Полный текст (549 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مسألة رؤية الله يوم الحساب أمام الميزان
روي في الكتب الصحيحة في مسألة هل نرى ربنا يوم الحساب وأمام الميزان أحاديث كثيرة.
روى أبو الليث السمرقندي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان يوم القيامة، مثل لكل قوم ما يعبدون في الدنيا) يعني: الذين كانوا يعبدون المسيح يمثل لهم صورة للعذراء والمسيح، والذين كانوا يعبدون البقرة في الهند يمثل لهم صورة بقرة، فالبقرة تمشي في شارع من شوارع الهند وتنام عند إشارة المرور فيتعطل المرور ويقولون: إن ربكم قد نام في الطريق فممنوع الحركة حتى يستيقظ، وعندهم أن البقرة ممنوع ذبحها، ومن ذبحها يكون كافراً، ونعم الكافر الذي يذبح البقرة! ومنهم الذي يعبد التماثيل، والذي يعبد الكواكب، والذي يعبد النجوم، والذي يعبد الشيطان، والذي يعبد الزوجة، والذي يعبد المال، والذي يعبد الجاه، فهناك أناس كثر يعبدون الجاه، إذ يلتصق بالكرسي من هنا ولا يتركه أبداً سبحانك رب العباد.
فكل الذين يعبدون شيئاً من دون الله يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدونه فيقال: (اذهبوا إلى ما كنتم تعبدون في الدنيا، فيبقى أهل التوحيد).
اللهم اجعلنا منهم يا رب! اللهم إن أحييتنا فأحينا على التوحيد، وإن أمتنا فأمتنا على التوحيد، واحشرنا في زمرة الموحدين يوم القيامة.
قال: (فيقال لهم: لم انتظرتم وقد ذهب الناس؟ يقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره، فيقولون: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ يقولون: نعم، وكيف تعرفونه؟ يقولون: إنه لا شبيه له، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله فيخرون له سجداً، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر)، أتعرف القرن الذي للبقر؟ فإنه لا ينحني، فالذين كانوا لا يصلون في الدنيا يريدون السجود فلا يستطيعون، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فانظر إلى القرآن من أجل أن تقرأ وأنت منتبه، فقد كان هذا لا يصلي في الدنيا ويأتي يوم القيامة ولا يستطيع السجود، أما الموحد عندما يرى وجه رب العباد يخر لله ساجداً، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء:١٠٨] قال: (فيقول تعالى: عبادي! ارفعوا روسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار).
أي: كل واحد منكم وضعنا مكانه واحداً من اليهود والنصارى.
قال أبو بردة راوي الحديث: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: آلله الذي لا إله إلا هو هذا حديث صحيح؟ قلت: نعم، فـ عمر بن عبد العزيز ﵀ لم يعلم بهذا الحديث من قبل، قال أبو بردة: فحلفت له ثلاثة أيمان أن هذا حديث صحيح، فقال عمر: ما سمعت من أهل التوحيد حديثاً هو أحب إلي من هذا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] فالكشف عن ساق: هو رؤية وجه رب العالمين .
وقد قال رسول الله ﷺ : (هل تضامون في رؤية الشمس؟) هذا الرسول ﷺ يسأل الصحابة ثم يقول: (سوف ترون وجه ربكم هكذا) ولذلك عندما يرى العبد وجه ربه يزول عنه تعب الدنيا وتعب الآخرة، ولا يبقى له هم إلا أن يتملى بوجه ربه بكرة وعشيا، وهؤلاء هم أسعد الأقوام يوم القيامة.
اللهم احشرنا في زمرتهم وآمنا يوم الروع يا رب العالمين!
стр. 247
الأعمال يوم القيامة
لو أنك جئت بمثقال ذرة من حسنة فسوف تراه في ميزان الحسنات، وهلك رجل يوم القيامة؛ لأنه قال مرة في الدنيا لأبيه: أف.
قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
وهكذا العبد، من لم يدع لأبيه أو أمه خمس مرات عقب كل صلاة فقد عقهما حيين كانا أم ميتين؛ لأن عقوق الوالدين مرتبط بالشرك بالله، وعبادة الله وحده مقترنة ببر الوالدين، فإذا كان أبوك وأمك على قيد الحياة أو قد غيبهما الثرى فعليك أن تدعو لهما عقب كل صلاة خمس مرات على الأقل، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤].
والأب والأم على باب الجنة لن يدخل أحد إلا برضاهما، ولن يدخل بار النار مهما صنع من أبواب الشر، ولن يدخل الجنة عاق مهما فعل من أبواب الخير.
ثم بعد ذلك الزوج، قال رسول الله ﷺ : (من باتت وزوجها غاضب عليها فلن تشم رائحة الجنة) وفي رواية: (باتت الملائكة تلعنها حتى الصباح) ويا ويل التي تلعنها الملائكة.
وكان الصحابي عندما يزوج ابنته يقول كما قال عمر بن الخطاب لابنته: هذا جنتك أو نارك يا ابنتي! إن أطعته دخلت الجنة، وإن عصيته دخلت النار، وهذا الكلام يوجه لأبنائنا ولزوجاتنا ولإخواننا.
اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم قنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم قنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت يا ربنا وتعاليت.
لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثقل موازيننا يوم القيامة، اللهم ثقل موازيننا يوم القيامة، اللهم ألهمنا صوابنا وحجتنا يوم القيامة، وثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 248
سلسلة الدار الآخرة_الشفاعة
الشفاعة من النعم العظيمة على العباد، فكم رحم بها من أناس، فأدخلوا الجنة وعصموا من النار أو رفعت درجاتهم بها إلى أعالي الجنان، أو خفف عنهم العذاب في النيران.
والشفاعة للنبي ﷺ أولاً، ثم للأولياء والصلحاء والشهداء، وهي أولاً وآخراً لمن أذن له رب الأرض والسماء.
стр. 249
مفسدات القلوب
стр. 250
ركوب بحر التمني
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الرابعة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، أو عن مشاهد يوم القيامة، وهذه الحلقة -إن شاء الله- فيها شيء من التيسير والأمل في مشاهد يوم القيامة، ونحن جمعياً في حاجة لذلك، أي: إلى حديث يتسم بالرحمة عسى رب العباد أن يرحمنا وإياكم في الدنيا والآخرة.
إن القلوب قد كلت من عناء الدنيا وما فيها، وإن الصدور قد ضاقت بأهل الباطل، وإن المسلم يصبح ساعياً في هذه الحياة ما بين هؤلاء وهؤلاء ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]، فاللهم ارحمنا فيمن رحمتهم يا أرحم الراحمين.
إن قلب الإنسان له أمور تصلحه وأمور تفسده، والأمر الوحيد الذي يصلح القلب هو ذكر الله ، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فاللهم اجعل قلوبنا من المطمئنة بذكرك يا رب العالمين.
القلوب تفسد كما يفسد الجسد، والروافد أو المصادر التي تجعل الفساد يسرع إلى القلوب خمسة.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تقنع، إنك يا ربنا على كل شيء قدير.
العلم إن لم ينتفع الإنسان به فسوف يصير حجة عليه لا له، اللهم اجعل كل علمنا حجة لنا لا علينا يا رب العالمين.
فالحاصل: أن مفسدات القلوب خمسة: أولها: ركوب بحر التمني.
إن المنى رأس مال المفاليس كما قال الحكماء، رجل لا يصلي ويقول: ربنا غفور رحيم، أو آخر عريان في الشارع، ويقول كذلك: ربنا غفور رحيم، وآخر يسعى في خراب بيوت الله ويقول: الله غفور رحيم، فهؤلاء يركبون بحر التمني، وإن قوماً غرتهم الأماني ويقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
فالقضية ليست إحسان ظن نظري، بل إحسان ظن عملي، ومثاله: أن تقصدني في مائة مسألة وما رددت لك مسألة منها، وأنا لي مصلحة عندك، فيكون عندي حسن ظن فيك لسابقة أعمالي معك، ولو أسأت الظن بك لكنت غير عاقل، والعكس بالعكس.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] أمرك بأوامر ونهاك عن نواه، فوجدك عند الأمر مفقوداً وعند النهي موجوداً، ثم تدعي إحسان الظن بالله! على أي أساس تحسن بالله الظن؟ إن أردت أن تحسن الظن بالله فلابد لك من سابقة أعمال، لما دعا سيدنا زكريا ربه: ما كنت بدعائك رب شقياً أي: ما شقيت أبداً عندما كنت أدعوك، فله سابقة أعمال طيبة.
إذاً طالما أن العبد قد قدم خيراً فليحسن الظن بالله تعالى، أما لو أمرت ابنك بأمر لا يسمع كلامك، فنقول له: يا ولد اعمل كذا، يقول لك: لا، وتقول له: لا تذهب المكان الفلاني، فيذهب ويضيع وقته، هذا الولد لو أن له طلباً عندك فلا يمكن أن تحققه، ولو أنه عاقل لما أحسن الظن بك ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] وإن قوماً غرتهم الأماني يقولون: نحسن الظن بالله، والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
إذاً: فأول منبع من منابع فساد القلوب: ركوب بحر التمني.
стр. 251
كثرة الخلطة
وثانيها: الاختلاط.
مثل الاختلاط بين الرجال والنساء، والاختلاط مع الناس، وفي الأثر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
يعني: إن أردت أن تحب أحداً فلا تعطه مقاليد أمورك كلها؛ لاحتمال انقلابه عليك، فلربما انقلب الصديق فكان أعرف بالمضرة، وكثرة المحبة المفضية إلى كثرة التردد والزيارات تؤدي إلى تضايق الصديق من صديقه، وتذمره منه، بخلاف من يزور غباً، ولو كانت الشمس تطلع ليل نهار لتأذي الناس منها، لكنها تغيب ويجيء الليل، ونشتاق إلى شروقها لكي نسعى في مصالحنا، مصالح الدنيا والآخرة.
ومعنى: أبغض عدوك هوناً ما، أي: إن تكره أحداً فلا تقطع كل حبال الوصل به؛ لاحتمال أن يرجع إليك، فبأي وجه تقابله؟ وقد جاء في قصة سيدنا سهل بن عبد الله التستري وهو خارج في رحلة العلم، أنه خرج عليه بعض اللصوص فأخذوا ما معه وما مع أصحابه، فكان من ضمن ذلك الطعام، فنظر سهل إلى اللصوص فوجدهم كلهم يأكلون الأكل الذي اغتصبوه، ما عدا شيخ اللصوص، أي: كبيرهم، فقال له سهل: ما لك لم تأكل؟ قال له: هذا هو يوم الخميس وأنا صائم!! فقال له سهل: عجباً لص ويصوم! فقال اللص: يا سهل: لا أغلق كل الأبواب فيما بيني وبينه؛ أترك بيني وبينه باباً عسى أن أدخل عليه يوماً.
