Полный текст (549 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم
وكان الصحابي الجليل سيدنا نعيمان بن عبد الله يحب الضحك، والصحابة كان فيهم مرح، لكنه مرح محدود، فالرسول ﷺ ذات يوم وجد نعيمان قاعداً مع عدة نساء أمام عتبة داره، فلما رأى نعيمان الحبيب ﵊ وهو جالس بين النساء ولم يكن محارم له فسأله عن سبب جلوسه فقال: أفتل حبلاً لبعير لي شرد، فيريد أن يستعذر من النبي ﷺ ، فقال أي كلام.
وكلما لقيه الحبيب ﵊ قال له: ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فكان نعيمان يختبئ من الرسول، وفي يوم من الأيام كان النبي ﷺ يبحث عن نعيمان ويسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله! إنه يصلي في آخر الصف، ويخرج قبل أن تراه، وهذا من شدة الإحراج والخجل الذي كان في الصحابة، ليس مثل بعض الناس يكلم أحد المشايخ ويعبث بخاتمة في يده، والسيجارة في فمه ينفخ في وجهه، فالتدخين حرام.
المهم أن سيدنا الحبيب دخل المسجد في وقت لا يتعود الدخول فيه فوجد سيدنا نعيمان يصلي، فلمح الحبيب وشم ريحته الزكية من جنبه، فأطال في الصلاة فعرف الرسول منه ذلك، فقال له: (يا نعيمان لو أطلت إلى يوم القيامة لانتظرتك).
أي: أنا أعزك، فهذه طريقة تربية الحبيب لأصحابه، فقد كان شفيقاً، ولم يقل له: والله لن تفلح، وكان كله حنان ﷺ ، فلما انتهى نعيمان من صلاته اتجه إلى الحبيب وقبل يده ورجله، فقال له ﷺ : ماذا فعل بعيرك الشرود يا نعيمان؟ فقال: ما شرد منذ أن أسلمت يا رسول الله، فكان قصد نعيمان ليس البعير، وإنما صاحب البعير، فيقال: إن نعيمان عمر ولم ينحرف ولا ارتكب فاحشة ولا غلط منذ أن أسلم، فوضع الرسول يده على صدره وقال: (اللهم حصن فرجه، واغفر ذنبه، ويسر أمره) فكان نعيمان يصلي بعد ذلك في الصف الأول خلف رسول الله.
فهذه هي طريقة التربية العظيمة.
ولما جاء ابن عمه السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف وكان شبيهاً به ﷺ ، وجيء به أسيراً في غزوة أحد، وكان عنيفاً على الإسلام والمسلمين، فنظر الرسول في الأسرى إلى أن وصل إليه فقال: (أطلقوا أخي، فإنه أشبه خلقي) أي: أنه يشبه النبي ﵊ في خلقه وشكله.
وهذا رد على الإخوة الذين يقولون: عيب أن تقول: الإخوة المسيحيون، فهذا حرم، ويرد عليهم بأن الرسول قال للسائب: أخي، فما كان من الرجل إلا أن بكى وقال: جزاك الله عن عشيرة وعن أهل يا رسول الله! وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
هكذا كانت الدعوة، فالدعوة ليست بتقطيب الوجه، ولا بكثرة الكلام، قال ﷺ : (لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق) اللهم ابسط وجوهنا، واشرح صدورنا، وحسن أخلاقنا كما حسنت خِلقتنا يا رب العالمين.
стр. 422
فضل عبد الله بن حرام الأنصاري وتنعمه بالنظر إلى وجه الله
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري ﵄ أن أباه كان أعرج وكان عنده من الأبناء أربعة، وكان يريد المشاركة في غزوة أحد فمنعه أبناؤه، فقال له الرسول: (يا عبد الله ليس عليك شيء، فقال: والله يا رسول الله! إني أحب أن أرزق الشهادة فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، وأبنائي يريدون منعي) أي: يقولون له: ابق أنت، ونحن الأربعة سنقاتل بدلاً عنك، فأنت رجل أعرج لا تستطيع القتال.
فـ عبد الله بن حرام الأنصاري من أسيادنا، مثل سيدنا عمر ﵁ عندما قال: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا) وهذا من أدب عمر بن الخطاب، وبعض السادة العلماء يقولون: لا تقولوا: سيدنا محمد، وهذا غير صحيح، نعم في الصلاة لا يجوز، لأنه لا سيد مع الله في داخل الصلاة، وقد قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فلا يشرع أن يقول في التشهد: اللهم صل على سيدنا محمد فنقول: اللهم صل على محمد في داخل الصلاة، وفي خارج الصلاة نقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.
فالرسول قال: (يا جابر -وهو ابنه الكبير- أشرك أباك)، أي: في الشهادة، فدخل عبد الله أرض المعركة فرزق الشهادة، وسيدنا جابر نظر إلى أبيه وهو مجندل والتراب قد ملأ عينيه ووجهه، فتغير وجه سيدنا جابر لما رأى أباه شهيداً، فهذه نفس إنسانية وهذا أبوه فقال ﷺ : (يا جابر أراك وجدت على استشهاد أبيك) يعني: حزنت، فسكت سيدنا جابر ولم يرد بشيء، فقال النبي ﵊: (يا جابر! والذي بعثني بالحق نبياً، ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، إلا أباك فقد كلمه الله كفاحاً من دون حجاب، وقال له -أي: بعد أن صعدت روحه إليه- عبدي تمن علي) تخيل العلي القدير القادر، الحكيم العزيز، القهار الجبار القوي، المعز المذل، الرزاق، يقول لعبد من عباده: تمن علي يا عبد الله.
واسمع الأماني.
(قال: يا رب! أتمنى منك أن تعيدني إلى الحياة فأقتل فيك مرة أخرى)، أي: أنا أريد أن أرجع إلى الدنيا مرة أخرى، ليس من أجل أن يوزع التركة، أو يقسم الأموال أو يشتري للأولاد ولكن من أجل أن يقتل مرة ثانية؛ لما رأى عند الله من النعيم المقيم.
قال النبي ﵊ لـ جابر: (ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب إلا أباك يا جابر فقد كلمه الله كفاحاً بدون حجاب، وقال له: عبدي تمن علي، قال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: قد كتبت وما يبدل القول لدي: وأنهم إليها لا يرجعون، وإنما أبيح لك وجهي تنظر إليه بكرة وعشياً)، وهذه أعلى درجة في الجنة مع أبي بكر ومع الصفوة الكرام البررة، وإذا كان يقال: هذا النادي يدخل فيه الصفوة، وهذا المكان فيه الصفوة، وهذا المجلس فيه الصفوة، فالجنة أيضاً فيها درجات، وأعلى درجة هي الفردوس الأعلى، فمن كان في هذه الدرجة فإنه يباح له أن ينظر إلى وجه ربه بكرة وعشياً.
اللهم اجعلنا منهم يا رب، وأدخلنا في زمرتهم عملاً في الدنيا وجزاء في الآخرة، يا رب العالمين.
والرسول ﷺ حكى للصحابة أن الملائكة أتوا إليه، فقد كان يحكي لهم أي شيء يخص الدين، فلا يوجد شيء اسمه: الجماعة الدراويش الذين يتبعون التصوف، فالتصوف شيء جميل وحلو، لكن بصورة الدروشة فلا، فلو خرج علماء التصوف أو أبو الحسن الشاذلي والجنيد وهؤلاء العظماء من قبورهم لتبرءوا من هؤلاء المهلهلين في العقيدة الذين يعتقدون أن مع الله فاعلاً آخر، وهو ألا يصل الإنسان إلى الله إلا عن طريق الولي أو عن طريق الميت، فهذا شرك بالله ، فالمسلم لا يصل به الأمر أن يقول للناس: إن أناساً قد رفع عنهم التكليف، فهذه قلة أدب مع الله، فإنه لم يرفع التكليف إلا عن الميت، فلم يرفع عن رسول الله وهو أقرب الناس إلى الله.
فلا يوجد شخص رفع عنه التكليف، إنما يرفع التكليف عن المجنون، وعن النائم، وعن الصغير، وعن الميت، أما ما عدا ذلك فهم مكلفون حتى الذي عمل عملية ومشدود إلى السرير فيجب عليه أن يصلي فيذكر الله في قلبه ما دامت روحه بين جنبيه ويستطيع أن يميز، فالمهم أنه لا تسقط الصلاة إلا عن الميت، ولا يسقط التكليف إلا عن الميت، فالعودة إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
يذكرون عن عالم من السلف -وهو بريء من هذه الحكايات الغريبة- أنه أتى له شخص وقال له: فلان من مريديك مات، فقال: إنه لم يمت، قال: مات، وقد غسلناه وسيصلى عليه الجنازة الآن، قال: إن ملك الموت لا يقبض روح أحد من المريدين الذين عندي حتى يستأذنني.
فهذا الكلام لا يقال على المنابر، ولو كانت هناك دولة ناصحة لأدخلت هذا الضال السجن؛ لأنه يشوش على الناس عقيدتهم، ويضع السم في العسل.
стр. 423
تفسير رؤيا النبي ﵊
وقد جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ ، وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان بدليل أن الوحي إليه أمر من الله، فقد رأى النبي ﷺ قبل غزوة أحد رؤيا، فقال: (رأيت بقراً تذبح، ورأيت ثلمة في سيفي، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة) فقال سيدنا أبو بكر ﵁: أتأذن لي في تأويلها يا رسول الله؟ فقال له: (أول يا أبا بكر قال: أما البقر التي تذبح فبعض من أصحابك يرزقون الشهادة، وأما الثلمة التي في سيفك فرجل من أهل بيتك يقتل، وأما إدخالك يدك في درع حصينة فعودتك إلى المدينة سالماً إن شاء الله، فقال النبي ﷺ : هكذا فسرها لي جبريل).
اللهم ارض عن صحابة رسول الله، اللهم لا تحرمنا مجالستهم في الجنة يا رب العالمين، ونسأل ربنا أن يكرمنا ويعوضنا عن ذل الدنيا وابتلاءاتها بنعيم مقيم، اللهم حسن أعمالنا وحسن خاتمتنا، وأدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب يا رب العالمين! فقوله: (أن العين نائمة والقلب يقظان) يعني: أن عينه نائمة، لكن قلبه يقظان مع ربه.
وفي رواية أخرى للإمام الترمذي (نزل جبريل فقال: إن عين محمد نائمة، ولكن القلب يقظان مع ربه)؛ لأنه في إحدى المرات حين جاء ثلاثة من الصحابة إلى بيوت النبي ﷺ وسألوا عن عبادة النبي ﷺ فنظروا إلى عبادتهم فتقالوها يعني: وجدوها أعمالاً قليلة، فقالوا: إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن الذين امتلأنا خطايا وذنوباً وسيئات، فقال أحدهم: أنا سوف أقوم الليل فلا أنام أبداً، وقال الآخر: وأنا سوف أصوم ولا أفطر أبداً، يعني: أنه يصوم الدهر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء؛ أي: لأنهن يشغلن، ويجلبن المشاكل.
فسمع الرسول ﷺ مقالتهم، فقال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) إذاً: هو نائم، ولكن في وضع آخر.
وقد كان النبي ﵊ يصلي، وبعض المنافقين كانوا يأتون آخر الناس ويمشون أول الناس مستعجلين، فكانوا يرفعون قبل أن يرفع الإمام ويسجدون قبل أن يسجد، ومن رفع رأسه قبل الإمام جيء به يوم القيامة ووجهه وجه حمار؛ لأنه لا يعرف النظام، فالذي يرفع قبل الإمام بطلت صلاته.
قال النبي ﵊: (لا ترفعوا رءوسكم قبلي، ولا تسجدوا قبلي، قالوا: أو ترانا يا رسول الله؟ قال: أتظنون أن قبلتي بين عيني، إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي) أي: بما أراه ربه.
وعندما تكلمت حفصة وعائشة في موضوع أخبره جبريل بالأمر، فرجع وعرف بعضه وأعرض عن بعض، فذكر لهما عناوين يعرفهما أنه كان موجوداً، فهما لبشريتهما وللعقل المحدود لهما سألتاه عن ذلك، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣].
(فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له - يعني: فسروها- يفقهها، فقالوا: أما الدار فالجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله).
يعني: كأن الله هو صاحب الدار، والدار هي الجنة، والمأدبة هي النعيم الذي في الجنة، أكبر نعيم في الجنة شيئان: الشيء الأول: رؤية وجه الله الكريم سبحانه.
الشيء الثاني: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨].
فالمتعة في الدنيا زائلة، والغنى في الدنيا ليس سبب السعادة، ففي سويسرا والسويد ينتحر في السنة ما يقرب من ثلاثين إلى أربعين ألف رجل وامرأة، مع أن أعلى دخل للفرد في العالم هناك، فكل شيء ميسر له، فالجو جميل، والصحة والرياضة موجودتان، والدولة لا تنكد عليه، ولا توجد شوارع ومجار مكسرة، ولا ماء متقطع ولا نور ينطفئ.
أما مستشفيات الأمراض العقلية فهي بكثرة في السويد وسويسرا وأمريكا وغيرها من البلدان الغربية الكافرة.
وقد أخبر النبي ﵊ أن من سأل ربنا الجنة سبع مرات، واستعاذ بالله من النار سبع مرات، تقول النار: يا رب! عبدك فلان استجار بك مني، اللهم أجره مني، والجنة تقول: يا رب! عبدك فلان طلب أن يدخل الجنة، اللهم لا تحرمه مني ولا تحرمني منه، وكان الصحابة يسألون الله الزحزحة عن النار، ودخول الجنة، والزواج من الحور العين.
وسيدنا عمر ﵁ دخل المسجد ووجد أعرابياً يصلي ركعتين ثم سلم، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم زوجني من الحور العين، فنظر إليه سيدنا عمر وقال له: يا أخا الإسلام! هذا مهر قليل، أي: فالذي يريد أن يتزوج امرأة فإنه يحتاج إلى مهر وتوابعه فكيف الزواج بالحور العين؟ ورجل مخبول في زمن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك إماماً يصلي بالناس، وكان الأمراء هم أعلم الناس فيتقدمون للصلاة.
فبعد أن انتهى الرجل من الصلاة قال: اللهم امسخني حوراً من الحور العين، وزوجني من عمر بن الخطاب، فقال له شخص: ولم لا تطلب أن تتزوج من الرسول؟ قال: لا أريد أن أكون ضرة لـ عائشة!! ربنا يسعدنا وإياكم بالتقوى، وبدخول الجنة، وبالزحزحة عن النار، ويختم لنا ولكم بالإسلام وبالإيمان، ويخرجنا من الدنيا على خير.
стр. 424
وصف الجنة
قال أبو هريرة ﵁: (يا رسول الله! صف لنا الجنة، قال: لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك الأذفر) أي: أن الأسمنت الذي يلحم بين لبنة الفضة والذهب من المسك، فالجنة فيها طوبة فضة وطوبة ذهب، والملاط الذي هو الأسمنت من مسك.
فإذا كانت الفنادق الراقية مصممة تصميماً رائعاً فما بالك بما صممه رب البشر للبشر؟ فلذلك فإن الرسول لخص نعيم الجنة بهذه العبارة الموجزة فقال: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
والله يذكر لنا أن الجنة فيها عسل مصفى وخمرة لذة للشاربين وماء غير آسن وأنواع من الفواكه ذكرها بأسمائها، وهذه الأشياء وإن كانت في الدنيا فإن خمر الآخرة غير خمر الدنيا، وفواكه الجنة غير فواكه الدنيا وهكذا فنعيم الجنة لا يشبه نعيم الدنيا إلا بالأسماء فقط، وسوق الجنة غير السوق الذي في الدنيا الذي يباع فيه ويشترى، وثمرة الجنة تنقسم نصفين، نصف يخرج منه حلة جميلة، والنصف الثاني: يخرج منه حوراء لو تفلت في البحر الملح الأجاج لحولته عذباً فراتا، فهل هناك شجرة في الدنيا هكذا؟ والشجرة التي تجلس تحتها تصبح لك، كما قيل في المثل الدارج: (جئت أدعي عليه فلقيت الحائط مائلاً عليه) وقال ﷺ في وصف الجنة: (وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران) أي: أن الأرض التي تمشي عليها من لؤلؤ وياقوت.
وقال ﷺ : (من قال في الدنيا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر غرست له الملائكة شجرة في الجنة) فشجرك في الجنة على قدر ذكرك في الدنيا، فلا يضيع أجرك أبداً عند الله .
ولذلك فإن قلة الأكل تجعلك يقظاً لكتاب الله وللصلاة، وكما قيل إن أشعب كان يحب الأكل، فقالوا له: يا أشعب! أنت لحقت أبا حنيفة وبعض التابعين، فحدثنا حديثاً عنهم فقال: سأقول لكم حديثاً، حدثني فلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ : (خصلتان من فعلهما دخل الجنة) ثم قال: نسي سالم واحدة، ونسيت أنا الثانية، إذاً: لا توجد فائدة.
فحصباء الجنة لؤلؤ وياقوت، وترابها زعفران، وزعفران الجنة غير الزعفران الموجود عند الناس.
وقال ﷺ : (من دخلها ينعم فلا يبأس) يعني: لا تجد في الجنة شخصاً مكشراً، فإذا كان الإنسان يغضب في الدنيا من البلاوي، والهموم، والدين، والمضايقات من ضيق ذات اليد، والذنوب؛ لأن من ثمرات الذنوب أنها تضيق الصدر، فإن الطاعة تعمل على انشراح الصدر والرضا، اللهم اجعلنا من أهل الطاعة يا رب.
ثم قال: (من دخلها ينعم فلا يبأس أبداً، ويخلد فلا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم) أي: تبقى الثياب متجددة كل يوم، ويبقى شبابهم دائماً وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، كلٌ على سن عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل المرسلين لا يبلغها غيرهم؟ قال: والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) يعني: أن أهل الجنة أنفسهم ينظرون إلى من فوقهم مثلما ننظر إلى الكوكب الدري الغابر، وهذه المنزلة جعلها الله لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
والإيمان أركان ثلاثة: قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان.
فما دام أنك لم تظلم أحداً، وقلت بلسانك، وصدقت بجنانك، وعملت الأوامر وابتعدت عن النواهي، فلم تظلم أحداً مظلمة مادية ولا مظلمة معنوية، فأنت مؤمن.
وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ أيضاً: (وفي الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم) لأن أقل ملك في الجنة، كما قال ﷺ : (يسير الراكب في ملكه ألفي سنة) أي: يظل يمشي في ملكه ألفي سنة، ولا يزال ملكه لم ينته، فكيف بأعلى منزلة؟ قال ﷺ : (من يتطلع إلى وجه ربه بكرة وعشياً، قالوا: مثل من يا رسول الله؟ فنظر إلى أبي بكر وقال: مثل هذا) وكان دائماً يرافقه أبو بكر وعمر ﵄ وكان يقول: (هكذا يدخل ثلاثتنا الجنة).
اللهم لا تحرمنا الأنس بهم يا رب العالمين! وفي مرة من المرات ألقيت محاضرة في إحدى القواعد العسكرية فقال قائد المعسكر: إذا أكرمنا ربنا وأدخلنا الجنة فأنا أحب أن أقابل خالد بن الوليد وأكلمه في الخطط العسكرية.
وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول إلا في: حي على الصلاة، حي على الفلاح فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم صلوا علي).
وإخواننا الدراويش في بعض المساجد، يزيدون ألفاظاً في الصلوات على النبي بعد الأذان فيقولون: الصلاة والسلام عليك يا كحيل العينين، ويا أسود الشعر، ويا شفيعنا يوم الدين، فهذه بدعة من البدع والعياذ بالله.
وقد كان صلاح الدين الأيوبي قبل دخوله معركة حطين ألغى المذهب الشيعي الذي كان يدرس في الأزهر أيام الفاطميين، فـ صلاح الدين الأيوبي لكي ينتصر على العدو لا بد أن يصحح عقيدة الناس، فألغى المذهب الشيعي، وأتى الحاكم الذي بعده فقال: يظن المصريون أننا ضد أهل البيت، ولا نحب أهل البيت، ونحن نحب أهل البيت، فأمر المؤذن أن ينادي بعد العشاء ليلة الجمعة بصوت عالٍ بالصلاة على رسول الله، فالبلاوي تبتدئ هكذا، فنادى الرجل بهذه الكيفية من الصلاة والسلام على رسول الله شهراً أو شهرين، ثم بعد ذلك جعلوها في الظهر في وسط النهار، إلى أن بقت في الظهر والعصر والعشاء، فسبحان الله! فكل من استن سنة سيئة في الإسلام فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً.
فالرسول يقول: (فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي)، فـ (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي.
стр. 425
سلسلة الدار الآخرة_وصف الجنة_أسماء الجنة
جعل الله سبحانه في الجنة نعيماً دائماً لا ينقطع، وللجنة أسماء متعددة ذكرت في كتاب الله سبحانه، فقد وصفت بالدوام والصدق والإمامة والأمن والسلام، ولا يفوز بدخولها إلا من راقب الله سبحانه في لفظاته ونظراته وخطواته وخطراته.
стр. 426
التعرف على أسماء الجنة وعلى صفاتها وصفات ساكنيها
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة السادسة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الخامسة في الجنة، اللهم اجعل مآلنا الجنة يا رب العالمين! اجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا! بفضلك ومنِّك وجودك وكرمك بيننا شقياً ولا محروماً.
ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا همّاً إلا فرّجته، ولا غماً إلا أذهبته، ولا صدراً ضيّقاً إلا شرحته، ولا صدراً ضيّقاً إلا شرحته، ولا صدراً ضيّقاً إلا شرحته، ولا طالباً إلا نجّحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً.
اللهم إنا نعوذ بك من دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا تشبع، نسألك من الخير كله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، وارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين، غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدّلين، اللهم فك كرب المكروبين، واقض دين المدينين، وتب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، اللهم اسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم شفّع فينا نبينا، اللهم شفّع فينا نبينا، اللهم شفّع فينا نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم اجعلنا من جيرانك في جنة الرضوان يا رب العالمين! واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اجعل هذه الجلسات في ميزان حسناتنا يوم القيامة، واجعل هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا يوم القيامة، وثبت به على الصراط أقدامنا يوم تزل الأقدام، وأعطنا كتابنا بأيماننا ولا تعطه إيانا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا، أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
تحدثنا في أربع حلقات سابقة عن الجنة، واليوم موعدنا مع الحلقة الخامسة في الجنة وهي تخص أسماء الجنة، وسوف نقوم في هذه الحلقة بمشيئة الرحمن بالزيارة لطائفة من أهل الجنة لنتعرف على صفاتهم وأخلاقهم وما الذي جعلهم يسكنون في هذا المكان، اللهم اجعلنا من سكانها يا رب العالمين! إن حلقات الدار الآخرة التي لا أتمنى أبداً أن تنتهي هي عبارة عن حلقات تشحذ عزيمة المسلم نحو ربه، وتقوم بتقريب الإنسان إلى مولاه، وتعمل على أن يحب الإنسان آخرته وأن يحب الموت ولا يفزع من حضوره؛ لأن الموت هو الذي يدخله على الله ، وعرفنا كيف أن الكليم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما جاءه ملك الموت قال: يا ملك الموت! دعني أكلم ربي، فقال: يا رب! هل رأيت حبيباً يسيء إلى حبيبه؟ فإذا بالله يكلم كليمه قائلاً: وأنت يا موسى! هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه؟ فكل إنسان محب لله يتمنى لقاء الله سبحانه، والمؤمن لا راحة له إلا بلقاء الله.
ولأن الله بنا رحيم جعل لنا مواسم نلتقي به فيها، فجعل من العام الحج ورمضان والعمرة، وجعل من الأسبوع الجمعة، وجعل من اليوم الصلوات الخمس.
قال الحسن البصري ﵀: هنيئاً لك أيها المسلم! إن أردت أن تكلم الله فأحرم بالصلاة، وإن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن، فالذي يريد أن يكلمه الله يقرأ في كتابه لأن كلام الله في كتاب الله، والذي يريد أن يكلم ربه يقف ليصلي بين يدي الله، ولو علم المصلي من يناجي ما انفتل من صلاته، وما قام عبد يصلي لله ركعتين إلا وتناثر البر من السماء إلى عنان رأسه، وناجاه وناداه مناد من قبل العلي الأعلى: يا ابن آدم! لو تعلم من تناجي ما انفتلت من صلاتك، لذلك كانت قرة عين الحبيب ﷺ في الصلاة، فالمسلم لا راحة له إلا أن يلقى الله، والمؤمن لا راحة له إلا في بيت الله أو في مكان يذكره بالله سبحانه، اللهم ذكّرنا بك دائماً يا رب العالمين! واجعلنا من الذاكرين والذاكرات، ولا تجعلنا من الغافلين أو الغافلات يا أكرم الأكرمين! نسأل ربنا أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ليس العلم كثرة الرواية وإنما العلم الخشية، فالعلم الذي يوصلك إلى الخشية لله سبحانه والانزواء إلى طريق الله، والانضمام إلى وفد الرحمن، والانضمام إلى عباد الله الأتقياء؛ هو العلم الذي يقربك من الله، أما العلم الذي يبعدك عن الله فإنه يكون حجة عليك لا حجة لك، فهذه هي الخطورة؛ لأن الله وصف اليهود وصفاً سيئاً فقال: كالحمار يحمل أسفاراً، فمنهم حامل لكتاب الله التوراة، ولكنه كالحمار الذي يحمل على ظهره كتباً لا يستفيد منها ولا تعود عليه بخير قال الشاعر: كالعير في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول فالإبل تحمل قرب الماء على ظهرها ولا تستطيع أن تشرب منها إلا بإذن صاحبها عندما يفتح لها فم القربة، فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين!
стр. 427
غبطة المؤمن للصالحين وحسد المنافق للصالحين
روى الإمام مسلم عن أنس ﵁ عن الصادق المعصوم ﷺ قال: (ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء).
قلنا: إن المؤمن يغبط، والمنافق يحسد، ومعنى يغبط: يفرح بالنعمة التي عندك، ويدعو الله لك بالزيادة والتثبيت، أما المنافق والعياذ بالله فإنه يتمنى زوال النعمة من يدك حتى وإن لم تؤل إليه، بمعنى: أنه يتمنى أن تؤخذ النعمة منك.
ويقال: إن ملكاً من الملوك جاء باثنين من الحاشية وهو يعلم خبرهما - من معاملته لحاشيته يعرف أخلاقهم جميعاً - أحدهم حسود يحسد كل الناس، والثاني بخيل، وهذه من أسوء الصفات التي لا علاج لها نسأل الله السلامة؛ فقال لهما: ليتمن علي أحدكما أمنية، فمن بدأ أعطيت الثاني ضعف ما طلب الأول، طبعاً الحسود يخاف أن يطلب هو الأول فيأتي البخيل ويأخذ مثله مرتين وهو بطبيعته لا يريد أن يأخذ البخيل شيئاً، والبخيل بطبيعته والعياذ بالله رب العالمين لا يريد أن يأخذ غيره شيئاً؛ فقال: البخيل للحسود: قم أنت، وقال الحسود للبخيل: لا، اطلب أنت، حتى علا صوتهما فتشاجرا، فقال الملك غاضباً: إن لم يطلب أحدكما قطعت رقبة كل واحد منكما، ابدأ يا حسود! فقال الحسود: أتمنى أيها الملك! وأطلب أن تقلع لي إحدى عيني.
لذلك فإنه لا يجتمع في قلب العبد إيمان وحسد.
ذكر أن سهل بن حنيف ﵁ وكان رجلاً أبيض الجلد فأراد أن يغتسل، فرأى عامر بن ربيعة ﵁ جسمه فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة، فوقع سهل بن حنيف ﵁ مكانه، فأتي رسول الله ﷺ فأخبر أن سهلاً أصيب بعين، فأتاه رسول الله ﷺ فأخبره سهل عما كان من شأن عامر، فقال رسول الله ﷺ : (علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ إن العين حق، توضأ له) فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس، فالعائن يجعلونه يتوضأ بنية الشفاء لأخيه المسلم الذي عانه، وفي أيام رسول الله ﷺ كان الناس مطيعين، فما كان من هذا العائن إلا أن توضأ لأخيه فقام من ساعته وذهب إلى رسول الله ﷺ .
فالحسد موجود؛ وكانت هناك قبائل من العرب قبل الإسلام وبعده كان فيها الحاسدون، فقد كان يمر القطيع من الإبل أو القطيع من الغنم فيقول الرجل لجاريته: خذي هذا الإناء وائتيني بلحم هذا البعير! فما أن يصل البعير إلى بيت صاحبه حتى يكون لحمه في القدر.
قال ﷺ فيما رواه الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄: (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر).
والحاسد نوعان: حاسد يحسد وهو يعلم، وحاسد يحسد وهو لا يعلم.
فإذا رأت عينك شيئاً يسرك وأنت قاصد؛ فكبّر وبرّك، بأن تقول: الله أكبر بارك الله لك في هذا، فإذا رأيت سيارة جميلة فقل: بارك الله فيها، أو رأيت بيتاً جميلاً فقل: بارك الله لك فيه، أو رأيت بدلة جميلة على أخيك المسلم أو غيرها فقل: بارك الله لك فيها.
كان رجل من بني تميم عائناً، فقالوا له: إن هذه البقرة تحلب لبناً كثيراً! فقال: أروني هذه البقرة، فأروه بقرة أخرى تفنيداً له، فسقطت البقرتان في وقت واحد.
إذاً: المسلم إذا أعجبه شيء، يقول: الله أكبر! بارك الله لك فيه، أو يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، والمشكلة تكمن في العائن الذي يعين وهو لا يعلم؛ فأنت عندما تثق أن هناك عائناً يدخل بيتك ينقلب البيت رأساً على عقب، فإن رأيت مثل هذا فاقرأ سورتي الفلق والناس، ولذلك قال بعض الفقهاء: إن ولي الأمر إذا علم أن أحداً يحسد الناس يحبسه في بيته وإن كان فقيراً، ويصرف له عطاءً من بيت المال، لكي لا ينتشر فساده في المجتمع.
قال رسول الله ﷺ : (ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء) يعني: الأنبياء والشهداء يفرحون لهم ويغبطونهم لمنزلتهم العظيمة عند الله ، قال: (يكونون على منابر من نور) قال الصحابة: ومن هم يا رسول الله؟! قال: (هم الذين يحببون الله إلى الناس ويحببون الناس إلى الله) فالصحابة سألوا عن شق وتركوا الشق الثاني؛ لأنه فطري طبيعي، قالوا: فكيف يحببون الناس إلى الله يا رسول الله؟! أي: فكيف يجعلون الناس يحبون الله؟ قال: (يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوهم أحبهم الله فأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحبهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين! ولذلك قال الله فيهم: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [النساء:٥٧] لماذا؟ لأنه كان طاهراً في كلامه وثيابه ويده، فيده لا تختلس ولا ترتشي ولا تضرب إنساناً أو تؤذيه، وإنما جوارحه كلها في خدمة الله .
يحكى أن سيدنا يحيى بن زكريا ﵉ قال: يا رب! إذا رأيتني أغادر مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر لي رجلي فإنها نعمة تنعم بها علي.
يقول ذلك لأنه لا يريد أن ينخرط مع أهل السوء ولا يريد أن يدخل مع أهل المعاصي؛ اللهم اجمعنا مع أهل طاعتك يا رب العالمين!
стр. 428
أسماء الجنة
الجنة لها درجات وأسماء كما أن للنار دركات، وكل دركة لها اسم: لظى والحطمة وسقر والهاوية والجحيم وجهنم والدرك الأسفل.
فللجنة أسماء وأنواع، إذاً: تعالوا لنحيا مع أسماء الجنة قبل أن ندخل لزيارة الطائفة من أهل الجنة، اللهم اجعلنا من طوائف الجنة يا رب العالمين! أول اسم للجنة هو الاسم العام: الجنة، فالطفل الذي في بطن أمه نسميه جنيناً؛ لأننا لا نراه بالعين المجردة، وإنما نتركه إلى أن يقضي الله فيه أمره، فالجنين: ما جن عن النظر، أي: ما اختفى عن النظر؛ لذلك يسمى البستان جنة؛ لأن الأشجار حول البستان لا تجعل الرائي ينظر ما في داخلها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢] فقوله: (جنتين) أي: بستانين، قال تعالى: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف:٣٢].
стр. 429
مراقبة الألفاظ السيئة والحذر منها
ثم قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] وفي هذه الآية دليل على أن الإنسان عندما يتذكر نعمة الله يجب عليه أن يُحيل الحول والقوة والمشيئة إلى الله رب العالمين.
عندما يقول المسلم: لا حول الله! هذا حرام، ولكن يقول: لا حول إلا بالله، أو: لا حول ولا قوة إلا بالله إذاً: عندما تقول: لا حول الله يا ربي! كأنك نفيت الحول عن الله والعياذ بالله، فالمسلم يحتاط في أمور أربعة: اللفظات والنظرات والخطوات والخطرات؛ لأنه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فقد يقول الإنسان كلاماً لو أعاده إلى العقيدة وإلى مكانة الكتاب والسنة لرأى أن هذا شرك وكفر بالله والعياذ بالله.
فمثلاً هناك طابور واقف على باب سينما يقول: ما هذا؟ وأحدهم يقول: يا رجل! ليس رزق الأحمق على المجانين! مع أن رزق الأحمق والمجانين على الله؛ فهذه كلمة تجري على ألسنة العامة قد تصل بالإنسان إلى القدح في قدرة الله ، ولكن رزق الأحمق والمجانين على الله.
فالعاقل لا يستطع أن يرزق العاقل مثله، ولا العاقل يرزق الجاهل وإنما يدفع الله الناس بعضهم ببعض، ولذلك فإن رزق الأحمق والمجنون والعاقل على الله ، ولذلك فأنت ترى المسكين عنده عشرة أولاد مثلاً، والغني عنده آلاف وملايين وعنده ولد واحد، أو ليس لديه من الأولاد شيء؛ فهنا يخطئ المسلم عندما يقول: يعطي القرط للذي ليس لديه أذن! فيكون المعنى: أن الله عندما يعطي القرط للذي بلا أذن كأنه لا يرى، وكأن الله غير عادل في قسمته! فهذا كفر بالله ، فمن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه دامت حسرته، ومن قل كلامه كثرت حسناته، ومن كثرت حسناته استمرت فرحته، اللهم اجعلنا من الفرحين في الآخرة يا رب العالمين! إذاً: أول الأخطاء أخطاء اللفظات، إذا لا يجوز أن يقال: لا حول الله! ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك قول: أنا معتمد على الله وعليك! ولكن قل: أنا معتمد على الله ثم عليك؛ والآخر يقول: ربنا لنا في السماء وأنت في الأرض! وهذا حرام لكن قل: الله لنا في السماوات وفي الأرض، وفي الليل والنهار، وفي المنشط والمكره وفي العسر واليسر، وإنما ساقك الله إليّ لتكون سبباً في إجراء هذا الأمر على يديك.
ولا تقول: يا دكتور! لو لم تأتنا كان الولد سيموت، لأن هذا حرام، ولكن قل: فالله بعثك لنا كسبب ليجري الله الشفاء على يديك.
وهناك من الناس من هم مفاتيح للخير مغاليق للشر، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وبعداً لعبد جُعل مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر؛ اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر يا رب العالمين! قيل للحسن البصري: نحن نعد عليك الكلام؟ يعني: ليس كحالتنا.
فقال: إني أعرض الكلمة على عقلي قبل أن أنطق بها، فإن رأيتها توضع لي في كتاب حسناتي قلتها، وإن رأيتها سوف توضع لي في كتاب سيئاتي فلا أقولها، فرأيت أن أغلب كلماتي سوف توضع في ميزان سيئاتي فأقللت من الكلام.
ولو أن كل إنسان كان كـ الحسن البصري يزن الكلمات لما سمعنا لعناً في الشوارع ولا سباً ولا قذفاً، وإنما نسمع ذكر الله، ومن يذكر بالله .
فلسانك سيؤدي بك إلى الهلاك: (هل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم) فجرح اللسان أنكى من جرح السنان وأصعب من جرح السكين أو السيف؛ لأن جرح السكين يداوى بالمضادات الحيوية والعلاج، لكن جرح اللسان كما قال الشاعر: جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان رأى النبي ﷺ ليلة المعراج ثوراً كبيراً يخرج من ثقب إبرة فقال: (ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الرجل من أمتك يقول الكلمة فلا تعود) وتجد شخصاً بعد ثلاثين سنة أو أربعين سنة يعاتب امرأته، يقول: لم أنس يوم قرأت عليك الفاتحة يا أم عباس! كان أبوك ﵀ كذا وكذا وكذا، فالرجل قد مات، لكن الكلمة السيئة ترن في أذنه، ليس لأن حماه خبيث ولكن لأنه هو أخبث؛ لأنه لا يذكر عن حميه إلا السيئ من الكلام، ولذلك فإن سيدنا عمر قال: اللهم إني أعوذ بك من أربع: من زوجة تشيبني قبل المشيب، ومن ولد يكون علي سيداً، ومن مال أُحاسب عليه في قبري ويتمتع به ورثتي من بعدي، ومن جار المقامة -الدار- إن رأى سيئة أذاعها وإن رأى حسنة كتمها.
وهناك أناس كثيرون بنفس هذه الصفات، عندما يرى منك حسنة يكتمها.
وأنت إذا وضعت امرأتك على ميزان سترى حسناتها أكثر من سيئاتها، وهي كذلك عندما تضعك على الميزان ستجد أن حسناتك أكثر من سيئاتك، فيتعافى الناس ويصطلحون مع بعض ويتعودون على التعامل بالمعروف.
يحكى أنه كان يقول المتخاصمان للإمام الشافعي: يا إمام! اقض بيننا فيقول: ما قضيتكما؟ فيقول أحدهما: لي عند هذا مبلغ ويقول لي: أنظرني، فكان الشافعي يقول: أأعاملكما بالعدل أم أقضي بينكما بالفضل؟ يقولان: ما معنى العدل وما معنى الفضل؟ فيقول: العدل: أن يأخذ صاحب الحق حقه، والفضل: أن يعفو صاحب الحق عن حقه، ومن عفا عن حقه عفا الله عنه يوم الكرب.
ولذلك يروى أن رجلين وقفا بين يدي المولى ، وأحدهما عنده للآخر حق، فقال الله لصاحب الحق: انظر خلفك، فيرى في الجنة قصوراً وقباباً من لؤلؤ وفضة وزبرجد وياقوت وما لا عين رأت، فيقول: يا رب! لأي نبي هذه، أم لأي صدّيق، أم لأي شهيد؟ فيقول الله: للذي يعطي الثمن.
قال: وما ثمنه؟ قال: أن تعفو عن صاحبك.
فيقول: يا رب! عفوت عنه.
فيقول الله: خذ بيد أخيك وادخلا إلى الجنة.
فالله هو العفو الغفور يعفو عن السيئات، وما عثرت بقدم ولا أصبت بشوكة إلا بذنب والله يعفو عن كثير، كان العربي إذا أصابه ألم يقول: حس حس، يعني آه آه، ولذلك يقول الله عن أهل الجنة: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢].
فالنار تتغيظ كما قال الله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] يعني: تكاد تتقطع، يقال: هذا فلان يمشي ويكاد يتقطع من كثرة غيظه.
стр. 430
مراقبة الإنسان ربه في النظرات والخطوات
عندما ينصحك أخوك المسلم في الله ويقول لك: يا فلان! اتق الله، يا فلان! اعمل كذا، يا فلان اعمل كذا، فلا تغضب، ورحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا، وأخذ الحسن البصري في يوم من الأيام متاعه على جنبه ومشى فقالوا له: ما هذا؟ قال: أجلس مع أناس يعرفونني عيوبي!! فالمؤمن مرآة أخيه، يعني: يرى فيه عيوب نفسه، والنصيحة على الملأ فضيحة فانصح أخاك المسلم بالرفق، ونفرض جدلاً أن واحداً أصغر منك سناً يقول لك: يا ابني! فيقول: ما هذا الكلام الذي تقوله؟! أنا متعلم قبل أن تلدك أمك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦].
كذلك سيدنا عيسى ﵇ وهو يمشي مع أحد الحواريين وكان يسمى عابد بني إسرائيل، مر عابد بني إسرائيل على فاجر بني إسرائيل فقال: يا روح الله! اسلك طريقاً غير هذا، أتطمع في إيمانه يا روح الله؟! ويشبه ذلك قول الناس في مكة، إذ كانوا يقولون: لو أسلم حمار الخطاب لأسلم عمر؛ وهذا من اليأس الذي وصلوا إليه، وقد كان النبي ﷺ يدعو: (اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين: عمرو بن هشام أو عمر بن الخطاب) فكان الصحابة يقولون: لو أسلم حمار الخطاب لأسلم عمر! فالمسلم لا ييأس أبداً، فاحذر أن تيأس من هداية زوجتك أو ابنك أو ابنتك، ولتحذر المرأة أن تيأس من هداية أختها أو أخيها أو ابنها أو زوجها! فما زال الأمل موجوداً.
قال عيسى: ما دامت فينا الروح فلن نيأس من هدايته بإذن الله.
ورب عبد أخذه شيء من الكبر، فقال عابد بني إسرائيل: يا روح الله! لو هدى الله هذا ودخل الجنة لرفضت أن أدخلها، فقال الله: يا عيسى! أحبطت عمل هذا وتبت على هذا، فجاء الفاجر ليقبل يد عيسى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فاحذر أن تتألى على الله، فإذا كان أخوك قد ظلمك فلا تقل: هذا لن يدخل الجنة! هل أنت رضوان حتى قرأت الأسماء؟ بل إن رضوان إلى هذا الوقت لم يقرأ الأسماء، فلا يجوز لك أن توزع وتقول: إن هذا من أهل الجنة وهذا من أهل النار حتى ولو كان كافراً، لكن لا بأس بالتعميم: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] ألا لعنة الله على الفسقة، ألا لعنة الله على الفجرة، تعمم ولا تخصص أحداً باللعنة إلا من لعنه الله ورسوله، ورغم ذلك لا تجعل في ذهنك أنك وصلت وغيرك لم يصل، ولا تقل: إنني ملتحٍ فسأدخل الجنة وحالق اللحية في الهلاك؛ لأنك بهذا تتألى على الله.
ويحكى أن توأماً في بني إسرائيل أحدهما ظل يعبد الله سبعين سنة، والآخر ظل يعصي الله سبعين سنة، فقال الفاجر في نفسه: سبعين سنة وأنا أعصي الله؟! سأذهب إلى أخي العابد لأقعد معه وأطلب منه أن يسامحني ويدعو لي، وأدخل لأعبد الله معه في صومعته فيما بقي من عمري، لكن الشيطان لم يدعه، بل لم يزل به حتى قال له: اذهب وهزئ أخاك، فذهب ورأى أخاه ساجداً فوضع رجله بحذائه على رقبته، فقال العابد: ارفع رجلك والله لن يغفر الله لك، فقال الله: من هذا المتألي عليّ؟ يا ملائكتي! قبلت هذا وأحبطت عمل هذا، فمات الفاجر على الإيمان، ومات العابد على الكفر؛ نسأل الله حسن الخاتمة.
فسوء الخاتمة وحسنها بيد الله، لكن يجب عليك أن تُحسن عملك؛ لأن الطاعات ستجتمع على قلبك فتكون نهايتك سعيدة إن شاء الله، والمعاصي قد تغلب على الإنسان.
وإياك أن تنظر إلى أخيك المسلم بنظرة كبر أو حقد أو حسد، ولا تنظر له نظرة علوية أبداً، ومن نظر إلى أخيه نظرة رحبة نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه فلن يعذبه يوم القيامة.
ومن ضمن العبادات النظر إلى الكعبة والنظر في المصحف وفي السماء والنظر في وجه العالم الصالح، والنظر إلى وجه الوالدين، كأن تقعد وتنظر إلى والدتك بحنان وحب وتقول: بارك الله فيكِ يا أمي! فإنَّ أبا هريرة كان قبل أن يخرج يقول: السلام عليكِ يا أُم أبي هريرة! جزاكِ الله عني خيراً كما ربيتني صغيراً، وتقول له: وعليك السلام يا بني! وجزاك عني خيراً كما بررتني كبيراً، فالود موجود بين الأم والابن، ودعاء الأم على ابنها مقبول.
نسأل الله أن يرقق قلوب الأبناء والبنات على آبائهم وأمهاتهم.
وراقب الله في خطواتك، فقد ثبت في الكتاب أن الأرجل ستشهد يوم القيامة وتقول: أنا ذهبت وأتيت؛ لأنك بالقدمين تسعى إلى كل خير، كذلك راقب الله في الخطرات واجعل هواك تبعاً لما جاء به رسول الله ﷺ .
стр. 431
من أسماء الجنة الجنة
فأول اسم من أسماء الجنة كلمة الجنة، والجنة: ما يستتر أهلها بداخلها كالبستان، وسمي الجن جناً لأننا لا نراهم، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] فقوله: (جن عليه الليل) يعني: ستره الليل، وذاك إنسان مجنون، أي: مستور العقل، ولذلك جيء برجل وقيل: يا رسول الله! هذا مجنون فقال ﷺ : (لا تقولوا: مجنون، وقولوا: مصاب، إنما المجنون من سُتر عن رحمة الله فالمجنون: هو المنحرف.
стр. 432
من أسماء الجنة دار السلام
كذلك تسمى بدار السلام، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥] وذلك لقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦] وللمؤمن في الجنة أربعة أبواب: باب يدخل عليه زوجاته من الحور العين، وباب يدخل عليه منه الغلمان والخدم، قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩]، وباب تدخل عليه منه الملائكة، وباب يدخل هو منه على الله ، فالملائكة تنادي، كما قال تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، والغلمان يسلمون، والحور العين يسلمن، وأصحابه الذين كانوا في الدنيا يدخلون معه ويسلمون، ثم ينادي منادٍ من قبل العلي الأعلى: والآن يسلم عليكم ربكم ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] فهذا السلام من الله لعباده، إذ يقول الله لهم: سلام عليكم يا عبادي! إني أحللتكم دار المقامة من فضلي، وإني قد رضيت عنكم فهل رضيتم عني؟ فيقولون: يا رب! وكيف لا نرضى وقد أحللتنا دار المقامة من فضلك لا يمسنا فيها نصب ولا لغوب؟! فيقول: يا عبادي! ولدي المزيد.
فيقولون: يا مولانا! وهل هناك مزيد أكثر من هذا؟ فيقول: سوف أبيح لكم وجهي فتنظرون إليه بكرة وعشياً.
قال سبحانه: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
المؤمن في الجنة يكون جالساً على أريكة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] أي: حشوها حرير، والبطانة غير الظهارة، هذا هو شكلها من الداخل، فكيف يكون شكل خارجها؟ إن الذي يدخل الجنة له فيها ما يشاء، فلو رأى مثلاً كبشاً أقرن في الجنة فقال: لو أن هذا الكبش ينزل فآكله مشوياً فهناك كلمة لو قالها لوجد الكبش مشوياً على طبق، هذه الكلمة هي: (سبحانك اللهم) وليس هذا فقط، بل إن أنهار الجنة ليس لها حواف ولا شاطئ.
وإن أي ملك من ملوك الجنة يقال له: السلام عليك أيها الملك! طوبى لك منزل الملوك عند ملك الملوك سبحانه، فأنت أيها المسلم! إذا اجتنبت ما حرم الله عليك في الدنيا، فاجتنبت الأكل في أواني الفضة والذهب، فسيعوضك الله خيراً منها في الجنة، قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥]، ففي الجنة أنهار من خمر لا غول فيها ولا تأثيم، لا تغتال العقول ولا تجعلك تنام، وأنهار من عسل مصفى، فعسل الدنيا مختلط بشمع النحل، أما عسل الآخرة فهو مصفى، لأن الله لم يأت به من النحل، وإنما أتى به من عنده هو.
وفي الجنة كذلك أنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من ماء غير آسن فهي مياه جارية من أنهار متفجرة وعيون متفجرة، فإن أردت مثلاً عصير الرمان، وتقول: أنا أريد عين رمان، فما عليك إلا أن تقول: سبحانك اللهم وتضع يدك على أرض الجنة فيفجر الله لك عين رمان، قال تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] لماذا؟
الجواب
﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٧ - ٩].
فإن أردت عصير تفاح وجدته، وإن أردت لبن عصفور وجدته، يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٣٤].
ومعنى كلمة سلام: هو سكون النفس والطمأنينة، والذي لا يجد سلاماً نفسياً لا يستطيع أن يعيش مع الناس في سلام، والسلام يأتي من السكينة، ولذلك قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] فإذا كنت تعيش في سلام وامرأتك تعيش في سلام؛ فالبيت كله سيعيش في سلام، وإن كان جيراني يعيشون في سلام، فإن كل الحي يعيش في سلام، إذاً: كل أهل المدينة يعيشون في سلام وكل العالم الإسلامي يعيش في سلام.
فإن كان بيتي لا يعيش في سلام ولا جاري ولا جار جاري، فإن المدينة كلها لا تعيش في سلام، فتجد الأخ يؤذي أخاه ويفتري عليه؛ لأنهم لا يعيشون في سلام؛ ومن ليس عنده سلام نفسي لا يستطيع أن يعيش؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولذلك فإن الجماعات التي تعيش في صراعات نفسية تفتقد السلام النفسي.
يحكى أن واحداً من كبار التابعين ذهب يزور أخاً له، فلما جاء إلى بيته قال: أين فلان؟ فقيل له: في بستانه، فاتجه إلى البستان فرأى أخاه تحت شجرة عنب، فرحب به وأعطاه عنقوداً مغسولاً وجعله في طبق، فأكل الضيف الأولى قبل أن تستوي فلم يمتنع من أكله حياءً، واستمر على ذلك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع كان صاحب العنب قد سمع درساً يقول: إذا كنت صائماً صيام تطوع وزارك أخوك المسلم وجعلت له أكلاً فكل معه؛ لكي تدخل عليه السرور، فإدخال السرور على المسلم فرض وصومك سنة، والفرض مقدم على السنة.
فأراد صاحب العنب أن يطبق الدرس فأكل أول واحدة من قطف العنب ولم يستطع تحملها، فقال لضيفه: وأنت تأكل من هذا منذ أن جئتني؟ قال: نعم، قال: لماذا لم تخبرني؟ قال: خفت أن يدخل في نفسك شيء، وتظن أنك قد آذيتني وما آذيتني؛ لأني قد صبرت على ما ابتليت به.
стр. 433
من أسماء الجنة دار الخلد
من أسماء الجنة: دار الخلد؛ لأن الذي يدخلها لا يخرج منها ولا يموت، قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧].
وكان العرب عندما يتحدثون عن ديمومة شيء يقولون: ما دامت السماوات والأرض؛ لأن العربي نشأ بين السماء والأرض، ونحن في المدينة وللأسف نرى العمارة العالية والسقف القريب، لكن العربي نشأ في الصحراء فوجد السماء فوق، فكان ذلك دليلاً على تعبيره أن الأمر دائم، فيقول: ما دامت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فهذا دليل على الاستمرارية، فهي دار الخلد.
وفي الحديث: (يا أهل الجنة! خلود بلا موت، يا أهل النار! خلود بلا موت) لكن خلود أهل النار - والعياذ بالله - خلود آخر قال تعالى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤] أما أهل الجنة فهو خالد حي لا يموت.
стр. 434
من أسماء الجنة دار المقامة
دار المقامة اسم من أسماء الجنة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥].
والمقام: هو النزل، والنزل عند العرب: ما يعد للضيف.
إذاً: دار المقامة أقام فيها خير قيام.
وسميت دار المقامة؛ لأنه يقيم فيها ولا يسافر ولا يهاجر ولا يتركها، اللهم اجعلنا من أهل دار المقامة يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ [فاطر:٣٥] أي: لا يمسنا فيها تعب الدنيا من مواصلات وأولاد وزوجات وجيران وغير ذلك، وكل هذا لا يأتيك، ولن تشعر بتعب أبداً ولا بكسل، ولا خمول ولا اكتئاب ولا حزن، ولا مني ولا بصاق ولا مخاط ولا آلام؛ إنما هو نعيم دائم وصحة دائمة وشباب دائم ونضرة دائمة وسرور دائم وفرح دائم ورضاً دائم.
стр. 435
من أسماء الجنة جنة المأوى وجنات عدن
من أسماء الجنة: جنة المأوى، يقال: أوى الإنسان إلى المكان أي: انضم إليه.
ومن أسمائها كذلك جنات عدن، يقال: عدن الإنسان في المكان يعني: أقام، وكان العربي يقول: عدنت الإبل في مكان كذا، يعني: وقفت في مكان كذا، فاللغة العربية عجيبة فالعربي يقول: صامت الشمس في كبد السماء، وصامت الإبل يعني: توقفت، وصام الإنسان أي: توقف عن الطعام والشراب والمعاشرة، ومثلها جنات عدن، يقال: عدن الإنسان من مقامه أي: أقام فيه ولم يسافر ولم يتركه، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم:٦١] أي: في الدنيا، إذ الجنة في الدنيا بالنسبة لك غيب، ولذلك قال الله تعالى في أول البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣].
قال علي بن أبي طالب ﵁: والله لو كُشف الحجاب بيني وبين الله لما ازددت من الله قرباً.
يروى أن سيدنا سعداً ﵁ مر على سيدنا عثمان بن عفان، فقال له: السلام عليك يا عثمان! لكن عثمان لم يرد، فعاد فقال: السلام عليك يا عثمان! فلم يرد، وكرر سعد السلام مرة ثالثة فلم يرد عثمان، فمشى سعد متضايقاً واشتكى إلى رسول الله ما حصل من عثمان، قال: يا رسول الله! مررت بـ عثمان فسلمت عليه ثلاث مرات فلم يرد السلام! فلما سأل رسول الله ﷺ عثمان عن ذلك، قال: يا رسول الله! ما سلّم عليّ.
قال سعد: يا رسول الله! سلّمت عليه ثلاثاً.
قال عثمان: والله ما سمعت.
فقال رسول الله ﷺ : (يا سعد! أنت صادق ويا عثمان! أنت صادق) فتعجب الصحابة رضوان الله عليهم، كيف يكون كلاهما على صواب والأمران متضاربان، وأحدهما يحلف بالله أنه سلّم والثاني يحلف بالله أنه لم يسمع؟ فأخبر النبي ﷺ أن سعداً سلمَّ على عثمان، لكن عثمان لم يسمع؛ لأنه كان منشغلاً مع الله سبحانه، إذ كان يسبح الله ويذكره ويصلي على رسول الله ﷺ .
يُذكر أن علياً ﵄ كان ماشياً فرأى أبا بكر آتياً فلم يسلم عليه، فذهب أبو بكر يشكو علياً للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : لِم لم تُسلّم على أبي بكر يا علي؟ قال: رأيت الليلة كأني أسير أنا وأبو بكر وعلى يميني قصر في الجنة، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل: لمن يبدأ صاحبه بالسلام، فسكت كي يبدأ أبو بكر بالسلام فيكون القصر له.
وهذا الحديث في متنه وسنده ضعف، لكن يقال في فضائل الأعمال.
وقد كان علي ﵁ يعمل بأجرة عند امرأة يهودية ينزح لها ماء من بئر ويسقي لها أرضها، فأعطته ستة دراهم، فمر مسكين على علي ﵁ فقال: أعطني مما أعطاك الله فأدخل علي ﵁ يده في جيبه وأعطاه الستة دراهم.
стр. 436
من أسماء الجنة دار الحيوان والفردوس وجنات النعيم
من أسماء الجنة دار الحيوان، والحيوان في اللغة: الحياة الدائمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤].
ومن أسمائها أيضاً: الفردوس، وهو أعلى شيء في الجنة، قال رسول الله ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى)، فإن الله عظيم وإذا سألت العظيم فاسأل عظيماً، فالسائل عندما يدخل على أحد كبار الأغنياء يقول له: أعطني لله ألف جنيه! وعندما يدخل على موظف صغير يقول له: أعطني ربع جنيه؟! فكل كيلة ولها كيّال.
يحكى أن أعرابياً دخل على كسرى فقال كسرى: يا أعرابي! تمنَّ علي؛ فقال الأعرابي: أطلب ألف دينار، قال: أعطوه! فقيل له في ذلك، فقال: وهل هناك عدد أكثر من الألف؟! ومن أسماء الجنة جنات النعيم، قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج:٥٦] والنعيم: ضد البؤس، كمن -والعياذ بالله- يقرأ الكف والخط، وقراءتهما حرام فإن الذي يقرأ الخط والكف ونحو ذلك ويعملها وهو معتقد بها فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله، والذي يقرأها ويعملها بنية التسلية لا يتقبل الله له عملاً أربعين يوماً.
فقد يأتي شخص ويقرأ خطاً لشخص آخر ويقول: ستكون عليك سنتان بؤساً، وهذا حرام لا يجوز.
стр. 437
من أسماء الجنة المقام الأمين
من أسماء الجنة المقام الأمين، فأنت في الدنيا لن تكون آمناً، إما أن تكون خائفاً من غدٍ أو متضايقاً من أمس؛ لكن في الجنة تأمن من تقلبات الأيام إذ لا توجد أيام.
يروى أن أعرابياً دخل على النبي ﷺ قال: يا رسول الله! أفي الجنة ليل؟ قال: (وما الذي هيّجك على هذا؟)، قال: يقول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢].
فقال الحبيب ﷺ : (بل يرون نوراً يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو) فلا عشي ولا ظلمة في الجنة إنما هو نور دائم، وفي الجنة ملائكة يدخلون عليك مرات عديدة في اليوم، مع أنه لا يوجد أيام هناك، لكن يدخلون عليك في الأوقات التي كنت تصلي فيها الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويأتونك بالهدايا من رب الهدايا؛ فانظر إلى ما كنت تهديه أنت إليه وما سوف يهديه هو إليك! فالهدية التي كنت تهديها له في الدنيا إن كانت ركعتين قد شككت فيهما؛ فانظر إلى ما سيعطيك الله مقابلها من هدايا يوم القيامة، سيعطيك هدايا لا تنقطع، وأعظم هدية أن يرضى عنك رب البرية سبحانه.
المقام الأمين معناه: المكان الأمين، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] وقال: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان:٥٥]، فجمع لهم بذلك أمن الطعام وأمن المكان، وأعظم آية نزلت على أهل مكة وعلى المسلمين قول تعالى في سورة قريش: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤] فقد أمّن الناس على بطنها.
يحكى أن أستاذاً فاضلاً كبر في السن وأصيب بالشلل، ولم يجد أحداً يأخذه إلى المسجد فكان كل يوم حتى في يوم الجمعة يريد أن يعمل خيراً، فجاء بقمح وأقفل الشرفة وأخذ يشاهد العصافير وهي تأكل، وذات مرة رأى العصافير لم تنزل فاستغرب، فاكتشف أن باب الشرفة مفتوح شيئاً ما، فالعصافير أحست أنه يعطيها الحب مصيدةً منه وفخاً، فلما لم تأمن على نفسها لم تأكل.
فلا بد أن تساعد في أمن الناس في أكلها ومعيشتها وحياتها، فإنه من روّع المؤمنين روّعه الله يوم القيامة، ومن أمّن المؤمنين أمّنه الله يوم القيامة؛ وقد ثبت في الأثر أن الصحابة أرادوا أن يمزحوا مع واحد منهم في إحدى الغزوات، فأخذوا منه السيف وهو نائم، فلما استيقظ فجأة خاف وارتاع فقال ﷺ (من روّع أخاه روّعه الله يوم القيامة) ولذلك أوجه نصيحة وأقول: يا سائق السيارة! أياً كنت لا ترعب الناس الذين يمشون، فإن الله يقول في صفات عباد الرحمن: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
стр. 438
من أسماء الجنة مقعد الصدق
من أسماء الجنة وهو آخرها مقعد الصدق ومقام الصدق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
فكل مقعد دائم يسمى بمقعد الصدق، وكل مقعد زائل يسمى بالمقعد الكاذب.
ويحرم على المسلم أن يشرب عند أخيه شيئاً ويقول: دائماً أو سفرة دائمة؛ لأن السفرة لن تدوم ولن يدوم صاحبها، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، فيفنى القصر ولو بعد حين، ويموت صاحبه ولو بعد حين.
يروى أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وقف أمام المرآة فأعجب بنفسه وقال: نعم الملك لو كان دائماً بجانبه قهرمانه، أي: مدير مكتبه.
قال له: يا أمير المؤمنين! تقول: نعم الملك لو كان دائماً، ولو كان دائماً لما وصل إليك، ولو دام لمن قبلنا لم يصل إلينا، ولو دام لنا لم يصل لمن بعدنا.
فالمقعد الصدق هو المقعد الدائم الذي لا يزول بإذن الله رب العالمين.
وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 439
سلسلة الدار الآخرة_وصف الجنة_صفات أهل الجنة
إن أهل الجنة قوم اصطفاهم الرحمن لجنته، واختارهم لمرضاته، وابتلاهم لتزداد درجاتهم، وتكثر حسناتهم، وقد ذكر الله سبحانه وصف عباده المؤمنين أهل الجنة في غير ما آية من كتابه ، وإن من أجمع وأعظم صفات أهل الجنة ما وصفهم الله به في آخر سورة الفرقان.
стр. 440
أهمية الحديث عن الدار الآخرة
الحمد لله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة السابعة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، نسأل الله في بداية هذه الجلسة الطيبة ألا يجعل بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً، نسألك يا مولانا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخط والنار.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك يا مولانا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم استجب دعاءنا، واشفنا واشف مرضانا، وارحمنا وارحم موتانا، أوقع الكافرين في الكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم من أراد بمسلم كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك.
اللهم انصرنا على أعدائك أعداء الدين، اللهم أعد إلينا المسجد الأقصى، اللهم طهره من رجس اليهود، اللهم طهر بيتك المسجد الأقصى من رجس اليهود، اللهم اقتلهم بدداً، وأحصهم عدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم انصرنا عليهم نصراً مؤزراً، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هذه حلقة جديدة في سلسلة الحديث عن الجنة وما فيها، ألا وهي الحلقة السادسة بإذن الله رب العالمين، نسأل الله سبحانه لنا ولكم وللمسلمين أن نكون من أهل الجنة، وسوف نقوم في هذه الحلقة إن شاء الله بزيارة لأحد قطاعات الجنة أو طائفة من سكان الجنة اللهم اجعلنا منهم يا رب! فنحن اليوم سنقوم بزيارة لننظر إلى هؤلاء الناس ما الذي أتى بهم إلى هذا المكان؟ وقد قلت وما زلت أكرر منذ أن بدأنا في الحلقة الأولى: أن حلقات الدار الآخرة ليست دراسة أكاديمية للحشر والنشور، والبعث والحساب، والميزان والنار وما فيها، والجنة وما فيها، وإنما المسألة أكبر من ذلك؛ لأن الحديث عن الدار الآخرة حديث يمس العقيدة بالدرجة الأولى، فالإنسان الذي يواظب على جلسات الدار الآخرة ويعقلها ويتعقلها يجد أنها تمس مسألة العقيدة؛ لأنني أوقن أنني قادم لا محالة على رب كريم رحيم غفور، قهار جبار قوي، يحاسبني على صغير الأمر وكبيره، ولا أريد أن تكون هذه المشاعر أو هذه العقيدة في هامش الشعور، إنني أريدها بالنسبة لحضراتكم في مركز الاهتمام؛ لأن ربنا هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فقدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة، مع أن العقل يقول: إن الحياة أولاً وبعدها الموت، لكن عندما يقدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة فإن هذا يدل على أن مسألة الموت، وهي الأساس.
وقلنا: إن الذي يموت يموت عرفاً بالنسبة لنا، فعندما يقال: فلان مات فمعنى هذا أننا ذهبنا وأخذناه من البيت، ووضعناه في مكان آخر وأغلقنا عليه، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يكلمنا ولا يعمل، ولا يكتسب ولا يكسب، وهذا إنما هو الجزء الظاهري في الموضوع، أما الجزء الأساسي فقد انتقل الميت من حياة الدنيا إلى حياة من نوع آخر.
إذاً: أنا أتخيل أنه لا يسمعني، وأنا لا أسمع العذاب، ولا أرى النعيم الذي هو فيه، يعني: إن القبور التي نمر عليها عبارة عن أحجار وتراب، ولكن في داخلها إما نعيم أو عذاب، فالقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فهو إما صورة مصغرة لما سوف يراه المؤمن في جنة الرضوان، أو صورة مما سوف يراه العبد في نار جهنم.
إذاً: الميت قد انتقل، وبعد أن كان يتحرك أصبح لا يتحرك، وبعد أن كان ينمو أصبح لا ينمو، وبعد أن كان يأكل ويشرب صار لا يأكل ولا يشرب، وبعد أن كان يسب وينظر صار لا يسب ولا ينظر، ولكن هل هو يسمعني؟ نعم، هل هو يراني؟ نعم، فالميت -سبحان الله- يستطيع أن يرى ويسمع.
وقد قلنا من قبل: إن الأرواح الجديدة تستقبلها الأرواح القديمة، وتسألها عن أحوال أهل الدنيا؛ كيف حال فلان؟ وكيف حال علان؟ والأسرة الفلانية كيف حالها؟ والأسرة العلانية كيف حالها؟ فعندما يسأل أحدهم عن فلان، وكيف حال فلان؟ فتقول روح العالم الذي بينهم: دعوها حتى تستريح من عناء الدنيا، إنه جاء فقد كان عمره ستين أو سبعين سنة أو ثمانين سنة ونزل فجأة، والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وإذا ما انتبهوا ندموا، ولن ينفع الندم بعد العدم، سبحان الله.
إذاً: الإنسان في الحياة الدنيا هو في حالة من النوم، وفي حالة من أحلام اليقظة، لكن اليقظة الحقة عندما ينزل القبر، قال الله له في تلك اللحظة: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] يعني: أكثر حدة، من أجل أن يرى الحقيقة بعينها، وكان العلماء يقولون له: يا أخي! يا حبيبي! لا داعي للخصام، لا داعي للمظالم، لا داعي للفوضى، اتق الله، انظر إلى حالك، انتبه أن تضيع أيامك، وينبهونك في محاضرات ولا فائدة، فأول ما يكشف عنه الغطاء يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فما أن يرى الملائكة أتت عليه، وملك الموت ينزع روحه ويسلمها للملائكة، فإن كان من أهل الجنة فملائكة الرحمة، وإن كان من النوع الثاني فملائكة العذاب.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] أي: من يرقى بروح هذا؟ إن كان مؤمناً فملائكة الرحمة يرتقون بروحه، وإن كان من أهل الانحراف والفجور فملائكة العذاب.
فإن كان مؤمناً قيل له: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان، ورب راض غير غضبان، هذا عندما يمشي على ما يرضي الله، وعندما لا يتفلسف، لأنه عندما تكثر الفلسفة فاعلم أن الإيمان قد قل، وأول ما تجد شخصاً يسأل في الجبر والاختيار، وهل نحن مسيرون أم مخيرون؟ فاعرف أن إيمانه ضعيف، مثله مثل التلميذ الفاشل، نسأل الله أن يبعد الفشل عن أبنائنا وأبناء المسلمين، فالولد الفاشل يضيع وقته باستمرار.
وإن كان العبد فاجراً يقال له: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سخط من الله وغضب؛ لأنه طوال حياته يقول الكلمة السيئة، وينظر النظرة السيئة، فهو في أعلى مستويات الكبر والفسق والفجور، يقال له: اتق الله، ارحم المسلمين، كن متواضعاً، فيعرض ويستهزئ، كلام العالم على قلبه ثقيل، وكفى بالمرء إثماً أن إذا قيل له اتق الله غضب، فذلك دليل على أن قلبه مطموس البصيرة، وإذا رأيت الرجل يأكل أو يشرب أو يضحك عند المقابر فاعلم أن قلبه قد مات، الذين يذهبون ويزورون، ويمكثون يأكلون ويشربون عند المقابر قد ماتت قلوبهم، والدولة مسئولة عن كل من يسكن المقابر ويجور على حرمة الأموات، قال ﷺ : (لأن تجلس على جمرة فتحرق ثوبك فتخلص إلى جلدك خير لك من أن تجلس على قبر).
فكيف بهؤلاء الذي يأكلون ويشربون ويستخدمون التلفاز ويفتحون أشرطة الكاسيت في المقابر؟ الناس قد انطمست بصائرهم فلا يرون، فهيبة الموت قد ضاعت، وصار الحانوتية الذين كان من الواجب أن يكونوا أحن الناس وأرق الناس قلوباً أبعد الناس، يتاجرون بالموت كما يتاجر أهل الطب في صحة الناس، وأهل الصيدلة في أدوية الناس، صار أصحاب الحانوتية يتاجرون في الموت، يناقش أحدهم كم سيأخذ بالضبط في قبر ميت قد مات؟! لا يرحم أهله إن كانوا فقراء، أو إن كانوا موظفين محدودي الدخل، فليتقوا الله رب العالمين، وإلا فلن يجدوا من يرحمهم يوم القيامة: (من لا يرحم لا يرحم)، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
إذاً: مسألة الدروس عن الدار الآخرة تمس العقيدة من أولها إلى آخرها، فمثلما تكلمنا عن النار وأهلها والعياذ بالله نتكلم عن الجنة وأهلها، ما صفة هؤلاء الناس؟ من الذي سيدخل الجنة؟ يقول أحد السلف: عجبت من النار كيف نام هاربها، وعجبت من الجنة كيف نام طالبها، ألا إنما الجنة محفوفة بالمكاره، ألا إنما النار محفوفة بالشهوات والملذات، يعني: الجنة قبلها عقبات حتى تصل إليها، وهي عقبات كثيرة تحتاج إلى صبر وتوكل وصدق ويقين، وثقة بالله ، وتحتاج إلى استماع لأوامر الله، ومجالسة لأهل العلم، وزيارات متكررة لبيت الله سبحانه، تريد أن يعود الإنسان نفسه على ذكر الله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] ليتشبه بملائكة الرحمن سبحانه؛ لأن سيدنا الحبيب ليلة المعراج قال: (رأيت آلافاً من الملائكة قياماً لا يركعون، وآلافاً أخرى راكعين لا يرفعون، وآلافاً أخرى ساجدين لا يقومون) وبعد هذه العبادة كلها يحشرون مع العباد يوم القيامة، وأول من يتكلم الملائكة، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك! لأن الله تجلى عليهم بنوره، وهم يعرفون مقام الله؛ ولذلك حتى حملة العرش الثمانية، يقول الأربعة الأولون: سبحانك على حلمك بعد علمك.
والله عليم بكل شيء، فلو أن ورقة في شجرة وقعت في القطب الشمالي فهي مكتوبة عنده في كتاب، ولو أن حبة قمح مغموسة في الرمال لا أحد يراها، فإن الله يراها، فهي مكتوبة عنده في كتاب.
وقد رأى رسول ا
стр. 441
صفات عباد الرحمن
أيها الإخوة! إن من ضمن قطاعات سكان الجنة قطاع عباد الرحمن، فعباد الرحمن في درجة عالية، ولهم ثلاث عشرة صفة، سأشرحها إن شاء الله، وكل واحد منا يبحث عنها هل هي موجودة فيه كلها أم بعضها؟ وقد يوجد فينا من تتوفر فيه هذه الثلاث عشرة نسأل الله أن يبارك فينا ويهدينا جميعاً سواء السبيل، لا حجر لفضل الله، فسيدنا علي كان يقول: يا رب قطرة من فيض جودك تملأ الأرض رياً، ونظرة من عين رضاك تقلب الكافر ولياً.
لأن الله عندما يرضى فليس لرضاه نهاية، يقول الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨].
فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب لما ماتت وغسلوها وكفنوها قال ﷺ : انتظروا، فنزل في قبرها وفرش عباءته، ثم اضطجع قليلاً في القبر، وخرج وترك العباءة، ثم قال: أدخلوها، قالوا: لماذا فعلت هذا يا رسول الله؟ إن فاطمة بنت أسد هي أم سيدنا علي أسلمت، وأبو طالب زوجها لم يسلم، لحكمة يعلمها الله، فالصحابة سألوا رسول الله عن هذا الفعل؟ فقال: (لقد كانت أبر بنا)، انظر إلى عدم نسيان الجميل! ليس كل الناس ينكرون الجميل، يعني: لا تحتقر جميلاً أو معروفاً صنعه فيك أخوك، لأن سيدنا الحبيب ﷺ يقول: (يا نساء الأنصار لا تحقرن جارة جارتها ولو فرسن شاة).
وفرسن الشاة: هو حافر الماعز فلو أن امرأة أحضرت لصاحبتها حافر ماعز تقول لها: بارك الله فيك؛ لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس، اشكروا من أجرى الله النعمة على يديه، وإن عز أخوك فهن؛ يعني: أخوك يعاملك بشكل جيد مدة سنتين، ثلاثة عشر عاماً، عشرين عاماً، وأخطأ خطأ، فلا داعي إلى أن تأخذ منه موقفاً، يقول النبي ﷺ : (الدين النصيحة! الدين النصيحة! قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
يا فاطمة بنت أسد! هنيئاً لك؛ فإن الرسول ذاكر لك الجميل، قال: (فرشت عباءتي حتى يخفف الله عنها من ضمة القبر، ونمت في مكانها قبل أن تلحد -يعني: قبل أن تدفن-، حتى يثبتها الله عند سؤال الملكين) فالنبي ﷺ شفع لها هنا، لكن قبل أن يشفع لها كانت من أهل الخير والصلاح، فعملها هو الذي شفع لها؛ ولذلك لم يكن الرسول يتدخل إلا إذا أذن الله له.
اللهم شفع فينا نبينا يا رب! اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، آمين يا رب العالمين!
стр. 442
من صفات عباد الرحمن التواضع
يقول الله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
قد يقول قائل: الحمد لله كلنا هكذا، وأقول: لا، إنني أتمنى أن أجد رجلاً مصرياً يمشي على الأرض هوناً، ولو وجدته فلن أقبل يده فقط، بل سأقبل رجله؛ لأنه دخل تحت طائفة عباد الرحمن، ونقول هذا الكلام لأننا في ساعة الرضا قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فلو أن امرأة تحب زوجة ابنها على سبيل المثال، فإذا فعلت زوجة ابنها أي خطأ فإنها تتغاضى عما حصل، وكأنه لم يحصل شيء، ولنفرض أن أم الولد غضبت على زوجة ابنها، فهل ستتغاضى عن خطئها؟ لا، تصير حسنات زوجة ابنها عيوباً، مثلما قال الشاعر: إذا صارت حسناتي اللاتي أدل بها لديك عوراً فقل لي كيف أعتذر؟ إذا كان القليل من الأخلاق التي أتخلق بها وأظن أن فيها خيراً والحمد لله تعتبر عندك عيوباً فكيف أعتذر لك؟ وكما قال الشاعر العربي عندما قال: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم فنعتذر نعم، هناك كبر بهذا الشكل، سبحان الله، فعندما ينصحك أخوك فتواضع، أين عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً؟! وكلمة (هوناً) معناها: الشيء الهين اللين السهل الخفيف، يقول ﷺ : (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض عدوك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)، ما معنى هذا؟ معناه: عندما تحب شخصاً لا تبالغ في حبه فتنقلب المحبة إلى العداوة، وكذلك العداوة يقول الشاعر: احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة ولكن هناك نقطة: عندما تكون المحبة في الله فلن يحصل خصام، وكيف تعرف أن هذه المحبة ليست لله؟ عندما تأتي وتنصح أخاك فيأخذ عليك في نفسه، وهذا معروف في الواقع، لكن هناك أناس ينكرون أصل الواقع، ولو أن أحداً قام بنصيحة أحدهم لا يقبل، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
(أحب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض عدوك هوناً ما) عندما تقع مشكلة بينك وبين زوجتك ويحضر أهلها، لا تذكر كل مساوئها، لا تكشف المستور بينك وبينها، لأنه إذا اصطلحتم كيف سيكون ماء وجهك أمامها؟ إلا إذا كنت لا تستحي فاصنع ما شئت! عائشة وحفصة تكلمتا كلمتين ليستا لائقتين، فأتى إليهن رسول الله ﷺ وقال لهن بعضاً من الكلام الذي تكلمن فيه، قال تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣] أي: لم يذكر كل ما قلنه، فقلن: من أنبأك بهذا؟ سبحان الله! إنه سؤال غريب جداً، فقال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] الشاهد أن الرسول أعرض عن الأشياء التي لا داعي لذكرها، ومثل سيدنا يوسف عندما فسر الرؤيا للملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٤]، فذهب إليه الذاهب يجري وقال له: يوسف أيها الصديق إن الملك يريدك، فسيدنا يوسف كان يجوز له أن يقص الرؤيا بأجرة، ولكنه فسرها لهم بلا مقابل، فعندما ذهب إليه قال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف:٤٦ - ٤٧] ففسر الرؤيا مباشرة، ولو كان شخصاً غيره فسيقول: أعطني الأمان، واسمع إلى سيدنا الحبيب ﷺ حيث قال: (لو كنت مكان أخي يوسف لطلبت أن أخرج قبل أن أؤول الرؤيا)! قال الملك: ائتوا به، فلما أتى لم يقل له: إن امرأتك عملت وفعلت، والنساء عملن، وكن يغازلن ويقلن كلاماً ليس لائقاً، وإنما قال له: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠] هذا هو الأدب! وهذا أحد السلف طلق امرأته فقال له شخص: لماذا طلقت امرأتك؟ قال: إن المؤمن لا يخرج أسرار بيته خارجه، فلما انقضت العدة وتزوجت غيره، أتى له من بعد وقال له: إن المرأة قد انقضت عدتها وتزوجت، فلماذا طلقتها؟ فقال: أنا لا أتكلم عن زوجة غيري.
هذا عدي بن حاتم الطائي كان الرسول ﷺ قد أهدر دمه، وقال: من لقي عدياً فليقتله، وليس له دية؛ لأنه كان قد شتم الرسول ﷺ .
فلما وقعت سفانة بنت حاتم الطائي أخت عدي في الأسر، أحضروا الأسرى وعرضوهم على سيدنا الحبيب، فدخلت سفانة وقالت: يا محمد! خل سبيلي، فك أسري، أنا ابنة أكرم رجل في العرب، أنا ابنة الرجل الذي كان يوقد نيرانه للضيف، كان يقري الضيف، ويعين الكل -الضعيف- ويغيث الملهوف، ويعين على نوائب الدهر، فقال الحبيب: (يا جارية! والله إن هذه لأخلاق المسلمين، ولو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلوا سبيلها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق).
فلما عادت إلى طيء قالت لـ عدي: يا عدي! إن محمداً ينزل الناس منازلهم، وهو غير الذي تظن فيه، فلو أنك ذهبت إليه لعفا عنك، وهل يعقل هذا؟ نعم يعقل، قال: ومن الذي يؤمنني؟ قالت: لن يؤمنك أحد غيره، فدخل المدينة، ولم يعرف بنفسه.
فلما وصل إلى الحبيب وقف على عتبة الباب، وكان أبو بكر جالساً بجانب الحبيب ﷺ ، وكان الصحابة يلاحظون أن أبا بكر لا ينزل عينيه من عيني سيدنا رسول الله، كان دائماً يحب ثلاثة أشياء كما قال: أحب الجلوس بين يديك، والنظر إليك، وإنفاق مالي عليك، فهمس أبو بكر إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله! هذا عدي بن حاتم الطائي يقف بالباب، فالرسول ﷺ نظر إلى وجه عدي فوجده آتياً بوجه غير الوجه الذي كان يشتمه به، فخلع الرسول ﷺ عباءته وأعطاها عدي وقال: اجلس يا عدي هاهنا، فجلس عدي ووضع عباءة الحبيب ﷺ على رأسه، هل رأيت مثل هؤلاء الناس؟ الإمام أبو الحسن الشاذلي ﵁ كان في بلاد فاس في المغرب، فرأى في المنام إبليس عرياناً وقال له: يا لعين! ألا تستحي من الناس؟! أليس هذا عيباً عليك؟! فقال له: هل هؤلاء أناس يا أبا الحسن؟! أتظن أن الذين تراهم أناس؟ فقال له: فأين الناس إذاً؟ قال له: الناس الذين هم في مسجد الشونازية في بلاد فاس في المغرب.
فقام من الرؤيا وجهز متاعه وركب واتكل على الله، فسافر مدة شهرين يريد أن يبحث عن الناس، فلما وصل مسجد الشونازية دخل ووجد خمسة جالسين بعد صلاة العصر يضعون خدودهم على كفوفهم، قال: فدخلت عليهم فقالوا في صوت واحد: يا أبا الحسن! لا يغرنك كلام اللعين في الرؤيا، إذاً هم أناس أم ليسوا بأناس؟! نعم، تجد بعض الناس إذا قرأ كتاباً في العلم قال لك: أبو حنيفة رجل وأنا رجل، أنت رجل؟ أنا لا أرى أنك رجل، ولا داعي لهذا الكلام أن يذكر في حلقات الآخرة.
إذاً: من صفات أهل الجنة ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
وكان الحبيب المصطفى ﷺ يأمر الصحابة بأن يمشي الإنسان رويداً لا يجري، لكنه كان له طبيعة خاصة، فإنه حين كان يمشي فكأنما يتحدر من صبب، أي: كأنه نازل إلى السفل، وكان يسير كأنما يتقلع تقلعاً، يرفع رجلاً ويضع رجلاً هكذا كان ﷺ ! سيدنا عطاء بن أبي رباح أحد التابعين ﵀ قال: والله ما التقيت بأحد إلا وظننت أنه خير مني، ونحن اليوم للأسف الشديد تجد الأخ ملتحياً ويمشي في الشارع، وآخر حليق اللحية يسلم عليه فلا يرد ﵇، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]! وهنا نقطة مهمة: لا تعير أخاك بالذنب فيعافيه الله ويبتليك، فانتبه أن تقول: فلان هذا لا يصلي وتستحقره أو تشتمه، ولكن قل: هداه الله، وادع له في ظهر الغيب، وذكره بالله واضحك معه وقل له: ما لك يا أخي لا تأتي لصلاة العصر؟! سيقول: يا أخي! إن وقت صلاة العصر وقت لعب كرة، فقل: يا أخي هي خمس دقائق تحضرها ثم عد، يعني: كن معه حنوناً، ليس بأن تقول له: تنشغل بالكرة! والله لن تفلح، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
جيء بـ نعيمان وهو يشرب الخمر، كلما أحضروه ضربوه بالنعال أمام رسول الله، فسيدنا عمر قال: أخزاه الله، أو لعنه الله، كم يؤتى به! فقال ﷺ : (لا تلعنه يا عمر! إنه رجل يحب الله ورسوله)، فقال نعيمان: ادع لي يا رسول الله! فوضع يده على اليد التي تمسك الكأس، والفم الذي يشرب- وقال: (اللهم اغفر ذنبه واهده)، فترك نعيمان شرب الخمر.
الرجل الذي أتى وهجا الحبيب في وجود الصحابة، قال: إنني لم أرض عن محمد، فكان الصحابة يريدون الفتك به، وكان الرسول ﷺ قد أعطاه فلم يرض، ثم أعطاه وقال: (أرضيت يا أعرابي؟ قال: نعم رضيت، فقال: قل للصحابة أنك رضيت، قال: يا صحابة محمد! قالوا: نعم، قال: قد رضيت عن محمد) انظر إلى وصف الحبيب ﷺ : (إنما مثلي ومثل هذا الرجل كمثل رجل له ناقة شردت، فتبعها الناس فما زادوها إلا نفوراً، فقال الرجل: يا قوم! خلوا بيني وبين ناقتي فجعل يجمع لها من قمام الأرض في حجره حتى جاءت، فناخت وا
стр. 443
من صفات عباد الرحمن الصفح عن الجاهلين
الصفة الثانية: قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
ومعنى (سلاماً) أي: سلامة منكم ومن جهلكم، من هم هؤلاء الجاهلون؟ أي إنسان بعيد عن الله فهو جاهل ولو كان حاصلاً على أعلى الدرجات العلمية، طالما أنه بعيد عن الله فاسمه جاهل، الذي عنده خشية من الله هو أعلم العلماء، فإنما العلم الخشية، وليس العلم كثرة الرواية.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾.
وهذا الحسن البصري عندما قال له شخص: يا فاجر، قال له: بارك الله فيك، فقال له: يا منافق، قال له: سامحك الله، قال له: يا زنديق، قال له: أكرمك الله برحمته، فالرجل قال: لا، الظاهر عليه أنه بارد الأعصاب لا يغضب، فمشى، ثم إن الحسن البصري قال له: لقد أخبرتني عن ثلاث صفات سيئة فقط، وعندي صفات غيرها أتريد أن تعرفها؟ فقال له الرجل: لو قلت لي كلمة لقلت لك عشراً، فقال له الحسن البصري: وأنت لو قلت لي مائة كلمة ما قلت لك كلمة، لم يكن هؤلاء يبحثون عن راحة أنفسهم، وأعصابهم كانت هادئة، لا تجد عندهم تصلب شرايين، ولا ضغطاً، ولا توتراً عصبياً.
يقول الله في حديثه القدسي: (ابن آدم! لو سمعت وصفك من غيرك لاحتقرت نفسك، وأنت لا تدري من الموصوف) لو سمعت صفتك وأخلاقك من شخص غيرك تقول: يا خسارة عليه، إنه كذا وكذا، وهو أنت، سبحان الله! الواحد منا لابد أن يعيد حساباته.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] قوله: ((قَالُوا سَلامًا)) أي: سلامة وتسليماً منكم أيها القوم الجاهلون! فالجاهل كل من هو بعيد عن الله، ولذلك سميت فترة العصر الذي قبل الإسلام بالجاهلية، العصر الذي فيه البعد عن الله وعبادة الأوثان، وهذه الجاهلية لا تخص عصراً بذاته، وإنما تعم كل انحراف للأمم بعيداً عن منهج الله فهذه اسمها جاهلية، حتى وإن كان في القرن الواحد والعشرين، طالما المجتمعات بعيدة عن الله فهي جاهلية.
إذاً: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فقد تجد شخصاً يضربك بسيارته، ثم تسمع منه الشتائم فاصبر، وعود نفسك على الصبر، يقول لك: يا كذا، قل له: بارك الله فيك يا أخي، هو يشتم، وأنت ترد عليه بأدب، لكن أحياناً شتائم غريبة، ولا نراها في أي دولة، لا في أوروبا ولا في أمريكا، لم تفتح الإشارة بعد، وإذا به يضغط على هاون السيارة والناس ينظرون إليه، وهو لا يبالي.
стр. 444
من صفات عباد الرحمن كثرة السجود والقيام
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
تجد أناساً بعد نصف الليل مستيقظين ينظرون إلى المسرحية لكن عباد الرحمن يسهرون الليل قياماً يصلون لينوروا قبورهم، ولقد كان يسمع في المدينة لبيوت الصحابة أزيز كأزيز النحل، كلهم يقومون الليل يصلون، وكلهم يذكرون الله، كلهم يسبحون الله؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
وكان الحسن البصري يقول: هذه ليلة الوقوف، فيقف يصلي في الركعتين بسبعة أو ثمانية أجزاء، ويأتي في اليوم الثاني ويقول: هذه ليلة الركوع، فيظل راكعاً طوال الليل، والليلة التي بعدها يظل ساجداً.
وهذا أبو حنيفة يقال له: يا أبا حنيفة! في كم تختم القرآن؟ قال له: في الصلاة أم خارج الصلاة؟ فقال: في الصلاة، قال: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟! ويأتي إليك طالب علم صغير يقول لك: نعم أبو حنيفة رجل وأنا رجل! إذاً: أبو حنيفة كان له ختمة في صلاة الليل وختمة في صلاة النهار، وختمة خارج الصلاة! فالعبد المسلم لابد أن يتخلق بقوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ [الفرقان:٦٤] وهي تكون صعبة في البداية، فيصلي ركعتين أولاً، ثم بعد ذلك يصلي أربعاً، ثم ست ركعات، ثم بعد ذلك يصلي نصف ساعة، ثم بعد ذلك تكون ساعة، وستتعود بعد ذلك على النوم القليل، تأكل قليلاً، وتنام قليلاً، وتذكر الله كثيراً، وإن أكلت كثيراً، ونمت كثيراً، ندمت طويلاً.
стр. 445
من صفات عباد الرحمن التعوذ من النار
الصفة الرابعة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥].
ما معنى غراماً؟ الغريم: هو الملازم، يعني: أن عذابها ملازم للمعذبين والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] سبحان الله! وهل يستعاذ من النار بالكلام أم بالعمل؟ بالعمل، نحن قلنا: إن الذي يدخل العبد النار العمل السيئ، مثل الكبائر، وأول شيء يقع في الكبائر اللسان، اللسان فيه أربع كبائر: الكذب، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والحالف بالله كاذباً، والغيبة والنميمة، وهذه كبائر لكن ليس لها حد، يعني: لو كانت شرب خمر، أو فواحش سيكون فيها جلد ورجم، لكن هذه كبائر ليس فيها حد، فمن الذي تاب منا من هذه الأربع؟! وكبائر العينين النظر إلى ما حرم الله، الإمام الشافعي رضوان الله عليه وقعت عينه على كعب امرأة، ليس كمثل بعضهم في عمله يعرف وجه السيدة مرجانة، والموظفة زميلتك، وتعرف تفاصيل حياتها أنت أكثر من زوجها، وهذا للأسف بسبب أن الحياء قد نزع من القلوب، وهي تشتكي لك وأنت تشتكي لها من امرأتك، وأسرار الأسر تخرج في المكاتب، نسأل الله السلامة! فالإمام الشافعي يقول: وقعت عيني على كعب امرأة فقلت حصيلة الحفظ عندي.
فذهب إلى وكيع وقال له: إن حفظي قد ساء فقال له: لابد أنك عصيت الله يا شافعي! فقال الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي وخرج الإمام أحمد بن حنبل ليصلي صلاة العصر، فلما خرج من البيت رأى في الطريق الريح رفعت جلباب امرأة ونظر إلى كعب رجلها، فوضع العباءة على وجهه وعاد إلى بيته، وقال: هذا زمان الفتن؛ ولذلك أمر النبي ﷺ المرأة أن ترخي جلبابها ذراعاً إلى الأرض، فجاءت امرأة وقالت للنبي ﷺ : إن الثياب إذا طالت إلى الأرض قد تصيبها النجاسة فقال: (ألا تمرون على أرض جافة؟ قالت: بلى يا رسول الله، قال: هذا يطهر هذا).
ويقول النبي ﷺ : (إن العين تزني وزناها النظر)، والنظرة سهم من سهام إبليس، وإذا غض العبد بصره يجد حلاوته في قلبه، وتنطق الحكمة على لسانه، قال الشاعر: كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر تجد الموظفات والموظفين في المكاتب: فلانة أحلى من فلانة، وفلانة أجمل من فلانة، نسأل الله السلامة، وآخر يقول: إن امرأتك كانت تمشي في الشارع، وما يدريك أنها امرأته؟ إذاً: هذه العين من زناها النظر إلى ما حرم الله.
ومن الكبائر التي تقترفها العين النظر إلى المسلم باستهزاء أو سخرية أو كبر أو عدم قبول النصيحة، ينظر إليه بازدراء ويقول: إنني نظرت إليه بنظرة أحرقته! كذلك من الكبائر التي تقترفها العين الحسد، إن الحسد ليدخل الرجل القبر، ويدخل الجمل القدر، مثلما قلنا في الحلقة الماضية، فارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في صنعه لأنك لم ترض لي ما وهب فجازاك ربي بأن زادني وسد بوجهك باب الطلب الحسود كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، النار عندما لا تجد ما تحرقه تحرق نفسها مباشرة، فهكذا الحسود يأكل نفسه حتى ينتهي، ولن يأخذ إلا ما قدر له.
أنا أحدثك عن الكبائر من أجل آية: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] أي: بئس المستقر وبئس المقام! من الكبائر التي تقترفها اليدان: الرشوة، والسرقة، وأنا أشك أنه لا يوجد هناك مصلحة في مصر إلا ويوجد فيها رجل مرتش، وسيدنا موسى يقول: يا بني إسرائيل! إن الله لن ينزل علينا المطر من أجل شخص عاص موجود بيننا، فكم من مرتش في مصر! كم من ظالم في مصر! من القمة إلى القاع كلهم أهل رشوة، وينتظرون رحمة الله، المسألة صعبة، المسألة تحتاج إعادة نظر كل منا في نفسه.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور:٣١] نريد أن تكون منهاج عمل في أنفسنا وفي بيوتنا وعلى نسائنا وأقاربنا، وهكذا نكون دعاة خير، نمثل صدق الحبيب المصطفى ﷺ .
كذلك من الكبائر: إيذاء المسلمين، قال ﷺ : (من رفع على أخيه حديدة فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله).
وقال ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل يا رسول الله! فما بال المقتول؟ قال: كان حريصاً على قتل صاحبه)، ويقول ﷺ كما في الترمذي: (لزوال الأرض والسماوات وما فيهن أهون عند الله من قتل عبد مسلم)، قال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] لأن القاتل عندما يقتل شخصاً عنده أمل في أن يقتل البشرية كلها في صفة هذا الشخص، فيا ويل الذين يقتلون الناس مادياً ومعنوياً! فإن هناك أناساً يقتلون الناس معنوياً، يغضبونه في عمله حتى إن الرجل لا يطيق الشغل ولا الوظيفة حتى يأتي له الجنون، فينقلونه إلى مستشفى الأمراض العقلية نتيجة الأمراض النفسية التي أصيب بها، هذا نوع من القتل، وهو أنكى وأصعب، فوالله إن الذي يقتل برصاصة أو بحادث سيارة أو بسكين أو بسم لأهون من الذي يقتل كل يوم! ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت يعيش كئيباً كاسفاً باله قليل الرجاء وعندنا خطأ في كثير من الاصطلاحات، اليتيم: من مات أبوه دون سن البلوغ، لكن شوقي له نظرة أخرى جميلة جداً، يقول: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً الأم تخرج إلى العمل في الصباح الساعة الخامسة، والأب يخرج إلى العمل الساعة العاشرة بالليل، والأولاد يتربون عند الجيران أو في الشارع، ويكون معهم المفتاح أو ليس معهم مفتاح، تراهم عاكفين على الفيديو أو على أي ضلال، وتأتي في الأخير فتجني ثمرة غفلته عن تربية ابنه، وتجني ثمرة عملها نتيجة تقصيرها في تربية ابنها، لا تغضب الموظفات علينا، إننا ما أردنا لهن إلا الخير، ونسأل الله أن يهدينا جميعاً، والله سيبارك في القليل، المرأة الموظفة عندما تجلس في البيت، وبدلاً من أنها تريد ثلاثة أو أربعة أحذية في السنة، فإن حذاء واحداً يكفيها طوال السنة، و (فستانان) تمشي بهما الحال، لكن أن تذهب كل يوم وهي لابسة لبساً جديداً، فلماذا تحمل زوجها ما لا طاقة له به؟! ولننظر إلى الكبائر التي في القلب، القلب يغش المسلمين، ويعامل الناس على غش: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب لا خير في ود امرئ متقلب يهفو إليك وقلبه يتقلب يلقاك بوجه أبي بكر وبقلب أبي جهل، ونحن لا نريد هذا، إنما نريد الصدق، فلا تأخذ في نفسك على أخيك المسلم، فيكفي أنه سلم عليك وزارك، فإنه يزول ما بينكما، لكن لو كان في قلبك غش لا ينفع.
كذلك الظن السيئ بأخيك المسلم، تقول: فلان يتكبر علينا، وفلان عمل كذا وكذا! فأقول: لا تظن الظن السيئ، وإذا عرف السبب بطل العجب، ولا تنظر من (البلكونة) الساعة واحدة بالليل وتلقى جارتك آتية وهي مهمومة، أبوها مريض، وزوجها حصل له مشكلة، لم يلق أحداً يحضر الدواء فتظن بها سوءاً، قال تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
لكن أنت لا تضع أهلك ولا نفسك مواضع الشبهات، سيدنا الحبيب كان يمشي مع السيدة صفية فلقي ثلاثة من الصحابة فنظروا إليه، فالرسول رجع بالسيدة صفية، وقال: هذه صفية زوجتي، قالوا: يا رسول الله! أنشك فيك؟ قال: ليكلا تهلكوا؛ لأنهم لو شكوا في الرسول هلكوا.
احم نفسك من نفسك، لا داعي للظن السيئ، التمس لأخيك من عذر إلى سبعين عذراً، فإن لم تعرف له عذراً فقل: عسى أن يكون له عذر لا أعرفه، قل: يا أخي! يمكن أنه متضايق، لعل أصحاب الأمن أزعجوه.
إذاً: التمس لأخيك الأعذار، الأخ يمكن أن أولاده يتعبونه في البيت، يمكن أن امرأته مريضة، ويمكن أن عنده مشاكل وأنا لا أعرفها، يمكن هناك سبب أصلاً أنا لا أعرفه.
كذلك من الكبائر القلبية المكر السيئ، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣].
ولننظر إلى كبائر البدن كله، من كبائر البدن عقوق الوالدين، ولا يدخل الجنة عاق لوالديه، ولن يدخل النار بار بوالديه، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة.
كذلك من الكبائر التي تقترفها الأذن الاستماع إلى الأغاني واللهو والفوضى والرقص والكلام الفارغ وغيره، إن هذه الأذن هي التي تقربك من الله ، استخدمها في طاعة الله.
стр. 446
من صفات عباد الرحمن الإنفاق دون إسراف أو تقتير
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
أول ما نتحدث عن الإنفاق للأسف يقع في ذهنك موضوع النقود، يا أخي! إن الإنفاق ليس مقصوراً على المال، إن نفقة المال هي إحدى النفقات، فعندما تنفق من كلامك لا تتكلم كثيراً، وعندما تحب أن تنصح لا تكثر جداً ولا تقلل جداً، فإن الأمة المحمدية أمة وسط، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فخير الأمم أمة الحبيب المصطفى ﷺ .
وهناك شخص يكون سفيهاً، ينفق أكثر مما يملك، فهذا سفيه، وشخص آخر والعياذ بالله بخيل، وكلاهما شر، والخير هو أن يعيش العبد على قدر نفسه (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) عندما تكون رجلاً غنياً، فإن الله يحب أن يراك لابساً ثياباً جيدة، وراكباً مركباً جيداً، وساكناً سكناً جيداً؛ فإن الله يزيدك، وإذا لم يعطك يحب أن يراك صبوراً، قنوعاً شكوراً، متوكلاً على الله، تعرف أن الله سوف يعوضك يوم القيامة؛ ولذلك قال: (إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل أغنيائها بنصف يوم) وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون؛ لأن الفقير لا مال له يحاسب عليه، ولذلك قال أحد الجالسين: أنا فقير يا رسول الله! قال له: أئن تغديت بقي عندك للعشاء وإن تعشيت بقي عندك للصباح؟ قال له: نعم، قال له: إذاً لست بفقير.
وقال الثاني: أنا يا رسول الله فقير، إنني إذا تغديت لا يوجد عندي للعشاء، وإذا تعشيت لا يبقى معي للصبح؟ فقال له: لك ثوب غير هذا الثوب الذي تلبسه؟ قال: نعم، قال: لست فقيراً.
وقال الثالث: أنا يا رسول الله فقير، إذا تغديت لا يبقى العشاء! وإذا تعشيت لا يبقى الصبوح؟ قال له: أئن استقرضت الناس أقرضوك؟ قال: نعم، قال له: لست فقيراً، لأنهم لا يسلفونك إلا من أجل أنك سوف ترد مالهم.
وقال الرابع: أنا يا رسول الله فقير، وعندما أتعشى لا يوجد معي للصباح، وعندما أذهب أستلف من الناس لا يسلفوني؛ لأنهم يعرفون أنني لا أستطيع القضاء؟ قال له: أتستطيع أن تعمل؟ قال له: نعم، قال له: لست بفقير.
وقال الخامس: أنا يا رسول الله فقير، كل الشروط الأربعة منطبقة علي، حتى إنني لا أستطيع أن أعمل مثلما ترى أنني عاجز، قال له: أتمسي عن ربك راضياً وتصبح راضياً؟ قال له: نعم، قال له: أنت من الذين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، ليس كمن يركب (الأوتوبيس) وينظر رجلاً آخر بجانبه يركب فوق سيارة فارهة فيقول: هؤلاء هم السرق كلهم، لماذا تجزم أنهم كلهم سرق؟! ألم يكن هناك عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو بكر الصديق وإلى جانبهم بلال وعمار وياسر وعبد الله بن أم مكتوم وعبد الله بن مسعود؟! هذا الغني وهذا الفقير! فكانوا إذا التقوا يتعاملون بالحب لا بالكراهية.
وأنا أريد أن أقول: إن لم نخرج من هذا بالحب، ونراجع أنفسنا في مسألة الكبائر فلا فائدة في الدروس.
أشكر لكم حسن استماعكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 447
سلسلة الدار الآخرة_الجنة وعباد الرحمن [١]
ذكر الله في كتابه الكريم الجنة وما يقرب إليها من الأعمال، وذكر النار وما يسبب دخولها من الأعمال، وذكر صفات أهل الجنة للتحلي بها، وصفات أهل النار لترك الاتصاف بها، وإن من صفات أهل الجنة صفات عباد الرحمن التي ذكرت في آخر سورة الفرقان، تلك الصفات العجيبة التي لا يتصف بها إلا أهل الصبر.
стр. 448
الأسباب الحاجبة للسعادة
نحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثامنة والعشرون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة السادسة في الجنة.
اللهم اجعل الجنة مآلنا يا رب العالمين، اجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً.
لا تجعل لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً، أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، اجعل اللهم الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، تعلم أننا مقهورون فانصرنا، أذلون فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا.
اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك، اللهم عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك، إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصل إلينا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك يا رب رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، لا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً.
هذه هي الحلقة السابعة في الجنة إن شاء الله، وقد عشنا حلقات ست قبل هذه الحلقة، ورأينا كيف أن العبد يحاول أن ينال رحمة الله ، فرحمة الله ونوالها بأسباب ومسببات، فإن الله جعل لكل شيء سبباً، هذه سنة الله في خلقه، فجعل مثلاً الأكل سبب الشبع، شخص يمرض يذهب للطبيب فيكتب له الدواء، ولكن الشبع والري والشفاء والتيسير كله بيده سبحانه.
ومن أراد سعادة الدارين فهناك أسباب جعلها الله تجلب لك السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أجل أن تبحث عن الأسباب الجالبة لسعادة الدارين فابحث أولاً عن الأسباب الماحقة لسعادة الدارين، اللهم اجعلنا من سعداء الدارين يا رب العالمين! هناك أسباب ثلاثة تحجب قلبك عن الله ، والعياذ بالله، اللهم لا تحجب قلوبنا عنك يا رب! أول سبب: الفرح بالموجود، والحزن على المفقود، والسرور بالمدح، هذه الثلاثة التي تجعل بينك وبين الله حجاب، أو تمنع نور الإيمان أن يغشى قلبك، أو أن يتسرب إلى قلبك، أو أن يتشربه قلبك.
стр. 449
الفرح بالموجود
أول سبب: الفرح بالموجود، وهو أن تفرح بالشيء الذي في يدك، فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص؛ لأن سبب طرد أبينا آدم ﵇ من الجنة إلى الأرض أنه كان حريصاً، قال الله له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] فكان حريصاً على أن ينتقل من حال إلى حال، إما أن يكون ملكاً، وإما أن يخلد في الدنيا، وهذا الثاني حرص على الحياة، أما الحرص الأول على أن يكون ملكاً فهو حرص جيد.
لكن إبليس أقسم لأبينا آدم: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] وقلنا قبل ذلك إن ابن آدم قال لأبيه: يا أبت! كيف تطيع الشيطان وتعصي الرحمن؟ قال: يا بني! والله ما ظننت أن أحداً يقسم بالله كاذباً، وقد ذكر الله الشهوات في آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران:١٤]، فعدد الشهوات الخمس التي كلنا نريدها ونغرق فيها، هكذا يفرح الإنسان بالموجود.
стр. 450
الحزن على المفقود
السبب الثاني الحزن على المفقود: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا لنسأل بعدها عن كل شي الكارثة أن الدنيا ليست النهاية، فالإنسان منا يحزن بعد الفرح، فعندما يفقد العافية يحزن، فإذا حزن فهو ضعيف الإيمان؛ لأن الحزن على المفقود دليل ضعف اليقين عند العبد، فلا تحزن إلا إذا رأيت نفسك بعيداً عن الله، ويكون ذلك بأن تعصيك جوارحك فلا تستطيع أن تسيطر عليها، ولا أن تتحكم فيها، فعيناك مثل برج المراقبة، تتطلعان في الذاهب والآتي، والذاهبة والآتية، وأذناك تسمعان الفكاهات والأغاني والموسيقى، والغيبة والنميمة، والكلام السيئ، والخوض في أعراض الناس، ولسانك يخوض في الأعراض، ويسب ويلعن، وقلبك لست قادراً على أن تسيطر عليه من الحسد والكبر والحقد والضغينة، ويدك ليست قادرة على أن تتوب عن الاختلاس والرشوة، والامتداد إلى ما حرم الله، ومصافحة النساء، ورجلك لا تقدر أن تقصرها عن الذهاب إلى أماكن اللهو واللعب وأماكن البعد عن الله ، يعني: تخيل الناس الذين يقعدون في الأستاد ينفعلون مع الكرة، تجده يأتي منفعلاً، ويذهب منفعلاً، ويضرب على دماغه، وربما تأتي له سكتة قلبية، ولو مات في الأستاد فإنه يسمى: شهيد الكرة، فأين يذهب من الله؟! سوف يبعث يوم القيامة يحيي، يحيي من؟! ويهتف لمن؟! لذلك عرفنا التقوى في كلمة: وهي ألا يجدك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك، مثاله: روى الترمذي في سننه عن ابن عمر ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ : (إن الله له ثلاثمائة نظرة إلى العبد المؤمن كل يوم، ومن نظر الله إليه نظرة فلن يعذبه يوم القيامة، إلا صاحب الشاة)، وصاحب الشاة هو الذي يلعب الشطرنج، سبحان الله! تخيل رجلاً يظل يلعب: كش ملك كش ملك، لمدة ثلاث أو أربع أو خمس ساعات في اليوم، يقول لك: هي تنمي الذكاء، لا إله إلا الله! لا تضيع وقتك في ما لا يرضي الله؛ ولذلك: (لاعب الشطرنج كمن يأكل لحم الخنزير والناظر إليه كالغامس يده في دم الخنزير) هذا كلام الحبيب المصطفى ﷺ .
وهناك مصيبة ثانية وهي لعب النرد، والنرد حرام، فربنا عندما ينظر إلي نظرة وأنا جالس ألعب شطرنج وألعب النرد وأعصي الله، وجالس أمام التلفاز أخوض في أعراض الناس، وأتحدث عن هذا، وأخوض في عرض هذا، فكيف تكون النظرة؟! إن الله خبأ رضاه في طاعته، وخبأ سخطه في معصيته، فربما في لحظة من لحظات الطاعة ينظر إليك الله نظرة، فيقول: إني قد رضيت عنه فلن أسخط عليه بعد ذلك، فتحصل لك السعادة في الدارين، اللهم اجعلنا منهم يا رب!
стр. 451
السرور بالمدح
السبب الثالث: أن تسر بالمدح: (احثوا في وجوه المداحين التراب)، (ومدح رجل رجلاً أمام رسول الله ﷺ فقال: قصمت ظهر أخيك) أي: كسرته؛ لأن العبد منا يريد المدح والثناء، وبعض المسئولين في الدول المتخلفة عندما يلتقي بعضهم مع بعض كل واحد يقول للآخر: أنت ليس أحد مثلك! وبدونك سنضيع! فيقول في نفسه: أنا عمر بن الخطاب أنا علي بن أبي طالب أنا ليس أحد أفضل مني، ويبدأ يمدح نفسه.
فيقول ﷺ : (احثوا في وجوه المداحين التراب)، ولذلك إذا أردت أن تمدح أخاك المسلم فقل: أحسبه كذلك، ولا أزكيه على الله، كان سيدنا أبو بكر يمدحه سيدنا عمر نفسه ويقول: يا ليت لي يوم وليلة من أيام وليالي أبي بكر! قالوا: ما هي الليلة وما هو اليوم؟ قال: أما اليوم فيوم الردة، حيث وقف وحده وقال: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة.
والليلة الثانية: يوم أن بات مع الرسول في الغار أيام الهجرة.
ولذلك عندما كان يصله المدح ﵁ يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيراً مما يظنون.
وهذا تواضع منه، فهذه عظمة الصديق تلميذ رسول الله ﷺ ، ولذلك عندما نأتي لنذكر مثل هذه القصص وإن كانت معادة لكنها تشرح الصدور، نحن أتينا من بيوتنا ومن شغلنا فمنا من صدره ضيق، ومنا من أغضبته امرأته، ومنا من رفع عليه قضية، نسأل الله أن يجعل شرح صدورنا في بيته، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
قال عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين: يا معشر صحابة رسول الله! ليتمن كل واحد منكم أمنية، قال أولهم: أما أنا فأتمنى جبلاً مثل جبل أحد من الذهب والفضة كي أنفقه في سبيل الله تعالى! وقال الثاني: أتمنى وادياً كوادي عوف مليئاً بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى.
وأنت يا أمير المؤمنين ما هي أمنيتك؟ قال: أمنية عزيزة! حيث قال: أتمنى مسجداً مثل هذا المسجد مليئاً برجال من أمثال أبي بكر الصديق.
يتمنى أماني عظيمة، يتمنى مسجداً مليئاً رجال أمثال صديق الأمة هذا! فالمسلم يستطيع أن يقترب من الله بأن يمنع الموانع التي تحجبه عن الله، فتحجب القلوب عن هذه الثلاثة: الفرح بالموجود، والحزن على المفقود، والسرور بالمدح.
стр. 452
أهمية مراقبة الله
كذلك مراقبة العبد لله؛ ولذلك ربنا يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] جنة لأنه رجا رحمة الله، وجنة لأنه خاف من عقاب الله: (ولمن خاف مقام ربه)، مقام الله هل هو مثل مقام سيدنا الولي؟ لا، مقام الله: كل ما أقامك الله فيه فإن الله مطلع عليك، فأنت تخاف في كل مقام أن يراك الله على معصية، فهو ناظر إليك في كل وقت وحين، لا يراك على معصية؟ لأن أعمالنا تعرض على الله عرضين في اليوم، وعرض أسبوعي، وعرض سنوي، كيف؟ سيدنا الحبيب ﷺ وجده الصحابة يكثر من صيام يومي الإثنين والخميس، فقالوا له: لماذا يا رسول الله؟ الدراويش الذين لا يعرفون علم الحديث يقولون لك: يوم الإثنين هذا يوم ولد فيه المصطفى، فالدرويش يقول لك: هذا دليل على أنه كان يحتفل بيوم ميلاده.
قيل لـ عمر بن الخطاب: مالك تلبس ثياباً مقطعة؟ ومالك تأكل العيش والملح؟ قال: لقد كنت مع رسول الله ﷺ خادمه وجلوازه -الجلواز: العسكري- إن شاء أرسلني أرسلني، وإن شاء غمدني غمدني، جاعله مثل السيف، حتى قبض وهو عني راضٍ وأنا بذلك أرضى، ثم جاء من بعده أبو بكر فكنت خادمه وجلوازه إن شاء أرسلني أرسلني، وإن شاء أغمدني أغمدني، حتى قبض وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أرضى، وأخاف إن بدلت أو غيرت ألا ألحق بهما في الجنة! دخل عمر الشام فلقيه الأمراء وأخبروه بطاعون عمواس، بلد اسمها عمواس والطاعون منتشر فيها، فاستشارهم عمر: هل نمكث أو نخرج؟ فانقسم الصحابة إلى قسمين، فبعضهم قال: توكل على الله، فما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وبعضهم قالوا: لا ندخل، يقول تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقال: يا أمير المؤمنين! سمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: (إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا كان بأرض ولستم بها فلا تدخلوها)، قال: صدق رسول الله، وعاد من فوره استناداً لقول الحبيب ﷺ .
فالرسول ﷺ قال هذا فلا داعي للفلسفة يأتي قول: هل الحديث صحيح أم أنه ضعيف؟ يا أخي! العالم هو الذي يقف ويتحمل وزرك ووزر الذين وراءك، يعني: يتحمل الوزر على قنطرة تعبر بها أنت إلى الجنة ويسقط هو في قعر جهنم، العلم أمانة، ويجب أن من تولى أمر العلم وتولى تعليم الناس أن يتقي الله رب العالمين، اللهم اجعلنا من أهل التقوى يا أكرم الأكرمين! فلما سئل رسول الله عن صيام يوم الإثنين والخميس قال: (هذان يومان يعرض عملي على الله فيهما، وأنا أحب أن يعرض عملي على الله وأنا صائم)، وهذا هو العرض الأسبوعي.
وهناك عرضان للأعمال في اليوم، يقول النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، فملائكة الليل تسلم أعمال النهار وقت صلاة العصر بعد انصراف الإمام ثم يسأل الله الملائكة: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، وفي صلاة الفجر: كيف تركتم عبادي؟ يقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، قال: أشهدكم يا ملائكتي أني قبلت عبادتهم، وغفرت ذنوبهم، ورضيت عنهم).
هذا هو العرض اليومي.
فلا بد أن تعلم أن هناك عرضين: في اليوم، وفي الأسبوع كذلك يوم الإثنين ويوم الخميس يعرض العمل على الله وهو العمل الإجمالي، أما التفاصيل فإن الله يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، يراك نائماً ويقظان، وجالساً ومضطجعاً، ومتحركاً وساكناً، ومحبوساً وطليقاً، وحزيناً وفرحاً، في كل حالة وفي كل حين، لا تخفى عليه خافية.
كذلك في كل شهر أيام مفضلة عند الله، وهي الأيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، ففي نصف الشهر كذلك عرض للعمل فتصوم هذه الأيام، فيكون هذا عرضاً آخر، كذلك شعبان شهر يغفل عنه الناس -بين رجب ورمضان- تعرض فيه أعمال الأمة، وهذا عرض سنوي! إذاً: من أصبح وأمسى ولسانه رطب بذكر الله أصبح وأمسى وليس عليه خطيئة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]؛ لأنك متقلب في نعم الله الثلاث التي قلنا عليها قبل ذلك، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
فاللهم اشحن قلوبنا بالخير والطاعة يا رب العالمين.
стр. 453
صفات عباد الرحمن
في يوم الإثنين الماضي قلنا: إننا قمنا بزيارة إلى عباد الرحمن، وقلنا: إن لعباد الرحمن ثلاث عشرة صفة، شرحنا منها خمس صفات.
стр. 454
من صفات عباد الرحمن التواضع
أول صفة لهم: التواضع.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] وعرفنا ما معنى كلمة: (هوناً) وأنه المشي بالهداوة: سر إن استطعت في الهواء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد رب قبر قد صار قبراً مراراً ضاحكٍ من تزاحم الأضداد فعجباً من الأخوة الذين يرفعون قضية على بعض، ومن الرجل الغاضب من أخيه، كلهم يوضع إلى جنب الآخر، وهذا مثل ما قال الرجل الشعبي لنفسه عندما ذهب يزور المقابر قال: ولقد قلت لنفسي وأنا بين الحفائر هل رأيت الأمن والراحة إلا في الحفائر؟ فأشارت فإذا للدود عقد في المحاجر ثم قالت: أيها السائل إني لست أدري انظري كيف تساوى الكل في هذا المكان وتساوى العبد مع رب الصولجان والتقى العاشق والقالي فما يفترقان ثم قالت: أيها السائل إني لست أدري! ما أعرف الحقيقة لكن يعلمها الله ، كلهم التقوا هنا العاشق والقالي، والكاره والمحب، والفقير والغني، سبحان الله! كلهم يدفنون إلى جوار بعض، حتى الحانوتي الذي يدفن الناس فإنه سيأتي عليه يوم يدفن فيه.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حملت إلى شفير جثة فاعلم بأنك بعدها محمول يبقى الإنسان منا وهو متعظ بالله؛ لأنه سوف يأتي اليوم يحمل فيه، لذلك قال: أنا أمشي خلف الجنازة وأنا ساكت أتأمل، أقول: انظروا الرجل! كان من قبل يقفز يميناً وشمالاً، ويجمع المال من هنا ومن هنا، ويعادي من أجله، على ماذا هذا كله؟! فجأة يموت فيستريح (مستريح ومستراح منه)، انتهى الموضوع، قال تعالى: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
стр. 455
من صفات عباد الرحمن الصفح عن الجاهلين
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
قلنا: إن العظمة لله ، ثم العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من بعد ذلك بطاعة الله، كيف؟ إن قضية التقوى والإيمان ليست أن أصلك وتصلني، فهناك أمر أكبر من هذا: أن تقطعني فأصلك، وأن تحرمني فأعطيك، وأن تغضبني فأرضيك، وأن تجازيني فأحبك، فقد قيل للحسن البصري: يا بصري! لو قلت لي كلمة لقلت لك عشراً، والبصري نظر إليه هكذا، فقال: وأنت لو قلت لي مائة كلمة ما قلت لك كلمة! فهذه الكلمة كانت مصنوعة من لا إله إلا الله، ومن إيمان وتقوى، وسيدنا الحبيب ﷺ ربى الصحابة على الرمل والحصير فخرجوا رجالاً، الواحد منهم يزن أمة بأسرها، ولذلك قال أهل العلم: إن الرسول ﷺ عندما علم الصحابة المصحف، فإنما كتبه بمداد من نور على صحائف قلوبهم البيضاء، فكانوا جميعاً كأستاذهم قرآناً يمشي على الأرض، وكانوا كلهم عبارة عن: قال الله قال الرسول وكان عندهم حب عجيب لرسول الله ﷺ .
ينظر سيدنا الحبيب إلى واحد من الصحابة حديث عهد بالإسلام في يده خاتم ذهب، قال: أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار يسور بها إصبعه؟! فأخذ هذا الصحابي الخاتم ورماه في الأرض، قال له الصحابة: خذه وانتفع به، قال: والله لا آخذ شيئاً ألقيته أمام رسول الله ﷺ ، فهذه هي الطاعة الصحيحة، قال الله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
وهذا ليس كلاماً يقال فقط، وإنما سمعنا كلاماً، وأطعنا عملاً، الولد كلما تقول له: يا ولد! ذاكر، يقول لك: حاضر، يا ولد! ذاكر، يقول: حاضر، وأخيراً تغضب فتضربه لأنه لم يترجم (حاضر) إلى واقع عملي، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.
стр. 456
من صفات عباد الرحمن كثرة السجود والقيام
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
هذه حالة من حالات الصلاة، كان سيدنا الحبيب إذا استيقظ من الليل يذكر الله، لا يضيع ثانية واحدة، الواحد منا عندما يتقلب يقول: آه آه يا ظهري! يا أخي! يا حبيبي! تتألم حتى في الليل، اجعل الليل لله، قل: لا إله إلا الله، بدلاً من أن تقول: آه! قل: الله، أما: آه فقد تأثم بسببها، اصبر يا أخي، دخل رجل على عبد الله بن عباس يريد أن يعزيه في أبيه العباس، عم الرسول ﷺ ، فقعد الناس يعزون ابن عباس في أبيه، فقال أحدهم: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس يعني: أنت عندما تصبر تأخذ ثواباً يكون أحسن لك من العباس؛ وقوله: (خير من العباس أجرك بعده، والله خير منك للعباس) يعني: ربنا أرحم العباس منك، أنت سوف تحزن عليه سبحان الله، فهكذا المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤] فلا تضيع وقتك، صل لله، بعض الإخوة أول ما يولد لهم ولد يقولون: نضع له خمسة جنيهات في الشهر حلال بدون فوائد، فيأتي الوقت الذي يتزوج فيه عنده ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه على بعض، وهي شيء قليل وضع أولاً بأول سبحان الله! أنت بالله عليك عندما تعمل كل ليلة عشرين حسنة على مدى عشرين سنة، تأتي يوم القيامة ومعك كذا مليون حسنة، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] والسيئة بالعكس، قال ﷺ : (من هم بسيئة وحجزه إيمانه عن فعلها كتبت له حسنة)، بعدما هم امتنع مخافة الله، فكتبت له حسنة، مع أنه هم بالسيئة، لكنه رجع فيها عن قصد وعزيمة.
لو أن شخصاً ذهب يشتري زجاجة خمر فلما ذهب وجد المحل مقفلاً، أو وجدوه يغش في الخمر، فرجع، كتب عليه سيئة؛ لأن الأعمال بالنيات، لكن من ذهب يشتري فإذا به يعاتب نفسه قائلاً: بعد هذا السن تصلي وتصوم، وتعرف الله، وتحضر دروس العلم، ثم تشرب بيرة؟ لا، لا أستغفر الله، فهذا يأخذ حسنة، فإذا هم بالحسنة وما عملها كتبت له حسنة، فإن هم بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، اللهم ضاعف لنا حسناتنا، وتقبلها منا يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] وقلنا: إن الدعاء ليس بقول نظري، وإنما لا بد أن نحول هذا الدعاء إلى عمل.
стр. 457
من صفات عباد الرحمن التوسط في النفقة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] سيدنا الرسول ﷺ يسأل سيدنا عمر: (يا عمر! ما نفقتك؟) لو سألت شخصاً سؤالاً: يا محمود! كم نفقتك؟ يا إبراهيم! كم نفقتك؟ يا أحمد! كم نفقتك؟ يقول: كل يوم ثلاثة جنيهات تقريباً أما سيدنا عمر فيقول: (يا رسول الله! إنما نفقتي الحسنة بين السيئتين) يعني: إذا عمل سيئة يعمل بعدها حسنة، ثم يأتي بعدها بسيئة فيعمل بعدها حسنة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] سيدنا عمر ناصح، هذا هو الناصح! ولذلك أبشر سوف تجد في كتاب حسناتك يوم القيامة وستجد حسنات أنت لم تعملها، يقول ملك من قبل العلي الأعلى: يا عبد الله! هذه حسناتك، تقول: يا رب! أنا ما عملت شيئاً، وقد تجد قدر ألف حسنة من غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، وخيانة الذين خانوك: (لو يدري الظالم ما للمظلوم لضن عليه بظلمه) يعني: لو يعرف الظالم ما سيأخذه المظلوم من الحسنات لبخل عليه بالظلم.
وإذا ظلمت فلا تدع على الظالم؛ لأن ظلمه أسرع إليه من دعائك عليه، وكذلك أنت عندما تدعو عليه تمحو حسناتك بالدعاء عليه؛ لأن الله يستجيب دعاءك وينتقم منه لك فهذا مقابل الحسنات؛ لأن المظلوم يقول الله له: (وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين) النصر آتٍ فما دام أن الله نصره فقد أعطاه حقه: (وأثقل شيء يوضع في الميزان جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر على إنفاذها).
