← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37011

الدار الآخرة - عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (549 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جبل الصعود نأتي لنوع آخر من أنواع العذاب: هناك جبل في النار، يلهم الفاجر والكافر من أهل النار أن هذا الجبل لو ظل يصعد ويصعد فيه ويتسلقه فسيخرج من النار والعياذ بالله رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١١ - ١٣] إلى أن قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧]. ما هو هذا الصعود؟ هو الجبل المعد لكل مكذب بيوم الدين، ولكل مكذب بأوامر الله ، وجبار عنيد لا يلين للمسلمين، تظل تتحنن عليه وتستسمحه فيأبى ويتكبر، فمن جاء إلى أخيه متنصلاً من ذنبه -أي: معتذراً- صادقاً كان أم كاذباً فلم يقبل عذره، لم يشم رائحة الجنة يوم القيامة، يعني: أنا غلطت في حقك وأتيت لأعتذر لك وأطلب منك السماح، وقلت: أنا غلطان ولن أكررها مرة أخرى، حتى لو كنت أكذب في اعتذاري، فإن لم يقبل عذري لم يشم رائحة الجنة. فاحذر أن يأتيك أحد طالباً العذر فترفض، فهذا حرام. فجبل الصعود هذا يظل يتسلقه من في النار إلى آخره، وتحترق يداه ورجلاه من شدة الحر، وأول ما يصل إلى حافته ينهار به الجبل، فيقع إلى الدرك الأسفل، وهكذا إلى أبد الآبدين، فالأمر ليس سهلاً، نسأل الله السلامة.

стр. 352

وادي هبهب أما الجبارون فهؤلاء لهم حظ سيئ جداً في النار والعياذ بالله، والعنيد أو المرأة العنيدة كذلك، فتنصح المرأة بالاحتجاب والاحتشام، وتخوفها فتقول: شعرك هذا سيكون سلاسل وأغلالاً من نار، تعلقين به في رجليك ويديك. وهناك واد اسمه وادي هبهب، لكل جبار عنيد وكل مدخل حزن على بيوت المسلمين. وهل هيئة أهل النار تظل كما هي؟ لا، بل يبدل ربنا الجلود، أي: الجلود التي كانوا يفتخرون بها أمام الناس، تخيل المرأة التي تظهر في الإعلان وتظل تدهن رجلها بالكريم، أو تظهر لتريك أن الكريم يعيد لك الشباب، وتتمايل بجسمها وشعرها، أليس لها أب! أليس لها زوج!

стр. 353

وادي أثام وهناك واد اسمه أثام، وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]. وادي أثام واد فيه حيات وعقارب، كل حية وعقرب فيها من السم سبعون قلة من قلل هجر، وقلة هجر هذه ترجمتها بالمقياس القديم، وهجر هذه قبيلة عربية، كانت عندهم خزانات كبيرة، وكل خزان من هذه تسع خمسمائة رطل، فعندما ضربت وكعبت، وصلت إلى المساحة الحقيقية بالكيلو، فظهر أن كل حية أو عقرب فيها خمسة عشر طناً وخمسمائة كيلو من السم، وهذا لكل من يجعل مع الله إلهاً آخر، أو يشهد زوراً، أو يزني، أو يشرب الخمر، أو يأكل مال اليتيم، أو لا يأمر بالعدل، وهكذا إلى آخر هذه البلايا والعياذ بالله، فهذا يدخل إلى وادي أثام. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ [الفرقان:١٣] أي: رموا في النار والعياذ بالله، ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان:١٣] أي: مسلسلين مقيدين، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] يقولون: واثبوراه! يعني: واهلاكاه وامصيبتاه! وقال النبي ﷺ : (فإذا بقي في النار من يخلد فيها وضعوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى من نار، فقذفوا في نار الجحيم، فيرون أنه لا يعذب في النار غيرهم، ثم تلا ابن مسعود هذه الآية: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]).

стр. 354

العذاب بداء الجرب وهناك لكل من يؤذي المسلم يوم القيامة في النار داء الجرب، ويخلق الله له أظافر من نحاس، وهذا النحاس محمى، فيظل يهرش جسمه إلى أن يتساقط لحمه، فلا يبقى إلا عظمه، ومن هؤلاء الذين يؤذون المؤمنين، فتصور حال الذين يضربون المسلمين ويسجنونهم. عندما حج ابن عمر ورأى الكعبة قال: يا كعبة الرحمن! ما أبهاك! وما أجملك! وما أعظم حرمتك! لكن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك. فحرمة المؤمن عند الله أعظم من الكعبة؛ لأن المؤمن هذا أعظم من خلق الله ، فهو عند الله أحسن من الكعبة، فانظر إلى الذي يؤذيه كيف يكون حاله؟ وأفضل العباد أنفعهم لعباد الله المؤمنين.

стр. 355

أسوأ عذاب أهل النار أعظم عذاب أهل النار وأسوءه هو الحجب عن رؤية وجه رب الأرباب، يعني: يقول ربنا : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٤ - ١٥]. فهذا أصعب وأسوأ أنواع العذاب، حتى قيل: لو تجلى الله بوجهه الكريم على أهل النار لنسوا ما هم فيه من عذاب، ولو حجب الكريم وجهه عن أهل الجنة لما راقت لهم الحياة في الجنات لحظة. فالنعيم كل النعيم برؤية وجه الكريم، والعذاب كل العذاب بالحجب عن وجه رب الأرباب، اللهم لا تمنعنا من رؤية وجهك الكريم. اللهم لا تحرمنا من لذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم لا تحرمنا من لذة النظر إلى وجهك الكريم. اللهم لا تحجبنا عن وجهك الكريم يوم القيامة. اللهم لا تحجبنا عن وجهك الكريم يوم القيامة. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في الجنة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين. اللهم زحزحنا وأجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار. اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار، وتب على كل عاصٍ وضال، وتب على كل عاص وضال، وتب على كل عاص وضال. اللهم اشف كل مريض، وسد دين المدينين، وفك كرب المكروبين، وتب علينا توبة نصوحاً ترضيك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 356

سلسلة الدار الآخرة_عذاب جهنم وهول النار لقد جاءت الآيات والأحاديث في وصف النار وأهوالها، وشدة غضبها على الكفار والعصاة، وهذا يجعل المسلم في حذر دائم من الوقوع فيما يسبب دخول النار، فتراه خائفاً من ربه، ممتثلاً لأوامره، منتهياً عن نواهيه، فهو بين الخوف والرجاء، يخاف عذاب الله وسخطه، ويرجو رحمة الله وثوابه ورضاه.

стр. 357

الحديث عن الدار الآخرة يقرب من طاعة الله ويبعد عن معصيته أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الحادية والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الرابعة عن النار والعياذ بالله رب العالمين، أبعدنا الله وإياكم عن النار، وأدخلنا وإياكم والمسلمين والمسلمات الجنة. في بداية هذه الحلقة، وبحضور هذا الجمع الطيب، وهذه الوجوه المؤمنة، والقلوب المخبتة، نتوجه بخالص الدعاء لله عسى أن تكون أبواب السماء مفتوحة، وعسى أن يستجيب لنا ربنا دعاءنا فنقول: اللهم لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً. اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء، ولا تجعلنا من الأشقياء المحرومين يا رب العالمين. اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً. اللهم إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا. اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. يا أرحم الراحمين أرحمنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن دعاء لا يسمع، ومن بطن لا تشبع. اللهم إنا نسألك من الخير كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً. اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض. اللهم تب على المذنبين والعصاة. اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا. اللهم انصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أعدائنا أعداء الدين، واغفر لنا يا ربنا وأنت خير الغافرين، وأهلك الكافرين بالكافرين، والظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين. اللهم إنا نسألك نسألك يا مولانا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار. اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، ومن خزي العذاب في النار، ومتعنا بجنة الرضوان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الأحباب! في الحلقة السابقة كان الحديث صعباً وثقيلاً على النفس، وكان ثقيلاً على القلوب جميعها، وذلك عندما تحدثنا عن أنواع العذاب في النار، أجارنا الله وإياكم من النار ومن عذابها، ولكن تظل لنا رحمة الله ، ويبقى لنا فضل الله . ودائماً المسلم يدعو ربه: اللهم عاملني بفضلك، ولا تعاملني بعدلك، إن عاملتنا يا ربنا بفضلك رحمتنا، وإن عاملتنا بعدلك أهلكتنا، ولكنك يا ربنا حنان تحن علينا بالتوبة والمغفرة والهداية، منان تعطينا قبل أن نسألك، فأنت العفو الغفور، وأنت الرحمن الرحيم، نسألك رحمتك يا أرحم الرحمين. ثم أريد أن أطمئن هذه القلوب الخائفة التي ارتعدت من الحديث الماضي، ولكن قبل ذلك أريد أن أقول لكم: إن حلقة الدار الآخرة هي عبارة عن جرعات يأخذها قلب المسلم؛ لكي يقترب من رب العباد ، ويبتعد عن كل ما يغضب الله، ولكي يبتعد عن كل ما حرم الله، ولكي يسرع بالتوبة إلى الله ؛ لأنه لا يدري متى يزوره ملك الموت. اللهم إن زارنا ملك الموت فليجدنا على توبة وطاعة وهداية وإقبال وقرب منك يا رب العالمين. إن النبي ﷺ وهو الذي قال فيه ربه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] قال في حديث رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁: (إن فئاماً -يعني مجموعات- من الناس من نزاع القبائل -يعني من قبائل شتى- قد تحابوا في الله على غير أرحام بينهم، أولئك على منابر من نور بجوار النبيين والصديقين، حتى يفرغ الناس من الحساب). هذا من الأحاديث المبشرة التي وردت في خاطري في هذه اللحظة؛ لكي يستشعر الإنسان خيراً، فأنت تحب إخوانك في الله، وإخوانك يحبونك في الله على غير أرحام بينكم، ونحن نحب بعضنا بعضاً في الله، ونأتي إلى بيت الله ليس لأرحام بيننا، وإنما يربط بيننا حب الله وحب رسوله ﷺ ، ويربط بيننا حب تعمير بيت الله، وحب مجالس العلم، وحب ذكر الله ، فاستبشروا ثم استبشروا ثم استبشروا. والنبي ﷺ كان كلما رأى الصحابة أفواجاً وجماعات وفرادى في المسجد النبوي الشريف، يتلقاهم متبسماً ويقول: (مرحباً بالقوم، غير خزايا ولا نادمين). وفي ذات يوم خرج لصلاة المغرب وصلى بالمسلمين المغرب، ثم عاد إلى بيته، ثم خرج إلى الصحابة وهم في المسجد مسرعاً وقال: (هذا ربكم فتح لكم باباً من أبواب رحمته، ويباهي بكم الملائكة ويقول: هؤلاء عبادي قد أدوا فريضة وهم ينتظرون فريضة أخرى، أشهدكم يا ملائكتي أني أحبهم، وغفرت لهم ذنوبهم، ورضيت عنهم). اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين. أتمنى أن تكون هذه الحلقة هي آخر الحلقات عن النار. والمسألة ليست مسألة تخويف، ولا مسألة تنفير؛ لأن بعض الإخوة والأخوات يتصلون بي ويقولون: هل كل شيء أصبح حراماً وخطأ، والمجتمع ليس فيه شيء من الخير؟ إذا كان كذلك فماذا نصنع؟ أقول: أريد أن أطمئن نفسي وأطمئنهم طالما أننا نزيد في جرعة خوفنا من الله فذلك هو الذي يقربنا إلى الله ، فهذا سيدنا ابن عباس ﵄ يقول: لأن تجلسوا مع أناس يخوفونكم فتلقون أمناً يوم القيامة خير لكم من أن تجلسوا مع أناس يؤمنونكم فتجدون خوفاً يوم القيامة، فإن الله لا يجمع على عبده أمنين ولا خوفين، من خاف في الدنيا أمنه الله في الآخرة، ومن أمن في الدنيا أخافه الله في الآخرة. يعني: لا تجد آمناً من عذاب الله في الدنيا إلا وهو منحرف، فإذا وجدت من يقول لك: ما بيني وبين ربنا عامر فاعلم أن بينه وبين ربنا خراباً؛ لأن النبي ﷺ وهو أعرف الخلق بالخالق، وهو أقرب الخلق من الخالق، وهو أحب الخلق إلى الخالق، كان أشد الناس خوفاً ﷺ ، وكان يقول ﷺ : (أنا أقربكم إلى ربي، ولكني أشدكم خشية). وهذا مثل ولله المثل الأعلى: عندما يكون هناك مسئول، ومدير مكتبه هو أعرف الناس به، يعرف متى يغضب، ومتى يرضى، متى يحب، ومتى يكره، ويعرف الحاجة التي يحبها، والحاجة التي لا يحبها؛ لأنه أقرب الناس إليه، فلذلك يتقي غضبه، ولا يعمل الشيء الذي يجعله يغضب عليه، ولله المثل الأعلى كلما اقترب العبد من ربه ابتعد عن كل ما يغضبه سبحانه، وعمل كل ما يرضي الله، اللهم اجعلنا منهم يا رب. وهذا سيدنا عمر كان يقرب إصبعه من التنور التي تطبخ عليه زوجته ويقول: يا بن الخطاب ألك صبر على مثل هذا؟ وقال النبي ﷺ : (لو أن أهل النار وجدوا ناراً من نيران الدنيا لاستراحوا فيها وناموا). فإذاً: نار الآخرة خطيرة وعظيمة. والله سبحانه يقول لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ [ق:٣٠] فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فهي تطلب المزيد حتى يضع القهار فيها قدمه فتقول: يا رب! بعزتك قد امتلأت، بعزتك قد امتلأت، بعزتك قد امتلأت، وينزوي بعضها إلى بعض خشية من الجبار سبحانه أن يكون قد خلق خلقاً غيرها ليعذبها به. إذاً: النار نفسها في حالة من الرعب. ويقول ﷺ : (سوف يأتي زمن على أمتي يستقل الصبي المائة دينار) فالمائة دينار تكفي قبيلة، لكن تعطي اليوم مائة جنيه للطفل فيقول: ماذا أصنع بها؟ أين المصاريف؟ أين البنطلون؟ أين القميص؟ أين (الكرفتات)؟ أين مصروف المدرسة؟ أين أين أين المائة جنيه ليس لها قيمة. وكان النبي ﷺ يقول: (سوف يأتي زمان على أمتي يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فينا اليوم) كان المنافقون في مدينة رسول الله ﷺ يستخفون، لكن اليوم المؤمن هو الذي يستخفي في المكتب والعمل، فأنت تستحي أن تتكلم في أمور الدين؛ لأنهم سيهجمون عليك، ومع ذلك تجدهم يقولون: نحن بيننا وبين ربنا عمار، ويقولون: هؤلاء المشايخ ما هو علمهم؟! فترى الواحد منهم يخوض في العالم ويسب العالم ولا يهمه؛ لأن المسألة عنده سهلة، وهي أن بينه وبين ربنا عماراً حسب زعمه، ويؤذن لصلاة الظهر والعصر ولا يصلي، ويزعم أن بينه وبين ربنا عماراً، أي عمار هذا؟!