قال سهل: بعد ثلاث سنوات رأيت الرجل يطوف حول الكعبة ويبكي، فقال له: أنت ذلك اللص؟ قال له: نعم أنا، أما علمت يا سهل أن من ترك بينه وبينه باباً دخل عليه يوماً!! فأنت حين تخالط الناس لا تخالطهم على حساب دينك، ولكن خالطهم بالحسنى، وأول ما يضر ذلك بالدين فتوقف، إذاً: فالمنبع الثاني لفساد القلوب: الاختلاط مع الناس، والاختلاط مع الناس فيه خير وشر، فمن الشر الغيبة والنميمة والخوض في الأعراض، ونحو ذلك، والخير ما فيه مدارسة للعلم ونحوه، وهناك مجالس يباح الجلوس فيها ولا تسلم من اللغو فعندما تقوم فيها تأتي بكفارة المجلس، والمهم أن من واجب الناس أن يتوبوا، لكن ترك الذنوب أوجب.
стр. 252
كثرة الأكل
وثالثها: كثرة الأكل.
يأكل حتى لا يقدر أن يقوم، والمسلم يقوم عن الطعام وما زالت له رغبة فيه، والشاعر الحكيم العربي قال: إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء إذا رأت الكلاب ولغن فيه يعني: عندما يجيء الكلب فيشرب من بئر، فإن الأسد لا يشرب من البئر التي شرب منها الكلب؛ لأن الأسد ملك الغابة، فلا يشرب من مكان شرب الكلب بل سيدنا علي قال لـ كميل: يا كميل! أتحب الدنيا؟! قال: لا والله يا أمير المؤمنين! أنا أحب الحق والله هو الحق المبين، فمن أحب الحق كره الدنيا؛ لأن الدنيا هي الباطل، فأعجب سيدنا علي بإجابة تلميذه قال له: يا كميل! إن أحببت الدنيا فإنما هي جيفة، وطلابها كلاب، فإن أحببت أن تكون كلباً فكن.
إذاً: فكثرة الطعام يجعل صاحبه فقيراً يوم القيامة.
стр. 253
كثرة النوم
وكثرة الأكل تؤدي إلى كثرة النوم.
فهذه أربع منابع للفساد أولها: ركوب بحر التمني.
وثانيها: الاختلاط بالناس.
وثالثها: كثرة الطعام.
ورابعها: كثرة النوم.
وهذه تبع لما قبلها، فإن تأكل كثيراً فستنام كثيراً، وستندم كثيراً، وإن تأكل قليلاً، فستنام قليلاً، وسنفرح كثيراً، والفرحة الحقيقية هي التي عند الله ، اللهم اجعلنا من الفرحين في الآخرة يا رب العالمين، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] أي: الذين هم في الدنيا.
стр. 254
قلة حضور مجالس العلم
وخامسها: قلة حضور مجالس العلم؛ لأن هذا هو البنزين الذي يحرك السيارة، والشحنة التي تشحن بها البطارية، فإن تبعد عن درس العلم تضعف البطارية.
стр. 255
أنواع الشفاعة
موضوع الشفاعة -على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات من رب الأرض والسموات- موضوع يسعدنا جميعاً.
والشفاعة ننظر إليها من خمس زوايا، على ما يلي:
стр. 256
الشفاعة العامة
الشفاعة الأولى: الشفاعة العامة لرسول الله ﷺ ببدء الحساب.
أي: من أجل أن يبدأ الحساب، وهذه الشفاعة العامة التي تحدثنا عنها قبل ذلك، وفيها يذهب الخلق إلى آدم فيقول: لست لها، وكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى كلهم يقولون: لست لها، ثم يذهبون إلى محمد صلى عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها.
فهذه شفاعة عامة، ونتيجتها قبولها في بدء الحساب أمام رب الأرباب.
стр. 257
الشفاعة لمن خفت موازينهم
الشفاعة الثانية: هي شفاعته ﷺ فيمن خفت موازينه.
стр. 258
الشفاعة لمن ركب بهم على الصراط
الشفاعة الثالثة: هي لقوم من أمته ﷺ لم يأذن الله له أن يشفع لهم عند الميزان، فأخذتهم الملائكة، فبينما هم يعبرون الصراط وكادوا أن يكبوا في النار يشفع فيهم النبي ﷺ فيدخلون الجنة.
стр. 259
الشفاعة لمن سيمنع من الشرب من الحوض
الشفاعة الرابعة: لمن يمنع من الشرب من الحوض يوم القيامة، اللهم اسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
الحوض عرضه كما بين صنعاء اليمن وبصرى، وأما طوله فلا يعلمه إلا الله، ومن شرب منه لابد أن يدخل الجنة، لأن الذي يشرب شربة من حوض الكوثر لا يطلب الماء بعد ذلك، وعدد الأكواب لهذا الحوض كعدد نجوم السماء، وكم نجم في السماء؟ لا يعلمه إلا الله، والرسول هو السقاء على الحوض، وتخيل أنك دخلت على رئيس مجلس الإدارة للشركة التي تعمل فيها، فأول ما دخلت استقبلك بكوب فيه شراب قائلاً لك: تفضل، ثم أخذ بيدك وتعامل معك بأحسن الأخلاق، فما شعورك حينئذٍ؟ فكيف شعورك إذاً عندما يسقيك النبي ﷺ من حوض الكوثر؟ قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤]، فأول ما يشرب من هذا الحوض ينور وجهه، وهذا من أهل الجنة، وأول شربة تدخل معدتك من حوض الكوثر تنزع الغل والحقد والحسد منك، فتدخل إلى الجنة ملائكياً لا نوازع شر عندك، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، اللهم اجعلنا منهم يا رب.
стр. 260
الشفاعة لأصحاب الكبائر أن يخرجوا من النار
الشفاعة الخامسة: شفاعته لمن ارتكب كبائر ولم يتب منها وأدخل إلى النار أن يخرج منها.
فهذه خمسة أنواع للشفاعة التي لسيدنا رسول الله ﷺ .
وهناك شفاعات أخرى للعلماء والشهداء والصالحين، فاللهم شفع فينا نبينا والصالحين والعلماء يوم القيامة يا رب العالمين.
стр. 261
أدلة أنواع الشفاعة
أما الشفاعة الأولى فقد تحدثنا عنها طويلاً في حلقات سابقة.
وأما الشفاعة الثانية فيحكي أنس عن رسول الله ﷺ قائلاً: (وضع أمام الرسول ﷺ لحم، فنهش منه نهشة، ثم نظر وقال: أنا سيد ولد آدم في الآخرة ولا فخر.
وأنا أول من يفتح له القبر يوم القيامة، وأنا أول شافع، وأنا أول من تفتح له أبواب الجنة يوم القيامة، يقول خازن الجنة: يا محمد! لم يؤذن أن أفتح أبواب الجنة لأحد قبلك) أي: أن النبي أول الداخلين، اللهم احشرنا في زمرته يا رب.
ثم قال: (ويؤتى بأقوام من أمتي يوم القيامة كانت لهم كبائر في الدنيا ما تابوا منها؛ فيؤخذ بهم إلى النار، فلا يؤذن لي في الشفاعة) يعني: الرسول هنا لم يؤذن له أن يشفع في هؤلاء الذين لهم كبائر ما تابوا منها، وكأن الله يعرف نبيه من الذي تقبل شفاعته فيه ومن الذي لا تقبل.
والطالب في الجامعة أو المدرسة تكون درجة النجاح من خمسين، وقد أتي بسبعة أو ثمانية وأربعين، فهناك شيء اسمه درجة الرأفة، فيعطى درجتين، وطالب آخر أتى (١%)، فلا يستحق أن يعطى تسعاً وأربعين درجة لينجح.
وأمر الآخرة مقارب لهذا، وهذا أمر غيبي لا نستطيع الاجتهاد فيه، لكن عندنا نصوص نعيش في إطارها، وإنما نقرب بالأمثلة، ولذلك قال الحبيب ﷺ : (يا بني هاشم! لا يأتيني الناس يوم القيامة بحسناتهم وتأتوني أنتم بمظالم الناس على ظهوركم، تقولون: أدركنا يا محمد! فأقول ما قاله العبد الصالح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨])، يعني: يوم القيامة ما مع فاطمة والحسن والحسين إلا أعمالهم، وهم قد علموا ذلك، وكان بإمكان أحدهم أن يقول للرسول: ادع لي، فيدعو له وانتهت المسألة، لكن قال لذلك الصحابي: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وكذا سائر الأعمال، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨].
ولذا يريد منا الحبيب المصطفى ﷺ أن نبيض وجهه يوم القيامة، يؤتى بأناس يوم القيامة يذهبون للرسول ليشفع لهم، فيقول: أنا لا أعرفكم، فيقولون: يا رسول الله! نحن من أمتك، وهو يقول: لا أعرفكم؛ لأنهم كانوا لا يصلون عليه في الدنيا، ولا يطبقون سنته بل رموها، ومن واظب على ترك سنن رسول الله ﷺ عوتب من الرسول يوم القيامة عتاباً يسقط له لحم وجهه ثم تريد أن يشفع الرسول فيك فكيف ذلك؟ لكن لو كنت تقدم خيراً حتى تدخل الجنة ولو بالرأفة.
стр. 262
أشد أهل النار عذاباً وأخفهم
ويقول ﷺ : (ذهب أناس من أهل الكبائر ما تابوا منها من أمتي إلى النار، فيقول -أي: الله تعالى-: يا مالك أدخلهم إلى جهنم) فيدخلهم في الدرك الأول من النار والعياذ بالله، والنار سبع دركات، كل دركة أشد من التي فوقها سبعين ضعفاً، يعني: كلما نزلت دركات اشتد العذاب، واضرب سبعين في سبعين لتعرف مضاعفة العذاب لأصحاب الدرك الأسفل من النار، وهي تصل إلى أربعمائة وتسعين مرة.
وأخف أهل جهنم عذاباً هو أبو طالب، وهذا ويقال: إن الشفاعة السادسة لرسول الله ﷺ هي لعمه أبي طالب، وقد أتاه سيدنا الحبيب في مرض موته وجلس عند رأسه، وفي الناحية الثانية أبو لهب وهو أخ لـ أبي طالب وعم رسول الله، وأبو لهب بجوار أبي جهل، والرسول خائف على عمه فوقف بجنبه فقال له: (يا عم! قلها أشفع لك بها عند ربي) أي: قل فقط: لا إله إلا الله، حتى أقف أمام الله أقول: يا رب قال: لا إله إلا الله ونصر دين الإسلام، فيأتي أبو لهب ويقول: يا شيخ قريش! ويا كبيرها! تقول قريش والعرب: صبأ أبو طالب وهو يموت، فالشيطان أيضاً جالس في هذا المكان، اللهم إنا نعوذ بك من فتنة المحيا والممات يا رب العالمين! فنظر أبو طالب إلى كلام أبي لهب على أنه صحيح، فماذا سيقول الناس عني في آخر أيامي: صبأ عن دينه، ويكرر عليه النبي ﷺ : (يا عم قلها) أي: قل فقط: لا إله إلا الله، وأبو لهب وأبو جهل يحذرانه، انتبه يا أبا طالب أن تقولها، حتى لا يقول عليك كذا وكذا، فمات من غير أن يقول: لا إله إلا الله، وبكى الرسول عليه بكاءً مراً، وخفف القرآن من وجده بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
وبقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أي: لا تهلك نفسك يا محمد أسفاً وألماً عليهم، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣].
وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٦].
