← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37011

الدار الآخرة - عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (549 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القنطرة السابعة: المظالم القنطرة السابعة: قنطرة المظالم. أنت كذبت عليَّ، وغششتني، واغتبتني، ونممت علي، ونظرت إلى أهلي نظرة محرمة، وتجسست عليَّ، وشوشت علي في السلطة، عملت فيَّ كذا، ورأيتني في ورطة ولم تقف بجانبي مظالم العباد لا حصر لها، يقف العبد عند هذه القنطرة لا يمر منها. هذه القناطر كلها على الصراط، فالصراط فيه قناطر وفيه سؤالات وفيه توقفات، وفيه كلاليب تخطف، وفيه جهنم والعياذ بالله تستعر من تحته، وفيه ظلمة وسواد، وفيه رعب، والنبي ﷺ يقول: (يا رب سلم سلم).

стр. 282

الذين يمرون على الصراط مسرعين فهذه مواقف تحتاج منا إلى استعداد. فمن الذي سيأخذ الله بيده على الصراط ويمر من هذه القناطر سريعاً؟ هم المنفقون على الأرامل واليتامى، وهم والذابون عن أعراض المسلمين، الذي يدافع عن أعراض المسلمين، عندما يتكلم واحد في حق واحد يقول له: عيب لا تأتي بسيرة أحد عندنا، اذهب وقل له هذا الكلام في وجهه، وجاء في الحديث: (من دافع عن عرض أخيه المسلم في غيبته دفع الله عنه جهنم يوم القيامة). كذلك من الذين يمرون على الصراط سريعاً المبشرون الناس برحمة الله، أي: الذي يجلس ويقول: رحمة ربنا واسعة، قال سيدنا موسى في قصة تحفظونها: (يا رب من أسوأ العباد عندك؟ قال: يا موسى من يدخل المسجد آخر الناس ويخرج أولهم، فسيدنا موسى رأى رجلاً عجوزاً كفيفاً يقوده رجل آخر، دخل آخر واحد، فيموت هذا الرجل الكفيف فموسى يرى هذا الرجل في المنام أنه في الجنة، فيقول: يا رب أنت قلت: أسوأ العباد عندي الذي يدخل المسجد آخر الناس ويخرج أول الناس، وهذا الرجل كان يفعل هذا؟ قال: يا موسى بعد أن خرج من عندك قال لمن يقوده: أين نحن؟ قال: نحن أمام مكان واسع، قال له: رحمة ربك أوسع، فوسعته رحمتي. نقول: يا من تيئسون الناس من رحمة الله لا تيئسوا الناس من رحمة الله، لم يقل له: من لم يكفر الحاكم فهو كافر، ما دام يقول: أشهد أن لا إله إلا الله! فكما في الحديث: (إن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، لا تحكم على أحد بالكفر، (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) فاحذر أن تتهم أحداً بالكفر! ولا تلعن أحداً بعينه تقول: فلان هذا ملعون! فلان هذا كذا. ولا تقل على ابنك: هذا شقي من باب أنك تضحك، فإن الشقي هو البعيد عن رحمة الله، حافظ على الألفاظ، قد تكون في ابنك كلمة الشقاء، فهذا سيدنا عمر يسأل رجلاً عن اسمه، قال: اسمي ضرام - ضرام اسم من أسماء النار- قال: ابن من؟ قال: ابن لظى، من أين أنت يا ضرام؟ قال: من حرة واقم، قال له: الحق أهلك فقد احترقوا، فذهب فوجدهم قد احترقوا. فالمسلم ينتبه ويحفظ ألفاظه؛ لأنها قد تكون كلمة تدخل الإنسان الجنة، وقد تكون كلمة والعياذ بالله تدخله النار، هذه هي قناطر الصراط، وهي سبع، وأردت أن أخففها فلم أستطع، وأردت أن ألينها فلم أستطع، وأردت أن أنقلها بصورة مبسطة فلم أستطع؛ ولكن اعذروني فأمانة العلم تقتضي نقلها كما هي، والحديث عن الدار الآخرة من أصعب الأحاديث وأثقلها على القلب، عسى رب العباد أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا جميعاً يوم القيامة. اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة، اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة، اللهم ثبتنا على الصراط يوم القيامة. اللهم تب على كل عاصِ، واهد كل ضال، واشف كل مريض. اللهم فك كرب المكروبين، وسد يا رب دين المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، وتوفنا على الإسلام يا رب العالمين. اللهم بغض إلينا الحرام وأبعدنا عنه بعد المشرقين، وحبب إلى قلوبنا الحلال وقربنا إليه وبارك لنا فيه وإن كان قليلاً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اهد لنا أبناءنا وبناتنا وزوجاتنا. اللهم اهد حكوماتنا إلى الشرع، وإلى الحكم بكتابك وشرع نبيك ﷺ . اللهم ول أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب أحوالنا. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم أن نلقاك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 283

سلسلة الدار الآخرة_ماذا يحدث عند الحوض ؟ حوض النبي ﷺ منحة أعطاه الله إياها تشريفاً وتكريماً له ولأمته، يشرب منه كل من أطاعه واتبع هديه، ويمنع منه كل من ارتد على عقبيه وغير وبدل، وأنكر السنة، وجاهر بالمعاصي، وابتدع في دين الله . وهذا الحوض عرضه ما بين أيلة وصنعاء، كيزانه عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه لا يظمأ أبداً.

стр. 284

الحالات الأربع التي يعيش فيها العبد أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة السادسة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في بداية هذه الحلقة أن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم اجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا يوم يقوم الأشهاد، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اجعل هذه الجلسة فيك خالصة يا رب العالمين! اللهم اجعلنا فيك من المتجالسين المتحابين المتزاورين، يحبونا بحبك من أحببت، ويعادونا بعداوتك من عاديت. اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وثقل موازيننا يوم القيامة يا رب العالمين! اعطنا كتابنا بأيماننا، ولا تعطه إيانا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا. اللهم أوردنا حوض نبينا ﷺ ، اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، واجعلنا من جيرانه في الفردوس الأعلى يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم، كما نسألك يا مولانا وأنت العلي القدير السميع المجيب أن تستجيب دعاءنا، وأن تفك كربنا، وأن تحسن خلاصنا، وأن تفك أسرنا، وأن تبلغنا مما يرضيك آمالنا. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اجعل يا رب ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك. اللهم تب على كل عاص اللهم تب على كل عاص اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، اللهم اهد كل ضال اللهم اهد كل ضال، واشف كل مريض، اللهم اشف كل مريض اللهم اشف كل مريض، فرج يا رب! كرب المكروبين، وسد اللهم دين المدينين، واشرح صدورنا وصدور المسلمين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مسافراً إلا أرجعته غانماً سالماً لأهله. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بفضلك بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم انظر إلينا نظرة رضاء اللهم انظر إلينا نظرة رضاء اللهم انظر إلينا نظرة رضاء، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة الخامسة عشرة عند الحديث عن الصراط، فاللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، ثم نتواصل مع حلقات الدار الآخرة، وهذه المواقف العصيبة، التي لا عاصم فيها من أمر الله إلا من رحم. المسألة ليست مسألة علم وتضييع للأوقات، كلا، إنما المسألة أكبر من ذلك، فمثلنا كمن يمسك بمصباح أو نحوه، ليضيء الطريق لمن يتعثر بالطريق؛ لأن الناس كما اتفقنا من قبل معافى ومبتلى، فاحمدوا الله على العافية، وارحموا أهل البلاء، يعني: أي إنسان قد يعرض عن دروس العلم ويزهد فيها فهذا مبتلى، فادعوا الله له بالشفاء، وأن يحببه إلى درس العلم، فهذه نعمة يجب أن تشكر الله عليها: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] يعني: الهداية ليست من عندك ولا عندي، ولا عند أحد، هكذا قال الله لحبيبه ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] اللهم اهدنا فيمن هديت يا رب العالمين! قلنا: المسلم في الدنيا لا يخرج عن أربع حالات: إما أن يكون في نعمة، أو بلية، أو طاعة، أو معصية، لا يمكن لأحد أن يخرج عن هذه الحالات الأربع؛ لأن دروس العلم يجب أن يخرج منها المرء وقد جدد إيمانه، وكما قلت: الساعة السابعة والنصف بالنسبة لي يجب أن تختلف عن الساعة التاسعة والنصف، فإذا أخذت الشحنة يجب أن تتغير حالك إلى أحسن حال، اللهم بدل حالنا إلى أحسن حال يا رب العالمين! هذه الحالات الأربع لا يمكن أن ينفك منها عبد: طاعة، ومعصية، ونعمة، وبلية، أنت في درس العلم بفضل الله في طاعة، ومن أعظم القربات إلى الله مجالس العلم، حتى إنه ينادي منادٍ يوم القيامة: (ليقم أهل الله) يعني: أهل التقوى، والمغفرة، أهل الشهيد، أهل الابتلاءات، أهل المصائب، أهل الطاعات، أهل قيام الليل، أهل صيام النهار، القاضون لحوائج الناس، فهؤلاء لهم بشارة، وعلامة، لهم علم يرفعونه، أهل العلم هم أهل الله! ولعل الحالات الأربع تجتمع في وقت واحد كأن ذهبت تريد أن تطيع الله وصلت رحمك -عمتك أو خالتك أو ابن عمك أو ابن خالك- إلخ -وقعدت فإذا بك تغتاب فلاناً وفلاناً، فهذه معصية في عمل طاعة، فبدل ما كانت الملائكة تصلي عليك، وتستغفر لك، وتدعو لك بالخير، إذا بالأمر ينقلب فتسجل لك السيئات بالغيبة والنميمة، والخوض في أعراض الناس مع عمك وخالك. وفي نفس الوقت هذه الطاعة في نفسها نعمة، وهذه الحالة الثالثة. فأنت عندما تجد باب طاعة اسلك فيه، وداوم على الطاعة واصبر عليها. قال الفضيل بن عياض: تعلمت الصبر من صبي صغير، يقول: ذهبت مرة إلى المسجد فوجدت امرأة تنظر من داخل دار، وهي تضرب ابنها، وهو يصرخ، ففتح الباب وهرب، فأغلقت عليه الباب، قال: فلما رجعت نظرت فلقيت الولد بعدما بكى قليلاً نام على عتبة الباب يستعطف أمه؛ فرق قلب الأم ففتحت الباب، فبكى الفضيل حتى ابتلت لحيته بالدموع وقال: سبحان الله! لو صبر العبد على باب الله لفتح الله له. يعني: الإنسان عندما يرتكب معصية لا يطرد من رحمة الله، وإنما يطرد من الطائفة الصالحة، فالذي لا يصلي حرم من الثواب وحرم الخير كله، اللهم لا تحرمنا من الخير، فمثلاً أنت في الصلاة تسلم على مائة مليون مسلم، والمصلون أكثر، لكن أنت جدلاً تأخذ في كل صلاة مائة مليون حسنة، في كل فرض، وانظر كم يكون لك من الحسنات، فهذا كرم من الله. ومن رحمة الله أن الحسنات والسيئات بيد الله، يقول الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] لم يقل: للقهار؟ يظل الله يرحم ويرحم ويرحم يوم القيامة حتى يتطلع إبليس لرحمة الله، فيوم القيامة يقول الله : يا عبادي! اعبروا الصراط بفضلي، وادخلوا الجنة برحمتي، لا بأعمالكم، والدرجات في الجنة هي عملك، اللهم أحسن أعمالنا يا رب! يقول الله في الحديث القدسي: (أطعتنا فقربناك، وأحببتنا فأحببناك، وتركتنا فأمهلناك، ولو عدت إلينا على ما كان منك قبلناك) وهو رحيم ، فالذي يهرب من صلاة الجماعة حرم الخير كله، والذي يهرب من دروس العلم حرم الخير كله، فتحمد الله أنه حبب لك العلم وأهل العلم، اللهم اجعلنا من المحبين للعلم وأهله يا رب العالمين! إذا كنت في طاعة فواظب عليها، وإياك أن تبطلها وتتكاسل عنها! وخير الأعمال أدومها وإن قلت، إما طاعة تستوجب المواظبة، وإما معصية تستوجب الاستغفار، يعني: الذنب الذي تعمله عجل فيه بالاستغفار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، أنت في نعمة تستوجب الشكر، والذي يزيل النعم منك كثرة المعاصي، وقد قلنا: إن من ثمرات الطاعة نور في الوجه، ويقين في القلب، وانشراح في الصدر، ومحبة عند الخالق والمخلوق، فمن اتقى الله أحبه الناس ولو كرهوه ظاهراً. ولذلك من نعم الله على سيدنا موسى أن الله قال له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] لا ينظر أحد إلى سيدنا موسى إلا ويحبه، حتى فرعون أحبه غصباً عنه؛ لأن الله ألقى عليه محبة من عنده، اللهم ألق علينا محبةً من عندك يا رب العالمين! ومن ثمرات المعصية ظلمة وغبرة في الوجه، انظر إلى وجه مدمن للمخدرات تجده مظلماً والعياذ بالله! وانظر إل عينيه تجدهما متغيرتان، وانظر إلى مدمن التدخين وإلى أصابعه كيف هي صفراء، فكيف يدخل ذلك في جسمه، يقول ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) فالتدخين حرام، ومن قال لك: إن التدخين مكروه فهو جاهل، وهذا إجماع من مائة عالم أثق في علمهم، مائة عالم أجمعوا في إحدى المؤتمرات، ووقعوا هذه الوثيقة أن التدخين من ضمن المحرمات، فلنترك الفلسفة الموجودة عند بعض المسلمين. والمدخن الغني مسرف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] والمدخن الفقير سفيه، يقول الله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] وكلاهما شر، والناس يبعثون على ما ماتوا عليه، تخيل إنساناً في الدنيا يستحي من أبيه، ويستحي من عمه، ومن خاله، حتى لو كان هذا المدخن كبير السن فإنه يستحي أن يدخن أمام خاله، أو أمام عمه، أو أمام كبير العائلة، تخيل أن هذا المدخن مات وهو يدخن فسوف يبعث يوم القيامة وهو يدخن، فكيف سيقف بين يدي الله ؟! المعصية تحدث غبرة في الوجه، تجد الموظف المرتشي فتنظر إلى وجهه تجده كأنه وجه خنزير؛ لأنه مرتش، وممكن بكل سهولة أن تتطاول عليه بالكلام فيصبر عليك، وتتفق معه اتفاق

стр. 285

صفة حوض النبي ﷺ

стр. 286

طول حوض النبي ﷺ حديثنا اليوم هو عن الحوض، الله يمن على حبيبه ﷺ ويقول له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] أي: يا محمد! لقد أعطيناك حوض الكوثر، والكوثر في اللغة: هو الخير الكثير، يقول سيدنا أنس (كم عرضه يا رسول الله؟! قال: مسيرة شهر بالجواد المضمر) وفي رواية تقول: (ما بين المدينة إلى صنعاء) أو (بين صنعاء إلى عمان)، أو (بين المدينة إلى بصرى)، يعني: المسافة هذه لا تقل عن ألف كيلو، فكيف بالطول؟ لا يعلمه إلا الله. هل هو حوض واحد؟ قيل: لا، (لكل نبي حوض، وسوف يرى الناس أيهم أشد ازدحاماً، وإني أدعو الله أن يكون حوضي أكثر الناس ازدحاماً عليه) هكذا يقول ﷺ ، فحوضه ﷺ هو أعلى وأكبر حوض، وقد علمنا النبي ﷺ التواضع، فقال: (أتمنى أن يكون حوضي أكثر وارداً قالوا: أتعرفنا على الحوض؟ قال: نعم أعرفكم. قيل: من أين؟ قال: تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء). كل نبي له حوض إلا صالحاً فحوضه ضرع ناقته، كل نبي له معجزة وقتية إلا معجزة سيدنا محمد ﷺ ، وهو القرآن، فهو معجزة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فقوم سيدنا صالح يعرفون الجبل وما فيه، فقال لهم: إذا أخرجت لكم من الجبل ناقة فهل ستؤمنون بي؟ قالوا: نعم. فانشق الصخر فخرجت الناقة، قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس:١٣] نسبها الله إليه؛ لأنها معجزة إلهية، من باب التحذير، وكأنه يقول: إياكم وقتل ناقة الله، إياكم أن تمسوها بسوء! فمكثت الناقة تشرب الماء يوماً، وهم يشربون منها الحليب، ثم يشربون من الماء في اليوم الثاني، فلما أرادوا قتلها قام شخص من علية القوم، قال فيه ﷺ : (فقام رجل منهم عارم) أي: خبيث وشرير من أنسبهم، وكان كلما قرب من الناقة خاف، فذهب وشرب خمراً، قال تعالى: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩] أي: شرب الخمر حتى يذهب عقله، فيقدم على قتلها، ولذلك سيدنا عثمان سماها أم الخبائث، فأول ما شرب الخمر ذهب فعقر الناقة، فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وهذا وعد من عند الله غير مكذوب، ثم جاءهم عذاب الله والعياذ بالله رب العالمين! يقول بعض أهل العلم: إن الدابة التي يحدثنا القرآن عنها من علامات الساعة الكبرى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] هي ولد ناقة صالح، وأنهم عندما عقروا أمه دخل الفصيل في الجبل، وهذا ليس فيه حديث صحيح، ولكن من باب الأمانة العلمية ننقل هذا الكلام. قال ﷺ : (أتدري من أشقى الأولين يا علي؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: عاقر ناقة صالح، ثم قال: أتدري من أشقى الآخرين يا علي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: قاتلك يا ابن أبي طالب). إذاً الحوض عرضه ما بين المدينة وصنعاء، أو ما بين المدينة وبصرى، أو ما بين المدينة وعمَّان أو عمان على خلاف في التشكيل.