стр. 358

ضرورة الخوف من الله وثمرة ذلك الخوف ينبغي للمسلم أن يخاف الله ؛ ولذلك قال سيدنا علي: إن لله عباداً فطنا يعني: أذكياء، جمع فطن. إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا فتنا نظروا فيها فلما علموا أي: نظروا في الدنيا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا ويقول ﷺ : (يا أبا ذر! أحكم السفينة فإن البحر عميق، وخفف الحمل فإن العقبة كئود، وأكثر الزاد فإن السفر طويل، وأخلص النية فإن الناقد بصير). يعني: أن البلاء كثير، والفتن كثيرة ومتتابعة، يقول فيها الحبيب ﷺ : (سوف تأتي الفتن على المؤمن يرقق بعضها بعضاً)، مثلاً: كنت تسمع عن مصيبة من سنوات كأن يحكي لك ابن عمك مشكلة يقول: مرة عملت كبيرة من الكبائر، وهي أن والدي رآني وأنا أشرب سيجارة، فهذه بالنسبة لعمك من ستين سنة كانت مصيبة، أما اليوم فإن العم عندما يرى ابنه وهو واضع رجلاً على رجل يحييه بسيجارة، فكأن المصيبة السابقة بالنسبة لوالده لم تكن مصيبة! وتسمع بعد ذلك قائلاً يقول لك: مرة واحد عندنا في البلد أشار لوالده هكذا، ستقول: لا، لا، قل كلاماً غير هذا، ويأتي مرة ثانية ويقول لك: واحد قتل والده، فالذي أشار لوالده هذا يعتبر ملكاً من الملائكة أمام من قتل والده. وعندما عاد النبي ﷺ من غزوة بني المصطلق، قال: (ما لي أرى الفتن تتساقط على بيوتكم تساقط المطر) الفتن تتساقط على بيوت الصحابة، فكيف لو أن الرسول ﷺ مشى مرة في قرانا ومدننا ماذا يقول؟! فقال الصحابة: (كيف نتقيها يا رسول الله؟!) فالصحابة أرادوا أن يعرفوا العلاج من الطبيب الذي يشخص المرض، قال: (اتقوها بتقوى الله وكثرة الاستغفار)؛ والتقوى: هي ألا يجدك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. يعني: أن ربنا عندما ينظر إليك فلا يجدك في مكان قال لك: لا تقعد في هذا المكان، وعندما يبحث عنك في مجالس العلم، وفي صلاة الجماعة، وفي عيادة المريض، وبإدخال السرور على المسلمين، وفي صلة الأرحام يجدك في هذه المواطن. ويعرّف سيدنا علي التقوى ويقول: التقوى: هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وسئل الحسن البصري عن سبب خوفه الدائم، وطلب منه أن يصف خوفه فقال: لو أنك ركبت البحر في مركب أو قارب، فانقلب بك من شدة الأمواج فتحطم القارب أو المركب ولم يبق منه إلا لوح تعلقت به وسط الأمواج، كيف يكون حالك؟! قال له: سأكون في حالة رعب شديدة، قال: أنا هكذا مع الله ليل نهار. إذاً: ينبغي لنا أن نغلب جانب الخوف على جانب الرجاء، مما يجعلنا نستشعر معنى قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. كل أعمال ابن آدم وأقواله إما له وإما عليه، فأنت عندما تمسح على رأس اليتيم تؤجر، فقد جاء في الحديث: (فاضت الرحمة من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، وصلى عليه سبعون ألف ملك، وكان له بكل شعرة من شعر اليتيم حسنة) وهذه اليد لو امتدت وأخذت جنيهاً رشوة، فإنها تأثم، والعرب كانت عندهم كنايات لطيفة، كانوا يقولون: فلان نظيف اليد، يعني: لا يأكل بها حراماً. وهذه السيدة نفيسة لما مات الشافعي ﵀ قالت: رحم الله الشافعي كان يحسن الوضوء، فقال لها بعض من الجالسين: كيف كان يحسن الوضوء؟! قالت: كان يحسن الوضوء الباطني. يعني: كان نظيفاً من الداخل، كما كان نظيفاً من الخارج، فهو نظيف مظهراً ومخبراً. والأعمال القلبية معنوية ليست ملموسة ولا محسوسة بالحواس، فمنها ما هو خير ومنها ما هو شر، فأعمال القلب الخيرية كالخوف والرجاء والشكر والذكر وحب الخير وكراهية الباطل وحب المؤمنين وكراهية الكافرين هذه كلها معنوية، أما أعمال القلب غير الخيرية فهي الغل والحسد، والحقد، والضغينة، وعدم حب الناس، والغيبة، والنميمة، فلو أن هذه الأعمال أصبحت ملموسة محسوسة، فهناك من الأعمال ما تستحي أن يراها الناس، فلا تستطيع إظهارها، فكيف تبارز الله بها وهو يعلم السر وأخفى، وهو أعظم من يخشى ويتقى؟!

стр. 359

أعظم عذاب أهل النار وأعظم نعيم أهل الجنة آخر جزء توقفنا عنده في الدرس الماضي هو أصعب عقاب وعذاب لأهل النار في النار، وهو الحجاب عن رؤية وجه رب الأرباب، وقلنا: إن الله لو تجلى بجمال وجهه على أهل النار لنسوا العذاب الذي هم فيه، ولو منع الله جمال وجهه عن أهل الجنة لما راقت لهم الحياة لحظة في الجنة، فالنعيم كل النعيم في مشاهدة وجه الله الكريم، والعذاب كل العذاب في الحجاب عن وجه رب الأرب. اللهم لا تحجبنا عن النظر إليك يا رب العالمين، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] اللهم اجعلنا منهم. جاء في الحديث: (تقول الملائكة: ليسع كل قوم إلى ما كانوا يعبدون) أي: كل جماعة تلحق بالمعبود الذي كانت تعبده، فأصحاب بوذا يتبعون بوذا، والهندوس يتبعون البقرة، وأتباع عيسى يتبعون الشيطان الذي يتمثل في صورة عيسى؛ لأن عيسى بريء منهم، فقد قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٧ - ١١٨] فسيدنا عيسى لم يقل: إنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن المقام ليس مقام سماح، وإنما هو مقام اعتذار، كأنه يقول: عززت في عليائك يا رب، فلتحكم عليهم بما تشاء. إذاً: كل جماعة يذهبون إلى إلههم، فيبقى المسلمون الموحدون فيقال لهم: ماذا تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا، وماذا تريدون؟ نريد أن نراه، وهل رأيتموه من قبل؟ قالوا: لا، قالوا: هل بينكم وبين ربكم آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى أحد كان يسجد طائعاً في الدنيا إلا أذن له في السجود. فهؤلاء هم الذين قالوا: لا إله إلا الله بحق، ليس من يقول: لا إله إلا الله وينصب على الناس، ويتجبر على الناس، ويكذب على الناس، ويسرق، ويرتكب الفواحش، ثم لا يتوب. اللهم فاجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، واجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين.

стр. 360

صفة النار وما فيها ندخل الآن إن شاء الله في الحلقة الرابعة وهي المتممة لما سبق من صور العذاب التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، اللهم أبعدنا عن النار، وعما في النار من عذاب، وتب علينا قبل أن نموت يا رب العالمين. سنذكر النصوص من سنة الحبيب المصطفى ﷺ التي جاءت لتحدثنا عن النار وما فيها؛ لأننا مازلنا نؤكد ونقول: إن حلقات الدار الآخرة لا اجتهاد فيها لمجتهد؛ فمسألة الدار الآخرة الحديث فيها ليس رجماً بالغيب، ولا قياساً، ولا اجتهاداً، وإنما هي نصوص؛ ولذلك هذه الحلقات الوحيدة التي دائماً أرتبط فيها بالنص؛ من أجل ألا توجد كلمة تذهب مني هكذا أو هكذا؛ لأن هذه أمانة، وحلقات الدار الآخرة جزى الله خيراً من ينشرها في مصر وفي خارج مصر. عن كعب الأحبار ﵁ قال: إن الله تعالى يقول: يا جبريل ائتني بجهنم، وفي رواية: ائتني بالنار، والرواية التي حققناها: ائتني بالنار، والحمد لله ثبت صحة الحديث أيضاً: ائتني بجهنم، فكلا الروايتين صحيحتان، فإن أطلقت النار فعلى النار كلها، وإن أطلقت جهنم فإنها على الجزء الذي أعد لعصاة الموحدين، أو من باب المجاز الذي هو إطلاق الكل مع إرادة الجزء، كما قال سيدنا نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧] فالواحد عندما يريد أن يسد أذنيه عن الاستماع فإنه يضع جزءاً من إصبعه في أذنه لا كلها. إذاً: هذا اسمه إطلاق الكل وإرادة الجزء، هناك العكس، إخوة سيدنا يوسف قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: اسأل أهل القرية، هذا في اللغة العربية يسمى مجازاً، وعلى كل فهذه فقط جزئية توضيحية. فالرواية تقول: يقول الله : يا جبريل! ائتني بجهنم. وهذا يوافقه ما ورد في كتاب الله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣]. ثم قال: فيؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، والزمام هو اللجام أو الحلقة أو السلسلة التي يشد منها. ثم قال: كل زمام يجره سبعون ألف ملك، يخرج منها أعناق مثل صور الثعابين أو الحيات، تلتقط أصحابها وأهلها وبنيها كما يلتقط الطير الحب، يعني: عندما تأتي يخرج منها أعناق، كما أن الناس في الدنيا تتطاول على بعضها بالأذى، والشائعات، والغيبة، والخوض في الأعراض، وأكل المال بالباطل، وأكل مال اليتيم، وبالظلم، وبالغدر، وبالخداع، كل هذا تطاول، ففي يوم القيامة تتطاول هذه الأعناق من النار لتلتقط أهلها والعياذ بالله رب العالمين. ولذلك ربنا سمى أهل النار مرة أصحاب النار، ومرة أولاد النار، قال تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] يعني: وقع في حضن جهنم. قال: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١٠ - ١١] ليست ناراً فقط، بل هي نار حامية.

стр. 361

صفة شرر جهنم وغضبها وخوف الأنبياء منها قال رسول الله ﷺ : (لو أن شرارة من شرر جهنم طارت على أهل الدنيا؛ لأحرقت مشرق الشمس ومغربها) ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣]. ثم قال: يا جبريل ائتني بجهنم، فتزفر زفرات ثلاث، فيقوم الحبيب ﷺ منزعجاً، ينزعج الحبيب على أمته؛ لأنه يخاف عليهم. ويقول: ما يشاك أحدكم بشوكة إلا وأجد ألم ذلك في قلبي، كيف لا وقد قال الله تعالى عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨] يعني: يعز عليه تعبكم، ويصعب عليه أن ينحرف واحد منكم ويدخل النار، وكل واحد من الأنبياء يوم القيامة يقول: يا رب نفسي، نفسي، ثم قال: إن إبراهيم يأخذ بقوائم العرش وينسى ابنه إسماعيل، وموسى آخذ بقوائم العرش وينسى أخاه هارون، وعيسى آخذ بقوائم العرش وينسى أمه مريم، وداود يأخذ بقوائم العرش وينسى ابنه سليمان، والنبي واقف على يمين العرش ويقول: يا رب أمتي، أمتي. فهذا من رحمته ورأفته ﷺ بأمته؛ ولذلك عندما جاءه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ابن زعيم المنافقين وكان من أتقى الصحابة حين مات أبوه عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، جاء إلى الرسول ﷺ فأخبره بموت أبيه وطلب منه أن يصلي عليه، فقام الرسول ﷺ يصلي عليه، فسيدنا عمر قال له: (يا رسول الله! كيف تصلي عليه وهو منافق؟! فيقول له ﷺ : يا عمر إليك عني، فقال سيدنا عمر: ألم يقل لك ربك: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فقال ﷺ : لو أعلم أن الله سوف يغفر لهم بأكثر من السبعين لاستغفرت) يقول هذا الكلام في عبد الله بن أبي ابن سلول الذي كان قد قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فيقصد بالأذل رسول الله ﷺ . وكان المنافقون يقولون عن النبي ﷺ : ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] يعني: أنه يسمع كلام الناس، ويرجع عبد الله بن أبي في غزوة أحد بثلث الجيش، ويخذل الناس عن نصرة رسول الله ﷺ ، ورغم ذلك فالرسول ﷺ يذهب ويصلي عليه، ويعطي ابنه بردته من أجل أن يكفنه فيها، فينزل القرآن يقول له: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. يقول سيدنا الحبيب ﷺ : (يا رب أمتي أمتي، فيجيبه الله إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). يعني: من يتولاه الله بالعصمة والطاعة في الدنيا، وبالمغفرة والقبول في الآخرة، هؤلاء ينجون يوم القيامة. فالله يتولى نفوس المؤمنين، ويتولى استقامة المؤمنين، ويتولى صلاح المؤمنين، ويتولى طاعة المؤمنين.

