← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37011

الدار الآخرة - عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (549 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من يسكن الدرك الأسفل من النار أما الدرك الأسفل ففيه ثلاث عينات: المنافقون وأصحاب المائدة وفرعون ومن تبعه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. وأصحاب المائدة هم أصحاب سيدنا عيسى، فمن سوء أدبهم قالوا: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢] انظر إلى التعبير، قالوا: (هل يستطيع ربك) ولم يقولوا: ربنا، وكذلك اليهود قالوا لسيدنا موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]. قالوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢]، فأخذ عيسى ﵇ يذكرهم بالله ويعظهم فقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣]. فقال الله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥] واشترط عليهم سيدنا عيسى أن يأكلوا ولا يدخروا؛ وذلك لأن الله سينزل لهم كل يوم مائدة، فلابد من الثقة والإيمان بالله ، لكنهم أكلوا وخبئوا وظنوا أن عيسى ﵇ يكذب عليهم. فغضب الله عليهم غضباً لم يغضب مثله على أحد من العالمين من قبل، فهؤلاء مع المنافقين في الدرك الأسفل، كذلك قال الله تعالى في شأن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] والعياذ بالله رب العالمين، فهؤلاء سكان دركات النار والعياذ بالله رب العالمين. وهذا الروح الأمين جبريل جاء منكس الطرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ما لي أراك يا جبريل حزيناً؟ قال: جئتك بآيات: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٢٤] إلى آخر السورة، قال: وما الذي أغضبك؟ قال: جيء يومها يا رسول الله! بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف ملك، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة -يعني: قفزت عليهم وانقلبت من بين أيديهم- فلولا أن أدركوها لأحرقت من في الجمع، فأخذوها برحمة الله ، وما زال يلقى فيها فوج وفوج ويقول الله لها: هل امتلأت وتقول: هل من مزيد إلى أن يضع الرحمن فيها إصبعه فتقول: قط قط قط، بعزتك قد امتلأت بعزتك قد امتلأت بعزتك قد امتلأت، وينزوي بعضها إلى بعض خشية وخوفاً من الجبار أن يكون قد خلق خلقاً غيرها يعذبها به. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 317

سلسلة الدار الآخرة_وصف النار [٢] لقد ذكر الله في كتابه النار وشدة هولها، ووصفها النبي ﷺ في سنته وصفاً تقشعر له الأبدان، وتستعيذ من هولها القلوب الخائفة، والنار لها دركات بعضها أشد من بعض، وكل درك منها له أهله من الكفار والعصاة والغافلين عن الله ، طعامهم الزقوم والضريع وشرابهم الحميم، ولباسهم النار، وفراشهم النار ومن فوقهم نار ومن تحتهم نار والعياذ بالله.

стр. 318

دعوة للمحاسبة أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده. وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة التاسعة عشرة في سلسة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في بدايتها أن يجعل هذه الجلسات في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، اللهم أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم إن أحييتنا فأحينا على الإيمان، وإن أمتنا فأمتنا على الإسلام، واحشرنا تحت لواء لا إله إلا الله، اللهم اسقنا من يد نبينا شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم فك الكرب عن المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، اللهم يسر لنا أمورنا، واشرح لنا صدورنا، وأنر لنا قلوبنا، وقو لنا يقيننا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا، اللهم اجعلنا ثأرنا على من ظلمنا. اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله، اللهم إنك تعلم أننا مقهورون فانصرنا، وذليلون فأعزنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا، وأصحاب شهوات فتب علينا. اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، اللهم أعزنا بطاعتك، اللهم أعزنا بطاعتك، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، ومن كل قول أو عمل يقرب إلى النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار بكرمك وجودك يا عزيز يا غفار! يا من يحول بين المرء وقلبه حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم حل بيننا وبين معاصيك، اللهم اجعل حياتنا زيادة لنا في كل خير، واجعل موتنا راحة لنا من كل شر، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين! وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فهذه الحلقة التاسعة عشرة من الحديث عن الدار الآخرة، وهي الحلقة الثانية في وصف النار أجارنا الله وإياكم من عذابها، والحديث عن النار حديث يتصدع منه القلب ويخشع، ولا خير في قلب سمع الحديث عن النار ولم يقشعر ولم يخف من الله، فالحديث عن النار كاد أن يتصدع له قلب الحبيب المصطفى ﷺ . ورأينا في الحلقة السابقة كيف أن جبريل الأمين الذي عصمه المولى من العصيان جاء مرة يبكي مرتعدة فرائصه إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (ما يبكيك يا جبريل؟ قال: يا رسول الله! مررت بنافخ النار! قال ﷺ : وهل تنفخ فيها الملائكة يا جبريل؟ قال: لقد أمر الله الملائكة فأوقدت عليها ألف عام حتى احمرت، ثم ألف عام حتى ابيضت، ثم ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء كالليل البهيم، قال: صفها لي يا جبريل، قال: حرها شديد، وقعرها بعيد، ولها مقامع من حديد، قال الحبيب: حسبك يا جبريل! والله لقد كاد قلبي أن ينصدع)، فالنبي المصطفى ﷺ لما سمع من أخيه جبريل هذا الوصف المرعب للنار تمثل الحبيب النار أمامه. ورأينا أيضاً كيف أن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ لما رأت النبي في تهجده بالليل، فبينا هو يصلي إذ تقدم خطوة، ومد يده كأنما يريد أن يأخذ شيئاً، ثم أعاد يده إلى جنبه مرة أخرى، ثم تراجع القهقرى خطوتين، فبعد أن قضى صلاته سألته أم سلمة متعجبة مما رأت: يا رسول الله! لقد رأيتك تصلي فتقدمت خطوة وبسطت يدك كأنك تأخذ شيئاً، ثم أرجعت يدك، ثم رجعت خطوتين إلى الوراء، ثم أكملت صلاتك؟ فقال: (أورأيتني يا أم سلمة؟ قالت: نعم، قال: بينا أنا أصلي إذا بباب من الجنة يفتح فتقدمت نحوه ورأيت عنقوداً من عنب يتدلى من غصن من أغصان أشجارها، فأردت أن أقطف لك يا أم سلمة فقيل لي: يا محمد! إنك ما تزال في الدنيا)، فهذا النعيم هو للمؤمنين في الآخرة، وليس هذا وقته! ثم قال: (ثم أرى باباً من أبواب النار يفتح، فخشيت على نفسي من لفح حرها فرجعت القهقرى)، سيدنا الحبيب المعصوم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأشرف الخلق عند الخالق خاف من النار، ولما رأى باب النار يفتح تراجع إلى القهقرى، أفلا نخاف نحن؟! وعندما نقوم بوصف النار أو الجنة أو ما يقع في يوم الحساب من صور ومواقف فليس لأجل أن نتسلى، لأن الأمر أكبر من ذلك، فهذا هول عظيم؛ لأن هذا هو وصف القرآن ليوم الحساب، وهو وصف الحبيب المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ . فالواجب أن يأخذ المسلم هذه الدروس مأخذ الجد، ويبدأ بالتطبيق العملي، ويعيد حساباته، ويسأل نفسه ويكون صادقاً معها قائلاً: ما موقفك من الأوامر والنواهي؟ يقول تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩]، فأنت تسأل نفسك هل أنت تصلين الصلوات الخمس في المسجد؟ كم صلاة تصلينها جماعة؟ وكم صلاة تصلينها في البيت؟! وتسأل نفسك: كيف الخشوع عندك في الصلاة؟ ثم تسألها عن النوافل، والنوافل فيها خير عظيم، ومن واظب على ترك السنن المؤكدة عوتب يوم القيامة من رسول الله ﷺ عتاباً يسقط من لحم وجهه، يقول الله في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فالله يحب العبد الذي يكثر من النوافل. ثم بعد ذلك قيام الليل فيصلي ركعتين في جوف الليل والناس نيام، فهاتان الركعتان خير لك من الدنيا وما فيها، يقول النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وأفشى السلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، قالوا: ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال: أمتي تستطيع ذلك، من صلى صلاة العشاء وصلاة الصبح في جماعة فقد قام الليل والناس نيام، ومن أطعم زوجته وأبناءه طعاماً حلالاً فأشبعهم فقد أطعم الطعام، ومن لقي أخاه بوجه مبتسم فقد ألان الكلام، ومن دخل بيته فسلم على أهله فقد أفشى السلام، ومن صام من كل شهر أياماً ثلاثة فقد أدام الصيام) اللهم اجعلنا منهم يا كريم يا رب العالمين! كذلك من السنن النوافل صيام الإثنين والخميس، وثلاثة أيام في الشهر أوله أو نصفه أو آخره، أو الثلاثة الأيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر؛ لأن من صام لله يوماً واحداً ابتعد من النار فمن صام يوماً ابتعد عن النار بعد طائر غراب فرخ خرج من بيضته وظل يطير ويطير إلى أن مات وهو هرم، والغراب من ضمن الطيور التي تعمر، وتخيل الغراب يطير من ساعة ما يخرج من البيضة حتى يموت مدة عشر سنين أو عشرين سنة، فأنت تبتعد عن النار مقدار طيران الغراب بصومك لله رب العالمين. يجاء يوم القيامة بالمتطوعين في الصيام، والناس عطشى، فتأتي الملائكة لهم بأكواب من حوض الكوثر، فيرويهم هذا الماء رياً لا ظمأ بعده، فاللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين!

стр. 319

محاسبة النفس في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك من ثمرات الدار الآخرة: مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل أنت تأمر امرأتك وتنهاها؟ وهل أنت تأمر عيالك وتنهاهم؟ وهل أنت تأمر أصحابك وتنهاهم؟ اشتر لك دفتراً وحاسب نفسك كل يوم قبل أن تنام وتسجل فيه كل ما عملت من سيئات كتابة، كم نظرت إلى الحرام! وكم نممت من أناس! وكم نميت مرات! وكم كذبت من مرات وهكذا! وتنوي نية صادقة أنه إذا أصبح الصباح عليك فلن تعود لمثل هذا أبداً، وهذه أمانة أعلقها في رقابكم جميعاً رجالاً ونساءً، شباباً وشيبة، عل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. الناس يظنون أنهم بمنأى من عذاب الله، وهذا غير صحيح، فمن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، فهذا: سلمان الفارسي سيكون من أول الداخلين إلى الجنة إن شاء الله، وأبو لهب عم رسول الله لن يدخل الجنة، فالقضية ليست قضية نسب ولا قرابة، لا تغتر بصحبة الصالحين أبداً، وليس أنني إذا مشيت مع رجل صالح أو عالم فاضل، عامل بعلمه فقد حويت العلم والتقوى. لا تغتر بصحبة الصالحين؛ لأن عبد الله بن أبي ابن سلول صلى وراء الرسول وهو من أهل الدرك الأسفل في النار والعياذ بالله! فقد صلى وراء الرسول تسع سنوات لا تفوته صلاة، ورغم ذلك ما نفعته صلاته خلف رسول الله هو والسبعة عشر منافق في المدينة! إذاً: فلا تغتر بصحبة الصالحين، ولا تغتر بعمل الطاعات، فربما فتح لك باب العمل وأغلق عنك باب القبول لحكمة يعلمها الله، لاحتمال عجب أو رياء؛ لأن العمل من أجل الدنيا رياء، والعمل من أجل الناس شرك، وإن اليسير من الرياء شرك، فلو صليت في بيتك ودخل ضيف وأنت في الصلاة، وابنك فتح للضيف وقال: تفضل يا عم حتى ينتهي أبي من الصلاة، فقلت في نفسك: الرجل يراني في المسجد دائماً أصلي بهدوء، لابد أن أتمهل في صلاتي هنا كذلك ولا أسرع، فهذا شرك بالله سبحانه، إن اليسير من الرياء شرك؛ لأن المسألة خطيرة، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من شرك.