فذهب العباس ودفن أبا طالب، ورجع فبكى على أخيه، وقد قال للنبي ﷺ : (يا ابن أخي! ألا تشفع عند ربك لعمك أبي طالب؟ وقف جنبك فقال النبي ﷺ : لقد دعوت الله له يا عماه.
فقال له: وماذا أعطاك؟ قال: شفعني فيه فخفف عنه حتى يكون في ضحضاح من نار يلبس نعلين من نار يغلي منهما دماغه، وهو أخف أهل النار عذاباً يوم القيامة).
عجبت للجنة كيف نام طالبها، وعجبت للنار كيف نام راهبها، ونشاهد أن من أراد الجنة نائم، ومن خاف من النار نائم كذلك، وقد قال النبي ﷺ : (ألا من مشمر للجنة؟ ألا من مشمر للجنة؟) وقال: (ألا إن من خاف أدلج) ومعنى: أدلج أي: سار ليلاً، ثم قال: (ومن أدلج فقد بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) هذا كلام رسول الله، وسلعة ربنا حقاً غالية جداً، لأنه اشترى منا أنفسنا وأموالنا وأعطانا الثمن في قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، اللهم اجعلنا من الفائزين في هذا اليوم يا رب العالمين.
стр. 263
حال أهل الكبائر في النار
قال النبي ﷺ : (يؤخذ بأهل الكبائر الذين لم يتوبوا في الدنيا إلى النار، فيقال: يا مالك أدخلهم إلى جهنم)، فعندما يرى العصاة من أهل التوحيد ممن كانوا مقيمين على كبائر، كالسرقة أو الزنا، أو شرب الخمر، وما إلى ذلك من الكبائر يهللون، قال النبي ﷺ : (فعندما يرى أهل التوحيد النار -والعياذ بالله- يهللون) أي: يقولون: لا إله إلا الله.
(فترتد عنهم جهنم) وهذا عندما تسمع كلمة التوحيد، فترجع إلى الوراء، (يقول القدير سبحانه: يا مالك! أدخلهم النار، فيأخذهم كل واحد منهم سائق وشهيد) هذا بيد وهذا بالأخرى، وأنواع العذاب أربعة وستون نوعاً في النار وهذا سيأتي معنا ضمن حلقات النار، وسنعرف لمن هذه الأنواع من العذاب التي وردت في كتاب الله سبحانه وفي سنة الحبيب المصطفى ﷺ ، وكل هذا موضح في الكتاب العزيز.
فنسأله تعالى أن يبعدنا وإياكم عن نار جهنم.
ثم قال النبي ﷺ : (فتأتي النار لتحرق القلوب)، يعني: لتحرق الأفئدة، وهناك نوع من العذاب يتسلط على القلب فقط، فمن كان حسوداً وحقوداً في الدنيا، فهذا عذابه؛ لأن الحسد والحقد مكانهما القلب.
وهنا تقول خزنة جهنم: (يا جهنم! أتحرقين قلباً فيه لا إله إلا الله؟! أتحرقين لساناً قرأ القرآن مرة؟!)، اللهم اجعلنا من أهل القرآن، ومن العاملين به، ومن الذين يرتقون في الجنة بالقرآن يا رب العالمين.
إذاً: فتأتي النار ناحية الوجه، ويقول الخزنة: (يا نار! أتحرقين أذناً كانت تسمع كلام الله مرة؟)، وتجيء ناحية اليد فتقول الخزنة: (يا نار! أتحرقين يداً كانت تمتد بالصدقات وبالزكاة؟)، وتجيء ناجية الرجل، فتقول الخزنة: (أتحرقين أقداماً كانت تسير إلى بيت الله؟ فمنهم -أي: فمن عمل الكبائر- من يقضي في نار جهنم ساعة -الساعة هذه الله أعلم بوقتها- ومنهم من يقضي فيها جمعة -أي: أسبوعاً- وفيهم من يقضي جمعة، وفيهم من يقضي فيها شهراً، وفيها من يقضي سنة).
اليوم عند الله يوم القيامة بخمسين ألف سنة، وأكثر عذاب أهل النار عذاباً من أهل التوحيد من يمكث فيها كعمر الدنيا، وعمر الدنيا يعني: من ساعة ما خلق أبونا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكثير من الناس يستهين بعذابها ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] وبعضهم يقول: هذه بسيطة وليست مشكلة، كيف ليست مشكلة؟ القضية خطيرة.
إذاً: الشفاعة الثانية لرسول الله ﷺ بعد الشفاعة العامة: هي الشفاعة لمن خف ميزانه.
النوع الثالث من الشفاعة: الشفاعة في الذاهبين إلى جهنم، وسوف نأتي إلى حلقات النار والعياذ بالله وسنطرق قبلها حلقات الجنة.
стр. 264
تفاوت الناس في الإيمان
إذاً: فالنوع الثالث من الشفاعة: الشفاعة في أناس يؤخذ بهم إلى النار، فينهض الحبيب حتى يشفع، وفي مواقف معينة لا ينهض فيها الحبيب المصطفى للشفاعة، وكل واحد من الناس على قدر إيمانه سيضيء له المكان، فمنهم من يضيء له إيمانه كقدر إبهامه، مثل نور الشمعة، يضيء مرة ويخبو مرة.
ومن كان في الدنيا يحضر درس علم مرة ويترك عشرين مرة، أو يصلي مرة ويترك ثلاثين مرة، يكون له نور بحسبه.
وفيهم من يضيء له إيمانه كضوء المحاق، وهو الهلال أول الشهر أو آخره.
ومنهم من يضيء له إيمانه كضوء البدر ليلة التمام، ومنهم من يضيء له إيمانه كضوء الشمس، ومنهم من تناديهم النار: يا مؤمن! أسرع بالمرور من فوقي، فإن نورك غطى على ناري.
اللهم اجعلنا منهم يا رب.
وكلما زاد النور كلما زادت سرعتك لأنا قلنا: إن المسلم في الدنيا له حالة وهالة، أي: حالة إيمانية وهالة إيمانية لا تراها أنت، يعني: أنت لك حالة إيمانية مع الله تحسها بقلبك.
إذاً فالمسلم له حالة وله هالة، فالحالة ما أنت عليه من الذهاب والمجيء والأكل والشرب، والنوم والصحو، وهذه الحالة تقتضي منك هالة، والهالة تعلو أو تضيء أكثر بشدة الإيمان وتخبو بضعفه، والإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، والمؤمن له علامات: نور في وجهه، واقتناع بما أعطاه ربه، وحينئذٍ يولي الاكتئاب سريعاً وهو ذو ثقة بالله، فلا يخاف من الحبس، ولا يخاف مما يكون في غد، فهذه علامات لأهل الإيمان، أما لو مات وليست فيه هذه العلامات، فإيمانه لا يزال مراهقاً، ولما يبلغ الحلم بعد.
إذاً: المسلم له حالة وله هالة، فالحالة تصرفاته في الدنيا، ونجيء للهالة التي تعيش معه في القصر، ويوم القيامة على الصراط، وهذه الهالة الإيمانية كلما زادت الطاعة تزيد.
مثلاً: عندما تمشي في الليل على الطريق هل هو مثلما تمشي في النهار؟ لا، عندما تمشي في الليل تجد الطريق ضيقاً، وعندما يخفت النور تصغر الغرفة التي تعيش فيها، وإن جاء النور توسعت الغرفة، وهكذا الحلال والحرام، كالنور والظملة، والحرام دائماً يكون ظلمة وفي الظلمة، انظر مثلاً إلى القطة، تخطف منك قطعة اللحم وتختفي؛ لأنه حرام، فلا تأكلها أمامك، أما لو وضعت لها قطعة لحم فستأكلها بأمن وأمان.
إذاً: فكلما زاد إيمان العبد كلما زادت هالة نوره على الصراط يوم القيامة، وكلما زادت سرعته، فقال ﵊: (فمنهم من يسير سير الدجاجة -يعني: مشيه على الصراط بسرعة الفرخة- ومنهم من يسير سير الكبش، ومنهم من يسير سير الفرس المضمر -أي: فرس السباق- ومنهم من يسير سير الريح، ومنهم من يمر كمر البرق) وربنا يوسع للمؤمن الصراط فيمشي من غير أن يتزحلق، (ثم ينادي الله : يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من الجنة، وهم شركاء الناس في بقية الأبواب)، يعني: الذي ما له حساب من أمة الحبيب لهم باب خاص، وذلك مثل أبي بكر، ومع أبو بكر كما قلنا: الحمادون لله على كل حال، والمظلومون الذين لم يروا يوماً سعيداً في الدنيا، فالكبير يظلمهم والصغير يظلمهم، وامرأته وأولاده ينكدون عليه، وحاله مثل الذي قال: إن حظي كدقيق بين شوك نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه قلت يا قومي دعوه اتركوه اتركوه إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه عندما يقوم الحبيب ﷺ ليشفع يفوح من مجلسه ريح أزكى من ريح المسك، فيفرح المؤمنون ويتثبتون، أما المنحرفون الضالون فيقولون: من يشفع فينا؟ فيقولون: ليس لنا إلا إبليس، فهو الذي أضلنا، إذاً: اذهبوا إلى إبليس، وهذا ثابت في حديث البخاري، فتأتي طائفة منهم إلى إبليس، يقولون: يا إبليس! تعال فاشفع فينا، قال: (فيقوم فتثور منه رائحة خبيثة، فيأتي أمام النار فينحني ليعظمها) وهذا قبل أن يشفع، أول ما جاء جهنم ذهب ساجداً واقفاً، فلا يكون لهم رد إلا ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] ويقول أيضاً: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢].
يعني: ما سلطان إبليس على واحد سكير أو لا يصلي؟ لا سلطان له إلا على الذين يتبعونه، الذين هم به مؤمنون، الذين هم في خطه، بعيدين عن رحمة الله وعن أهل الخير، فالواحد من هؤلاء يأخذه حبيبه إبليس حتى قال أبو نواس: وكنت امرأً من جند إبليس فانتهى بي الحال حتى صار إبليس من جندي
стр. 265
الشفاعاء غير النبي
وهل هناك من يشفع غير رسول الله ﷺ ؟ نعم، الأنبياء على منابر تحت العرش من نور يوم القيامة، وبجانبهم منابر للعلماء العاملين، العالم العامل بعلمه على منابر أقل من منابر الأنبياء، ولهم شفاعة أيضاً، ثم الشهداء، وقراء القرآن العاملون به، والمؤذنون المحتسبون لوجه الله، والمؤذنون هم أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، ويد الله على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وإذا أذن المؤذن لا يسمعه إنس ولا جن ولا شيء من المخلوقات حتى الحيتان في بحارها، والحشرات في هوائها إلا ويشهدون ويستغفرون له يوم القيامة، وكذا يصلون على معلم الناس الخير من أمة محمد، والذي يؤذن ويحتسب أذانه يفرح وينبسط.