стр. 287

وصف ماء الحوض وعدد كيزانه قال: (ماؤه أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل، عليه أكواب وأباريق) الإبريق: ماكان له أذن يمسك بها قال تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] هذا نعيم أهل الجنة، اللهم اجعلنا من المنعمين في الجنة يا رب العالمين!

стр. 288

الحوض له أربعة أركان الحوض له أركان أربعة، على الركن الأول يقف أبو بكر، وعلى الركن الثاني يقف عمر، وعلى الركن الثالث يقف عثمان، وعلى الركن الرابع يقف علي، وأمام الأربعة سيدنا محمد ﷺ فمن حب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر، ومن أحب عمر وكره عثمان لم يسقه عمر، ومن أحب علياً وكره عثمان لم يسقه علي، لابد أن يحب الأربعة، ونحن والحمد لله -أهل السنة- نحب الأربعة الخلفاء والخطر على الشيعة الذين يحبون علياً ويبغضون البقية، والحمد لله أن جعلنا من أهل السنة، ومصر كلها من أهل السنة، فمصر هي الرمانة أو التاج الذي يزين بناء المسلمين، فإن صلحت مصر صلح العالم الإسلامي كله، وإن فسدت مصر تجد الفساد يخرج من مصر، وكل الصلاح يخرج من مصر بفضل الله . جاء صلاح الدين الأيوبي يدخل معركة حطين فأخذ الجيش المصري، وقطز عندما انتصر على التتار كان معه الجيش المصري في المقدمة، هكذا وصفهم رسول الله ﷺ ، فيهم سر غريب، ولو اتقى الشعب المصري ربه فحكامه هم الذين ينافقون هذه طبيعة الشعب المصري، وإن رأيته ينام سنوات، فإنه إذا استيقظ لا يقف أمامه واقف، اللهم اشحن الإيمان في قلوب المسلمين في مصر، وفي خارج مصر يا رب العالمين! وليس هذا تعصباً ولكن أنا أحبهم، وليس لأنني منهم؛ ولكن لحب رسول الله لهم، فهوانا في هوى رسول الله، يقول النبي ﷺ : (إذا فتحتم مصر فاتخذوا من شبابها جنوداً أو أجناداً؛ فإنهم خير جنود أو أجنادٍ على وجه الأرض، وهم في رباطٍ إلى يوم القيامة، وإن لنا فيهم ذمة ورحماً) لأن السيدة مارية القبطية مصرية، وأسلمت السيدة مارية القبطية قبل أن تطأ أقدامها أرض المدينة المنورة، فالذمة والرحم اللذان تحدث عنهما سيدنا رسول الله ﷺ في مصرهما: السيدة مارية القبطية، هذه هي الذمة، والرحم: هي السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل، فهي مصرية أهداها فرعون مصر إلى السيدة سارة أيام أن وطئت أقدامهما الشريفة أرض مصر الطيبة.

стр. 289

درجات الذين يشربون من حوض النبي ﷺ نعود إلى موضوع الحوض، فعدد هذه الأكواب والأباريق التي على حوض الكوثر كعدد نجوم السماء، والذين يشربون من الحوض على أربع درجات: فيهم من يشرب بنفسه، يعني: يقوم يقرب من الحوض فيشرب، وإذا شرب ظفر بثلاثة أشياء: أولها: أنه يضمن دخول الجنة، لأن الحوض آخر مرحلة ويوجد أناس سوف يمنعون الشرب من الحوض والعياذ بالله رب العالمين! المرتبة الثانية: مؤمنون من الناس أعلى إيماناً تسقيهم الملائكة، فالملك هو الذي يسقي المؤمن، حتى إن الملائكة تتسارع أيهم يسقيك. المرتبة الثالثة: وهي أعلى من المرتبتين الأوليين: وهي أن النبي ﷺ يسقيهم بنفسه، الرسول هو السقاء، تخيل أنت عندما تشرب الكأس فتضمن بالشربة الأولى أنك من أهل الجنة الشيء الثاني: أنه يشع في وجهك نضرة النعيم، يعني: أن وجهك يتلألأ نوراً، ثالثاً: ينزع من قلبك الحقد والغل والحسد قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر:٤٧] وهذه الأخوة الصادقة التي ليس فيها ضغينة ولا حقد، لأن هذا الحقد نار، ولا يوجد في الجنة، والحسد من الشيطان ولا يوجد شيطان في الجنة، والحقد والحسد ألم، ولا يوجد ألم في الجنة، إنما فيه رضا من رب الرضا، اللهم ارض عنا يا رب! المرتبة الرابعة: أصحاب درجات عالية تقوم الملائكة تريد أن تسقيهم، ويقوم الحبيب يريد أن يسقيهم، فيقول الله: يا محمد! يا ملائكتي! دعوني وعبدي هذا، فقد وعدتهم أن أسقيهم أنا بنفسي قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١] يا أخي! الإنسان يصبر في الدنيا ويتحمل المشاق، ويجاهد في سبيل الله، ويقول الحق لا يخاف في الله لومة لائم لأجل هذا المآل وهذه الثمرة، وهذه النتيجة، فهؤلاء هم الذين يفرحون في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 290

الأصناف الذين يمنعون من الشرب من حوض النبي ﷺ وهناك نصوص وأحاديث يحدثنا فيها الحبيب المصطفى ﷺ عن الذين يذادون عن حوضه أي: يمنعون عن حوض الكوثر والعياذ بالله! وهؤلاء ثمانية أصناف: الصنف الأول: المرتد عن دين الله، وهذا مثاله كأن تأتي امرأة متبرجة فتقول لها: يا أمة الله! تحجبي الحجاب واجب، فتقول: ومن قال لك إنه واجب؟! فتقول: الله أمرنا بذلك في آيات من سورة الأحزاب والنور، فتقول: حتى ولو أمرنا الله فأنا أنكر هذا الحجاب، فهذه مرتدة عن دين الله، وإن نطقت بالشهادتين، وإن صلت وصامت، وإن زكت وحجت، فهي مرتدة. كذلك إنسان لا يأتي ليصلي الجمعة فتقول له: يا أخي! اتق الله لماذا لا تصلي الجمعة؟ الله أمرنا بها ورسوله، فإن قال: والله يا أخي أنا أحياناً أسأل الله أن يهديني فادع لي بالهداية، فهذا مسلم عاص، وكذلك المرأة التي لا تتحجب وتقول: أسال الله أن يهديني للحجاب، فهذه مسلمة عاصية، لكن عندما يرفض ويرد الأمر على الآمر فهذا مرتد، وأقيس على هذا الأمر كل من يرد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فإذا رده الإنسان على الله فهو مرتد عن دين الله والعياذ بالله! كذلك الذي يقول: لماذا نرجم الزاني ونقطع يد السارق، ونقتل القاتل، ونجلد شارب الخمر ثمانين جلدة؟ هناك بديل لهذه الحدود وهو السجن كل حسب جرمه أربعين سنة أو خمسين سنة ويكفي، فهذا كذلك مرتد! الصنف الثاني: المحدث في دين الله ما لم يأذن الله به، الذي يبتدع في الدين بدعة جديدة ليست موجودة، والمراد بهم أهل البدع. ومن هذه البدع الموجودة؛ زخرفة المساجد، وتحلية المصاحف بالذهب والذكرى السنوية بمولد النبي ﷺ ، وكذلك قراءة آية الكرسي جهراً بعد كل صلاة، والعتاقة للميت، يقول لك: هذا يقرأ له المصحف عشرة آلاف مرة حتى يعتق من النار، من أراد أن يعتق من النار فليخف دائماً من العزيز الجبار، ولا ينسى صولة القهار، وليعد نفسه قبل أن يقف أمام الرحيم الغفار، هذا هو الفعل الذي يعتقها، أما العتاق فهو محدث في دين الله لم يأذن الله به. الصنف الثالث: من خالف جماعة المسلمين، يدخل عندك يقول: هذا الشيخ يكفر الحاكم أم لا؟ فتقول: لا، فيقول: إذاً أنا لا أصلي وراءه، وهناك فرقة في مصر تعتقد أنه لا يصلى في مساجد الحكومة لأنها مساجد ضرار يجب أن تهدم، وهذا يعني أننا لا نصلي، ويقول قول النبي ﷺ : (من خالف الجماعة فاقتلوه) من خالف جماعة المسلمين من الفرق القديمة، ومن على شاكلتهم في الحديث، كالخوارج، والإسماعيلية، والإباضية، وكل هذا الكلام سفسطة. الصنف الرابع ممن يطردون عن الحوض: الظالم المسرف في ظلمه وجوره، يوجد أناس ظلمة كبار في الدولة وفي غير الدولة. الصنف الخامس: أناس قاتلوا أهل الحق، وقتلوا الدعاة، والعلماء، والذين يقتلون من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هؤلاء من الذين يمنعون ويطردون عن الحوض يوم القيامة. الصنف السادس: المجاهرون بالكبائر، النبي ﷺ يقول: (إذا بليتم فاستتروا) فلا تجاهر بالمعصية، وعندما يسترك الله وتصبح الصبح تجاهر بالمعصية؛ فإذا فضحت نفسك فضحك الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة، فالمجاهر بالكبيرة سيمنع من ورود الحوض يوم القيامة. الصنف السابع: وكذلك المستخف بالمعاصي، كمن يأتي في العرس برقاصتين وثلاث مغنيات وفرقة إنشاد، ويقول لك: الأمر سهل، الصحابة ﵃ كان الواحد منهم إذا تخلف عن تكبيرة الإحرام خلف رسول الله عزاه الصحابة في يومه، وإذا فاتته صلاة الجماعة كلها مع الرسول عزاه الصحابة ثلاثة أيام كأنما مات له ميت. يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء. وبعضهم اشترطوا في الأغنية ألا تصاحبها آلات وترية، وألا يغني رجل أمام نساء، ولا امرأة أمام رجال، وأن تكون كلماتها تحث على الفضيلة، وحسن الخلق، والقرب من الله، والدفاع عن الأرض، والعرض، والوطن، والدين، فعندما تجد أغنية بهذا الشكل فأنا أول السامعين معك. والإنسان الذي يستخف بالمعاصي والعياذ بالله رب العالمين يموت على ما شاب عليه، وذكرنا أنه في زمن الإمام الغزالي ﵁ حدث أن رجلاً كان طوال حياته يلعب الشطرنج، وكلهم يقولون له: قل: لا إله إلا الله، عند سكرات الموت، وإذا به يقول: كش ملك، كش ملك! وذكر الغزالي: أن رجلاً كان يعمل سمساراً طوال حياته في السمسرة فقيل له عند الموت: قل: لا إله إلا الله، وكان رجلاً فارسياً فقال: ده ده، يعني: عشرة خمسة عشرون إلخ. الصنف الثامن: أهل البدع الذين يزيدون في الدين. هؤلاء هم الثمانية الذين يمنعون من الحوض والعياذ بالله يوم القيامة، فاللهم أوردنا حوض نبيك يا رب العالمين. ثم بعد موقف الحوض ذكر لنا النبي ﷺ قصة رجلين أمرهما رب العباد سبحانه أن يقذفا بأنفسهما في النار، فصار أحدهما منفذاً لأمر الله، فلما قذف نفسه في النار إذا بها تكون برداً وسلاماً عليه؛ لأنه نفذ أمر الله، وجعل الآخر يلتفت قال له الله : عبدي! لم التفت قال: رجاء رحمتك يا رب! قال: أدخلوه الجنة. هكذا عشنا ست عشرة حلقة إلى أن بلغنا الحوض، فاللهم اجعل مآلنا إلى جنة رضوانك يا رب العالمين! جزاكم الله عنا خيراً، وبارك الله فيكم، وشكر الله لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 291

سلسلة الدار الآخرة_الجنة والنار إن يوم القيامة يوم عصيب، يجمع الله فيه الخلق فيجازي المحسن بالإحسان، ويجازي المسيء بالإساءة، فميزان الفصل بين العباد إما إلى جنة وإما إلى نار، وقد ذكرت الجنة والنار متلازمتين في كثير من آيات كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ .

стр. 292

ذكر ما يحصل من أحوال يوم القيامة الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يا رب عليهم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث عن الحوض، فاللهم أوردنا حوض نبينا يا رب العالمين. وربما حدث لبس لبعض المستمعين لهذه الحلقات، من قولنا: إن من الناس من يعبر الصراط وينجو من قناطره الصعبة، ثم بعد ذلك يمنع ويطرد من الحوض. وتحدثنا في الحلقة السابقة عن أنواع ثمانية لا تشرب من حوض الكوثر ولا ترد عليه؛ بل تردهم الملائكة وتمنعهم من الشرب، فينهض الحبيب المصطفى ﷺ لكي يشفع لهم عند مولاه ، لكن الله لا يقبل فيهم شفاعة المصطفى ﷺ ، فالمسألة صعبة وليست من السهولة بمكان. وعرفنا أن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه، وتثقل حسناته في الميزان، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! ثم بعد ذلك يعبر الصراط، فإذا به يمنع من الحوض، فكيف يكون ذلك؟ هناك رأي وجيه لبعض العلماء يقول: إن الحوض قبل الصراط. ومعلوم أن كل الحديث عن الدار الآخرة، وكل الأحداث الخطيرة الرهيبة العظيمة الجليلة التي لا تخطر ببال بشر سوف تحدث لنا بعد أن نخرج من قبورنا عرايا كما ولدتنا أمهاتنا، فيؤمن الإنسان بذلك ولا يعمل فيه عقله، فليس فيها إعمال فكر ولا اجتهاد ولا قياس، ولكن نأخذ الأمر كما هو؛ لأن ترتيب حديث البخاري والترمذي فيما رواه أنس ﵁، ورواه أبو هريرة: أن أنساً كان يريد أن يطمئن هل سيقابل الحبيب المصطفى في الآخرة أم لا؟ فقال: (يا رسول الله! أين أجدك يوم القيامة؟ قال له رسول الله ﷺ : يا أنس! تجدني عند الميزان، فقال له: فإن لم أجدك عند الميزان؟! قال: تجدني عند الصراط) يريد أنس أن يطمئن، مع أنه ظل مع سيدنا الحبيب ﷺ عشر سنين. فلو أن مدرساً مشهوراً يعلمك فإنك تفخر به فتقول: أنا علمني المدرس فلان. فـ أنس عندما كان طفلاً عمره عشر سنين علمه الحبيب المصطفى ﷺ ، فأي فخر هذا، وأي عظمة تلك؟! فقال له سيدنا أنس: (فإن لم أجدك عند الميزان؟ قال: تجدني عند الصراط)، فأراد سيدنا أنس أن يطمئن أكثر؛ لأنه قلق (فقال: فإن لم أجدك عند الصراط؟ قال: تجدني عند الحوض، لا تخطئني هذه الأماكن الثلاثة). فهذا هو الترتيب الذي ذكره رسول الله ﷺ في هذا الحديث للدار الآخرة: الميزان، الصراط، الحوض. لكن اجتهاد بعض العلماء، وإذا سمحوا لنا أن نأخذ ترابهم على رءوسنا فيكون تواضعاً منهم كبيراً، كـ ابن القيم وتلاميذ أبي حنيفة، لهم رأي أن الحوض قبل الصراط. ولكننا نحن مع ترتيب الحديث؛ لأن الحديث يفيد هذا الترتيب: يا أنس! تلقاني عند الميزان؛ لأنه عندما يخف الميزان، تتدخل شفاعة الحبيب ﷺ . فإن لم تجدني عند الميزان تجدني عند الصراط، فالذي تزل قدمه أو تنزلق أو يقوم ويكبو تأتيه صلاته على رسول الله ﷺ في الدنيا، فيتقدم الحبيب ويأخذ بيده ويمر به. فإن لم تجدني عند الميزان، تجدني عند الحوض أسقي المؤمنين، اللهم اسقنا بيد نبينا شربة لا نظمأ بعدها أبداً.

