Полный текст (549 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
من مفاتيح الإيمان التفكر في مخلوقات الله
إذاً: الإيمان له مفتاح، ومفتاحه التفكر في كل شيء.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد أصحاب الهندسة المكنيكيه يقولون: أصعب اختراع في الآلات الآلة الماسكة، وهي التي تشبه يد الإنسان، فالله جعل للعبد أربع أصابع في اتجاه واحد، وإصبعاً يرجع عليها في اتجاه آخر، قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة:٤] هناك تفسير يقول: الله برحمته جعل لك أصابع متفرقة وكان الله قادراً أن يجعلها لك مثل خف الجمل لا تستطيع أن تمسك بها، لكن عمل كل أصبع لوحده؛ حتى تقدر على الحركة، وجعل لكل إصبع بصمة تختلف عن البصمة الأخرى.
يوجد ملايين البشر بصماتهم غير متشابهة ولا متماثلة، فسبحان الذي خلق، وسبحان الذي صور، وسبحان الذي أبدع؛ لأن هناك جماعة منحرفين يقولون: يوجد تناسخ أرواح في الأبناء والأحفاد والأجيال، يعتقدون أن الأرواح قد انتهت فلا يوجد فيها جديد، يقول تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] وخزائنه لا تنفد! الإنسان عليه أن يتفكر في نفسه وجسمه وبدنه الذي خلقه الله ، قال الشاعر: وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ولذلك قال سيدنا علي: والله لا موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد كلا ولا النفس البسيـ ـطة لا ولا العقل المجرد بل أنت يا رسطو ومن أفلاط قبلك يا مبلّد من أنتم إلا الفراش رأى الشهاب وقد توقد فدنى فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد التفكر في ذات الله هلاك، ولكن التفكر في رحمة الله وفي صفاته وفضله وعظمته وقدرته مفتاح الإيمان، انظر إلى هذه الرياح كيف تنقل حبوب اللقاح! وتأتي رحمة الله، وتحرك السحاب من أرض إلى أرض فنزل المطر، والرياح تسير المركب في البحار والأنهار، كل هذه من نعم الله فلنشكر ربنا عليها.
مع أنه يجب أن نشكر الله عليها؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يشكر الله إلا على نعمة خاصة به، وكما قلت لكم من قبل: إن الله يقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٩] قال أهل العلم: لو أعطيت مفاتيح الجنة لأحد المؤمنين لأقفل الباب وراءه؛ لأنه بطبيعته طماع، يحب الخير لنفسه، لكن من رحمة الله أن الملك يومئذ لله، فالمؤمن عندما يرى النعيم ينشرح صدره، ويخاف عندما يعصي الله، ويرجو الله عندما يطيع، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] اللهم اجعلنا من الذين يحذرون الآخرة، ويرجون رحمتك يا رب العالمين! فساعات التفكر هذه مفاتيح للإيمان، ولذلك المسلم يتفكر في نفسه أولاً، ثم يتفكر في مخلوقات الله وهذا باحث في عالم الحشرات، قعد مع النمل سبع سنين فكان يضع للنمل كل نوع من أنواع الحبوب فتكسر النمل الحبة نصفين؛ لأن أي حبة لو مكثت تحت أي ظروف من بخار ماء لنبتت، فالنملة عندما تدخل الحب في الجحر، أول ما تأخذه تكسره إلى نصفين، لكن هناك نوع يشذ عن جميع أنواع الحبوب في كيفية تكسيره هو حبوب الكزبرة، وضع لها الباحث حبة الكزبرة فوجد أن النمل تقسم الحبة إلى ثلاثة أقسام، من الذي علم النملة هذا الفعل؟ لم تدرس النمل في أي كلية أكاديمية أو علوم أو طب أو زراعة، وإنما الذي علمها هو الله سبحانه، ولذلك استغرب هذا الباحث وقال: لعل النمل تعلمت هذا الفعل من آبائها، بحكم الوراثة في المعرفة، فحاول أن يعزل مجموعة من النمل لم تعرف آباءها ولا أمهاتها، فجعلها في مكان لوحدها، ثم جعل يعطيها حبوب الكزبرة، وإذا بالنمل يكسرها إلى ثلاثة أكسار، فهو يتحدث عن نفسه قائلاً: لم نصل إلى معرفة هذا السر، ولم يعلم أنها آية من آيات الله ، ولذا قال فرعون لموسى وهارون في سورة طه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠].
وهناك طائر يطير وهو أعمى ولا يصطدم بالحيطان، اكتشف العلم الحديث أن له خلايا كهرومغناطيسية غير مرئية، وكل ذلك من قدرة الله أولاً وأخيراً.
وتجد الثعبان له عضلات يمشي بها على الأرض، وله أكل معين، وحياة معينة، والحشرات لها حياة معينة، والدود في الأرض، والضفادع وغيرها من الكائنات.
أما البحار فهي عالم آخر، جعل الله البحر مالحاً؛ لأنه توجد فيه من الكائنات البحرية آلاف الملايين وهي تموت فيه، والملح الذي في باطن البحر يحفظ هذه الكائنات الحية التي تموت، فلا تخرج منها روائح كريهة، ولو لم يكن في البحر والمحيط ملح لمات أهل الأرض جميعاً من نتن رائحة البحر، فهذه نعم تستوجب الشكر والتأمل، اللهم اجعلنا من المتفكرين يا رب العالمين!
стр. 387
تدبر القرآن
أول مفتاح يبعث على حياة قلبك الإيمانية هو التدبر في كتاب الله، واسمعوا إلى مؤمن آل فرعون عندما قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، هذا خطاب أهل العلم، وخطاب الرسل كلهم، ومن يحمل رايتهم: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، يقول لهم: تعالوا أهدكم سبيل الرشاد، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢]، وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩]، أنتم اليوم عظماء وملوك على الكراسي، ولكن يوم القيامة من ينفعكم؟ قلنا: الأم تنادي ابنها يوم القيامة قائلة: يا بني! كان بطني لك وعاء، وصدري لك سقاء، وحجري لك وطاء، هل من حسنة تنفعني بها هذا اليوم؟ فيقول: يا أماه! أنا لا أنكر شيئاً من ذلك، ولكن هل عندك أنت من حسنة تنفعني؟ ويقول الابن لأبيه: يا أبت! كنت باراً بك، وشفوقاً بك، ورحيماً بك ألا من حسنة؟ فيقول له: يا بني! أنا أشكو مما تشكو أنت منه، أليس عندك أنت من حسنة؟ ثم يفتدي المرء نفسه بأقاربه قائلاً: خذ أبوي خذ أولادي، خذ امرأتي، حتى الأنبياء يقولون: نفسي نفسي! إلا سيدنا محمداً فإنه يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي! قام ﷺ ليلة بآية يقرؤها ويبكي حتى أذن الفجر وهي قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فأرسل الله جبريل فنزل عليه وقال: يا محمد! ما يبكيك؟ قال: (من لأمتي من بعدي يا جبريل)، وهذا رواه الإمام أحمد، ورواية الإمام مسلم: (لن يحن عليكم من بعدي إلا الرحماء من أمتي)، الناس الذين يجالسون العلماء في مجالس العلم، ويحبون أهل الخير، هؤلاء هم الذين سيرحمون الأمة، أما الذي يظهر في التلفاز يرقص ويضيع صلاة الظهر والعصر ومشغول بالسهرة في الماء ويومه كله ضاع في نظرة وفي كلمة وفي سيئة وفي غيبة ومشاهدة للبطل والبطلة؛ لأنه مفتاح للشر مغلاق للخير فهذا لن يرحم أحداً، وإنما يسن سنة سيئة، قال ﷺ : (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
وهذا سيدنا عمر ﵁ يخرج قبل الفجر يتفقد الرعية، فبينما هو يمشي إذ سمع قارئةً للقرآن تقرأ أول سورة الطور إلى أن بلغت قول الله : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧]، فأغمي عليه، حتى إن الصحابة عادوه أياماً.
إذاً: مفتاح حياة القلب تدبر القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] القرآن فيه كل ما يحتاجه الناس، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، كل شيء موضح في القرآن، فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم لا يخلق من كثرة الرد، عندما تقرأ سورة سيدنا يوسف تحلو كل ما قرأتها، وتزداد حلاوة كل مرة تقرؤها.
إن عبداً من بني إسرائيل عبد الله خمسمائة عام، ثم جيء به، فقال الله لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: لا يا رب ادخل الجنة بعملي، فقال الله لملائكته: زنوا له أعماله، فوزنوا أعماله، ثم وضعوا أعماله في كفة ونعمة البصر في كفة، فوجدوا أن نعمة البصر رجحت على أعماله، فصار مديوناً لله فقال: أدخلوا عبدي جهنم، فقال: لا يا رب! أدخل الجنة برحمتك! يقول النبي ﷺ : (واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
ويقول ﷺ : (إن قوماً غرتهم الأماني، يقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل).
стр. 388
من مفاتيح الإيمان التضرع في الأسحار
كذلك التضرع في الأسحار، الذي يقوم في وقت السحر، وقد نامت العيون، وهدأت النفوس، وخلا كل حبيب بحبيبه، وخلا أحباء الله بربهم وحبيبهم، في هذا الوقت والسماء صافية تكون الأبواب مفتوحة، والله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل في وقت السحر، فالمسلم لا ينبغي له أن يضيع وقته هباءً منثوراً، فلا يضيع الليل كله في النوم، قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] السحر وقت من الأوقات التي يتجلى الله فيها على عباده، وإن عز المؤمن وشرفه قيام الليل، ولأجل أن يطيب قلبك ويحيا قم من الليل ولو قليلاً، عود نفسك على صلاة ركعتين، ثم صلاة أربع ركعات، ثم يفتح الله عليك بجزء من القرآن في ثمان ركعات، ثم بجزئين من القرآن في عشرين ركعة، ثم ثلاثة أجزاء من القرآن، وهكذا تترقى في العبادة؛ ولذلك مر رجل من التابعين على صديق له بجوار بيته في الثلث الأخير من الليل، فما سمع صوتاً، فلما لقيه في الفجر قال: يا فلان أكان البيت نائماً قبل الفجر؟ قال: نعم، ما استيقظنا إلا عند صلاة الفجر، فقلب كفيه وقال: عجباً لمسلمين ينامون طوال الليل.
إذاً: قيام الليل نور المؤمن، يقول أحد السلف: رأينا الحسن البصري وعليه نور وكان رجلاً أسمر، وإذا به كل يوم عليه هالة من النور! قال: فقلت: يا حسن! عهدناك آدم البشرة فما هذا النور الذي علاك؟ قال: نحن قوم خلونا بالله في ظلمات الليل، فكسانا ربنا من جماله وجلاله.
سلكوا الخط ودخلوا على باب الله الذي ليس له بواب فدخلوا إلى الله ؛ فأكرمهم برحمته، اللهم أكرمنا معهم يا رب العالمين! إذاً: مفتاح حياة القلوب تدبر القرآن، والتضرع في السحر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، ادع الله يا رب! يا رب! يا رب! ولذلك نحن سمعنا أن الحبيب المصطفى ﷺ بعد ما انتهى من صلاة الصبح في المسجد نادى على شاب، وقال له: ماذا كنت تقول في الليل؟ قال: قمت الليل بآية أقولها وأبكي: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] إلى آخر الآية، سيدنا الحبيب يقول له: (يا غلام! لقد أبكيت أعين كثير من الملائكة) تجاوبت السماء مع دعاء العبد؛ لأن الملائكة بطبيعتها تؤمن على دعائك، والذي أمنت الملائكة على دعائه إن شاء الله يكون دعاؤه مستجاباً.
قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٩] يقول ﷺ : (من صلى صلاة العشاء في جماعة ونام على ذكر الله ، فلما نام ما منعه من الذكر إلا النوم، تكتب الملائكة طوال نومه أنه جالس وواقف يصلي لله) لأن النوم هو الذي عطله؛ لأنه لابد أن ينام؛ فهو بشر يحتاج إلى النوم، فتقول الملائكة: إنه لو كان صاحياً لاستمر في الذكر، ولواصل الصلاة اللهم اجعلنا من أهل قيام الليل، اللهم اجعلنا من القائمين لله بالليل، اللهم اجعلنا من القائمين لك بالليل يا رب العالمين!
стр. 389
مفتاح الرزق
لنأت إلى طلب الرزق وأسبابه، السبب الأول: السعي، لا تقعد في بيتك وتقول: يا رب! ارزقني، لابد من السعي الأول.
كذلك كثرة الاستغفار؛ لأن من أكثر من الاستغفار فرج الله همه، وأذهب كربه، وكشف غمه، ورزقه من حيث لا يحتسب؛ لأن سيدنا نوحاً قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١٠] هذا الأول، يمسح الله الذنوب بالاستغفار.
ثم قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١١] تنزل الأمطار فتكثر الزروع والثمار، وتجري الأنهار.
ثم قال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح:١٢]، الأموال رزق، والبنون أيضاً رزق.
ثم قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٢ - ١٤].
يذكرهم بنعم الله عليهم.
فإذا أردت الرزق فعليك بكثرة الاستغفار، فأنت تستغفر وأنت مستحضر للذنب الذي أذنبت، فتستغفر الله منه، وإلا كان استغفارك غير صحيح؛ ولذا قال الإمام الغزالي: استغفارنا يحتاج إلى استغفار، وتوبتنا تحتاج إلى توبة، فالمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، تخيل امرأة غير محجبة تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله! وهي عريانة في الشارع! كيف سيغفر الله لها؟! وشخص من الموظفين يرتشي ويضع الفلوس في الدرج ويقول: أستغفر الله أستغفر الله!
стр. 390
مفتاح العزة طاعة الله ورسوله
مفتاح العز طاعة الله وطاعة رسوله، فالله جعل لطاعته عزاً وللمعصية ذلاً، وجعل شجرة الطاعة ثمرتها كلها خير، وشجرة المعصية والعياذ بالله ثمرتها كلها شر، وأصل مفاتيح الجنة طاعة الله ، وكل عبادة لها باب في الجنة، اللهم افتح لنا أبواب جنتك يا رب، واسمع إلى وصف هذه الأبواب وسعتها! يقول ﷺ : (ما بين مصراعي باب الجنة كما بين بصرى إلى صنعاء)، يعني: الباب عرضه من العراق إلى اليمن، فعندما يفتح الباب تكون حلقة منه في العراق وحلقة منه في اليمن، يقول تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص:٥٠]، فهل هناك أحد يهرب من النعيم؟ لكن أبواب النار مؤصدة أي: مغلقة ومقفولة؛ لأن المعذب في النار يريد أن يهرب من العذاب فأبواب النار مغلقه؛ ولذلك يقول تعالى في سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣]، وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١]، الواو موجودة مع أهل الجنة، وغير موجودة مع أهل النار، لماذا هذا؟ نقول: الجنة محفوفة بالمكاره والمصاعب والحواجز، فالذي يتعدى الحواجز في الدنيا ويتغلب على المكاره، يكون الدخول سهلاً يوم القيامة، وتنتهي كل الحواجز والمكاره.
