد حشروا أمام رب العباد سبحانه، إذ لا وزير فيغشى، ولا حاجب فيؤتى، ولا إنسان يدافع عن إنسان، ثم علمنا كيف يفر المرء من ابنه ومن أبيه ومن أمه ومن عشيرته، وهنا لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اجعل قلوبنا سليمة عندك يا رب العالمين.
فالله جعل في الأمر رغم صعوبته في الدنيا قواعد يستطيع الإنسان أن يبنيها فينجو يوم القيامة، اللهم اجعلنا من الناجين.
في الحديث الذي رواه مسلم ﵁ والترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن أبي سمرة ﵁ عن الصادق الأمين المعصوم ﷺ أنه قال: كنا في المسجد في مدينة رسول الله ﷺ ، فطلع علينا ﵊ فقال: (إني رأيت الليلة عجباً) -ورؤيا النبي حق- يعني: ما يراه الرسول ﷺ كلام واقع ووحي يوحى، وما يراه النبي لا كما نراه نحن، قال: (إني رأيت الليلة عجباً) خيراً يا رسول الله! وهذه هي السنة إذا قصت عليك رؤيا أن تقول: خيراً إن شاء الله، وكان الحبيب يقول: (خيراً إن شاء الله، خيراً تلقاه، وشراً توقاه، خيراً لنا، وشراً لأعدائنا، والحمد لله رب العالمين)، فهذه هي السنة في ردك على من رأى رؤيا يريد أن يقصها عليك.
وفي ليلة أحد قال: (رأيت أن بقراً تذبح، ورأيت ثلمة في سيفي، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة).
فهذه الرؤيا ثلاثة أجزاء، انظر: رأى بقراً تذبح، ورأى ثلمة في سيفه ﷺ ، رأى أنه أدخل يده في درع حصينة، قال أبو بكر بأدب: (أتأذن لي في تفسيرها يا رسول الله؟! قال: فسر يا أبا بكر! قال: أما البقر التي تذبح: فإنما بعض من صحابتك سوف يستشهدون في هذه المعركة، وثلمة سيفك: فإنما رجل من آل بيتك عزيز لديك يقتل، وأما وضعك يدك في درع حصينة: فعودتك إلى المدينة سالماً غانماً، فتبسم الحبيب وقال: يا أبا بكر! هكذا نزل علي جبريل بتأويلها).
стр. 234
من الأعمال المنجية من عذاب الله بر الوالدين
طلع النبي ﷺ عليهم في يوم من الأيام يقول: (إني رأيت الليلة عجباً) خيراً يا رسول الله! قال: (رأيت كأن القيامة قد قامت).
فالقيامة قد قامت بالنسبة لسيدنا الحبيب ﷺ ، فهو يرى صوراً حقيقية ليس للشيطان أن يمثلها له؛ لأن كل واحد من بني آدم له شيطان يتسلط عليه قالوا: حتى أنت يا رسول الله! قال: (حتى أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).
وليس أسلم معناها: نطق بالشهادة؛ لأن الشيطان لا يسلم ولكن معناها هنا: أسلمُ من شره (فلا يأمرني إلا بخير) وقد أراد الشيطان مرة أن يشوش على الحبيب ﷺ صلاته، قال ﷺ : (جاءني الشيطان الليلة أراد أن يلبس علي صلاتي، فما كان مني إلا أن أخذت بخناقه) أي: سيدنا الحبيب ﷺ أخذ بخناق الشيطان، فسال لعابه على يده، قال: (فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد لكي يلعب به صبيان المدينة عند الصباح) ليصنع خصيصة ومعجزة، يأتي بالشيطان ويربطه، قال: (لولا أن تذكرت دعوة أخي سليمان) رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي (فأبيت أن أتعدى على دعوة أخي سليمان).
وهذا من أدب رسول الله ﷺ ، فهو يقول: أحببت أن أربطه بالعمود من أجل الصبيان يلعبون به في الصباح، فتذكرت دعوة أخي سليمان: رب أعطني ملكاً لا يكون لأحد بعدي، ومن ضمن ملك سيدنا سليمان: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٧ - ٣٨].
وكان سيدنا سليمان يؤدب أي شيطان يريد العصيان، فإذا قال الشيطان: لن أنفذ، يقول له: احترق، فيحترق، ويقول له: تقيد مكانك، فيقيد مكانه، سبحان الله! وبعد ذلك: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، اللهم احشرنا في زمرة الشاكرين.
وقال ﷺ : (رأيت القيامة قد قامت أو كأن القيامة قامت) شك الراوي، يعني: الراوي الذي يروي عن عبد الرحمن بن أبي سمرة شك في الرواية وكلاً قال: (فرأيت رجلاً وقد جاءه ملك الموت ليقبض روحه) أي: كأنه في الدنيا، يعني: أن الرسول ﷺ تعرض عليه الدنيا والأخرى، فجاء ملك الموت ليقبض روح شخص، قال: (فجاءه بره بوالديه فخلصه من ملك الموت فطال عمره).
فقد يقول قائل: ألا تقولون: إن العمر هذا مكتوب؟
الجواب
نعم، مكتوب عند الله ، وملك الموت معه الدفتر الذي فيه نهاية كل حي، لكن لا يوجد شيء يطيل العمر إلا بر الوالدين، اللهم اجعلنا من البارين بوالدينا أحياءً وأمواتاً يا رب العالمين! وقد كان النبي ﷺ قاعداً مع الصحابة فضحك حتى بدت نواجذه، خيراً ما يضحكك يا رسول الله؟! قال: (رجل من أمتي يوم القيامة كان عاقاً لوالديه في الدنيا، فلما وزنوا له حسناته وسيئاته، رجحت سيئاته فأخذوه إلى النار، فرأى أباه أمامه فأخذته رقة، فقال: يا رب! مادمت ذاهباً إلى النار بما اكتسبت فخذ بقية حسناتي فضعها لأبي، وخذ من سيئاته فضع علي، وضاعف علي عذابي ونج أبي من النار، قال: عجباً لك عبدي! أعققته في الدنيا وبررته في الآخرة، أنت وأبوك في الجنة).