стр. 293

ذكر قضايا الخلق مع الجنة والنار يوم القيامة وفي رعب رهيب أتعسس الخطى لأدخل على أخطر حلقات الدار الآخرة، وهي الحديث عن قضية الخلق وما خلقنا من أجله، فمن عمل صالحاً دخل الجنة ومن عمل غير صالح دخل النار، والنهاية التي أنت مخلوق من أجلها إن كنت مؤمناً كان مكانك في الجنة، اللهم اجعل الجنة مآلنا ومكاننا ومنزلنا يا رب العالمين! وإن كان غير ذلك فالمآل والعياذ بالله شر مقيت، وكان يوماً عبوساً قمطريراً. هذا اليوم العبوس يوم القيامة ينتهي بنهاية سيئة على الكافر والفاجر والظالم والمنحرف والزنديق والمرتد والمرابي، والذي لا يأتمر ولا ينتهي عندما أمر الله أو نهى فيما أنزل في محكم كتابه وما جاء به نبينا ﷺ . وإني لا أعرض عرضاً أكاديمياً لمسألة النار والجنة، فليست المسألة عرضاً علمياً سوف نشرحه، ولكننا نريد أن نعرف أهل النار لكي نبتعد عنهم، ونعرف أهل الجنة فنعمل بعملهم. دخل سيدنا الحسن البصري ﵀ المسجد، والطلاب ينتظرون الدرس، فرأى أول صف يبكي بكاءً مراً، فقال لهم: ما يبكيكم؟ -وهذا هو جيل التابعين الذين كان أساتذتهم صحابة رسول الله ﷺ قالوا: سبقنا الصحابة على خيل مضمرة، ونحن على حمر معقرة، أي: نركب حمراً هزيلة، ويقصدون أن أعمال الصحابة مثل فرس السباق من سرعته فسبقونا؛ لأننا نركب حمراً معقرة، يعني: فيها عقر، كالحمار الذي له ثلاث أرجل، أو كحمار رجله مكسورة، أو حمار لا يرى أمامه، أو حمار يضع أنفه في الأرض. فلما وجد عندهم هذا الحنان والخوف والتواضع بشرهم وقال: ما دمتم على الطريق فسوف تصلون إن شاء الله. أي: المهم أن تكونوا على الطريق، اللهم اجعلنا على الطريق يا رب العالمين! وسنقوم بعمل مقدمة إن شاء الله هذا اليوم من الكتاب والسنة في نصوص تجمع ما بين الجنة والنار، ثم بعد ذلك نفرد حلقات منفصلة للنار وحلقات منفصلة للجنة. وسنتكلم عن الخوف من النار في الدنيا، وذلك بعد المقدمة عن النار والجنة، ثم نتكلم عن النار في حلقات منفصلة عن الخوف منها في الدنيا، أي: كيف نخاف من النار خوفاً عملياً؛ لأن الناس تخاف من النار نظرياً لا عملياً، ولكننا نريد أن نخاف خوفاً عملياً من النار، فمثلاً الذي يمتحن امتحاناً يخاف خوفاً عملياً فلذلك تجده يجتهد في المذاكرة. فنحن نريد أن نخاف من النار عملياً؛ لأن جميع الناس في الدول المتخلفة أو الدول المتقدمة ما بين حاكم ومحكوم لا يخافون من النار عملياً أبداً، وإلا فلو خفنا من النار مخافة عملية لما ظلم المسلم مسلماً، وما ظلم حاكم محكوماً أبداً؛ لأنه خاف خوفاً عملياً من النار، ونحن نريد أن نخاف خوفاً عملياً؛ لأن الصحابة سبقونا بخوفهم من الله . دخل رجل على سيدنا عمر فقال له: يا عمر الخير جزيت الجنة، اكس بنياتي وأمهنه أقسمت بالله لتفعلنه فظن سيدنا عمر أن الرجل يمزح، فقال له: وإن لم أفعل؟ فقال له: إذاً فوالله لأذهبنه فقال له سيدنا عمر: وإذا ذهبت؟ فقال له: والله عني لتسألنه يوم تكون الأعطيات منه إما إلى نار وإما جنه فبكى عمر وانتحب حتى هدأه الصحابة فقال: أعطوه مائة دينار من مال الخطاب لحر ذلك اليوم لا لشعره. أي: حتى لا يظن أننا أعطيناه للشعر الذي قاله. ولما رأى نفسه وجهاً لوجه مع عجوز لديها يتامى وهي تغلي لهم ماءً في القدر، قال لها: ماذا تفعلين يا أمة الله؟! فتقول له: وما شأنك أنت؟ فيقول لها: أريد أن أسأل، فقالت له: لدي ستة يتامى، فقال لها: وما هذا الذي في القدر؟ فقالت: ماء أسكتهم به، والله بيننا وبين عمر. وضعت ماء يغلي، وهم يسألونها: هل نضج الطعام؟ فتقول لهم: ليس بعد يا أولادي، حتى يناموا، فهي تسكتهم بهذا الماء، فخاف عمر خوفاً شديداً. هذه الأيام لو جئت تقول لوزير: الله بيننا وبينك، سيهزأ بك ويقول: خذنا على جناحك، أو خذ لنا مكاناً بجانبك. سبحان الله! نسأل الله السلامة، نسأل الله الهداية، اللهم اهد كل ظالم، وتب على كل عاص، واهد الضالين يا رب العالمين! إن الذي ذاق حلاوة القرب من الله لا يفرط فيها أبداً، والذي يخاف من الله يجد حلاوة في العبادة جميلة، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، فالمؤمن يخاف أولاً، وبعد ذلك يطمع، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. فلما قالت المرأة: الله بيننا وبين عمر، قال عمر: وما يدري عمر بكم؟ فقالت له: عجباً لك، أيلي أمرنا ويتركنا! فعاد عمر وأخذ عبد الرحمن بن عوف ومعه الدقيق والسمن والعسل، ويقول لـ عبد الرحمن: احمل علي، فيقول: أحمل عليك أم عنك يا أمير المؤمنين! فيقول له: ثكلتك أمك احمل علي، أتحمل وزري يوم القيامة؟ فيذهب سيدنا عمر بنفسه إلى المرأة والليلة شديدة البرد في صحراء، فيطبخ وينفخ والدخان يدخل في لحيته وعينيه، وبعد ما استوى الأكل قال للعجوز: أنا أغرف وأنت تنفخين الأكل لكي يبرد، وبعدما غرف لهم قال لها: تعالي غداً عند أمير المؤمنين وسوف أكلمه في أمرك، فترد عليه وتقول: والله إنك لأولى بالأمر من عمر. فذهب واختبأ وراء صخرة، وعبد الرحمن بن عوف يقول له: يا أمير المؤمنين! إنها ليلة شديدة البرد فقال: لن أدع مكاني حتى أراهم يضحكون كما رأيتهم يبكون. إحساس بالمسئولية، لا تطبيل وتزمير! فكلما تكبر مسئوليتك تكبر علتك وحسابك، يقول ﷺ : (يؤتى بالحاكم العادل يوم القيامة على الصراط فينتفض الجسر به انتفاضة، ويطير كل عضو من أعضائه في مكان لا يعيدها إليه إلا عدله). وذهبت المرأة العجوز في اليوم الثاني وهي لم تر أحداً في الليل، أو كانت تغض بصرها عن الذي جاء إليها في الليل، فدخلت على أمير المؤمنين عمر، فقال لها: يا أمة الله! وصلتني شكايتك من الرجل الذي اشتكيت إليه ليلة البارحة وأعطاك الأكل، فبكم نشتري مظلمتك؟ فقالت له: بمائتي دينار، فقال لها: بل أربعمائة دينار - من ماله الخاص- سبحان الله! فكتب في رسالة: هذا ما اصطلح عليه عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أمة الله أم اليتامى واشترى منها مظلمتها بأربعمائة دينار، وشهد على هذا عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، ووقعوا وقال: ضعوا هذه في كفني حتى إذا جئت يوم القيامة قلت: برئت ذمتي بهذه الرسالة. قال نبينا الحبيب ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما) أي: رآهما في النار يعذبان ولكنه لم يرهما في المجتمع الذي كان فيه. قال ﷺ : (رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس) هذا الصنف من أهل النار. ولا بد أن نعرف أن الكتاب والسنة لم يتركا شيئاً نجتهد فيه، فالإسلام وضع إطاراً للحياة بين الحاكم والمحكوم، وبين الرئيس والمرءوس لكي يعيش الجميع في سلام. فهذا الصنف من أهل النار هم جماعة يمسكون سياطاً -جمع سوط- والمصيبة أنه اشتراها من مالك أنت، فهو يأخذ مالك ويشتري به سياطاً ويضربك بها، آمنت بالله رب العالمين، لا إله إلا الله! قال: (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات شعورهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة، ولا يشممن ريحها، وإن ريحها ليشم من مسيرة كذا وكذا) فالرسول ﷺ لم ير في أيامه هذين النوعين: لا رجال الأمن المركزي، ولا النساء الموظفات اللاتي يمشين كل يوم عاريات في الطريق، ويقول الناس لك: هذه لابسة. نسأل الله الهداية، ونسأل الله أن يعيد الغيرة إلى قلوب المسلمين، وأن يعيد الرحمة إلى قلوب المسلمين، وأن يعيد الود إلى المجتمع المسلم، وأن يعيد الأمن والأمان إلى البيوت المسلمة؛ إنك يا مولانا على ما تشاء قدير. الموضوع الأول: الخوف من النار، وسوف نتكلم عليها. الموضوع الثاني: طبقات النار ودركاتها -والعياذ بالله- ومن في الطبقة الأولى والثانية والثالثة حتى الدرك الأسفل والعياذ بالله، وسوف نوضح حتى ننتبه إذا لم نكن نعرف. الموضوع الثالث: صفة قعر جهنم، شكله، ومن فيه، وشكل العذاب فيه. الموضوع الرابع: أبوابها وسرادقاتها. الموضوع الخامس: ظلمتها وسوادها. الموضوع السادس: شدة حرها وزمهريرها. الموضوع السابع: تغيظها وزفيرها. الموضوع الثامن: دخانها وشررها ولهيبها، الشرارة الواحدة مثل الجبل. يقول النبي ﷺ : (لو أن أهل النار وجدوا ناراً من نار الدنيا، لاستراحوا فيها وناموا). الموضوع التاسع: جبالها ووديانها. الموضوع العاشر: سلاسلها وأغلالها. الموضوع الحادي عشر: حجارتها. الموضوع الثاني عشر: حياتها وعقاربها والعياذ بالله. الموضوع الثالث عشر: طعام أهل النار وكسوتهم. الموضوع الرابع عشر: قبح صور أهلها. ويقول ﷺ : (لو خرج جهنمي على أهل الدنيا لمات أهل الدنيا جميعاً من نتن رائحته وقبح منظره). الموضوع الخامس عشر: أنواع عذاب أهل النار، وهي تسعة وسبعون نوعاً من العذاب سوف نفصلها من القرآن ومن السنة، لأن الموضوع ليس فيه اجتهاد. الموضوع السادس عشر: بكاء أهل النار، ويقول ﷺ : (حين تنتهي دموع أهل النار يبكون بدل الدمع دماً حتى لو أجريت سفن في دموعهم لجرت). الموضوع السابع عشر: من هم أكثر أهل النار. الموضوع الثامن عشر: كيف يجوعون وكيف يعطشون. ثم بعد ذلك الحديث عن جهنم بالذات، لأن فيها عصاة الموحدين. كل هذه المواضيع سنتكلم عليها بالتفصيل إن شاء الله. فالحديث عن النار حديث ثقيل جداً على القلب، لكن هذه حقائق العلم التي يجب أن يكون الإنسان أمي

стр. 294

مقدمة عن الجنة والنار من الكتاب

стр. 295

الكفار يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة يقول الله في سورة البقرة: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. والسبب: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٢١]. فعندما نأتي للحديث عن زواج المسلم بغير المسلمة، يأتي شخص ويقول: يا شيخ! أنا متزوج امرأة إنجليزية؛ فتقول له: لماذا يا بني! هل أسلمت؟ فيقول: لا، لكن هي مسيحية، فتقول له: لا يجوز هذا الزواج، فيقول لك: كيف ذلك؟ فتقول له: لأنها كافرة؛ لأنها تقول: عيسى ربي، وتقول: عيسى ابن الله، وتقول: إن المسيح جالس على يمين الله. سأل رجل ابن عباس ﵄: أأتزوج من نصرانية يا ابن عباس؟! قال: لا، قال: عجباً! أتحرم ما أحل الله، فقد أحل الله لنا أن نتزوج من أهل الكتاب، قال: كفاها كفراً أن تقول: عيسى ربي أو عيسى ابن الله، ولا يوجد كفر أكثر من هذا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، فالله حكم عليهم بالكفر، ومعنى: أنها من أهل الكتاب، إذا أيقنت وآمنت أن عيسى بشر وأن مريم صديقة، ولدت المسيح ﵇ بمعجزة إلهية، ومعجزة الله في آدم أكبر من معجزته في عيسى، فإذا كانت المعجزة في المسيح أنه خلق من غير أب، فآدم خلق من غير أب ولا أم، يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩]، فالمعجزة في آدم أكبر؛ لأنه خلق بغير أب ولا أم. فإذا أيقنت النصرانية أن عيسى ﵇ بشر، وأن مريم صديقة وأنها بشر عادي ولدت المسيح ﵇ بمعجزة، وأن محمداً ﷺ نبي رسول، والقرآن من عند الله لا من عند محمد مثلما يقولون لهم في الكنيسة، وليس من الضروري أن تدخل في الإسلام، ويكفي أن تقتنع بهذا، فتكون من أهل الكتاب ويحل للمسلم أن يتزوجها. وإذا تزوج المسلم من نصرانية ارتكب أخطاءً ثمانية، ولسنا هنا في مكان التفصيل، ولكن نتوقف قليلاً في آية سورة البقرة: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]. من ضمن الثمانية الأخطاء التي ارتكبها: أولاً: تزوج كافرة وهذا لا يحل. ثانياً: إذا ماتت لا يرث منها؛ لأن أصحاب الملتين المختلفتين لا يتوارثان أبداً. ثالثاً: تسبب في عنوسة البنت المسلمة. رابعاً: فيه خطورة على أولاده قد يذهبون إلى الكنيسة؛ لأن ولاءها لعقيدتها، وكلنا نرى البلايا التي تحصل من أولادنا الذين يذهبون إلى الخارج ويتزوجون؛ فعدد البنات بدأ يكثر عن عدد الأولاد؛ وذلك لأننا صعبنا مسألة الزواج فتوقف طابور الزواج، وأصبح من المستحيل الآن على شاب دخله محدود يستطيع أن يتقدم للزواج، فنحن للأسف نصعب مسألة الحلال، فصار الحرام عند شبابنا ميسوراً، لكن في زمن الصحابة كان الحلال سهلاً، وكان الحرام صعباً، لكن الناس الآن صعبوا الحلال، فانقلب الأمر وصار الحرام ميسوراً والعياذ بالله رب العالمين. إذاً: العلة في أن المسلم لا يتزوج بكافرة؛ لأن هذه تدعو إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه.