فالجنة حتى تصل إليها فهناك حواجز كثيرة وموانع، وأول مانع: عدم الصبر، قال الحسن البصري ﵁: الإنسان عدو للأمر، لو أمرنا الله بالجزع لصبرنا، ولكن أمرنا بالصبر فجزعنا.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، اصبر يا أخي على أذى المؤذين في الله.
стр. 391
من ثمرات الطاعة جلب الطاعة بعدها
الطاعة شجرة لها أغصان، ولها ثمار، فأول وأحلى ثمرة في الطاعة جلب الطاعة بعدها، فأنت عندما تأتي المسجد تقابل إخوانك وتقول: السلام عليكم، ثم إذا دخلت المسجد تبسمت في وجه أخيك على يمينك وشمالك يقول ﷺ : (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، فيكتب لك حسنة، وإذا جاء المسلم إلى الصلاة وانتظر الصلاة فهو في صلاة إلى أن تقام الصلاة، يعني: أنت قاعد في المسجد والملائكة تكتب لك حسنات وكأنك تصلي وأنت قاعد.
ثم بعد ذلك تصلي جماعة فينظر الله في قلب الإمام فإن وجده صالحاً قبل صلاته وصلاة من معه، فإن لم يجد قلب الإمام صالحاً نظر في قلوب المأمومين، فإن وجد بينهم صالحاً قبل صلاة الجميع من أجله، فإن لم يجد بينهم رجلاً صالحاً، قال: يا ملائكتي! أرأيتم عبادي وقد اصطفوا يصلون من أجلي كما تفعلون؟ أشهدكم أني قبلت صلاتهم، وغفرت ذنوبهم، ورضيت عنهم ما أكرمك يا رب! ثم بعدما ينتهي من الصلاة جلس للاستماع إلى الدرس، وعند ذلك يفاخر الله بك ملائكته قائلاً: يا ملائكتي! أنظرتم إلى عبادي وقد أدوا الفريضة وينتظرون أخرى؟! يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت لهم! فمن ثمرات الطاعة عمل طاعة أخرى بعدها! جاء رجل إلى علي بن أبي طالب وقال له: عندي داء عضال فما دواؤه قال له: ما داؤك؟ قال: دائي البعد عن الله، قال: عليك بورق الصبر، وعروق التواضع، وماء الحب لله وضعه في إناء الخشية، وأوقد عليه بنار الحزن، وأنزل عليه ماء الخوف من الله، ثم تمضمض بالحزن والورع، وأبعد نفسك عن الشره والطمع، تشف من مرضك بإذن الله.
فهذه وصفه صعبة جداً، لكن ليجرب الواحد منا هذه الوصفة من الصيدلية الإلهية، اللهم اشفنا من أمراضنا الظاهرة والباطنة يا رب العالمين!
стр. 392
من ثمرات الطاعة بهاء الوجه
كذلك من ثمرات الطاعة: بهاء في الوجه.
تنظر إلى المطيع وإلى الشاب الصالح تقول: يا أخي! الواحد يحب أن ينظر إلى هذا الوجه الذي فيه نور الإيمان، لكن انظر إلى الولد المرمي في النادي طوال اليوم ترى شكله والعياذ بالله مثل الكلب تجده بحاجة إلى من يجره ويضع له رخصة: لا إله إلا الله، عاش في موسيقى وقطع صلاة ومحرمات، ترى على وجهه القترة والغبرة، لكن انظر إلى العبد الصالح تجده بشوشاً، وكلامه هادئ، وهو لطيف متواضع، سلس سهل، راضٍ قانع، غير غضبان، فبهاء الوجه من ثمرات الطاعة ورقة القلب، والإقبال على الله، والمحبة في قلوب الناس، فمن اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوه.
جاء أعرابي إلى مجلس رسول الله ﷺ وكان العرب أهل فراسة فنظر إلى رسول الله وقال: أشهد أن هذا ليس بوجه كذاب، هذا إنسان صادق، ولذلك لقي الأعرابي الرسول وبيده ضب فقال: كيف حالك يا محمد؟ قال له: بخير حال، ألا تسلم يا أعرابي، قال له: ومن يشهد لك؟ قاله: صحابتي، قال: لا؛ لأنهم يحبونك، فقال له: الضب الذي في يدك، فنظر إلى الضب وجده يقول بلسان عربي مبين: أشهد أنه رسول الله! ولقي النبي ﷺ أعرابياً آخر وقال له: ألا تسلم يا أعرابي؟ قال له: ومن يشهد لك؟ فقال له: هذه الشجرة، ثم أمرها بأمر الله أن تأتي، فجاءت، ثم قال لها: عودي إلى مكانك بإذن الله، فقال: أشهد أنك رسول الله، فهذه المعجزات الحسية؛ وهذه أحاديث صحيحة، والرسول لا يحتاج إلى شهادة أكبر من شهادة الله له، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
стр. 393
وصف نعيم الجنة
إذاً: الجنة الذي يريد أن يدخلها لابد أن يجتاز الحواجز، قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣]، الواو في سياق ذكر الجنة، فلابد أن يصبر المسلم على المصاعب، فيصبر على امرأته وعياله، ويصبر على جاره، ويصبر على رئيسه، ويصبر على الدولة، ويصبر على أهل السوء، فهذه كلها مصائب، قال تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] فهي تأخذ وقتاً في الفتح؛ لأن هناك مكاره؛ لأن الجنة لما قالت: قد كثر حريري وإستبرقي وقصوري ونوري وحوري وأنهاري وأشجاري وأطياري، فأرسل إلي عبادك المؤمنين، قال: لك كل مؤمن ومؤمنة لا يشرك بي شيئاً، ويؤمن بيوم الحساب فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال الله : طوبى لك منزل الملوك! يقول ﷺ : (إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض) فكل منا لابد أن يحن إلى جنة الرضوان، ولذلك كان عمار يقول يوم وقعة صفين: اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه أما أهل النار فيقول الله فيهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧١]، أي: على الباب ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] يعني: هو يمشي وفجأة فتح الباب فيرمونه فيها، ثم بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢].
أما المؤمن فهو في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، آمن يوم الفزع؛ لأنه كان خائفاً في الدنيا، وإن الله لا يجمع علينا أمنين ولا خوفين، من أمنه في الدنيا أخافه في الآخرة، ومن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة، اللهم أخفنا منك في الدنيا، وأمنا يوم القيامة يا رب العالمين! مفتاح الاستعداد للآخرة: قصر الأمل، فطول الأمل هذه مصيبة تجد العبد يؤمل إلى ما بعد عشرين أو ثلاثين سنة، سيدنا أسامة بن زيد اشترى فصيلاً من الإبل، فقال له الرسول: (ما هذا يا أسامة؟ قال: هذا فصيل اشتريته لشهرين، فقال: أتعجبون من أسامة؟! إن أسامة لطويل الأمل) اشتراه على سداد شهرين وإذا به طويل الأمل! فلابد أن يكون عندنا قصر في الأمل، فتشعر أنك ضيف، والضيف لابد أن يمشي، وأنه سوف يعود إلى وطنه، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]، ارجعي إلى مكانك الأصلي.
إذا كنت مؤمناً وأغضبتك زوجتك أو شتمتك قالت الحور العين من زوجاته في الجنة: ويحك! عما قليل سوف يحل عندنا فيرى كل النعيم، فلا يسمع قلة أدب، ولا يسمع لساناً بذيئاً.
وقد جاء في وصف الحور العين أنها لو بصقت في البحر الملح الأجاج لحولته عذباً فراتاً، ولو أخرجت طرف أصبعها في الليل البهيم لأحالته نهاراً مشرقاً، يرى المؤمن وجهه في صفحة خدها، تقول الحور العين: (نحن الناعمات فلا نبأس أبداً، الراضيات فلا نسخط أبداً، الخالدات فلا نموت أبداً، المقيمات فلا نظعن أبداً، فطوبى لمن كان لنا، وطوبى لمن كنا له)، ويقول سيدنا الحبيب: (لولا أن الله لم يكتب الموت على أهل الجنة لماتوا من حلاوة صوت قعقعة الجنة)، يعني: صوت الضرب على باب الجنة، والله أعد في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
كذلك في قصور الجنة أبواب، الباب الأول يدخل عليك منه زوجتك من الحور العين، والباب الثاني: يدخل منه الملائكة، وقبل ما يدخلون يستئذنون عليه: يا ولي الله! معك هدية من عند الله سبحانه.
الباب الثالث: يدخل عليك منه الغلمان والخدم، قال الله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩]، فالخدام مثل اللؤلؤ في الجمال.
الباب الرابع: تدخل أنت منه على الله رب العالمين، يدخل عليك الملك ببطاقة مكتوب فيها بحروف من نور: عبدي اشتقت إليك، فيطلب المولى منك الزيارة، وبينما هم ذاهبون لزيارة الله تعترضهم السحاب فتمطر عليهم مسكاً رائحته من أطيب الطيب، ثم يقول الله : يا ملائكتي! هؤلاء هم جيراني وعبادي، وأهلي، ووفدي، أكرموهم، وأطعموهم، فتطعمهم الملائكة فيقول الله: هل أطعمتموهم؟ فيقولون: نعم يا رب! قال: اسقوهم، فتسقيهم، ثم يقول: اكسوهم وطيبوهم، فتأتي السحاب وترش عليك مسكاً مرة أخرى، ثم يقول الله: عبادي حرموا على أسماعهم الخنا في الدنيا فأنا أعوضهم، قم يا عبدي داود ورتل عليهم الزبور، وكان صوت سيدنا داود جميلاً في الدنيا، حتى إنه من جماله يردد وراءه الطير والجبال، قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠]، ولذلك سيدنا الحبيب سمع أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن ويصلي وحده فلما انتهى من صلاته قال له: (يا أبا موسى! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، قال: لو كنت أعلم أنك تسمعني لحبرته لك تحبيراً، أي: لكنت حسنت صوتي، انظر إلى حنان الحبيب مع الصحابة، وحب الصحابة للحبيب، اللهم لا تحرمنا من رؤية وجه الحبيب في الجنة.
فأهل الجنة إذا سمعوا الغناء كادوا يفقدون وعيهم فيقول: يا عبادي! هل سمعتم أفضل من ذلك؟ فيقولون: لا يا رب وعزتك وجلالك ما سمعنا أفضل من هذا، فيقول: وعزتي وجلالي لأسمعنكم أفضل منه، فيقول لحبيبنا محمد: رتل عليهم سورة طه، وتخيل أنك تسمع الحبيب المصطفى يرتل، ثم يقول الله: هل سمعتم أفضل من هذا؟ فيقولون: لا وعزتك، فيقول الله: وعزتي وجلالي لأسمعنكم أجمل وأفضل من هذا، ثم يكشف رب العباد عن وجهه لعباده ويرتل سورة الرحمن، ثم بعدما ينتهي يقول: يا عبادي! هل سمعتم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وعزتك وجلالك ما سمعنا أفضل من ذلك، ثم يقول: سوف أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: يا رب! وهل هناك أفضل من ذلك؟! قال: سوف أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، وذلك تفسير قول الله : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢].
اللهم ارض عنا، اللهم ارض عنا، اللهم ارض عنا، اللهم إن لم ترض عنا فاعف عنا، اللهم إن لم ترض عنا فاعف عنا، اللهم إن لم ترض عنا فاعف عنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
نقول جميعاً: تبنا إلى الله! تبنا إلى الله! تبنا إلى الله! ورجعنا إليه، وندمنا على ما فعلنا، وعزمنا عزماً أكيداً على أننا لا نخالف أمراً من أوامر الله، وبرئنا من كل دين يخالف دين الإسلام، والله على ما نقول وكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 394
سلسلة الدار الآخرة_ما هي أسباب دخول الجنة ؟
الدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء على هذا العمل، وكل إنسان مسئول عن عمله في هذه الدنيا، ومحاسب بمفرده، فإن عمل خيراً فله البشرى والنعيم المقيم، وإن عمل غير ذلك كان من الهالكين، والعياذ بالله.
стр. 395
كل إنسان محاسب عن نفسه
نحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: هذه بمشيئة الله هي الحلقة الرابعة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الثالثة في الجنة، عسى رب العباد أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
اللهم لا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، ولا تدع لنا في هذا الجمع الطيب ولا في هذه الليلة العظيمة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم فك الكرب عن المكروبين، واقض الدين عن المدينين، ويسر حاجتنا وحوائج المحتاجين.
اللهم لا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا.
اللهم يا مولانا! إننا مقهورون فانصرنا، وذليلون فأعزنا، وتائهون فأرشدنا، ومشتتون فاجمعنا، وأصحاب شهوات فتب علينا.
اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم من أراد بمسلم كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، ولا تجعل يا مولانا! للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
اللهم إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا، فارحمنا فإنك بنا راحم، لا تعذبنا فأنت علينا قادر.
اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم لا تحرمنا من دخول الجنة، وزحزحنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم اسقنا من يده الشريفة شربة من حوض الكوثر لا نظمأ بعدها أبدا.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب! تسليماً كثيراً.
إن لكل شيء مفتاحاً، وإذا ولج الإنسان باباً أو أراد أن يلج باباً فلا بد له أن يحصل على هذا المفتاح الذي يستطيع به أن يفتح الباب، وأهم المفاتيح هو مفتاح الدخول على الله ، وهو الذلة والمسكنة لله، وعدم التكبر على عباد الله، حتى قال بعض الصالحين: يا ابن آدم! لا تغتر برؤية الصالحين، فلم يكن هناك أفضل من رسول الله ﷺ ، ولم ينتفع به بعض أقاربه كـ أبي جهل وأبي لهب وأبي طالب.
وقد قال الحبيب ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد! خذي من مالي ما شئت، واعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً) فكل إنسان مكلف بعمله وأبو لهب يقول فيه القدير سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
وسلمان الآتي من آخر بلاد فارس يقول فيه الحبيب ﷺ : (سلمان منا آل البيت).