وهذه صورة من صور الرحمة الإلهية في هذا الموقف العظيم، فإذا أراد الله أن يرحم أحداً يفتح له باب الرحمة، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، ارحمنا فإنك بنا راحم، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، اللهم آمين يا رب العالمين!
стр. 235
الخوف من الله
قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي وقد احتوشته زبانية جهنم فجاءه خوفه من الله فخلصه منهم).
فطالما خفت من الله فإنه كافيك، يعني: أنا إذا خفت من الله فإنني لا أكذب ولا أفتري ولا أرتشي ولا أنحرف ولا أنافق، ولكن أبحث وأسأل نفسي: ماذا قدمت للإسلام؟ ماذا قدمت للآخرة؟ أما أن أعيش في الدنيا كالبهيمة التي تأكل وتشرب وتنام وتبول وتعرق وتمرح ثم تموت فلا.
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
стр. 236
البكاء من خشية الله
قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي وقد أحاطت به جهنم فجاءته دمعة تقاطرت من عينه مرة من خشية الله فأطفأت عليه بحور جهنم فنقلته إلى نعيم الجنة).
فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا بكى الواحد منهم مسح بدموعه وجهه، وكانوا يقولون: بلغنا أن النبي ﷺ قال: (لن تمس النار عين بكت من خشية الله).
وقال رسول الله ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله).
وكان هناك سبعة من الصحابة يسمون البكائين السبعة، والبكاء عند أصحاب اللغة العربية صيغة مبالغة، فبكاء أي: كثير البكاء، وكان في مقدمتهم: أبو بكر الصديق، فلم يكن تمر عليه آية ولا يقرأ القرآن مرة إلا ويبكي ﵁، حتى إنه لما أمر النبي ﷺ أن يبلغوا أبا بكر أن يصلي بالناس قالت عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف -ضعيف القلب- إذا قام لم يسمع الناس من البكاء.
وفي صدر الإسلام عذب المشركون أبا بكر حتى استوى وجهه بأنفه من شدة التعذيب وكان غزير الشعر، فكان إذا مس خصلة من شعره تساقطت، فأجاره مطعم بن عدي وكان رجلاً مشركاً ولم يسلم، أجاره، فكان أبو بكر يقف ليصلي فيبكي، فكان النساء يصعدن من أجل أن ينظرن إلى الرجل الغريب الذي يبكي من غير أن يلمسه أحد، وبسبب بكاء أبي بكر هذا دخل عشرة من نساء الكفار وأبنائهم في الإسلام، فقال له مطعم: أدخلتك في جواري وتجعل الناس يدخلون في الإسلام ويكفرون بديني؟! قال له: يا مطعم! فماذا تريد؟ قال له: إذا صليت لربك لا تبكِ، قال له: عجباً يا مطعم! لقد رددت عليك جوارك وصرت في جوار الله .
وكان سيدنا الحبيب ﷺ عندما يمشي يحرسه ثلاثة من بني عبد المطلب، فهؤلاء الثلاثة يمشون كظله حتى لا يؤذيه أحد، إلى أن نزلت الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
وهناك عمود في المسجد النبوي مكتوب عليه اسطوانة الحرس، فقد كان الحبيب المصطفى ﷺ يدخل ليستريح، وكان حراسه الثلاثة ينامون عند هذا العمود، فإذا لمحوا النبي ﷺ دخل جروا حوله، فلما نزلت الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] قال لهم: (دعوا حراستي فإنما صرت في حراسة الله وأمنه) وقد قال الله له: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ﷺ .
قيل لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقيل لمحمد: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وشتان ما بين الحراستين عليهما الصلاة والسلام.
اللهم احشرنا في زمرتهم يوم القيامة، ومتعنا بالجوار معهم يوم القيامة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين! فالبكاء أطفأ بحوراً من النار.
قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي والشمس قد اقتربت من الرءوس قدر ميل) والعلماء على رأيين: هل الميل مسافة؟ أو أن الميل هو الذي تضع به النساء الكحل في العين، فالمهم أنه اقتربت الشمس قدر ميل قل: شبراً، قل: قيراطاً أو أقل.
قال: (وزيد في حرها سبعين ضعفاً) لأنها تركت المدار، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧].
فليس هناك حفرة تختبئ فيها ولا هضبة ولا تل، قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]، وسكان السماوات بنص الحديث أكبر عدداً من سكان الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
قال ﷺ : (ينزل سكان السماوات الأولى فيحيطون بأهل المحشر)، وهم أكثر من عدد البشر، (ثم ينزل سكان السماء الثانية عشرون ضعفاً من سكان السماء الأولى) يقعدون في الحلقة الثانية، إذاً: يحيطون بأهل المحشر فأول حلقة أصحاب السماء الأولى، والسماء الثانية الحلقة الثانية، والسماء الثالثة ثلاثون ضعفاً، والسماء الرابعة أربعون ضعفاً، إلى السابعة سبعون ضعفاً، فينزل هؤلاء كلهم، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] جملة حالية، أي: (وَجَاءَ رَبُّكَ) بعد أن صار الملائكة صفاً صفاً.
قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] والقدم الواحد في حملة العرش مسيرة عشرين ألف سنة!! وقلنا: إن السماوات والأرض وما فيهن بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، فيكون العرش قدر ماذا؟ سبحانك يا خلاق، فكيف هؤلاء الثمانية الذين يحملون عرش الرحمن؟
стр. 237
حسن الظن بالله تعالى
(ورأيت رجلاً من أمتي وقد ارتعدت فرائصه) أي: حصلت له رعشة، قال ﷺ في نفس الحديث: (كالسعفة في مهب الريح) والسعفة: من جريد النخل (فجاءه حسن ظنه بالله فسكن ما به من رعدة).
يقول ﷺ : (إن قوماً غرتهم الأماني يقولون: نحسن بالله الظن) فيقولون: ربك رحيم غفور، فهل أنت مصدق كلام الشيخ عمر في الجامع! يا رجل ربك سيكرم وسيغفر، فغرته الأماني، فتراه لا يصلي، وترى المرأة غير محجبة ولا مخمرة، وتجدها محتكة بالرجال ليل ونهار، وتغتاب فلاناً وفلاناً وحاقدة وناقمة، والرجل مجرم ومرتش ومختلس وعنده أمل في رحمة الله ، قال رسول الله ﷺ : (والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل).
ودائماً نحن نكون في الأحوط والأحرص، وعندما تقرأ قول الله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] يقول ابن مسعود: والله إن لهو الحديث الغناء.
فـ ابن مسعود صاحب رسول الله ﷺ رضوان الله عليه أخذ القرآن من فم الحبيب ﷺ حتى إنه كان يقول: ليس هناك سورة نزلت إلا وأنا أعرف أأنزلت ليلاً أو نهاراً، في مكة أو في المدينة، في سهل أو في جبل، في غزوة أو في سلم، في كذا أو في كذا.
فانظر إلى هذا العلم كله، فيقسم ابن مسعود بالله أن لهو الحديث هو الغناء.
إذاً: هل أصدقك أم أصدق ابن مسعود؟ لا والله، بل إنني سأصدق ابن مسعود، قال رسول الله ﷺ : (اهتدوا بهدي ابن أم عبد) ولما ضحك الصحابة من دقة ساقه قال ﷺ : (والذي بعثني بالحق نبياً إن ساق ابن مسعود أثقل عند الله من جبل أحد).
وقال ﷺ : (من أراد أن يسمع القرآن غضاً كما أنزله جبريل فليسمع من عبد الله بن مسعود).
فهل بعد هذا الكلام كله أركل كلام ابن مسعود وآخذ بكلامك أنت؟!
الجواب
لا، بل نأخذ كلام ابن مسعود وأستريح لما قاله ابن مسعود فهو الصحابي الوحيد المأذون له بالدخول على رسول الله في كل وقت، فإن أبا بكر ومكانته في الإسلام إذا طرق الباب يدخل الخادم فيقول للرسول ﷺ : هذا أبو بكر في الباب، فيقول له: يقابلني في المسجد، أو يأتي بعد العصر، أو يأتي بعد المغرب وهكذا، إلا ابن مسعود فإنه أول ما يدق الباب يدخل الخادم فيبلغ الرسول ﷺ ، ويدخل ابن مسعود مباشرة، فهو الصحابي الوحيد المأذون له في الدخول على رسول الله ﷺ .
стр. 238
الحج والعمرة
قال رسول الله ﷺ : (ورأيت رجلاً وقد أحاطت به الظلمة من كل مكان يتخبط فيها)، عن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن أمامه ظلمة ومن ورائه ظلمة، قال: (فجاءه حجه وعمرته فأضاء ما حوله فوجد نفسه بجواري).
فهذه وسائل للمغفرة ووسائل للنجاة، لكن لا يأخذ المرء من الدين ما يعجبه، فالإسلام نظام عام، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] وهل الملك في وقته كان له دين؟ إنما الدين هنا هو النظام العام، فالدين الإسلامي نظام، فلا تأخذ من الدين الذي يعجبك وترفض ما لا يعجبك، وتقول: الدين قوي، الدين أخلاق، الدين سلوك، قال: نعم، ولكن ليس ضرورياً أن أصلي معك في المسجد، فإن قلت: لماذا هكذا؟ قال: هذه ليست واردة!! يعني: يأخذ الشيء الذي يعجبه ويرفض الشيء الذي لا يعجبه.
امرأة تصلي وتصوم ومطيعة لزوجها وتحضر دروس العلم، لكنها تقول: موضوع الحجاب هذا لم أقتنع به، لماذا لا تقتنعين به والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] أليست هذه الآية تخص جميع المسلمين.
стр. 239
أنواع الإيمان خمسة
إذاً: أقول: إن المسلم لا يتمنى على الله الأماني، فليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل؛ لأن الإيمان خمسة: إيمان مطبوع، وإيمان مقبول، وإيمان مردود، وإيمان لا إيمان، وإيمان التمني.
فالإيمان المطبوع: إيمان الملائكة، فهم مطبوعون على الطاعة والعبادة والتوحيد، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] لكن إذا نظرت إلى خوفهم يوم القيامة وفي أرض المحشر ويوم الحساب، لقلت: سبحان الله، إذ تقول الملائكة يوم القيامة: سبحانك سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، حتى إنه لينادى على جبريل فيأتي جبريل تصطك قدماه خشية من الله ، يخاف أن يكون قد قضى الله في أمره شيئاً، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
وإيمان مقبول: إيمان المؤمن.
وإيمان مردود -والعياذ بالله-: إيمان المنافق.
وإيمان لا إيمان: إيمان المبتدع: (ألا إن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
وإيمان لا يخرج العبد منه بشيء يوم القيامة: وهو المفلس الذي صلى وصام وزكى وآمن، ولكنه أخذ حقوق العباد، وجاء يوم القيامة بلا حسنات؛ فالناس يوم القيامة كما قلنا أقسام ثلاثة: أغنياء بالحسنات: اللهم اجعلنا منهم يا رب! وفقراء من الحسنات: لا تجعلنا منهم يا رب! وأغنياء من الحسنات يصيرون فقراء.