إذاً: فهناك يوم القيامة شفاعات غير شفاعات رسول الله ﷺ ، فالعالم العامل يشفع، وكذا الشهداء، ثم الصالحون، ومن الصالح؟ هو كل إنسان في الدنيا يسير على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، أن يشفع في سبعين من أهله وجبت لهم النار، وكل واحد من هؤلاء يشفع على قدر إيمانه، فيشفع المؤمن في الرجل والرجلين، وفي العشيرة والعشيرتين، وفي القبيلة والقبيلتين، فلذلك قال ﷺ : (أكثروا من الأخلاء الصالحين، فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة) يعني: أنت دللت صاحبك على خير كأن قلت: يا فلان! لو تحضر درساً علمياً في المكان الفلاني، ثم تأخذه إليه، ثم تراه وقد سبقك إلى الدرس الجديد والقديم، ثم انقطعت عن الدرس، فيأتي الثاني يوم القيامة الذي انقطع عن الدرس وضحكت عليه الدنيا، وفتن بها، يرى صاحبه الذي واظب على الدرس أخذ به إلى الجنة، وأخوه الذي دله على الخير في النار، فيقول أخوه المسلم المواظب: يا رب! فلان هذا، لقد أخذ بوجهي إلى الخير فشفعني فيه، أي: هذا الرجل دلني على الخير، فخذ بيد أخيك وانتشله من جهنم، ادخلا الاثنان الجنة.
стр. 266
أهمية الرفيق الصالح
وما سار مسلم أو جلس مع مسلم إلا وسألا الله يوم القيامة عن حق هذا عند هذا وعن حق هذا عند ذاك، يعني: أنت جلست مع أخوك جلسة، أو مشيت معه فربنا سيسألك يوم القيامة: أمرته بمعروف؟ نهيته عن منكر؟ كان الأصمعي يمشي فوجد جارية تحمل وعاء فيه رمان، فجاء رجل فأخذ رمانة من الرمان بدون إذن فاستغرب الأصمعي فجاء سائل يسأل، فذهب الرجل الذي خطف الرمانة وأعطاها للسائل، فقال له الأصمعي: ما هذا؟ قال له: أخذتها بسيئة وأعطيتها بعشر حسنات، فلي عند الله تسع.
فقال له: أخذتها حراماً فأنفقتها حراماً، فمن ينفق المال الحرام كمن يغسل الثوب النجس بالبول، فما زادك هذا إلا قرباً من جهنم، وبعداً عن الجنة، ومن الناس من يضع جنيهاً شهادة استثمار ويقول: هذا حلو، كيف لا وقد كسبت خمسين ألفاً ثم يخرج منها عشرة آلاف جنيه لله، ويظن أنه أنفق في سبيل الله تخيل أن ثوبك نجس فغسلته بالبول، هل ينفعه هذا؟ فلا تدخل الجنة بمعاصي الله.
وتجد الطالب في الجامعة مع ثلاث أو أربع بنات حوله، وإن سئل: لماذا تعمل هكذا؟ وهل هن أخواتك؟ فيقول: نعم، إذاً: ماذا تعمل معهن؟ يقول: أنصحهن في الله!! اذهب انصح زملاءك، وما معنى أن النصيحة ما نفعت إلا في الأخوات؟ أما زملاؤك فلا تنفع فيهم، فيقول: وهل أقول شيئاً يا أستاذ؟ سوى أني أنا أقول لها: أعطيني الكشكول، ومصطفى صاحبك لماذا لا ينفع كشكوله؟ يقول لك: لا، الأخت رانيا منسقة! فإلى متى نضحك على أنفسنا؟ فلا بد أن نوصي أبناءنا وبناتنا، فنقول للبنت: تنبهي، سندخلك الجامعة؛ لأن العلم نور، وعندي اقتناع تام بعدم جدوى العلم فيها، وهناك فرق بين الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم:٤٥]، وقال الله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، وكذا قالت أم سيدتنا مريم بنت عمران قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] وهؤلاء يقولون: البنت مثل الرجل، والقرآن يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦].
فنوصي بناتنا أن يتقين الله ويتكلمن مع زميلاتهن، أما الأولاد فيتكلمون مع الأولاد، فبهذا ترتاح الفتاة، وهم يقولون: الرياضة جميلة، وهذه روح رياضية، وفيها من قلة الأدب والسفاهة الشيء الكثير وهؤلاء في عرف الدولة ليسوا متطرفين، إنما من كان في المسجد فهو المتطرف!
стр. 267
من يذادون عن الحوض
نعود للشفاعة، إذاً لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة، وهناك أناس يجيء الرسول ليشفع لهم، فلا يسمح له بالشفاعة؟ قال ﵊: (يذاد أناس -أي: يطرد، ويمنع ويحجب- من أمتي عن الحوض يوم القيامة، فأنهض لأشفع لهم عند ربي، فيقول ربي لي: يا محمد لا تفعل) إذاً هنا لا تنفع الشفاعة، ولا داعي لها، (إنك لا تدري ماذا أحدثوا من بعدك، إنهم رجعوا على أدبارهم القهقرى) أي: رجعوا للوراء، وتركوا الكتاب والسنة، (فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل وغير) فلا يشفع لهم، وتخيل أنت لو وجدت ابنتك تذهب وترقص في الماء أمام الناس، أترضاها؟ لا يرضاها إلا ديوث، وأنت لا ترضى الدياثة، فلا يدخل الجنة ديوث.
وهو من يعرف القبح على أهله ويسكت عليه، كما قال النبي ﷺ .
والقبح هو أن تخرج زوجته عريانة في الشارع، أي: عريانة بعرف الإسلام والعقل المستنير، وهو عرف الشهامة، والكارثة أن تكون بنت بعمر ثماني عشرة سنة وهي كذلك، فمن كان ديوثاً يرضى الدياثة، فلن ينكر، ومعلوم أن العسل إن لم تغطيه فالذباب يدور حوله، فإن كانت زوجتك تمشي بجوارك وهي محترمة تلبس اللباس الشرعي، فلن ينظر أحد إليها، وإن خرجت وزوجتك أو ابنتك عارية، فالأنظار تنصرف إليها، وتكون من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة وتنتشر في الذين آمنوا.
وقد يقال لك: الحجاب حجاب القلب، ونقول: لو احتجب القلب عن المعاصي لاحتجبت الجوارح.
إذاً: فيقول النبي ﷺ : (إنهم رجعوا على أدبارهم القهقرى فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل وغير).
لو دخل النبي مسجداً من المساجد وفيه بدع، فهل يقول ﷺ : إن هذه أمتي؟ لا يمكن ذلك، ومن البدع التي تقع في المساجد ارتفاع الأبواب، وزخرفة المساجد، وما فيها من البدع والمنكرات كثير فلا يقول الرسول: إن هذه هي المساجد، بل إن المساجد في أيامنا قد يدخل فيها الأجانب وهم نجس، ولو اغتسل فلا تزال نجاسة الكفر عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، ويدخل في حكم المسجد الحرام كل المساجد التي يصلى فيها الصلوات الخمس، فلا يجوز أن يدخلها مشرك؛ لأنه نجس، حتى ولو دفعوا ما دفعوا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة:٢٨] أي: فقراً وقلة، لشحة الموارد السياحية ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨].
نعود إلى مسألة الشفاعة، وعلمنا أن شفاعات النبي ﷺ خمس، بإضافة شفاعته في عمه أبي طالب.
ثم تكون شفاعة العلماء العاملين، وشفاعة الشهداء.
стр. 268
دليل ضعف البصيرة
نجمل القضية بعد ذلك بأمر هام حتى لا يتشوش المسلم في موضوع الشفاعة، أنت كما قال لنا أهل العلم: اشتغالك فيما هو لغيرك لا لك، وتقصيرك عما هو مطلوب منك دليل على ضعف البصيرة فيك، وهذه فتنة الناس في هذا الزمان، فالمساجد ليست ممتلئة؛ لأن الناس وراء الدنيا والمشاغل، ولو وقف من الأسبوع ساعة أو ساعتين يحضر فيها درساً في علم من العلوم لأفلح، ولكن الناس يظنون أن هذا صعب وليس كذلك، عندما يبقى رجل الأعمال من الصبح إلى الساعة الثانية عشرة في الليل، ويرجع ينام كالجيفة، لا يعرف حق الله عليه، ثم يقول: إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا السعي، مع أن المجلس الواحد من مجالس العلم يكفر سبعين مجلساً من مجالس السوء، ولو يدري المسلم ما في مجالس العلم من خير لأتى إليها حبواً، ففيم اشتغالك فيما هو مضمون لك مثل مسألة الرزق؟ وقد قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].
فقال الأعرابي وهو أول مرة يسمع الآية، يسأل سيدنا عمر قائلاً: من أغضب الحليم حتى يقسم؟ لأن هذا الأمر لا يحتاج إلى قسم من الله.
فاشتغالك فيما هو مضمون لك، وتقصيرك عما هو مطلوب منك.
ومما هو مطلوب منك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
وليس المعنى: أن نعبده ونترك العمل، بل نعمل بالقدر الذي لا يفضي إلى محرم، وننتقل من الكون إلى المكون، ومن كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، بل نريدك أن تنتقل من الأكوان إلى المكون، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢].
стр. 269
خبر نملة سليمان
الحكومات في الدول المتخلفة تشغل الناس بأمر الرزق، فينشغلون به عن أمر الإسلام، ولك في نملة سليمان الأسوة، وأنا أكررها كثيراً من أجل مسألة العقيدة.
ونملة سليمان في قصتها عبرة، فقد قال لها: يا نملة سمعناك تحذرين إخوتك وتأمرينهم بالدخول في الجحور؟ وذلك في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] فالنملة: تلتمس العذر لسيدنا سليمان، أنه إن مشى عليها فهو من غير قصد، وهذا من الأدب الذي ينبغي أن يتحلى الناس به، فلا حقد فيها عليه، بل قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] يعني: هم سيدوسون عليكم غير منتبهين لكم.
ثم قال لها نبي الله: لماذا تقولين للنمل: ادخلوا مساكنكم؟ قالت: يا نبي الله! خشيت أن يرى النمل عظمتك وعظمة جيشك فتشغل النمل لحظة عن ذكر الله.
تخاف النملة أن ينسى النمل ذكر الله لحظة.
أعجب سيدنا سليمان بها جداً وقال لها: تعالي إذاً يا رئيسة النمل، وسليمان كما قال الله عنه: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦] أي: يكلم الحشرات ويسمعها، ويحكى أن عصفوراً رآه سيدنا سليمان وهو يغازل عصفورة، وقال لها: لو أردت لحملت لك عرش سليمان بمنقاري، قالت: نعم، فضحك سليمان ﵇ وقال: كم يزين العشق للعاشقين كلاماً.
ثم قال سليمان للنملة: تعالي يا نملة، كم يكفيكِ من الطعام في العام؟ فقالت: يا نبي الله! حبتان من القمح، فتعجب سليمان ﵇ من ذلك، فأعطاها حبتين من قمح في قارورة، فرجع لها بعد سنة، قالت: يا نبي الله! عندما كان رزقي على الله كنت أعلم أنه لن ينساني، فكنت آكل الحبتين، وعندما صار رزقي محصوراً بين يدي مخلوق قد ينسى فكنت أصوم يوماً وأفطر يوماً، فأكلت حبة وأبقيت الأخرى.
إذاً: فمن كان رزقه على الله فلماذا يحزن، ما الذي يحزنه؟ وقد كتب ربنا لك الرزق وأنت في بطن أمك، فلا تشغل بالك بالرزق، ولكن اشغله بطاعة الله، وفي الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مما أعطي السائلين).