стр. 296

الزحزحة عن النار ودخول الجنة هو الفوز الحقيقي قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (كل) هنا لفظ عام ولا يوجد استثناء، فكل نفس ذائقة الموت، فالذين يقولون: إن الخضر ما زال حياً يكذبون الآية. فالله يقول لحبيبه ﷺ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. ويقول تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فكلهم ماتوا. ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فهذه نصوص قرآنية ولا اجتهاد مع النص، فيقولون: كلا، سيدنا الخضر ما زال حياً، وعندما يتكلمون عن الخضر تجد الدرويش جالساً بجانبك، ويقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فتقول له: على من تسلم؟ فيقول: لأننا ذكرنا سيرة الخضر. قال تعالى: ((وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) فمن كان مجهداً في الدنيا لا يأخذ جزاءه في الدنيا؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء، وهي معبر وليست النهاية، ونحن في الدنيا مثل الضيوف نجلس فيها أياماً ونذهب، والضيف لا يشتري أرضاً ويبنيها، والناس كجهنم: هل من مزيد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، وهكذا بطن ابن آدم، تقول له: هل شبعت؟ يقول لك: لا، بقي ثلاثة آلاف، أو ربع مليون، أو نصف مليون وهكذا؛ لأن الناس غاب عنهم الدين بالبحث عن لقمة العيش، فتجد أكثر الناس يقولون: أنا لست متفرغاً لك، ويقول أحدهم: هؤلاء أناس ليس عندهم عمل. قال تعالى: ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) وليس الذي أخذ شهادة البكلريوس هو الذي فاز. وأنت تقول للمرابي: خسر؛ لأنه أخذ ربا، ولكن الشيطان يزين له المسألة، فيقول له: أنا سأضع المال في الربا وإذا حصلت على خمسين ألفاً سوف أتبرع للجامع بعشرة آلاف جنيه. والمال الحرام يا أخي إن أنفقته فهو زادك إلى جهنم، (وإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). ومن هنا نعلم أن الفوز ليس في الدنيا. يقول تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]، ولو أننا نقرأ القرآن بتدبر لعرفنا الفوز الحقيقي، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ولذلك عندما يثقل ميزان عبد ينادي الملك ويقول: لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لن يشقى بعدها أبداً، اللهم اجعلنا من السعداء المرحومين يا رب العالمين! فالفوز الحقيقي هو أنك تزحزح عن النار، مجرد زحزحة فقط. يقول ﷺ : (آخر رجل من أمتي يخرج من النار دعا الله وقال: يا رب! أخرجني من النار، لقد طال عذابي فيها، قال: عبدي! أئن أخرجتك لن تطلب شيئاً آخر؟! قال: يا رب! لا أطلب شيئاً آخر، فيقول: أخرجوه، فينظر أمامه فلا يرى إلا النار، وعن يمينه لا يرى إلا النار، وعن شماله لا يرى إلا النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عنها، فيقول عبدي! أما عاهدتني ألا تطلب شيئاً آخر؟ فيقول: يا رب! هذا آخر طلب لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول: اصرفوا وجهه عن النار) فيخرج من جهنم والعياذ بالله وهو أسود كالفحم محروق. فإذا به يرى على البعد شجرة تميل أغصانها يمنة ويسرة، فتكون الشجرة عندها نسمة هواء وتحتها ظل ظليل ونهر جار فبالله عليكم، هل يصبر أم يتكلم؟ إن هذا منظر يجعل الأخرس يتكلم، فأنت عندما تعود من عملك الساعة الثالثة ظهراً تتمنى أن يكون في البيت ماء بارد تسبح فيه، أو أن تسكب على نفسك دلو ماء بارد، وهذا الرجل خارج من جهنم، ومجرد أن رأى الشجرة والهواء والماء سال لعابه. يقول الحبيب ﷺ : (وجد ما لا صبر له عليه، فيقول: يا رب! انقلني تحت ظلها أستمتع بنسيمها وأشرب من مائها، فيقول: يا عبدي! ألم تعاهدني؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، أنت الرحمن الرحيم، فيقول: انقلوه، فيشم الهواء ويستريح قليلاً ويشرب قليلاً من النهر، وإذا بشجرة أجمل وبنسيم أكثر وبنهر أفضل على بعد) فالله سبحانه ينقله درجة درجة؛ لأنه لو انتقل مرة واحدة سيضيق. ولا أطيل عليكم الحديث وهو حديث صحيح، فعندما ينقله النقلة الثالثة يكون قريباً من باب الجنة؛ وهكذا يدخله الجنة على مراحل؛ ولذلك قال الحبيب ﷺ : (لولا أن الله لم يكتب عليه الموت مرة أخرى لمات من شدة الفرح) (فعندما رأى باب الجنة، قال: يا رب! فيقول: عبدي!، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى عبادك، فيقول: ماذا تريد؟ فيقول: على بابها) فتراه يطمع في كرم الله، والرحمن الرحيم يطمعه في كرمه ويأخذه إلى الجنة شيئاً فشيئاً. (فلما جلس باب الجنة رأى الجنة فيقول: يا رب!، فيقول: عبدي، فيقول: اجعلني على عتبة بابها من الداخل فلما نظر قال: أدخلوه، فاستغرب العبد، فيقول: كيف يا رب! وقد ملكها أصحابها؟!) فهو نظر ورأى كل واحد لديه مكان في الجنة، وليس له مكان، (فيقول: ادخل، إن لك عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتهزأ مني وأنت رب العالمين) فيا كريم، ويا حنان ويا منان! لا يوجد أحن من الله ، فهو أحن إلينا من آبائنا وأمهاتنا، ومن أقاربنا وأصدقائنا، ما طرق عبد بابه ليل نهار إلا واستجاب له، والله إذا طرقت باب الله في ليل أو نهار بإلحاح لأعطاك الله ما تريد، ولكن ادع الله بيقين، فالله لا توقفه عظم المسائل. قال الله في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) وماذا تأخذ الإبرة من البحر؟! إن الله لا ينقص ملكه مسألة السائلين ولا كثرة المسائل، وكل يخاطبه بلهجات مختلفة، والله هو السميع البصير. قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، يعني: أن الناس كلهم يتكالبون عليها ويظنون أن الدنيا هي المآل.

стр. 297

ذكر حوار أهل النار وأهل الجنة قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، ففي الأعراف أنواع من النداء ما بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤]، أي: الذي وعدنا به ربنا قوله: إن أطعتموني أدخلكم الجنة، فأطعناه فأدخلنا الجنة وأنعمنا فيها. قالوا: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤]، أي: هل وجدتم أن الله وعدكم أنكم لو انحرفتم وفجرتم وظلمتم وجدتم العذاب؟! ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤]، وهذه أول مرة يقول المنحرف فيها: نعم، إذ لم يقل يوماً ما: نعم للدين، ولا لأهل الله، ولا للعلماء أبداً، ولكنه يقول: نعم لكل فوضى، نعم لكل انحراف، سبحان الله، لكن نعم لله، نعم لطاعة رسول الله، نعم للدين والاستقامة، فلا يعرفها أبداً. فهذا النداء بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، فكيف يكلمونهم؟ إن أصحاب الجنة سيطلعون على أهل النار، وبينهما حجاب يمنع وصول النعيم لأهل الجحيم، ويمنع وصول العذاب لأهل النعيم. فالجدار أو الحجاب أو الحاجز من ناحية فيه العذاب لأهل جهنم، ومن الناحية الأخرى الرحمة، حتى إن المسلم والمؤمن في الجنة يحب أن يرى صاحبه الذي كان في الدنيا. وسنأتي إلى هذا كله. قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٤ - ٤٥]، فهي ليست مسألة كفر وإنكار تام، لكن عندما تقول للمرء: لماذا لا تصلي؟ فيقول: يا أخي! المهم أني أعمل خيراً، ولا أظلم أحداً، ونيتي خالصة، وأنا أحسن من مائة واحد يصلي! وتقول للتي لا تتحجب: لماذا لا تتحجبين؟ فتقول لك: مسألة الحجاب فيها أقوال. والحجاب أمر، ولكن هي ليست مقتنعة به، فإن شاء الله ستقتنعين في النار، لو أتاها الموت اليوم وهي عريانة، فما الحل، وما العمل؟! فالمسلم يجد إيقانه بالآخرة هو أن يعرف كيف يعمل لهذا اليوم، وكيف يستعد له، إن قوماً غرتهم الأماني يقولون: نحسن بالله الظن، والله لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل، ولكن للأسف كثير من الناس يأتي إلى الدرس ويتأثر به ويبكي ويولول وينهار، وعندما يخرج من الدرس، يضرب الابن ويضرب الزوجة، ويعق أباه، ويبخل على أهل بيته، والزوجة تخطئ على زوجها وتضيع ماله في غير ما يرضي الله ، وهكذا. سبحان الله! لا يوجد رحمة، وطالما أننا لا يرحم بعضنا بعضاً، فلن تنزل الرحمة من السماء، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٤٥]. الصد عن السبيل من أكبر المصائب، فترى الصاد عن سبيل الله يخرب المساجد ويقول: المسجد يسبب لنا إزعاجاً، فتقول له: لماذا؟ فيقول لك: لأن هناك أناساً كثيرين يأتون إليه. فما رأيك؟ لا تريد أن يأتي أحد إلى المسجد، يشربون الخمر أفضل؟! سبحان الله! قال تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف:٤٥]. هناك مسرح تجريبي افتتحوه الأسبوع الأول، وفي آخر المسرحية رمز للكعبة وامرأة ترقص حول الكعبة رقصاً شرقياً، وناس يلبسون اللباس الأبيض والأحزمة السوداء ويقولون: الله حي، الله حي. لو ضرب هذا الإنسان وجيء بمن هو مسئول عن هذا فيقتل ويعدم في ميدان عام لكان هذا قليلاً؛ لأن هذا استهزاء بدين الله. ولو شتمت موظفاً أثناء تأدية عمله سوف تتعرض للعقوبات، ولو هزأت بأحد من علية القوم فماذا سيكون مصيرك؟! فما بالك وأنت تفتري وتسخر من دين الله ؟! نسأل الله السلامة، وننتظر مع ذلك أن ينزل الخير؟ كيف سينزل الخير؟! قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠]، هذا نداء آخر، وهذه النصوص تجمع بين الجنة والنار. وكلمة (أصحاب) تشير إلى معنى كأن الذي سكن الجنة صاحب لها، والذي سكن النار صاحب لها. قال تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، يسألونهم الماء، فيقول أحدهم: ألست تعرفني؟ فيقول له: نعم؛ أعرفك، فيقول له: أعطني قليلاً من الماء، فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، أي: حرم الماء ورزق الجنة على الكافر الذي دخل النار، والعياذ بالله رب العالمين. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف:٥١]. وعندما لا نطبق أوامر الدين فنحن نلهو ونلعب، ونخوض في دين الله بغير علم. قال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٥١]، أي: الدنيا ضيعتهم بالجاه والمنصب والمال، فكل واحد منشغل في الحياة، فإن قلت: يا بني! اقطع من وقتك شيئاً لله، اذهب إلى بيت الله واسمع درس علم، حتى المتدين عندما تكلمه يثور ويثور، ويقول: نحن وأنتم؟! يا سبحان الله! هل قسمت الدين بيننا؟! ونحن نعبد رباً واحداً، ونقرأ كتاباً واحداً وهو القرآن، ونتبع رسولنا محمداً ﷺ ، وتأبى يا أخي! إلا اختلافاً، وتقول: لا بد من الخلاف، سبحان الله! قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١]. فكما نسي الكافر الفاجر الظالم ذكر ربه وأوامره في الدنيا، فالله ينساهم في الآخرة، والعياذ بالله رب العالمين.

стр. 298

وضع ميزان العدل بين العباد يوم القيامة إذ لا مساواة بين المؤمن والكافر وآخر مثال قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]، فليس من الممكن أن تساوي بين الحي والميت، ولا أن تساوي بين الظالم والعادل، ولا أن تساوي بين المستقيم والمنحرف، ولا الظل ولا الحرور، ولا الأحياء ولا الأموات أبداً. اللهم اجعلنا من الفائزين يا رب العالمين!

стр. 299

مقدمة عن الجنة والنار من السنة

стр. 300

دخول الجنة بالمكارة ودخول النار بالشهوات قال ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات). وقال ﷺ : (خلق الله الجنة وقال: يا جبريل! اطلع عليها اطلاعة، فرأى سيدنا جبريل الجنة وما فيها من نعيم فعاد منشرحاً فقال: وعزتك وجلالك ما سمع أحد عنها إلا ودخلها، ما أظن أن أحداً لن يدخلها) فهذا نعيم ما بعده نعيم، وكلٌ سيعمل حتى يرى ذلك. قال ﷺ : (فأحاطها الله بالمكاره) فمن المكارة أن تأتي الجامع في الحر، وتقوم لصلاة الفجر، وتقوم بالليل، وتصوم بالنهار، وتتحمل الظلم والأرق، وتتحمل زوجتك سليطة اللسان، والزوجة الطيبة تتحمل زوجها، وكذلك الصبر وعدم الشتيمة، ولا ترد على السيئ بالسيئ، فكل هذه مكاره يصعب جداً تحملها. فقال: (اذهب فانظر إليها، فعاد جبريل فقال: ما أظن أحداً سوف يدخلها) لأن فيها مكاره كثيرة، فكيف ترجع الحقوق لأهلها، وكيف يعبد الله حق عبادته، وكيف يتقى الله حق تقاته، وكيف يكون الرجل مؤمناً صادقاً، وكيف لا يحمل في قلبه كبراً ولا حقداً على مسلم؟! فالمسألة صعبة. قال: (ولما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اطلع عليها اطلاعة، فعاد جبريل مرعوباً وقال: وعزتك وجلالتك ما سمع أحد عن عذابها إلا وعمل من أجل عدم دخولها) أي: ليس من الممكن أن يدخلها أحد. قال ﷺ : (فأحاطها الله بالشهوات) بنظرة، وكلمة، وأغنية، ورقصة، وهذه جلسة، وهذا مال جاء بطريقة غير مشروعة، وهذه ليست رشوة هذه إكرامية، وهذه تفتيح مخ، وهذه ترشيد حال، وهذه ليست خمراً بل تنظف الكلى، سبحان الله! وكلها شهوات. قال ﷺ : (فعاد سيدنا جبريل وقال: ما أظن أن أحداً سوف ينجو منها). فحفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.

стр. 301

الحث على الإدلاج في الليل لبلوغ الجنة النص الثاني: قال رسول الله ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة). والإدلاج: السفر ليلاً، فالعرب قديماً عندما كانوا يريدون السفر لا يسافرون في عز النهار؛ لأن الشمس حارة في الصحراء، فكان الرجل يسافر بعد غياب الشمس، فيقوم بالليل قبل الصباح ويسري ليلاً، فعندما يسمع الصوت يكون قد قطع مسافة، وناقته أو جمله أو دابته ارتاحت فأول ما يطلع الصبح والشمس تشرق، ينصب الخيمة ويرتاح، وهذا اسمه في اللغة العربية الإدلاج. فالرسول ﷺ يقول: (من خاف أدلج)، أي: اشتغل بالليل، ولم يكتب شكاوي، ولم يتسلط على الناس، ولم يسهر أمام التلفزيون، ويسمع المذياع الساعة الواحدة والنصف تقول: الآن تبدأ السهرة، يا سبحان الله! فمتى سننام إن شاء الله؟! فالمصيبة أن الناس صيروا الليل نهاراً والنهار ليلاً، فبعض الناس لا يطيب لهم السمر إلا من بعد الساعة الثانية عشرة. قال ﷺ : (ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) يعني: أنك إذا أردت أن تشتري الجنة، فاتعب قليلاً.