أغنياء بالحسنات: الصحابة والتابعون ومن نحا نحوهم.
فقراء من الحسنات: ليس معهم حسنة واحدة، وعندما أركز على الأخوة الصالحة في الإسلام، رجل نجا بحسنة واحدة، ورجل دخل النار بسيئة واحدة، وتفصيل ذلك: أن رجلاً أتى بواحد وخمسين في المائة، وأخاه في الله أتى بتسعة وأربعين في المائة، فالأول نجا بحسنة فأخذوه إلى الجنة، والذي لديه تسعة وأربعون في المائة زاد بسيئة فأخذوه إلى النار والعياذ بالله فقال لمن أخذ إلى الجنة: يا أخي! قال: نعم، قال له: أما من منة لي عليك في الدنيا؟ قال: لا، لا أنكر أبداً شيئاً مما مننت به علي، لقد أخذتني إلى كذا وعلمتني كذا وفقهتني في كذا وكذا وكذا، ويعدد له، فيقول له: ما بالك لو أعطيتني الحسنة التي زادت وأنا وأنت نصير من أصحاب الأعراف؟ فرق قلب أخيه له فقال: ما دمنا الاثنان في رحمة الله فخذ، فيقول الله : ماذا صنعت يا عبدي! يا جبريل، لم لم تأخذوه إلى النار؟ لماذا تتلكئون فيه؟ قال: يا رب! هذا الرجل له زيادة حسنة، وهذا تنقصه حسنة فتنازل له، فالاثنان حسناتهما لا تدخلهما الجنة، ولا سيئاتهما تدخلهما النار، فقال الله: يا عبدي! أأنت أكرم منا؟ أجئتنا لتعلم لطيفاً خبيراً؟ ادخلا إلى الجنة.
نسأل الله أن يخفف عنا وعنكم، وأن يتوب علينا وعليكم، اللهم تب علينا توبة خالصة نصوحاً، واجعل هذه الدروس في ميزان حسناتنا جميعاً يوم القيامة، علمنا منها ما جهلنا، ذكرنا منها ما نسينا، وفقنا لما تحبه وترضاه يا أكرم الأكرمين! آمين يا رب العالمين!
стр. 240
سرعة الاغتسال من الجنابة
قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي والنبيون جلوس حلق حلق) أي: كل رسول عنده حلقة، فنوح في حلقة، وصالح في حلقة، وهود في حلقة، ويونس في حلقة، وموسى في حلقة، وعيسى في حلقة، وإبراهيم في حلقة، وهكذا.
قال: (فكلما جاء إلى حلقة طرد ومنع منها، فجاءه إسراعه بالاغتسال من الجنابة فأجلسه في حلقتي وبجواري) فأسرع في الغسل من الجنابة من أجل أن يكرمك الله وتكون دائماً بجوار النبي ﷺ ، وهذا الكلام تقوله لزوجتك، طالما طهرت من الحيض فلتغتسل ولتصلِّ قبل خروج الوقت، وكثير من النساء عليهن أوقات كثيرة ويقعن في هذه المشكلة، فيجب على الأخوات أن يراعين هذه القضية.
стр. 241
صلة الرحم والصبر على موت الأطفال
قال ﷺ : (ورأيت رجلاً من أمتي يكلم الناس ولا يكلمونه فجاءه صلته لرحمه فأمر الملائكة الناس أن يكلموه فكلموه، ورأيت رجلاً من أمتي وقد خف ميزانه فجاءه أفراطه) أفراطه: أولاده الذين ماتوا وهم صغار فصبر واحتسب، قال: (فوضعوا في ميزان حسناته فرجحت كفة حسناته فدخل الجنة).
ولذلك ماتت لرجل ابنة كان يحبها كثيراً، فمكث يبكي عليها ليل نهار، ودائماً الناس يبكون على ذويهم، لكن يا أخي الكريم! الرسول ﷺ بكى على ابنه إبراهيم، لكنه لم يبك عليه عشرين سنة، فأنت كلما ذكرت ابنتك أخذت تبكي دائماً وحولت البيت إلى نكد، وهذا غير صحيح.
فالمسلم يجب أن يكون صبوراً، ويفرح المؤمن الذي مات له أولاد وهم صغار؛ لأنهم سيصنعون ضوضاء على باب الجنة (ما هذه الضجة التي أسمع يا جبريل؟! فيقول جبريل: يا رب هؤلاء أبناء المسلمين الذين ماتوا صغاراً، أبوا دخول الجنة إلا بصحبة آبائهم وأمهاتهم) وهكذا صنعوا مظاهرة على باب الجنة، لن ندخل إلا ومعنا آباؤنا، (قال: يا جبريل! من صبر من والديهم ألحقوا بهم ذريتهم).
وهذا رجل ماتت ابنته، فمكث يبكي عليها بكاءً مراً فنام، ورأى في الرؤيا أن القيامة قد قامت، والشمس قد اقتربت من الرءوس والعطش قد اشتد، ورأى صغاراً يسقون أناساً بجواره، فبحث عن ابنته، فقال: يا بنيتي! الصغار يسقون آباءهم وأمهاتهم، وأنت لم لا تسقينني؟ قالت: يا أبت! لأنك لم تصبر على ما ابتليت به فترك البكاء عليها، وامتنع عن ذلك.