ويقول ﷺ (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
стр. 396
بيان عظمة الله
والله ينادي خلقه يوم القيامة بنداء يسمعه القاصي كما يسمعه الداني، ويسمعه البعيد مثل القريب، فيسمع نفس الصوت، لأن صوت الله الصادر من الله جل في علاه، لا يرتفع باقترابك منه، ولا ينخفض بابتعادك عنه؛ لأن هذا قانون الزمان والمكان، وهو لا يحكم من خلق الزمان والمكان.
ولما سئل الكليم وقالوا له: أن ربنا هو الذي يكلمك بقوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]؟ فقال: عرفت من شيء واحد، وهو أني كلما اقتربت أو ابتعدت ما ازداد الصوت ولا نقص.
والحسن البصري ﵀ يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وأحاديث الصفات مثل قوله: (حتى يضع الرحمن فيها أصبعه، فتقول: قط قط، بعزتك قد امتلأت، وينزوي النار بعضها إلى بعض)؛ خشية من غضب الجبار سبحانه: سبحان الذي استوى على العرش، بالطريقة التي قال، وعلى الوجه الذي أراد، لا العرش يحمله ولا الكرسي، بل العرش وعظمته والكرسي وحملته كل محمول بقدرته وفي قبضته.
فلا يحاط به ولا يحده زمان ولا مكان، فهو قبل خلق الزمان والمكان، على ما كان كيف كان، لا يدري أحد كيف كان إلا من خلق الزمان والمكان.
وكل ما خطر ببالك، فالله بخلاف ذلك، لأن العقل والفكر والحس محدودة، ولا يدري قدرة الله إلا القادر الحكيم سبحانه.
فلا إله إلا الله.
стр. 397
بيان شدة حب الصحابة لرسول الله ﷺ
وقد كان هوى الصحابة تبعاً لهوى رسول الله ﷺ امتثالاً لقوله ﷺ : (لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).
وقد قال سيدنا عمر للعباس لما من الله عليه بالإسلام: والله يا عم رسول الله! لإسلامك أحب إلى قلبي من إسلام الخطاب أبي.
قال: لأن إسلام أبي يدخل السرور على قلبي، وإسلامك يدخل السرور على قلب رسول الله ﷺ ، وسرور الرسول ﷺ أفضل من سروري، فانظر إلى الإيمان بالله، فهو يريد أن يدخل السرور على قلب الحبيب ﷺ ويقول: إسلام العباس يفرح به الحبيب ﷺ جداً، حتى قال أبو بكر: وددت أن يسلم أبو طالب ولا يسلم أبو قحافة.
وهذا نفس المنطق، وانظر إلى هذا الكلام، وهذه مشاعر عالية جداً، نسأل الله أن يجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 398
مكانتك عند الله على قدر عملك
قال أهل العلم: إن أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك.
أي: إذا أردت أن تعرف مكانتك عند الله فانظر فيما أقامك، يعني: إن أقامك كل يوم في الخمس الصلوات في المسجد فهذه نقطة جيدة، وإن أقامك لتخرج زكاة مالك وتفرج الكرب عن المسلمين وتبتسم مع الناس وتلين لهم الكلام، وتقوم الليل ولو قليلاً بقراءة القرآن فهذا جيد.
وقد أقامك الله فيما يريد وفيما يحب، فأنت مقامك عند الله كبير.
ولكن الذي يقوم يطبل وراء رقاصة فهذا قد أقامه الله في شر مقام، واحد ربنا أقامه يخرج في حفلات ليلية، فأقامه في شر مقام.
стр. 399
الأدب مع الله
والجن كانوا مؤدبين في قولهم: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] وأنا أريدك أن تفهم وتتدبر كلام الله هنا، فأريد مبني للمجهول، وكأنما خاف الجن أن ينسبوا الشر لله ، فقالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، ولما أتوا بالرشد ذكروا الله ، فانظر إلى الأدب في الكلام.
وقد تعلمنا من الخليل الأدب، فقد قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، ولم يقل: والذي إذا أمرضني، وهذا من الأدب.
وانظر إلى الرجل الصالح صاحب سيدنا موسى ﵇ الذي علمه فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فقال: (أردت أن أعيبها) ففي العيب أتى بالإرادة ونسبها إلى نفسه، وفي اليتيمين قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فالخير نسبه إلى الله، والشر نسبه إلى نفسه، وهكذا المؤمن مؤدب وسيدنا أبو بكر استفتي في فتوى فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان حسناً فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن الشيطان ومن نفسي، وهذا من الأدب.
ومن الأدب في الدعاء: يا رب! إن عذبتني فبعدلك، وإن رحمتني فبفضلك.
اللهم عاملني بفضلك ولا تعاملني بعدلك.
وهكذا كان الصاحون يدعون، وربنا لا يظلم، وحاش لله أن يظلم، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، فإن عذبتني فهذا بمحض العدل؛ لأنك عادل، وأنت الحكم العدل، وإن رحمتني فبفضلك، فعاملني بفضلك ولا تعاملني بعدلك.
стр. 400
بيان عظم نعم الله علينا
ودروس العلم سواء في الدار الآخرة أو في غيرها هي من أعظم الهدايا والنعم التي أنعم الله بها علينا، وأعظم نعمة أنعم الله علينا بها هو أن أخذ بأيدينا إلى طريق الخير، ولنفرض جدلاً أن حاكماً من الحكام أو مسئولاً من المسئولين أهدى لك هدية، فهذه الهدية أنت تنظر لها من ثلاث زوايا: أولاً: من ناحية الهدية في ذاتها: أنها على قدر حال المهدي، فحين أهدي لك طاقية أو سواكاً أو قلماً تكتب به فهذا على قدر حالي، وهو الذي أستطيعه، ولكن الواحد من كبار المسئولين يعطيك على قدر حاله، فقد يعطيك قلم ذهب بخمسمائة جنيه، فكل هدية على قدر مهديها.
وثانياً: أنه فكر فيك ولم ينسك، وأهدى لك لأنه يحبك، وهذه نعمة ثانية.
وثالثاً: تقول: والله بقي أن أكتب له بهذا القلم جواب شكر، فأنت تريد أن تشعر نفسك بالمنة، فتكتب له جواب شكر بالقلم، ولله المثل الأعلى.
فالبشر يهديك حطاماً من حطام الدنيا، وأما الله فيهديك أعظم هدية وهي الهداية نفسها، فيهديك إلى درس العلم، وإلى سورة تحفظها من القرآن، وإذا حفظ الرجل القرآن وظن أن أحداً أعطي خيراً منه، فقد استقل نعمة الله عليه.
وفي إحدى البلاد القريبة للقاهرة كان هناك مسيحي نصراني ثري، فجلس مسلم يكلمه عن الإسلام وحلاوته وعظمته، وجمال القرآن وحلاوته وسيرة الحبيب المصطفى ﷺ ، فتفتحت أذنه وانقطع عن الكنيسة، فبعثوا له ثلاثة من القساوسة، فجاءوا إليه وقالوا له: ما الذي أغضبك منا؟ فقال: بصراحة الإنجيل هذا فيه حاجات لا تعجبني، فقالوا: كيف؟ هذا لا يعقل، هذا كتاب الرب.
فقال: هاتوه، فأتوا بالأنجيل، ففتحه وقال: هذه الحكاية لا تعجبني فاشطبوها، فشطبوها، فقلب الصفحة الذي بعدها وقال: هذه الآية أيضاً نشطبها، فجلسوا يشطبون؛ فقال: انتظروا، وخرج إلى رجل مقرئ لا يؤبه له، فدعاه ليقرأ سورة مريم، فخاف وهو يرى القساوسة أمامه، فقال له: اقرأ يا أخي! يمكن ربنا يهدينا، فقرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم:١ - ٢]، حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤].
فقال الرجل: هذه الآية: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] لا تعجبني، فقال القارئ: يعني ماذا؟ فقال له: نشطبها ونعطيك خمسين ألف جنيه، فقال القارئ: امشوا من هنا.
وهذه القصة حصلت والله، ودخل في دين الله.
فقارئ القرآن لا يقدر أن يفرط في القرآن ولا في آية ولا حتى في حرف؛ لأن هذا مثال مصداق لصحابة رسول الله ﷺ ؛ لأن الصحابة هؤلاء كانوا متمسكين بالقرآن والسنة بأيديهم وأسنانهم، لا يزحزحهم عن كتاب الله شيء.
إذاً: إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما أقامك، فإن كانت أغلب أوقاتك لله رب العالمين فاعرف أنك على الحق، فإن لقيت أوقاتك قد ضاعت في غير ما يرضي الله ولقيت أحب الناس يعرض عنك بعد أن كان حبك قد تسرب إلى قلوب الناس فابحث لك عن قلب فإنه لا قلب لك.
اللهم أحي موات قلوبنا يا رب العالمين! اللهم لا تحرمنا من دخول الجنة يا رب العالمين! اللهم اجعلنا من أصحابها يا رب!
стр. 401
بيان حقارة الدنيا وضعف كيد الشيطان
والله يقول للجنة: (طوبى لك منزل الملوك) والرجل المتربة يصير ملكاً في الجنة؛ لأن الجنة لا حزن فيها ولا ألم ولا أسى ولا لغو ولا بلايا.
والدنيا دار بلاء لا دار جزاء، والله ما نظر إلى الدنيا منذ أن خلقها، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء، والدينا يكفينا منها أن فيها الحزن على الماضي، والخوف من المستقبل، وفيها إبليس، وإبليس يعد الناس الفقر، ويأمرهم بالسوء والفحشاء، وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وقد سئل الحسن البصري: ماذا تصنع مع الشيطان؟! فتبسم وقال: وما الشيطان؟ لقد أطيع فما نفع، وعصي فما ضر.
وربنا قال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، والله سبحانه لم يجعل له سبيل إلا على الذي قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم والعياذ بالله.
стр. 402
بيان طريق الجنة
وإن الطريق إلى الجنة طريق واحد، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن:١٦]، وقال الرسول ﷺ : (تركتكم على المحجة البيضاء)، وهو الطريق الممهد الواحد، (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك) فالرسول ﷺ تركنا وقد وضح لنا الأمور.
والمرأة الأوروبية عالمة الفلك الألمانية الشهيرة التي أسلمت في سنة خمسه وستين قالت: عجبت لنبيكم محمد، ما ترك شيئاً إلا ووضحه لكم وبينه! حتى آداب دورة المياه قد حدثكم عنها! فقال: ادخل بالرجل الشمال، واستعذ بالله، واقعد من ناحية الشمال، ونظف جيداً، ثم توضأ، فتخرج طاهراً، ولا تتبول في شقوق الأرض، فالرسول ﷺ يخاف عليك إلى هذه الدرجة، وهو أحن عليك من أبيك وأمك، فقال: (لا تتبول في شقوق الأرض)، خوفاً من أن يكون فيها حشرات أو شيء يضرك، ولا في الأرض الصلبة؛ حتى لا يرجع الرشاش عليك وينجس ثيابك، فهو يخاف على ثيابك.
فهذا حنين قوي، وقد قال الله له: يا محمد! أنجعل إليك حساب أمتك؟ قال: يا رب! بل أكلهم إليك، فأنت أرحم بهم مني.
فيا شقاء من ابتعد عن حنان الحبيب المصطفى! وقد كان إذا أراد أن يؤدب خوف بالسواك، وقد خدم أنس النبي ﷺ عشر سنين يأتي له بوضوئه وما يحتاج إليه، وعبد الله بن مسعود كان يحمل نعل رسول الله ﷺ ، فعندما كان يغضب الرسول ﷺ من أنس يقول: يا أنيس! ويهز له السواك هكذا، لولا مخافة القصاص يوم القيامة لأوجعتك ضرباً بهذا السواك.
ولما بعث رسول الله ﷺ أنساً إلى السوق ليشتري أقطاً -وهو مثل الجبنة، واللبن الرايب الناشف- فذهب فوجد في الطريق صبياناً يلعبون فجلس يلعب معهم فضاع منه المال، فخاف الرسول ﷺ أن يكون قد تاه، وهو أمانة عنده، فأمه أتت به ليخدم الرسول ﷺ ، ويتعلم منه العلم، ويرق قلبه، فذهب يبحث عنه فوجده يلعب مع الصبيان، فأمسكه من قفاه، وقال: (يا أنيس؟! أين الأقط؟) فارتبك أنس وخاف، وقال له: إنه ضاع منه المال، فقال رسول الله ﷺ : يأتي الله بخير منها يا أنس! فأكمل لعبك واتبعني إلى البيت.
فلماذا لا نتعلم الأدب من أستاذ الأدب؟ فهو هنا يقول: أنت أرحم بهم مني، فإذا بالعلي القدير يقول: يا جبريل! نبئ محمداً وقل له: إننا لن نخزيه في أمته أبداً، فهذه أمثلة لرحمته ﷺ ، والله أنعم علينا بهذه النعم: نعمة الهداية، ونعمة مجالس العلم، ونعمة القرآن، فننظر إليها على أنها نعمة من المنعم المتفضل سبحانه، ونستخدم هذه النعمة في إرضائه ، وأين ما يهديه إليك البشر مما يهديه إليك رب البشر؟ ولو جاء عبد من عباد الله إلى باب أحد منكم يسأله فلساً أو فلسين لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاها له، وأمة محمد ﷺ فيها خير وهي مثل المطر، لا يدرى الخير في أولها أم في آخرها؟ فلا طريق إلى الجنة إلا طريق واحد، وهو طريق كتاب الله وسنة حبيبه ﷺ .
стр. 403
إغواء الشيطان لآدم في أكل الشجرة
قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، فكلها حلال ما عدا هذه الشجرة، والذي يشرب الخمر -ربنا يعافينا وإياكم- عنده ألف مشروب حلال، ولكنه يأتي إلى الحرام ويعمله، وربنا ما حرم شيئاً إلا وأعطاك بديلاً حلالاً، فحرم الفواحش وأعطاك الزواج، وحرم الربا وأحل البيع، وحرم الخمر وأحل كل المشروبات الباقية، وحرم الميتة ولحم الخنزير وأحل لحوم كل الحيوانات، ما عدا السباع فما حرمه الله قليل، وهذا نفس قضية أبينا آدم، فقد قال له الله: كل مما تريد أنت وزوجتك إلا هذه الشجرة، وكل شيء على الحل والإباحة، إلا ما جاء نص بتحريمه، فجلس أبونا آدم وأمنا حواء في هذه الجنة، ووسوس إليهما الشيطان، فأتى إبليس هو أول حسود وحاقد ومتكبر إلى أبينا آدم من مدخل غريب فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠].