стр. 362

رحمة الله سبحانه بعباده ثم قال: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشر العباد إلي صاعد، أتودد إليهم بالمغفرة، وأنا أغنى الأغنياء عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي، وهم أشد ما يكونون حاجة لي، أهل ذكري أهل شكري، أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم، ومن لم يتب فإني طبيبهم، من جاءني منهم تائباً تلقيته من بعيد: مرحباً بالتائبين، ومن ذهب منهم عاصياً ناديته من قريب: إلى أين تذهب؟ أوجدت رباً غيري؟ أم وجدت رحيماً سواي؟ الحسنة عندي بعشر أمثالها وقد أزيد، والسيئة عندي بواحدة وقد أعفو)، وأنا إلى عبادي أرحم من الأم بأولادها. رحمة ما بعدها رحمة، الشاهد في الحديث: (من جاءني منهم تائباً، تلقيته من بعيد: مرحباً بالتائبين، ومن ذهب منهم عاصياً ناديته من قريب: إلى أين تذهب؟). وفي الحديث: (إن الله خلق مائة رحمة، أنزل منها إلى أرضنا رحمة واحدة بها يتراحم الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها خشية أن تطأ وليدها فتؤلمه، وحجز عنده تسعة وتسعين رحمة يرحم بها الخلائق يوم القيامة). ثم قال: (إن أوليائي من أمتك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الله الرحمن الرحيم يقول هذا لمن أرسله رحمة للعالمين. يعني: من كان خائفاً في الدنيا، فهو الآمن من عذاب الله يوم القيامة. ثم يقول تعالى لنبيه: لأقرن عينك في أمتك؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] فقال ﷺ : (لا أرضى وواحد من أمتى في النار).

стр. 363

غضب الله على أهل الكبائر من أمة محمد قال الله تعالى: يا جبريل، بشر محمداً أن كل من قال: لا إله إلا الله فلن يخلد في النار، ثم تقف الملائكة بين يدي الله ينتظرون ما يؤمرون به، فيقول الله سبحانه: معاشر الزبانية، انطلقوا بالمصرين من الكبائر من أمة محمد إلى النار، فقد اشتد غضبي عليهم؛ بتهاونهم بأمري في دار الدنيا، واستخفافهم بحقي، وانتهاكهم حرمي، يستخفون من الناس، ويبارزونني مع كرامتي لهم، وتفضيلي لهم على الأمم، فلم يعرفوا فضلي، وعظيم نعمتي، فتنطلق الملائكة بهم إلى النار رجالاً ونساء. هؤلاء مجموعة من الموحدين المسلمين الذين ماتوا وهم مصرون على الكبائر ولم يتوبوا منها. والآن عندما يقال للشخص: تب إلى الله قبل فوات الأوان، يقول لك: أتوب عندما أكمل أربعين سنة، أو عندما أتزوج، أو عندما أحج، أو أصلي من أول أشهر، نقول لهذا وأمثاله: من الذي يضمن لك أنك ستبقى إلى أول الشهر، يمكن ألا تصلي إلا فرضاً واحداً وتموت. ثم قال: وما من عبد يساق إلى النار من غير هذه الأمة إلا اسود وجهه. يعني: أي واحد من غير أمة محمد يساق إلى النار وعليه غبرة، أما من كان من هذه الأمة فإنهم يساقون بألوانهم، ويقضون مدة العقوبة وأشكالهم كما هي في الدنيا، الأبيض أبيض، والأحمر أحمر، والأسمر أسمر.

стр. 364

خروج أهل الكبائر من أمة محمد من النار قال: فإذا وردوا على مالك قال لهم: معاشر الأشقياء من أي أمة أنتم من الأمم؟ فما ورد علي أحسن وجوهاً منكم، فيقولون: يا مالك! نحن من أمة القرآن، فيقول لهم: يا معاشر الأشقياء! أوليس القرآن أنزل على محمد ﷺ ، فيرفعون أصواتهم بالنحيب والبكاء. يعني: أن مالكاً يقرعهم، ويقول لهم: الله أنزل القرآن على محمد وقال لكم: كذا وكذا وكذا، فيقولون: نعم، حصل وحصل وحصل، وجاء في الحديث: (مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الفراش والجنادب تتهاوى من حوله، وأنا آخذ بحجزكم، ولكنكم تتفلتون فتقعون فيها). ثم قال: فيقولون: وا محمداه، وا محمداه، وا محمداه ثلاث مرات، اشفع لمن أمر الله به إلى النار من أمتك، قال: فينادى مالك بتهدد وانتهار: يا مالك! من أمرك بمعاتبة أهل الشقاء ومحادثتهم، والتوقف معهم عند دخولهم إلى النار، يا مالك! لا تسود وجوههم فقد كانوا يسجدون لي في دار الدنيا، يا مالك! لا تغلهم بالأغلال فقد كانوا يغتسلون من الجنابة، يا مالك! لا تعذبهم بالأنكال ولا تلبسهم القطران، فقد طافوا حول بيتي الحرام، وخلعوا ثيابهم للإحرام، يا مالك! مر النار لا تحرق ألسنتهم فقد كانوا يقرءون القرآن، فتأخذهم النار على قدر أعمالهم، فالنار أعرف بهم وبمقادير استحقاقهم من الوالدة بولدها، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى سرته، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره، فإذا انتقم الله منهم على قدر كبائرهم وعتوهم وإصرارهم فتح بينهم وبين المشركين باباً لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، فينادون: يا رباه! يا سيداه! ارحم من لا يشرك بك في دار الدنيا، يا محمد! اشفع للأشقياء من أمتك، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم محمد شيئاً، ها أنتم معنا في نار جهنم. يعني: حرمتم على أنفسكم أشياء في الدنيا وها أنتم معنا في النار. ثم قال: فعندئذ يقول الله : أنا الرحمن الرحيم، لا أجعل من قال: لا إله إلا الله كمن أبى أن يقول: لا إله إلا الله، يا مالك! أخرج من النار كل من قال: لا إله إلا الله، وهذا تفسير كلام الله : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] يعني: في هذا الوقت، يقولون ليتنا قلنا: لا إله إلا لله؛ ولذلك جلس الرسول ﷺ بجانب أبي طالب في مرض موته فقال له: (يا عماه! قل: لا إله الله اشفع لك بها عند ربي). وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! أخبرني عن أهل النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، كل شديد قعبري، فقال: وما القعبري يا رسول الله؟! قال: الشديد على العشيرة، الشديد على الأهل، الشديد على الصاحب) يعني: أنه عنيف وغليظ في معاملته على الأهل وعلى الجار، وعلى زوجته وعلى أولاده وعلى المسلمين وعلى أصحابه، والمسلم لا يعرف العنف. وهذا سيدنا سواد بن غزية ﵁ وهو واقف في الصف في غزوة بدر وتقدم على الصف قليلاً فطعنه الرسول ﷺ بقدح في يده وقال: (استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبله، فقال النبي ﷺ : ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك).

стр. 365

شفاعة الشافعين للعصاة من أمة محمد بالخروج من النار وعن أبي سعيد الخدري عن الصادق الأمين ﷺ أنه قال: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما أحد منكم بأشد مناشدة من المؤمنين لله يوم القيامة في إخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا إنهم كانوا يصومون معنا، ويصلون معنا، ويحجون معنا، فيقول الله : أخرجوا من عرفتم) ولذلك قال الرسول ﷺ في حديث آخر: (أكثروا من الأخلاء الصالحين، فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة) يعني: عندما تكثر أحباءك في الله يأتون يوم القيامة فيشفعون لك؛ لأن الواحد قد يقول لآخر: يا فلان! اشفع لي عند ربك، فيقول له: أنا لا أعرفك، فيذكره ويقول: لقد مررت عليك مرة فسلمت عليك وتبسمت في وجهك، فيقول له: يا رب! شفعني فيه، فيشفعه فيه ويدخله الجنة. (فيقول الله : أخرجوا من عرفتم، فيخرجون خلقاً كثيراً، منهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيقولون: ربنا لم يبق فيها أحد ممن أمرتنا به) يعني: لا يوجد أحد من الذي نعرفهم إلا أخرجناه. إذاً: كل مؤمن له شفاعة، فقد جاء في الحديث: (المؤمن يشفع في الواحد، ويشفع في الاثنين، ويشفع في سبعين من أهله وجبت لهم النار، ويشفع في القبيلة والقبيلتين) كل واحد على قدر رصيده ومكانته عند الله. قال: (ويقول الله : فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه من النار) يعني: من تجدون في قلبه خيراً مثل هذا الدينار فأخرجوه من النار. قال: (فيخرجون خلقاً كثيرا، فيقولون: يا ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيرا، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا بإخراجه أحداً، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، قال: فيخرجون خلقاً كثيراً، فقال أبو سعيد الخدري: إن لم تصدقوني فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]) يعني: أنت عملت مثقال ذرة صغيرة من خير ولم تكن تأبه لها، فهذه ستنفعك يوم القيامة، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] يعني: يكثرها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]. (فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أنا وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج بها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد صاروا حمماً، فيلقيهم في نهر في الجنة يقال له: نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يقول: لا تدعوا في النار رجلاً أو امرأة قال: لا إله إلا الله). فأهل التوحيد في النار لا يقيدون؛ لأن الموحد في الدنيا رغم عصيانه كان مقيداً بالحلال والحرام، فقد يأتي يوماً من الأيام فيقول: لا أنظر إلى الحرام، فهذا مقيد بنظره، ويقول: لا أسمع خطأ، فهذا مقيد بسمعه، ويقول: لا أذهب إلى المكان الذي فيه الرقص، فهذا مقيد برجليه، ويقول: لا أمد يدي إلى الحرام، فهذا مقيد بيديه. فإذاً: المؤمن مقيد في الدنيا عن الشر، فربنا يأتي يوم القيامة فيجعل لكل عمل في الدنيا ما يقابله في الآخرة. إذاً: الموحدون لا يقيدون، فتقول الخزنة بعضهم لبعض: ما بال هؤلاء يقيدون وهؤلاء لا يقيدون، مع أنهم كلهم أهل نار، فناداهم منادٍ: أن هؤلاء كانوا يمشون في ظلمات الليل إلى المساجد، فقد جاء في الحديث: (بشر المشاءين في الظلمات بالنور التام يوم القيامة) فالذين يمشون في الليل لصلاة العشاء وصلاة الفجر بشرهم أنهم سيمشون في نور الله يوم القيامة، أما من يتخلف عن صلاة العشاء وصلاة الفجر فهذه علامة من علامات النفاق؛ لأن أثقل صلاة على المنافق صلاة العشاء والفجر. وقرأ سيدنا عبد الله بن مسعود قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] الذي قال هذا هم الكفار، فسيدنا عمر لما سمع هذه الآية بكى، وقال: ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، ثم قال: أتراك تجمع بين القسمين في دار واحدة؟! يعني: هؤلاء أقسموا أن ربنا لن يبعث الذي مات، ونحن نقسم أنك يا رب ستبعث الذي مات، فهل ستساوي بيننا في النار؟! وهذا سيدنا الإمام الشافعي ﵀ سمع قارئاً يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وسمع قارئاً آخر يقرأ: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] هذا على لسان فرعون، فبكى الشافعي وقال: يا رب! أتسوي يوم القيامة بين من قال: أنا ربكم الأعلى، ومن قال: سبحان ربي الأعلى. انظروا إلى لطف العلماء وكياسة أهل التقوى كيف يكلم ربنا؟! وهذا سيدنا الحسين ﵁ قبل آخر لحظة من دخوله كربلاء، عاد وشرب ماء من عند أخته السيدة زينب رضي الله عن أهل البيت، وهو يشرب وفي يده الإناء أخذته سنة من النوم، ففتح عينيه، وقال: يا أختاه! رأيت جدي اللحظة، وقال: يا حسين! أنت عندنا بعد لحظات، وبكى، ونظر إلى السماء وقال: يا رب! أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنته، ولكن لا أشرك بك شيئاً أبداً، ولا إله إلا أنت وأنت الغفور الرحيم. هذا آخر كلام قاله الإمام الحسين ﵁ وعن آل البيت يا رب العالمين. ننتقل إلى كلام سيدنا رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم). الجواظ: هو الذي جمع ومنع، مثل قارون حين جمع المال ومنع الصدقات والخيرات عن الناس، فهذا الجواظ الذي لا يدخل الجنة. والجعظري: هو الفظ الغليظ، الذي قلنا: إنه مثل القعبرى، فالقعبرى والجعظري شيء واحد. والعتل الزنيم: هو شديد الخلق رحيب الجوف، يعني: شكله جميل؛ لكنه من الداخل خاوٍ من الخير، هو شخص طويل جداً فتجده يقعد ويغني بأغاني النساء يقول لك: حتى فساتيني التي فساتينك ماذا يا بني؟ أنت قلبك فيه أمراض، ربنا يرحمنا ويهدي الكل. روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (وعرض عليّ أول ثلاثة في الجنة، وأول ثلاثة في النار، فأول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد مملوك لا يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه، وعفيف فقير متعفف ذو عيال. وأهل النار ثلاثة: أمير متسلط، وذو ثروة من مال يمنع عطاء الله عن عباده، وفقير فخور). وفي حديث آخر: (أن ناساً من أمتي يدخلون النار بذنوبهم، ويكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم تخالفوننا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار، ثم قرأ ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢]، وإن في النار لرجلاً في شعب من شعابها ينادي مقدار ألف سنة: يا حنان! يا منان!). الحنان: هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان هو الذي يعطي النوال قبل السؤال. (فيقول الله: يا جبريل! أخرج عبدي من النار، فيأتيها فيجدها مطبقة) يعني: مقفلة مؤصدة. (فيرجع ويقول: إنها يا رب عليهم مؤصدة، فيقول: يا جبريل! ارجع ففكها فأخرج عبدي من النار، فيفكها، فيخرج مثل الخيال، فيطرحه على ساحل الجنة حتى ينبت الله له شعراً ولحماً ودماً) ذكره أبو نعيم في الحلية، والإمام أحمد في مسنده. اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة، واجعلها خالصة لوجهك الكريم. اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار. اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب. اللهم تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وفك كرب المكروبين، وسدد دين المدينين. اللهم من أراد بمسلم سواءاً فاجعل كيده في نحره يا رب العالمين. اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلح ولاة أمورنا، اللهم اهدهم للعمل بكتابك وسنة حبيبك ﷺ . اللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب أحوالنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أوامر الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 366