стр. 320

محاسبة النفس في قضية الأخلاق كذلك تعمل نفس القضية في الأخلاق السيئة، تأخذ ورقة معك إلى العمل وتكتب فيها الأخلاق المحمودة، وتكتب في الصفحة الثانية الأخلاق المذمومة، مثل الواجب الذي يكتبه الولد خارج المدرسة، أنت أيضاً تشتري دفتراً للأخلاق الحميدة والمذمومة التي تعملها، فتقول مثلاً: الأخلاق الحميدة هي الصدق، والحلم، والكرم، والجود، والتوكل على الله، واليقين، وكظم الغيظ، ومن الأخلاق الذميمة: الكبر، والحسد، والكبرياء، والاختيال على عباد الله، والسخرية. فلو أن كل شخص فعل هذا الفعل لانشغل الناس بعيوب أنفسهم وتركوا عيوب الآخرين، وهكذا كان صحابة الحبيب المصطفى، كل واحد منهم كان مشغولاً بنفسه، فليس عنده وقت يشغل فيه نفسه بغيره، والذي يجعلنا نتكلم في عيوب الناس: أننا نسينا عيوبنا، ولو أن كل إنسان شغل نفسه بعيوبه لانقضت الحياة ولم توجد هناك عيوب؛ لأن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، اللهم اجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين! إذاً: ليس المسلم بمنأى عن النار فربما فتح لك باب العمل وأغلق عليك باب القبول، يعني: ربنا قد يفتح لك أبواب العمل، فتحضر مجالس العلم، وتقرأ القرآن، وتقوم الليل، وتصوم النهار، ولكن باب القبول قد أغلق، هل أحد يسأل الله عما يفعل؟ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، هذا سيدنا عيسى لما رآه إبليس قال له: ألست تقول إنك روح الله، ونبي الله، ورسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم؟ قال له: نعم، قال له: ربنا معك ويدافع عنك؟ قال له: نعم، قال: إذاً: ارم بنفسك من فوق الجبل لنرى ماذا سيصنع بك ربنا؟ قال عيسى ﵇: يا لعين! إن الله هو الذي يختبر عباده، وليس للعباد أن يختبروا رب العباد!

стр. 321

من أسباب دخول النار تكلمنا في الحلقة الماضية أن النار سبع دركات، بعضها أسفل من بعض، وكل دركة أشد من التي فوقها سبعين ضعفاً، فإذا نزل المنافق في الدرك الأسفل وجدها أشد حرارة بأربعمائة وتسعين مرة عما فوقها! قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]، أول سبب لدخول النار ترك الصلاة. قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤]، أي: لا صدقة ولا زكاة. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥]، يتحدثون في الباطل فيلمزون المسلمين ويطعنون في الملتزمين، فكلما رأى ملتزماً أو امرأة منقبة يقول: هؤلاء متطرفون هؤلاء سيجلبون علينا المشاكل ويخربون البلاد. ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] والعياذ بالله! والمسألة ليست مسألة تكذيب أو إنكار، لكنه يرى نفسه مسلماً فيترك الصلاة والصيام والزكاة ويعادي أولياء الله ويقول: الله غفور رحيم، ويستهزئ قائلاً: ستدخل الجنة! احجز لي مقعداً بجنبك، وهذه قلة أدب، ولذلك المسلم دائماً عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ما وسعه ذلك، بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لأن الرسول ﷺ يقول له ربه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣]، ويقول تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، ويقول: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]، تسلك في الحياة مسلك الصالحين بأسلوبك أنت بالصدق والتواضع، وبلين الجانب، وببسط الوجه، وبقضاء مصالح المسلمين، وبالسعي في حل مشاكلهم، هذا أسلوبك في الحياة، وليس للمسلم أن يغضب ويشدد على الناس. إذاً: المسلم دائماً يوقن أن الله هو الذي يملك أمر يوم القيامة وحده، لا أحد يملكه معه، قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الحج:٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩]. الرسول ﷺ لا يملك إلا الشفاعة فقط، يقول: أنا بلغت يا رب، ويقف وهو يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي! ومن رأفته يريد أن يشفع في أناس معينين؟ فيقال: لا، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، لم يكن يصلي، وكان يخوض مع الخائضين فلا يقبل الله فيه شفاعة الشافعين. الرسول ﷺ قال له رجل: (يا رسول الله! ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة، فقال له النبي ﷺ : أعني على نفسك بكثرة السجود)، أرشده إلى أن يصلي كثيراً، وذلك لأجل أن تحل له شفاعته، وإذا لم يصل فكيف سيشفع له؟ قال ﷺ : (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). ويقول الحبيب ﷺ لأهله: (لا يأتيني الناس يوم القيامة بالحسنات، وتأتوني أنتم بأوزاركم على ظهوركم تقولون: أدركنا يا محمد، فأقول ما قاله العبد الصالح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨])، لا ينفع حتى أهله (يا عباس! يا عم رسول الله! اعمل لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية! يا عمة رسول الله! اعملي، لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة! يا بنت محمد! اعملي، لا أغني عنك من الله شيئاً). فهذه فاطمة سوف تدخل الجنة برحمة الله، أما أن الرسول ﷺ يشفع لإنسان كان لا يصلي، ولا يزكي، وكان يخوض مع الخائضين، ويكذب بيوم الدين فلا. وكثير من الناس يردون الأمر على الله ، فمثلاً: في الحديث الصحيح: أن البيت الذي فيه تمثال أو صورة لا تدخله الملائكة، وكذلك البيت الذي فيه كلب، هذا الحديث متفق عليه، لكنه يقول لك: الرسول ﷺ يقصد أن الناس كانوا يعبدونه، أما تمثال لقيمة فنية وجمالية، فهذا ليس حراماً. الرسول يقول: هذا حرام، وأنت تقول: ليس بحرام! أصدقك أنت أو أصدق رسول الله!؟ فهذا يرد الأمر على الآمر، مثل عمل إبليس عندما أمر بالسجود فقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وهكذا في كثير من الأمور، وبعضهم يقول: لا يوجد اختلاط في الإسلام فالبنت جنب الولد مثل أخيها، يا أخي: لا يجوز ذلك، افصل بينهما، هذا فيه فتح باب الشهوات والغرائز الجنسية، هذا سيدنا رسول الله ﷺ جاءته امرأة فجلست بجواره تشتكي إليه، ثم غادرت المكان، فجاء رجل بعدها ينتظر دوره وجلس في مكانها ليسأل الرسول ﷺ ، فإذا بالرسول يأخذ بيده وينقله إلى الجانب الآخر، فسئل عن ذلك؟ فقال: (لكي لا يستشعر دفء مكانها)، فالرسول يحميه من مداخل الشيطان. وعلماء التربية الحديثة يقولون: إن كل ذرة في جسد الرجل تدل على الذكورة، وكل ذرة في جسد المرأة تدل على الأنوثة، فهذه حكمة الله ، أنه كل جنس له تخصصه، فالمرأة تستطيع أن تلد وترضع وعندها عاطفة، والرجل عنده خشونة وقوة، وعنده تحمل للمسئولية، وعنده عاطفة مؤخرة عن العقل، ولا يقدر أن يرضع، ولا يقدر أن يبقى مع الأولاد في البيت، قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، فالمسلم عليه أن يؤمن بكل ما جاء في كتاب الله، وبكل ما جاء في كلام رسوله ﷺ .

стр. 322

وصف أهل النار وشدة عذابهم ما زلت أحوم حول الحلقة الثانية، وأن قلب الإنسان قد لا يحتمل مدة طويلة أن يتحدث عن النار، اللهم أجرنا من حر النار وأبعدنا عنها يا رب العالمين! وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب يا أكرم الأكرمين!

стр. 323

ذكر عذاب من يتثاقل عن الصلوات فهذا سيدنا عبد الله بن عمر ﵁ نام ليلة، ورأى في الرؤيا أن القيامة قد قامت، وأن زبانية جهنم قد أخذوا بيده، حتى أوصلوه إلى رأس بئر، وإذا به يرى ملائكة بأيديهم مقامع من حديد، قيل: لمن هذا العذاب؟ قال: لمن ينام الليل كله، فاستيقظ مذعوراً وذهب إلى أخته حفصة أم المؤمنين وقص عليها الرؤيا، والسيدة حفصة بدورها قصت الرؤيا على رسول الله ﷺ ، فقال الرسول ﷺ : (إن عبد الله بن عمر عبد صالح فلو قام من الليل قليلاً)، فما نام بعد هذه القصة، وبعد هذا الحديث الذي سمعه إلى أن مات! وفي عصرنا هذا نجد كثيراً من الناس يسهرون الليالي أمام التلفاز ثم ينامون عن صلاة الفجر؛ ولذلك رأى النبي ﷺ أناساً في النار، تأتي الملائكة بأحجار فتضرب رءوسهم، حتى تنكسر ثم تعاد مرة أخرى كما كانت، ثم تكسر وهكذا، فقال: (من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين كانت تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة).

стр. 324

ذكر عذاب الحاكم الظالم روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : (ما من حاكم يحكم بين الناس)، وهذا الكلام يشمل كل من تصدر للحكم بين اثنين سواء القاضي، أو رئيس المحكمة، أو كبير العائلة، أو رئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية، أو الملك، أو الحاكم، أو الإمبراطور، لأن كل من حكم بين اثنين فهو حاكم، قال ﷺ : (ما من حاكم يحكم بين الناس إلا ويحبس يوم القيامة، وملك آخذ بقفاه)، عندما يقبض العسس على المتهم يمسكونه وراء رأسه مثل الأرنب، وهذا نفس القضية؛ لأن قفاه هذا ما كان ينحني أبداً، تقول له: يا أخي! انظر في الصلاة إلى موضع سجودك، النبي ﷺ أمر بهذا، وذكر عقاب من يرفع بصره أن الله يخطفه فيصبح أعمى، ويقول ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقد كان يضع بصره في موضع سجوده. قال ﷺ : (وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على جهنم، ثم يرفع رأسه إلى الله وهذا هو الملك الذي يرفع رأسه إلى الله وليس الحكم: (فإن قال الله للملك: ألقه، يلقه في سبعين خريفاً في جهنم). وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم: (يؤتى بالحاكم العادل يوم القيامة ينتفض به الجسر انتفاضة)، يعني: الصراط يهتز به هزة، قال: (فيطير كل عضو من أعضائه عن موضعه، لا يجمعها له إلا عدله). وعن الخليل عن عبد الله بن أبي عاصم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الحواميم سبع) من بداية سورة غافر إلى سورة الأحقاف، فهذه سبع سور كلها تبدأ بـ (حم)، (من واظب عليهن سدت كل سورة باباً من أبواب النار)، والمقصود: أنه يقرأهن بتدبر وتمعن ويعمل بما فيهن من أوامر ونواه. وابن عباس يقول: كلما جئت إلى الحواميم شعرت أني في رياض أتأنق فيهن، يعني: آخذ وردة من هنا ووردة من هنا، وزهرة من هنا وزهرة من هنا، فاقرأ سورة غافر واسمع ما فيها من عظات.