يعني: لو أكلت يا آدم! أنت وحواء من هذه الشجرة حصل لكما واحدة من اثنتين: فإما أن تكونا ملكين من الملائكة، وكل إنسان فينا يتمنى أن يصير ملكاً، وعندما تجد شخصاً فاضل الأخلاق متواضعاً في ألفاظه طيباً ودوداً تقول: فلان هذا ملك، ولذلك صويحبات يوسف: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١]، أي: من شكله ومن حيائه؛ لأن المتبجح تلقاه شيطاناً، ولكن المؤمن حيي، وقد رأى رسول الله ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان)، فالذي عنده إيمان عنده حياء، والذي ليس عنده حياء ليس عنده إيمان، والمرأة الموظفة التي تلبس إلى ركبتها وتجلس واضعة رجلاً على رجل وسط الموظفين وزميلها يولع لها السجارة ليس عندها حياء وإيمان.
وقد كان عند بناتنا حياء العذارى، فلو سمعت طلبها للزواج احمر وجهها وهربت إلى غرفتها وجلست تبكي.
والحياء ثمرة من ثمار الإيمان، فالإنسان الحيي مؤمن، والإنسان الذي ليس عنده حياء شيطان.
قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] يعني: تخلد فلا تموت، وكلنا نحرص على الحياة، ونريد أن يمتد بنا الأجل.
قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف:٢١] حلف لهما وأقسم لهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١].
وقد قال ابن سيدنا آدم لأبيه آدم: يا أبت! أتطيع الشيطان وتعصي الرحمن، قال: يا بني! ما ظننت أن أحداً يقسم بالله كاذباً.
واليوم الواحد يحلف ويحلف وهو يعلم أنه كاذب، وهذا القسم والعياذ بالله هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله، ولا كفارة لها.
فإبليس دخل إلى أبينا آدم وأمنا حواء الجنة، وحلف لهما إذا أكلا من الشجرة فسيخلدان، فبدت لهما سوءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨] أي: أنزلوا إلى الأرض منها ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣].
стр. 404
الأدلة على أن الجنة التي كان فيها آدم ليست جنة الرضوان
والجنة التي دخل فيها أبونا آدم ليست هي الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، ولنا خمسة عشر دليلاً على ذلك، منها على سبيل المثال: كيف إبليس يدخل الجنة، وكيف يطرد أبونا آدم منها، وجنة الرضوان التي وعد المتقون لا يعصى الله فيها؟ فجنة الخلد التي وعد المتقون لا يدخلها الشيطان، وهذه الجنة دخلها الشيطان، وجنة الرضوان التي يدخل الله فيها عباده لا حزن فيها ولا كآبة، وأبونا آدم لما أكل من الشجرة حزن وندم، والندم هذا ألم نفسي، والجنة لا حزن فيها.
والجنة التي وعد المتقون ما هم منها بمخرجين، ولكن آدم أخرج وحواء من الجنة.
وهناك أدلة أخرى من الكتاب والسنة تدل على أن هذه الجنة التي دخلها أبونا آدم وأمنا حواء ليست جنة الرضوان، إنما هي جنة أخرى فيها جميع مقومات الحياة، من أكل وشرب، وليس فيها شغل ولا تعب ولا حاجة وهذا كما إذا جاءك ضيف ووضعت له الأكل والشرب في الثلاجة وقلت له: انظر هذا هو البوتجاز، وهذه الثلاجة، وهذا الماء، وهذه دورة المياه، وهذه الفوطة، وهذه السجادة، ثم تركته وقلت: قد عملت له كل الفروض التي يستطيع أن يقيم بها حياته.
هذه هي النقطة الأولى.
والنقطة الثانية: يقول سيدنا رسول الله ﷺ من فرحته بنا: (لكظيظهم على أبواب الجنة أحب إلي من شفاعتي)، والشفاعة هي فخر للرسول ﷺ ، وهي المقام المحمود، ورغم ذلك يقول: أنا فرحتي بزحمة أمتي على أبواب الجنة أحسن لي وأحب لي من الشفاعة؛ لأن ثمرة الشفاعة دخول الجنة، والثمرة أحسن من الفعل.
وأنت عندما تجد المساجد مزدحمة، والناس بعضهم يصلون على ظهر بعض، ومزدحمين عند الباب في الدخول وفي الخروج تفرح؛ لأن هذه صورة من صور رحمة الله سبحانه، لأنه كلما كثر العدد كثر احتمال وجود صالح، ونظرية الاحتمال أو الاحتمالات تقول: لو كثر العدد كثر احتمال وجود صالح أو صالحة يستجاب الدعاء من أجله.
وحج عطاء بن أبي رباح فلما كان في الموقف نظر إلى الناس وقال: لولا أن عطاء بينكم لقبل الله أهل الموقف، فنام عشرة من المريدين في هذه الليلة في مزدلفة فرأوا في النوم أن القيامة قد قامت، ومناد ينادي: قد قبل الله أهل الموقف في هذا اليوم من أجل عطاء بن أبي رباح.
стр. 405
بيان أن أصحاب كل عمل يدخلون الجنة من باب
وكل صنف يدخل الجنة من باب، ولهم قائد يقودهم، فالمجاهدون في سبيل الله أو الشهداء سيدخلون من باب الشهداء يقدمهم الحمزة بن عبد المطلب أمامهم رافع الراية، وكل شهيد يمشي وراء حمزة، وقد سئل الرسول ﷺ أصحابه: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من استشهد في سبيل الله يا رسول الله! قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، الشهداء سبعة: الحرق والغريق وصاحب الهدم والمبطون والمطعون والمجاهد في سبيل الله والمرأة تموت بجمع).
فالحرق هو: الذي مات محروقاً، كأن احترق عليه البيت بدون قصد، والغريق: الذي مات غرقاً، والمبطون: الذي مات من استقاء أو من مرض خبيث أو سرطان أو غيره، اللهم اشفي مرضانا ومرضى المسلمين، فيصبر كل مريض على ما ابتلاه الله به.
والمرأة تموت في نفاسها، فكل هؤلاء شهداء، والحمد لله.
والشهداء درجات.
قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠].
فالإنسان الذي يصلي ويؤدي حقوق الله ويتقي الله ويحصل له هذا الابتلاء يكون شهيداً.
وأما شخص لا يصلي ولا يصوم ثم تقول: مات المرحوم، فمن أعلمك أنه مرحوم؟ فأنت كذاب تتألى على الله، فمن أعلمك أنه قد ﵀؟ فهل أعطاك ضماناً أو آتاك جواباً؟ فقل: ﵀ في الدنيا والآخرة.
وأما المرحوم أو المغفور له فلان الفلاني وكتابة ذلك على الجبانة هكذا أو على الضريح أو على المقابر فلا.
стр. 406
فضل الشهادة في سبيل الله
والشهيد يبعث يوم القيامة جرحه يشخب دماً، اللون لون دم، والريح ريح مسك، ومن لم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق.
يعني: كأن تقول في نفسك: لو أنهم ينتدبوننا لنحرر بيت المقدس، ونحارب ونخرج الاستعمار من البلدة الفلانية المسلمة.
فهذا حديث النفس، أن تحدث نفسك بالجهاد، وهذا أمر مهم، فيجب أن تحدث نفسك بالغزو، فمن مات ولم يغز أو يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق.
ومن خرج ليتعلم العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، وسيدنا أنس بن النضر ﵁ يقول: والله إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد، وصحابي آخر يقول: يا رسول الله! إن قاتلت صابراً محتسباً فقتلت، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فقال: عجباً، ثلاث تمرات تؤخرني عن دخول الجنة! فرمى بهن ودخل في سبيل الله مقاتلاً محتسباً، فرزق الشهادة.
ومن رابط في سبيل الله ليلة حرم الله عليه النار.
وسيدنا أبو هريرة خرج ليلة فبحث عنه الصحابة فلم يجدوه، ثم جاء في الفجر إلى الجامع فسألوه: أين كنت يا أبا هريرة؟! فقال: كنت أحرس حدود المدينة.
وفي الجنة باب يسمى باب الريان يدخل منه الصائمون، وباب للعلماء وقائدهم سيدنا معاذ بن جبل ﵁، فهو حامل راية العلماء يوم القيامة، وهذا تشريف عظيم، فهو ليس إمام العلماء من أمة محمد ﷺ ، بل والعلماء من جميع الأمم يأتون تحت راية معاذ بن جبل ﵁.
وللصابرين باب، ويأتون تحت قيادة سيدنا أيوب ﵇.
стр. 407
فضيلة أبي بكر الصديق ﵁
والرسول ﷺ جلس يبين الأبواب، هذا باب كذا وهذا باب كذا وهذا باب كذا، فسيدنا أبو بكر سأل سؤالاً: يا رسول الله! هذه الأبواب هل هناك منادون واقفون عليها؟ قال: نعم.
وهذا النداء ليس إزعاجاً، وإنما نداء من العلي الأعلى.
فقال أبو بكر: وهل هناك من ينادى من الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر.
ورسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
فقال أبو بكر: ما أعجب وما أحلى وما أجمل هذه الآية يا رسول الله! فقال: إن أحد أمتي يناديه الله بها يوم القيامة على رءوس الأشهاد، فقال له: من؟ قال: أنت يا أبا بكر! وعمر أول من يأخذ كتابه بيمينه، وأما أبو بكر فلا يقف لحساب، وإنما يدخل الجنة بدون حساب، وأبو بكر تناديه النار وهو مار على الصراط: يا أبا بكر! أسرع بالمرور من فوقي فإن نورك طغى على ناري.
وقد كان أبو بكر يقول: لو كانت إحدى قدمي داخل الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
стр. 408
صفة درجات الجنة
وعدد الجنات ثمان، وأبواب الجنة أيضاً ثمانية، الدرجات التي في الجنة جاءت فيها روايتان، رواية الإمام مسلم: (أنها مائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض) فكلما تطلع درجة تعلو جنة؛ لأن الجنات بعضها فوق بعض، وكلما تطلع تجد الباب وقد اتسع، والملك وقد عظم.
والمؤمن من فضل الله أن له عند الله جنتين، كما قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقد قلنا: إن الإنسان عندما يولد يكتب الله له مكاناً في الجنة ومكاناً في النار، فإن أطاع الله أخذ مكانه في الجنة، ويأخذ أيضاً جنة الكافر ويرثه في جنته، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠] والوارث هو الذي يأخذ شيئاً كان لغيره.
والرواية الثانية: عدد درجات الجنة كعدد آيات كتاب الله، فعدد آيات القرآن ستة ألف ومائتان وستة وثلاثون آية، وعدد حروفه ثلاث مائة وأربعون ألفاً ومائتان وخمسة وستون حرفاً، ونصفه الأول ينتهي عند الفاء من (فليتلطف)، التي في سورة الكهف.
يجاء بقارئ القرآن يوم القيامة العامل به ويقال له: اقرأ وارتق، فيقرأ حتى يأتي على آخر ما يحفظ من كتاب الله، فإذا كان قد حفظ الكتاب كله وعمل به قدر استطاعته قرأ إلى آخر سورة الناس، ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦].
فيجد نفسه قرب خير الناس في الفردوس الأعلى، وهذا كرم من الله عظيم؛ لأن قارئ القرآن لا يفضل عليه إنسان أبداً.
ولما أدخلت جنازتان إلى المسجد للصلاة عليهما، سأل رسول الله ﷺ : من كان حافظاً أكثر من الآخر، وجعل حافظ القرآن كله من ناحية الإمام، والثاني من ناحية القبلة، وهذا التفضيل في الصلاة على الميت، فحتى وهو ميت نكرمه ما دام حافظاً للقرآن عاملاً به.
وأرسل الرسول ﷺ بعثاً -يعني: جماعة- فقال: ليخبرني كل منكم ما يحفظ، فقال أحدهم: أنا أحفظ جزء عم، وقال الثاني: أنا أحفظ كذا، وقال الثالث: أنا أحفظ كذا، وقال الرابع: أنا أحفظ كذا، فقال صبي في الخامسة عشرة من عمره: أنا أحفظ البقرة وآل عمران، فقال: أنت أميرهم.
اللهم حفظنا القرآن جميعاً، وثبته في قلوبنا.
اللهم لا تجعله يتفلت من قلوبنا.
اللهم احفظ لنا الكتاب في قلوبنا يا رب العالمين! واجعلنا من العاملين به والتالين له آناء الليل وأطراف النهار.
آمين يا رب العالمين! وهاتان الروايتان في عدد درجات الجنة صحيحتان، ولا يعلم درجات الجنة وحقيقتها إلا من أعدها وصنعها لعباده.
اللهم لا تحرمنا من الدخول في هذه الدرجات يا رب العالمين!
стр. 409
من صفات أهل الجنة الخوف من الله تعالى
من صفات أهل الجنة الخوف، قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، يعني: خائفين من عذاب الله، ومن غضبه.
واحذر الغارات الأربع؛ لأنها تأتي فجأة، غارة ملك الموت على روحك، فلا يأتي إلا وأنت مستعد له.
وقد قال سيدنا موسى ﵇: يا رب! قبل أن تبعث ملك الموت فابعث لي قبله رسولاً يعرفني أنه سيأتي، ثم جاءه ملك الموت فسأله: لماذا لم تبعث لي رسولاً؟ قال: قد شاب شعرك، ورق عظمك، وانحنى ظهرك.
والغارة الثانية: غارة الورثة على مالك، فأنت تجمع لهم من اليمين ومن الشمال، ومن الحلال ومن الحرام، ومن كذب ومن زور ومن بهتان ومن رشاوى ومن فوضى، وفي الآخرة تحاسب عليه أنت وهم يستمتعون به، وقد كان سيدنا عمر يدعو قائلاً: اللهم إني أعوذ بك من مال يتمتع به ورثتي من بعدي وأحاسب أنا عليه في قبري.
فعلى الإنسان أن يوازن بين الأرباح والخسائر من ناحية الدنيا والآخرة.
الغارة الثالثة: غارة الدود على جسدك في القبر، ولو ظهرت رائحة الميت الذي مات قبل أربعة أو خسمة أيام فلن تستطيع أن تمر بجوار القبر.
الغارة الرابعة: غارة أصحاب المظالم على حسناتك يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، أي: في الدنيا كنا خائفين من هذه الغارات، فقد كنا خائفين من ملك الموت، ونخشى أن يرانا ربنا على معصية.