هذا وبالله التوفيق حديثنا عن أمر الشفاعة والحلقة القادمة إن كنا من أهل الدنيا إن شاء الله سوف تكون عن الصراط.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم القيامة، جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 270
سلسلة الدار الآخرة_الصراط
إن من استقام في هذه الدنيا على الصراط المستقيم الذي شرعه الله لعباده سهل عليه اجتياز الصراط يوم القيامة، والصراط مزلة عظيمة، عليه كلاليب وخطاطيف تخطف من لم يستقم على شرع الله ودينه، فينبغي للمرء أن يحذر تلك الكلاليب والخطاطيف، ويعد العدة من هنا، فمن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.
стр. 271
الشفاعة والميزان
الحمد لله حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعمه علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الخامسة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، فاللهم ارزقنا يا ربنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روح وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، لا تدع لنا في هذا اليوم العظيم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً.
اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل كيده في نحره.
اللهم أوقع الكافرين في الكافرين وأخرجنا من بينهم سالمين، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك يا رب العالمين معافين غير ضالين ولا مضلين، وغير مبدلين ولا مغيرين.
اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النار.
اللهم زحزحنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام.
اللهم اسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم أفرح بنا قلب نبينا، اللهم أفرح بنا قلب نبينا، اللهم أفرح بنا قلب نبينا.
اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا.
اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، واجعلنا من رفقائه في الفردوس الأعلى، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
اللهم إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تبلغنا، اللهم إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا.
اللهم أرنا وجهك الكريم، اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم، اللهم لا تحرمنا من التمتع بالنظر إلى وجهك الكريم، واجعلنا ممن: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى الأنبياء والصالحين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
توقفنا في الحلقة الرابعة عشرة عند الحديث عن الشفاعة؛ فاللهم شفع فينا نبينا يا رب العالمين، قبل الحديث عن الشفاعة تفرقنا ونحن نشاهد أهل المحشر ونحن منهم، اللهم ثبتنا يومها بالقول الثابت يا ربنا اللهم آمين.
رأينا كيف خرج الناس من القبور، وكيف جمعهم الله في صعيد واحد، في أرض بلقع بيضاء نقية لم يعص الله عليها بمعصية، ولم يرتكب فيها أي نوع من الأخطاء التي تغضب الله رب العالمين كما وصفها الرسول ﷺ ، وكما قال الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] فالأرض سوف تتغير إلى أرض أخرى، والسماوات إلى سماوات أخرى ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧] يعني: ربنا سوف ينشئنا، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] فهو سبحانه سوف ينشئنا نشأة أخرى، تخالف شكلاً، وموضوعاً، وأرضاً، وطريقة، وكلاماً، سوف يبعث الناس يوم القيامة على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء، يعني: إذا كان الذراع يساوي (٧٥سم) ففي الجنة طول الواحد منا (٤٥) متراً، هذه مسألة تخرج خارج حدود العقل، لكن ما علينا إلا أن نقول: صدقت يا رسول الله؛ لأنه هو الصادق الأمين المعصوم، فالكلام الذي يقوله نصدق به، ويجب أن نكون من أول المصدقين بما يقوله الحبيب الصادق الأمين ﷺ .
ثم بعد ذلك رأينا كيف ذهب وفد من البشر إلى أبيهم آدم ليستشفع لهم عند الله؛ لكي يبدأ الحساب، ولكن أبانا آدم يرفض ويعتذر ويعلم أبناءه من البشرية كلها أن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله من قبل، لما غضب الله على قوم نوح في الدنيا أرسل عليهم الطوفان، لكن غضب الله يوم القيامة أشد من غضبه يوم الطوفان، فآدم قال: غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله قط.
كذلك لما غضب الله على قوم لوط بعث لهم سيدنا جبريل فأخذ القرية على جناحه لما ارتكبت اللواط والشذوذ، حتى سمع الملائكة نباح كلابهم، فقلب هذه القرية رأساً على عقب، ثم أمطروا بحجارة من سجيل مسومة عند ربك، أي معلمة، يعني: الحجر مكتوب عليها اسم الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] لكن الله يوم القيامة سوف يغضب غضباً أشد من غضبه يوم عقابه لقوم لوط، وأشد من يوم الصيحة، ومن يوم الريح العقيم التي ذكرت في كتاب الله .
كذلك لما أخذت بني إسرائيل الصاعقة، نزلت على السبعين شخصاً عندما قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] غضب الله عليهم، لكن غضبه يوم القيامة أشد من غضبه على بني إسرائيل.
إذاً: اعتذار سيدنا آدم، وسيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى وكل يقول: لقد غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله من قبل، ولن يغضب مثله من بعد، هذه الغضبة هي قمة غضب الله ، اللهم أجرنا من غضبك يا رب العالمين، وارض عنا فيمن رضيت، كل يقول: أنا لست لها، هذا ليس موقفي، كل واحد يهرب, فإبراهيم ينسى ابنه إسماعيل ويمسك بقوائم العرش، وموسى ينسى أخاه هارون ويمسك بقوائم العرش، ونوح لا يجادل في قضية ابنه يمسك بقوائم العرش، وعيسى ينسى أمه مريم ابنة عمران ويقول: نفسي نفسي ويمسك بقوائم العرش، فلا يقوم لهذا المقام إلا صاحب المقام المحمود ﵊، ونحن دائماً ندعو له أن يبعثه الله مقاماً محموداً كما وعده رب العباد في كتابه الكريم، والمقام المحمود منزلة لا تكتب إلا لعبد واحد فقط؛ يقول ﵊: (فعسى أن يكون أنا هو) هذا من أدبه ﷺ يقول: أتمنى أن أكون أنا، لم يقل: أنا صاحب هذه المنزلة.
رأينا كيف بدأ الله الحساب، وكيف تطايرت الصحف، وكيف علق لكل إنسان كتابه، وكيف من أخذ الكتاب بيمينه ومن أخذه بشماله ومن أخذه من وراء ظهره، ورأينا كيف نصب الموازين، وكيف أمر الله بجهنم أن تجيء؛ وسوف نأتي للتفصيل في موضوعات وحلقات النار والعياذ بالله لموضوع: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤] أي: كل واحد مقصر، وكل واحد في هذا المحشر وفي هذا الموقف: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥] الإنسان يرى أمامه ما قدمه وما أخره؛ إن قدمت خيراً وأنت على قيد الحياة كتب لك خيراً، وإن أخرت خيراً بعد مماتك أيضاً كتب لك خيراً، كمن خلف ولداً صالحاً يدعو له، أو علماً ينتفع به، أو صدقة جارية، أو بنى مسجداً، أو كتب مصحفاً، أو علّم علماً، أو حفر بئراً، أو أجرى نهراً، أو غرس نخلاً، كل هذه الأعمال يجري ثوابها للعبد بعد موته.
وقفنا في حديثنا عندما تطايرت الصحف، واستلم كل كتابه، اللهم اجعلنا من الذين يتسلمونه بيمينهم يا رب العالمين، ثم وضعت الموازين واتفقنا فيما بيننا أننا نميل إلى أنه ميزان واحد، وقلنا: إن العرب يطلقون الجمع على المفرد، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] وقوم عاد لهم رسول واحد.
إذاً: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] الموازين هنا هي ميزان واحد يوزن به أعمال العباد كلهم، بحيث تكون الحجة البالغة لله على الخلائق.
إذاً: توزن الأعمال فمنا من يسعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وذلك بأن تثقل موازينه، وهناك من تخف موازينهم، والرسول ﷺ واقف عند الميزان، وهو أحد المواقف الثلاثة له ﷺ ، ولما قال له أنس ﵁: أين نجدك في الآخرة؟ قال له: (اطلبني عند الميزان، أو اطلبني عند الصراط، أو اطلبني عند الحوض؛ لا أخطئ هذه المواطن الثلاثة).
стр. 272
الصراط
سيكون حديثنا اليوم عن أخطر حلقة في حلقات الدار الآخرة، اللهم هون علينا هذا الموقف يا رب العالمين، واجعلنا من الذين تثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واجعلنا من الذين رضيت عنهم وعليهم في الدنيا والآخرة يا رب العالمين آمين يا رب، هذه الحلقة تخص الصراط، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم.
قبل أن نتحدث عن موضوع الصراط نأتي بمقدمة نقول فيها: هناك صراط في الدنيا الذي لا يستقيم عليه لا يمشي على صراط الآخرة، نحن نقرأ سبع عشرة مرة على الأقل كل يوم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] هذا في الفرض، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] لأن الفاتحة أم الكتاب فيها الخير كله، وفيها معاني القرآن كلها.
هذا الصراط المستقيم، من الذي أنعم عليهم وعرفهم به سبحانه؟ قال داود: يا رب! من أحب العباد عندك؟ قال: من حببني إلى خلقي وحبب خلقي إلي، قال: يا رب وكيف يحببك إلى خلقك؟ قال: يذكرهم بنعمائي فيحبونني فأحبهم فأغفر لهم فأدخلهم الجنة.
يعني: يذكر الناس بنعم الله عليهم، حتى يكونوا في حالة من الرضا، بحيث لا يقنطون من رحمة الله.
وأسوء العباد من قنط الناس من رحمة الله، اللهم لا تقنطنا من رحمتك، يا رب أمنا من عذابك ولا تؤمنا من مكرك؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا كل خاسر وفاجر وكافر، وقد وضح لنا الحبيب ﷺ عندما كان جالساً مع صحابته يوماً، قال أبو هريرة: خط الرسول خطين، وشعب خطوطاً، وقال: (هذا صراط الله المستقيم، وهذه طرق الشيطان على كل ناصية طريق يقف شيطان)، فالواحد عندما يبعد عن الصراط المستقيم يأخذه الشيطان الذي هو واقف على أول ناصية، وربنا مدح المتقين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] أي: أن الشيطان يغشى البصر والبصيرة للعبد فلا يرى، لكن المؤمن إذا يمسه طائف من الشيطان يتذكر الله فينجلي بصره وتنجلي بصيرته، فيرى أن الله أقرب إليه من حبل الوريد فيتوب، لكن العبد الذي لا يعود إلى الله سريعاً يسلمه الشيطان إلى الشيطان الذي بعده، فإن رجع وتاب وإلا سلمه إلى الشيطان الثالث.
وهكذا.
أضرب لك مثلاً: رجل أتى من حلوان إلى مدينة أخرى يريد الجامع الذي فيه الدرس وهو متجه نحوه اتجاهاً صحيحاً، فلقيه شخص فسأله عن مكان الجامع فقال له: اذهب يميناً، فذهب يميناً فلقيه آخر فسأله عن الجامع فقال: اذهب شمالاً فيذهب شمالاً، فينظر نفسه قد ضاع، فطرق الشيطان مثل هذا.
كذلك الشيطان يزين بضاعته دائماً، ومعلوم لدينا أن الجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، فالنفس تحب أن تغني وترقص، والجنة طريقها محفوف بالمكاره، تأتي المسجد من الساعة التاسعة لكي تحجز المكان، وبعد ذلك تحمل أمانة العلم، وبعدها تعود إلى بيتك فتجد امرأتك متضايقة وأولادك يريدون أن يتفسحوا، كل هذه مكاره، فالعبور إلى رضوان الله كالعبور تماماً على الصراط، وطريق الله واحد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
ذلكم الصراط المستقيم في الدنيا وصانا بسلوكه، قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).