انظر الرسول ﷺ قال (جرعة) كأنها دواء؛ لأنها صعبة ليست سهلة، جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر أن ينفذها، سبحان الله؛ ولذلك العفو عند المقدرة ممدوح، جاء أعرابي من اليمن، فقعد في خطبة الجمعة مع رسول الله ﷺ ، وكان سيدنا الحبيب أحياناً يقرأ سورة ق، تخيل أنت عندما تسمع سورة ق من فم الحبيب كيف يكون أثرها؟! فبعدما انتهى النبي من الصلاة وقف الأعرابي وقال: (يا رسول الله! من سوف يحاسبنا يوم القيامة؟ قال له: الله الكريم)، انظر الإجابة! لم يقل له: الله القهار، الله الجبار، الله المنتقم، مع أن هذه صفاته وأسماؤه، قال: (الله الكريم، قال: لقد أرحتني يا رسول الله، إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح) الكريم عندما يقدر يعفو، وعندما يحاسب يسامح، لكن انظر إلى المسرف على نفسه، الذي ليس معه ولا حسنة، يقول: تعالوا فاسحبوه إلى النار، وهو ذاهب إلى النار سيدنا جبريل يوقفه ويقول: (يا رب! هذا عبد من عبادك كان يداين الناس فيقول لغلمانه: أيسروا على المعسر) يعني: فتح الله عليه بمال وغنى فجعل يداين الناس ديون، فكان إذا أتى موعد سداد الدين يقول للموظفين: الذي لا يستطيع الدفع فاتركوه قليلاً، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فيقول الله: أرجعوه إلي، فيقول: عبدي! أأنت أكرم منا؟! أدخلوه إلى الجنة.
فلا أحد أكرم من الله، لا كريم إلا الله، ومن كرمه أنه قال لسيدنا إبراهيم عندما كان عنده ضيف كافر فرفض أن يضيفه: يا إبراهيم! رفضت أن تضيفه في ملكك ساعة، وأنا أضيفه في ملكي رغم كفره بي منذ خمسين عاماً.
стр. 458
من صفات عباد الرحمن أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق
قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] أي: عندهم التوحيد الخالص، ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] قلنا: إن القتل نوعان: نوع مادي، ونوع معنوي.
والقتل العمد لا جزاء له إلا النار: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] والعياذ بالله! والذي يقتل مسلماً خطأ عليه دية، والدية مائة ألف جنيه، كشخص صدم شخصاً بسيارة فمات، يدفع لأهله مائة ألف جنيه، فإذا لم يستطع دفع أهله معه، الذين سوف يرثون منه إلا أن يعفو أهل القتيل، فإذا لم يجد مائة ألف جنيه دية يصوم شهرين متتابعين.
وهذا الكلام للمرأة التي أجهضت سواء بأمر زوجها أو برأيها أو برأي الطبيب الذي ليس بمسلم لمجرد أنها ذهبت إليه وقالت له: عندي ثلاثة عيال، وعندي غرفة وصالة ومرتب قدر ستين جنيهاً فتأتي بالمقدمة من أجل أن تعمل إجهاضاً، فهذا حرام، وقتل للنفس المحرمة، السادة العلماء الذين علمونا الفقه أفتوا ألا نقدم على هذا الفعل إلا بفتوى من طبيب مسلم ماهر، يعني: يكون معروفاً ومشهوداً له بالكفاءة والأمانة، بأن يكون دكتوراً ناصحاً مسلماً يتقي الله، فتعرض عليه الحالة، فإذا كان فيها ما يسبب هلاكاً على الأم، أو هلاكاً على الجنين، أو خطراً على الاثنين فهذا لا بأس فيه بإسقاط الجنين فنعمل في ساعتها بفتوى الطبيب المسلم.
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي﴾ [الفرقان:٦٨] فالآيات في السورة أتت أولاً بصفات الإيجاب التي هي: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٥]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] فبدأ بأول النهي وهو: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] فأهل العلم يقولون بدأت الآيات أولاً بصفات التحلي، ثم ختمت بصفات التخلي، ما معنى صفات التحلي، وصفات التخلي؟ أي: التحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن سيئ الأخلاق، والتحلي يكون بالصفات الطيبة: الأول: (يمشون على الأرض هوناً) (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) و (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) تأتي بعدها صفات التخلي: (لا يدعون مع الله إلهاً آخر) (لا يقتلون النفس) (لا يزنون) إلى آخر الآيات الباقية.
فالقتل نوعان: قتل مادي، وقتل معنوي، فأنت عندما تدخل الكآبة والحزن على أخيك المسلم أو على زوجتك أو على عيالك والعياذ بالله فقد قتلتهم، ويحاسبك الله يوم القيامة على أنك قاتل؛ ولذلك الصراعات الموجودة على العمل وعلى المناصب يحصل فيها ذلك، هذا يريد أن يبقى مديراً، والثاني يريد أن يبقى عضو مجلس الإدارة، وهكذا فيطعن هذا في هذا، وهذا ينزل على هذا، فهذا قتل معنوي، والله ينهانا أن نقتل أنفسنا، وقتل النفس هنا بإماتتها عن طاعة الله، وبإقبالها على معصية الله والعياذ بالله رب العالمين! قوله: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] ولذلك يجب على المسلم أن يدرس تاريخ الإسلام وأن يدرس الفقه الإسلامي من أجل أن يعرف الصحيح من الخطأ.
سبعة من أهل اليمن قتلوا شخصاً في زمن سيدنا عمر؛ فقتل سيدنا عمر السبعة، فقالوا له: لماذا يا أمير المؤمنين تقتل سبعة بواحد؟! قال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلت أهل صنعاء جميعاً، والقانون الوضعي يقول لك: هذا عبارة عن محرض وهذا مساعد إلخ، فيكون عقابه خمس سنين، وهذا سبع سنين، وهذا عشر، وهذا سجن تأبيد، وهذا ثلاثة عشر عاماً، مع أن الكل شاركوا في القتل والعياذ بالله رب العالمين؛ ولذلك أين يذهب الذين قتلوا علماء المسلمين من الله يوم القيامة؟! سبحان الله، فمن قتل أهل العلم، ومن يحملون رسالة رسول الله ﷺ ، ومن قتل الضعفاء والمساكين الذين لا ناصر لهم إلا الله ، أين سيذهبون يوم القيامة؟ يقول لك: هذا مات منتحراً، وهذا مات فجأة كيف؟! أيعقل أن حافظ القرآن يموت منتحراً؟! هذا ليس ممكناً، أكبر نعمة ينعم الله بها على العبد أن يعرفه كتابه، الذي يحفظ كتاب الله ليس من الممكن أن يتهموه بالانتحار، ولذلك ما عذب إنسان ظالم مسلماً أو عالماً أو ملتزماً فإنه يموت فيرى العذاب أكثر.
والله الذي لا إله إلا هو لقد كان هناك رجل مدير أحد السجون، وكان يجعل المسلمين الملتزمين والعلماء في الستينات يمشون أمامه منحنين لأظهرهم وواضعين أيديهم وراءهم، مكبلة في الأغلال، وربنا رزقه بولد والله أراه في الشارع فأرى آية الله ، وقد بلغ عمر الولد هذا ثلاثين سنة اليوم، هذا الولد عنده مرض عصبي لا يتزن إلا إذا انحنى ووضع يديه خلفه، والجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، مثل ما تعمل بالناس يعمل بك في أي شيء، في النظرة إلى الحرام أو إلى محارم الناس يأتي ربنا بمن ينظر إلى محارمك أنت، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم من يزن في قوم بألفي درهم في أهله يزنى بربع الدرهم من يزن يزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم إن الزنا دين فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلم
стр. 459
من صفات عباد الرحمن ترك الزنا
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] والعياذ بالله! فساعة ارتكاب المعصية والزنا يغادرك الإيمان، ويبتعد عنك؛ لأنه (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، فوقت ما يزني العبد ولو كان مؤمناً ما كان ليعمل هكذا؛ ولذلك الجوارح تأتي بالمقدمات: (إن العين لتزني وزناها النظر، وإن الأذن لتزني وزناها السمع، وإن اللسان ليزني وزناه السلام، وإن اليد لتزني وزناها اللمس، وإن الرجل لتزني وزناها المشي إلى ما حرم الله، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، فيا مرتكب الفاحشة إلى أين ستذهب من الله؟ مما أعجب له مسائل الاغتصاب التي انتشرت في السنوات الأخيرة في مصر، وكانت جديدة على مجتمع المسلمين المصري؛ لأننا أولاً صعبنا أمر الحلال، فصار أمر الحرام ميسوراً.
والسبب الآخر: أنه خرجت بناتنا ونساؤنا عرايا إلى الشوارع، فكان هذا المنظر مدعاة للشباب المستهتر والمنحرف، والرجال الفسقة أن يعتدوا عليهن، والذئب يأكل من الغنم الشاردة؛ لذلك أنا ثائر وغضبان جداً من أولياء الأمور الذين يخرجون بناتهم وأولادهم بالليل، لا ينبغي أن تخرج حتى ولو إلى المسجد إلا أن تكون مع محرم، قلت لكم يوم الجمعة: ذهاب البنت إلى الجامعة ليس بحرام، ولكن اذهب بها محتجبة، وعندما تطلع بالليل انتظرها على الباب، وإلا فأنت راع ومسئول عن رعيتك، وإن حدث لابنتك سوء فأنت السبب، فهي معلقة في رقبتك يوم القيامة، اتق الله يا عبد الله، ربنا يحفظ بناتنا ونساءنا وأهلينا وذوينا من كل سوء، ويطرد عن هذا المجتمع كل شر وفسق وفجور، ويجعله مجتمعاً آمناً مطمئناً بكتابه سبحانه وبسنة حبيبه! قوله: (ولا يزنون) ولذلك لما كانت الحدود تقام كانت المسألة مريحة؛ لأنه عندما يقام عليه الحد يغفر له ما قد سلف، فالمحصن يرجم، وغير المحصن يجلد مائة جلدة، وبعدها ربنا يقول: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لماذا نحفر حفرة ونوقع الزاني أو الزانية فيها ثم نرجم؟ لأنه لا يضرب الله بالحجارة إلا أسوأ الناس عند الله وأعدى أعداء الله يموتون بالحجارة، وذلك مثل أصحاب الفيل، والزاني عنده نفس القضية يرجم بكومة حجارة ويأتي إمام المنطقة أو الحاكم فيقول: ابدءوا الرجم، فيرجمونه حتى يموت، ولو هرب الزاني من ميدان الرجم لا يعاد إلى الميدان مرة أخرى، لأن الأمر انتهى: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، ولذلك سيدنا خالد لما جيء بـ الغامدية مع ماعز ليرجما وضعوهما في الحفرة وبقوا يرمونهما بالحجارة، فطارت قطرة دم من الغامدية إلى فم سيدنا خالد فتأفف، فقال: (يا خالد! لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم)، والرواية الثانية: (لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم)، والرواية الثالثة: (لو تابها صاحب مكس لغفر له)، صاحب مكس: هم أصحاب الضرائب.
وأريد أن أقول: لحد واحد يقام في الأرض خير من مطر أربعين سنة، فالمسلم يتقي الله، فمن واجب الناس أن يتوبوا، ولكن ترك الذنوب أوجب.
فنحن نحجب نساءنا وبناتنا وأخواتنا من أجل العيون الشاردة، والذئاب الجائعة، والنفوس المريضة الضعيفة التي تفعل ما حرم الله ، يقول النبي ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قوم وأعلنوا بها)، في الجامعة، البنت والولد اللذان يقعدان داخل السيارة أليست هذه خلوة؟ هذه خلوة مؤكدة، وحتى ولو كانت مخطوبة له فلا يجوز أن يقعد معها، ولا أن يسلم عليها، ولا أن يوصلها البيت؛ لأنه ما زال أجنبياً عنها، يقول ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قوم وأعلنوا بها إلا أصابهم الله بأمراض لم تكن في أسلافهم).
اليوم أتى للمجتمعات: مرض الإيدز، وفقد المناعة، والفشل الكلوي، وتصلب الشرايين، وأمراض ما أنزل الله بها من سلطان، كان آباؤنا وأجدادنا يعيشون بالرضا وبالتقوى، وكان الواحد منهم يأخذ كوب شاي مع الليمون ثم يدلك في ظهره فيقوم وهو نشيط من فضل الله ، كانوا يقولون: اقرءوا الفاتحة، فيقوم ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لكن لكثرة معاصينا كثرت الأمراض، والشفاء صار صعباً، ونسأل الله أن يشفي أمراضنا الظاهرة والباطنة، إن ربنا على ما يشاء قدير.
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، (أثاماً): واد في جهنم فيه حيات وعقارب، تلدغه الحية يسري سمها في عروقه سبعين سنة، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، المعذرة نحن في الجنة ونتكلم عن هذا الكلام، لكن المسألة مسألة أمر ونهي، والقرآن مثاني رحمة وعذاب، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم.
يقول النبي ﷺ : (في كل حية أو عقرب سبعون قلة من قلال هجر) قلة هجر: هذه عبارة عن آنية مثل الصوامع، القلال والصاع والمد والمكاييل القديمة، وترجمتها إلى المكاييل الحديثة، لقيت أن كل عقرب أو كل حية والعياذ بالله فيها كمية من السم مقدار ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلو، يعني: قدر ثلاثة طن ونصف في الحية الواحدة، تسلط على الذي يدعو مع الله إلهاً آخر، والذي يقتل النفس بغير حق، والذي يرتكب الفواحش، والذي لا يصلي، هذا هو الوادي الذي يستقبل هؤلاء.
قال تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠].
أي: إلا من تاب عن كل الذي فات، (وآمن) أي: بكل ما أنزل الله، (وعمل عملاً صالحاً)، فهم يتوبون إلى الله متاباً، ربنا تاب عليهم فكفر عنهم الذنوب التي ارتكبوها.
стр. 460
من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢].
وشهادة الزور ليست هي الشهادة في المحكمة أمام القاضي فقط، فلا تشهد إلا بالحق ولو على نفسك، تقول: أنا مخطئ، ابني مخطئ، امرأتي مخطئة، أخي مخطئ، فتقول الحق ولا تخاف في الله لومة لائم.
دخل يهودي على شريح القاضي في زمن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فقال: يا قاضي المسلمين! هذا سيف ورثته عن آبائي وأجدادي، ويدعيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ويقول: إنه له، قال: ائتوني بـ علي، فدعي سيدنا علي فأتى وقال: السلام عليكم، وهو أمير المؤمنين، ثم جلس سيدنا علي بجوار شريح؛ فقال له: قم يا أبا الحسن! واجلس بجوار خصمك، فقعد سيدنا علي ﵁ بجواره، ثم قال له شريح: أهذا السيف سيفك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، هذا السيف سيفي، فقال اليهودي: إنه سيفي، فـ شريح نظر إلى السيف وإذا بالسيف سيف سيدنا رسول الله، ما الذي أتى به لليهودي؟! فقال شريح: أمعك شهود يا أمير المؤمنين؟ قال له: نعم، فذهب وأتى بـ الحسن والحسين، فقال له: لا تصلح شهادتهما، أنتم علمتمونا أن الفرع لا يشهد لأصله، ولا الأصل لفرعه، ثم قال: معك شهود أخر؟ قال له: لا، قال له: السيف سيف اليهودي، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، قال له: فلما وصل علي إلى الباب دعاه اليهودي: يا أمير المؤمنين! تعال، وقال: هكذا يقام الأمان، وهكذا تعيش الدول، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، السيف سيف علي.
ثم قال شريح: يا أمير المؤمنين! أغضبت؟ رأيت وجهك قد اكفهر عندما أمرتك أن تجلس بجوار خصمك، قال: لا، ما اكفهر وجهي من هذا، وإنما لأنك كنيتني وقلت: يا أبا الحسن! فقد فضلتني في مجلس الصلح.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] يقولون الحق في أي وقت، انظر إلى سيدنا عمر وانظر أيضاً إلى تلاميذ الحبيب، كان هناك شخص يشهد مع آخر، فقال له سيدنا عمر: أأنت تعرفه؟ قال: لا، قال له: أأنت جاره الأدنى؟ قال له: لا، قال له: أرافقته في سفر؟ قال له: لا، قال له: أعاملته بالدرهم والدينار؟ وسمي المال مالاً لأنه يميل بالناس عن الحق، ويقول الشاعر: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة انظروا إلى هذا الكلام الجميل من أين أتى به هؤلاء الرجال؟! هذا يدل على أن عندهم صلة بالله حتى تجري الحكمة على ألسنتهم، اللهم ألحقنا بهم يا رب.
قال له: هل أنت جاره؟ أو عاملته بالدرهم والدينار؟ هل سافرت معه؟ هل رأيته في الركوع والسجود في المسجد ونظرت إليه يصلي؟ قال له: نعم، قال له: إذاً إنك لا تعرفه، ائتني بمن يعرفه، لا تكفي الصلاة والصوم هذا بينك وبين ربنا، لكن المحك هو التعامل، انظر الحديث: (إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر، ورفقاؤه في السفر، ومعاملوه في الأسواق، فقل له: إنه من أهل الجنة)، هؤلاء ثلاثة: جارك في البلد الذي تعيش معه، ورفيقك في السفر، والمتعاملون معك في السوق.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] أي: يقولون الحق، النبي ﷺ لما جاء إليه رجل يشهد، قال له: أتشهد؟ قال له: نعم يا رسول الله أشهد، قال له: انظر إلى الشمس أتراها؟ قال: نعم، قال له: على مثلها فاشهد، فقال له: اعفني يا رسول الله!
следующие страницы →