وفي الحديث: (يا أبا ذر! أخلص النية؛ فإن الناقد بصير، لا تخفى عليه خافية)، والمرأة عندما رفض جارها أن يعطيها مالاً إلا بعد أن تمكنه من نفسها ونظرت إلى العيال يبكون قالت: أغلق الأبواب، فغلقها، ثم أغلق النوافذ والفتحات وقال: لا يرانا الآن إلا الكواكب في السماء، فقالت: وأين مكوكبها؟ أي: ، فمراقبة الله في كل وقت.
ولو راقبت الله في كل وقت وجعلت في ذهني أن ربنا ينظر إلي فلن أكذب، ولن أسرق، ولن أقطب الجبين، ولن يخرج من لساني بذاءات، ولن أخطو خطوة إلى حرام، ولن أمد يدي إلى ما حرم الله، ولن أغتاب مسلماً أو أحقد عليه.
ونسأل الله سبحانه أن يجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاه، يا رب العالمين! وصفة أهل النار السرور، فقد كانوا دائماً أصحاب جلسات أُنس ونكت، والحسن البصري لما رأى شاباً معجباً بشبابه يضحك، قال له: يا بني! هل بلغك أنك وارد على جهنم؟ قال له: بلغني، قال له: وهل بلغك أنك قد نجوت منها؟ قال: لا، قال: فعلام الضحك؟!
стр. 410
بيان كيفية قراءة القرآن
وقد قيل: إذا قرأتم القرآن فاقرءوه بحزن، ولا تقرءوه بلحون أهل العشق والهوى، ولا بلحون أهل الكتاب.
يعني: كأنما أنزل عليك أنت، فعندما يلعن الظالمين فقل: يا رب! لا تجعلني منهم، وعندما يلعن الكافرين فقل: يا رب! لا تجعلني منهم، وعندما يلعن الفاسقين فقل: يا رب! لا تجعلني منهم، وإذا مررت بآية من آيات الرحمة فقل: يا رب! ارحمني.
وهكذا كانت صلاة الحبيب، فقد كان لا يمر بآية من آيات الرحمة إلا ويقف ويسأل، ولا يمر بآية من آيات العذاب إلا يقف ويتعوذ، وهكذا.
وأنت في قراءتك للقرآن تخيل وكأنه قد نزل عليك وحدك، فإذا قرأت القرآن بهذا المنطق فستكون خائفاً لا تنبسط كثيراً، فاقرأه بحزن؛ فإن القرآن نزل بحزن، ولا تقرأه بلحون أهل العشق ولا بالشعر.
стр. 411
فضل الاتباع
والمسلم قد جعل له ربنا جنتين، جنة بسبب خوفه من ربنا، والجنة الثانية بسبب ترك الشهوات والملذات وابتغاء رضوان رب الأرض والسماوات.
فمن الشهوات أن تملأ بطنك من الأكل، فاقلل منه، ومن الشهوة ومن الغريزة أن تنام كثيراً، فاقلل منه، ومن الشهوات ألا تزور عمك الذي تخاصمت معه، لكن من إرضاء الله أن تزوره وتصله.
وهكذا تأخذ الأمر مأخذ الجد، وتأخذ الأمر مأخذ التنفيذ العملي، وتقول: سمعنا وأطعنا، ولا تجادل؛ فإن الموضوع لا يحتاج إلى جدال، ولكن كما قال الصحابة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
اللهم ألحقنا بصحابة رسولك يا رب العالمين! وما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يرفع يديه إلى السماء ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) هذه في وراية مسلم، ورواية الترمذي يزيد عليها: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، إلا قال الله له يوم القيامة: عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت).
فأحسن وضوء الظاهر والباطن، وليس الأمر أن تغسل يديك بالصابونة وتجعل فيها رائحة معطرة وهي ترتشي، فهذه أنجس من اليد الملطخة بالطين وبالقار وبالقاذورات.
فإذا مددتها إلى ما حرم الله أو إلى إيذاء مسلم، فلست نظيف اليد، وقد قال الحبيب ﷺ : (لا بورك في يوم لم أزدد فيه من الله قرباً)، لأنه يوم ضائع، فإذا عملت خيراً زدت عند الله، وإن عملت شراً فإنك تنقص من رصيدك.
стр. 412
تحري الحلال
وإذا أخذت دانقاً بدون وجه حق فإن صاحبهما يأخذ منك ثواب سبعمائة صلاة مفروضة مقبولة مكتوبة، فأين تذهب من الله؟ وكيف بالذين يأكلون أموال اليتامى وأموال أقاربهم؛ وأبو بكر الصديق ﵁ لما جاء الخادم له بشربة لبن فشربه آلمته بطنه التي كانت متعودة على الحلال، فقد كان هؤلاء عندهم نظر إلهي يستكشف لهم الصواب من الغلط.
وسهل بن عبد الله التستري أستاذ الحارث بن أسد المحاسبي وصل به الأمر في تحريه الحلال والحرام إلى أن الله رزقه عرقاً في يده ينبض عليه إذا امتدت يده إلى حرام أو إلى شبهة.
وعندنا لما أحدثوا الرادار لمراقبة الطرق السريعة أتى الناس بآلات أو أجهزة يشوشون بها على الرادار، والمصري لا يوجد أذكى منه، ولكنه يعمل أشياء غريبة، فوجدوا أنه لا يوجد عربية نقل أخذ الرادار عليها مخالفة، فاكتشفوا أن سائق عربية النقل كان يضع سلسلة في آخر العربية تسحب على الأرض، فإذا سحبت في الأرض لا يستطيع أن يلتقطها الرادار، ولو كان هذا الذكاء في الإيمان وفي طاعة الله لسيطرنا على العالم، وربنا قال عن اليهود: إنهم جبناء، لا يقاتلوننا إلا من وراء جدر، أو وهم في داخل حصون، قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
فسيدنا أبو بكر لما شرب جرعة اللبن اشتعلت بطنه فدعا للخادم وسأله: من أين أحضرت اللبن؟ فقال: تكهنت لقوم في الجاهلية، يعني: كان في الجاهلية يشتغل كاهناً، أو مثل ما نقول: عراف، يفتح المندل والكتشينة، ويقرأ الفنجان والخط في الرمل، ويقرأ الكف، وكل هذا دجل وشعوذة، ومن ذهب إلى عراف أو كاهن فصدقة بما قال فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، وإن لم يصدقه بما قال فلن يتقبل الله له عملاً أربعين يوماً.
فاتق الله عبد الله! قال: فمررت عليهم فلقيت عندهم فرحاً فأعطوني قليلاً من اللبن، فوضع أبو بكر ﵁ أصبعه في فمه فتقيأ ما في بطنه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هذا ما أملك، فاللهم لا تلمني بما اختلط باللحم والعروق.
فشربة لبن جعلت أبا بكر ﵁ يخرج الذي في بطنه، فكيف بالذي يبتلع خمسة فدادين وسبع عمارات وأرض الشاطئ والمنتزه وغيره وغيره! يبتلعها ولا تشتعل بطنه! وكل أمة لها باب رئيسي، وباب هذه الأمة مسيرة الراكب ثلاثة أيام بالفرس المضمر، يعني: الفرس المعد للسباق.
اللهم اجعلنا من الداخلين يا رب العالمين! ونحن لا نعرف شيئاً إلا منه ﷺ ، فهو الذي بلغنا كلام ربنا، وحببنا إليه، وعرفنا رحمته.
стр. 413
كل إنسان يبعث على ما مات عليه
وأبواب الجنة بعضها فوق بعض، ودركات النار بعضها تحت بعض والعياذ بالله.
فإذا وصلوا إلى الجنة إذا هم عندها بشجرة في أصلها عينان تجريان، فيشربون من إحداهما، فلا تترك في بطونهم قذىً ولا أذىَ إلا رمته، فتنظف بطونهم عند أول شربة، واليوم الطبيب إذا أراد أن يعمل لك تحليلاً يقول: اعطوه حقنة شرجية، تنظف الأشياء التي أكلها من الصباح، ولله المثل الأعلى، وهذه الشجرة يقال: إنها شجرة طوبى.
ونحن سنبعث على ما متنا عليه، فالذي مات وهو في درس العلم يبعث يوم القيامة وهو في درس علم، والذي يموت وهو يصلي يبعث يوم القيامة يصلي، والذي يموت وهو يحج يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً، والذي يموت وهو يقرأ القرآن يكون في ظل العرش يقرأ القرآن حتى يفرغ الناس من الحساب، والذي يموت وهو يؤذن يبعث يوم القيامة وهو يؤذن، والذي يموت وهو يلعب طاولة يبعث وهو يلعب طاولة، وإذا نصحته وقلت له: يا سيدي! إن هذا حرام، يقول لك: فيها نص؟ وأنت إذا ذهبت إلى الدكتور وقال لك: خذ ثلاث ملاعق، لا تقل له: فيها نص.
فلا تترك في بطونهم قذىً ولا أذىً إلا رمته.
(ويغتسلون من الأخرى فتجري في وجوههم نضرة النعيم فلا تشعث رءوسهم).
ولما دخل أحدهم على الحبيب ﷺ في المسجد منتفش الشعر، قال: (ما بال أحدكم يدخل علي أشعث الرأس كأنه شيطان، أفلا كان في بيته مشط؟) فمن الأدب في المظهر أن تمشط شعرك، (ويغتسلون من الأخرى فتجري في وجوههم نظرة النعيم، فلا تشعث رءوسهم، ولا تغير أبشارهم)، وجلدك وأنت ابن ستة أشهر غير جلدك وأنت ابن ست سنين، غير جلدك وأنت ابن ستين سنة، غير جلدك وأنت ابن مائة سنة، فالجلد يتغير ويتجعد.
وكان أبو بكر وعمره ستون سنة عندما يلقى أباه أبا قحافة وهو راكب الجمل لا ينتظر حتى ينيخ الجمل، بل كان يقفز من فوق الجمل حتى يلحق أباه ويأخذ بيده، اللهم لا تحرمنا صحبته في الجنة يا رب العالمين!
стр. 414
نعيم الجنة
قال تعالى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣].
طبتم: طاب الشي: أينع، وطاب الطعام: استوى، وطاب الثمر: وصل حد القطاف.
وطاب الإنسان أي: ليس فيه خبث ولا نكد ولا جفاء ولا أذى ولا كلمة قبيحة أو سيئة، أو طيبكم الله بالطيب، فيدخل الرجل وهو يعرف منزله، ويتلقاه الولدان الذين قال الله عنهم: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] فيستبشرون برؤيته كما يستبشر الأهل بالحميم، ويرحبون بهم أهلاً وسهلاً تأخرتم علينا.
هجم السرور علي حتى إنه من فرط ما قد سرني أبكاني ويستبشرون بهم كالحميم يقدم من الغيبة، فينطلقون إلى أزواجهم من الحور العين -وقد دفعت مهرها إيمانك بالله، وحبك لرسول الله ﷺ ، وتطبيقك لشرع الله- فيخبرونهم بمعاينتهم، فتقول: أنت رأيته؟ يعني: الحور العين تقول بعضهن لبعض: وصل ولي الرحمن، وصل وفد الرحمن، وصل فلان الفلاني، فيستبشرون بك وأنت كنت في الدنيا ما أحد كان ينظر في خلقتك، فيدخل المؤمن، فيتكئ على سريره.
وهذا السرير مرصع باللؤلؤ، فينظر في ألوانه أخضر وأصفر وأحمر، فيرفع رأسه إلى سماء بيته، فيجد عرش الرحمن سبحانه سقف الجنة، وهذا من فضل الله ، وهي من أعظم النعم التي يكرم الله عباده بها.
стр. 415
سلسلة الدار الآخرة_الحديث عن الجنة
أعد الله للمؤمنين في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وليس نعيم الجنة كنعيم الدنيا وما ذكره الله في كتابه عن نعيم الجنة إنما هو من باب تقريب المعنى إلى الأفهام فقط، وأعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم.
стр. 416
من مشاهد يوم القيامة
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله الحلقة الخامسة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده.
نسأل الله في بداية هذه الجلسة أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
اللهم ثقل بها موازيننا يوم القيامة، اللهم ثقل بهذه الجلسات موازيننا يوم القيامة.
اللهم اجعل هذه الحلقات حجة لنا لا حجة علينا.
اللهم اجعلها لنا على الصراط نوراً يوم لا يرى الإنسان إلا بنور الإيمان والطاعة.
اللهم ثبت بها على الصراط أقدامنا يوم تزل الأقدام.
ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مرضاً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً.
اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به الجنة، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وانصر الإسلام وأعز المسلمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم إنك تعلم أننا مقهورون فانصرنا، أذلون فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، عافنا واعف عنا، سامحنا وتقبل منا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم أصلح لنا خواتيمنا وخاتمتنا، اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين، ولا تجعلنا من الأشقياء المحرومين، أبعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، قربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم اسقنا من يد نبيك شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا اللهم شفعه فينا اللهم شفعه فينا أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً.
هذه هي الحلقة الرابعة من حلقات الجنة، والحلقة الخامسة والعشرون في سلسلة الحديث منذ أن بدأنا الكلام عن خروج الروح، وكتابة الوصية، ودفن الميت، وحياة البرزخ والنشور والحشر في أرض المحشر، وهيام الناس على وجوههم بغير هدى، وابتعاثهم نقباء ليذهبوا إلى الأنبياء لكي يستشفعوا بهم عند القاهر القهار الجبار القوي ديان يوم الدين أن يبدأ الحساب حتى تئول الشفاعة إلى الحبيب المصطفى ﷺ ، ثم يشفع النبي ﵊ لأمته وللأمم كلها، فيأذن الله له بالشفاعة، ويبدأ الحساب وتتطاير الصحف، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، ويتضح أمر كل إنسان.
اللهم يا من سترتنا في الدنيا لا تفضحنا عل رءوس الأشهاد يوم القيامة، فإن فضيحة الدنيا أهون عندك وعندنا من فضيحة الآخرة.
ورأينا ترك عمر بن الخطاب ﵁ المنبر وهو يخطب الجمعة، فقال: (أيها الناس! على مصافكم -أي: كما أنتم- ثم ذهب فتوضأ وعاد، ثم قال: إن إمامكم أحدث وهو يخطب -أي: انتقض وضوءه- فقال علي: يا أمير المؤمنين! كان أولى أن تكمل خطبتك ثم تذهب للوضوء، ولا داعي لأن تفضح نفسك، قال: يا أبا الحسن! فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة).