إذاً: صراط الله مستقيم واضح في كتاب الله، وفي حجة الوداع قال ﷺ : (يا أيها الناس تركتكم على المحجة البيضاء) المحجة الطريق (ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
فنحن جماعة المسلمين يسعنا جميعاً كتاب الله وسنة حبيبه ﷺ ، لا داعي للتفرق، المصيبة أن واحداً وثمانين لما اعتقلوا وكانوا من جماعات مختلفة، فكانوا يصلون صلاة الصبح خمس فرق، هؤلاء الذين من الفرقة الفلانية لا يصلون وراء الفرقة الفلانية، مع أنهم كلهم محبوسون على قضية واحدة وهي انتماؤهم للإسلام، والذي حبسهم يكره الإسلام ويكرههم؛ لأنهم يمثلون الإسلام، لكنهم يمثلون الإسلام بأسوأ صورة، يتفرقون وهم في السجن، هل هذا وقت للتفرق؟! كذلك الرعاة عندما يتشاكسون مع بعض ترى الذئب يخطف الغنم، وإذا اختلف أصحاب المحراب احتله أصحاب الحان والخمرة، وربما يقول لك: هذا الجامع جاء بفتن، إذاً أغلقوه.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] يعني: حين نقف أمام الله يوم القيامة ويسأل أحدنا هل أقول له: أنا صوفي، أنا أحمدي، أنا رفاعي، أم أنا مسلم؟! ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨].
إذاً: المؤمن يعمل بكتاب الله وسنة حبيبه ﷺ ، أما أن يأتي الواحد وباسم الدين يضرب على الموسيقى، فهذا يعتبر من اللعب بدين الله تعالى، هناك قانون لكل شيء، فهذه الكرة لها قانون، واللاعب إذا لمس الكرة بيده في منطقة الجزاء إما أن يقول له الحكم: ضربة جزاء! أو يعطيه كرت إنذار، وهذا يأتي في دين الإسلام وينسب إليه ما ليس منه، نقول: أليس الدين أيضاً له قانون، وهذا القانون جاء من الكتاب والسنة.
стр. 273
ضرورة الصبر حال السير على الصراط
من سار في الدنيا على الصراط المستقيم سار سريعاً على الصراط يوم القيامة، فمثلاً: لو أن أم زوجتك رفعت سماعة التلفون وقالت لك كلمة غير طيبة، فمن السهولة بمكان أن ترد عليها، لكن من الصعب أن تتحمل جرعة غيظ، وأثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر على إنفاذها، كما ورد في صحيح البخاري، فمن تجرع الغيظ في الدنيا وسكت وصبر ابتغاء مرضاة الله سقاه الله وأرواه من حوض الكوثر يوم القيامة، فثمرة الصبر لها حلاوة ما بعدها حلاوة.
كذلك لو أن شخصاً شتمك بأي شتيمة سواء كانت فيك أو ليست فيك فمن السهل أن ترد عليه، ومن الصعب أن تسكت، والأصعب أن تعفو، والأصعب والأصعب أن تدعو له بالهداية؛ ولذلك سيدنا الحبيب ﷺ عندما رأى بطن عمه حمزة قد بقره المشركون ومثلوا به ففي ساعة الغضب البشري قال: (لأمثلن بدلاً منك بسبعين منهم) فلما رجع إلى المدينة، سمع النساء يبكين قتلاهن فقال: (أما حمزة فلا بواكي له) يعني: مات غريباً.
ولذلك يقول ﷺ : (ارحموا اثنين: اليتيم، والغريب، فلقد كنت في الصغر يتيماً وفي الكبر غريباً) قال: (أما حمزة فلا بواكي له، فقال الصحابة: ألا نجعل نساءنا يبكين عليه؟ قال: لا يبك أحد على حمزة كفاه أنه سيد الشهداء في الجنة يوم القيامة).
فنزل القرآن عليه ﵊: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٦ - ١٢٧] قال: صبرت يا رب.
وتدور الأيام ويأتي فتح مكة فيسمع سعد بن عبادة يقول: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، قال له: لا يا سعد اليوم يوم المرحمة) فيأمر القادة ألا يقاتلوا إلا إذا بدئوا بقتال، كل المجموعات التي دخلت من شعاب مكة لم تجد مقاومة إلا مجموعة خالد بن الوليد وهو داخل حدثت بينه وبين المشركين مناوشات وقتل خالد منهم سبعين.
ودخل الرسول ﷺ مكة مطأطئ الرأس وهو يقول: (﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]).
إذاً: حفت الجنة بالمكاره، ومسألة السير على الصراط المستقيم مسألة صعبة، هذا زوج يبتلى بزوجة تنكر الجميل وتنكر المعروف وتنسى الخير، وأكثر المنزلقين والساقطين على الصراط يوم القيامة من النساء إلا المؤمنات.
إن الزوج المبتلى بزوجة سيئة إذا رأت حسنة كتمتها وإن رأت سيئة أذاعتها فالحل أن يدعو لها بالهداية، كذلك نفس القضية الزوجة المبتلاة بزوج منحرف والعياذ بالله فالحل أن تصبر وتتقي الله وتدعو له بالهداية.
وقف منصور بن عمار أحد تابعي التابعين على شاطئ دجلة ومعه بعض الناس فرأى شباباً يطبلون ويزمرون ويرقصون فقال له من كان معه: ادع عليهم يا إمام فإنهم شباب غير طيبين، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كما فرحتهم في الدنيا فرحهم في الآخرة، قالوا: يا إمام نقول لك ادع عليهم ثم أنت تدعو لهم، قال: إن فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم في الدنيا.
إذاً: فالسير على الصراط المستقيم يقتضي صبراً؛ فمن سار على الصراط المستقيم في الدنيا سار على الصراط المستقيم سريعاً في الآخرة.
стр. 274
صفة الصراط
يصف لنا الحبيب المصطفى ﷺ الصراط ويقول: (جسر مضروب فوق جهنم) يعني: من بداية الحافة من جهنم من هذه الناحية إلى الناحية الأخرى، وجهنم هي الدركة الأولى في النار، والنار سبع دركات، تبدأ بجهنم وتنتهي -والعياذ بالله- بالدرك الأسفل، ولذلك عندما كان الصحابة جالسين مرة مع الحبيب ﷺ إذ سمعوا وجبة، يعني: صوتاً، فقالوا: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذا حجر ألقي في جهنم منذ سبعين سنة وصل الآن).
إذاً: الصراط هو سور أو جسر فوق النار، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] يعني: داخلها، وقال عن سيدنا موسى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص:٢٣] يعني: وصل ورأى ونظر، وقولنا: وردت الإبل الماء، يعني: وصلت إلى هناك وعاينت الماء أمامها، وليس معنى ذلك أن الإبل تكون نزلت في البئر؛ لأن هذا غير ممكن، فورود الشخص أي: وصوله إلى هذا المكان ومعاينته له، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١].
وقبل عبور الصراط ينادي: يا فطرة الجبار جوزوا، وأي عبور أصعب من هذا العبور؟ يعني: إن لم يسلم الله يكن الهلاك، نسأل الله السلامة.
وفي أرض المحشر يكون الأنبياء ﵈، والملائكة، والشهداء، والعلماء، والصديقون، والعارفون بالله، والمؤمنون، والمسلمون ويعبر كل هؤلاء الصراط وينجون، أما الباقون فيذهبون إلى أمهم الهاوية.
كذلك الحيوانات عندما يقضي الله بينها يقول لها: كوني تراباً فكانت تراباً، فقال الكافر: يا ليتني كنت تراباً.
قال الحبيب ﷺ في وصف الصراط: (أحد من سيف أحدكم، ولكنها على المؤمن كالوادي الفسيح)، ويكون الرسول ﷺ على جنب الصراط جالساً، والدعوة عند الصراط من الملائكة والأنبياء والقريبين من الله : يا رب سلم سلم، قيل: (حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا لا دعوة لي إلا يا رب سلم سلم).
قال: (فأرى النار وهي تزفر على أصحابي فأنهض لآخذ بحجزهم) الرسول ﷺ يحجز أمته بعيداً عن النار، (فيأخذ جبريل بحجزي، فأقول: يا رب أمتي يا رب أمتي، يقول: دعه يا جبريل، فيدعني، فأقول: يا رب أمتي، قال: قف هنا يا محمد، فما كبا على الصراط فخذ بيده إلى الجنة).
ويقول ﷺ واصفاً الصراط: (عليه كلاليب كحسك السعدان) يعني: خطاطيف، والسعدان نوع من الأشواك ينمو في صحراء الجزيرة، (الكلّوب الواحد يسع ربيعة ومضر) يعني: قبيلة ربيعة وقبيلة مضر، إن كان عددهم مائة ألف أو مائتي ألف أو نصف مليون فالخطاف الواحد يأخذ هذا العدد ويرميه في جهنم.
وهذه الكلاليب كل كلّوب وخطاف يختص بذنب من الذنوب، يعني: هناك خطاف يختص بالغيبة، وخطاف للنميمة، وخطاف للكبر، قال ﷺ : (لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) والكبر هو أن تظن أنك أحسن واحد في الجامع أو في الحي، هذا كبر لن تدخل الجنة بسببه، والكبر أن تتكبر بمالك، أو بعلمك، أو بمركزك الاجتماعي، وخطاف يختص بالمرابي، وخطاف يختص بالمتثاقل عن الصلاة، وخطاف يختص بمن يظلم المسلمين، وخطاف يختص بمرتكب الفحش إلى آخره.
стр. 275
القنطرة الأولى للعبور على الصراط التوحيد
العابرون على الصراط أصناف ثلاثة: سالم، ومخدوش، ومكردس، فالسالم يمر عليه مر البرق؛ لأن ربنا يوسعه له، هذا الأول.
والثاني من يمر كالريح المرسلة، والثالث كالجواد المضمر.
وهناك من يمر عليه فيمكث ألف سنة أو ألفي سنة، هذا هو المخدوش، تراه يسرع قليلاً ويضعف قليلاً، وهذا عندما يخطفه الخطاف يغمسه غمسة في جهنم والعياذ بالله، ثم يصعد به مرة ثانية؛ لأن أعماله كانت صالحة، لكن فيها قليل شوائب لا يزال ينظف منها، فيطلع من جهنم كالفحمة السوداء، ويقال: إن هذا الإنسان كان يعيش كأنعم أهل الدنيا، عمره ما رأى يوم غم ويعيش مرفهاً يقول له ربه: (عبدي هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ يقول: وعزتك وجلالك إني في الشقاء منذ أن خلقتني) يعني: غمسة في جهنم أنسته العز في الدنيا كله.
والمخدوش هو الذي ينخدش من هنا ومن هنا.
أما المكردس فهو الذي يسقط ولا يطلع.
وعلى الصراط سبع قناطر ويوقف العبد قنطرة قنطرة، فالأمر ليس سهلاً يا إخوان، اللهم اهدنا الصراط المستقيم، اللهم اهدنا الصراط المستقيم، اللهم اهدنا الصراط المستقيم، ومن علينا بالهداية يا رب العالمين.