стр. 325

ذكر شدة النار وهولها وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله أوقد على النار ألف عام حتى ابيضت، ثم ألفاً أخرى حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألفاً ثالثة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل البهيم). ولشدة هول النار وعظم جحيمها ينسى الكافر كل نعيم الدنيا فعن أنس بن مالك أن الرسول ﷺ قال: (يؤتى بأنعم أهل الأرض فيصبغ في النار صبغة)، أي: يغمسونه في النار غمسة، (فيخرج كالفحمة، فيقال: عبدي! هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ قال: وعزتك وجلالك أني في الشقاء منذ خلقتني)، وفي الحديث الآخر: (لو أن نقطة من الجنة وقعت في دنياكم لحلتها لكم، ولو أن قطرة من النار وقعت في دنياكم لخبثتها عليكم)! كذلك يقول ﷺ : (ويؤتي بأبأس أهل الأرض) الذي لم يشعر براحة في الدنيا منذ أن خلق، فهو في فقر وشدة وهم لا يجد الراحة، ولكنه كان يتقي الله، ويحمد الله، وكان لا يحقد على أحد، ويرضى بما قسم الله له، قال ﷺ : (فيصبغ في الجنة صبغة، فيخرج كالبدر ليلة التمام، فيقال: عبدي! هل رأيت بؤساً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك أنى في النعيم منذ خلقتني). ويقول ﷺ : (ولو أن جهنمياً أخرج كفه إلى أهل الدنيا حتى يبصروها لاحترقت الدنيا من حر كفه)، هذا كلام الحبيب المصطفى ﷺ ! ويقول ﵊: (لضرس الكافر في جهنم كجبل أحد، فقالوا: يا رسول الله! صف لنا واحداً من أهل جهنم، قال: شفته السفلى مدلاة يدوسها أهل النار، ولو أن خازناً من خزنة جهنم أخرج إلى أهل الدنيا حتى يبصروه لمات أهل الدنيا حين يبصرونه من غضب الله الذي على وجهه). الرسول ﷺ في رحلة المعراج كان يمر على الملائكة فيسلم عليهم، فيردون ﵇ ويبتسمون، إلا ملكاً واحداً: رد السلام عليه ووجهه مكشر، فقال: (من هذا يا جبريل؟ قال: هذا مالك خازن النار، ما ضحك منذ أن خلق الله النار). ويقول ﷺ : (لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس فيهم رجل من أهل النار لأحرقهم). ويقول ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها وقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً؛ فأذن الله لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف) يعني: جعل لها نفسين في السنة، نفساً في الصيف، ونفساً في الشتاء، قال: (فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير)، فعندما تجد حراً شديداً تقول: اللهم أجرني من حر جهنم، وعندما تجد برداً شديداً تقول: يا رب! أبعدني عن زمهريرها!

стр. 326

ذكر العنق الذي يخرج من النار ويقول ﷺ : (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين). فالجبار العنيد: هو الذي يأبى كلام الله ، وكل طاغية يطغى على عباد الله، وكل شخص يضع نفسه مكان فرعون ويتفرعن على عباد الله، هذا هو الجبار العنيد الذي يأخذه هذا العنق. (ومن جعل مع الله إلهاً آخر): أي: كل عابد لغير الله أو مشرك مع الله إلهاً غيره. النوع الثالث: المصورون، والعلماء ذهبوا إلى أن المقصود بالمصورين النحاتون الذين يعملون التماثيل التي تضاهي خلق الله، فالذي عنده تمثال في بيته أو كلب ليس للحراسة ولا للصيد فإنه ينقص من ثوابه كل يوم قيراطان أقلهما كجبل أحد، وهذا جبريل ﵇ رفض أن يدخل بيت رسول الله ﷺ ، فالرسول بحث في البيت فوجد أن عائشة معها ستارة على فتحة في البيت وعليها تصاوير، فنزعه، وأمر بتغييره، فدخل جبريل وقال: لا ندخل بيتاً فيه تمثال أو كلب أو صورة! والأولى للإنسان أن يترك التصوير الذي لا داعي له، والصور الضرورية لا بأس بها، كصورة جواز سفر، أو بطاقة شخصية، أو صورة للولد في المدرسة، وفي الحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

стр. 327

وصف طعام أهل النار وشرابهم وقال ﷺ : (ينشئ الله لأهل النار سحاباً، فيقال لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: نشتهي أن تمطر علينا، فتمطر عليهم سلاسل تزاد في سلاسلهم، وأغلالاً تزاد في أغلالهم)، وهذه صورة بشعة من العذاب والعياذ بالله! ويقول ﷺ : (عندما يدخل أهل النار النار تتلقاهم النار بشرر كالنجوم قال: فيولون مدبرين فيقول الجبار ﵎: ردوهم عليها، فيردونهم، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣])، أي: ليس لهم عاصم يعصمهم من النار. يقول سيدنا الحبيب ﷺ : (يلقى على أهل النار الجوع)، وفي رواية: (قهر الجوع أهل النار)، الجوع هنا فاعل: (يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام من ضريع) الضريع: نوع من الثمر المر بجانبيه شوك مثل التين الشوكي، ومثل جلد القنذف، فهؤلاء يطعمون بطعام: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧]. قال: (ثم يغاثون بطعام ذا غصة)، أي: طعام يحدث غصة في الحلق، فمن كثرة الشوك يمسك بالحلق فيستغيثون، فيغاثون ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]. يقول ﷺ : (فيذكرون أنهم كانوا يزيلون الغصص في الدنيا بشراب، فيستغيثون بشراب، فيرفع إليهم من حميم بكلاليب الحديد) أي: أن خزنة جهنم يأتون للكافر والفاجر بالحميم في أكواب من نار يمسكونها بكلاليب من حديد! قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، حاشا لله أن يظلم أحداً، فالله جعل لهم طريقين، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣])) [البلد:١٠]. (ويرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت الوجوه، فإذا دخل الشراب بطونهم قطّع ما في بطونهم فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيدعون خزنة جهنم: أن ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب؛ فيقولون: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، فيقولون: ادعوا مالكاً، فيقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧])، مادام أنه لا يوجد تخفيف يقولون: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] نموت فنستريح: (فيجيبهم مالك: إنكم ماكثون) والمسافة الزمنية بين دعائهم ورد مالك ألف سنة. قال ﷺ : (فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيجيبهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١٠])، سخرتم من المتطرفين ومن المحجبات والملتزمات، ومكثتم تطعنون في عباد الله الذاكرين والمصلين الساجدين، نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يرد عنا كيد الظالمين، وأن يولي أمورنا خيارنا، وألا يولي أمورنا شرارنا، وأن يصلح برحمته أحوالنا إن ربنا على ما يشاء قدير.

стр. 328

دعوات أهل النار التي يدعون بها أهل النار لهم دعوات أربع، قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. يقولون: أنت يا رب أمتنا مرتين، وأحييتنا مرتين كما في قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]. ثم قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] أي: فهل من وسيلة تخرجنا من هذا المكان؟ قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]. الدعوة الثانية قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، أي: رأينا النار، وسمعنا العذاب: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]. الدعوة الثالثة: قال تعالى حاكياً حالهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]. ألم يعطك الله ستين سنة وأربعين سنة، ومائة سنة؟ فماذا صنعت فيها؟ سبحان الله، ولذلك أنا أريد أن أقول لك: إن مسألة قول الحق ولا يخاف فيه لومة لائم فرض على كل عبد مسلم، واسمعوا إلى هذا المفتي الذي كان صادقاً في إيمانه، أتى إليه رئيس الدولة وقال له: يا سيدنا الشيخ إن رمضان سوف يعطل الإنتاج، والناس سيصبحون كسالى عن العمل، قال له: وماذا تريد أنت؟ قال: أريد كلمتين منك تجوز لهم الفطر في رمضان؛ لأنه سيعطل الإنتاج، قال له: وأين أقول هذا الكلام؟ قال: أنا سأجمع لك مجلس النواب ومجلس كذا ومجلس كذا وتتكلم معهم على الهواء، فجاء المفتي الذي يتقي الله ثم قال لهم: السلام عليكم، إن سيدنا الشيخ سيقول لكم كلمتين، فقال: يقول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، إلى آخر الآية، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وصدق الله، وكذب بو رقيبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأدخله السجن إحدى عشرة سنة، لكن في التاريخ أولاده بعد كذا سيفخرون به. يا أخي! هذا فرعون هدد وتوعد السحرة فقال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، فبماذا أجابوه؟! ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]، إنما هي لحظات وإذا نحن في جنات عدن التي وعد الله المتقين. وهذا صاحب ياسين حبيب النجار ﵀: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]، فقتلوه عندما دعاهم إلى الإسلام، فقال الله عنه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، رحم الله حبيباً النجار فقد وعظ أهله حياً وتمنى لهم الخير ميتاً، قال: ليت قومي يعرفون ما أنا فيه من الخير والنعمة! فيقول أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، أي: نحن نستطيع يا رب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. الدعوة الرابعة: قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]. قال الله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وهكذا وللأسف الشديد كانت هذه آخر دعوة لأهل النار! يئسوا من الكلام بعد ذلك، فلا تسمع من أهل النار إلا شهيقاً وزفيراً، فانظر إلى الحمار كيف يكون عنده النهيق، فهذا هو منظر أهل النار مثل منظر الحمار في آخر نهيقه!

стр. 329

نماذج مما يعذب به أهل النار أهل النار لهم دعوات أربع، قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. يقولون: أنت يا رب أمتنا مرتين، وأحييتنا مرتين كما في قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨]. ثم قالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] أي: فهل من وسيلة تخرجنا من هذا المكان؟ قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]. الدعوة الثانية قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، أي: رأينا النار، وسمعنا العذاب: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]. الدعوة الثالثة: قال تعالى حاكياً حالهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]. ألم يعطك الله ستين سنة وأربعين سنة، ومائة سنة؟ فماذا صنعت فيها؟ سبحان الله، ولذلك أنا أريد أن أقول لك: إن مسألة قول الحق ولا يخاف فيه لومة لائم فرض على كل عبد مسلم، واسمعوا إلى هذا المفتي الذي كان صادقاً في إيمانه، أتى إليه رئيس الدولة وقال له: يا سيدنا الشيخ إن رمضان سوف يعطل الإنتاج، والناس سيصبحون كسالى عن العمل، قال له: وماذا تريد أنت؟ قال: أريد كلمتين منك تجوز لهم الفطر في رمضان؛ لأنه سيعطل الإنتاج، قال له: وأين أقول هذا الكلام؟ قال: أنا سأجمع لك مجلس النواب ومجلس كذا ومجلس كذا وتتكلم معهم على الهواء، فجاء المفتي الذي يتقي الله ثم قال لهم: السلام عليكم، إن سيدنا الشيخ سيقول لكم كلمتين، فقال: يقول الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، إلى آخر الآية، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وصدق الله، وكذب بو رقيبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأدخله السجن إحدى عشرة سنة، لكن في التاريخ أولاده بعد كذا سيفخرون به. يا أخي! هذا فرعون هدد وتوعد السحرة فقال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، فبماذا أجابوه؟! ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]، إنما هي لحظات وإذا نحن في جنات عدن التي وعد الله المتقين. وهذا صاحب ياسين حبيب النجار ﵀: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]، فقتلوه عندما دعاهم إلى الإسلام، فقال الله عنه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، رحم الله حبيباً النجار فقد وعظ أهله حياً وتمنى لهم الخير ميتاً، قال: ليت قومي يعرفون ما أنا فيه من الخير والنعمة! فيقول أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، أي: نحن نستطيع يا رب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. الدعوة الرابعة: قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]. قال الله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وهكذا وللأسف الشديد كانت هذه آخر دعوة لأهل النار! يئسوا من الكلام بعد ذلك، فلا تسمع من أهل النار إلا شهيقاً وزفيراً، فانظر إلى الحمار كيف يكون عنده النهيق، فهذا هو منظر أهل النار مثل منظر الحمار في آخر نهيقه!