والإنسان عندما يذنب فيسرق أو يرتكب الفواحش ويظن أن الله يراه فلا يغتر بستر الله عليه.
إن العبد إذا أذنب ذنباً ولم يحدث به أحداً واستغفر من ذنبه فسوف يغفر الله له برحمته، أما إذا أذنب ذنباً ثم حدث جاره أو صديقاً له، ليظهر أنه رجل ذو مغامرت وذو تجارب سابقة، فاعلم أن الله لن يستره يوم القيامة؛ لأنه فضح نفسه، فالإنسان قد يذنب ذنباً ويستره الله عليه، فيا من سترت في الدنيا لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة! وكان أبو بكر الصديق ﵁ يدعو في كل وقت وحين بأن يستر الله عليه، فاللهم استرنا في الدنيا وفي الآخرة يا رب العالمين.
ورأينا كيف أن كل طائفة وكل أمة لها إمام يوم القيامة، فيتقدم إمام الخير بين يدي مولاه ليسأله عن صغير الأمر وكبيره ثم يبشره بأنه زحزحه عن النار، وسوف يدخله الجنة، ثم بعد ذلك يعود هذا الإنسان ليبشر من خلفه بمثل ما بشره الله به.
وهناك أيضاً أئمة الشر -والعياذ بالله- وأئمة الشر في كل وقت وحين كثر فالشر له أئمة كما أن للخير أئمة، وإن النبي ﵌ قال: (لقد جاء هذا الدين غريباً، وسوف يعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يستمسكون بسنتي عند فساد أمتي).
أي: لا يعتبرون الدين شيئاً من التاريخ أو مما عفا عليه الزمن أو أنه رأس أموال المفاليس، بل إن الدين هو دستور ونظام الحياة.
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قريناً ورأينا أن العباد وقد انفضوا من أرض المحشر والحساب، وهي أرض بيضاء نقية لم ترتكب عليها معصية قط، يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (خلق الله للمحشر أرضاً جديدة غير الأرض التي ارتكبت فيها الفواحش) أي: غير الأرض التي عليها بنوك الربا، وصالات القمار، والتي يمشي عليها العرايا، والتي فيها ظلم، وسجون.
والحسن البصري ﵁ إمام التابعين مر بأقوام يبنون حجرات ضيقة، فقال: وسعوها، هذه غرف صغيرة، كيف سيعيش الناس فيها؟ قالوا: يا إمام! هذه سجون -زنازين- قال: وسعوها لعلكم تدخلونها يوماً، من يضمن؟ لا إله إلا الله، فرب وزير ورب مسئول صار في غياهب السجون.
وسبحان الذي يعز الذليل بطاعته، ويذل العزيز بمعصيته، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين! فالله كل يوم هو في شأن، له أمور يظهرها ولا يبتديها، يرفع أقواماً ويخفض آخرين.
فالغني يفتقر والفقير يغتني، والصحيح يمرض والمريض يصح، والحي يموت والصغير يكبر، والكبير يهرم، ثم ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس:٦٨]، هكذا العبد يتدبر الأحوال من حوله فيشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ورأينا أيضاً أن المحشر وهي أرض بيضاء نقية-كما قلنا- قال فيها المليك القدير سبحانه: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٧] أي: ليس فيها حفرة ولا تل مرتفع؛ لأنها أرض ظاهرة مكشوفة مستوية؛ لكي لا يختبئ أحد من أحد، ولا يستطيع أحد أن يختبئ من الله الذي يسمع دبيب النملة السوداء ويراها فوق الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: ورقة من شجرة ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الأنعام:٥٩] كتبه ربنا وفيه أن الورقة الفلانية التي في الشجرة الفلانية، التي في الغابة الفلانية، التي في البلد الفلاني، التي في القارة الفلانية ستسقط يوم كذا، الساعة كذا، الدقيقة كذا الثانية كذا.
أليس هو الحكيم الخبير الخالق؟ فما يدريك بالورقة التي تقع من الشجرة؟ والمطر ينزل بأمره فيأمره أن ينزل في المكان الفلاني في الساعة الفلانية.
ويعلم أن فلاناً سوف يموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية، في الأرض الفلانية.
مشيناها خطىً كتبت علينا ومن كتبت عليه خطىً مشاها ومن كانت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها وليس للعبد أن يسأل ولا يعترض أبداً، إنما العبد عليه أن يسلم مثل سيدنا إبراهيم ﵊، فنحن إبراهيميون، أهل الحنيفية السمحاء، سمانا المسلمين من قبل، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] حتى ملكة سبأ لما دخلت صرح سليمان ﵊ رأت لجة فكشفت عن ساقيها، وكانت تظنه ماء فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، وفي الأخير اكتشفت أنها كانت منحرفة تعبد الشمس من دون الله، والهدهد هو الذي جاء لسليمان بالخبر اليقين ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] رآهم يسجدون للشمس من دون الله، وقال الهدهد معتبراً: لماذا لا يسجدون لله الذي يخرج الشيء المختبئ في السموات والأرض.
стр. 417
قدرة الله في الخلق والإيجاد
هل علمت كيف نبت هذا النبات؟ فالله هو الذي أنبته في الأرض وجعل المجموعة الجذرية تتشبث بالتربة ثم طلعت المجموعة التي هي الأوراق والساق ثم قليلاً تكبر الشجرة ثم يخرج منها براعم والبراعم تصبح وروداً ثم ثماراً، والثمار تكون في البداية غير صالحة ثم بعد ذلك تنضج، ثم بعد ذلك تأخذها أنت لكي تستمر دورة الحياة، قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١].
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحدُ والله بين في كتابه، وكذا الحبيب المصطفى في كلامه صدق هذه المقولة، فكل الكلام الذي قاله ربنا صدق، فهل يكذب مولانا علينا يوم القيامة؟ تعالى الله رب العالمين عن ذلك.
فما دام أنه قد ثبت صدق المقولة الأولى في الدنيا فلا بد وأن الله لا يخبر إلا بالحق، ولا يقول إلا الصدق، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً.
فنوحد الله رب العالمين ونقول: لا إله إلا الله، فإن من قالها موقناً بها قلبه دخل الجنة إن شاء الله رب العالمين، ولو وضعت لا إله إلا الله في كفة، والسماوات والأرض ومن فيهن في كفة لرجحت كفة لا إله إلا الله.
اللهم اجعل إيماننا متجدداً كل يوم يا رب العالمين.
رأينا أن جبريل الأمين يقف عند الميزان، فعندما تثقل الحسنات، يصيح جبريل وينادي: لقد سعد فلان ابن فلان سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وهذه هي السعادة الأبدية، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، وقال أيضاً: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] أي: فاز الفوز الأكبر، ليس الفوز بشهادة الاستثمار في ربا حرام، أو في دورة الألعاب الخائبية، إنما الفوز بالزحزحة عن النار ودخول الجنة، ولذلك فالمؤمن ينتظر فضل الله .
стр. 418
فضل الزهد في الدنيا والتقشف في المأكل
الحسن البصري ﵁ كان يقتات هو وأهله بعيش وملح، وامرأته لم تكن صاخبة ساخطة إنما كانت طيبة لأن علاقته بالله صحيحة فصحح الله له علاقته بزوجته.
لذلك قال ربنا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين! إذاً: هناك عباد من عباد الله موصولون بالله ، زاهدون في الدنيا متقشفون فيها، أكلهم فيها العيش والملح، لا يكثرون من تناول المباحات التي تسبب التخمة، فيحتاج الإنسان بعد ذلك إلى التقشف أو الريجيم لتنقيص الوزن كما تصنعه بعض النساء اللاتي يطلبن رشاقة الجسم، فيخربن بيوت أزواجهن بهذا الريجيم.
وهناك ريجيم إلهي وهو قول النبي ﷺ : (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) فقال: لقيمات، وليس أكلات، أو وجبات، ولقيمات مفردها لقيمة: تصغير لقمة.
(فإن لم يكن) يعني: أنه أكول، (فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) فيقوم من الأكل ولا تزال عنده رغبة فيه، فإن من أكل كثيراً نام كثيراً، وذكر الله قليلاً، وندم يوم القيامة طويلاً.
ومن أكل قليلاً نام قليلاً، وذكر الله كثيراً، وفرح طويلاً.
فمن أكل قليلاً خفت معدته فنام قليلاً، ومن أكل كثيراً ثقلت معدته فنام كثيراً، فالأفضل للمسلم أن يرفع يده عن الطعام ونفسه تشتهيه؛ ولذلك فإن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر لم يجدا طعاماً في بيتيهما ذات يوم، فذهب أبو بكر إلى عمر بن الخطاب حبيبه وأخيه، وبينما هو ذاهب في الطريق إلى عمر وجد عمر قادماً إليه يبحث عن طعام عنده، فذهبا معاً إلى سيدنا الحبيب الذي راودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم لو قال لأحد: كن ذهباً بإذن الله لكان، فدقا على باب الحبيب محمد ﷺ فأذن لهما، فاستحيا كل منهما أن يفاتح الرسول بما يريد، وهذا تأدب مع مقام النبوة، فقال النبي ﵊: أتدري يا أبا بكر ويا عمر منذ كم يوم لم يدخل جوف نبيكم طعام؟ وفي غزوة الخندق كان النبي ﷺ يربط حجراً على بطنه من شدة الجوع؛ لأنه كان يضرب بالفأس مع الصحابة، فلم يقعد وهم يعملون.
وكان يمر الشهر والشهران، والهلال والهلالان ولا يوقد في بيت رسول الله قدر وما كان يعيشهم إلا الأسودان: التمر والماء، أو البلح والماء.
وسيدنا الحبيب ﷺ يظل في المسجد إلى أن تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتي الضحى ثم يرجع إلى بيته فيقول لنسائه: أعندكم طعام؟ فيقلن له: لا والله يا رسول الله! فيقول: (اللهم إني صائم).
ولذلك أجاز أبو حنيفة أن ينوي المسلم الصيام في النفل من بعد شروق الشمس، فإذا وجدت نفسك مستعداً للصيام وأنت في وسط النهار قبل الزوال ولم تطعم شيئاً فقل إني صائم.
فهذه مسألة.
فإذا كنت صائماً صوم تطوع وأتى لك زائر فجأة وسيتغدى عندك، فمن حكم الفقه والإسلام أن تأكل مع الضيف، لتدخل السرور على قلب أخيك المسلم، وإدخالك السرور على قلب أخيك المسلم أحب عند الله من الصيام؛ لأن الصيام سنة، وإدخال السرور على المسلمين فرض.
فحين تنكد على امرأتك، أو على أولادك فهذا ظلم، أو أن امرأتك تنكد عليك فإن هذا ظلم، وقد دخلت امرأة النار في هرة عذبتها، وكم من امرأة تبيت باكية من زوجها، وأخت تبيت باكية من أخيها، وابنة تبيت باكية من أمها وأبيها، وأب وأم يبيتان باكيين من ظلم وعقوق الأبناء والبنات، وزوج يبيت باكياً من ظلم أبنائه وزوجته، سبحان الله! (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة).
وكان الحسن البصري يأكل العيش والملح فقيل له، فقال: نأكل هذا حتى يتجهز لنا الشواء في الجنة يوم القيامة، فـ الحسن البصري معتبر بالدنيا، وقد حصل لتلاميذه ذعر عندما رأوه يأكل العيش والملح فقالوا: هؤلاء الأئمة يعيشون هكذا.
وسأله رجل وقال: عندنا رجل يأكل في اليوم أكلة واحدة، فقال: هذا طعام الصديقين المتقين.
وسأله آخر وقال له: وعندنا من يأكل في اليوم أكلتين؟ فقال: هذا طعام المؤمنين.
وقال الثالث: وعندنا من يأكل في اليوم ثلاث أكلات، قال: مر أهله ليبنوا له معلفاً ليعلفوه فيه.
كيف لو قال له: ست أكلات، وبين كل أكلتين ثلاث وجبات؟ كان سيحصل لسيدنا الحسن البصري ذعر، ولو أن واحداً من التابعين أو الصحابة يعيش في أوساطنا اليوم لحصل له ذعر.
يقول الإمام أبو حنيفة: سوف يأتي زمان على أمة محمد لا يعرفون فيه إلا بالصلاة.
فلو دخلت على أي مجتمع مسلم، دخلت منطقة (الدقي) -مثلاً- لعرفت أن أهلها مسلمون لأنهم مصلون يدخلون الجامع، وإلا فما الفرق بين شارع التحرير وشارع الشنزليزيه في باريس أو أي شارع في أمريكا وأوروبا؟ أليس في باريس عرايا؟ فإن عندنا عرايا، وفي باريس بنوك ربوية، ففي كل مترين تجد غضب الله ونقمته نازلة على البلد بسبب الربا، وفي أمريكا وأوروبا خمور وصالات المجون وكذلك في معظم بلداننا الإسلامية، وهكذا.
إذاً: المسلمون لن يعرفوا إلا بالصلاة، فأريدكم أن تمسكوا بالصلاة بأيديكم وأسنانكم، وسوف تنقض عرى الإسلام عروة عروة أولها الحكم وآخرها الصلاة، اللهم أعد إلينا الحكم بكتابك وسنة حبيبك يا رب العالمين.
стр. 419
جزاء من يعرض عن السنة كترك الحجاب الإسلامي
ورأينا أيضاً أن الصراط جسر فوق النار والعياذ بالله، ويمر الناس عليه كل على قدر عمله، وهناك عند حوض الكوثر بعد العبور من الصراط يطرد من الحوض من تركوا سنة الحبيب محمد ﷺ ، وردوا أمر الله ، وقلت حكماً ما زلت أكرره؛ لأن الموضة بدأت تنتشر مرة أخرى، وهو أن المرأة الغير محجبة ولكنها مقتنعة بوجوب الحجاب، وتدعو الله أن يتم عليها هذه النعمة، فهي مؤمنة عاصية أو مسلمة عاصية، لكن لو أن امرأة مسلمة لا تلبس الحجاب لعدم اقتناعها به؛ ولأنها ترى أن الحجاب حجاب القلب؛ وأن الله لم يأمر بالحجاب فهي كافرة قد ارتدت عن الإسلام، فالله يأمرها بالحجاب فترفض ذلك، وتكذب الله ورسوله والقرآن، وتكذب من يبلغ عن رسول الله.
فالدين ليس فيه رأي ولا اجتهادات، الدين عندنا: قال الله في كتابه، وقال الحبيب في سنته، ثم الله أعلم، أو لا أعرف، فمن اقتنعت أن الله لم يأمر بالحجاب فهي كافرة، أما مسلمة وهي غير محجبة، فهي مسلمة عاصية، ندعو الله لها بالهداية.