стр. 242
كلمة لا إله إلا الله
(ورأيت رجلاً من أمتي وقد أوصدت أمامه أبواب الجنة) أي: أبواب الجنة الثمانية، كلما يأتي إلى باب منع من الدخول وأقفل الباب، قال: (فجاءه قوله: لا إله إلا الله ففتحت له أبواب الجنة)؛ لأن باب الجنة لا يمر منه إلا أهل التوحيد، فسيدنا جبريل يوم القيامة يقول لسيدنا الحبيب ﷺ : (يا رسول الله! لن يعبر الصراط إلا من معه الجواز)، إذاً: جواز السفر كلمة عربية صرفة قال: (وما الجواز يا جبريل؟! قال: قول العبد: لا إله إلا الله، قال: الحمد لله الذي جعل أمتي من أهل لا إله إلا الله) ولذلك سوف يقف العبد يوم القيامة وقد نصبت الموازين، نسأل الله أن يثقل موازيننا.
стр. 243
اختلاف العلماء في كون الميزان ميزاناً واحداً أو موازين
هل هو ميزان واحد أو موازين؟ أم أن كل عمل له ميزان؟ هذه مسألة غيبية، لكن العلماء على آراء، فهناك رأي يقول: إن الميزان واحد للجميع، ويقال: إن داود ﵇ سأل ربه: يا رب! بكم كفة الميزان، قال: يا داود! إن كفة الميزان تسع أطباق السماوات والأرض، أي: الكفة الواحدة تحمل السموات والأرض وما فيها، فخاف داود ﵇، قال: يا رب! ومن أين آتي بحسنات كي أملأها؟ قال: يا داود! إذا رضيت على عبدي ملأت له كفة حسناته ولو بشق تمرة يتصدق بها مخلصاً من أجلي.
ولذلك من رؤيا الحبيب ﷺ قال: (رأيت أعناقاً من النار تخرج تريد أن تلقم أناساً، فجاءت بعضهم زكاة أموالهم فمنعت أعناق النار أن تلتقطهم)، وعندما تدنو الشمس من رءوس العباد يرى رجلاً من أمته وقد استظل بظل صدقته.
وقد كانت عائشة تعطر الدرهم الذي تخرجه لله، فقيل لها: ما هذا يا أم المؤمنين؟! قالت: أنا أعلم أنه لا يقع في كف الفقير وإنما يقع في كف الله ، والفقير يدعو لها جزاك الله خيراً يا أم المؤمنين! فتقول: بل جزاك أنت خيراً أنك حملت زادنا إلى الآخرة! ولذلك المسلم يعطي مما أعطاه الله، فسيدنا عبد الله بن عباس ﵁ مر على خيمة ومعه طلابه، فشربوا من الخيمة، فقال: يا غلام! ما معك؟ قال: معي أربعون ألف درهم، قال: ادفعها للمرأة، فقال الغلام: كيف ندفع لها أربعين ألف على شربة ماء؟! قال: لقد أعطتنا أفضل ما عندها، ونحن نعطيها أفضل ما عندنا.
قال: يا إمام! إنها لا تعرفك، قال: ولكني أعرف نفسي.
وهذا حاتم الأصم له تسع بنات، قال لهن: أنا ذاهب للحج فبكت زوجته وبناته وقلن: تتركنا لمن؟ وماذا نصنع؟ وكانت ابنته الوسطى تحفظ القرآن فقالت: دعوه فإنه لن يدعنا لميت ولا لأعمى، ولكن يدعنا لحي سميع بصير، دعوه يحج، فسافر حاتم الأصم وجاء عليهن الليل ولم يجدن عشاءً، فجعلن يلمن البنت الوسطى ويؤنبنها، فقالت: والله لقد تركنا لحي سميع بصير، ولا زالت مصممة، ولم تنحن للعاصفة التي تهب عليها، فمر من الباب مار فقال: أعندكم ماء يا أهل البيت؟! قلن: نعم، فأعطوه كأساً من ماء وشرب، ووجد أن طعمه لذيذ وأن الله قد حلاه له، فقال: بيت من هذا؟ قالوا له: بيت حاتم الأصم، وكان السائل هو أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، فأخذ صرة من ذهب ورماها إلى عتبة الدار وقال لمن معه: من أحب أمير المؤمنين منكم فليفعل مثل ما فعلت، ورمى كل واحد بصرة فأراد أولاد حاتم الأصم أن يقفلوا الباب فلم يستطيعوا من صرر الذهب، فنظرت البنت إلى أمها وأخواتها وقالت: نظرة من مخلوق أغنتنا فما بالكم لو نظر إلينا الخالق؟! فالخالق حين ينظر إلى العبد نظرة من فيض جوده تملأ الأرض رياً، ونظرة من عين رضاه تجعل الكافر ولياً.
اللهم اهدنا بفضل جودك يا أكرم الأكرمين! فالميزان يوم القيامة إما هو ميزان واحد توزن به كل الأعمال وكل الخلائق، أو هي موازين متعددة، وهذا رأي آخر، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] أو أنه في اللغة العربية يطلق الجمع على المفرد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] مع أنه رسول واحد وهو هود ﵇.
فهذا رأي يقول: يطلق الجمع على المفرد وهذه من البلاغة العربية المعروفة، أو أنه عدة موازين، فنحن لا يهمنا إن كان ميزاناً واحداً أو عدة موازين، لكن يهمنا ما هو العمل الذي يثقل الميزان؟
стр. 244
ذكر من يقف عند الميزان
يقال: إما أنه جبريل وإما أنهم أصحاب الأعراف، وفي رواية: أن أصحاب الأعراف هم المحكمون من كل أمة، وهم أعلى أو أفضل الناس عند الله من كل أمة، يحضرون الميزان تشريفاً وتكريماً لهم، وإما أن يكونوا العلماء العاملين من كل أمة، وإما أنه لا يقف عند الميزان إلا رسول الله ﷺ ؛ لأن أنساً وهو يوضئ النبي ﷺ مرة بكى، فقال رسول الله ﷺ : لم يا أنس؟! قال: يا رسول الله! أين أبحث عنك يوم القيامة؟ قال: (إما عند الميزان وإما عند الصراط وإما عند الحوض هذه أماكن ثلاثة لا تخطئني يا أنس).