والعبد وهو يمر على الصراط تقابله القنطرة الأولى الخاصة بالتوحيد، توقفه الملائكة وتسأله: ما ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ كذلك تقول: يا عبد الله كنت موحداً؟ تقول: الحمد لله أشهد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله.
فإذا كان توحيده خالصاً لا يخاف إلا من الله، ولا يعبد بحق إلا الله، لا يطأطئ الرأس إلا إلى لله فإنه يتعدى القنطرة الأولى.
لما رجع الصحابة من غزوة أحد مرهقين وفيهم شهداء، وفيهم جرحى، والرسول ﷺ كسرت رباعيته وجرح خده يقول: (لا يفلح قوم يوم القيامة جرحوا وجه نبيهم) وأبو سفيان يقود قريشاً ومعهم هوازن يأتون متحزبين على رسول الله ﷺ وصحابته وهم لم يلتقطوا الأنفاس بعد من غزوة أحد، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب.
انظروا الإيمان الصادق، واليقين الكامل، والتوحيد الخالص عند الصحابة رضوان الله عليهم، فهؤلاء يعدون القنطرة الأولى.
стр. 276
القنطرة الثانية للعبور على الصراط الصلاة والزكاة والحج
القنطرة الثانية: قنطرة الصلاة.
ما حالنا مع الخشوع في الصلاة؟! ليس لابن آدم من صلاته إلا ما وعى منها وما عقل منها.
يقول الله تعالى: (يا موسى؛ لا أستجيب لعبد لسانه معي وقلبه مع غيري).
قام الحبيب ﷺ الليل كله بآية يرددها ويبكي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] ولا يزال يكررها حتى أذن بلال للفجر، فمن منا الذي يتدبر هكذا؟! ويقول ﵊: (اقرأ علي يا ابن مسعود، قال له: يا حبيب الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: أريد أن أسمعه من غيري، فقرأ من أول سورة النساء حتى وصل قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فقال: كفى كفى يا ابن مسعود، والدموع تسيل على خده، ثم قال: من أراد أن يسمع القرآن غضاً كما أنزل فليسمعه من عبد الله بن مسعود).
ويمر المار في شوارع المدينة في الليل فيسمع لبيوت الصحابة دوياً كدوي النحل.
من أين؟ من التلفزيونات أم من ذكر الله وقيام الليل؟! وهذا سيدنا عطاء بن أبي رباح دق على صاحب له قبل الفجر بساعتين، فقالت له الجارية: إنه نائم، فقلب كفه فقال: عجباً لقوم ينامون في السحر وهو يسمعون كلام الحبيب ﷺ : (إن ربكم ينزل كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من صاحب حاجة فأقضيها له، هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر) كان يتعجب ويقول: لا أظن أن أحداً ينام هذا الوقت.
إذاً: القنطرة الثانية: قنطرة الصلاة، هل أديتها بخشوع وخضوع وإخبات لله وإخلاص نية أم كنت تذهب إلى الجامع لكي يقول الناس: كان فلان يأتي الجامع وكان يحضر الدرس معنا؟ لا، نريد أن تأتي للجامع لله.
يقول سبحانه: انظروا عبدي هل أدى الصلاة كاملة؟ فإن كانت كاملة حملت وسائر عمله، وإن كانت ناقصة ردت وسائر عمله.
كذلك من أكثر من النوافل المؤكدات، ومثل: ركعتين في جوف الليل، وركعتي الضحى، يأتي الحبيب ﷺ فيأخذ بيده فيشفع له بدخول الجنة، فيكون قد مر من القنطرة الثانية ويأتي إلى القنطرة الثالثة، نجح وفاز في التوحيد ونجح وفاز في الصلاة.
стр. 277
القنطرة الثالثة: الزكاة
والقنطرة الثالثة: الزكاة.
تعال يا عبد الله: هل أديت زكاة مالك؟ يعني: كلما بلغ النصاب خمسة وثمانين جراماً من الذهب تخرج زكاته ربع العشر، تعطي الزكاة من يستحق من الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم إلى آخر الأصناف الثمانية الذين ذكروا في سورة التوبة.
والزكاة لا تصرف في مستشفى أو غيره هذا لا ينفع؛ لأن فيه مسلمين وغير مسلمين، والزكاة لا تذهب لغير مسلم، لكن يجوز أن تعطي غير المسلم من الصدقة وليس من الزكاة، بشرط أن يشبع جميع فقراء المسلمين، لا أن يقال: وحدة وطنية وما إلى ذلك، فالدين ليس فيه إلا حلال وحرام، صواب وخطأ، استقامة وانحراف، جنة أو نار.
стр. 278
القنطرة الرابعة: الصوم
القنطرة الرابعة: قنطرة الصيام.
جاء في الحديث: (من أفطر يوماً عمداً في رمضان لا يجزئه صوم الدهر كله وإن صامه) فليحذر المسلم من التهاون بالصيام.
كذلك المرأة لو انقطع الدم عنها بعد الولادة بلحظة لوجب عليها الصوم ووجبت الصلاة، كذلك إذا انقطع دم الحيض عندها قبل صلاة المغرب فعليها أن تغتسل وتصلي الظهر والعصر، لكن بعضهن لا يصلين إلا المغرب والعشاء فقط، وهذا من الجهل، ولو أنهن أتين المساجد واستمعن إلى العلم لكان خيراً لهن، فما أكثر الذين ينزلقون على الصراط يوم القيامة.
من رمى مسلماً بعيب يريد أن يضحك عليه وينقص من قدره، فهذا تجتمع عليه كلاليب الصراط فتضعه في جهنم، بمجرد أنه عاب عليه مرة، فكيف لو كان طول حياته يعيب على الناس؟! إذاً: لا تعب بالذنب على أخيك فيعافيه الله ويبتليك، وإنما تقول: عافانا الله وإياه، اللهم عاف أهل البلاء يا رب وعافنا معهم جميعاً.
стр. 279
القنطرة الخامسة: الحج
القنطرة الخامسة: قنطرة الحج، فلو أن شخصاً جيء له بتذكرة وتكاليف الحج فقال: أنا أخاف من الطائرة وما أقدر أن أذهب للحج، نقول: جاء في الحديث: (من استطاع أن يحج ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً) وكان عمر يقول: لو جاءتني جنازة ميت لم يحج وكان يستطيع لا أصلي عليه.
يعني: لأنه يعتبره غير مسلم، وأوشك عمر أن يفرض جزية على من استطاع أن يحج ولم يحج.
والحج ينبغي أن يكون من مال حلال، وألا يرفث ولا يفسق ولا يجادل في الحج.
стр. 280
القنطرة السادسة: الاغتسال والوضوء
القنطرة السادسة: قنطرة الاغتسال والوضوء، هناك أناس لا تحسن الاغتسال ولا تحسن الوضوء، ولذلك صلاتها باطلة؛ لأن ما بني على الباطل كان باطلاً.
إذاً: الذي لا يعرف كيف يتوضأ يتعلم الوضوء ولو من أولاده، فقد جاء أن سبطي رسول الله ﷺ الحسن والحسين لما رأيا رجلاً كبيراً في السن لا يحسن الوضوء، جاءا إليه وقالا: يا عم تعال لتحكم بيننا وتنظر من يحسن الوضوء منا، فقام كل واحد منهما وتوضأ الوضوء الذي فعله جدهم صاحب السنة ﷺ ، فقال الرجل الكبير: أنا المخطئ وأنتما المصيبان.
لو كان في هذا الزمان لقال: امش يا ولد، هذا كلام باطل، أنا أعرف الوضوء وأنت لا زلت في بطن أمك.
إذاً: قنطرة الاغتسال والوضوء قنطرة مهمة، وإسباغ الوضوء على المكاره، ونقل الخطوات إلى الجماعات، وانتظار الصلوات بعد الصلوات؛ هذه الأشياء التي يختصم فيه الملأ الأعلى، والتي ترفع الدرجات عند الله.
стр. 281
القنطرة السابعة: المظالم
القنطرة السابعة: قنطرة المظالم.
أنت كذبت عليَّ، وغششتني، واغتبتني، ونممت علي، ونظرت إلى أهلي نظرة محرمة، وتجسست عليَّ، وشوشت علي في السلطة، عملت فيَّ كذا، ورأيتني في ورطة ولم تقف بجانبي مظالم العباد لا حصر لها، يقف العبد عند هذه القنطرة لا يمر منها.
هذه القناطر كلها على الصراط، فالصراط فيه قناطر وفيه سؤالات وفيه توقفات، وفيه كلاليب تخطف، وفيه جهنم والعياذ بالله تستعر من تحته، وفيه ظلمة وسواد، وفيه رعب، والنبي ﷺ يقول: (يا رب سلم سلم).
стр. 282
الذين يمرون على الصراط مسرعين
فهذه مواقف تحتاج منا إلى استعداد.
فمن الذي سيأخذ الله بيده على الصراط ويمر من هذه القناطر سريعاً؟ هم المنفقون على الأرامل واليتامى، وهم والذابون عن أعراض المسلمين، الذي يدافع عن أعراض المسلمين، عندما يتكلم واحد في حق واحد يقول له: عيب لا تأتي بسيرة أحد عندنا، اذهب وقل له هذا الكلام في وجهه، وجاء في الحديث: (من دافع عن عرض أخيه المسلم في غيبته دفع الله عنه جهنم يوم القيامة).
كذلك من الذين يمرون على الصراط سريعاً المبشرون الناس برحمة الله، أي: الذي يجلس ويقول: رحمة ربنا واسعة، قال سيدنا موسى في قصة تحفظونها: (يا رب من أسوأ العباد عندك؟ قال: يا موسى من يدخل المسجد آخر الناس ويخرج أولهم، فسيدنا موسى رأى رجلاً عجوزاً كفيفاً يقوده رجل آخر، دخل آخر واحد، فيموت هذا الرجل الكفيف فموسى يرى هذا الرجل في المنام أنه في الجنة، فيقول: يا رب أنت قلت: أسوأ العباد عندي الذي يدخل المسجد آخر الناس ويخرج أول الناس، وهذا الرجل كان يفعل هذا؟ قال: يا موسى بعد أن خرج من عندك قال لمن يقوده: أين نحن؟ قال: نحن أمام مكان واسع، قال له: رحمة ربك أوسع، فوسعته رحمتي.
نقول: يا من تيئسون الناس من رحمة الله لا تيئسوا الناس من رحمة الله، لم يقل له: من لم يكفر الحاكم فهو كافر، ما دام يقول: أشهد أن لا إله إلا الله! فكما في الحديث: (إن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، لا تحكم على أحد بالكفر، (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) فاحذر أن تتهم أحداً بالكفر! ولا تلعن أحداً بعينه تقول: فلان هذا ملعون! فلان هذا كذا.
ولا تقل على ابنك: هذا شقي من باب أنك تضحك، فإن الشقي هو البعيد عن رحمة الله، حافظ على الألفاظ، قد تكون في ابنك كلمة الشقاء، فهذا سيدنا عمر يسأل رجلاً عن اسمه، قال: اسمي ضرام - ضرام اسم من أسماء النار- قال: ابن من؟ قال: ابن لظى، من أين أنت يا ضرام؟ قال: من حرة واقم، قال له: الحق أهلك فقد احترقوا، فذهب فوجدهم قد احترقوا.