стр. 330

عذاب من إذا خلو بمحارم الله انتهكوها وإذا لقوا الناس كانوا مخبتين وعن أنس وأبي هريرة ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يؤتي يوم القيامة بأناس من النار إلى الجنة حتى إذا دنوا منها، واستنشقوا رائحتها، ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها نودوا: أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، يقولون: يا ربنا! لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك لكان أهون علينا، فيقول الله : ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالمعاصي) أي واحد يعمل معصية قدام الناس أو خلف الناس يستهين بنظرة الله له أم بنظرة الناس له؟ فهذا الكلام خطير، يقول: (بارزتموني بالمعاصي والعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتوهم مخبتين)، وكأنهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان ﵄: (تراءون الناس، وهبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوني، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم منه من النعيم المقيم)، ولذلك قلنا في بداية الحلقات: إن الإنسان أول ما يولد يجعل الله له مكاناً في الجنة ومكاناً في النار، فإذا اتقى الله دخل الجنة، والكافر يرث مكانه الذي أعد له في النار لو عصى الله، وفي الجنة أنت تأخذ مكانك في الجنة ومكان الكافر، فترث في الجنة مكانين، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ [الزمر:٧٤]، اللهم اجعلنا من الوارثين يا رب العالمين! يقول ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) كل هذه الأمة إن شاء الله ربنا سيغفر لها ويتوب عليها، إلا شخصاً يعمل معصية ثم يذهب ليكلم أصحابه عن المعصية التي زوالها، يقول ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، فاتقوا الله عباد الله؛ ولذلك نحن نقول: كلما فتح أهل الباطل مكاناً لباطلهم فتح أهل الحق مكاناً لذكر الله، حتى يحصل توازن لعل الله أن يرحمنا برحمته.

стр. 331

أربعة يتأذى منهم أهل النار على ما فيهم من أذى قال ﷺ : (أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى)، هناك أربعة من أهل النار يتأذى أهل النار منهم أكثر من الأذى الذي هم فيه: (يسعون بين الجحيم والحميم بالويل والثبور، يقول أهل النار بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى؟! فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل قيحاً وصديداً، ورجل يأكل لحمه، فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما فينا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد مات وفي عنقه أموال الناس لم يجد لها قضاءً أو وفاءً) كان يأخذ أموال الناس ولا يردها، ولذلك جاء في الحديث: (من استدان ديناً وهو لا ينوي سداداً فهو سارق، ومن تزوج على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان). قال: (ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه ثم لا يغسله) وكما جاء في حديث: (يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله). وأما الذي يسيل فوه قيحاً وصديداً فيقال: (ما بال الأبعد؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة قبيحة يستلذها كما يستلذ الرفث)، يعني: الذي يأتي بنكت فيها قلة أدب ويبحث عن الكلمة السيئة فيقولها، فهذا ينزل من فمه قيح وصديد والعياذ بالله! قال: (ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد يؤذينا على ما فينا من الأذى؟ قال: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس، ويمشي بينهم بالنميمة)، فهو يأكل لحوم الناس ويتتبع عوراتهم، يقول ﷺ : (ومن تتبع عورات الناس ليفضحها تتبع الله عورته وفضحه ولو في جوف بيته).

стр. 332

عذاب من قتل نبياً أو قتله نبي أو كان من المصورين يقول ﷺ : (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة في النار رجل قتل نبياً، أو رجل قتله نبي أو مصور يصور التماثيل) أي: شخص قتل نبياً بيده أو قتله نبي، أو مصور يصور التماثيل، ويدخل فيه أصحاب الفنون في كلية الفنون الذين يقومون بالنحت. والفنان: هو الحمار في اللغة العربية، يعني: الحمار الوحشي. اللهم باعد بيننا وبين النار بعد المشرقين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، اللهم اجعل الجنة مآلنا، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، وارحم المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لنا جميعاً يا رب العالمين! وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 333

سلسلة الدار الآخرة_عذاب النار عذاب النار تتقطع عند تذكره قلوب الخائفين، وتقشعر له جلود العارفين، يود أهل النار الافتداء بالأرض وما عليها لو كانت لهم؛ لشدة عذابها، وبشاعة ما فيها، ففيها من الشراب الحميم والغساق، ومن الطعام الضريع وغيره، وعلاوة على هذا ففيها فراش وغطاء وثياب وظلال من نار، فلا يموت من فيها ولا يسلم من العذاب.

стр. 334

هول النار أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: هذه بمشيئة الله هي الحلقة العشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الثالثة عن النار والعياذ بالله منها، أبعدنا الله وإياكم والمسلمين جميعاً عن النار، وعن حرها، وأدخلنا وإياكم والمسلمين الجنة بدون سابقة عذاب. ندعو الله في بداية هذه الحلقة عسى أن يكون بيننا صالح أو صالحة يستجيب الله من أجله أو من أجلها دعاءنا، فاللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم إنا نعوذ بك من سخطك والنار، ونسألك رضاك والجنة، اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: الحديث عن النار -والعياذ بالله- حديث تنخلع له القلوب وتوجل منه وتخاف، والحديث عنها وما فيها حديث كان يفرق منه الحبيب ويخاف وهو المعصوم ﷺ ، وهذا دليل على أن الأمر ليس سهلاً ولا هينا، ولا الأمر أنا نأتي إلى المسجد لنحضر حلقات أو دروس الدار الآخرة وننفض كما جئنا، بل المسألة أكبر من ذلك وأخطر وأهم، فما من نبي أو رسول إلا خوف وحذر أهله وقومه من النار، ولعل سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ وهو أرحم الأمة بالأمة، وأرحم من على وجه الأرض بأمته، لم يترك مناسبة يستطيع أن يوضح فيها الخطر المحيط بالمسلمين من مسألة النار وما فيها إلا وبينه وحذر أتباعه وأحبابه منه.

стр. 335

تحذير النبي أمته من النار وكان يقول: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش والجنادب -أي: الحشرات- تتنادى من حولها) أي: بدأت تجتمع حول النار التي للرجل الذي أوقدها، (وهو يأخذ بحجزها) أي: هو يبعد الحشرات والفراش عن أن يقعن في النار، مثلما قال الشاعر العربي: فرح بالنور وبالنار معاً وهو لا يعرف حقيقة النار! وكذلك الحشرات لا تعرف أين مصلحتها من مفسدتها، فهذا الرجل الذي أشعل هذه النار جعل يحجز الناس عنها، وكأنه يقول: ابعد أنت، تنبه أنت، ثم قال ﵊: (ولكنكم تتفلتون مني فتتقحمون فيها) يعني: الرسول آخذ بحجزنا، وكأنه يقول: لا تغتب، لا تنم، لا تظلم، لا ترتكب الفواحش، لا تشرب الخمر، لا تتعامل بالربا، لا تنحرف، لا تكذب، لا تفسق، لا تفجر، لا تحكم بما لا يرضي الله ، ولكن مع هذه النواهي كلها فالناس تأبى إلا أن تخالف الله ورسوله ﷺ . وصل الأمر بسيدنا الحسن البصري أن قال: الناس أعداء للأمر، أمرنا الله بالصبر فجزعنا، ولو أمرنا بالجزع لصبرنا. أمر غريب! يعني: تجد أي شخص تنزل عليه مصيبة، يهتز عند أول خبطة، وفي الحديث: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) وهذا نلاحظه في مجالات الحياة؛ لأن الإنسان قاصر التفكير، محدود الفكر، وكما قلنا: إن العاقل يأخذ من الدنيا ما يفيده، ويعرف أن الدنيا خطر عليه؛ لأنها دنيا.

стр. 336

حال العاقل في الدنيا العاقل ضربنا به المثل بالطبيب، أو بعالم الحشرات أو البيولوجيا، الذي يأتي بالثعبان أو العقرب ويستخلص منهما السم؛ لكي يستخدمه في الدواء، وهكذا العالم بالدنيا الذي يعرف بلاياها، يأخذ من الدنيا ما يعود عليه بالنفع في الآخرة، ويستخدم الدنيا في زراعة الآخرة، يعني: كيف تصل للآخرة وللجنة؟ كيف تعيش في الدنيا لكي يكون لك الميراث يوم القيامة؟ اللهم اجعلنا من الوارثين في جنتك، وأنت تعرف أن كل شيء ضد هوى النفس هو الذي يوصلك إلى الجنة، وكل شيء مع هوى النفس هو الذي يوصلك إلى جهنم، يعني: اعلم أن النفس عدوة كإبليس تماماً، فإبليس والدنيا والنفس والهوى، كل هؤلاء الأربعة أعداء، كان يستعيذ منهم أبو بكر الصديق ويقول: إني بليت بأربع ما سلطوا إلا لجلب مشقتي وعنائي إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي يخرج من مصيبة الدنيا فيقابله إبليس، ويترك إبليس فيلاقي النفس، ويتغلب على النفس فيلاقي الهوى، ويترك الهوى فيلاقي الشيطان مرة أخرى، ويترك الشيطان فتأتي له الدنيا وهكذا! ونحن مغمورون ظهراً لبطن، سبحان الله! فكل شيء في الدنيا ضد هوى نفسك ودل عليه الشرع فاعلم أنه هو الذي يقربك من الله: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هكذا قال علي كرم الله وجهه: (النفس تأبى أن تكون فقيرة)، فمن منا يحب الفقر؟ لا أحد، لكن لحكمة يعلمها الله ، يعلم أن في فقرك نجاحك ونجاتك يوم القيامة؛ لأن في فقرك قربك من الله ، ولو أنك من رجال الأعمال الذين يحسب عليهم بالثانية لم نرك في المسجد، ولكنت مشغولاً دائماً! وستقول: لي ذنوب لا يكفرها إلا السعي للرزق، بعد المليون الأول الثاني، والثالث والرابع وهكذا، ويقول: لم أضمن غداً، سبحانك يا مقلب القلوب، يا من تعز الفقير بطاعتك، عندما يعطي طاعة يعطيه الله قناعة، وما دام يؤتيه الطاعة والقناعة فقد اختار له رب العباد كل خير، اللهم اختر لنا الخير من عندك يا رب العالمين، فكل ما هو ضد النفس فإنه يقربك من الله، والذي مع هوى النفس هو الذي يوديك في داهية غالباً.