стр. 302

ذكر احتجاج الجنة والنار النص الثالث: (تحاجت الجنة والنار) يعني: حدث بينهما جدال، وكل واحدة تأتي بحجة. (قالت النار: أوثرت بالمتكبرين والجبارين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين، فقال الله : يا ناري! أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وأنت يا جنتي! رحمتي ونعيمي أرحم وأنعم بك من أشاء). فالنار تقول: سيدخلني الجبارون، قال تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]. والمتكبرون هم أصحاب الكبر من سلالة فرعون، فلا يزكي أحد نفسه، فربنا يعلم المحسن من المسيء، فأنت لا تقل عن نفسك أي شيء، نسأل الله أن يرفع الكبر عن قلوبنا. والجبار: الذي يعطيه ماله أو جاهه سطوة يتجبر بها على الخلق، والكبر صفة من صفات الله ، بل لا يتصف بها أحد من خلقه إلا ويجندل في نار جهنم، والعياذ بالله رب العالمين. وقالت الجنة: (أنا لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين) وليس معنى هذا: أن الإسلام مع الضعف والمسكنة، فأنت من الممكن أن تكون غنياً وذا جاه، ولكنك ضعيف في نفسك، وضعيف ذليل مع المسلم، وليس معنى الضعف هنا: الخضوع والتذلل، لكن الضعف هنا هو التواضع واللين والرضا بالقليل، والمسكين في نفسه، وليس المسكنة المتصنعة، قال رسول الله ﷺ : (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين). فالمسكنة نوعان: مسكنة القلب لله، وهذا هو المقصود، ومسكنة المسكين الطبيعي الذي لا يجد ما يأكل. ولكن إياك أن تكون مسكيناً ومتكبراً على الناس.

стр. 303

الأعمال بالخواتيم قال رسول الله ﷺ : (إن أحدكم ليجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يرسل الملك الموكل بالأرواح فيكتب أربع كلمات: رزقه، وعمره، وشقاوته، وسعادته، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيكون من أهلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهلها فيدخلها، فإنما الأعمال بخواتيمها) اللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها يا رب العالمين! وهذا الحديث مهم، وأنا أريد أن تضعوا تحت كلمة (فيما يبدو للناس) سبعمائة خط. فبعض الناس يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، فيكون أمام الناس على الصلاح والتقوى، ولكن لا تخفى على الله خافية، والأعمال بخواتيمها، فلو أنت تصلي، وأنت في التشهد الأخير وتقول: إنك حميد مجيـ ولم تكمل الكلمة فأحدثت، بحيث طلعت ريح، فالصلاة باطلة، لأن الأعمال بخواتيمها. ولو صمت طوال اليوم وفي الساعة السابعة إلا دقيقتين أكلت، -هذا إن لم تكن ناسياً- ضاع يومك. إذاً: الأعمال بخواتيمها.

стр. 304

دعاء الجنة والنار للمؤمنين قال ﷺ : (من استجار من النار سبع مرات، قالت النار: إن عبدك فلاناً استجار بك مني، اللهم أجره) فالنار تؤمن على دعائك، وبالذات بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب. (ومن سأل الله الجنة سبع مرات، قالت الجنة: إن عبدك فلاناً سألك إياي، فأدخله إياي). وهذا سيدنا بلال ﵁ كان حفظه محدوداً، وسيدنا معاذ بن جبل كان من علماء الصحابة، وهو الذي سيحمل راية العلماء يوم القيامة. فقال بلال: (يا رسول الله! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ بن جبل)، فسمى الدعاء والذكر دندنة، وليس معناه: أنك تدندن بالمجون، وإنما كانوا يدندنون بذكر الله، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. ذكر في زمن الصحابة أن عبد الله بن رواحة كان يمسك ناقة رسول الله ﷺ ويحدو للناقة ويقول لها: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا هل هذا غناء؟! ويقولون لك الآن: كان يغني. فسبحان الله العظيم! فالصحابي الجليل بلال ﵁ يقول للرسول ﷺ : (لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ بن جبل). أي: يا رسول الله! أنت عندما تلبس تدعو دعاءً، وعندما تقف أمام المرآة تدعو دعاءً، وتسجد وتدعو دعاء، وتسلم على مسافر فيدعو دعاءً وأنت تدعو دعاءً، فأنا لا أحسن كل هذا الكلام. فقال له الرسول ﷺ : (ماذا تقول يا بلال؟! فقال: أقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار، فقال النبي ﷺ : حولهما ندندن!)، أي: كل الكلام الذي نقوله حول كلامك هذا، فأنت عندما تطلب رضا الله والجنة، وتبعد عن سخطه والنار، فماذا تريد بعد ذلك؟! فعليكم بجوامع الكلم. دخل النبي الحبيب ﷺ على السيدة جويرية بنت الحارث وهي جالسة، وكان النبي ﷺ يصلي الصبح ويجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، وبعد نصف ساعة يصلي الضحى، ويرى إن كان أحداً رأى رؤيا أو كذا، وبعد ذلك يدخل البيت، فوجد السيدة جويرية بنت الحارث عندها كوم نواة من بلح، وكانت تقول: سبحان الله، سبحان الله، وتنقل الكومة من ناحية إلى أخرى، وبعد ذلك تقول: الحمد لله، الحمد لله، وتنقل الكومة إلى الناحية الأخرى، وبعد ذلك تقول: الله أكبر، الله أكبر، وهكذا، فقال لها رسول الله ﷺ : (ماذا تصنعين يا أم المؤمنين! فقالت له: ما زلت بعدك يا رسول الله دائبة، فقال لها: لقد قلتُ كلمات تعدل ما قلتِ وأكثر: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته).

стр. 305

ذكر مناداة الجنة لأصحابها والنار لأصحابها قال رسول الله ﷺ : (ليلة أسري بي شممت ريحاً طيبة، وسمعت صوتاً جميلاً، فقلت: ما هذا الصوت يا جبريل! وما تلك الرائحة؟ فقال: هذا صوت الجنة تنادي وتقول: يا رب! كثر حريري وذهبي وإستبرقي وسندسي وأشجاري وأطياري وأنهاري ولحمي وحوري ونوري فأرسل إلي عبادك المؤمنين)، وهكذا اشتاقت الجنة إلى أصحابها. (فقال: اصبري يا جنة! فلك عندي كل مؤمن ومؤمنة عاش لا يشرك بي شيئاً)، لا إله إلا الله، عليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله. قال: (فردت الجنة: قد رضيت، قد أفلح المؤمنون، فيقول الله : طوبى لك منزل الملوك) أي: أن الشخص المسكين الضعيف الذي لم ير شيئاً من الملك في الدنيا سيكون ملكاً في الجنة. اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، فالعباد الصالحون هم الذين يرثون الأرض، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! قال: (فسمع صوتاً سيئاً، وشم ريحاً خبيثة فقال: ما هذا يا جبريل؟! وما هذه الرائحة؟ قال: هذا صوت النار تنادي يا رب! كثر سلاسلي وأغلالي وغسليني وزقومي وغساقي، وكثرت ودياني وحياتي وعقاربي فأرسل إلي أصحابي، قال: لك كل جبار وكل ظالم وظالمة وكل مشرك لا يؤمن بيوم الحساب).

стр. 306

ذكر جعل الموت على هيئة كبش أقرن وذبحه ما بين الجنة والنار قال ﷺ : (إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، جيء بالموت على هيئة كبش أقرن، قيل: يا أهل الجنة!، يا أهل النار! فاطلع الفريقان، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: هذا هو الموت، فذبح الموت بين الجنة والنار، ثم نادى مناد من قبل العلي الأعلى: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، يا أهل النار! خلود بلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً ويزداد أهل النار حزناً وغماً). قال ﷺ : (إذا فارق الخوف قلب العبد، قال الناس: بئس العبد فلان، إنا نبغضه) عندما تجد رجلاً يبغضه الناس فاعلم أنه لا يخاف الله، وبالعكس إذا وجدت إنساناً يحبه الناس فاعلم أنه يخاف الله .

стр. 307

الترغيب في الجنة والترهيب من النار أخرج البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يا معشر المسلمين! ارغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم، فإنها لو كانت قطرة من الجنة في دنياكم لحلتها لكم، ولو كانت قطرة لكم من النار في دنياكم لخبثتها وأنتنتها عليكم). أي: أحبوا الشيء الذي رغبكم الله فيه، وهي الجنة بالعمل، فلو أن قطرة من الجنة نزلت إلى الدنيا بمرارتها ستكون الدنيا حلوة، ولو أن قطرة من النار -والعياذ بالله- تنزل إلى الدنيا تزيدها خبثاً علينا والعياذ بالله رب العالمين. قال رسول الله صلى الله عليه: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً بليل) أي: أتى في الليل وهو مسافر فأشعل النار. (وأقبلت إليه هذه الفراش) التي تجتمع حول النور. (والذباب الذي يغشى النار، فجعل يذبها) أي: فجعل يطردها. (ويغلبنه) أي: لا يردن إلا أن يقعن في النار كما قال ﷺ : (إلا تقحماً في النار، وأنا آخذ بحجزكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحماً في نار جهنم). شبه نفسه برجل أوقد ناراً فاجتمع الفراش، وأراد أن يمنعهن من النار، ويحذرهن من النار. وهكذا هو حالنا، عندما تحذر أحداً من النار، وتقول له: لا تظلم، لا تنم، لا تسرق، سبحان الله! بدون فائدة، فتراه يريد أن يتخطى حاجز رسول الله ويدخل النار والعياذ بالله، اللهم أبعدنا عنها يا رب العالمين! قال رسول الله ﷺ : (اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات، فلا تلهينكم دنياكم عن أخراكم). فقوله: (اطلبوا الجنة جهدكم، واهربوا من النار جهدكم) أي: اطلب الجنة بالقدر الذي تستطيعه، واعمل أي خير، وأحب المسلمين، وأحب الإسلام، وأحب رسول الإسلام، وأحب القرآن، وأحب مجالس العلم، فالمهم أن تعمل خيراً. قال: (فإن الجنة لا ينام طالبها) وكيف ينام من يطلب الجنة؟ (والنار لا ينام هاربها) وليس من الممكن أن ينام؟! (وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكارة) أي: كل الصعوبات موجودة في طريق أهل الدين، فتجد قرارات وغير ذلك ضدهم، لكن المهرج كل شيء في صالحه. والآخرة محفوفة بالمكاره، والدنيا كلها لذات وشهوات، قال: (فلا تلهينكم دنياكم عن أخراكم). وقال ابن عباس: ينبغي لمن لم يحزن في الدنيا أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، فالذي كان حزيناً في الدنيا لا يحزنه الله في الآخرة. وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأنهم قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، فالإشفاق: هو المخافة من الله . عن عياض بن حمار المجاشعي عن سيدنا ﷺ أنه قال: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط -أي: عادل- متصدق موفق) كمدير المدرسة، أو مدير المستشفى، أو رئيس مجلس إدارة، أو وزير، أو رئيس، أو رئيس وزراء، أو محافظ، أو رئيس مجلس مدينة، أو صاحب ورشة، أو صاحب عمل، أو مدير مكتب، فكل واحد من هؤلاء يسمى ذا سلطان، فما دام تحت يدك أناس يعملون فأنت ذو سلطان، فانتبه أن تظلم أحداً منهم. كذلك امرأتك وأولادك أنت السلطان عليهم، فاتق الله في سلطانك، وفي الحديث: (دينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في رقبة، ودينار أعطيته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك، قال: الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظم أجراً). والصنف الثاني من أهل الجنة: (ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم) أي: رجل رحيم بالناس رقيق القلب، قلبه حنون ليس جامداً، تجد بعض الناس يقول: أنا من يوم أن ولدت لم أبك قط، فنقول له: نسأل الله أن يرقق قلبك، وذهبت امرأة تشكو لـ عائشة ﵂ أنها لا تبكي، فقالت لها: اذكري الموت والآخرة يرق قلبك يا أمة الله! والصنف الثالث من أهل الجنة: (وعفيف ضعيف متضعف ذو عيال) أي: رجل لا يجد ما يأكل، كأن يكون موظفاً متعففاً دخله محدود ولديه أولاد، ولا يمد يده للناس، فهذا من أهل الجنة إن شاء الله، اللهم اجعلنا من أهلها. قال: (وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبغون فيكم أهلاً ولا مالاً)، وهذا هو الإمعة، الذي يكون تبعاً، فأيام الملك يقول: يعيش الملك، وأيام الثورة يقول: تحيا الثورة، وأيام الاشتراكية يقول: هل يوجد أحسن من الاشتراكية؟! وعندما تكون رأسمالية يقول: هكذا أفضل فدع الناس يعيشون، وبعد ذلك يقولون: سوف نبيع القطاع العام، فيقول: هذا أفضل حل، أنا أؤيد هذا الموضوع، فلا تدري مع من يكون، فهذا هو الإمعة، لا يهمه شيء، مات الملك، يحيا الملك. رأى أشعب جماعة من الشعراء أخذهم الحرس إلى دار أمير المؤمنين، فقال: من المؤكد أن هناك وليمة، ولكن هؤلاء الشعراء شتموا أمير المؤمنين في بعض قصائدهم، وذهبوا إلى أمير المؤمنين ليأخذوا جزاءهم، فلما حاكموا الشعراء وكل واحد منهم أخذ عقوبته، وصلوا إلى أشعب فقالوا له: وأنت ماذا قلت؟ فقال: أنا من الغاوين؟ فقيل: ماذا تقصد بالغاوين؟ فقال أشعب: أليس الله يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤]، فأنا من الغاوين الذي يمشون وراء الشعراء. فالإمعة: هو الذي ليس له مبدأ، تجده يقول: اتحاد القيم، الاتحاد الاشتراكي، منظمة الشباب، حزبي، فيا بني قل: أنا مسلم. وقال رسول الله ﷺ : (لا يكن أحدكم إمعة يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساءوا فتجنبوا إساءتهم) هكذا أمرنا الحبيب ﷺ . النوع الثاني: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه)، أي: الخائن للأمانة، حتى إنه لا يرجع إلى بيته إلا بشيء حرام. النوع الثالث: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك في أهلك ومالك) المخادع كالموظف الذي يشتغل مع الموظفة، فتقول في نفسها: لو كان هذا زوجاً لي مؤدباً. قال رسول الله ﷺ (ليس منا من أفسد امرأة على زوجها). فاتقوا الله يا موظفون ويا موظفات! والذي يغضبون من كلامي، ويسبون في الهاتف، فهؤلاء من الذين يعرفون أنفسهم. كمثل الرجل الذي قال: السارقون ليسوا أناساً جيدين، فرد عليه الرجل -ويبدو أنه كان سارقاً-: عيب عليك يا أستاذ! أن تقول هكذا. النوع الرابع من أهل النار والعياذ بالله: البخيل، فالبخيل يعيش في الدنيا عيشة الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة بخيل). فعندما يرى المال يقول له: كم تعبت بين أيد كثيرة، وتنقلت بين جيوب كثيرة، ادخل هنا فلن ترى النور مرة أخرى. قال: (وذكر البخل والكذب) فالنوع الخامس: الكذاب؛ لأن المؤمن قد يكون جباناً، لكن لا يكون كذاباً، فاحذر الكذب. قال: (والشنظير الفحاش) أي: بذيء اللسان، الذي يكون كل كلامه سيئاً بذيئاً. فانتبه لهذا، واجعل لسانك يقطر شهداً لا يقطر مرارة. نسأل الله في ختام هذه الجلسة أن يجعل هذه الجلسة في ميزان حسناتنا يوم القيامة. اللهم ثقل بها موازيننا، واغفر لنا ذنوبنا، ويسر لنا أمورنا، اللهم فرج الكرب عن المكروبين، اللهم إنك تعلم أننا مقهورون فانصرنا، أذلاء فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، بكرمك وجودك يا عزيز يا غفار! ارحمنا فإنك بنا راحم، لا تعذبنا فأنت علينا قادر، اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 308

سلسلة الدار الآخرة_وصف النار [١] إن النار دركات كما أن الجنة درجات، فللنار سبعة أبواب، لكل باب جزء مقسوم ممن كتب الله عليهم العذاب، والعصاة الموحدون يدخلون من باب جهنم، ولا خلاف بين العلماء في خروجهم بعد أن يعذبوا على قدر ذنوبهم.