فالمسلم ينتبه ويحفظ ألفاظه؛ لأنها قد تكون كلمة تدخل الإنسان الجنة، وقد تكون كلمة والعياذ بالله تدخله النار، هذه هي قناطر الصراط، وهي سبع، وأردت أن أخففها فلم أستطع، وأردت أن ألينها فلم أستطع، وأردت أن أنقلها بصورة مبسطة فلم أستطع؛ ولكن اعذروني فأمانة العلم تقتضي نقلها كما هي، والحديث عن الدار الآخرة من أصعب الأحاديث وأثقلها على القلب، عسى رب العباد أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعاً يوم القيامة.
اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة، اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة، اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة.
اللهم تب على كل عاصِ، واهد كل ضال، واشف كل مريض.
اللهم فك كرب المكروبين، وسد يا رب دين المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، وتوفنا على الإسلام يا رب العالمين.
اللهم بغض إلينا الحرام وأبعدنا عنه بعد المشرقين، وحبب إلى قلوبنا الحلال وقربنا إليه وبارك لنا فيه وإن كان قليلاً.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم اهد لنا أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا.
اللهم اهد حكوماتنا إلى الشرع، وإلى الحكم بكتابك وشرع نبيك ﷺ .
اللهم ول أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب أحوالنا.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 283
سلسلة الدار الآخرة_ماذا يحدث عند الحوض ؟
حوض النبي ﷺ منحة أعطاه الله إياها تشريفاً وتكريماً له ولأمته، يشرب منه كل من أطاعه واتبع هديه، ويمنع منه كل من ارتد على عقبيه وغير وبدل، وأنكر السنة، وجاهر بالمعاصي، وابتدع في دين الله .
وهذا الحوض عرضه ما بين أيلة وصنعاء، كيزانه عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه لا يظمأ أبداً.
стр. 284
الحالات الأربع التي يعيش فيها العبد
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة السادسة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في بداية هذه الحلقة أن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم اجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا يوم يقوم الأشهاد، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعل هذه الجلسة فيك خالصة يا رب العالمين! اللهم اجعلنا فيك من المتجالسين المتحابين المتزاورين، يحبونا بحبك من أحببت، ويعادونا بعداوتك من عاديت.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وثقل موازيننا يوم القيامة يا رب العالمين! اعطنا كتابنا بأيماننا، ولا تعطه إيانا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا.
اللهم أوردنا حوض نبينا ﷺ ، اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، واجعلنا من جيرانه في الفردوس الأعلى يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم، كما نسألك يا مولانا وأنت العلي القدير السميع المجيب أن تستجيب دعاءنا، وأن تفك كربنا، وأن تحسن خلاصنا، وأن تفك أسرنا، وأن تبلغنا مما يرضيك آمالنا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اجعل يا رب ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك.
اللهم تب على كل عاص اللهم تب على كل عاص اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، اللهم اهد كل ضال اللهم اهد كل ضال، واشف كل مريض، اللهم اشف كل مريض اللهم اشف كل مريض، فرج يا رب! كرب المكروبين، وسد اللهم دين المدينين، واشرح صدورنا وصدور المسلمين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مسافراً إلا أرجعته غانماً سالماً لأهله.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بفضلك بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً.
اللهم انظر إلينا نظرة رضاء اللهم انظر إلينا نظرة رضاء اللهم انظر إلينا نظرة رضاء، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
توقفنا في الحلقة الخامسة عشرة عند الحديث عن الصراط، فاللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، ثم نتواصل مع حلقات الدار الآخرة، وهذه المواقف العصيبة، التي لا عاصم فيها من أمر الله إلا من رحم.
المسألة ليست مسألة علم وتضييع للأوقات، كلا، إنما المسألة أكبر من ذلك، فمثلنا كمن يمسك بمصباح أو نحوه، ليضيء الطريق لمن يتعثر بالطريق؛ لأن الناس كما اتفقنا من قبل معافى ومبتلى، فاحمدوا الله على العافية، وارحموا أهل البلاء، يعني: أي إنسان قد يعرض عن دروس العلم ويزهد فيها فهذا مبتلى، فادعوا الله له بالشفاء، وأن يحببه إلى درس العلم، فهذه نعمة يجب أن تشكر الله عليها: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] يعني: الهداية ليست من عندك ولا عندي، ولا عند أحد، هكذا قال الله لحبيبه ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] اللهم اهدنا فيمن هديت يا رب العالمين! قلنا: المسلم في الدنيا لا يخرج عن أربع حالات: إما أن يكون في نعمة، أو بلية، أو طاعة، أو معصية، لا يمكن لأحد أن يخرج عن هذه الحالات الأربع؛ لأن دروس العلم يجب أن يخرج منها المرء وقد جدد إيمانه، وكما قلت: الساعة السابعة والنصف بالنسبة لي يجب أن تختلف عن الساعة التاسعة والنصف، فإذا أخذت الشحنة يجب أن تتغير حالك إلى أحسن حال، اللهم بدل حالنا إلى أحسن حال يا رب العالمين! هذه الحالات الأربع لا يمكن أن ينفك منها عبد: طاعة، ومعصية، ونعمة، وبلية، أنت في درس العلم بفضل الله في طاعة، ومن أعظم القربات إلى الله مجالس العلم، حتى إنه ينادي منادٍ يوم القيامة: (ليقم أهل الله) يعني: أهل التقوى، والمغفرة، أهل الشهيد، أهل الابتلاءات، أهل المصائب، أهل الطاعات، أهل قيام الليل، أهل صيام النهار، القاضون لحوائج الناس، فهؤلاء لهم بشارة، وعلامة، لهم علم يرفعونه، أهل العلم هم أهل الله! ولعل الحالات الأربع تجتمع في وقت واحد كأن ذهبت تريد أن تطيع الله وصلت رحمك -عمتك أو خالتك أو ابن عمك أو ابن خالك- إلخ -وقعدت فإذا بك تغتاب فلاناً وفلاناً، فهذه معصية في عمل طاعة، فبدل ما كانت الملائكة تصلي عليك، وتستغفر لك، وتدعو لك بالخير، إذا بالأمر ينقلب فتسجل لك السيئات بالغيبة والنميمة، والخوض في أعراض الناس مع عمك وخالك.
وفي نفس الوقت هذه الطاعة في نفسها نعمة، وهذه الحالة الثالثة.
فأنت عندما تجد باب طاعة اسلك فيه، وداوم على الطاعة واصبر عليها.
قال الفضيل بن عياض: تعلمت الصبر من صبي صغير، يقول: ذهبت مرة إلى المسجد فوجدت امرأة تنظر من داخل دار، وهي تضرب ابنها، وهو يصرخ، ففتح الباب وهرب، فأغلقت عليه الباب، قال: فلما رجعت نظرت فلقيت الولد بعدما بكى قليلاً نام على عتبة الباب يستعطف أمه؛ فرق قلب الأم ففتحت الباب، فبكى الفضيل حتى ابتلت لحيته بالدموع وقال: سبحان الله! لو صبر العبد على باب الله لفتح الله له.
يعني: الإنسان عندما يرتكب معصية لا يطرد من رحمة الله، وإنما يطرد من الطائفة الصالحة، فالذي لا يصلي حرم من الثواب وحرم الخير كله، اللهم لا تحرمنا من الخير، فمثلاً أنت في الصلاة تسلم على مائة مليون مسلم، والمصلون أكثر، لكن أنت جدلاً تأخذ في كل صلاة مائة مليون حسنة، في كل فرض، وانظر كم يكون لك من الحسنات، فهذا كرم من الله.
ومن رحمة الله أن الحسنات والسيئات بيد الله، يقول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] لم يقل: للقهار؟ يظل الله يرحم ويرحم ويرحم يوم القيامة حتى يتطلع إبليس لرحمة الله، فيوم القيامة يقول الله : يا عبادي! اعبروا الصراط بفضلي، وادخلوا الجنة برحمتي، لا بأعمالكم، والدرجات في الجنة هي عملك، اللهم أحسن أعمالنا يا رب! يقول الله في الحديث القدسي: (أطعتنا فقربناك، وأحببتنا فأحببناك، وتركتنا فأمهلناك، ولو عدت إلينا على ما كان منك قبلناك) وهو رحيم ، فالذي يهرب من صلاة الجماعة حرم الخير كله، والذي يهرب من دروس العلم حرم الخير كله، فتحمد الله أنه حبب لك العلم وأهل العلم، اللهم اجعلنا من المحبين للعلم وأهله يا رب العالمين! إذا كنت في طاعة فواظب عليها، وإياك أن تبطلها وتتكاسل عنها! وخير الأعمال أدومها وإن قلت، إما طاعة تستوجب المواظبة، وإما معصية تستوجب الاستغفار، يعني: الذنب الذي تعمله عجل فيه بالاستغفار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، أنت في نعمة تستوجب الشكر، والذي يزيل النعم منك كثرة المعاصي، وقد قلنا: إن من ثمرات الطاعة نور في الوجه، ويقين في القلب، وانشراح في الصدر، ومحبة عند الخالق والمخلوق، فمن اتقى الله أحبه الناس ولو كرهوه ظاهراً.
ولذلك من نعم الله على سيدنا موسى أن الله قال له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] لا ينظر أحد إلى سيدنا موسى إلا ويحبه، حتى فرعون أحبه غصباً عنه؛ لأن الله ألقى عليه محبة من عنده، اللهم ألق علينا محبةً من عندك يا رب العالمين! ومن ثمرات المعصية ظلمة وغبرة في الوجه، انظر إلى وجه مدمن للمخدرات تجده مظلماً والعياذ بالله! وانظر إل عينيه تجدهما متغيرتان، وانظر إلى مدمن التدخين وإلى أصابعه كيف هي صفراء، فكيف يدخل ذلك في جسمه، يقول ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) فالتدخين حرام، ومن قال لك: إن التدخين مكروه فهو جاهل، وهذا إجماع من مائة عالم أثق في علمهم، مائة عالم أجمعوا في إحدى المؤتمرات، ووقعوا هذه الوثيقة أن التدخين من ضمن المحرمات، فلنترك الفلسفة الموجودة عند بعض المسلمين.
والمدخن الغني مسرف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] والمدخن الفقير سفيه، يقول الله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] وكلاهما شر، والناس يبعثون على ما ماتوا عليه، تخيل إنساناً في الدنيا يستحي من أبيه، ويستحي من عمه، ومن خاله، حتى لو كان هذا المدخن كبير السن فإنه يستحي أن يدخن أمام خاله، أو أمام عمه، أو أمام كبير العائلة، تخيل أن هذا المدخن مات وهو يدخن فسوف يبعث يوم القيامة وهو يدخن، فكيف سيقف بين يدي الله ؟! المعصية تحدث غبرة في الوجه، تجد الموظف المرتشي فتنظر إلى وجهه تجده كأنه وجه خنزير؛ لأنه مرتش، وممكن بكل سهولة أن تتطاول عليه بالكلام فيصبر عليك، وتتفق معه اتفاق
стр. 285
صفة حوض النبي ﷺ
следующие страницы →