стр. 337

النار كالمصفاة ويقال: كل ما يؤنسك في الدنيا فهو الذي يبعدك عن الجنة، وكل ما يزعجك فيها فهو الذي يقربك من الجنة، ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن الشيء الذي يؤنسك في الدنيا هو الذي يعطلك عن دخول الجنة، وما الذي يؤنسك بالدنيا؟ العيال، أمهم، والمصروف، والمال، والجاه، والدرجة العلمية، والنجاح، وكل هذا يؤنسك بالدنيا، ويبعدك عن الله، والذي يزعجك في الدنيا مثل المصائب، والابتلاءات، والاختبارات، والامتحانات، وكل امتحان ينزل عليك تخرج منه أنظف، والمؤمن مثل الذهب، فالذهب مشوب بعناصر رديئة، من قصدير ونحاس، ونحوهما، فلا تظن أن هذا الذهب الذي تلبسه النساء يخرج من الأرض هكذا مصفى، يخرج أربعة وعشرين جرام، أو واحداً وعشرين، أو عيار (١٨) أو مثل هذا الكلام، لا! فالذهب يخرج معه كثير من المعادن الخبيثة؛ لأن الذهب من المعادن النفيسة، وهناك معادن خبيثة، فالجواهرجي يدخله في النار، وهذا لازم لكي ينظف الذهب، والذهب كثافته ثقيلة فينزل تحت، والخبث من المعادن الأخرى يكون أعلى، ويسمونها خبثاً أو زبداً، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. فبعد دخول الذهب إلى النار ما هي الحصيلة؟ انتفت عنه جميع الشوائب، وحصلنا على الذهب الإبريز الخالص، وهكذا المؤمن فالمصائب تجعله مؤمناً صادقاً، ويدخل في مصيبة أخرى فيخرج مؤمناً عابداً، ويخرج من ابتلاء آخر قريباً من الله، إلى أن يصل إلى درجة الصديقية، اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب! إذاً: فهذه الاختبارات هي لتنقية الشوائب التي لديك، فلا تظن أبداً أن الله يبتليك لأنه يكرهك، لا والله، وإنما يبتليك لأنه يريد أن يرفع درجتك عنده، أو أنه كتب لك درجة معينة قد قصر عملك عن الوصول إليها. نأخذ مثلاً بسيطاً ولله المثل الأعلى: موظف كسول لكنه أمين، ورئيسه في العمل يحبه ويريد أن يرقيه، لكن هذا الموظف ليس في ملفه ما يثبت أنه ينفع للترقية، فماذا يفعل له؟ يحتال له بأي حيلة، فيقع على الموظف بالظلم، فيقوم الناس بالتعاطف معه، فإذا دخل في انتخابات اللجان النقابية فإن الناس كلهم سيرشحونه، وبعد أن كان عاملاً يصبح عضواً في مجلس الإدارة، فهذا الظلم الذي وقع عليه أو القرصة التي أخذها جعلته منتبهاً، وجعلت الناس كلها تحبه، ووصل إلى الدرجة التي يريدها له رئيسه. ولله المثل الأعلى، كتب ربنا لك درجة معينة، وأنت لا تصلي بالليل ولا تصوم في النهار، ولا تكثر من مجالس العلم، فيزيد عليك البلاء، ويرزقك الصبر في نفس الوقت، فسبحان الحنان المنان، فهو الذي يبتلي وهو الذي يرزق الصبر، وكان سيدنا أبو بكر يقول: اللهم اشرح لي صدري ثم حملني من الهموم ما شئت. وهذا سيدنا عروة بن الزبير ﵁ التابعي الجليل لما أجمع الأطباء على قطع ساقه من ركبته وبترها، قال لهم: أليس هناك علاج آخر؟ قالوا: لا. فقال: انتظروا إلى أن أدخل في الصلاة وأندمج فاقطعوها. فهؤلاء عندما يكونون في الصلاة كيف تكون حالهم؟ نحن عندما نكون في الصلاة نكون في ستمائة موضوع، بل لا نحل المشكلة الصعبة إلا بواسطتها! ألا تذكر أبا حنيفة عندما جاءه سائل يشكوه توارد الأخطار والأفكار، فقال له: يا أبا حنيفة! بعت عقاراً لي ووضعت ثمنه في مكان في بيتي ونسيته، قال له أبو حنيفة: وماذا تريد مني، أنا عالم بالحلال والحرام فماذا تريد مني؟ والمشكلة أن الناس يستخدمون الدعاة مثلما استخدم هذا الرجل أبا حنيفة، فكل مشكلة تصب على رءوسهم، مع أن كل الذي نعرفه هو أن نقول: هذا حلال وهذا حرام. فقال له: قم لله هذه الليلة، صل في آخر الليل وابتغ بذلك وجه الله، فذهب الرجل واتبع نصيحة أبي حنيفة، فقام فصلى؛ ففي أول ركعة تذكر مكان المال، فخرج من الصلاة! وللأسف كلنا هذا الرجل: صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما قضى الأمر لا صلى ولا صاما فـ أبو حنيفة يراه وكأنه يقرأ الكتاب من عنوانه، فعرف الأمر على وجهه، قال له: وجدت مالك، قال له: وكيف عرفت؟ قال له: وجهك يقول هكذا، ما صنعت الليلة؟ قال: تذكرت مكان المال في أول ركعة، قال: ونمت بقية الليل؟ قال: نعم، قال: كنت أثق أن إبليس لن يدعك تعبد الله الليلة، هذا عمل الشيطان. فالناس الذين يصبرون على الطاعة أعطاهم الله قدرة إلهية ونوراً إلهياً، فجعلهم قريبين منه سبحانه، اللهم صبرنا على طاعتك، وصبرنا عن معصيتك يا رب العالمين. سنأخذ اليوم حلقة ثالثة في النار، وهو موضوع مرعب بعض الشيء، نسأل الله أن يوفقنا للأعمال الصالحة، التي تبعدنا عن النار، وأن يقربنا وإياكم إلى الجنة، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. هذه الحلقة تخص أنواع العذاب في النار، ولمن يكون كل نوع من العذاب وارد في الكتاب والسنة، يعني: من الذي يدخل في هذا النوع، ومن الذي يدخل في النوع الآخر.

стр. 338

تفضيل الظل على الشمس عند العقلاء كان الحسن البصري يقول: إن نفسي تفضل الظل على الشمس - انظر إلى هذا الكلام الجميل - فكيف لا تفضل الجنة على النار! أي: عندما يلاقي الإنسان الشمس يقول: نار، حر، الحرارة هذا اليوم مرتفعة، هكذا تنبأ لنا رسول الله ﷺ ، فذكر من علامات الساعة الصغرى أن يصير الولد غيظاً، وأن يصير الشتاء قيضاً، صدقت يا رسول الله! وقد تحقق كلام رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. ومعنى: (أن يصير الولد غيظاً)، أي: أن الولد يغيظ والديه، فبعدما كان الولد رحمة صار بخلاف ذلك، والشخص يفرح إذا ولد له ثلاثة أو أربعة أو خمسة أولاد، فيقول: هؤلاء أستند عليهم عندما أشيخ، والآن الذي عنده ولد أو اثنان تجده يقول: كفاية! ويقول: يقولون لنا هكذا في التلفزيون، وهذا من الضحك على الناس، فكثرة الذرية من أسباب الرزق، فاحذر أن يلبس عليك من يقول: المصروف على اثنين غير المصروف على خمسة، من الذي قال لك هذا؟ أأنت الذي ترزق أم الرزاق هو الله؟ وأنت عند أن تخاطب الله تقول: يا حنان يا منان! فهل تعرف ما معنى (منان)؟ معناه: يعطي النوال قبل السؤال، يعني قبل أن ينزل ابنك من بطن أمه يكتب له رزقه ولست أنت الذي ترزقه، والله لا تستطيع أن ترزق نملة! وقد مرت معنا قصة النبي سليمان مع النملة، وقولها له: ستنسى، وإذا اعتمدت عليك سأضيع، لكني أعتمد على رزاق لا ينسى. والواحد منا أحياناً من كثرة المشاكل يمكن أن ينسى أهل بيته وعياله، لكن الله لا ينسى مؤمناً ولا كافراً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] أي: لا يمكن أن يقول: رزق اليوم ليس ضرورياً للناس، لهم الهواء، لا يحصل هذا، أو يقول مثلاً: أهل رومانيا أو أصحاب الدول الملحدة لا تطلع عليهم الشمس، ولا يذهب لهم الهواء، معاذ الله، فالله حنان منان كريم، ، يزرق العباد وهم يعصونه، اللهم اجعلنا من التوابين ومن المتطهرين يا رب العالمين. فالإنسان العاقل العادي يفضل الظل على الشمس، إذاً: فهل من العقل أن يفضل الجنة على النار، كان سيدنا عيسى يقول: كم من شخص مليح ووجه صبيح في النار يطيح، ولذلك تجد من أهل النار - والعياذ بالله - الجعظري الجواظ، قالوا: من الجعظري يا رسول الله؟! قال: الجعظري الممتلئ جسداً الخاوي داخلاً، أي: عندما تلقاه تهاب منظره، وتقول: هذا الشخص محترم، فعند أن يتكلم يفتضح، تكلموا تعرفوا، فالمرء مخبوء تحت لسانه. ولذلك لما دخل الأحنف بن قيس حليم العرب على معاوية، ومعاوية كان يسمع عن الأحنف، فيقول: أريد أن أرى هذا الرجل، وضرب به المثل في الحلم، فقالوا له: الأحنف في الباب يا أمير المؤمنين! قال: أدخلوه، فدخل الرجل وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال: وعليكم السلام، قال: أنا الأحنف بن قيس، فنظر معاوية إليه فوجده قصيراً أعور دميم الخلقة، وكأن لسان حال سيدنا معاوية يقول: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: أحياناً تسمع بأناس ولا تحب أن تراهم، فـ الأحنف أحد كبار العرب وزعماء المسلمين ﵁، فنظر إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين! ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور ضعاف الطير أطولها عناقاً وما طال البزاة ولا الصقور ضعاف الطير أكثرها فراقاً وأم الصقر مقلاة نزور لقد طال البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الفتى في كل وقت ويحبسه على الخسف الجرير ضعاف الأسد أكثرها زئيراً وأصرمها اللواتي لا تزير الأسد تجده يهاب وهو صامت، بينما الكلب تجده ينبح وهو بعيد عن بيته، فلا يهاب ولا يخاف. يقول الله : ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] والمتكبر السمين الذي هو ضخم الجثة، صاحب كرش كبير، قد امتلأ من الحرام والعياذ بالله، هؤلاء إذا مروا على الصراط يدوسهم الناس كالذر يوم القيامة، فهذا حال الضخم السمين العظيم الجثة الذي تخاف منه؛ لأنه ما كان يقيم لله وزناً في الدنيا، سبحان الله!