стр. 309

وجوب الإيمان بما ورد من أوصاف الجنة والنار دون اعتراض أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثامنة عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، ندعو الله في بداية هذه الحلقة عسى أن تكون ساعة يقبل فيها الدعاء، فاللهم تقبل منا دعاءنا، اللهم تقبل منا دعاءنا، اللهم تقبل منا دعاءنا، اجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب مع الأبرار يا رب العالمين. كما نسألك يا مولانا أن تنصر الإسلام وأن تعز المسلمين، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين، غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم من أراد بمسلم كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، اللهم اهد كل ضال، اللهم اهد كل ضال، وتب على كل عاص، واشف كل مريض، واقض الدين عن المدينين، وفرج كربنا وكروب المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وتوفنا على الإسلام يا أكرم الأكرمين! وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقات السابقة عند مقدمة عن الجنة وعن النار، اللهم اجعل الجنة مآلنا، وابعد كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة عن النار وعن عذاب النار يا رب العالمين! تحدثنا يوم الإثنين الماضي في النصوص من كتاب الله ، ومما جاء في سنة الحبيب المصطفى ﷺ عن بعض آيات وأحاديث، تمثل نماذج للدخول في مسألة الحديث عن الجنة وعن النار، وما زلت أكرر قائلاً: إن الحديث عن الدار الآخرة ليس فيه قياس لمن يريد أن يقيس، وليس فيه اجتهاد لمجتهد، وإنما الحديث عن الدار الآخرة لا يخرج عن نصوص من كتاب الله ومن كلام رسوله ﷺ ، فلا يمكن أن نقول: إن أحد الصالحين رأى رؤيا وأصبحت حقيقة من الحقائق التي تتحدث عن الدار الآخرة وما فيها؛ لأن الرؤى لا تمثل نصاً من نصوص الشرع، ولا تمثل ركناً نستند عليه في الحديث عن أمور العقيدة، فقلنا: إن أمر الحديث في أمر الدار الآخرة أو الموقف وما بعده لا يدخل العقل فيه أبداً ولا يدخل فيه التصور. إن هناك من الأغبياء الأغنياء من يقول: ما هو هذا الحديث في القرآن عن الجنة، حور وقصور وفاكهة ولحم؟! فإنني متمتع بذلك كله في الدنيا، نقول لمثل هذا المغفل: إن الله من فضله ورحمته وكرمه يرزق عباده في الجنة بتمر مثلاً يفوق وصف العقل، ويؤتى بما لذ وطاب فتقول الملائكة: كل يا ولي الرحمن! إن اللون واحد ولكن الطعم مختلف. فالله يقرب لنا مسألة الآخرة لكي نفهمها؛ فليس منا من دخل الجنة ثم عاد ليقص لنا ما فيها؟ ومن منا دخل النار ثم عاد ليحكي لنا ما فيها؟ إذاً: الله يقرب للعقول البشرية المحدودة مسألة النعيم في الجنة ومسألة العذاب في النار، وبفضله ورحمته يخاطب الناس حتى يفهموا، فعلى سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩] وقوله تعالى: ﴿عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، وقوله: ﴿لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥]، وقوله تعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣]، لكن لو أخبرك عن حقيقة ما في الآخرة فلن تفهم، ولو أخبرك عن حقيقة الوصف بعد موتك لما استوعبت ذلك. وأضرب مثلاً بسيطاً، لو أن طفلاً صغيراً يدرس ونقول له: انظر يا بني: سأكلمك عن الفرق بين الانشطار النووي والاندماج النووي، وسأكلمك عن العناصر الكيميائية، فهذه رمزها النووي أو الذري كذا، والذرة عبارة عن نواة فيها بروتون موجب ونيترون متعادل وإلكترون سالب، والإلكترون يدور في مدارات بسرعة معينة، وكتلة الإلكترون هذا بالنسبة لحجم الذرة كذا وكذا، فترى الطفل يتركك وأنت تشرح ويذهب ليلعب، لأنه لا يفهم، فلو أن الله -ولله المثل الأعلى- حدثنا عن حقيقة ما في الدار الآخرة سيكون وضعنا بالضبط كوضع الولد الذي نكلمه عن الذرة تماماً. إن الله يقول: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧] على صورة أبينا آدم ستون ذراعاً في السماء، القضية أن نأخذ أمر الدار الآخرة مما جاء في كتاب الله وجاء في كلام رسول الله بدون عرض على العقل؛ لأن العقل محدود، فلو قيل لك: من الناس من يأكل ويشرب ولا يعرق ولا يتغوط ولا يتبول ولا يخرج منياً ولا بصاقاً ولا مخاطاً أبداً وتعرض ذلك على العقل، هل سيرفضها أم يقبلها؟ يرفضها، إذاً: العقل المجرد يرفض، لكن حين تحيل هذا الأمر إلى خالق الأمر وتقول: سمعاً وطاعة يا رب العباد! وتقول: نحن مصدقون بكل ما جاء في كتاب الله، وبكل ما جاء به الحبيب ﷺ ؛ لأنه رحمة مهداة فإنك تسلك الطريق القويم. إن النبي ﷺ بين لنا معنى (غسلين) و (غساق) و (زقوم)، فمعنى (غسلين): العصارة والصديد والقيح الذي يسيل من أهل النار والعياذ بالله، فلو أن دلواً من غسلين أو دلواً من غساق مما أخبر الله عنه في القرآن أهرق على أهل الدنيا لمات أهل الدنيا كلهم من نتن رائحته، إذاً: الوصف لا يدخل تحت نطاق العقل، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ [الكهف:٢٩] أي: من شدة الحر، فيقولون: نريد أن نشرب ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، إذا قرب الإناء الذي يمسكه من فمه فتعترضه ثلاثة أشياء: أولاً: يتساقط لحم يديه من شدة حرارة الكوب المصنوع من النار، ثانياً: عندما يقرب من فمه بخار المهل يتساقط منه لحم وجهه ويحترق ويتقطع، ثالثاً: كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. فإن قيل: هل الله يريد عذاباً بالعباد؟ الجواب لا، إن الله أرحم بنا من أمهاتنا، لكن السبب أن المخلوق أبى واستكبر على رب العباد سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥] أي: تشمئز قلوب غير المؤمنين، فالكفار يشمئزون من كلام الله . إن الله خلق الجنة وأحاطها بالمكاره، وخلق النار وأحاطها بالشهوات.

стр. 310

فضل مجالس العلم في المساجد فأنت يا أخي المؤمن! تجد من الناس من يتشاجر مع أخيه في السوق أو في الفندق أو في المدرسة أو في مركز حكومي أو في مركز الأمن فيتضاربان، فالشياطين تقوم بدورها في نشر العداوة والبغضاء بين الناس في مثل هذه الأماكن، لكنك في المسجد جئت إليه عزيزاً لا تطأطئ رأسك إلا لله، ولا تحني هامتك إلا لمن خلقك، فأنت في اطمئنان في بيت الله ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، إذ إن الطاعة كلها عزة، ولذلك فإن المطيع لله عزيز والعاصي لله ذليل، فمن مناظر أهل النار أنك تراهم ناكسي رءوسهم ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:٤٥]. بينما الرسول ﷺ جالس بين صحابته رأى مجلسين: مجلس علم ومجلساً يدعون الله فيه ويبتهلون فيه، فجلس في مجلس العلم وقال: (إنما بعثت معلماً). وثبت في السنة أن ثلاثة جاءوا إلى الحلقة فواحد منهم وجد فرجة في الصف فجلس، أما الثاني فاستحيا أن يتخطى الصفوف فجلس في المؤخرة، أما الثالث فقال: ماذا أصنع هنا؟ فأعرض ومشى، فاسمع تعليق سيدنا رسول الله ﷺ ، لأن كلامه شفاء للأمة، وشقاء الأمة كلها حين تلقي بكلام رسول الله خلف ظهرها. قال: (أما الأول فقد أقبل على الله فأقبل الله عليه، وأما الثاني فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض عن الله فأعرض الله عنه)، وشتان بين محب للعلم وغير محب للعلم. فأنت حين تأتي إلى المسجد لا تكلف نفسك شيئاً، ومع ذلك يجعل الله سبحانه حضورك الجماعة في ميزان حسناتك، والمسلم حين يتحرك من بيته للصلاة فإن الملائكة تكتب له ثواباً كأنه في صلاة إلى أن تقام الصلاة، فتكتب له حسنة وتحط عنه سيئة ويرفع عند الله درجة، ولو كشف الحجاب لرأى أجنحة الملائكة وهي تفرش الطريق أمامه، قال رسول الله ﷺ : (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وتصلي عليه الملائكة حتى يرجع إلى بيته، ومن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع). فلو حدث له شيء فهو في سبيل الله، وفرق بين من يذهب في غير سبيل الله فيضرب ويخدش وتأتيه الذبحة الصدرية أو الضغط وتصلب الشرايين ولو مات مات في غير سبيل الله، وبين من حركته كلها لله، فأمر المؤمن كله عجب وليس ذلك إلا لحركته، فهو يتقلب في أنوار خمسة، فكلامه نور، ومجلسه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، وقبره وعلى الصراط نور. أما الكافر فهو يتقلب في ظلمات خمس، فكلامه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومجلسه ظلمة، وقبره وعلى الصراط ظلمة. اللهم أنر لنا طريقنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين! إذاً: الجنة لا تكلفك شيئاً، لكن النار تكلفك أن تذهب وتشتري مخدرات وخمراً، وتقطع تذكرة السينما وتقف وتشاهد وتتعب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإن كان خيراً فستجده مسجلاً في كتاب الحسنات، ونسأل الله أن تكون كل أعمالنا خيراً. فالله أحاط الجنة بالمكاره، فالجنة تريد صبراً، ومثابرة وقيام ليل، فشرف المؤمن في قيام الليل، وشرف المؤمن أن الملائكة تشير إليه وتقول: هذا هو الطاهر الشريف، والملك الآخر يقول: هذا فلان من أمة محمد يصلي في الليل، فهو يبدد الظلمة بالأنوار الإيمانية، اللهم أضئ لنا بيوتنا يا رب العالمين بالإيمان! (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق لتفاضل ما بينهم)، ونحن نرى الكواكب المنيرة في السماء، ونرى الذي يقوم الليل مثل النجم، وتصلي الملائكة على أصحاب هذه البيوت وتدعو لهم بالخير، اللهم اجعلنا ممن تدعو لهم الملائكة يا رب العالمين!

стр. 311

دركات النار إذا كانت الجنة درجات لأعلى؛ فإن النار دركات لأسفل، فالجنة تجد فيها كل نعيم أحسن من النعيم الذي تحته، وعندما تدخل أسرة مؤمنة إلى الجنة بفضل الله فإنه قد يكون الأب والأم أكثر صلاحاً وأكثر حسنات من الأبناء أو العكس، أو الزوج أعظم صلاحاً من الزوجة، أو الزوجة أكثر إيماناً من الزوج، فكل واحد يدخل الجنة برحمة الله ثم يقتسمونها بعد ذلك بالعمل، فنفرض جدلاً أن الأب صالح بدرجة عالية وزوجته أقل منه قليلاً والأولاد أقل، فيكون لهؤلاء ثلاث درجات، فيتمنى الأب وتتمنى الأم ويتمنى الأبناء أن يجمعهم الله في مكان واحد، فيلحق الله الأدنين بالأعلين. والنار دركات بعضها أسفل من بعض، ولا خلاف بين العلماء فيها، لكن الخلاف فيمن يسكن هذه الدركات. وقد اتفقنا من قبل أن أخف أهل النار عذاباً هو أبو طالب عم رسول الله ﷺ ، فقد قبل الله فيه شفاعة رسوله ﷺ فوضعه في ضحضاح في جهنم -وهذه صورة من صور العذاب في جهنم- فأخف أهل النار عذاباً أن يلبس أبو طالب نعلين أو خفين من نار يغلي منهما دماغه، يظن أنه أشد أهل النار عذاباً. من هذا المنطق نقيس أن أخف الناس عذاباً في النار يمكث فيها ما شاء الله سبحانه، واليوم بألف سنة عند الله، ومن أهل النار من ينقص يوماً ومن ينقص يومين ومن ينقص أسبوعاً ومن ينقص شهراً ومن ينقص عاماً، ومن ينقص فيها كعمر الدنيا منذ أن خلقت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فهذه مسألة مرعبة تجعل الإنسان يعيد حساباته أولاً بأول، وإني أوصي نفسي وأوصيك أن تكون بعد سماعك حلقات دار الآخرة أفضل من ذي قبل، فمن الواجب أن تكون لك الفائدة في دروس الدار الآخرة، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 312

ذكر ما جاء في جهنم جهنم هي أول دركة من دركات النار، وفيها عصاة موحدون، وهم الذين ماتوا وما زالت لهم سيئات لم يتوبوا منها، ولم يرض الله بشفاعة رسول الله ﷺ فيهم، وذلك كمن مات وعليه مظالم للعباد ما استطاع أن يرجعها، وعليه ذنوب لم يتب منها، وعليه أشياء لم يبدلها الله حسنات أو يمحها، عندئذ دخل جهنم. وسميت بجهنم اشتقاقاً من التجهم، نقول: فلان متجهم أي: مكشر ووجهه غير مريح لمن ينظر إليه، فكأن جهنم تتجهم في وجوه أصحابها، أي: تكون عابسة متجهمة لا يستريح إليها ناظر، وهذه الدركة لمن يدخل النكد على المسلمين من المسلمين أنفسهم، فهذا الصنف يوضع في وادٍ في جهنم يسمى بوادي الحسرات، والحسرات: جمع حسرة، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]. فأهل الحسرة ينظر إليهم أهل النار فيرون أنهم أشد أهل جهنم عذاباً؛ لأنهم كانوا يدخلون النكد على المسلمين وعلى بيوتهم، كالمدير الذي ينكد على الموظف في وظيفته، والرئيس الذي ينكد على مرءوسه ويحول حياته إلى جحيم، ويخوفه ويرعبه بالتقارير، فهؤلاء أناس يدخلون الكآبة والحزن على الناس، ومن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، فأنت تجعل زوجتك مسرورة وأمك كذلك وأختك وعمتك وخالتك بصلة الرحم، فلابد أن تدخل الفرح على المسلمين. يذكر أن ابن عباس اعتكف في رمضان تحت الحجر الأسود، فجاءه رجل يطلب منه قضاء حاجته، فخرج ابن عباس مع الرجل ثم رجع، فتعجب المسلمون من ذلك، لماذا قطع ابن عباس الاعتكاف، فلما سئل ابن عباس عن ذلك قال: هذا الرجل كانت له حاجة فقضيتها له، فقالوا: أتقطع اعتكافك عند الحجر الأسود من أجل قضاء حاجة هذا الرجل، فقال: لأن أسير خطوة في قضاء حاجة أخي المسلم أحب إلي من أن أعتكف عند الحجر الأسود سبعين سنة، يقول رسول الله ﷺ : (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه). وجيء برجل مسرف على نفسه، أي: سيئاته أكثر من حسناته فقال الله: أما له من حسنة؟ قالوا: لا يا رب! قال: تعال يا عبدي! أما لك من حسنة؟ قال: كلا يا رب! السيئات أكلت الحسنات، فقال ملك من الملائكة: يا رب! هذا رجل كان موسراً في الدنيا يدين الناس، فكان يقول لغلمانه: من كان معسراً فلتيسروا عليه ومن لا يستطيع أن يرد فاسمحوه، فقال الله: عبدي أأنت أكرم مني؟ أدخلوه الجنة. واتق الله في دعاء المظلوم، قال رسول الله ﷺ : (إياك ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، ويقول الله : (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين). يحكى أن الفضل بن الربيع وزير المأمون رمي به في السجن لتهمة ألصقت به فرموه في السجن هو وابنه، ولم يكن الأب يستطيع أن يتوضأ بالماء البارد، فكان ابنه يقوم بعد العشاء بعد أن ينام أبوه ويمسك كوز الماء ويضعه على صدره، ويستمر على ذلك إلى قبيل طلوع الفجر، فيقوم الأب وقد أصبح الماء دافئاً فيتوضأ، وذات مرة استيقظ الأب فوجد ابنه يبكي فسأله عن بكائه فقال: ما هذا الأمر الذي وصلنا إليه يا أبتاه! أذل بعد عز؟ فقال الأب: يا بني! لعلنا ظلمنا أحداً، فهذه دعوة مظلوم سرت في جنح الليل ونحن نيام ولكن الله لم ينم. يحكى أن صياداً فقيراً اصطاد سمكة، وكان أمير تلك البلدة متعوداً على الظلم، فأخذ السمكة من يد الصياد عنوة، فقال الصياد: إنني فقير، أريد أن أبيعها وأشتري شيئاً لأولادي، فقال الأمير: ليس لدي نقود، وأخذ يشد السمكة فأصيب بشوكة من شوكاتها في إصبعه فرجع إلى بيته وطبخوا له السمكة وأكل من السمكة المغتصبة، وبعد أيام زاد ألم إصبعه وتسممت، فجمعوا له أطباء مملكته لعلاجها فما استطاعوا، فقالوا: لابد من قطعها حتى لا ينتشر السم إلى الذراع، فقطعوا إصبعه، ولكن السم انتشر في الإصبع الأخرى فقطعوها، ثم قطعوا يده والتسمم ما زال منتشراً، وذات ليلة نام الأمير فسمع هاتفاً يقول: وعزة الله وجلاله لنقطعن جسدك إرباً إرباً إن لم تستسمح الصياد الفقير! فانتبه من الظلم؛ فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب؛ لأن المظلوم يدعو عليك وأنت نائم وعين الله لم تنم، وهناك واد -والعياذ بالله- يسمى وادي هبهب يوضع فيه الظلمة، اللهم لا تجعلنا من الظالمين يا رب العالمين. فجهنم هي الدركة الأولى في النار، والدركة التي بعدها تسمى سقر ثم الحطمة ثم الهاوية ثم الجحيم ثم لظى ثم الدرك الأسفل. كان الصحابة جالسين مع سيدنا الحبيب ﷺ فسمعوا صوتاً كأنه الرجفة فقالوا: ما هذا يا رسول الله؟! قال: (هذا حجر ألقي منذ سبعين سنة في جهنم وصل قعرها الآن). نحن ما زلنا مع العصاة الموحدين، والعاصي الموحد هو المسلم الذي مات وعليه ذنوب، يقول رسول الله ﷺ : (سوف يأتي يوم تصفق جهنم أبوابها) فسيأتي على جهنم يوم تخلو فيه من سكانها، ولكن سيبقى السكان في الدركات الست الباقية، يعني: كل من قال: لا إله إلا الله يخرج من جهنم، نسأل الله أن يدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين! إن الله بعث إلينا رسول الله ﷺ مبشراً ونذيراً، يبشر بالجنة وينذر ويخوف من النار، والخوف من النار مطلوب، وأنت لو كنت مؤمناً صادقاً فإنك تخاف من الفضيحة يوم القيامة، وتخاف أيضاً من النار وما في النار من عذاب، نسأل الله أن يباعد بيننا وبينها بعد المشرقين. وأول درجة من الخوف الخوف الذي يبعدك عن الحرام ويحببك في الحلال، فالله رزقك مالاً حلالاً لكنه قليل والله سبحانه يبارك في المال الحلال. وذكر في الأثر أن عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة، هاجر من مكة إلى المدينة وليس معه إلا أربعة دراهم وآخى الرسول ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع ﵁، فقال سعد بن الربيع لأخيه عبد الرحمن: لدي بستانان فخذ أحدهما، ولدي زوجتان فانظر أحسنهما فأطلقها حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها، فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك وفي بيتك وزوجاتك دلني على السوق؛ فدعا النبي ﷺ لـ عبد الرحمن بن عوف وقال: (بارك الله لك يا عبد الرحمن بن عوف في صفقة يمينك) فكان واثقاً ببركة دعوة رسول الله ﷺ ، فلو وضعت يده في التراب لربح، أما نحن فلو خسر أحدنا في تجارته قال: كسبت صلاة النبي ويضحك تلك الضحكة الساخرة وهي مكتوبة عليه في ميزان سيئاته. وهكذا ذهب عبد الرحمن بن عوف ﵁ وتاجر بالدراهم التي يملكها، فأخذ يبيع ويشتري حتى جاءته الوفاة بعد عشرات السنين، فأخذوا يقسمون تركته، فكان نصيب زوجته الرابعة من التركة مليوني دينار، وعلى ذلك تصبح تركته أربعة وستين مليون دينار، وكل ذلك ببركة المال الحلال. إذاً: أول درجة من الخوف هي التي تبعدك عن الحرام فلا تأكل حراماً ولا تتكلم حراماً ولا تنظر إلى حرام، ولا تمد يدك لحرام، ولا تجلس في جلسة فيها حرام، هذه أول درجة من الخوف، فإن لم تكن عندك هذه الدرجة فكن كما قال الحسن البصري: كمن ترك جاريته في السوق ورجع إلى البيت فلم يجدها، فلما عادت سألها: أين كنت؟ قالت: يا سيدي! تركتني في مكان شغل الناس فيه بالبيع والشراء فلم أجد أحداً منهم يذكر الله ، فخفت أن ينزل غضب الله على من في السوق فأكون معهم فهربت إلى البيت. وسأل رجل رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! ما خير البقاع وما شرها؟ قال: انتظر حتى أسأل جبريل) فسأل الرسول ﷺ جبريل فأخبره مما أخبره الله : (أن خير البقاع المساجد، وأن شرها الأسواق)، وقد علمنا الحبيب ﷺ أن نقول عند دخول السوق: (اللهم إني أعوذ بك أن أكسب فيها يميناً فاجرة أو صفقة خاسرة)، ويذكر أن رجلاً أراد شراء ماعز للإمام الشافعي فقال له: بكم تبيعها؟ قال له: قبل أن تشتري إنها ترفس علفها، فانظر إلى الأمانة في البيع، وإلى الخوف من الله . وسمع النبي ﷺ شاباً من شباب الصحابة يبكي طوال الليل في تهجده ويقول: واغوثاه واغوثاه من النار، فيلتقي الحبيب به في صلاة الصبح فيقول: يا فلان ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول يا رسول الله: واغوثاه، أي: أغثني يا رب من النار، قال: (لقد أجريت دمعاً غزيراً من كثير من ملائكة السماء)، أي: أبكيت ملائكة السماء من بكائك.

стр. 313

ذكر بعض الآيات والأحاديث الواردة في جهنم يحكى أن تلميذ الحسن البصري كان ماشياً على شاطئ الفرات فسمع قارئاً يقرأ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥] فسقط في نهر الفرات فمات. ما استطاع أن يمسك نفسه! قيل للفضيل بن عياض: قرأ القارئ في الرحمن: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] فلماذا بكيت مع أن هذا شيء يبعث الفرح؟ قال: شغلتني الآية التي قبلها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ﴾ [الرحمن:٣٥]، أي: أن هذه الآية شغلته عن الحور المقصورات. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أوقدت زوجته النار يقرب إصبعه ويقول: يا ابن الخطاب! ألك صبر على مثل هذا؟ ثم يمتنع عن الأكل الذي كان سيطبخ؛ للخوف الذي اعتراه ويقوم الليل لله رب العالمين. وسعيد بن جبير ﵁ قبل أن يموت بسنة لم يره أحد يضحك ولا يتبسم أبداً، فسئل عن ذلك فقال: كيف أضحك والنار قد سعرت، والسلاسل والأغلال قد أعدت، والصراط قد مد على جهنم، ولا أدري أناجٍ أنا أم غير ناج؟ ويذكر أن حاتماً الأصم قال: عرضت على نفسي عرضين: الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب؟ قالت: أريد يوماً أتوب فيه إلى الله. نستغفر الله جميعاً من ذنوبنا، اللهم اغفر لنا يا رب العالمين! قال الله في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]، ذرأنا يعني: جهزنا وخلقنا وأعددنا، قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، وهذه صفة كل من سمع كلام الله ولم يعمل به، فالمسلم يجب عليه عندما يسمع كلام الله أن يشفق ويخاف، قال: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]. فالله خلق وأعد خلقاً من الإنس والجن لهم قلوب مثل قلوبنا ولهم أعين كأعيننا ولهم آذان كآذاننا، لكنها آذان معطلة لا تسمع إلا ما كان خاصاً بالدنيا، أما أن يسمع درساً شرعياً في المكان الفلاني فهذا الذي لا يريده. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] وليس معنى ذلك: أن كل الجن والإنس يدخلونها، إنما معنى الآية: مجموعة من الجن ومجموعة من الإنس يجتمعون ويدخلونها نسأل الله السلامة، وهؤلاء هم الجهنميون الذين قصروا في عبادة الله . كذلك قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. وقال الله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥]. فحطب جهنم -والعياذ بالله- مخلوقات من الإنس والجن. وقال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] فتخيل أن الإنسان وقود جهنم وكما قال الله تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] ونضرب مثلاً بعصفور فوق نيران ساخنة لا هو يطير فينجو ولا يموت فيستريح، أو عصفور داخل زيت يغلي لا هو يطير فينجو من هذا العذاب ولا يموت ويستريح؛ ولذلك يقول الكفار المشركون يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، وقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ولكن الجواب ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وقيل: إن مالكاً يرد عليهم بعد مائة سنة، يعني: لما طلبوا هذا الطلب جاء الرد عليهم بعد مائة سنة، فيا له من كلام يتصدع له القلب! نسأل الله العافية. وقال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]. فالذي يدعي الألوهية، أو يتصف بصفة من صفات الألوهية فجزاؤه عذاب جهنم، والله يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي)؛ لأن الكبرياء والجبروت لله ، فاحذر أن تتكبر على الآخرين. ذكر أن جبلة بن الأيهم كان أميراً نصرانياً فأسلم، فبينما كان حول الكعبة داس أعرابي عباءته، فلطمه جبلة فشكا الأعرابي جبلة لسيدنا عمر قال: هذا الرجل ضربني فقال عمر: لماذا لطمته يا جبلة؟! فلما عرف عمر ﵁ السبب: قال له: قف ها هنا يا جبلة! وأمر الأعرابي أن يلطمه فلطمه فعاد إلى قومه وارتد إلى النصرانية. ودخل فقير مجلس رسول الله ﷺ وجلس بجوار الغني، فضم الغني عباءته، فنظر النبي ﷺ وقال: (أخفت أن يعديك فقره، أم خفت أن يعدو عليه غناك؟) فقال الغني: تنازلت له عن نصف مالي يا رسول الله! يريد أن يكفر عن ذنبه الكبر، فقال رسول الله ﷺ للفقير: أتقبل؟ قال: لا أقبل يا رسول الله! ولم؟ قال: أخاف أن يدخلني من الغرور ما دخله، فمن عباد الله من هو غني لا يصلح له إلا الغنى، لو أفقره الله لفسد حاله، وإن من عباده فقيراً لا يصلح له إلا الفقر ولو أغناه سبحانه لفسد حاله، ولذلك أعظم دعوة: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] والحسنة عند الله لا يعلمها إلا هو، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. إذاً: من يتصف بصفات الألوهية يقول الله تعالى في شأنه: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩] والعياذ بالله رب العالمين. يقول ﷺ فيما رواه النسائي والترمذي عن أبي هريرة: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع) يعني: أنها قضية مسلم بها، فبما أن اللبن لن يعود إلى الضرع، إذاً: فلن يدخل النار من بكى من خشية الله، فإن كان قلبك قاسياً فرقق قلبك بالصلاة وقيام الليل والتباكي، فالدموع إذا سالت لان القلب، اللهم رقق قلوبنا يا رب العالمين! وقال رسول الله ﷺ : (حرمت النار على عين سهرت بكتاب الله، وحرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين غضت عن محارم الله، أو فقئت في سبيل الله)، فكل هذه وسائل خير تحجز بينك وبين النار. وكان سيدنا عمر بن الخطاب يرى لوجهه خطان من الدموع ﵁، ولقد قال رسول الله ﷺ : (ما اغرورقت عينا عبد من خشية الله إلا حرم الله جسده على النار، فإن فاضت على خده لم يرهقه قتر ولا ذلة، ولو أن عبداً بكى في أمة من الأمم لأنجى الله ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا وله ثواب إلا الدموع، فإنها تطفئ بحوراً من نار). فكل هذه آثار عن سيدنا الحبيب ﷺ . وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (ورأيت رجلاً يرعد كما ترعد السعفة فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلاً من أمتي هوى في النار فجاءت دموعه اللاتي بكى بها في الدنيا من خشية الله فأخرجته من النار) والنار: اسم عام لكل نار، والعياذ بالله رب العالمين. وتتعاقب الملائكة بالليل والنهار على المصلين فيقول الله: كيف تركتم عبادي؟ يقولون: كذا وكذا وكذا، يقول: هل رأوا الجنة؟ يقولون: لا يا رب، فيقول: فكيف إذا رأوها؟ قالوا: ويستعيذون من النار، فيقول الله: هل رأوها؟ يقولون: لا يا رب، يقول: فكيف إذا رأوا النار؟ ثم يقول الله: قد أعطيتهم ما يطلبون وعوذتهم مما يتعوذون. أي: أبعدهم عن النار. وإذا انفتل العبد من صلاة وقال: اللهم أدخلني الجنة وزوجني من الحور العين، وأجرني من النار قالت الجنة: اللهم أدخله عندي، وتقول الحور العين: اللهم زوجه منا، وتقول جهنم: اللهم باعد بيني وبينه وأجره مني يا رب العالمين! وذلك بعد كل صلاة، إذ إن الدعاء مخ العبادة. أما القانطون من رحمة الله فلهم شأن آخر، فلابد أن تخاف كما خاف الصحابة والصالحون. وإذا كان يوماً شديد الحرارة فقال العبد: إن هذا يوم شديد الحرارة، اللهم أجرني من حر جهنم، قالت النار: يا رب! إن عبدك فلاناً قد استجار بك مني، اللهم فأجره، وإذا كان يوماً شديد البرد زمهريراً تقول: يا رب! باعد بيني وبين زمهرير جهنم، وكذلك النار تدعو الله لك أن يباعد بينك وبينها. ويقول بعض العلماء: إن الحر في النار والعياذ بالله للإنس، والزمهرير -برد شديد جداً- للجن، لأن الجن مخلوق من النار. ويذكر أن أعرابية صلت خلف رسول الله ﷺ صلاة المغرب فسمعته يقرأ: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] فأغشي عليها، وبعد الصلاة نادوا الحبيب المصطفى ﷺ ، وأفاقت المرأة فقالت: يا رسول الله! أنبأتنا أن لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فهل ذلك: أن كل عضو يدخل من باب؟ قال: (لا،

стр. 314

اختلاف العلماء فيمن يسكن سقر ولظى من أهل النار إن جهنم والعياذ بالله للعصاة الموحدين، أما سقر ولظى ففيهما خلاف بين العلماء، يقول بعض العلماء: إن سقر فيها النصارى ولظى فيها اليهود. وفريق من العلماء يقول: إن اليهود في سقر وهي تلي المسلمين مباشرة، والنصارى في لظى وهي تلي اليهود. ورأي آخر يقول: إن النصارى أقرب قليلاً إلى المسلمين، فهم في الدرك الذي أسفل منهم، ورأي يقول: اليهود موحدون والنصارى مثلثون، وأنا أميل إلى الرأي الذي يقول: إن النصارى أشد عدالة من اليهود، هذا ما أستريح له، لكن هذا رأي وهذا رأي، هؤلاء لهم أدلة وهؤلاء لهم أدلة، ونحن نقول فقط نظرة عامة. إذاً: جهنم للعصاة الموحدين، وسقر لليهود أو للنصارى على خلاف وكذلك لظى.