أي: إذا لم تلقني عند الميزان تلقني عند الصراط، وإن لم فعند الحوض.
стр. 245
الصلاة على رسول الله ﷺ من المنجيات عند الميزان
قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
فعلى يمين العرش كفة الحسنات، وعلى يسار العرش كفة السيئات، وفي الناحية الثانية من الميزان الصراط، وعلى يمين العرش يجلس الخليل إبراهيم أبو الأنبياء، فأمام الخليل إبراهيم شيئان: كفة الحسنات للميزان، والجنة على يمين الصراط، وسيدنا الحبيب المصطفى ﷺ على يسار العرش أمام كفة السيئات للميزان وأمامه النار فالصحابة استغربوا من ذلك، هل من المعقول أن يكون الخليل إبراهيم عن يمين العرش وأمام الجنة وأمام كفة الحسنات، والحبيب المصطفى على يسار العرش أمام كفة السيئات وأمامه النار، فقال ﷺ بتواضع: (أنا الذي طلبت من ربي ذلك) أي: من أجل أن أنظر إلى كفة السيئات للمسلم من أمتي، فإن ثقلت سيئاته أقوم فأضع في كفة حسناته بطاقة بحجم نصف الكف، فاستغرب الصحابة لكلمة بطاقة، والبطاقة: رقعة، وفي الكتب القديمة يقال لها: رقعة، قال الحسن البصري: إن أهل مصر يسمون الرقعة بطاقة، كمثل بطاقة في جيبك، البطاقة الشخصية والبطاقة العائلية وبطاقة التموين وهكذا.
فالبطاقة هذه يضعها رسول الله ﷺ في كفة الحسنات، فالحسنات تثقل، ويريد صاحبها أن يعرف ما هذه؟ فيذهب وينظر ويقول: من أنت يا صاحب الوجه الوضيء؟ فيقول له: أنا حبيبك محمد ﷺ فيقول له: وما هذه البطاقة؟ يقول: هذه صلاتك علي في الدنيا.
صلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله.
صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] ﷺ ، من صلى عليه صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى عليه عشراً صلى الله عليه بها مائة، ﷺ .
(قال جبريل: تعس رجل ذكرت عنده ولم يصل عليك، تعس وابتعد عن الجنة قل: آمين يا محمد! فقلت: آمين) ﷺ .
والعبادة مقبولة بشيئين: قراءة القرآن والصلاة على رسول الله ﷺ ، فإذا كنت في الدعاء تبدأ بالصلاة على رسول الله وتدعو، ثم تثني بالصلاة على رسول الله ﷺ ، فهما صلاتان مقبولتان والله أكرم من أن يدع ما بينهما.
سافر أحد التابعين وأبوه معه، فأدركت أباه المنية في الطريق، فغطاه إلى أن يظهر أناس في الطريق فيصلوا عليه ويدفنوه، فنظر الولد إلى وجه أبيه فوجد وجهه يسود ويسود حتى صارت عليه كآبة، وحزن الابن حزناً ما بعده حزن، فجلس بجوار جثة أبيه وأخذته سنة من النوم فوجد رجلاً وضيء الوجه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد رسول الله ﵊ قال: يا رسول الله! إن أبي قد مات فاسود وجهه، قال: لا تخف يا عبد الله! لقد كان كثير الصلاة علي، قم فاكشف وجه أبيك، فاستيقظ فرحاً، فكشف وجه أبيه فوجده كفلقة القمر ليلة التمام، فلا تنس أن تكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
وذكر أن واحداً من الصالحين كان في جيبه فلس واحد، وابنته تريد أن تعمل عملية عند الطبيب، والطبيب طلب مبلغاً لا يستطيع دفعه ولا يقدر على تسلفه.
ومعلوم أن الرؤى لا تحقق قاعدة شرعية، ولكن رؤى الصالحين تعطي اطمئناناً للنفس الإنسانية طالما أن الرؤيا تفسيرها لا يخالف نصاً من نصوص الكتاب ولا نصوص السنة، فرأى في منامه الرسول ﷺ وهو يقول له: مالي أراك مهموماً؟ قال: يا رسول الله! ابنتي تريد أن تعمل عملية وليس معي نقود، قال: قم فانهض إلى فلان وقل له: إن الرسول ﷺ يأمرك أن تعطيني كذا -بنفس الرقم المطلوب- وهو لا يعرف هذا الرجل، فذهب لصلاة الفجر، وسمع الناس يقولون: لماذا فلان لم يأت ليصلي معنا؟ قال: ربما يكون مريضاً -وذكروا نفس الاسم الذي أخبر به الرسول ﷺ في منامه، قال لهم: يا إخوة! أين أجد هذا الرجل؟ قالوا: هو رجل عنده ضياع وأنعام، ولكن يحتمل أن يكون مريضاً ولم يأت للصلاة، فاذهب وابحث عنه في المكان الفلاني.
فذهب يسأل عنه، فقالوا: هو القادم بهذا الفرس، فقال له: إن الرسول ﷺ يأمرك أن تعطيني كذا، فانتبه الرجل وجرى بالفرس ولف ورجع، وقال: ماذا تقول؟ قال: إن الرسول ﷺ يأمرك أن تعطيني كذا، فجرى بالفرس ودار به سبع دورات وعاد فأخذ باللجام وقال له: إن الرسول ﷺ يأمرك أن تعطيني كذا، قال: كم طلبت أنت؟ قال له: كذا، قال: فاضرب في سبعة، والله لو درت ألف دورة لضربتها في ألف، قال له: لم؟ قال: لقد جاء الرسول ﷺ وأمرني أن أعطيك.