سلسلة الدار الآخرة_مفاتيح الجنة أعد الله تعالى للمؤمنين جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك هو الفوز العظيم. ولن يدخل الجنة أحد إلا بمفتاح، ألا وهو مفتاح التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهناك مفاتيح أخرى تدخل صاحبها الجنة وهي مستقراة ومستنبطة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

стр. 367

موقف المسلم من الحديث عن النار أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثانية والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده. والحديث عن النار يؤثر على المسلم ويجعله فزعاً من هول النار ومما في النار من ألوان العذاب التي أعدها الله لمن تكبر وتجبر وبغى وطغى وكفر بالله رب العالمين. والحديث عن النار واقع حذرنا ونبهنا الله منه، وحذرنا أيضاً سيدنا رسول الله ﷺ منه، وكان الصحابة يفرقون من النار ومن ذكر النار وعذاب النار، وخزي النار، وكان الحبيب ﷺ يذكر ويقول: (ما من عبد مسلم انفتل من صلاته -يعني: انتهى من صلاته- ولم يسأل الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: يا رب! عبدك فلان انفتل من صلاته ولم يسألك أن تدخله الجنة، فيا بؤس هذا العبد! وإذا طلب العبد من ربه الجنة ثلاث مرات عقب كل صلاة، قالت الجنة: يا رب! اللهم إن عبدك فلاناً قد طلب منك أن تدخله الجنة، اللهم لا تحرمه مني ولا تحرمني منه). ويسن أن يقول المسلم بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب سبع مرات: اللهم أجرني من النار، والأفضل أن يعمم فيقول: اللهم أجرنا من النار، لأنه قد يكون هناك من تنزل عليه الرحمة فيرحم الله الجميع، وقد ذكر الحبيب المصطفى ﷺ أن إنساناً ربما بكى في أمة من خشية الله فرحم الله هذه الأمة كلها ببكاء هذا الشخص، وكان حول الحبيب المصطفى البكائون السبعة من الصحابة، وكان قائدهم أبا بكر فكان لا يسمع آية إلا وبكى من خشية الله مما عرف من الحق والصدق، ومما رأى وشاهد من قربه من مولاه . فبعد كل صلاة تسأل الله الجنة، وتستعيذ بالله من النار، والنار تقول: (يا رب! إن فلاناً قد استجار بك مني، اللهم فأجره مني) فالنار تؤمن على دعائك، كما يفعل ذلك الحور العين، فقد ورد أن من سأل الله الحور العين فإنهن يقلن: (يا ربنا! إن عبدك فلاناً قد طلب منك أن تزوجه منا، اللهم لا تحرمه منا ولا تحرمنا منه). وكان عبد الله بن أبي فضالة الصحابي الجليل ﵁ دميم الوجه، وكان كلما يذهب إلى بيت يطلب منهم أن يزوجوه رفضوه حتى يئس الرجل، فمن باب الأدب ذهب إلى سيدنا الحبيب ﷺ فقال: يا رسول الله! أأتزوج من الحور العين في الجنة؟ يعني: أنه في الدنيا لا يوجد أحد يرضى بي ويقبلني، فهل في الآخرة كذلك؟ فهو لا يسأل عمراً ولا زيداً وإنما يسأل من إذا قال له كلمة فقد صدق؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والصحابة كانوا ينتهزون الفرص في الخير، ونحن ننتهز الفرص في قطعة أرض، أو في منحة أو غيرها. ولما أخبر النبي ﷺ أن سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب قام عكاشة ﵁ من مكانه وهو يريد أن ينتهز الفرصة فقال: ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله! فقال رسول الله: (أنت منهم يا عكاشة). وندعو في بداية الحلقة من أجل أن يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، لا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، لا تجعل لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً. اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم زحزحنا عن النار، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا. ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اهدنا فيمن هديت، عافنا فيمن عافيت، تولنا فيمن توليت، بارك لنا فيما أعطيت، قنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت القوي ونحن الضعفاء إليك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنت الغني ونحن الفقراء إليك. استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم إنا مقهورون فانصرنا، وأذلاء فأعزنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا، وأصحاب شهوات فتب علينا، تب على كل عاص، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وفك كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين. اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، اصلح يا رب أحوالنا. اللهم اجعل عن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، ومن أمامنا نوراً، ومن خلفنا نوراً، ومن فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، واجعل لنا نوراً، واجعلنا نوراً، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وسعيد بن زيد ﵁، كان من الصحابة الذين عاشوا بأقدامهم وأجسادهم في الدنيا، ولكن قلوبهم كانت مع الله ليل نهار، كانوا رهبان الليل فرسان النهار، نصراء لدين الله ولرسول الله ولكتاب الله حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً. اطلع الله على قلوب عباده، فوجد أصفاها وأنقاها قلب الحبيب المصطفى، فاختاره ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً وخاتماً للنبيين، ثم اطلع على قلوب خلقه فرأى أنقى وأصفى قلوباً بعد قلب الحبيب المصطفى قلوب صحابته، فجعلهم هداة يهدون إلى الحق وإلى سواء السبيل. وأعظم الصحابة وأفضلهم العشرة المبشرون بالجنة، الذين منهم سعيد بن زيد زوج فاطمة بنت الخطاب وكانا السبب في دخول عمر بن الخطاب الإسلام، وقد قال النبي ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها) فكيف بمن كان سبباً في هداية عمر بن الخطاب؟

стр. 368

قصة فتح سعد بن أبي وقاص للمدائن عاصمة كسرى وسيدنا سعيد بن زيد ﵁ كان في القادسية مع سعد بن أبي وقاص الذي فتح المدائن عاصمة كسرى وهو ملقى على بطنه؛ بسبب الخراريج في جسده كله، فما كان يستطيع أن يجلس، فأدار المعركة وهو منبطح على بطنه، وكان النصر حليفاً للمسلمين، وكان القائد من هؤلاء يجعل قارئ القرآن قبل المعركة يرتل أمام الناس سورة الأنفال وسورة التوبة، لتلقيان الحماسة في قلوب المقاتلين ليتحقق نصر دين الله . وكان سيدنا خالد عندما يسمع القارئ يقرأ سورة التوبة إلى قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩] يقول: الله أكبر! هبي رياح النصر، ويدخل خالد وسط المعركة أول واحد يحارب ولا يجعل حوله ستمائة حارس. وقال سيدنا علي ﵁: كنا إذا اشتد البأس أو احمرت الحدق وحمي الوطيس -يعني: المعركة- احتمينا بظهر رسول الله، فلا يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه. يعني: عندما تشتد المعركة يختبئ الصحابة وراء الحبيب المصطفى، ويكون أقرب مقاتل للسهام، فأي شجاعة كان عليها رسول الله! وأي شجاعة كان عليها سيدنا سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله! وأول يوم في معركة المدائن يصاب المسلمون بانكسار وانحسار، حتى حصلت لهم هزيمة، وكان المسلمون يسمون الأسماء بمسمياتها، لكن نحن نلبس الحق بالباطل، نضرب في عام ١٩٦٧م من قبل اليهود ونسميها نكسة، والناس تشرب الخمر ويقولون عنها: إنها مشروبات روحية، أو يرقصون بخلاعة ومياعة ويقولون: هذا فن، قال ﷺ : (سوف يأتي زمان على أمتي يسمون الحرام بغير أسمائه) أي: يلبسون الحق بالباطل، ينزعون الاسم المعروف ويجعلون بدله اسماً آخر مثل الرجل الذي قال: نحن لا نسمي ما في البنوك فوائد وإنما نسميها عوائد، إذاً: أطلق على الخنزير أنه بقرة وكله؛ أسأل الله السلامة، إن كان على تغيير الاسم فغير، لكن ماذا ستقول لله يوم القيامة؟ أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. سيدنا سعد جمع الجيش والقوات، وقال لهم: هناك أسباب للهزيمة، فهل صليتم صلاة الخوف؟ قالوا: نعم، صلينا. وصلاة الخوف في المعركة بأن يقسم الجيش نصفين، نصف يصلي ركعة ونصف يحرس ويحمل الأسلحة ويستعد للقتال حتى لا يهجم أحد على المصلين، ثم يخرج الذين صلوا ركعة فيحملون السلاح، ثم يدخل الذين لم يصلوا فيصلون ركعة خلف الإمام، ثم بعد ذلك الذي صلى الركعة الثانية يخرج من أجل أن يحرس بقية الجيش، ويدخل الذي صلى الركعة الأولى فيصلي الركعة الثانية، وهكذا بالتبادل إلى أن يصلوا الركعتين، وهذه كيفية من كيفيات صلاة الخوف. وصلاة الخوف تكون حتى في شدة القتال، وقد أفتى رجل في عام ٧٣م بأنه يجوز للجيش المصري أن يفطر كله في رمضان، وهذه الفتوى غير صحيحة، فالذي لا يقدر أن يصوم أصلاً فإنه يفطر، لكن ما عدا ذلك فالأصل أنه ينوي من الليل الصيام ويدخل في المعركة في النهار، فإن تضرر تضرراً بالغاً من الصيام بحيث أنه لا يقدر على المواجهة فإنه يفطر، أما أن الجيش كله ينوي ألا يصوم فيأتي النهار وهم مفطرون فماذا سيصنع جيش قد أفطر بكامله؟ فلقد حارب المسلمون في بدر في شهر رمضان وهم صائمون، وفتحوا مكة في رمضان وهم صائمون. فقال سيدنا سعد للجيش: لابد أن يكون هنالك خلل تسبب في الهزيمة، فصاح صائح: يا أيها القائد! الخلل هو أننا نسينا سنة السواك، فأمر القائد الجيش أن يستاكوا فما أتى اليوم الثاني إلا وكل واحد ومعه السلاح والسواك. فالسلاح اتخاذ السبب، والسواك الاعتصام بالسنة، وفوق كل ذلك فإن الله هو الناصر والمعين، والنصر من عند الله، وإنما يجب علينا الأخذ بأسباب النصر من إعداد العدة والتخطيط الناجح وغير ذلك. فلما رأى حراس المدائن ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً يضعون شيئاً في أفواههم، تيقنوا أن العرب من أكلة لحوم البشر، فقد كانوا يعلمون سابقاً أن العرب في الجزيرة العربية يأكلون لحوم البشر، فقذف الله الرعب في قلوبهم فتركوا أبواب الحصون وفروا هاربين، فقام سيدنا سعد وأمر البراء بن عازب الذي قال فيه الرسول ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين -يعني: ذا ثوبين باليين- لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن عازب). فقال له: اقسم على الله ليفتحن لنا المدائن اليوم، فصلى البراء ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: أقسم عليك بعزتك وجلالك أن نصلي المغرب اليوم خلف سعد بن أبي وقاص في عاصمة كسرى، فاستجاب الله الدعاء، فما أذن المؤذن إلا في إيوان كسرى. هكذا ينتصر الإسلام، وهكذا نعود إلى الاستقامة، طالما الإنسان يعيش بأقدامه في الدنيا ولكن قلبه مع الله في الآخرة تصلح دنيانا وأخرانا، ولكننا كما قال الشاعر: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع.

стр. 369

قصة سعيد بن زيد فسيدنا سعيد بن زيد كان في القادسية الذي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي قال فيه الرسول ﷺ : (وسعيد بن زيد حبيب من أحباء الرحمن). بات سيدنا سعيد يحرس إخوانه في الليل ثلاثة أيام ولم ينم فتعب، فقال له عبد الله بن زيد الأنصاري وقد كان يحرس معه: يا سعيد أنت لم تنم منذ يومين أو ثلاثة، فأقسمت عليك لتنامن وأنا أحرس خيمتك، فدخل سيدنا سعيد الخيمة لينام، وأخوه في الله عبد الله بن زيد الأنصاري جلس خارج الخيمة وسمع كلاماً داخل الخيمة، فوجد سعيد يقول: مرحباً بك يا عيناء يا مرضية، والله لا أريد أن أعود، فقال في نفسه: لابد أن سعيداً من قلة النوم يخرف، فقال له: سعيد! سعيد! سعيد! فقام سعيد من نومه مذعوراً، فقال له عبد الله بن زيد: ما شأنك؟ قال له: أنا سأقول لك سراً، وأستحلفك بالله ألا تخبر به أحداً إلا إذا مت، والمؤمن لأخيه في سره كالقبر، فإذا قلت لامرأتك سراً فلا تخبر به أمها أو أختها أو أحداً من الناس، ومن أكبر الكبائر أن الرجل يفشي سر زوجته أو أن المرأة تفشي سر زوجها، وذلك فيما يجري بينهما من أمور الجماع. فسيدنا سعيد ﵁ قال له: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن منادياً ينادي: إن الله قد رضي عن سعيد بن زيد، ورأيت ثلاثة من الملائكة الكرام قد أخذوني إلى الجنة، فصافحت رضوان خازن الجنة، ثم دخلت فرأيت فيها نساء ما رأيت أجمل منهن! فقلت: أأنتن الحور العين اللاتي قرأنا عنكن في القرآن؟ قلن لي: بل نحن خدم من خدمهن، وهكذا فكلما رأيت أجمل منهن قلت لهن ما قلته سابقاً وقلن لي: بل نحن خدم من خدمهن، قال: إلى أن رأيت ثلاث نساء، اثنتان كالقمر ليلة التمام، وواحدة بينهن كالشمس تشع بنورها عمن حولها، فقلت: السلام عليكن، فقلن: عليك السلام يا سعيد، فقلت: من أنت؟ قالت: أنا العيناء المرضية، أنا زوجتك في الجنة، فمددت يدي لأصافحها، فقالت: ليس اليوم يا سعيد، أنت مازلت في الدنيا، أنت لا تحل لنا، وإنما ستحل لنا بعد ثلاثة أيام، فقلت: والله لا أريد أن أعود، والله أريد أن أعود، والله أريد أن أعود، ثم أيقظتني فهذا ما رأيته في المنام. فأخذ عبد الله بن زيد يراقب حركاته في اليوم الأول والثاني والثالث وقد كان يوم خميس، وسيدنا سعيد صائم فظل يحارب ويقاتل إلى أن أوشك قرص الشمس أن يغرب حتى جاءته طعنة فوقع صريعاً، فأسرع إليه أخوه، فقال: أين الإفطار يا سعيد؟ قال له: في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مرحباً بك يا عيناء يا مرضية. فهؤلاء الصحابة لم يكونوا يسمعون دروس العلم ثم يذهب كل واحد منهم لحاله، فدروس العلم كانت تؤثر فيهم. ودروس العلم تصنع أثراً عند المسلمين الأمريكان والكنديين والأستراليين، ولقد جاءتني مكالمة من سيدة فاضلة تحدثني من أستراليا، فقالت: عندي ثلاث بنات سمعن الحلقة السادسة والسابعة من حلقات الدار الآخرة التي وصلت إلينا، والثلاث بنات أعمارهن ما بين ١٦ إلى ٢٠ سنة فلما سمعن الحديث تحجبن وهن الآن يسألن: هل الحجاب فرض أو سنة؟ اللهم اجعلها في ميزان حسناتنا جميعاً يا رب العالمين، ونضر الله وجه امرئ سمع منا مقالة فوعاها، فبلغها كما سمعها، وجزى الله خيراً من ينشر هذا العلم في كل مكان.

стр. 370

قصة حنظلة غسيل الملائكة وسيدنا حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة لم يجد زوجة، فجمع له الرسول ﷺ قيمة المهر فتزوج، وفي ليلة الزفاف إذ ينادي المنادي قبل الفجر: حي على الجهاد، فقام من فراشه فزعاً حتى نسي أن يغتسل وأسرع إلى أرض المعركة، فاستشهد هذا الرجل، فرأى رسول الله الملائكة تغسله، فسمي: غسيل الملائكة، ثم لحدوه في القبر، فرأى سيدنا عمر بللاً في يديه فشمها فإذا هي رائحة المسك فظلت في يده أسبوعاً أو أكثر، ثم عفروه بالتراب. المهم أن سيدنا الحبيب كان يمشي على أطراف أصابع قدميه، فسئل عن ذلك فقال: (ما وجدت مكاناً أضع فيه قدمي من كثرة الملائكة التي غطت بين السماء والأرض)، وأنه رأى زوجات حنظلة من الحور العين وقد جئن يرحبن به، ويأخذنه من الدنيا وتعبها.

стр. 371

قصة موت الحبيب ﵊ ولذلك فإن سيدنا الحبيب لما كان في حجر عائشة في سكرات الموت والسيدة فاطمة كانت تنظر إلى أبيها وهو ينازع السكرات ﷺ ، فتبكي فاطمة وتقول: واكرباه اليوم عليك يا أبتاه! قال: (يا فاطمة لا كرب على أبيك بعد اليوم) وكان يقول: (إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى، إلى جنة المأوى، وإلى الحظ المهنا، إلى الله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) ثم فاضت روح رسول الله إلى الله . واختلف الصحابة في كيفية غسل الرسول ﷺ ، هل يغسل من فوق ثيابه؟ أو تخلع ثيابه؟ وكان المغسلون له أربعة من آل بيته وهم: عمه العباس، والفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، فسمعوا هاتفاً يقول: اغسلوا الرسول من فوق ثيابه، أي: لا تنزعوا الثياب عن رسول الله.

стр. 372

الجنة دار المؤمنين والجنة موجودة الآن، والدليل على ذلك أن سيدنا رسول الله ﷺ قال عن الإنسان عندما يوضع في لحده: (وإنه ليسمع قرع نعالهم وهم يغادرونه) وهذه أصعب لحظة على الإنسان عندما يتركه أهله في القبر وحيداً وهو في نفسه يقول: لو أن أهلي ينتظرون ولو نصف ساعة أو ساعة؛ لأنه لن يبدأ الحساب إلا بعد مغادرة الناس من القبر، وعندما يمشون فإنه يسمع صوت أرجلهم وهم يمشون، فالميت ليس ميتاً وإنما نقل من حياة لها كيان ونوع وماهية، إلى حياة من نوع آخر لها كيان ونوع وماهية. ثم يدخل عليه الملكان فيسألانه الأربعة الأسئلة التي نحن نعرفها، من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ وما كتابك؟ فإن ثبته الله وكانت الإجابة موفقة فقد نجح، وينادي مناد أن (وسعوا لعبدي في قبره واجعلوه له مد البصر، وافرشوه له حريراً، وافتحوا له باباً ليرى مقعده من الجنة). فهو ينظر إلى مقعد موجود، إذاً: فالجنة موجودة. أما بالنسبة للنار فإن الله يأمر مالكاً خازن النار بألا يحرق قلوب وأقدام مرتكبي الكبائر من أمة محمد ولم يتوبوا، فربنا يقول: (يا مالك! لا تحرق قلوبهم؛ فقد كان فيها الإيمان وقراءة القرآن، يا مالك! لا تحرق أقدامهم؛ لأنهم كانوا يخطون بها خطوات لتعمير بيوتي وللصلوات في الجماعة). سيدنا عمر ﵁ دخل عليه سيدنا علي ﵁ في المسجد النبوي الشريف، فوجد أمير المؤمنين في قبلة الرسول ساجداً وهو يبكي، ويقول: يا رب كبر سني، ووهن عظمي، وخشيت أن يتفرق الأمر من يدي، فاقبضني إليك مسلماً موحداً، ولما طلع الفجر من تلك الليلة طعنه أبو لؤلؤة المجوسي. ولما حدث عام المجاعة كان يبكي ليل نهار، ويقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يد عمر، فكيف الذين أهلكوا الأمم على مدار أربعين أو خمسين سنة؟ ولماذا لا يدعون؟ الجواب لأنهم ليسوا كـ عمر، اللهم ارض عن عمر وعمن سار في طريق عمر بن الخطاب، اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين! وموضوعات الجنة التي يتطرق الحديث عنها هي: أبوابها، وسعتها، وأول من يدخلها، ودرجاتها، ومفاتيحها، وثمنها، وأصناف أهلها وأوصافهم، وتربتها وقصورها وغرفها، وأسماؤها، ومعانيها وبساتينها وسوقها، إلى غير ذلك وأهم موضوعاتها النظر إلى وجه الله الكريم. وكما أن للجنة مفاتيح فإن قلوب الناس لها مفاتيح، ومن هذه المفاتيح الكلمة الطيبة أو اللين أو العنف أو التهديد أو الترغيب والترهيب وهكذا، فكل واحد من الناس له مفتاح، لكن الجنة لها مفاتيح أخرى، ولن يفتح باب الجنة إلا بهذه المفاتيح. قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣]. والغرس الذي فيها ليس من غرس الملائكة وإنما غرسه الله بيده، فإذا كانت هنالك في الدنيا نباتات جميلة وشكلها لطيف وجميل وبأشكال جميلة وهي من صنع البشر، فكيف بما صنعه رب البشر؟! وأول الأمم دخولاً إلى الجنة، هم السابقون وأصحاب اليمين. والنساء في الجنة أكثر من الرجال، وفي النار أكثر من الرجال، فهذه معادلة غريبة سنشرحها قريباً إن شاء الله. وأول مؤمن يأخذ كتابه بيمينه هو عمر بن الخطاب ﵁، أما أبو بكر ﵁ فإنه لن يقف للحساب. وقد قال أبو بكر: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارج الجنة لم آمن مكر الله. أما دور الجنة وقصورها وغرفها فلا يعلم سعتها إلا الله، وربما يعيش الإنسان في قصر منيف في الدنيا وواسع ولكنه ضيق الصدر، وقد يعيش في كهف أو خيمة وهو منبسط ومرتاح، فالسعة سعة الصدر لا سعة القصر، قال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦]. وميسون الكلابية زوجة معاوية وأم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لما أتى بها معاوية إلى دمشق وأدخلها أحد قصورها وفيه الوصيفات وريش نعام وذهب وحرير، فدخل عليها مرة ووجدها تقول: لكوخ تخفق الأشباح فيه أحب إلي من قصر منيف وأكل كسيرة ويروق بالي أحب إلي من أكل الرغيف ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف

стр. 373

مفاتيح الجنة والكلام عن مفاتيح الجنة قد جمعته من أربعمائة واثنين وخمسين حديثاً.

стр. 374

الصلاة والطهور وأول مفتاح من مفاتيح الجنة: الطهور، وهو مفتاح الصلاة. قال النبي ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور) فلا تصح منك الصلاة إلا أن تكون طاهراً، وكما أن المسلم مطلوب منه طهارة الجوارح فكذلك مطلوب منه طهارة الباطن وهو القلب، فلو ظهرت عيوب الإنسان الخفية أمام الناس لانكسف منها الإنسان. قال الحسن البصري ﵀: احمدوا ربكم معشر المسلمين، لم يجعل للذنوب رائحة، وإلا لما جلس مسلم بجوار مسلم. فهذا من ستر الله أنه لم يجعل للذنوب رائحة، فلو كانت للذنوب رائحة لتلوثت البلاد ولمتنا من الغم، قال النبي ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). وقال: (إذا أذنب العبد وقال: يا رب! إني قد أذنبت، يقول الله: يا عبدي وأنا قد علمت، يقول: يا رب! إني قد أجرمت، يقول: يا عبدي وأنا قد رأيت وشاهدت وسمعت، يقول: يا رب! أنا الآن قد عدت، يقول له: أنا الآن قد قبلت). فالله تعالى لا يعاتب المسيء، فمن الواجب على المذنب أن يتوب إلى الله تعالى، ومن تاب من المعاصي والسيئات فإن الله يمسحها كلها ويضع مكان كل سيئة حسنة، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] وليس هناك من هو أكرم من الله، وقليل الأدب هو الذي يتوب إلى الله ويرجع إلى المعاصي والسيئات، وفي الأثر: (يا عبدي إلى أين تذهب؟ أوجدت رباً غيري؟ أم وجدت رحيماً سواي؟) فلا رب لنا غير الله. فمن أجل أن تدخل في الصلاة، فلابد لها من مفتاح وهو الطهور. المفتاح الثاني: مفتاح الحج الإحرام، وهو أن تخلع الثياب المخيطة وتتشبه بالميت الذي عليه الكفن، ففي الإحرام يستوي الفقير مع المدير والوزير، والرئيس مع المرءوس، والملك مع المملوك. وصورة الحج من صور يوم القيامة، فالكل ذليل إلى الله .

стр. 375

الصدق المفتاح الثالث: مفتاح البر الصدق، بأن تكون صادقاً مع الله ومع الناس ومع نفسك. دخل رجل على أبي الحسن الشاذلي ﵁، فقال له: يا أبا الحسن! أنا قد تبت، أأذكر ذنوبي وأضعها نصب عيني دائماً أم أنساها؟ قال له: اجعل ذنوبك أمام عينيك من أجل ألا تنساها ومن أجل أن تكثر من التوبة. فقال تلميذ لـ أبي الحسن: يا أبا الحسن! لقد كان في حالة الذنوب مع الله في حالة جفاء، فلما تاب إلى الله صار مع الله في حالة الوفاء، ومن كان في جفاء ثم صار في وفاء فذكر الجفاء بعد الوفاء جفاء. وأقل ثواب في الصلاة أن الذي لا يصلي يحرم نفسه من الأجر الجزيل في التشهد، فإنه عندما يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه يسلم على كل مصل صالح، وإذا كان عدد المسلمين في العالم ألف ومائتين مليون مسلم، فلو صلى منهم نصف مليار مسلم أي: خمسمائة مليون مسلم، فإنه يسلم على الخمسمائة مليون مصل، وأجر السلام لكل واحد منهم ثلاثون حسنة، فيكون له من الأجر في الصلاة الواحدة ناتج مجموع ضرب ثلاثين في خمسمائة مليون، فالذي لا يصلي يحرم نفسه من هذا الكم الهائل من مليارات الحسنات، وذلك برحمة الله لا بأعمالنا. سأل رجل أبا حامد في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] فما شأن الله اليوم؟ فقال أبو حامد: أفكر فيها وأخبرك غداً إن شاء الله، فلما جاء الغد أعاد عليه السؤال فقال له: غداً إن شاء الله، واستمر كذلك ثلاثة أيام، فلما رجع أبو حامد إلى البيت قال: اللهم ألهمني الإجابة، فرأى في الرؤيا رسول الله ﷺ أنه قال له: يا أبا حامد! إذا جاءك السائل ليسألك غداً ما شأن الله اليوم؟ فقل: إن لله أموراً يبديها ولا يبتديها، أي: ليس لها بداية لأن الله هو الأول والآخر، يرفع أقواماً ويخفض آخرين. فهذه الإجابة ممن لا ينطق عن الهوى، فقال له السائل: يا أبا حامد! أكثر من الصلاة والسلام على من علمك هذا في المنام. وقال سيدنا علي ﵁: اشتقت لرؤية رسول الله ﷺ ، فنمت فرأيت رسول الله ﷺ معه طبق رطب، فأعطاني منه اثنتين، ثم استيقظت وحلاوة رطب الرسول في فمي، فذهبت إلى عمر بن الخطاب أبشره وأفرحه، بأنني رأيت الرسول ﷺ في الرؤيا، فدخلت المسجد وإذا بالصلاة قد أقيمت فلما انتهينا من الصلاة دخلت امرأة ومعها طبق فيه رطب فأعطته أمير المؤمنين، فوزعه على الحاضرين وأعطاني منه اثنتين وأنا أشتهي في نفسي رطباً أخرى، فنظر إلي عمر مبتسماً وقال: يا علي! لو زادك الرسول لزدناك. أي: أن تموينك من الحبيب ﷺ في الرؤيا كان تمرتين، ونحن ننفذ الأوامر. وبينما كان عمر يوم الجمعة على المنبر يخطب إذ قطع الخطبة، ونظر إلى الشمال وقال: يا سارية الجبل الجبل! فمن استرعى الذئب ظلم، فلما نزل سيدنا عمر من المنبر، سأله سيدنا علي فقال: يا أمير المؤمنين! قلت شيئاً في الخطبة لم نفهمه، وهو: يا سارية الجبل الجبل! وبعد ذلك أتممت الخطبة، فقال: وقع في خاطري وفي خلدي أن المسلمين الذين هم تحت قيادة سارية أعد لهم كمين من وراء الجبل، فأردت أن أنبههم وأحذرهم. فلما رجع سارية بعد شهرين، قال: إنه في يوم كذا وفي ساعة كذا، سمعنا صوتاً كصوت أمير المؤمنين عمر يقول: يا سارية الجبل الجبل! فنظرنا فإذا كمين أعد لنا فانتبهنا ففتح الله علينا فانتصرنا. يا ليت الصوفية على حق ونحن نقبل تراباً يسيرون عليه، فالتهريج واللف حول المقابر والصلاة في أضرحة الأولياء، ليست من أعمال الصوفية الحقيقية ولا الصوفية تعرفها، فنحن مسلمون، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فمن سيقف بين يدي الله يوم القيامة فإنه يقول: أنا مسلم.

стр. 376

العلم المفتاح الرابع: مفتاح العلم: وهو حسن السؤال وحسن الإصغاء، جلس سيدنا الشافعي ﵀ في مجلس الإمام مالك فكان يتصفح الورق تصفحاً رقيقاً لكي لا يشوش على حلقة الإمام مالك، وكان الشافعي لا يشرب الماء أمام مالك هيبة واحتراماً له. وكان أحمد بن حنبل يجلس متكئاً مع إخوانه وأحبابه القريبين منه، وعندما يأتون بسيرة الشافعي يقعد احتراماً للشافعي، والشافعي ليس موجوداً.

стр. 377

الصبر المفتاح الخامس: ومفتاح النصر الصبر، قال النبي ﷺ : (وإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً). وروي أنه ليس بمؤمن مستكمل الإيمان من لم يعد البلاء نعمة، والنعمة بلية، فإن البلاء لا يعقبه إلا الرخاء، وإن الرخاء لا يعقبه إلا البلاء. ولذلك فإن الجنة ليس فيها بلاء ولا تعب ولا نصب، ولا شمس ولا زمهرير ولا حر ولا برد ولا مشاكل ولا لغو ولا تهديد ولا غير ذلك، اللهم لا تحرمنا من دخول الجنة يا رب العالمين!

стр. 378

الشكر المفتاح السادس: مفتاح المزيد الشكر، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ولذلك لما شاء ربنا أن يذهب البلاء عن سيدنا أيوب، وقد استمر فيه ١٨ سنة، لا يحرك يديه ولا رجليه ولا يتقلب، وكانت زوجته هي التي تقلبه، فخرجت يوماً من أجل أن تشتري له طعاماً فتأخرت، فحلف بالله أنه سيضربها مائة ضربة، والمريض تكون نفسيته لا تتحمل. وإبليس يدخل عليه ويقول له: يا أيوب! لو أنت نبي الله حقاً لدعوت الله أن يكشف كربك، قال له: يا إبليس! أنا في نعمة لو علمتها لحسدتني عليها، قال: أي نعمة وأنت منذ ١٨ سنة لا تتحرك، قال: قال الله لي: يا أيوب! ارض بما قسمت لك تكن أغنى الناس، وأنا راض بما قسم الله لي. فلما جاءت لحظة النجاة، قال له ربنا: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] أي: اضرب الأرض برجلك، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فاغتسل من الماء وشرب منه فزالت كل الآلام النفسية الداخلية والخارجية، فشفي بإذن الذي يقول للشيء كن فيكون. فرجعت زوجته فوجدت رجلاً غريباً في البيت، فقالت له: أرأيت رجلاً هنا مريضاً؟ فوالله لقد كان في أيام صحته شبيهاً بك، فقال لها: أنا أيوب، ثم أراد أن يبر بيمينه فيضربها مائة ضربة، فنزل سيدنا جبريل ﵇ فقال له: يأمرك الله أن تأخذ مائة عود قمح قد استوى، ثم اربطها حزمة واحدة، واضربها ضربة بحنان، قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. وهنالك امرأة كانت تعيش بعيداً عن الدين، فمرضت بمرض السرطان فسافرت إلى أمريكا للعلاج، فكشف عليها سبعة أطباء فوجدوا أن الخلايا السرطانية قد انتشرت في الجسم ولا ينفعها علاج كيماوي ولا غيره، فعزمت الرجوع إلى بلادها، وقد يئست من العافية، فبينما كانت في المطار إذ بإحدى زوارات دروس العلم في المساجد كانت تحضر لنا، قعدت بجوارها في الطائرة هي وزوجها، وتكلمت معها عن حالتها، فوجدتها لم تعرف عن الصلاة والحج والعمرة شيئاً وقد كان لها من العمر خمسون عاماً، وهي تشكو من مرض السرطان، فقالت لها: علاجك أن تذهبي إلى مكة فتعتمرين وتشربين من ماء زمزم بنية الشفاء فستشفين إن شاء الله، فذهبت إلى مكة واعتمرت وشربت من زمزم بيقين، قال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وبعد ذلك بدأت صحتها تتحسن حتى شفيت تماماً، ثم سافرت إلى أمريكا لتعمل مراجعة للأطباء السبعة، فعملوا لها تحاليل وفحوصات فوجدوها قد شفيت تماماً من السرطان، فقالوا لها: أين تعالجت؟ قالت: ذهبت إلى الكعبة وشربت من ماء زمزم بنية أن الله تعالى يشفيني، فإذا بالسبعة الأطباء يسألونها وكيف دخول الإسلام؟ فقالت: بالنطق بالشهادتين، فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فإذاً: مفتاح المزيد الشكر: وسيدنا أيوب بعدما شفاه الله نظر فوجد جراداً من ذهب، فأخذ يجمعه في حجره، فناداه الله: يا أيوب! أما أغنيتك عن هذا؟ قال: يا رب! وهل يشبع من فضلك أحد؟

стр. 379

التقوى المفتاح السابع: مفتاح الفلاح التقوى؛ لأن أهل التقوى هم المفلحون. والتقوى هي: ألا يجدك الله حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك، فلا يجدك الله حيث نهاك عن فعل المعصية وألا يفتقدك حيث أمرك بصلاة الجماعة في المسجد وبمجلس علم وبصلة رحم وبخير يصدر منك، والمؤمن مع من أحب، ومن أحب قوماً حشر معهم، وكن عالماً أو متعلماً أو أحبهم أو لا تبغضهم، لا تقل لأهل الدين: هؤلاء متطرفون هؤلاء الذين ضيعوا البلد هؤلاء هم الذين صيرونا في داهية، هؤلاء نصابون، فكم يغتاب من المصلين الموحدين؟ فالمسلم يدعو لهم ويكن لهم كل خير.

стр. 380

الرغبة والرهبة المفتاح الثامن: مفتاح التوفيق في العبادة الرغبة والرهبة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] فأنا خائف من عذاب الله وفي نفس الوقت عندي أمل في رحمة الله ، قال سيدنا عمر: لو نادى مناد يوم القيامة: كل الناس في الجنة إلا واحداً لخشيت أن أكون أنا هذا الواحد، ولو نادى مناد يوم القيامة: كل الناس في النار إلا واحداً، لرجوت من الله أن أكون هذا الواحد. فـ عمر ﵁ جمع بين مقامي الخوف والرجاء، والرجاء يبنى على رصيد عمل، فإن قوماً غرتهم الأماني ويحسنون بالله الظن، ووالله! لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

стр. 381

الدعاء مفتاح الإجابة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وليس هناك واسطة بينك وبين ربنا في الدعاء. وفي الأثر: لو كان العبد طائعاً أو عاصياً وقال: يا رب! فإن ربنا يقول له: لبيك يا عبدي! وفي الحديث: (لله أفرح بتوبة عبده من رجل خرج في فلاة وعلى ناقته رحله وسقاؤه وطعامه، فضلت منه ناقته -أي: ضاعت- فأيقن الهلكة فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ فرأى ناقته عليها سقاؤه وطعامه). فربنا يفرح بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرحة الرجل الذي وجد الأكل والشرب على ناقته التي ضلت منه، فالطاعة لا تزيد في ملكه، والمعصية لا تنقص من ملكه. والدعاء له شروط: وهي: الإخلاص، واليقين، وترقب الأوقات الفاضلة. وقد يوجد أشخاص لهم علاقة بالله ، وأحياناً قد يكون عندي ألم أو مرض أو ضيق صدر، فأذهب إلى بيوت معينة من أجل أن أشرب فيها كأس ماء أو كأس شاي بنية الشفاء، فأعود إلى بيتي وقد شفيت من الألم، لأن سيدنا الحسن البصري قال: لو أحصل على درهم حلال، لاشتريت به رغيفاً فأدقه وأضعه في وعاء، فمن مرض أخذ منه لحسة فشفاه الله، لكن أين الدرهم الحلال؟! والدعاء لا يكون إلا بإخلاص مع ترقب الأوقات الطيبة، مثل الذين يقفون طوابير أمام بوابات السفارات، ينتظرون متى تفتح الأبواب، ولله المثل الأعلى، فنحن لا نعرف متى يفتح باب الإجابة، فعلينا بالدعاء دائماً؛ لأن كل الأبواب تفتح وتغلق إلا باب التوبة، فإنه باب مفتوح على مصراعيه حتى تطلع الشمس من مغربها. قال ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير من الليل، فينادي: ألا من داع فأستجيب له، ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من صاحب حاجة فأقضيها له) وقال أيضاً: (إن ربكم يمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) لأنه هو التواب الرحيم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]. قال أبو حامد الغزالي لتلاميذه: عفوه يستغرق الذنوب، فكيف حبه؟ وحبه ينير القلوب، فكيف وده؟ ووده يدهش العقول، فكيف قربه؟ وقربه ينسي هموم الدنيا، فكيف مشاهدته؟ فزاحموا العلماء بالمناكب؛ فإن رحمة الله لا تفارقهم لحظة، ومثل المؤمن كالنحلة؛ إن أكل أكل طيباً، وإن أطعم أطعم طيباً، وإن وقف على عود لا يخدشه ولا يكسره. وقال النبي ﷺ : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك -أي: يريحك- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تشم منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك وإما أن تشم منه ريحاً خبيثة). فالذي يجالس أصحاب الآخرة فإنهم يذكرونه بالله تعالى ويقربونه منه، والذي يجالس أصحاب الدنيا فإنهم يبعدونه عن الله. والعمل الذي تأكل منه أخلص فيه، وقلت لإخواننا الذين يعملون في أي مصلحة أو وزارة أو أي وظيفة في القطاع العام أو الخاص، أنهم يقضون نصف ساعة في آخر اليوم بدلاً عن النصف الساعة التي استغرقت في صلاة الظهر؛ لأن الموظف مكلف بالعمل ثمان ساعات كل يوم؛ من أجل ألا يدخل جوفك درهم حرام، فإن الحلال هو الذي يجعل الدعاء له إجابة، قال ﷺ : (يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفسي بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً).

стр. 382

سلامة الصدر من الأحقاد المفتاح العاشر: مفتاح الدخول على الله سلامة القلب، فالذي يأتي إلى ربه بقلب سليم، يدخل على الله بقلب سليم، وهو الذي ينفع يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. أي: سليم من ناحية كل مسلم، لا يحمل ضغائن على أحد، ولا يعمل نكد عند أحد، ويحمل للناس المعروف مثل الصحابة، فقد كان الصحابي يضع التمرة في فم أخيه فيجد حلاوتها في فمه هو. والحسن البصري دخل الجامع ووجد جماعة قاعدين، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن إخوان في الله، قال: فهل إذا احتاج أحد منكم شيئاً يضع يده في جيب أخيه فيأخذ ما يريد؟ قالوا له: لا، قال: لستم بإخوان في الله. وأراد يوماً أن يعلم المريدين: ماذا تعني المحبة في الله، وماذا يعني الصبر على الأذى والصبر على الطاعة، فأتوا إليه يزورونه فأخذ يرميهم بالحجارة، ثم قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن أحباؤك، قال: لو كنتم أحبائي حقاً لصبرتم على بلائي، يريد أن يعلمهم أن الذي يحب ربنا يصبر على الابتلاءات؛ لأن ربنا إذا أحب عبداً ابتلاه، فإذا صبر العبد قال: (يا جبريل! ماذا صنع عبدي، قال: يا رب! حمدك واسترجع، قال: يا جبريل! أعد عليه البلاء مرة أخرى فإني أحب أن أسمع صوته). اللهم اجعلنا من الصابرين والصابرات، والمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والقانتين والقانتات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين لك يا رب! كثيراً والذاكرات. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، لا تجعل يا رب بيننا شقياً ولا محروماً. نقول جميعاً: تبنا إلى الله، ورجعنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أوامر الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل. اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واغفر زلتنا، وتقبل من محسننا، وتجاوز عن مسيئنا، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم فك الكرب عن المكروبين، وسدد الدين عن المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، زحزحنا عن النار، وقربنا من الجنة، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيراً، وأشكركم لحسن استماعكم، وبارك الله فيكم، ولا تنسونا من صالح دعائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 383

سلسلة الدار الآخرة_وصف الجنة لقد وصف الله الجنة في كتابه وسنة نبيه ﷺ وصفاً يشد من الهمم، ويضاعف من العزائم، ويزهد من الدنيا، ويجعل العبد يشتاق لما عند الله من النعيم السرمدي الأبدي، ومهما تخيل الإنسان نعيم الجنة فإنه لن يدرك حقيقته.

стр. 384

تجارة العبد مع الله أحمد الله حمداً يوافي نعمه علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثالثة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، وهي بمشيئة الله سبحانه الحلقة الثانية عن الجنة. أيها الإخوة الأحباب! الحديث عن الدار الآخرة يرقق القلوب الجامدة، ويجعل العيون التي لم تتعود على البكاء من قبل تذرف الدموع، وذلك عندما تتفكر أن صاحبها سوف يقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهذه الدروس تذكر الإنسان بالحقيقة الأساسية: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. ويؤتى بالموت على هيئة كبش بين الجنة والنار ثم ينادي: ما هذا يا أهل الجنة؟ ما هذا يا أهل النار؟ فيقول الفريقان: هذا هو الموت الذي كنا نخاف منه، فيؤمر بالموت فيذبح، ثم ينادي المنادي من قبل العلي الأعلى جل في علاه: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، يا أهل النار! خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً، ويزداد أهل النار غماً وكمداً وحزناً، اللهم اجعلنا مع الذين رضيت عنهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، آمين يا رب العالمين! هذه الدروس إن لم تخفك من الله فلا فائدة فيها، هذه الدروس إن لم تقربك إلى الله، وتجعل قلبك رقيقاً لمجالس العلم، رقيقاً لكلام الله، محباً لطاعة الله ، محباً لأهل الله ، محباً للسائرين في طريق الله سبحانه فلا خير فيها، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك، وحبك كل عمل يقربنا إلى حبك يا رب العالمين. وكل شيء له مفتاح، والجنة لها مفاتيح، والحبيب المصطفى ﷺ يحدثنا فيما رواه أبو نعيم والإمام أحمد في مسنده وصححه الحاكم، حيث قال: (إن لله عباداً مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ومن العباد عباد مغاليق للخير، مفاتيح للشر، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، ويا بؤس عبد جعله الله مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر). فهناك أناس معهم مفاتيح الخير يفتحون بها قلوب الناس، وهناك أناس والعياذ بالله رب العالمين معهم مفاتيح يغلقون بها أبواب الخير على عباد الله، ويفتحون لهم أبواب الشر، وأيضاً يحدثنا الحبيب المصطفى ﷺ فيقول: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تبتاع منه، وإما أن يحذيك، وإما أن تشم منه ريحاً طيباً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تشم منه ريحاً خبيثة)، ولذلك من فضل الله -وهو الستار الحليم- أنك تصنع الذنب وتخرج أمام الناس فيرونك ولا يدركون ولا يعلمون من أمر ذنبك وسيئاتك شيئاً. يرونك في المسجد ويظنونك ملكاً من الملائكة، وصالحاً من الصالحين، وعالماً من العلماء، يظنونك محباً لأهل العلم وربما كان في قلبك غير ذلك، وربما هذه الرؤية تجعل الغير يدعو لك بالخير، فيجعل الله لك في هذه الدعوة الخير كله، فالإنسان لا يدري من أين يأتيه الخير، وربما دعوة مسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب يستجيب الله له، فيهدي الله الاثنين إلى طاعته ورحمته. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا يا ربنا واصرف عنا شر ما قضيت، آمين آمين، والحمد لله رب العالمين. والإنسان المسلم بفضل الله مفاتيح الخير لا تسبب له قلقاً؛ لأن مفاتيح الخير لا تكلف شيئاً؛ لأن الله يقول في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. هذه الآية فيها أحد عشر لوناً من ألوان البلاغة، وألوان الأوامر، وألوان الفضل الإلهي: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ [التوبة:١١١]، بدأت الآية بحرف التوكيد (إن)، وذكرت اسم المشتري: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ [التوبة:١١١]، ولفظ الجلالة (الله) هو اسم إن، فالله هو المشتري، و (اشترى) هذا فعل ماض، فالله قد اشترى بفضله سبحانه. ثم ذكر البائع فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١١] اللهم اجعلنا منهم يا رب! ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] الأنفس والأموال أعطاها لك الله ثم هو يشتري منك ما منحك بدون مقابل، أعطاك الله الجسد والروح، والدورة الدموية، والدورة التنفسية، والعقل، والفكر، والمشاعر، والعواطف، والأحاسيس، والود والرحمة، والمحبة، والإخلاص، كل هذا أعطاه لك ربنا، وأنت ماذا أعطيته عندما أعطاك هذا؟! إذاً: الله قد اشترى من المؤمنين شيئاً قد وهبه لهم بدون مقابل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، المال أيضاً هو من مال الله، لكن الناس مالوا بالمال عن حقيقة المال، وقلنا: في اللغة سمي المال مالاً؛ لأنه مال بالناس عن الحق، معاملتك مع أخيك المسلم تكون جيدة، فإذا دخل المال فيها مالت علاقتك معه؛ لأن المال يميل بالقلوب إليه، المال تميل إليه القلوب والنفوس بطبيعتها، ولذلك يقول سيدنا علي: النفس تجزع أن تكون فقيرةً والفقر خير من غنىً يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها ولذلك وقف الإمام الشافعي ﵁ لما سافر إلى سيريلانكا -سيلان اليوم- وقال: أمطري لؤلؤاً سماء سرنديب وأفيضي آبار تكرور تبراً أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبرا همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا لأنه يعلم أن الرزاق هو الله، وأن المانح هو الله، وأن المانع هو الله، وأن المعز هو الله، وأن المذل هو الله، ولا شيء إلا الله، فوحد الله وعبده، وسار في طريق الله، فكانت عنده عزة إلا في الصلاة، تنحني جبهته أمام عظمة الله، ويتواضع أمام ربه وأمام المسلمين، لكن في غير ذلك كان رأسه في السماء بعزة المؤمن، فهو مع الكافرين عزيز بعزة الله له؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إذاً: الله رزقك المال بدون أن تعطيه مقابلاً، ثم أراد أن يشتري منك، والبيع دائماً يكون فيه مكسب للطرفين -ولله المثل الأعلى- فإن الله سوف يشتري منك النفس والمال وهو لمنفعتك والله غني عنه، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] كلنا فقير إلى الله؛ ولذلك يقول الله : (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا على أتقى قلب واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسأل كل واحد منكم فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). إذاً: كلهم جائع إلا من أطعمه الله، وكلهم عار إلا من كساه الله، وكلهم ضال إلا من هداه الله، فلو أن الكل أطاع الله ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، ولو أن الكل عصى الله ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، ثم قال الله : لو أن الجميع قد وقفوا في صعيد واحد، وكل واحد سأل الله مسألة، فأعطى كل واحد مسألته، لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً أن يعطي كل سائل مسألته! إذاً: ما الفائدة التي تعود على المشتري في هذه الحالة بأن اشترى رب العباد سبحانه نفسك ومالك؟ الجواب ليس له فائدة عائدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] أي: التي رزقهم الله إياها. وقلت من قبل: لو أنك عبدت الله مائة عام متواصلة، وربنا يكافئك بدل المائة العام في الدنيا مائة عام في الجنة، ثم ضاعف السنوات إلى عشرة أضعاف؛ لأن الحسنة عنده بعشر حسنات، ثم يضاعفها لك إلى سبعمائة ضعف، فتكون سبعين ألف سنة، ثم مكثت في الجنة سبعين ألف سنة ثم بعدها أين ستذهب؟ لا أكرم من الله، ولا أحن من الله ، فهو حنان منان يجود على العباد دون أن يسأل. إذاً: أعطاك الجنة مقابل أن بعت له نفسك ومالك، قال تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، كيف سيحصلون عليها؟ قال: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١]. قالت إحدى الصحابيات الجليلات: يا رسول الله! ابني الذي استشهد معك في أحد أفي النار هو فأبكيه، أم في الجنة فأصبر؟! إن كان في النار فهو يستحق البكاء؛ لأنه خسر الدنيا والآخرة، لكن لو كان في الجنة فإنها ستصبر؛ لأن الله أبدله من الدنيا ما هو خير. فقال ﷺ : (بل هو في

стр. 385

مفاتيح الإيمان وحياة القلب

стр. 386

من مفاتيح الإيمان التفكر في مخلوقات الله إذاً: الإيمان له مفتاح، ومفتاحه التفكر في كل شيء. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد أصحاب الهندسة المكنيكيه يقولون: أصعب اختراع في الآلات الآلة الماسكة، وهي التي تشبه يد الإنسان، فالله جعل للعبد أربع أصابع في اتجاه واحد، وإصبعاً يرجع عليها في اتجاه آخر، قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] هناك تفسير يقول: الله برحمته جعل لك أصابع متفرقة وكان الله قادراً أن يجعلها لك مثل خف الجمل لا تستطيع أن تمسك بها، لكن عمل كل أصبع لوحده؛ حتى تقدر على الحركة، وجعل لكل إصبع بصمة تختلف عن البصمة الأخرى. يوجد ملايين البشر بصماتهم غير متشابهة ولا متماثلة، فسبحان الذي خلق، وسبحان الذي صور، وسبحان الذي أبدع؛ لأن هناك جماعة منحرفين يقولون: يوجد تناسخ أرواح في الأبناء والأحفاد والأجيال، يعتقدون أن الأرواح قد انتهت فلا يوجد فيها جديد، يقول تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] وخزائنه لا تنفد! الإنسان عليه أن يتفكر في نفسه وجسمه وبدنه الذي خلقه الله ، قال الشاعر: وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ولذلك قال سيدنا علي: والله لا موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد كلا ولا النفس البسيـ ـطة لا ولا العقل المجرد بل أنت يا رسطو ومن أفلاط قبلك يا مبلّد من أنتم إلا الفراش رأى الشهاب وقد توقد فدنى فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد التفكر في ذات الله هلاك، ولكن التفكر في رحمة الله وفي صفاته وفضله وعظمته وقدرته مفتاح الإيمان، انظر إلى هذه الرياح كيف تنقل حبوب اللقاح! وتأتي رحمة الله، وتحرك السحاب من أرض إلى أرض فنزل المطر، والرياح تسير المركب في البحار والأنهار، كل هذه من نعم الله فلنشكر ربنا عليها. مع أنه يجب أن نشكر الله عليها؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يشكر الله إلا على نعمة خاصة به، وكما قلت لكم من قبل: إن الله يقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩] قال أهل العلم: لو أعطيت مفاتيح الجنة لأحد المؤمنين لأقفل الباب وراءه؛ لأنه بطبيعته طماع، يحب الخير لنفسه، لكن من رحمة الله أن الملك يومئذ لله، فالمؤمن عندما يرى النعيم ينشرح صدره، ويخاف عندما يعصي الله، ويرجو الله عندما يطيع، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] اللهم اجعلنا من الذين يحذرون الآخرة، ويرجون رحمتك يا رب العالمين! فساعات التفكر هذه مفاتيح للإيمان، ولذلك المسلم يتفكر في نفسه أولاً، ثم يتفكر في مخلوقات الله وهذا باحث في عالم الحشرات، قعد مع النمل سبع سنين فكان يضع للنمل كل نوع من أنواع الحبوب فتكسر النمل الحبة نصفين؛ لأن أي حبة لو مكثت تحت أي ظروف من بخار ماء لنبتت، فالنملة عندما تدخل الحب في الجحر، أول ما تأخذه تكسره إلى نصفين، لكن هناك نوع يشذ عن جميع أنواع الحبوب في كيفية تكسيره هو حبوب الكزبرة، وضع لها الباحث حبة الكزبرة فوجد أن النمل تقسم الحبة إلى ثلاثة أقسام، من الذي علم النملة هذا الفعل؟ لم تدرس النمل في أي كلية أكاديمية أو علوم أو طب أو زراعة، وإنما الذي علمها هو الله سبحانه، ولذلك استغرب هذا الباحث وقال: لعل النمل تعلمت هذا الفعل من آبائها، بحكم الوراثة في المعرفة، فحاول أن يعزل مجموعة من النمل لم تعرف آباءها ولا أمهاتها، فجعلها في مكان لوحدها، ثم جعل يعطيها حبوب الكزبرة، وإذا بالنمل يكسرها إلى ثلاثة أكسار، فهو يتحدث عن نفسه قائلاً: لم نصل إلى معرفة هذا السر، ولم يعلم أنها آية من آيات الله ، ولذا قال فرعون لموسى وهارون في سورة طه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠]. وهناك طائر يطير وهو أعمى ولا يصطدم بالحيطان، اكتشف العلم الحديث أن له خلايا كهرومغناطيسية غير مرئية، وكل ذلك من قدرة الله أولاً وأخيراً. وتجد الثعبان له عضلات يمشي بها على الأرض، وله أكل معين، وحياة معينة، والحشرات لها حياة معينة، والدود في الأرض، والضفادع وغيرها من الكائنات. أما البحار فهي عالم آخر، جعل الله البحر مالحاً؛ لأنه توجد فيه من الكائنات البحرية آلاف الملايين وهي تموت فيه، والملح الذي في باطن البحر يحفظ هذه الكائنات الحية التي تموت، فلا تخرج منها روائح كريهة، ولو لم يكن في البحر والمحيط ملح لمات أهل الأرض جميعاً من نتن رائحة البحر، فهذه نعم تستوجب الشكر والتأمل، اللهم اجعلنا من المتفكرين يا رب العالمين!

стр. 387

تدبر القرآن أول مفتاح يبعث على حياة قلبك الإيمانية هو التدبر في كتاب الله، واسمعوا إلى مؤمن آل فرعون عندما قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، هذا خطاب أهل العلم، وخطاب الرسل كلهم، ومن يحمل رايتهم: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، يقول لهم: تعالوا أهدكم سبيل الرشاد، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢]، وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩]، أنتم اليوم عظماء وملوك على الكراسي، ولكن يوم القيامة من ينفعكم؟ قلنا: الأم تنادي ابنها يوم القيامة قائلة: يا بني! كان بطني لك وعاء، وصدري لك سقاء، وحجري لك وطاء، هل من حسنة تنفعني بها هذا اليوم؟ فيقول: يا أماه! أنا لا أنكر شيئاً من ذلك، ولكن هل عندك أنت من حسنة تنفعني؟ ويقول الابن لأبيه: يا أبت! كنت باراً بك، وشفوقاً بك، ورحيماً بك ألا من حسنة؟ فيقول له: يا بني! أنا أشكو مما تشكو أنت منه، أليس عندك أنت من حسنة؟ ثم يفتدي المرء نفسه بأقاربه قائلاً: خذ أبوي خذ أولادي، خذ امرأتي، حتى الأنبياء يقولون: نفسي نفسي! إلا سيدنا محمداً فإنه يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي! قام ﷺ ليلة بآية يقرؤها ويبكي حتى أذن الفجر وهي قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فأرسل الله جبريل فنزل عليه وقال: يا محمد! ما يبكيك؟ قال: (من لأمتي من بعدي يا جبريل)، وهذا رواه الإمام أحمد، ورواية الإمام مسلم: (لن يحن عليكم من بعدي إلا الرحماء من أمتي)، الناس الذين يجالسون العلماء في مجالس العلم، ويحبون أهل الخير، هؤلاء هم الذين سيرحمون الأمة، أما الذي يظهر في التلفاز يرقص ويضيع صلاة الظهر والعصر ومشغول بالسهرة في الماء ويومه كله ضاع في نظرة وفي كلمة وفي سيئة وفي غيبة ومشاهدة للبطل والبطلة؛ لأنه مفتاح للشر مغلاق للخير فهذا لن يرحم أحداً، وإنما يسن سنة سيئة، قال ﷺ : (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة). وهذا سيدنا عمر ﵁ يخرج قبل الفجر يتفقد الرعية، فبينما هو يمشي إذ سمع قارئةً للقرآن تقرأ أول سورة الطور إلى أن بلغت قول الله : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧]، فأغمي عليه، حتى إن الصحابة عادوه أياماً. إذاً: مفتاح حياة القلب تدبر القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] القرآن فيه كل ما يحتاجه الناس، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، كل شيء موضح في القرآن، فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم لا يخلق من كثرة الرد، عندما تقرأ سورة سيدنا يوسف تحلو كل ما قرأتها، وتزداد حلاوة كل مرة تقرؤها. إن عبداً من بني إسرائيل عبد الله خمسمائة عام، ثم جيء به، فقال الله لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: لا يا رب ادخل الجنة بعملي، فقال الله لملائكته: زنوا له أعماله، فوزنوا أعماله، ثم وضعوا أعماله في كفة ونعمة البصر في كفة، فوجدوا أن نعمة البصر رجحت على أعماله، فصار مديوناً لله فقال: أدخلوا عبدي جهنم، فقال: لا يا رب! أدخل الجنة برحمتك! يقول النبي ﷺ : (واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). ويقول ﷺ : (إن قوماً غرتهم الأماني، يقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل).

стр. 388

من مفاتيح الإيمان التضرع في الأسحار كذلك التضرع في الأسحار، الذي يقوم في وقت السحر، وقد نامت العيون، وهدأت النفوس، وخلا كل حبيب بحبيبه، وخلا أحباء الله بربهم وحبيبهم، في هذا الوقت والسماء صافية تكون الأبواب مفتوحة، والله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل في وقت السحر، فالمسلم لا ينبغي له أن يضيع وقته هباءً منثوراً، فلا يضيع الليل كله في النوم، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] السحر وقت من الأوقات التي يتجلى الله فيها على عباده، وإن عز المؤمن وشرفه قيام الليل، ولأجل أن يطيب قلبك ويحيا قم من الليل ولو قليلاً، عود نفسك على صلاة ركعتين، ثم صلاة أربع ركعات، ثم يفتح الله عليك بجزء من القرآن في ثمان ركعات، ثم بجزئين من القرآن في عشرين ركعة، ثم ثلاثة أجزاء من القرآن، وهكذا تترقى في العبادة؛ ولذلك مر رجل من التابعين على صديق له بجوار بيته في الثلث الأخير من الليل، فما سمع صوتاً، فلما لقيه في الفجر قال: يا فلان أكان البيت نائماً قبل الفجر؟ قال: نعم، ما استيقظنا إلا عند صلاة الفجر، فقلب كفيه وقال: عجباً لمسلمين ينامون طوال الليل. إذاً: قيام الليل نور المؤمن، يقول أحد السلف: رأينا الحسن البصري وعليه نور وكان رجلاً أسمر، وإذا به كل يوم عليه هالة من النور! قال: فقلت: يا حسن! عهدناك آدم البشرة فما هذا النور الذي علاك؟ قال: نحن قوم خلونا بالله في ظلمات الليل، فكسانا ربنا من جماله وجلاله. سلكوا الخط ودخلوا على باب الله الذي ليس له بواب فدخلوا إلى الله ؛ فأكرمهم برحمته، اللهم أكرمنا معهم يا رب العالمين! إذاً: مفتاح حياة القلوب تدبر القرآن، والتضرع في السحر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، ادع الله يا رب! يا رب! يا رب! ولذلك نحن سمعنا أن الحبيب المصطفى ﷺ بعد ما انتهى من صلاة الصبح في المسجد نادى على شاب، وقال له: ماذا كنت تقول في الليل؟ قال: قمت الليل بآية أقولها وأبكي: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] إلى آخر الآية، سيدنا الحبيب يقول له: (يا غلام! لقد أبكيت أعين كثير من الملائكة) تجاوبت السماء مع دعاء العبد؛ لأن الملائكة بطبيعتها تؤمن على دعائك، والذي أمنت الملائكة على دعائه إن شاء الله يكون دعاؤه مستجاباً. قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩] يقول ﷺ : (من صلى صلاة العشاء في جماعة ونام على ذكر الله ، فلما نام ما منعه من الذكر إلا النوم، تكتب الملائكة طوال نومه أنه جالس وواقف يصلي لله) لأن النوم هو الذي عطله؛ لأنه لابد أن ينام؛ فهو بشر يحتاج إلى النوم، فتقول الملائكة: إنه لو كان صاحياً لاستمر في الذكر، ولواصل الصلاة اللهم اجعلنا من أهل قيام الليل، اللهم اجعلنا من القائمين لله بالليل، اللهم اجعلنا من القائمين لك بالليل يا رب العالمين!

стр. 389

مفتاح الرزق لنأت إلى طلب الرزق وأسبابه، السبب الأول: السعي، لا تقعد في بيتك وتقول: يا رب! ارزقني، لابد من السعي الأول. كذلك كثرة الاستغفار؛ لأن من أكثر من الاستغفار فرج الله همه، وأذهب كربه، وكشف غمه، ورزقه من حيث لا يحتسب؛ لأن سيدنا نوحاً قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١٠] هذا الأول، يمسح الله الذنوب بالاستغفار. ثم قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١١] تنزل الأمطار فتكثر الزروع والثمار، وتجري الأنهار. ثم قال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح:١٢]، الأموال رزق، والبنون أيضاً رزق. ثم قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٢ - ١٤]. يذكرهم بنعم الله عليهم. فإذا أردت الرزق فعليك بكثرة الاستغفار، فأنت تستغفر وأنت مستحضر للذنب الذي أذنبت، فتستغفر الله منه، وإلا كان استغفارك غير صحيح؛ ولذا قال الإمام الغزالي: استغفارنا يحتاج إلى استغفار، وتوبتنا تحتاج إلى توبة، فالمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، تخيل امرأة غير محجبة تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله! وهي عريانة في الشارع! كيف سيغفر الله لها؟! وشخص من الموظفين يرتشي ويضع الفلوس في الدرج ويقول: أستغفر الله أستغفر الله!

стр. 390

مفتاح العزة طاعة الله ورسوله مفتاح العز طاعة الله وطاعة رسوله، فالله جعل لطاعته عزاً وللمعصية ذلاً، وجعل شجرة الطاعة ثمرتها كلها خير، وشجرة المعصية والعياذ بالله ثمرتها كلها شر، وأصل مفاتيح الجنة طاعة الله ، وكل عبادة لها باب في الجنة، اللهم افتح لنا أبواب جنتك يا رب، واسمع إلى وصف هذه الأبواب وسعتها! يقول ﷺ : (ما بين مصراعي باب الجنة كما بين بصرى إلى صنعاء)، يعني: الباب عرضه من العراق إلى اليمن، فعندما يفتح الباب تكون حلقة منه في العراق وحلقة منه في اليمن، يقول تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص:٥٠]، فهل هناك أحد يهرب من النعيم؟ لكن أبواب النار مؤصدة أي: مغلقة ومقفولة؛ لأن المعذب في النار يريد أن يهرب من العذاب فأبواب النار مغلقه؛ ولذلك يقول تعالى في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣]، وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١]، الواو موجودة مع أهل الجنة، وغير موجودة مع أهل النار، لماذا هذا؟ نقول: الجنة محفوفة بالمكاره والمصاعب والحواجز، فالذي يتعدى الحواجز في الدنيا ويتغلب على المكاره، يكون الدخول سهلاً يوم القيامة، وتنتهي كل الحواجز والمكاره. فالجنة حتى تصل إليها فهناك حواجز كثيرة وموانع، وأول مانع: عدم الصبر، قال الحسن البصري ﵁: الإنسان عدو للأمر، لو أمرنا الله بالجزع لصبرنا، ولكن أمرنا بالصبر فجزعنا. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، اصبر يا أخي على أذى المؤذين في الله.
следующие страницы →