стр. 339

مكانة العبد عند ربه سأل الحسن البصري شخص: أريد أن أعرف مكانتي عند الله، أو ما لي عند الله؟ قال: انظر ما لله وما مكانته عندك، تعرف ما لك عند الله ومكانتك عنده. إذاً: إن أردت أن تعرف مكانتك عند الله، فانظر مكانة الله عندك، وانظر مكانة الدين عندك، فلو كان الدين عندك كل شيء فأنت عند الله كل شيء، ولو أن الدين عندك آخر شيء، فتحضر الدرس مرة واحدة! وأيامك ضائعة، فأنت عند الله بحسبك، وهناك من الناس من قضى ثمانية عشر أو عشرين عاماً في طلب العلم ونحوه من الخير، فلا يظن هؤلاء أنهم أضاعوا أعمارهم، فاللهم اجعله في ميزان حسناتهم وحسناتنا يا رب العالمين، ومن الناس من يضيع وقته فيما لا يرضي الله ، فاللهم اهدنا جميعاً، واحشرنا في زمرة الصالحين. أحد الفنانين - وقد تاب ربنا عليه- بقي أربعين سنة في الفن ثم هداه الله، وجاء تائباً قد اعتزل الفن، فجاء يزورني، فبينما هو جالس لمح شيئاً غريباً، فقال لي: ما هذه الأشرطة التي في هذا الدولاب؟ فقلت: إخواننا الله يبارك فيهم يأتون لنا بنسخ من الكلام الذي نقوله، ممكن تنفع بعد ذلك أو نجلس نسمعها ونستفيد منها ويستفيد منها الغير، فقال: كم عددها؟ قلت: ثلاثة آلاف شريط، فقال: كم المدة؟ قلت: ساعة ونصف، قال: يعني: خمسة آلاف ساعة كلام في ذكر الله، وأنا عشت أربعين سنة بكلام في غير مرضاة الله، قلت له: لا، بالعكس، أنت أعظم عند الله مني، لماذا؟ لأن العبد عندما يتوب يبدل الله سيئاته حسنات، فمن كانت سيئاته كثيرة تصير حسناته يوم القيامة أكثر، لكن بشرط التوبة. وأعظم إنسان من يتوب ربنا عليه، قال ﵊: (عاشروا التوابين فإنهم أرق أفئدة) اجلس مع التواب، تجده يبكي ويخشع، ويتردد على دروس العلم ومجالس الذكر، ذا قلب رقيق، وهذا واجب على كل مدرس للعلم، أي: أن يعلم رقة القلب، اللهم رقق قلوبنا بالعلم وبالخشية منك يا رب العالمين.

стр. 340

أنواع العذاب في النار عندنا عدة نماذج من الكتاب والسنة، وصور من العذاب في جهنم والعياذ بالله، نسأل الله أن يبعدنا وإياكم عن النار.

стр. 341

شجرة الزقوم أول نوع من أنواع العذاب هو شجرة الزقوم، وشجرة الزقوم وردت في الواقعة وفي الصافات، وسنرى النماذج ونفسرها؛ لأننا قلنا: إن كل حديث عن الدار الآخرة هو من نصوص الكتاب والسنة، فليست مسألة قياسية أبداً، لكي نبقى مرتبطين بما جاء في الكتاب وفي السنة المطهرة، فننظر إلى النص الأول، لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٦]. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٥١]. إذاً هذا أول نوع من العذاب. والله يتحدث عن صنفين: الضال والمكذب، فمن الضال ومن المكذب؟ الضال: هو كل من لم يأتمر بأمر الله ، يعني: الذي لا يصلي فهو ضال، والذي لا يزكي ولا يصوم فهو ضال، والتي لا تتحجب ولا تتخمر فهي ضالة أيضاً. وكل ضال مكذب؛ لأنه مكذب لله في أمره، وهو إنسان ضل؛ لأنه كذب الله ورسوله، فإن قيل: من أين لك هذا؟ قلنا: من كلام الله، ومن كلام رسوله، فالمسألة ليست مسألة اجتهاد شخصي، فمن يقرأ عليه الوحي فيكذبه ثم لا يهتدي، فهو مكذب ضال، أي أن كلاً منهما مترتب على الآخر، فهو مكذب بحقيقة يوم القيامة؛ لأنه لو آمن وأيقن بحقيقتها لما كذب ولما ضل، ولو أيقن بما في يوم القيامة من عذاب وأهوال لاهتدى وما كذب، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٥١] يكلمهم ربنا: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] تزقم الإنسان الشيء أي: ابتلعه بصعوبة بالغة، مثل: لو أكلت لقمة أكبر من حجم فمك. إذاً ابتلاع الإنسان الشيء بصعوبة بالغة، هذا اسمه التزقم. قال أهل العلم: هل شجرة الزقوم موجودة في الدنيا أم لا؟ الرواية الأولى: أنها موجودة، وهو شجر كريه المنظر سيئ الطعم، موجود في شمال نجد في جزية العرب، ولكن البعض يقول: لا، هذا اسم جديد على اللغة العربية، وكلمة (شجرة الزقوم) وصفها القرآن بصفاتها الخاصة بها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة:٥١ - ٥٣] يعني: يأكل إلى أن تنتفخ بطنه والعياذ بالله رب العالمين، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤] لأنها عندما تدخل تقطع الأمعاء، فيحتاج إلى ماء، فيحضرون له شراباً لكنه من حميم، وما هو الحميم؟ هو كل شيء يغلي، والحميم هنا: هو عصارة أهل جهنم. وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٥] الهيم: هي الإبل العطشى، أو الهيم: هي الرمال، أي: كمثل سقاية الرمل ماء، أو الهيم: هي الإبل التي مرضت بمرض الهيم، وهو المرض الذي يوازي عند البشر مرض الاستسقاء، والجمل المصاب به يظل يشرب ولا يشبع، إلى أن يموت من شدة الشرب، وهذه صورة إنسان ضال مكذب، أي: يأكل من شجرة من زقوم، فيملأ منها بطنه. قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦] النزل في اللغة العربية هو الفندق، وبعض الدول العربية تسمي الفندق أو اللوكندة: نزل، فكأن النزل أو الفندق أو اللوكندة بدل ما تكون في الدنيا اسمها: خمسة أو ثلاثة نجوم، أو أربعة نجوم، ستكون هناك شجرة الزقوم. وقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦] أي: هذا مكانه يوم الدين، أي: يوم القيامة، فيأكل من شجرة من زقوم، ويشرب عليها من الحميم، فيشرب شرب الهيم والعياذ بالله رب العالمين، نسأل الله ألا يجعلنا من الضالين ولا من المكذبين. وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢] كان يتكلم قبل هذه عن الجنة. ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]. ولما نزلت آية الواقعة التي فيها ذكر شجرة الزقوم نادى أبو جهل على جاريته: يا جارية! هاتي تمر العجوة والزبد وهذه أحلى الأكلات العربية في القديم، وزقمينا، إنها عجوة يثرب وزبد يثرب سوف نتقزمها في النار يوم القيامة! هذا أبو جهل يقول ذلك، ثم يقول: ويضحك علينا محمد، وإنما هي عبارة عن عجوة وزبدة سنأكل منها. فربنا يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣] لأن كلمة التزقم في لغة العرب تعني: أن البلح من شدة حلاوته تكسر حدته بالزبدة، فهو لكي يضله ربنا ويغويه وهو ضال أصلاً.

стр. 342

صفات شجرة الزقوم وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] أبو جهل ومن معه لما قاسوها بالعقل قالوا: شجرة وجذعها في النار! إذاً: هي تحترق، يعني: لو شجرة أصلها في النار لاحترقت، النار ستشتبك في أغصانها فتحترق، فالظالم أو الضال الذي يريد الله أن يغويه، يأتيه بهذه الشجرة، عندئذ قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٣ - ٦٤] الجحيم دركة من الدركات السبع، إذاً شجرة الزقوم هذه لها مكان معين في النار. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥] أي: ثمرها ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] من منا رأى الشيطان؟ لا أحد، لكنا نتخيله، ولذلك عندما نحب أن نقول عن شخص: كريه أو معبس، نقول: كان شكله وقت الغضب كأنه شيطان، لكراهة المنظر، وعندما نرى وجهه صبيحاً نقول: هذا وجهه مثل الملك، فهذا عكس هذا. إذاً: يصف ربنا الطلع أو الثمر الذي لشجرة الزقوم بقوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] ولذلك نسوة العزيز قلن عن سيدنا يوسف: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] لأن شكله جميل، اللهم اجعل وجوهنا وقلوبنا ملائكية يا رب! فهنا يقول الله سبحانه: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧] الشوب: الثمر الذي طلعه أو شكله مثل رأس الشيطان، فهذا مشوب أي: مختلط بالحميم، وهو والعياذ بالله الصديد أو العصارة النازلة من أهل جهنم، فـ أبو جهل يقول: هي عجوة مخلوطة بالزبدة، فربنا سبحانه ذكر صفتها. انظر طلع شجرة الزقوم التي قال ربنا فيها: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠] يخوفهم ربنا ولكن لا ينفع معهم، فنسأله تعالى أن يجيرنا وإياكم من عذاب النار وما فيها. وثمر شجر الزقوم وشكله مثل رأس الشيطان مختلط بعصارة أهل جهنم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨] يعني: ينتقلون بهم من مكان إلى مكان لكي يأكلوهم، مثل المساجين، فالمساجين عندما يصعدون بهم إلى الجبل لكي يكسروا الأحجار، يربطونهم في الكلبشات، ثم يعيدونهم بعدما يكسرون، ويريحونهم في الزنزانة والعياذ بالله، فالمثل هنا أقسى؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨] فبعد أن يذهب ليأكل من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين، ومخلوطة بالحميم، يعود مرة أخرى إلى الجحيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦] والعياذ بالله رب العالمين. يقول سيدنا سعيد بن جبير ﵁: إذا جاع أهل النار استغاثوا من الجوع، فأغيثوا بشجر الزقوم، وقد علمنا أن السحاب يأتي فوقهم، ما تودون؟ قالوا: ما دام هناك سحابة فنحن نريد منها أن تمطر ماء لتطفئ النار، فهذه السحابة إذا بها تمطر أغلالاً وسعيراً، فأغيثوا بشجرة الزقوم والعياذ بالله، فأكلوا منها فانسلخت وجوههم، حتى لو أن ماراً مر عليهم ما عرفهم، كما لو أتوا لك بجمجمة لميت، فهل تعرف لمن هذه الجمجمة، فهكذا حال وجه الكافر والفاجر والضال والمكذب والمتجبر على عباد الله، حتى لو أن ماراً مر عليهم لما عرف وجوههم، فإذا أكلوا منها ألقي عليهم العطش، فيغاثون بماء كالمهل الذي تناهى حره، فإذا أدنوه من وجوههم أنضج حره الوجوه، فيصهر به ما في بطونهم والجلود، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، فيدعون بالويل والثبور، ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤] يقول: يامصيبتاه! واثبوراه واثبوراه! يعني: يا هذا الهلاك يا هذه الكارثة! يعني: لن تدعو ثبوراً واحداً ولا هلاكاً واحداً، بل ستدعون ثبوراً كثيراً. إذاً: فشجرة الزقوم هي النوع الأول من العذاب للكافر والضال والمكذب.