وحوض الكوثر تذاد عنه كل امرأة غير محجبة، فكل من رد الأمر على الله لن يشرب من حوض الكوثر، وكل من لم يستن بسنة الحبيب المصطفى ﷺ فيما قال فسوف يذاد عن حوض الكوثر، قال النبي ﷺ : (يذاد أناس من أمتي عن الحوض يوم القيامة -أي: يطرود- فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقول: يا محمد إنك لم تدر ماذا أحدثوا من بعدك، إنهم رجعوا على أدبارهم القهقرى) أي: تركوا الكتاب والسنة ورجعوا الوراء للجاهلية (فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدل وغير).
فالجماعة الذين يعملون الأربعين والثانوية وأعياد الميلاد، يعملون أموراً جاهلية لم يشرعها الله، ولم يأذن بها رسول الله ﷺ ، فهذه الأربعون بدعة فرعونية انتشرت في جميع أنحاء العالم من مصر، كأن الفساد الفرعوني لم يخرج إلا من مصر فانتشر في بقاع الأرض، وكنا نتمنى أن تنشر مصر الهدى والتقوى والإسلام، اللهم أعد الإسلام إلى المسلمين وأعد المسلمين إلى الإسلام يا رب العالمين.
ثم رأينا بعد ذلك النار وما فيها من أنواع العذاب والعياذ بالله، في أربع حلقات تقريباً، ثم تكلمنا عن الجنة ونعيمها وهذه هي الحلقة الرابعة عن جنة الرضوان، اللهم متعنا بجنة الرضوان يا رب العالمين.
أخرج الطبراني فيما يرويه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم)، يعني: أنك لا تدخل البلاد التي تذهب إليها إلا بالجواز والتأشيرة، والجنة لا تدخلها إلا بجواز مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم.
(هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية) ويأخذ هذا الكتاب بعد الميزان، بعد أن يأخذ العبد كتابه بيمينه، اللهم اجعلنا من أهل اليمين يا رب! والرسول ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء، فكان يأكل باليمين، ويصافح باليمين، ويتصدق باليمين، ويمسح على رأس اليتيم باليمين، ولم يجعل الشمال إلا لدورات المياه، صحيح أن الشمال ممكن أن تساعد في لأكل، لكن الأصل في الأكل اليمين، فالشمال مساعدة بأن تأخذ الطبق، أو تساعد في التقطيع أو الخبز، لكن الفندقة أو أسلوب الفنادق يقول لك: لا بد أن تضع الشوكة في اليد الشمال والسكين في اليمين، ولا ينفع أن تجعل الشوكة على اليمين والسكين على الشمال.
ولو قلت له: إنك أسرعت في الصلاة ولم تطمئن في ركوعك وسجودك؟ فإنه يتعلل بقوله: يا أستاذ! الرب غفور رحيم.
لعب الكرة قد وضعوا لها قوانين، فاللاعب لو خرج بدون إذن، فإنه يطرد من اللعب، أو لمس الكرة بيده داخل منطقة الجزاء في خط الثمانية عشر، يصبح (فاول) أو ضربة جزاء، والحكم يصفر، ولا يغضب اللاعب أبداً وهكذا، فلابد لمن يلعب أن يلعب بقانون.
أليس من باب أولى أن يكون للصلاة قانون وللزكاة قانون وللحج قانون، ولكلام الله قانون، ولكلام الحبيب المصطفى قانون، أو أن الأمور تمشي هكذا، نعم نحن نعرف جيداً أن الرب غفور رحيم، لكن هناك قوانين.
(دخل النبي ﷺ إلى مسجده، فرأى رجلاً لا يطمئن في صلاته -أي: يصلي بسرعة- فبعد أن أنهى الرجل صلاته، قال له: صل فإنك لم تصل) هذه نقطة خطيرة يا إخوان، لم يقل له صلاتك ناقصة، إنما قال له: صل فإنك لم تصل، (فأعاد الرجل صلاته، ثم قال له: صل فإنك لم تصل، ثم أعاد للمرة الثالثة، فقال له: صل فإنك لم تصل، قال: والله يا رسول الله لا أحسن إلا هذا، فقال له: إذا قمت إلى الصلاة، فكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، وارفع حتى تطمئن رافعاً، واسجد حتى تطمئن ساجداً، واجلس حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها).
ومثل الذي يصلي وينقر صلاته نقر الغراب كالجائع يأكل التمرة والتمرتين لا تغنيان عنه شيئاً.
ولذلك فإن الذي لا يطمئن في الصلاة فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق، أي: الثوب القديم، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول له: ضيعك الله كما ضيعتني.
стр. 420
تربية النبي ﵊ لأصحابه
وكان الصحابي الجليل سيدنا نعيمان بن عبد الله يحب الضحك، والصحابة كان فيهم مرح، لكنه مرح محدود، فالرسول ﷺ ذات يوم وجد نعيمان قاعداً مع عدة نساء أمام عتبة داره، فلما رأى نعيمان الحبيب ﵊ وهو جالس بين النساء ولم يكن محارم له فسأله عن سبب جلوسه فقال: أفتل حبلاً لبعير لي شرد، فيريد أن يستعذر من النبي ﷺ ، فقال أي كلام.
وكلما لقيه الحبيب ﵊ قال له: ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فكان نعيمان يختبئ من الرسول، وفي يوم من الأيام كان النبي ﷺ يبحث عن نعيمان ويسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! إنه يصلي في آخر الصف، ويخرج قبل أن تراه، وهذا من شدة الإحراج والخجل الذي كان في الصحابة، ليس مثل بعض الناس يكلم أحد المشايخ ويعبث بخاتمة في يده، والسيجارة في فمه ينفخ في وجهه، فالتدخين حرام.
المهم أن سيدنا الحبيب دخل المسجد في وقت لا يتعود الدخول فيه فوجد سيدنا نعيمان يصلي، فلمح الحبيب وشم ريحته الزكية من جنبه، فأطال في الصلاة فعرف الرسول منه ذلك، فقال له: (يا نعيمان لو أطلت إلى يوم القيامة لانتظرتك).
أي: أنا أعزك، فهذه طريقة تربية الحبيب لأصحابه، فقد كان شفيقاً، ولم يقل له: والله لن تفلح، وكان كله حنان ﷺ ، فلما انتهى نعيمان من صلاته اتجه إلى الحبيب وقبل يده ورجله، فقال له ﷺ : ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فقال: ما شرد منذ أن أسلمت يا رسول الله، فكان قصد نعيمان ليس البعير، وإنما صاحب البعير، فيقال: إن نعيمان عمر ولم ينحرف ولا ارتكب فاحشة ولا غلط منذ أن أسلم، فوضع الرسول يده على صدره وقال: (اللهم حصن فرجه، واغفر ذنبه، ويسر أمره) فكان نعيمان يصلي بعد ذلك في الصف الأول خلف رسول الله.
فهذه هي طريقة التربية العظيمة.
ولما جاء ابن عمه السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف وكان شبيهاً به ﷺ ، وجيء به أسيراً في غزوة أحد، وكان عنيفاً على الإسلام والمسلمين، فنظر الرسول في الأسرى إلى أن وصل إليه فقال: (أطلقوا أخي، فإنه أشبه خلقي) أي: أنه يشبه النبي ﵊ في خلقه وشكله.
وهذا رد على الإخوة الذين يقولون: عيب أن تقول: الإخوة المسيحيون، فهذا حرم، ويرد عليهم بأن الرسول قال للسائب: أخي، فما كان من الرجل إلا أن بكى وقال: جزاك الله عن عشيرة وعن أهل يا رسول الله! وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
هكذا كانت الدعوة، فالدعوة ليست بتقطيب الوجه، ولا بكثرة الكلام، قال ﷺ : (لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق) اللهم ابسط وجوهنا، واشرح صدورنا، وحسن أخلاقنا كما حسنت خِلقتنا يا رب العالمين.
стр. 421
أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم
وكان الصحابي الجليل سيدنا نعيمان بن عبد الله يحب الضحك، والصحابة كان فيهم مرح، لكنه مرح محدود، فالرسول ﷺ ذات يوم وجد نعيمان قاعداً مع عدة نساء أمام عتبة داره، فلما رأى نعيمان الحبيب ﵊ وهو جالس بين النساء ولم يكن محارم له فسأله عن سبب جلوسه فقال: أفتل حبلاً لبعير لي شرد، فيريد أن يستعذر من النبي ﷺ ، فقال أي كلام.
وكلما لقيه الحبيب ﵊ قال له: ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فكان نعيمان يختبئ من الرسول، وفي يوم من الأيام كان النبي ﷺ يبحث عن نعيمان ويسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! إنه يصلي في آخر الصف، ويخرج قبل أن تراه، وهذا من شدة الإحراج والخجل الذي كان في الصحابة، ليس مثل بعض الناس يكلم أحد المشايخ ويعبث بخاتمة في يده، والسيجارة في فمه ينفخ في وجهه، فالتدخين حرام.
المهم أن سيدنا الحبيب دخل المسجد في وقت لا يتعود الدخول فيه فوجد سيدنا نعيمان يصلي، فلمح الحبيب وشم ريحته الزكية من جنبه، فأطال في الصلاة فعرف الرسول منه ذلك، فقال له: (يا نعيمان لو أطلت إلى يوم القيامة لانتظرتك).
أي: أنا أعزك، فهذه طريقة تربية الحبيب لأصحابه، فقد كان شفيقاً، ولم يقل له: والله لن تفلح، وكان كله حنان ﷺ ، فلما انتهى نعيمان من صلاته اتجه إلى الحبيب وقبل يده ورجله، فقال له ﷺ : ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فقال: ما شرد منذ أن أسلمت يا رسول الله، فكان قصد نعيمان ليس البعير، وإنما صاحب البعير، فيقال: إن نعيمان عمر ولم ينحرف ولا ارتكب فاحشة ولا غلط منذ أن أسلم، فوضع الرسول يده على صدره وقال: (اللهم حصن فرجه، واغفر ذنبه، ويسر أمره) فكان نعيمان يصلي بعد ذلك في الصف الأول خلف رسول الله.
فهذه هي طريقة التربية العظيمة.
ولما جاء ابن عمه السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف وكان شبيهاً به ﷺ ، وجيء به أسيراً في غزوة أحد، وكان عنيفاً على الإسلام والمسلمين، فنظر الرسول في الأسرى إلى أن وصل إليه فقال: (أطلقوا أخي، فإنه أشبه خلقي) أي: أنه يشبه النبي ﵊ في خلقه وشكله.
وهذا رد على الإخوة الذين يقولون: عيب أن تقول: الإخوة المسيحيون، فهذا حرم، ويرد عليهم بأن الرسول قال للسائب: أخي، فما كان من الرجل إلا أن بكى وقال: جزاك الله عن عشيرة وعن أهل يا رسول الله! وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
هكذا كانت الدعوة، فالدعوة ليست بتقطيب الوجه، ولا بكثرة الكلام، قال ﷺ : (لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق) اللهم ابسط وجوهنا، واشرح صدورنا، وحسن أخلاقنا كما حسنت خِلقتنا يا رب العالمين.
стр. 422
فضل عبد الله بن حرام الأنصاري وتنعمه بالنظر إلى وجه الله
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄ أن أباه كان أعرج وكان عنده من الأبناء أربعة، وكان يريد المشاركة في غزوة أحد فمنعه أبناؤه، فقال له الرسول: (يا عبد الله ليس عليك شيء، فقال: والله يا رسول الله! إني أحب أن أرزق الشهادة فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، وأبنائي يريدون منعي) أي: يقولون له: ابق أنت، ونحن الأربعة سنقاتل بدلاً عنك، فأنت رجل أعرج لا تستطيع القتال.
فـ عبد الله بن حرام الأنصاري من أسيادنا، مثل سيدنا عمر ﵁ عندما قال: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا) وهذا من أدب عمر بن الخطاب، وبعض السادة العلماء يقولون: لا تقولوا: سيدنا محمد، وهذا غير صحيح، نعم في الصلاة لا يجوز، لأنه لا سيد مع الله في داخل الصلاة، وقد قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فلا يشرع أن يقول في التشهد: اللهم صل على سيدنا محمد فنقول: اللهم صل على محمد في داخل الصلاة، وفي خارج الصلاة نقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
فالرسول قال: (يا جابر -وهو ابنه الكبير- أشرك أباك)، أي: في الشهادة، فدخل عبد الله أرض المعركة فرزق الشهادة، وسيدنا جابر نظر إلى أبيه وهو مجندل والتراب قد ملأ عينيه ووجهه، فتغير وجه سيدنا جابر لما رأى أباه شهيداً، فهذه نفس إنسانية وهذا أبوه فقال ﷺ : (يا جابر أراك وجدت على استشهاد أبيك) يعني: حزنت، فسكت سيدنا جابر ولم يرد بشيء، فقال النبي ﵊: (يا جابر! والذي بعثني بالحق نبياً، ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، إلا أباك فقد كلمه الله كفاحاً من دون حجاب، وقال له -أي: بعد أن صعدت روحه إليه- عبدي تمن علي) تخيل العلي القدير القادر، الحكيم العزيز، القهار الجبار القوي، المعز المذل، الرزاق، يقول لعبد من عباده: تمن علي يا عبد الله.
واسمع الأماني.
(قال: يا رب! أتمنى منك أن تعيدني إلى الحياة فأقتل فيك مرة أخرى)، أي: أنا أريد أن أرجع إلى الدنيا مرة أخرى، ليس من أجل أن يوزع التركة، أو يقسم الأموال أو يشتري للأولاد ولكن من أجل أن يقتل مرة ثانية؛ لما رأى عند الله من النعيم المقيم.
قال النبي ﵊ لـ جابر: (ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب إلا أباك يا جابر فقد كلمه الله كفاحاً بدون حجاب، وقال له: عبدي تمن علي، قال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: قد كتبت وما يبدل القول لدي: وأنهم إليها لا يرجعون، وإنما أبيح لك وجهي تنظر إليه بكرة وعشياً)، وهذه أعلى درجة في الجنة مع أبي بكر ومع الصفوة الكرام البررة، وإذا كان يقال: هذا النادي يدخل فيه الصفوة، وهذا المكان فيه الصفوة، وهذا المجلس فيه الصفوة، فالجنة أيضاً فيها درجات، وأعلى درجة هي الفردوس الأعلى، فمن كان في هذه الدرجة فإنه يباح له أن ينظر إلى وجه ربه بكرة وعشياً.