стр. 315

الحطمة والسعير ومن يسكنهما والدركة الرابعة: الحطمة وفيها الصابئون، وبعدها السعير للمجوس، ومن بقي الآن كالهندوس، فالهندوس يعبدون البقر وفرقة منهم يعبدون النار. وفي الهند الآن ترى الهندي بائع الفواكه إذا مرت البقرة وأكلت من قفص الفاكهة أو الخضار يقول: حلت البركة في المحل؛ لأن الرب قد أكل من طعامي، وتأتي البقرة فتنام في ميدان مثل ميدان التحرير فتقف كل الإشارات لأن الرب نائم لا أحد يوقظه! نسأل الله الهداية. نحمد الله أن هدانا لهذا الدين وما كنا لنهتدي له لولا أن هدانا الله، فالحمد لله الذي هدانا لنعمة التوحيد، وهذه نعمة ما بعدها نعمة، اللهم احفظ علينا نعمة التوحيد. إذاً: السعير والعياذ بالله فيه المجوس عبدة بوذا وعبدة الشيطان في أمريكا الشمالية والجنوبية الذين يقيمون طقوسهم عند الهرم، يزعمون أن إلههم الشيطان يظهر عند الهرم كما في كتبهم، ويأتون إلى مصر للسياحة فيقيمون طقوسهم عند (أبو الهول). ويقولون: إن كل شيء أمرت به الأديان لا يعملون بها، وكل شيء نهت عنه الأديان يرتكبونها.

стр. 316

من يسكن الدرك الأسفل من النار أما الدرك الأسفل ففيه ثلاث عينات: المنافقون وأصحاب المائدة وفرعون ومن تبعه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. وأصحاب المائدة هم أصحاب سيدنا عيسى، فمن سوء أدبهم قالوا: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢] انظر إلى التعبير، قالوا: (هل يستطيع ربك) ولم يقولوا: ربنا، وكذلك اليهود قالوا لسيدنا موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]. قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢]، فأخذ عيسى ﵇ يذكرهم بالله ويعظهم فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]. فقال الله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥] واشترط عليهم سيدنا عيسى أن يأكلوا ولا يدخروا؛ وذلك لأن الله سينزل لهم كل يوم مائدة، فلابد من الثقة والإيمان بالله ، لكنهم أكلوا وخبئوا وظنوا أن عيسى ﵇ يكذب عليهم. فغضب الله عليهم غضباً لم يغضب مثله على أحد من العالمين من قبل، فهؤلاء مع المنافقين في الدرك الأسفل، كذلك قال الله تعالى في شأن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] والعياذ بالله رب العالمين، فهؤلاء سكان دركات النار والعياذ بالله رب العالمين. وهذا الروح الأمين جبريل جاء منكس الطرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ما لي أراك يا جبريل حزيناً؟ قال: جئتك بآيات: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٢٤] إلى آخر السورة، قال: وما الذي أغضبك؟ قال: جيء يومها يا رسول الله! بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة -يعني: قفزت عليهم وانقلبت من بين أيديهم- فلولا أن أدركوها لأحرقت من في الجمع، فأخذوها برحمة الله ، وما زال يلقى فيها فوج وفوج ويقول الله لها: هل امتلأت وتقول: هل من مزيد إلى أن يضع الرحمن فيها إصبعه فتقول: قط قط قط، بعزتك قد امتلأت بعزتك قد امتلأت بعزتك قد امتلأت، وينزوي بعضها إلى بعض خشية وخوفاً من الجبار أن يكون قد خلق خلقاً غيرها يعذبها به. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 317

سلسلة الدار الآخرة_وصف النار [٢] لقد ذكر الله في كتابه النار وشدة هولها، ووصفها النبي ﷺ في سنته وصفاً تقشعر له الأبدان، وتستعيذ من هولها القلوب الخائفة، والنار لها دركات بعضها أشد من بعض، وكل درك منها له أهله من الكفار والعصاة والغافلين عن الله ، طعامهم الزقوم والضريع وشرابهم الحميم، ولباسهم النار، وفراشهم النار ومن فوقهم نار ومن تحتهم نار والعياذ بالله.

стр. 318

دعوة للمحاسبة أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده. وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة التاسعة عشرة في سلسة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في بدايتها أن يجعل هذه الجلسات في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم إن أحييتنا فأحينا على الإيمان، وإن أمتنا فأمتنا على الإسلام، واحشرنا تحت لواء لا إله إلا الله، اللهم اسقنا من يد نبينا شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم فك الكرب عن المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، اللهم يسر لنا أمورنا، واشرح لنا صدورنا، وأنر لنا قلوبنا، وقو لنا يقيننا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم اجعلنا ثأرنا على من ظلمنا. اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله، اللهم إنك تعلم أننا مقهورون فانصرنا، وذليلون فأعزنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا، وأصحاب شهوات فتب علينا. اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، اللهم أعزنا بطاعتك، اللهم أعزنا بطاعتك، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، ومن كل قول أو عمل يقرب إلى النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار بكرمك وجودك يا عزيز يا غفار! يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم اجعل حياتنا زيادة لنا في كل خير، واجعل موتنا راحة لنا من كل شر، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين! وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فهذه الحلقة التاسعة عشرة من الحديث عن الدار الآخرة، وهي الحلقة الثانية في وصف النار أجارنا الله وإياكم من عذابها، والحديث عن النار حديث يتصدع منه القلب ويخشع، ولا خير في قلب سمع الحديث عن النار ولم يقشعر ولم يخف من الله، فالحديث عن النار كاد أن يتصدع له قلب الحبيب المصطفى ﷺ . ورأينا في الحلقة السابقة كيف أن جبريل الأمين الذي عصمه المولى من العصيان جاء مرة يبكي مرتعدة فرائصه إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (ما يبكيك يا جبريل؟ قال: يا رسول الله! مررت بنافخ النار! قال ﷺ : وهل تنفخ فيها الملائكة يا جبريل؟ قال: لقد أمر الله الملائكة فأوقدت عليها ألف عام حتى احمرت، ثم ألف عام حتى ابيضت، ثم ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل البهيم، قال: صفها لي يا جبريل، قال: حرها شديد، وقعرها بعيد، ولها مقامع من حديد، قال الحبيب: حسبك يا جبريل! والله لقد كاد قلبي أن ينصدع)، فالنبي المصطفى ﷺ لما سمع من أخيه جبريل هذا الوصف المرعب للنار تمثل الحبيب النار أمامه. ورأينا أيضاً كيف أن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ لما رأت النبي في تهجده بالليل، فبينا هو يصلي إذ تقدم خطوة، ومد يده كأنما يريد أن يأخذ شيئاً، ثم أعاد يده إلى جنبه مرة أخرى، ثم تراجع القهقرى خطوتين، فبعد أن قضى صلاته سألته أم سلمة متعجبة مما رأت: يا رسول الله! لقد رأيتك تصلي فتقدمت خطوة وبسطت يدك كأنك تأخذ شيئاً، ثم أرجعت يدك، ثم رجعت خطوتين إلى الوراء، ثم أكملت صلاتك؟ فقال: (أورأيتني يا أم سلمة؟ قالت: نعم، قال: بينا أنا أصلي إذا بباب من الجنة يفتح فتقدمت نحوه ورأيت عنقوداً من عنب يتدلى من غصن من أغصان أشجارها، فأردت أن أقطف لك يا أم سلمة فقيل لي: يا محمد! إنك ما تزال في الدنيا)، فهذا النعيم هو للمؤمنين في الآخرة، وليس هذا وقته! ثم قال: (ثم أرى باباً من أبواب النار يفتح، فخشيت على نفسي من لفح حرها فرجعت القهقرى)، سيدنا الحبيب المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأشرف الخلق عند الخالق خاف من النار، ولما رأى باب النار يفتح تراجع إلى القهقرى، أفلا نخاف نحن؟! وعندما نقوم بوصف النار أو الجنة أو ما يقع في يوم الحساب من صور ومواقف فليس لأجل أن نتسلى، لأن الأمر أكبر من ذلك، فهذا هول عظيم؛ لأن هذا هو وصف القرآن ليوم الحساب، وهو وصف الحبيب المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ . فالواجب أن يأخذ المسلم هذه الدروس مأخذ الجد، ويبدأ بالتطبيق العملي، ويعيد حساباته، ويسأل نفسه ويكون صادقاً معها قائلاً: ما موقفك من الأوامر والنواهي؟ يقول تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩]، فأنت تسأل نفسك هل أنت تصلين الصلوات الخمس في المسجد؟ كم صلاة تصلينها جماعة؟ وكم صلاة تصلينها في البيت؟! وتسأل نفسك: كيف الخشوع عندك في الصلاة؟ ثم تسألها عن النوافل، والنوافل فيها خير عظيم، ومن واظب على ترك السنن المؤكدة عوتب يوم القيامة من رسول الله ﷺ عتاباً يسقط من لحم وجهه، يقول الله في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فالله يحب العبد الذي يكثر من النوافل. ثم بعد ذلك قيام الليل فيصلي ركعتين في جوف الليل والناس نيام، فهاتان الركعتان خير لك من الدنيا وما فيها، يقول النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وأفشى السلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، قالوا: ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: أمتي تستطيع ذلك، من صلى صلاة العشاء وصلاة الصبح في جماعة فقد قام الليل والناس نيام، ومن أطعم زوجته وأبناءه طعاماً حلالاً فأشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن لقي أخاه بوجه مبتسم فقد ألان الكلام، ومن دخل بيته فسلم على أهله فقد أفشى السلام، ومن صام من كل شهر أياماً ثلاثة فقد أدام الصيام) اللهم اجعلنا منهم يا كريم يا رب العالمين! كذلك من السنن النوافل صيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام في الشهر أوله أو نصفه أو آخره، أو الثلاثة الأيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر؛ لأن من صام لله يوماً واحداً ابتعد من النار فمن صام يوماً ابتعد عن النار بعد طائر غراب فرخ خرج من بيضته وظل يطير ويطير إلى أن مات وهو هرم، والغراب من ضمن الطيور التي تعمر، وتخيل الغراب يطير من ساعة ما يخرج من البيضة حتى يموت مدة عشر سنين أو عشرين سنة، فأنت تبتعد عن النار مقدار طيران الغراب بصومك لله رب العالمين. يجاء يوم القيامة بالمتطوعين في الصيام، والناس عطشى، فتأتي الملائكة لهم بأكواب من حوض الكوثر، فيرويهم هذا الماء رياً لا ظمأ بعده، فاللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين!

стр. 319

محاسبة النفس في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك من ثمرات الدار الآخرة: مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل أنت تأمر امرأتك وتنهاها؟ وهل أنت تأمر عيالك وتنهاهم؟ وهل أنت تأمر أصحابك وتنهاهم؟ اشتر لك دفتراً وحاسب نفسك كل يوم قبل أن تنام وتسجل فيه كل ما عملت من سيئات كتابة، كم نظرت إلى الحرام! وكم نممت من أناس! وكم نميت مرات! وكم كذبت من مرات وهكذا! وتنوي نية صادقة أنه إذا أصبح الصباح عليك فلن تعود لمثل هذا أبداً، وهذه أمانة أعلقها في رقابكم جميعاً رجالاً ونساءً، شباباً وشيبة، عل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. الناس يظنون أنهم بمنأى من عذاب الله، وهذا غير صحيح، فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، فهذا: سلمان الفارسي سيكون من أول الداخلين إلى الجنة إن شاء الله، وأبو لهب عم رسول الله لن يدخل الجنة، فالقضية ليست قضية نسب ولا قرابة، لا تغتر بصحبة الصالحين أبداً، وليس أنني إذا مشيت مع رجل صالح أو عالم فاضل، عامل بعلمه فقد حويت العلم والتقوى. لا تغتر بصحبة الصالحين؛ لأن عبد الله بن أبي ابن سلول صلى وراء الرسول وهو من أهل الدرك الأسفل في النار والعياذ بالله! فقد صلى وراء الرسول تسع سنوات لا تفوته صلاة، ورغم ذلك ما نفعته صلاته خلف رسول الله هو والسبعة عشر منافق في المدينة! إذاً: فلا تغتر بصحبة الصالحين، ولا تغتر بعمل الطاعات، فربما فتح لك باب العمل وأغلق عنك باب القبول لحكمة يعلمها الله، لاحتمال عجب أو رياء؛ لأن العمل من أجل الدنيا رياء، والعمل من أجل الناس شرك، وإن اليسير من الرياء شرك، فلو صليت في بيتك ودخل ضيف وأنت في الصلاة، وابنك فتح للضيف وقال: تفضل يا عم حتى ينتهي أبي من الصلاة، فقلت في نفسك: الرجل يراني في المسجد دائماً أصلي بهدوء، لابد أن أتمهل في صلاتي هنا كذلك ولا أسرع، فهذا شرك بالله سبحانه، إن اليسير من الرياء شرك؛ لأن المسألة خطيرة، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من شرك.

стр. 320

محاسبة النفس في قضية الأخلاق كذلك تعمل نفس القضية في الأخلاق السيئة، تأخذ ورقة معك إلى العمل وتكتب فيها الأخلاق المحمودة، وتكتب في الصفحة الثانية الأخلاق المذمومة، مثل الواجب الذي يكتبه الولد خارج المدرسة، أنت أيضاً تشتري دفتراً للأخلاق الحميدة والمذمومة التي تعملها، فتقول مثلاً: الأخلاق الحميدة هي الصدق، والحلم، والكرم، والجود، والتوكل على الله، واليقين، وكظم الغيظ، ومن الأخلاق الذميمة: الكبر، والحسد، والكبرياء، والاختيال على عباد الله، والسخرية. فلو أن كل شخص فعل هذا الفعل لانشغل الناس بعيوب أنفسهم وتركوا عيوب الآخرين، وهكذا كان صحابة الحبيب المصطفى، كل واحد منهم كان مشغولاً بنفسه، فليس عنده وقت يشغل فيه نفسه بغيره، والذي يجعلنا نتكلم في عيوب الناس: أننا نسينا عيوبنا، ولو أن كل إنسان شغل نفسه بعيوبه لانقضت الحياة ولم توجد هناك عيوب؛ لأن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، اللهم اجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين! إذاً: ليس المسلم بمنأى عن النار فربما فتح لك باب العمل وأغلق عليك باب القبول، يعني: ربنا قد يفتح لك أبواب العمل، فتحضر مجالس العلم، وتقرأ القرآن، وتقوم الليل، وتصوم النهار، ولكن باب القبول قد أغلق، هل أحد يسأل الله عما يفعل؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، هذا سيدنا عيسى لما رآه إبليس قال له: ألست تقول إنك روح الله، ونبي الله، ورسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم؟ قال له: نعم، قال له: ربنا معك ويدافع عنك؟ قال له: نعم، قال: إذاً: ارم بنفسك من فوق الجبل لنرى ماذا سيصنع بك ربنا؟ قال عيسى ﵇: يا لعين! إن الله هو الذي يختبر عباده، وليس للعباد أن يختبروا رب العباد!
следующие страницы →