стр. 343

طعام ذو غصة النوع الثاني: طعام ذو غصة: في ناس كلمة الحق تقف في حلقه مثلما يشرغ أي: لا تخرج كلمة الحق من فمه سهلة، بل بالعكس، لو كان محامياً نصاباً فالكلمات الغلط تسيل على لسانه سيلاناً. مثلاً: يترافع على امرأة في مسألة طلاق، فتقول: لم يضربني، يقول لها: إذاً القضية على هذا خسرانة خسرانة فيشجعها على أن تأتي بشهود زور. نعم. هي تريد الطلاق من زوجها، لكن أنت لا تشجعها على أن تأتي باثنين يشهدان زوراً؛ لأنك والعياذ بالله عندما تأتي بهما فهما في قعر جهنم، والذي تسبب بإتيانهم وهو من شهدوا له، وأكل صاحبه بشهادة الزور، في العذاب كذلك. ولهذا عندما تدخل المحكمة ادخل برجلك الشمال، كمثل دورة المياه، وكبيت الحاكم، فهذه ثلاثة أماكن تدخلها برجلك الشمال، وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن هذه أماكن فيها شياطين، فهل يعقل أن كل من في المحكمة مظلومون؟ نعم كل من في المحكمة مظلومون، أي: إما ظالم أو مظلوم، والقاضي قد لا يدري، وإنما أمامه أوراق ومحام، لكن النبي ﷺ قال: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار) يعني يقول الرسول: اعلم أنك لو أخذت شيئاً ولو قليلاً من حق أخيك بغير حق، فأنت تأخذ مثل ذلك من جهنم. إذاً: الطعام الذي هو ذو غصة هو للناس الذين تقف كلمة الحق في زورهم، مثلاً لو أن ابن فلان من الناس لم يتفق مع صاحب العمل، فتجد والده يقول: صاحب العمل هذا لص مرتش نصاب، لكن ابنه ليس غلطاناً، ولا يمكن أن يكون عنده غلطانا! ولو أن أخاه غير متفق مع جاره، فإذا به يقف مباشرة بجانب أخيه، وفي الحقيقة يمكن أن يكون الأخ هو الظالم، وقد قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقال رجل: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: أن ترده عن ظلمه فذلك نصر له) أي: أن تقول له: أنا معك وأنت مظلوم، أما وأنت ظالم فلا. هناك ناس -والعياذ بالله- لا يستسيغون الحلال وإنما يستسيغون الحرام، ومنهم الموظفون الذين يتعاملون مع الجمهور، كحاجب المحكمة وغيره، وهناك ناس صالحون، لكن لكي يخرج لك حكماً من المحكمة يأخذ منك أموالاً وأنا أتكلم عن المحكمة وليس لي قضية فيها والحمد لله، أنا متنازل عن جميع القضايا المدنية وغير المدنية التي يرفعها الناس علينا، من سب وقذف، وكل هذه - الحمد لله - ربنا يدافع عن الذين آمنوا، ووالله ما ذهبت محكمة، ولي قرابة عشرين واحد يدافعون عني لا أعرف من أين هم. فالمسلم يا ليته يقف عند هذا المكان ولا يدخل؛ لأن المحاكم كلها ظلم، والمنتصر والمهزوم في المحكمة كلاهما مهزوم؛ لأن المنتصر مهزوم يوم القيامة؛ لأنه غالباً أخذ حقه بدون وجه حق، وإلا فكيف أخذه؟ فالمحامي يظل يلعب على القاضي ونسأل الله السلامة، رغم أن هناك محامين صالحين، ربنا يستأنف لنا رحمته ويعيدنا إلى رحابه مؤمنين طاهرين مخلصين صادقين. فالطعام الذي هو ذو غصة هو لكل إنسان لا سلاسة عنده في الحق، بل يأكل حراماً ويبتعد عن الحلال، الكلمات البذيئة تخرج منه سهلة، وكلمة الحق لا تخرج من فمه أبداً، فهؤلاء هم الذين يأكلون الطعام الذي هو ذو غصة. والطعام ذو الغصة هو أيضاً للذي ينكد على أهل بيته، الذي يغار على حرمته لكن غيرة توصله إلى الشك، والشك يوصله إلى القذف، فهي غيرة لا حدود لها، تصل إلى الاتهام، والغيرة شيء طيب، حتى الحيوان يغار على أليفته، لكن لا توصلك الغيرة إلى أن تحدث نفسك بأمور ينهى عنها الدين؛ لأن سيدنا عمر لما قال للصحابة: لو أن أمير المؤمنين رأى رجلاً مع امرأة يرتكب الفاحشة، يقيم عليهما الحد؟ قالوا: نعم يقيم عليهما الحد، فقال سيدنا علي: هل مع أمير المؤمنين ثلاثة يشهدون معه؟ قال: لا. قال: إذاً نقيم على أمير المؤمنين حد الفرية، الله أكبر على فهم صحابة رسول الله! ليس إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأما الآن فتجد ضعيفة في الحارة الفلانية تسرق حزمة خس فيأخذها الباحث، ويذكر اسمها واسم أبيها واسم جدها وأنهم وجدوها وأخذت كذا! ولكن الثاني يأكل الملايين ويقول لك: رجل أعمال شهير! فنان مشهور! ألا تقول اسمه يا أخي! وإلا فاسكت. قال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] اللهم أبعدنا عنه يا رب العالمين. هذا الطعام يقف في الحلق فلا يدخل ولا يخرج؛ لأنه كان في الدنيا هكذا، فكل عمل في الدنيا له نظير في الآخرة، لا تظن أن هناك شيئاً يضيع عند الله، امرأة بنت خمسة وأربعين سنة تزوجت برجل يسيء معاملتها كل هذه المدة ويطردها؛ لأنها غير حاضنة، وتكون في الشارع ليس لها أحد، وهذه لن يضيع ثوابها عند الله أبداً، فلا تظني يا أماه أبداً وقد عبرت من العمر أكثر من السبعين أن ربنا سبحانه سيضيعك، ونحن كلنا مسئولون عن هذه الأمور، وهذا ما يؤلمني وينغص علي حياتي، حتى يصير ليلي نهاراً، فعندما أسمع هذه المشاكل الصعبة، وتصلني هذه الشكاوى السيئة، التي تري كيف اختفت الرحمة من قلوب المسلمين، وتجلس مع الزوج فيقول لك: يا أخي الأمر سهل! تقول له: يا أخي! امرأتك الآن عمرها خمس وسبعون سنة! ونسأل الله حسن الختام، يقول لك: لا تكلمني بالدين، أنا فاهم، أنا حافظ هذا الكلام من قبل أن تولد، نسأل الله الهداية. يا أخي لو أن عندك موظفاً لمدة عشرين أو ثلاثين سنة فعندما تخرجه تخرجه بكرامته، لا تطرده إلى الشارع هكذا، فاتقوا الله عباد الله، وإذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك!

стр. 344

الضريع النوع الثالث من العذاب والعياذ بالله: الضريع: قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٦ - ٧]. الضريع هو شوك جريد النخل، فمن يصبر على أن يأكل شوكاً، وهذه صورة مبسطة لعذاب الآخرة، لكن هو بالتأكيد شيء أصعب. ولمن هذا الضريع؟ هو لمن لا يقول الحق أيضاً، فلا ينطق إلا بالباطل، لمن يملأ لسانه بكلمة الفسوق، كالمغنين الذين كلامهم كله قلة أدب، والشعراء الذين يأتون بشعر مخالف للدين، أين سيذهبون من الله؟ فعندما يقول الشاعر الأحمق: قدر أحمق الخطى! هل القدر أحمق؟! ويقول الآخر: لن أسلم بالمكتوب ولا أرضى! ربنا يقول: سلم بالمكتوب، وأنت تقول: لن أسلم بالمكتوب؟! فستستسلم رضيت أم أبيت. إذاً: فالضريع: هو هذا الطعام الذي يأكله والعياذ بالله من لا ينطق بالحق، ومن لا يقول إلا الباطل، نسأل الله أن يجعل ألسنتنا لهاجة بذكره آناء الليل وأطراف النهار.

стр. 345

الغسلين النوع الرابع من العذاب: الغسلين، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة:٣٥ - ٣٦]. الغسلين: هو صديد أهل النار، الذي قال فيه الحبيب ﷺ : (لو أن دلواً من غسلين أريق في الدنيا لمات أهل الدنيا جميعاً من نتن رائحته) فكيف ستكون رائحته إذاً؟!

стр. 346

شراب أهل النار نأتي الآن لشراب أهل النار.

стр. 347

الحميم والغساق قال تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤]، وقال سبحانه: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. وقال سبحانه: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٤ - ٢٥]. أما الحميم: فهو ما اشتد حره، والغساق: ما اشتد برده، والحميم يقطع الأمعاء، فيشرب وراءه الغساق فيسقط منه جلده كله، ونأخذ لذلك صورة مبسطة: عندما تأتي بماء وتثلجه إلى درجة التجمد، ثم تشربه، فإنك تشعر بصداع، وهذا في الدنيا! فكيف سيشرب الغساق أولئك الذين لا يتقون الله ! ومن الذي يشرب الحميم والغساق؟ هو الذي لم يكن يتعب نفسه في الدنيا لله، يعني: انظر إلى تعبك في الدين فلن يضيع عند الله، المحجبة والمنقبة في الحر والعرق يتساقط منها، هل تضيع حبات العرق هذه عند الله؟ والله إن حبات عرقهن في الميزان يوم القيامة ثقيلة إن شاء الله رب العالمين، أما العارية هذه فنسأل الله أن يتوب على نسائنا وبناتنا. وقال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٧ - ٥٨] يعني: أنواعاً أخرى، زوجين من كل نوع من أنواع العذاب والشراب، والعياذ بالله رب العالمين. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] والعياذ بالله رب العالمين.

стр. 348

لباس أهل النار تحدثنا في الحلقات السابقة عن نوع من أهل العذاب الذين هم أهل الحسرات، الذين يدخلون النكد على بيوت المسلمين، وهم أصحاب الإشاعات. هذا الأكل والشرب والحسرات في النار، فهل هم عرايا في النار؟ لا، هم لابسون، لكن أي نوع من اللبس؟ قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] فمن الذي يلبس ثياباً من نار؟ هو الذي لم يكن يلبس في الدنيا إلا من حرام، أو يلبس ثوب الكبرياء مثلاً؛ لأن الكبرياء إزار الله، والعظمة رداء الله، قال تعالى في الحديث القدسي: (الكبرياء إزاري والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في ناري ثم لا أبالي) ولذلك فمن أول الناس دخولاً النار ثلاثة، من ضمنهم: الفقير الفخور، فهو فقير ولكن لا أحد يستطيع أن يكلمه، ذاك الغني معه ذريعة، فماله ينسيه ويميله عن الحق، لكن عندما يكون الشخص فقيراً، فالأصل أن يتواضع على قدر حاله، وكذا الذي علمه على قدره فالأصل ألا يتعاظم به، فكلنا جهلاء إلا ما علمنا الله ، فاللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا يا رب العالمين. وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩]. اسمع كلام سيدنا رسول الله ﷺ : (من أكل برجل مسلم أكلة) مثل شخص باع مسلماً، أي: نصب عليه فأكل منه شيئاً، والنصابون كثيرون في كل وقت وفي كل حين، وطالما أن في الدنيا مغفلين فالنصابون بخير، جاء نصاب وطرق باب بيت في الجيزة، ففتحت المرأة، فقال لها: فلان موجود، قالت: ذهب إلى العمل، قال: هو بعث لكم كنبة من عندنا من عمر أفندي، كان يلبس ثوباً مكتوباً عليه عمر أفندي، فنريد أن توقعي بالاستلام، فوقعت المرأة بالاستلام، فأخذا الكنبة وأدخلها إلى الداخل، المرأة بعد قليل خرجت فإذا بالذي أدخل الكنبة أخذ الذي في الشقة ومشى، فلو أتينا بهذا وقطعنا يده، أو الموظف الذي في المصلحة الحكومية أو في مجلس المدينة المحافظة أو إدارة المباني أو أو إلى آخره وقطعنا أيديهم هل سينتشر النصب؟ لا يمكن، وتجدهم يسجنونه يسيراً ثم يطلقونه، بينما هناك أناس اتهموهم بقلب نظام الحكم، أو مقاومة السلطة، فيرمونهم في غياهب السجون ولا يخرجون منها؛ لأن هذه قضية أمن دولة، وذاك الذي يسرق الناس - بزعمهم - والله ما سرق شيئاً من أحد، وإنما يقول: قال الله قال الرسول ﷺ ، ويحتمل أن يكون قد تعدى الحدود بعض الشيء، لكن ممكن أن نتفاهم معه، ونحن الذين نتفاهم وليس أنت؛ لأنه يحبنا نحن، ونحن بالكتاب والسنة نهدئه، فأنت عندما تأخذه إلى السجن ماذا أخذت منه؟ الكارثة الثانية بعد النصب: السرقة، زوجة أحد أصدقائنا دخلت المصعد، فدخل شخص وراءها وقفل الباب وقال: أخرجي الذي معك، فقالت: طيب افتح الباب حتى أرى الضوء، فلما فتح الباب صرخت صرخة بقوة: حرامي حرامي، فخرج يجري، فأمسك البوابون الحرامي، واتصلوا بالقسم، فأخذوا يماطلون: أنتم تبع قسم الأوقاف أنتم تبع قسم كذا!! وواحد من أصحابنا ما شاء الله عليه قال لهم: نحن البيت الفلاني بجوار الفندق الفلاني، أنا أرى اثنين ملتحيين يحومون حول الفندق، أنا أخشى أن يعملوا حريقاً في الفندق، فثلاث سيارات أمن مركزي وصلت! وبعد هذا ننتظر رحمة تنزل من الله! إذاً: ثياب أهل النار تقطع لهم - والعياذ بالله - من نار، فسيدنا الحبيب يقول: (الذي يأكل بمسلم أكلة) يعني: يبيع مسلماً لمسيحي نصاب، ويبيعه لكي يأكل به أكلة، (أطعمه الله مثلها في جهنم). وقال ﷺ : (ومن كسا أو اكتسى برجل مسلم كساه الله مثلها في جهنم) يعني: ضيع على واحد حقه، أو أخذ من إنسان مالاً بدون وجه حق، فهذا والعياذ بالله قد اكتسى به، فربنا والعياذ بالله يكسوه من ثياب النار.