وتعرفون قصة سيدنا علي والتمرات، فهذه أشياء توافق قلوباً مسلمة وليست قاعدة شرعية، ولكن الرؤى الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، اللهم رقق قلوبنا يا رب العالمين! فالرسول ﷺ يخبرهم أنه يقعد على شمال العرش تجاه كفة السيئات، من أجل أن ينظر إلى أمته، فقالوا له: يا رسول الله! تعرفنا نحن؟ قال: (أعرف أمتي بين الأمم غراً محجلين من آثار الوضوء) أي: أعرفهم بوجوههم المنيرة وأعقابهم المنيرة من آثار الوضوء، فالذي لا يصلي ولا يتوضأ حرم نفسه من معرفة الرسول ﷺ له، فبما أنه لا يصلي فكيف يعرفه الرسول؟ بل سيقول له: لا أعرفك.
ثم ينادي الله عند نصب الموازين: (يا آدم قم فابعث بعث النار) أي: أخرج من أولادك أهل الجنة وأهل النار، قال: (فيقوم فيبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فخاف الصحابة من ذلك، فقال: (لا تخافوا إنما أنتم في أهل النار كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، إن معكم من الأمم ما سوف تثقل موازين أهل النار يأجوج ومأجوج واليهود والنصارى) يعني: أن المؤمن يمر على النار، لأنك عندما تخلق يوجد لك مكانان مكان في الجنة ومكان -والعياذ بالله- في النار.
فيقول الملائكة: يا عبد الله! انظر هذا مكانك لو عصيت الله، واذهب هناك في الجنة، ويجعل فداءك من النار يهودياً أو نصرانياً، فاليهودي والنصراني يرث مكانك في النار، ولذلك ربنا سمى أهل الجنة بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم يا رب! فيكون العبد المؤمن ميراثه في الجنة ونعم الميراث، فميراثه جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤].
قال: (يا آدم قم فابعث بعث النار) إذاً: لم أنت يا رسول الله! قاعد على يسار العرش أمام كفة السيئات، وأمام جهنم من أجل أن الذي تخف حسناته تقوم فتشفع له عند ربه.
قال رسول الله ﷺ : (كيما أرى الذاهبين من أمتي إلى النار فأشفع لهم عند ربي).
стр. 246
مسألة رؤية الله يوم الحساب أمام الميزان
روي في الكتب الصحيحة في مسألة هل نرى ربنا يوم الحساب وأمام الميزان أحاديث كثيرة.
روى أبو الليث السمرقندي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان يوم القيامة، مثل لكل قوم ما يعبدون في الدنيا) يعني: الذين كانوا يعبدون المسيح يمثل لهم صورة للعذراء والمسيح، والذين كانوا يعبدون البقرة في الهند يمثل لهم صورة بقرة، فالبقرة تمشي في شارع من شوارع الهند وتنام عند إشارة المرور فيتعطل المرور ويقولون: إن ربكم قد نام في الطريق فممنوع الحركة حتى يستيقظ، وعندهم أن البقرة ممنوع ذبحها، ومن ذبحها يكون كافراً، ونعم الكافر الذي يذبح البقرة! ومنهم الذي يعبد التماثيل، والذي يعبد الكواكب، والذي يعبد النجوم، والذي يعبد الشيطان، والذي يعبد الزوجة، والذي يعبد المال، والذي يعبد الجاه، فهناك أناس كثر يعبدون الجاه، إذ يلتصق بالكرسي من هنا ولا يتركه أبداً سبحانك رب العباد.
فكل الذين يعبدون شيئاً من دون الله يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدونه فيقال: (اذهبوا إلى ما كنتم تعبدون في الدنيا، فيبقى أهل التوحيد).
اللهم اجعلنا منهم يا رب! اللهم إن أحييتنا فأحينا على التوحيد، وإن أمتنا فأمتنا على التوحيد، واحشرنا في زمرة الموحدين يوم القيامة.
قال: (فيقال لهم: لم انتظرتم وقد ذهب الناس؟ يقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره، فيقولون: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ يقولون: نعم، وكيف تعرفونه؟ يقولون: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله فيخرون له سجداً، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر)، أتعرف القرن الذي للبقر؟ فإنه لا ينحني، فالذين كانوا لا يصلون في الدنيا يريدون السجود فلا يستطيعون، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فانظر إلى القرآن من أجل أن تقرأ وأنت منتبه، فقد كان هذا لا يصلي في الدنيا ويأتي يوم القيامة ولا يستطيع السجود، أما الموحد عندما يرى وجه رب العباد يخر لله ساجداً، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٨] قال: (فيقول تعالى: عبادي! ارفعوا روسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار).
أي: كل واحد منكم وضعنا مكانه واحداً من اليهود والنصارى.
قال أبو بردة راوي الحديث: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: آلله الذي لا إله إلا هو هذا حديث صحيح؟ قلت: نعم، فـ عمر بن عبد العزيز ﵀ لم يعلم بهذا الحديث من قبل، قال أبو بردة: فحلفت له ثلاثة أيمان أن هذا حديث صحيح، فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] فالكشف عن ساق: هو رؤية وجه رب العالمين .
وقد قال رسول الله ﷺ : (هل تضامون في رؤية الشمس؟) هذا الرسول ﷺ يسأل الصحابة ثم يقول: (سوف ترون وجه ربكم هكذا) ولذلك عندما يرى العبد وجه ربه يزول عنه تعب الدنيا وتعب الآخرة، ولا يبقى له هم إلا أن يتملى بوجه ربه بكرة وعشيا، وهؤلاء هم أسعد الأقوام يوم القيامة.
اللهم احشرنا في زمرتهم وآمنا يوم الروع يا رب العالمين!
стр. 247
الأعمال يوم القيامة
لو أنك جئت بمثقال ذرة من حسنة فسوف تراه في ميزان الحسنات، وهلك رجل يوم القيامة؛ لأنه قال مرة في الدنيا لأبيه: أف.
قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
وهكذا العبد، من لم يدع لأبيه أو أمه خمس مرات عقب كل صلاة فقد عقهما حيين كانا أم ميتين؛ لأن عقوق الوالدين مرتبط بالشرك بالله، وعبادة الله وحده مقترنة ببر الوالدين، فإذا كان أبوك وأمك على قيد الحياة أو قد غيبهما الثرى فعليك أن تدعو لهما عقب كل صلاة خمس مرات على الأقل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤].
والأب والأم على باب الجنة لن يدخل أحد إلا برضاهما، ولن يدخل بار النار مهما صنع من أبواب الشر، ولن يدخل الجنة عاق مهما فعل من أبواب الخير.
ثم بعد ذلك الزوج، قال رسول الله ﷺ : (من باتت وزوجها غاضب عليها فلن تشم رائحة الجنة) وفي رواية: (باتت الملائكة تلعنها حتى الصباح) ويا ويل التي تلعنها الملائكة.
وكان الصحابي عندما يزوج ابنته يقول كما قال عمر بن الخطاب لابنته: هذا جنتك أو نارك يا ابنتي! إن أطعته دخلت الجنة، وإن عصيته دخلت النار، وهذا الكلام يوجه لأبنائنا ولزوجاتنا ولإخواننا.
اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم قنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم قنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت يا ربنا وتعاليت.
لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثقل موازيننا يوم القيامة، اللهم ثقل موازيننا يوم القيامة، اللهم ألهمنا صوابنا وحجتنا يوم القيامة، وثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 248
سلسلة الدار الآخرة_الشفاعة
الشفاعة من النعم العظيمة على العباد، فكم رحم بها من أناس، فأدخلوا الجنة وعصموا من النار أو رفعت درجاتهم بها إلى أعالي الجنان، أو خفف عنهم العذاب في النيران.
والشفاعة للنبي ﷺ أولاً، ثم للأولياء والصلحاء والشهداء، وهي أولاً وآخراً لمن أذن له رب الأرض والسماء.
стр. 249
مفسدات القلوب
стр. 250
ركوب بحر التمني
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الرابعة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، أو عن مشاهد يوم القيامة، وهذه الحلقة -إن شاء الله- فيها شيء من التيسير والأمل في مشاهد يوم القيامة، ونحن جمعياً في حاجة لذلك، أي: إلى حديث يتسم بالرحمة عسى رب العباد أن يرحمنا وإياكم في الدنيا والآخرة.
إن القلوب قد كلت من عناء الدنيا وما فيها، وإن الصدور قد ضاقت بأهل الباطل، وإن المسلم يصبح ساعياً في هذه الحياة ما بين هؤلاء وهؤلاء ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]، فاللهم ارحمنا فيمن رحمتهم يا أرحم الراحمين.
إن قلب الإنسان له أمور تصلحه وأمور تفسده، والأمر الوحيد الذي يصلح القلب هو ذكر الله ، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فاللهم اجعل قلوبنا من المطمئنة بذكرك يا رب العالمين.
القلوب تفسد كما يفسد الجسد، والروافد أو المصادر التي تجعل الفساد يسرع إلى القلوب خمسة.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تقنع، إنك يا ربنا على كل شيء قدير.
العلم إن لم ينتفع الإنسان به فسوف يصير حجة عليه لا له، اللهم اجعل كل علمنا حجة لنا لا علينا يا رب العالمين.
فالحاصل: أن مفسدات القلوب خمسة: أولها: ركوب بحر التمني.
إن المنى رأس مال المفاليس كما قال الحكماء، رجل لا يصلي ويقول: ربنا غفور رحيم، أو آخر عريان في الشارع، ويقول كذلك: ربنا غفور رحيم، وآخر يسعى في خراب بيوت الله ويقول: الله غفور رحيم، فهؤلاء يركبون بحر التمني، وإن قوماً غرتهم الأماني ويقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
فالقضية ليست إحسان ظن نظري، بل إحسان ظن عملي، ومثاله: أن تقصدني في مائة مسألة وما رددت لك مسألة منها، وأنا لي مصلحة عندك، فيكون عندي حسن ظن فيك لسابقة أعمالي معك، ولو أسأت الظن بك لكنت غير عاقل، والعكس بالعكس.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أمرك بأوامر ونهاك عن نواه، فوجدك عند الأمر مفقوداً وعند النهي موجوداً، ثم تدعي إحسان الظن بالله! على أي أساس تحسن بالله الظن؟ إن أردت أن تحسن الظن بالله فلابد لك من سابقة أعمال، لما دعا سيدنا زكريا ربه: ما كنت بدعائك رب شقياً أي: ما شقيت أبداً عندما كنت أدعوك، فله سابقة أعمال طيبة.
إذاً طالما أن العبد قد قدم خيراً فليحسن الظن بالله تعالى، أما لو أمرت ابنك بأمر لا يسمع كلامك، فنقول له: يا ولد اعمل كذا، يقول لك: لا، وتقول له: لا تذهب المكان الفلاني، فيذهب ويضيع وقته، هذا الولد لو أن له طلباً عندك فلا يمكن أن تحققه، ولو أنه عاقل لما أحسن الظن بك ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] وإن قوماً غرتهم الأماني يقولون: نحسن الظن بالله، والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
إذاً: فأول منبع من منابع فساد القلوب: ركوب بحر التمني.
следующие страницы →