اللهم اجعلنا منهم يا رب، وأدخلنا في زمرتهم عملاً في الدنيا وجزاء في الآخرة، يا رب العالمين.
والرسول ﷺ حكى للصحابة أن الملائكة أتوا إليه، فقد كان يحكي لهم أي شيء يخص الدين، فلا يوجد شيء اسمه: الجماعة الدراويش الذين يتبعون التصوف، فالتصوف شيء جميل وحلو، لكن بصورة الدروشة فلا، فلو خرج علماء التصوف أو أبو الحسن الشاذلي والجنيد وهؤلاء العظماء من قبورهم لتبرءوا من هؤلاء المهلهلين في العقيدة الذين يعتقدون أن مع الله فاعلاً آخر، وهو ألا يصل الإنسان إلى الله إلا عن طريق الولي أو عن طريق الميت، فهذا شرك بالله ، فالمسلم لا يصل به الأمر أن يقول للناس: إن أناساً قد رفع عنهم التكليف، فهذه قلة أدب مع الله، فإنه لم يرفع التكليف إلا عن الميت، فلم يرفع عن رسول الله وهو أقرب الناس إلى الله.
فلا يوجد شخص رفع عنه التكليف، إنما يرفع التكليف عن المجنون، وعن النائم، وعن الصغير، وعن الميت، أما ما عدا ذلك فهم مكلفون حتى الذي عمل عملية ومشدود إلى السرير فيجب عليه أن يصلي فيذكر الله في قلبه ما دامت روحه بين جنبيه ويستطيع أن يميز، فالمهم أنه لا تسقط الصلاة إلا عن الميت، ولا يسقط التكليف إلا عن الميت، فالعودة إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
يذكرون عن عالم من السلف -وهو بريء من هذه الحكايات الغريبة- أنه أتى له شخص وقال له: فلان من مريديك مات، فقال: إنه لم يمت، قال: مات، وقد غسلناه وسيصلى عليه الجنازة الآن، قال: إن ملك الموت لا يقبض روح أحد من المريدين الذين عندي حتى يستأذنني.
فهذا الكلام لا يقال على المنابر، ولو كانت هناك دولة ناصحة لأدخلت هذا الضال السجن؛ لأنه يشوش على الناس عقيدتهم، ويضع السم في العسل.
стр. 423
تفسير رؤيا النبي ﵊
وقد جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ ، وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان بدليل أن الوحي إليه أمر من الله، فقد رأى النبي ﷺ قبل غزوة أحد رؤيا، فقال: (رأيت بقراً تذبح، ورأيت ثلمة في سيفي، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة) فقال سيدنا أبو بكر ﵁: أتأذن لي في تأويلها يا رسول الله؟ فقال له: (أول يا أبا بكر قال: أما البقر التي تذبح فبعض من أصحابك يرزقون الشهادة، وأما الثلمة التي في سيفك فرجل من أهل بيتك يقتل، وأما إدخالك يدك في درع حصينة فعودتك إلى المدينة سالماً إن شاء الله، فقال النبي ﷺ : هكذا فسرها لي جبريل).
اللهم ارض عن صحابة رسول الله، اللهم لا تحرمنا مجالستهم في الجنة يا رب العالمين، ونسأل ربنا أن يكرمنا ويعوضنا عن ذل الدنيا وابتلاءاتها بنعيم مقيم، اللهم حسن أعمالنا وحسن خاتمتنا، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين! فقوله: (أن العين نائمة والقلب يقظان) يعني: أن عينه نائمة، لكن قلبه يقظان مع ربه.
وفي رواية أخرى للإمام الترمذي (نزل جبريل فقال: إن عين محمد نائمة، ولكن القلب يقظان مع ربه)؛ لأنه في إحدى المرات حين جاء ثلاثة من الصحابة إلى بيوت النبي ﷺ وسألوا عن عبادة النبي ﷺ فنظروا إلى عبادتهم فتقالوها يعني: وجدوها أعمالاً قليلة، فقالوا: إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن الذين امتلأنا خطايا وذنوباً وسيئات، فقال أحدهم: أنا سوف أقوم الليل فلا أنام أبداً، وقال الآخر: وأنا سوف أصوم ولا أفطر أبداً، يعني: أنه يصوم الدهر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء؛ أي: لأنهن يشغلن، ويجلبن المشاكل.
فسمع الرسول ﷺ مقالتهم، فقال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) إذاً: هو نائم، ولكن في وضع آخر.
وقد كان النبي ﵊ يصلي، وبعض المنافقين كانوا يأتون آخر الناس ويمشون أول الناس مستعجلين، فكانوا يرفعون قبل أن يرفع الإمام ويسجدون قبل أن يسجد، ومن رفع رأسه قبل الإمام جيء به يوم القيامة ووجهه وجه حمار؛ لأنه لا يعرف النظام، فالذي يرفع قبل الإمام بطلت صلاته.
قال النبي ﵊: (لا ترفعوا رءوسكم قبلي، ولا تسجدوا قبلي، قالوا: أو ترانا يا رسول الله؟ قال: أتظنون أن قبلتي بين عيني، إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي) أي: بما أراه ربه.
وعندما تكلمت حفصة وعائشة في موضوع أخبره جبريل بالأمر، فرجع وعرف بعضه وأعرض عن بعض، فذكر لهما عناوين يعرفهما أنه كان موجوداً، فهما لبشريتهما وللعقل المحدود لهما سألتاه عن ذلك، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣].
(فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له - يعني: فسروها- يفقهها، فقالوا: أما الدار فالجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله).
يعني: كأن الله هو صاحب الدار، والدار هي الجنة، والمأدبة هي النعيم الذي في الجنة، أكبر نعيم في الجنة شيئان: الشيء الأول: رؤية وجه الله الكريم سبحانه.
الشيء الثاني: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨].
فالمتعة في الدنيا زائلة، والغنى في الدنيا ليس سبب السعادة، ففي سويسرا والسويد ينتحر في السنة ما يقرب من ثلاثين إلى أربعين ألف رجل وامرأة، مع أن أعلى دخل للفرد في العالم هناك، فكل شيء ميسر له، فالجو جميل، والصحة والرياضة موجودتان، والدولة لا تنكد عليه، ولا توجد شوارع ومجار مكسرة، ولا ماء متقطع ولا نور ينطفئ.
أما مستشفيات الأمراض العقلية فهي بكثرة في السويد وسويسرا وأمريكا وغيرها من البلدان الغربية الكافرة.
وقد أخبر النبي ﵊ أن من سأل ربنا الجنة سبع مرات، واستعاذ بالله من النار سبع مرات، تقول النار: يا رب! عبدك فلان استجار بك مني، اللهم أجره مني، والجنة تقول: يا رب! عبدك فلان طلب أن يدخل الجنة، اللهم لا تحرمه مني ولا تحرمني منه، وكان الصحابة يسألون الله الزحزحة عن النار، ودخول الجنة، والزواج من الحور العين.
وسيدنا عمر ﵁ دخل المسجد ووجد أعرابياً يصلي ركعتين ثم سلم، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم زوجني من الحور العين، فنظر إليه سيدنا عمر وقال له: يا أخا الإسلام! هذا مهر قليل، أي: فالذي يريد أن يتزوج امرأة فإنه يحتاج إلى مهر وتوابعه فكيف الزواج بالحور العين؟ ورجل مخبول في زمن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك إماماً يصلي بالناس، وكان الأمراء هم أعلم الناس فيتقدمون للصلاة.
فبعد أن انتهى الرجل من الصلاة قال: اللهم امسخني حوراً من الحور العين، وزوجني من عمر بن الخطاب، فقال له شخص: ولم لا تطلب أن تتزوج من الرسول؟ قال: لا أريد أن أكون ضرة لـ عائشة!! ربنا يسعدنا وإياكم بالتقوى، وبدخول الجنة، وبالزحزحة عن النار، ويختم لنا ولكم بالإسلام وبالإيمان، ويخرجنا من الدنيا على خير.
стр. 424
وصف الجنة
قال أبو هريرة ﵁: (يا رسول الله! صف لنا الجنة، قال: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر) أي: أن الأسمنت الذي يلحم بين لبنة الفضة والذهب من المسك، فالجنة فيها طوبة فضة وطوبة ذهب، والملاط الذي هو الأسمنت من مسك.
فإذا كانت الفنادق الراقية مصممة تصميماً رائعاً فما بالك بما صممه رب البشر للبشر؟ فلذلك فإن الرسول لخص نعيم الجنة بهذه العبارة الموجزة فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
والله يذكر لنا أن الجنة فيها عسل مصفى وخمرة لذة للشاربين وماء غير آسن وأنواع من الفواكه ذكرها بأسمائها، وهذه الأشياء وإن كانت في الدنيا فإن خمر الآخرة غير خمر الدنيا، وفواكه الجنة غير فواكه الدنيا وهكذا فنعيم الجنة لا يشبه نعيم الدنيا إلا بالأسماء فقط، وسوق الجنة غير السوق الذي في الدنيا الذي يباع فيه ويشترى، وثمرة الجنة تنقسم نصفين، نصف يخرج منه حلة جميلة، والنصف الثاني: يخرج منه حوراء لو تفلت في البحر الملح الأجاج لحولته عذباً فراتا، فهل هناك شجرة في الدنيا هكذا؟ والشجرة التي تجلس تحتها تصبح لك، كما قيل في المثل الدارج: (جئت أدعي عليه فلقيت الحائط مائلاً عليه) وقال ﷺ في وصف الجنة: (وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران) أي: أن الأرض التي تمشي عليها من لؤلؤ وياقوت.
وقال ﷺ : (من قال في الدنيا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر غرست له الملائكة شجرة في الجنة) فشجرك في الجنة على قدر ذكرك في الدنيا، فلا يضيع أجرك أبداً عند الله .
ولذلك فإن قلة الأكل تجعلك يقظاً لكتاب الله وللصلاة، وكما قيل إن أشعب كان يحب الأكل، فقالوا له: يا أشعب! أنت لحقت أبا حنيفة وبعض التابعين، فحدثنا حديثاً عنهم فقال: سأقول لكم حديثاً، حدثني فلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ : (خصلتان من فعلهما دخل الجنة) ثم قال: نسي سالم واحدة، ونسيت أنا الثانية، إذاً: لا توجد فائدة.
فحصباء الجنة لؤلؤ وياقوت، وترابها زعفران، وزعفران الجنة غير الزعفران الموجود عند الناس.
وقال ﷺ : (من دخلها ينعم فلا يبأس) يعني: لا تجد في الجنة شخصاً مكشراً، فإذا كان الإنسان يغضب في الدنيا من البلاوي، والهموم، والدين، والمضايقات من ضيق ذات اليد، والذنوب؛ لأن من ثمرات الذنوب أنها تضيق الصدر، فإن الطاعة تعمل على انشراح الصدر والرضا، اللهم اجعلنا من أهل الطاعة يا رب.
ثم قال: (من دخلها ينعم فلا يبأس أبداً، ويخلد فلا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم) أي: تبقى الثياب متجددة كل يوم، ويبقى شبابهم دائماً وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، كلٌ على سن عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل المرسلين لا يبلغها غيرهم؟ قال: والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) يعني: أن أهل الجنة أنفسهم ينظرون إلى من فوقهم مثلما ننظر إلى الكوكب الدري الغابر، وهذه المنزلة جعلها الله لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
والإيمان أركان ثلاثة: قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان.
فما دام أنك لم تظلم أحداً، وقلت بلسانك، وصدقت بجنانك، وعملت الأوامر وابتعدت عن النواهي، فلم تظلم أحداً مظلمة مادية ولا مظلمة معنوية، فأنت مؤمن.
وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ أيضاً: (وفي الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم) لأن أقل ملك في الجنة، كما قال ﷺ : (يسير الراكب في ملكه ألفي سنة) أي: يظل يمشي في ملكه ألفي سنة، ولا يزال ملكه لم ينته، فكيف بأعلى منزلة؟ قال ﷺ : (من يتطلع إلى وجه ربه بكرة وعشياً، قالوا: مثل من يا رسول الله؟ فنظر إلى أبي بكر وقال: مثل هذا) وكان دائماً يرافقه أبو بكر وعمر ﵄ وكان يقول: (هكذا يدخل ثلاثتنا الجنة).
اللهم لا تحرمنا الأنس بهم يا رب العالمين! وفي مرة من المرات ألقيت محاضرة في إحدى القواعد العسكرية فقال قائد المعسكر: إذا أكرمنا ربنا وأدخلنا الجنة فأنا أحب أن أقابل خالد بن الوليد وأكلمه في الخطط العسكرية.
وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول إلا في: حي على الصلاة، حي على الفلاح فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم صلوا علي).
وإخواننا الدراويش في بعض المساجد، يزيدون ألفاظاً في الصلوات على النبي بعد الأذان فيقولون: الصلاة والسلام عليك يا كحيل العينين، ويا أسود الشعر، ويا شفيعنا يوم الدين، فهذه بدعة من البدع والعياذ بالله.
وقد كان صلاح الدين الأيوبي قبل دخوله معركة حطين ألغى المذهب الشيعي الذي كان يدرس في الأزهر أيام الفاطميين، فـ صلاح الدين الأيوبي لكي ينتصر على العدو لا بد أن يصحح عقيدة الناس، فألغى المذهب الشيعي، وأتى الحاكم الذي بعده فقال: يظن المصريون أننا ضد أهل البيت، ولا نحب أهل البيت، ونحن نحب أهل البيت، فأمر المؤذن أن ينادي بعد العشاء ليلة الجمعة بصوت عالٍ بالصلاة على رسول الله، فالبلاوي تبتدئ هكذا، فنادى الرجل بهذه الكيفية من الصلاة والسلام على رسول الله شهراً أو شهرين، ثم بعد ذلك جعلوها في الظهر في وسط النهار، إلى أن بقت في الظهر والعصر والعشاء، فسبحان الله! فكل من استن سنة سيئة في الإسلام فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً.
فالرسول يقول: (فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي)، فـ (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي.
стр. 425
سلسلة الدار الآخرة_وصف الجنة_أسماء الجنة
جعل الله سبحانه في الجنة نعيماً دائماً لا ينقطع، وللجنة أسماء متعددة ذكرت في كتاب الله سبحانه، فقد وصفت بالدوام والصدق والإمامة والأمن والسلام، ولا يفوز بدخولها إلا من راقب الله سبحانه في لفظاته ونظراته وخطواته وخطراته.
следующие страницы →