стр. 349

الأصفاد والقطران نأتي إلى ثياب أهل النار، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم:٤٩] (مقرنين) أي: متسلسلين في الأصفاد، التي هي الأغلال. وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] السرابيل من قطران، لكن قطران يغلي؛ لأن قلبه كان أسود، وكان يدخل الكآبة على المسلمين، فربنا يلبسه من سرابيل القطران. وقوله ﷺ : (إذا لم تتب النائحة) أي: التي تنوح: يا سبعي! يا جملي! يا أبا فلان! نحن ضعاف من غيرك، ولو اكتشفت بعد ما مات أنه كان متزوجاً أخرى لكان غير ذلك، فسبحان الله! وقوله ﷺ : (من ناحت على ميت ولم تتب خرجت من قبرها مسربلة بسرابيل من قطران، نافشة شعر رأسها على هيئة القردة والخنازير، تأخذها ملائكة جهنم ويقولون لها: نوحي على أهلها كما كنت تنوحين في الدنيا). أوص امرأتك اليوم أو أمك أو ابنتك وقل لها: لو مت وعملت صوتاً فأنا بريء منك إلى يوم القيامة، وبريء من أي صوت؛ لأن هذا صوت ملعون، كما قال النبي ﷺ : (صوتان ملعونان: صوت نائحة عند مصيبة، وصوت رنة عند فرح) و (الرنة عند الفرح) هي الزغاريد. وجد سيدنا الحسن البصري شخصاً فاتحاً فمه ويضحك، فقال له: لماذا تضحك؟ قال: مرتاح، فتجد شباباً وقوة وتجد أحدهم فرحاناً، ويعلب عرياناً ليس عليه إلا قطعة على عورته، وهذا يليق بالأوربيين الذين يخرجون إلى الشواطئ عراة، أما نحن فعندنا قيم وعندنا كتاب وسنة، وهناك علماء يقولون: قال الله قال الرسول ﷺ ، وهناك أناس يأتون المساجد، فالدين لم يضع، صحيح أن علامات القيامة قد ظهرت، ولكن ما زال هناك موحدون وموحدات في مصر، والحمد لله رب العالمين، وإذا كانت البنات يلبسن لباساً فرعونياً للركبة، ويمشين أمام الأولاد ومع الضيوف، فلا يزال هناك أتقياء. إذاً: فهذا أكل أهل النار والعياذ بالله، وهذا شربهم ولبسهم، فعلى ماذا ينامون؟

стр. 350

فراش وغطاء أهل النار قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] إذاً: الفرش تحتهم من نار. وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١] ومعنى (غواش): أي: غطاء، إذاً: الفراش والغطاء من نار، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكان رجل يزور القبور، ويقول: يا أهل القبور! بعد الرفاهية معالجة الأغلال في النار، وبعد القطن والكتان ثياب القطران، وبعد تلطف الخدم والحشم مقارنة الديدان، في نار جهنم مقرنين في الأصفاد، فهل أحد يبدل هذا بهذا. نسأل الله السلامة. تقول الملائكة لأهل النار: لو كان لكم ملء الأرض ذهباً لافتديتم أنفسكم من عذاب اليوم؟ يقولون: نعم، ندفع الفدية، فيقولون: طلبنا منكم أهون من ذلك: أن تقولوا: لا إله إلا الله، وتعبدون الله لا تشركون به شيئاً، فأبيتم وعصيتم وضللتم وكذبتم، فكان هذا مثواكم والعياذ بالله رب العالمين.

стр. 351

جبل الصعود نأتي لنوع آخر من أنواع العذاب: هناك جبل في النار، يلهم الفاجر والكافر من أهل النار أن هذا الجبل لو ظل يصعد ويصعد فيه ويتسلقه فسيخرج من النار والعياذ بالله رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١١ - ١٣] إلى أن قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧]. ما هو هذا الصعود؟ هو الجبل المعد لكل مكذب بيوم الدين، ولكل مكذب بأوامر الله ، وجبار عنيد لا يلين للمسلمين، تظل تتحنن عليه وتستسمحه فيأبى ويتكبر، فمن جاء إلى أخيه متنصلاً من ذنبه -أي: معتذراً- صادقاً كان أم كاذباً فلم يقبل عذره، لم يشم رائحة الجنة يوم القيامة، يعني: أنا غلطت في حقك وأتيت لأعتذر لك وأطلب منك السماح، وقلت: أنا غلطان ولن أكررها مرة أخرى، حتى لو كنت أكذب في اعتذاري، فإن لم يقبل عذري لم يشم رائحة الجنة. فاحذر أن يأتيك أحد طالباً العذر فترفض، فهذا حرام. فجبل الصعود هذا يظل يتسلقه من في النار إلى آخره، وتحترق يداه ورجلاه من شدة الحر، وأول ما يصل إلى حافته ينهار به الجبل، فيقع إلى الدرك الأسفل، وهكذا إلى أبد الآبدين، فالأمر ليس سهلاً، نسأل الله السلامة.

стр. 352

وادي هبهب أما الجبارون فهؤلاء لهم حظ سيئ جداً في النار والعياذ بالله، والعنيد أو المرأة العنيدة كذلك، فتنصح المرأة بالاحتجاب والاحتشام، وتخوفها فتقول: شعرك هذا سيكون سلاسل وأغلالاً من نار، تعلقين به في رجليك ويديك. وهناك واد اسمه وادي هبهب، لكل جبار عنيد وكل مدخل حزن على بيوت المسلمين. وهل هيئة أهل النار تظل كما هي؟ لا، بل يبدل ربنا الجلود، أي: الجلود التي كانوا يفتخرون بها أمام الناس، تخيل المرأة التي تظهر في الإعلان وتظل تدهن رجلها بالكريم، أو تظهر لتريك أن الكريم يعيد لك الشباب، وتتمايل بجسمها وشعرها، أليس لها أب! أليس لها زوج!

стр. 353

وادي أثام وهناك واد اسمه أثام، وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]. وادي أثام واد فيه حيات وعقارب، كل حية وعقرب فيها من السم سبعون قلة من قلل هجر، وقلة هجر هذه ترجمتها بالمقياس القديم، وهجر هذه قبيلة عربية، كانت عندهم خزانات كبيرة، وكل خزان من هذه تسع خمسمائة رطل، فعندما ضربت وكعبت، وصلت إلى المساحة الحقيقية بالكيلو، فظهر أن كل حية أو عقرب فيها خمسة عشر طناً وخمسمائة كيلو من السم، وهذا لكل من يجعل مع الله إلهاً آخر، أو يشهد زوراً، أو يزني، أو يشرب الخمر، أو يأكل مال اليتيم، أو لا يأمر بالعدل، وهكذا إلى آخر هذه البلايا والعياذ بالله، فهذا يدخل إلى وادي أثام. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ [الفرقان:١٣] أي: رموا في النار والعياذ بالله، ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان:١٣] أي: مسلسلين مقيدين، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] يقولون: واثبوراه! يعني: واهلاكاه وامصيبتاه! وقال النبي ﷺ : (فإذا بقي في النار من يخلد فيها وضعوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى من نار، فقذفوا في نار الجحيم، فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم، ثم تلا ابن مسعود هذه الآية: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]).

стр. 354

العذاب بداء الجرب وهناك لكل من يؤذي المسلم يوم القيامة في النار داء الجرب، ويخلق الله له أظافر من نحاس، وهذا النحاس محمى، فيظل يهرش جسمه إلى أن يتساقط لحمه، فلا يبقى إلا عظمه، ومن هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين، فتصور حال الذين يضربون المسلمين ويسجنونهم. عندما حج ابن عمر ورأى الكعبة قال: يا كعبة الرحمن! ما أبهاك! وما أجملك! وما أعظم حرمتك! لكن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك. فحرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة؛ لأن المؤمن هذا أعظم من خلق الله ، فهو عند الله أحسن من الكعبة، فانظر إلى الذي يؤذيه كيف يكون حاله؟ وأفضل العباد أنفعهم لعباد الله المؤمنين.

стр. 355

أسوأ عذاب أهل النار أعظم عذاب أهل النار وأسوءه هو الحجب عن رؤية وجه رب الأرباب، يعني: يقول ربنا : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٤ - ١٥]. فهذا أصعب وأسوأ أنواع العذاب، حتى قيل: لو تجلى الله بوجهه الكريم على أهل النار لنسوا ما هم فيه من عذاب، ولو حجب الكريم وجهه عن أهل الجنة لما راقت لهم الحياة في الجنات لحظة. فالنعيم كل النعيم برؤية وجه الكريم، والعذاب كل العذاب بالحجب عن وجه رب الأرباب، اللهم لا تمنعنا من رؤية وجهك الكريم. اللهم لا تحرمنا من لذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم لا تحرمنا من لذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم لا تحجبنا عن وجهك الكريم يوم القيامة. اللهم لا تحجبنا عن وجهك الكريم يوم القيامة. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في الجنة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين. اللهم زحزحنا وأجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار. اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار، وتب على كل عاصٍ وضال، وتب على كل عاص وضال، وتب على كل عاص وضال. اللهم اشف كل مريض، وسد دين المدينين، وفك كرب المكروبين، وتب علينا توبة نصوحاً ترضيك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →