Полный текст (265 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تحذير الإمام مالك أصحابه من أهل البدع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى السلمي أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي حدثنا محمد بن عمير الرازي حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلاف التجيبي بمصر حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون.
].
وهذا تحذير من مالك بن أنس ﵀، وهو إمام دار الهجرة في زمانه، وأحد الأئمة الأربعة، يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! وهي كنية الإمام مالك، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، أي: يتكلمون في تأويل الصفات وفي الكيفية؛ لذا حذر منهم الإمام مالك ﵀؛ لأنهم لا يسكتون عما سكت عن الصحابة والتابعون.
والمعنى: أنه يجب على المسلم أن يسعه ما وسع الصحابة والتابعين، ولا يتكلم في التأويل، بل يثبت الأسماء والصفات لله كما يليق بجلالته وعظمته، يثبت المعنى ويسكت عن الكيفية.
стр. 107
تهوين الإمام الشافعي للكبيرة أمام البدع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقية حدثنا الربيع بن سليمان سمعت الشافعي ﵀ يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء].
يعني: البدع، وهذا أخرجه الدارمي واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مشهور عن الشافعي ﵀، وفي لفظ: (لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن ألقاه بشيء من الأهواء).
يقول الإمام الشافعي: لأن ألقى الله بكل معصية دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدع أشد من المعاصي؛ لأن صاحب المعصية الكبيرة مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي عاصٍ، وضعيف الإيمان، لكن يعلم أنه عاص ومعترف بأنها معصية فهو يرجى له أن يتوب، بخلاف صاحب البدعة، فإنه يعتقد أنه على الحق، ولا يعترف لك بأنه على الباطل.
فإذا قلت: هذه بدعة، قال: لا، بل أنت المبتدع، فلا يفكر في التوبة، فلهذا كانت البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من المعصية الكبيرة، فالذي يفعل كبيرة ويشهد الزور ويعق والديه، يعلم أنه عاص ويمكن أن يتوب أو حتى يفكر في التوبة، لكن المبتدع لا يعتقد أنه عاص، بل يعتقد أنه على الحق فمن كان يفعل بدعة المولد فإذا نهيته يقول: لا هذه محبة للرسول، أنت تبغض الرسول، أنا على الحق وأنت على الباطل، ولو كنت تحب الرسول لحضرت المولد.
كما أن المبتدع لا يعترف بأنه على الباطل، بل يعتقد أنه على الحق، ويتقرب إلى الله بالبدعة، فلا يفكر في أن يتوب منها، أما صاحب الكبيرة فهو يعلم أنه على معصية، ويعتقد أنها معصية، ويفكر في التوبة منها، فلهذا كانت البدعة أشد من المعصية، ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: لأن ألقى الله بكل ذنب دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدعة أشد من المعصية، وصاحب البدعة لا يتوقع أن يتوب في الغالب؛ لأنه يعتقد أنه على الحق.
هذا فيه التحذير من البدع، وقد تكون البدعة في أسماء الله، من ذلك: بدعة المعطلة التي تنفي الأسماء والصفات، وبدعة المؤولة، وبدعة الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالمعاصي، وبدعة القدرية الذين يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم، وهكذا بدعة الشيعة الرافضة.
стр. 108
نصيحة عمر بن عبد العزيز بلزوم الدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل حدثنا أبو عمرو الحيري حدثنا أبو الأزهر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جعفر بن برقان قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب والأعرابي، واله عما سوى ذلك].
وهذا الأثر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أخرجه الدارمي في سننه، وابن سعد في الطبقات، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وابن الجوزي في سيرة عمر، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ الإمام المشهور الزاهد الورع الذي ضمه بعض العلماء إلى الخلفاء الراشدين الأربعة؛ لعدله وورعه، سأله رجل عن شيء من الأهواء -يعني: من البدع- فقال له: (الزم دين الصبي في الكتاب) كان الناس قبل أن توجد المدارس يدرسون الصبيان في الكتاب، يعني: جماعة في المسجد يأتي لهم مدرس يكتب لهم على اللوح، وهي خشبة يطلونها بالطين ويكتبون فيها، يكتب لهم حتى يتعلموا شيئاً من القراءة، وبعض من الآيات، ثم يقال: قرأ في الكتاتيب.
فيقول له: (الزم دين الصبي في الكتاب) كن على دين الصبي أي على الفطرة، واترك هذه الشبه، وكذلك الأعرابي الذي عاش في البادية ما عنده شيء من شبه المعطلة ولا القدرية بل على الفطرة.
قال: (واله عما سوى ذلك)؛ لأنهم مفطورون على الفطرة، الصبي في الكتاب والأعرابي مؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله ومؤمن بالأسماء والصفات وليس عنده شيء من الشبه، مفطور على الحق والتوحيد.
قال له: الزم دين الصبي في الكتاب، فإنه على الفطرة، والزم ما عليه الأعراب في البوادي أصحاب الفطرة، ما عندهم شبه ولا شكوك، ولا جاءهم أحد يشبه عليهم، ولا يدخل لهم شبه المعطلة، ولا القدرية ولا الخوارج ولا المعتزلة.
ولهذا كثير من أهل الكلام الذين توغلوا في علم الكلام حاروا في آخر حياتهم، وحصلت لهم حيرة واضطراب، وتمنوا أن يكونوا على الفطرة، حتى قال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور.
ولما سأل بعض أهل البدع من الذين صار عندهم حيرة بعض الناس: هل تنام في السرير؟ قال: نعم، قال: احمد الله، أنا لا أستطيع أن أنام من الشبه والشكوك، إذا نمت أفكر في الشبه والمقدمات والنتائج، وهل الرب مستو على عرشه أو ليس مستو على عرشه، وهل هذا يمكن، وهل هو جسم أو ليس بجسم، يقول: احمد الله أنك تستطيع أن تنام أنا لا أستطيع أن أنام، وأضع الملاءة على وجهي بعد العشاء ويأتي الفجر وأنا على حالي لم أنم، وأظل أفكر في الشبه، وفي مقدمات أهل البدع، بلا راحة ولا طمأنينة.
هكذا أهل البدع صار عندهم حيرة واضطراب حتى تمنوا أن يموتوا على عقيدة العجائز، فقال أحدهم: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال آخر: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، وكان من أهل نيسابور، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 109
أمر ابن عيينة وغيره بالسكوت عن التكييف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه].
يعني: ما وصف الله به نفسه من العلم والقدرة والرحمة والغضب والسخط والسمع والبصر تفسيره تلاوته، يعني: حينما تقرأه يكون تفسيره واضح المعنى، لا تكيف ولا تمثل، واسكت عن التأويل والكيفية، حينما تقرأ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] انسب السمع والبصر لله، ولا تأول ولا يقع في نفسك شيء من الشبه التي يقولها أهل البدع من أنه يلزم إذا أثبت السمع والبصر يلزمه أن يكون مماثلاً لسمع وبصر المخلوقين.
قال: [أخبرنا أبو الحسين الخفاف حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا الهيثم بن خارجة سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف].
هذا مقالة للأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس لما سئلوا عن الحديث في الصفات، قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
وهذا الأثر صحيح أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، والدارقطني، والذهبي في مختصر العلوم وغيرهم.
وقوله: أمروها كما جاءت.
رد على المعطلة الذين يعطلون ولا يثبتون الصفات.
وقوله: بلا كيف.
رد على الممثلة الذين يقولون: إن صفات الله مثل صفات المخلوقين.
وأمروها كما جاءت، يعني: أثبتوا معاني الصفات، واتركوا الكلام في الكيفية، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] أثبت السمع والبصر بلا كيف، لا تقل: كيفية السمع كذا، ولا سمع الخالق مثل سمع المخلوق.
وهذا فيه إثبات للمعاني، فاستوى على العرش.
تمر كما جاءت ويثبت الاستواء لله تعالى.
قوله: بلا كيف: معناه لا تسأل عن الكيفية، ولا تقل إن استواء الخالق مثل استواء المخلوق، يعني: أثبتوا المعاني بلا سؤال عن الكيفية، ولا تمثلوها بصفات المخلوقين، وهذا قول السلف قاطبة.
стр. 110
لزوم التسليم لبيان الله وبلاغ رسوله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام الزهري -إمام الأئمة في عصره، وعين علماء الأمة في وقته- على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم].
الإمام الزهري ﵀ إمام معروف، والمؤلف قال عنه إمام الأئمة في عصره، فقيده، وإلا فإن إمام الأئمة إذا أطلق فهو الرسول ﵊، وهو إمام المتقين، وهذا اللقب يطلق أيضاً على محمد بن إسحاق بن خزيمة، يقال له: إمام الأئمة، فينبغي أن يقيد إمام الأئمة في وقته، وإمام الأئمة على الإطلاق هو رسول الله.
يقول الزهري: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وهذا كلام عظيم ينبغي لكل مسلم أن يستشعره.
على الله البيان: أي: الله تعالى بين لنا في الكتاب العزيز، وعلى لسان نبيه.
وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم والقبول ولا نعترض، فنحن عبيد مأمورون، نقول: سمعاً لك يا رب وطاعة.
فإذا جاء في النصوص إثبات الصفات نقول: علينا التسليم، فنثبت لله الأسماء والصفات ولا نعترض، ولا نقول: ما كيفية الصفات، ولا نمثلها بل نسلم ونؤمن بها.
стр. 111
الحث على إحياء السنن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا جدي الإمام حدثنا أحمد بن نصر].
الجد الإمام هو محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح.
قال: [حدثنا أبو يعقوب الحنيني حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (إن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله)].
الشطر الأول من الحديث: (إن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وكذلك أيضاً ابن خزيمة والخطيب البغدادي وغيرهم، وهو حديث ثابت.
والرسول ﷺ أول المؤمنين وأول المسلمين، ثم أسلم معه حر وعبد، وهو أبو بكر وبلال، ثم أسلم عدد من الصحابة، وسيعود غريباً في آخر الزمان كما بدأ، فيخرج الناس من الدين كما دخلوا فيه، (فطوبى للغرباء)، طوبى: الجنة، فالجنة للغرباء الذين يتمسكون بالدين.
جاء في اللفظ الآخر: (قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس)، وفي لفظ: (قيل من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)، يعني: يصلحون بأنفسهم إذا فسد الناس.
وفي لفظ: (هم النزاع من القبائل)، يعني: من كل قبيلة واحد أو اثنان والباقي على الباطل.
وفي لفظ: (هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير).
فجاء في تفسير الغرباء أربع تفسيرات: اللفظ الأول: قيل: من الغرباء؟ فقال: الذين يصلحون إذا فسد الناس.
يعني: الناس يفسدون وهم صالحون في أنفسهم مستقيمون.
واللفظ الثاني: قال: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس.
يعني: دعاة إلى الخير يصلحون.
واللفظ الثالث: هم النزاع من القبائل.
واللفظ الرابع: هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثي).
وهنا قيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ هذا أيضاً لفظ خامس، قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلمونها عباد الله.
وهذا مثل: (يصلحون ما أفسد الناس).
وقوله: (الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله)، هذه الزيادة أخرجها الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، والشيخ: نصر المقدسي في كتاب الحجة.
ساق المؤلف هذا الحديث ليبين أنه ينبغي إحياء السنن، وأن الذين يحيون السنن، ويعلمونها عباد الله هم الغرباء، ومعلوم أنه إذا أحييت السنة ماتت البدعة في مقابلها، وفيه التحذير من البدع، والحث على إحياء السنن.
قال: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن الكارزي يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله].
هذه المقالة لـ أبي عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور صاحب كتاب الإيمان يقول: المتبع للسنة كالقابض على الجمر هذا في زمانه، فكيف لو رأى أهل الزمان في القرن الرابع والقرن الخامس؟! فكيف لو رأى القرن الخامس عشر؟!.
يقول: المتبع للسنة كالقابض على الجمر؛ وسبب ذلك: قلة أهل السنة وكثرة أهل البدع، فلهذا يجد شدة ومشقة لمخالفة الناس؛ لأنه لا يجد من يوافقه على الحق، فلكثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق صار المتبع للسنة بين أهل البدع كالقابض على الجمر، أهل البدع عن يمينه وشماله، وأمامه وخلفه وهو بينهم متبع للسنة ويتحمل ويجد مشقة كما أن القابض على الجمر يتحمل شدة حرارة الجمر.
ثم قال القاسم بن سلام: وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله، يرى أن المتبع للسنة في زمانه أفضل من ضرب السيف في سبيل الله؛ لوجود المجاهدة والشدة والمشقة التي يجدها، كما أن المجاهد في سبيل الله والذي يضرب بالسيف يجاهد الأعداء ويقارع الأعداء، وكذلك هذا الذي يجاهد أهل البدع ويصبر على الحق.
стр. 112
ترك التكلف في إجابة السائل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]].
الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود أنه خطب الناس وقال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به: ويظهره للناس، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ولا يتكلم في شيء لا يعلمه.
قال: فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم؛ لأن العلم قسمان: قسم تعلمه وتبينه للناس، وقسم لا تعلمه تقول: الله أعلم، ولا يجوز أن يتكلف الإنسان، ولهذا قال عبد الله بن مسعود فإن الله قال لنبيه : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] فلا تتكلف، فالشيء الذي تعلمه تقوله، والذي لا تعلمه تقول عنه: لا أعلم، ليس هذا بعيب.
الإمام مالك بن أنس ﵀ إمام دار الهجرة، جاءه رجل من مسافات بعيدة يسأله، فسأله عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين لا أدري، وما أجابه إلا عن أربع مسائل.
سبحان الله! جاء من مسافات بعيدة يمشي شهوراً إلى الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي تضرب إليه أكباد الإبل ليسأله عن أربعين مسألة، ويقول في ست وثلاثين: لا أدري، فقال: ماذا أقول للناس ما أفتيت إلا في أربع مسائل؟! فقال: قل: يقول مالك: لا أدري، ويعتبر هذا من فضائله.
ابن مسعود الصحابي الجليل يقول: لا تتكلف، من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، إذاً العلم قسمان: قسم تعلمه وتكلم به، وقسم لا تعلمه فقل: الله أعلم، وهذا من العلم.
ولهذا قال بعض السلف: لا أدري نصف العلم؛ لأن العلم نوعان: شيء تعلمه وشيء لا تعلمه، النصف الأول تدريه تكلم به، والذي لا تدريه قل: الله أعلم، لا أدري.
ولهذا قال بعض السلف: من ترك لا أدري أصيبت مقاتله.
стр. 113
التوقف ووكل الأمر لله حين الاختلاف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس المعقلي حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثني أبي حدثني عبد الرحمن الضبي عن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فجعلت أنظر إليه نظراً شديداً، فقال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا بالمدينة، فقلت: لتعجبي، فقال: ومم تتعجب؟ قال: قلت: لما حال من لونك، ونحل من جسمك، ونفى من شعرك، قال: كيف لو رأيتني بعد ثلاثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخراي في فمي صديداً، كنت لي أشد نكرة.
حدثني حديثاً كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قلت: حدثني عبد الله بن عباس ﵄ يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: (إن لكل شيء شرفاً، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة، لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما ينظر في النار.
ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الذي يجلد عبده، ويمنع رفده، وينزل وحده.
أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي يبغض الناس ويبغضونه.
أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا يغفر ذنباً.
أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره.
من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله.
إن عيسى ﵊ قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل! لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم عند ربكم، الأمر ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله ].
وهذا الأثر الطويل أتى به المؤلف ﵀، والشاهد منه قوله: (فكلوه لله ، أي: أن الشيء الذي لا يعلم فالإنسان يكله إلى الله ولا يتكلم به، وهذا الأثر رواه المؤلف ﵀ عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز الخليفة المشهور الخليفة الراشد، من خلفاء بني أمية ﵁ وأرضاه.
يقول: فجعلت أنظر إليه نظراً شديداً ينظر ويتأمل في وجهه وفي يديه فأنكر ذلك عليه عمر، فقال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا بالمدينة؛ لأنه كان أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، ثم تولى الخلافة.
وكان محمد بن كعب القرظي يعرف عمر بن عبد العزيز ويأتيه لما كان أميراً على المدينة، ولما صار هو أمير المؤمنين جاء إليه محمد بن كعب القرظي وجعل ينظر إليه ويتأمله، فأنكر ذلك عليه، قال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا في المدينة لما كنت أميراً والآن تنظر إلي لما صرت خليفة، ما السبب؟ قال: قلت: لتعجبي أنظر إليك، قال: ومم تعجب؟ قال: قلت: ما حال من لونك، ونحل من جسمك، ونفي من شعرك، يعني: تحول حال لونك ونحل جسمك: في الأول كنت أسمن من هذا والآن ضعف حالك، ونفي من شعرك: يعني: شعرك متشعث، بينما وأنت في المدينة كان شعرك متنعماً.
وذلك أن الخليفة عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة صار هو يضرب به المثل في العدل، وصار عنده خوف من الله ، وخاف من توليه لأمور المسلمين حتى تغير جسمه ونحل، وصار لا يأكل ولا يشرب إلا القليل واهتم بأمر المسلمين حتى تغير جسمه ونحل، ولم يعد يجد الوقت لكي يغسل شعره ويلبس الثياب جميلة.
فقال له: كيف لو رأيتني بعد ثلاثة في قبري، أي: لو رأيتني بعد الموت وأنا في قبري بعد ثلاثة أيام تكون أشد! انظر إلى زهده ﵁.
وقد سالت حدقتاي على وجنتي: أي: العينين خرجت وصارت على الخدين، وسال منخراي في فمي صديداً.
الخليفة يقول هذا لـ محمد بن كعب القرظي قال: كنت لي أشد نكرة من قبل، يقول: أنت الآن تستنكر أن حال الجسم متغير وشعري متشعث، ولوني متغير، لكن لو رأيتني بعد الموت تكون أشد استنكاراً فستجد عيناي خرجت وصارت على وجهي، وتجد منخراي في فمي صديداً.
ثم قال له عمر بن عبد العزيز حدثني حديثاً كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ ، فقال له محمد بن كعب قلت: حدثني عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى النبي ﷺ ، قال: (لكل شيء شرف، وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة)، هذه اللفظة أخرجها الطبراني، وقال: بإسناد حسن، وقال: (إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة) ثم قال: (لا تصلوا خلف نائم ولا محدث)، هذه الجملة غير ثابتة وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي وعائشة معترضة أمام القبلة، وكون الإنسان يصلي وأمامه نائم أو محدث لا حرج في هذا، ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان يصلي وأمامه عائشة نائمة.
وقوله: (واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم) فيه الأمر بقتل الأسودين، وهو ثابت في حديث النبي، قال: (اقتلوا الأسودين الحية والعقرب ولو في الصلاة)، وهذا لا بأس به، والحركة فيه مغتفرة كونك تقتل وتضرب، إلا إذا استدعى الحال أن تدور وتستدبر القبلة واشتد الأمر فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك يقطع الصلاة ثم يستأنف الصلاة من جديد، لكن ما دام مستقبلاً القبلة فله أن يقتل الحية والعقرب ولا يؤثر هذا في الصلاة.
قال: (ولا تستروا الجدر بالثياب) هذا فيه النهي عن ستر الجدر، ورد في صحيح مسلم قول النبي ﷺ : (إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين).
وذكر النووي في صحيح مسلم قال: يستدل به على أنه يمنع من ستر الحيطان، وتمديد البيوت والثياب وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم، وقد زار أبو أيوب ابن عمر ﵁ ورأى في البيت ستراً على الجدار، فأنكر عليه قال: جعلتم بيوتكم كالكعبة تسترونها فقال ابن عمر: غلبننا النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليه، إذا كنت يغلبك النساء فكيف بغيرك، والله لا أطعم لك طعاماً، فرجع أبو أيوب وأنكر على ابن عمر أنه ستر الجدار.
والنووي يقول: إن هذا كراهة تنزيه؛ لأن هذا من الإسراف، والجدر لا حاجة إليها، أما الآن فقد تغير الوضع وصار هناك الديكورات وما أشبه ذلك، وهو أشد من الستر، فالله المستعان.
قال: (ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما ينظر في النار)، هذه اللفظة ذكر المفسر أنها ضعيفة.
قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي يجلد عبده، ويمنع رفده، وينزل وحده)، رفده يعني: العطاء والصلة، والذي يجلد عبده يعني: العبد المملوك يجلده بغير حق.
ويمنع رفده: يعني يمنع عنه الصلة والعطاء، وينزل وحده: وهذا يحتمل أنه إذا نزل منزلاً فإنه لا ينزل معه أحد كبراً وبطراً أو شحاً وبخلاً.
قال: (أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي يبغض الناس ويبغضونه، ثم قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة) لا يقيل عثرة يعني: لا يصفح ولا يعفو، ولا يقيل صاحب العثرة إذا اعتذر إليه، ولا يقبل عذره، ولا يغفر ذنبه.
ثم قال: (أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره)، شره إلى الناس صاعد وخيره قليل.
(من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله)؛ لأن المتوكل على الله، والمفوض أمره إلى الله بعد فعل الأسباب من أقوى الناس.
(ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره) يعني: يثق بالله؛ لأن الله تعالى هو الذي بيده الأمر والنهي وهو الذي بيده الرزق.
(ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله)، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ثم قال: (إن عيسى ﵊ قام في قوم فقال: يا بني إسرائيل! لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها)؛ لأنكم إذا كلمتم الجهال تأولوها على غير تأويلها: (ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم) يعني: تكلموا بالحكمة عند أهلها، وإذا لم تتكلموا بها عند أهلها ظلمتموهم، وإذا تكلمتم بالحكمة عند الجهال ظلمتم الحكمة.
(ولا تظلموا) يعني: لا تظلموا غيركم، ولا تكافئوا ظالماً بظلمه فيبطل فضلكم عند ربكم، فلا تكافئوه بظلمه وذلك بأن تعفوا وتصفحوا.
ثم قال: الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبه، وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله.
والمعنى أن الأمور ثلاثة: أمر تبين لك أنه حق، وأنه رشد وصواب فعليك أن تعمل به، وأمر تبين لك أنه غي وضلال فعليك أن تجتنبه، وأمر مشتبه اختلفتم فيه، فتوقفوا فيه وكلوه إلى الله ، وهذا هو الشاهد: (وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله .
يقول المزي في تحفة الأشراف: هذا حديث مشهور من رواية أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب رواه الناس عنه مطولاً ومختصراً، وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من ثلاث طرق مختلفة.
هذه الجمل بعضها صحيح وبعضها ضعيف، وبعضها له شواهد.
стр. 114
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٨]
من معتقدات أهل السنة والجماعة الإيمان بالبعث بعد الموت وما يكون في ذلك اليوم من أهوال.
كما يؤمنون بشفاعة النبي ﷺ العظمى لأهل الموقف وشفاعته لأهل الكبائر والمذنبين أن يخرجوا من النار ويدخلوا الجنة، وشفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة.
وأنكرت طائفة من أهل البدع شفاعته ﷺ لأهل الكبائر في خروجهم من النار، والكتاب والسنة وإجماع أهل العلم كافٍ في الرد عليهم.
стр. 115
عقيدة أصحاب الحديث في البعث وأهوال القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه به من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها].
البعث في اللغة: الإثارة، وشرعاً: بعث الله الأجساد وإعادة الأرواح إليها للحساب والجزاء.
قال المؤلف: ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، والإيمان بالبعث أصل من أصول الدين، وأصل من أصول الإيمان، وركن من أركان الإيمان لا يصح الإيمان إلا به، ومن لم يؤمن بالبعث فهو كافر بإجماع المسلمين.
وقد أمر الله نبيه الكريم أن يقسم على البعث والساعة وقيام الساعة في ثلاثة مواضع من كتابه، الموضع الأول: قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] أمر نبيه أن يقسم، وأثبت الله في هذه الآية أن من أنكر البعث كفر: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] فمن أنكر البعث فهو كافر بنص القرآن.
والموضع الثاني: قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] يعني: البعث بعد الموت: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] قل: يا محمد: (إي وربي) أمره أن يحلف على البعث.
والموضع الثالث في سورة سبأ: قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
فالبعث بعد الموت يعني: الإيمان بأن الله يبعث الأجساد، هذا البدن إذا مات يبلى ويستحيل، ويكون تراباً إلا أجساد الأنبياء؛ لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وكذلك الشهداء يوجد بعضهم يبقى جسده مدة طويلة، وهل يبقى أو لا يبقى؟ كأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل كلما كان بقاء الجسد أطول، لكن الأنبياء هم الذين حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم وأما بقية الناس فإن الجسد يكون تراباً ولا يبقى منه إلا عظم صغير، وهو عجم الذنب آخر فقرة في العمود الفقري، وهو العصعص لا تأكله الأرض، ولا يبلى، منه خلق ابن آدم ومنه يركب كما في الحديث، فإذا كان في آخر الزمان أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة بعث الموت، فيموت الناس ثم يبقى الناس أربعون، فينزل الله مطراً أبيض فتنبت منه أجساد الناس، وينشئهم الله خلقاً جديداً، وتعاد الذرات التي في السحاب خلقاً جديداً، فالله عالم بالذرات التي في السحاب: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] وكما قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤].
فيعيد الله الذرات التي في السحابة وينشئ الله الناس نشأة جديدة، أي: تنشئة الصفات، وأما الذوات فهي هي الذوات، لكن الصفات تختلف، فإذا تكامل خلقهم ونبتوا أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث فتطايرت الأرواح إلى أجسادها، ودخلت كل روح في جسدها، فقام الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، ووقفوا بين يدي الله الجبار.
بعث الأجساد هذا هو الذي أنكره الكفرة والفلافسة، قالوا: البعث للروح، وهذا كفر وضلال.
من لم يؤمن بأن الله يبعث الجسد فهو كافر، ولهذا قال المؤلف ﵀: ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله، يعني: ويؤمنون بكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله من أهوال ذلك اليوم الحق، من الأهوال التي تكون فيه ووقوف الناس حفاة عراة غرلاً، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلاً غير مختونين، وتعود إلى الإنسان القطعة التي قطعت منه وهو صغير من ذكره، فيكون غير مختون، ويقفون هكذا شاخصة أبصارهم إلى السماء، وأول من يكسى في موقف القيامة هو إبراهيم الخليل ﵊ وهذه منقبة لإبراهيم الخليل.
فيجب على المؤمن أن يؤمن بالوقوف بين يدي الله للحساب والشفاعة والميزان والصراط والحوض والجنة والنار، كل هذا يجب على المسلم أن يؤمن به، ولهذا قال المؤلف: وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل، وهو ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩ - ١٠] من أخذ الكتب بالأيمان، كل واحد يعطى صحيفته إما بيمينه أو بشماله، فالمؤمن يعطى صحيفته بيده اليمنى، فإذا سعى إليها أخذها يستبشر ويقول لكل من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٢].
وأما الكافر والعياذ بالله فإنه يعطى كتابه بيده الشمال ملوية وراء ظهره، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق:١٠ - ١١].
فلابد من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل والإجابة عن المسائل: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل به).
فلابد من الإيمان بما يكون هناك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل والإجابة عن المسائل.
قال: إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط الذي ينصب على متن جهنم، ويمر الناس فيه على قدر أعمالهم، فأول زمرة تمر على الصراط كالبرق، ثم الزمرة الثانية كالريح، ثم كالطير، ثم كأجاود الخيل، ثم الرجل يركض ركضاً، ثم الرجل يمش مشياً، ثم الرجل يزحف زحفاً، وهناك كلاليب على الصراط تخطف من أمرت بخطفه وتلقيه في النار على حسب الأعمال.
ولا يتكلم إلا الرسل، ودعاء الرسل في ذلك الموقف: اللهم سلم سلم، وكذلك أيضاً الإيمان بالميزان، وأنه توزن فيه أعمال العباد، وهو ميزان حسي له كفتان ولسان، كفتاه أعظم من أطباق السموات والأرض يوزن فيه الأشخاص والأعمال، وتثقل الموازين وتخف على حسب الأعمال، فالمؤمن يثقل ميزانه والعاصي يخف ميزانه على حسب الأعمال، نسأل الله السلامة والعافية، فمن ثقلت موازينه نجا، ومن خفت موازينه هلك، كما أخبر الله في كتابه العظيم: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٩].
وكذلك الإيمان بنشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر، فصحف الأعمال تنشر، ويعطى كل واحد صحيفة عمله.
كذلك الإيمان بحوض نبينا ﷺ في موقف القيامة، ويصب فيه ميزابان من نهر الكوثر، كل هذا لابد للمسلم أن يؤمن به، كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر، وهو يشمل الإيمان بالبعث بعد الموت والإيمان ببعث الأجساد، وبالوقوف بين يدي الله، وتطاير الصحف، وبالميزان، وبالصراط، وبالحوض، وبالجنة، وبالنار.
وكذلك ما قبل البعث حينما يموت الإنسان، فلابد من الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وفتنة السؤال، وضمة القبر، وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، والمؤمن يوسع له في قبره مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، والفاجر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
والمؤمن يأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، يؤنسه وهو عمله، والفاجر يأتيه رجل قبيح الوجه، منتن الريح، قبيح الثياب، فلا يزال يوحشه وهو عمله السيئ، نسأل الله السلامة والعافية.
كل هذا لابد من الإيمان به، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع السلامة والعافية، وثبت الله الجميع على الهدى.
стр. 116
شفاعة النبي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد، ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ .
أخبرنا أبو سعيد بن حمدون أنبأنا أبو حامد بن الشرقي حدثنا أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)].
الشفاعة معناها في اللغة: ضم شيء إلى شيء، به يصير الشيء زوجاً بعد أن كان منفرداً، فالواحد يسمى فرداً، والاثنان شفعاً، وسمي الشفيع شفيعاً؛ لأنه يضم صوته إلى صوت طالب الشفاعة فيكونا اثنين.
وفي الاصطلاح عند أهل الشرع هي: مساعدة صاحب الحاجة عند من يطلب الحاجة.
стр. 117
الشفاعة العظمى لأهل الموقف
والشفاعة في يوم القيامة أنواع متعددة: منها الشفاعة العظمى التي تكون في موقف القيامة، ويتأخر عنها أولو العزم من الرسل، وهي خاصة بنبينا محمد ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون، وهي مذكورة في قول الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فالمقام المحمود: هي الشفاعة العظمى، وهي عامة للمؤمنين والكفار، لأهل الموقف جميعاً حتى يستريحوا من موقف القيامة، وذلك أن الناس إذا بعثهم الله من قبورهم حفاة عراة غرلاً وقفوا بين يديه للحساب، وتدنو الشمس من الرءوس، ويزاد في حرارتها، ويقف الناس هذا الموقف العظيم ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ويبلغ الناس من الشدة ما الله به عليم، ويلجمهم العرق على حسب الأعمال، منهم من يبلغه العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغه العرق إلى ركبتيه، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً على حسب الأعمال، فيموج الناس بعضهم من بعض، فيسرع الناس إلى الأنبياء، فيأتون آدم ويطلبون منه الشفاعة فيمتنع، ويقول: لست أهلاً لها، إني أكلت من الشجرة التي نهيت عنها، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون إلى نوح فيسألوه أن يشفع لهم عند الله حتى يحاسبوا ويستريحوا من هذا الموقف، فيعتذر نوح ﵇، ويقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة أغرقتهم، اذهبوا إلى غيري، وفي بعض الروايات يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فإنه خليل الرحمن فيذهبون إلى إبراهيم ﵊ فيطلبون منه الشفاعة، فيعتذر ويقول: إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، وهو يجادل بها عن دين الله: عندما كسر الأصنام، ووضع الفأس على الصنم، فلما سألوه من فعل ذلك؟ قال: هذا، وكذلك قال عن زوجته: إنها أختي، وتأول أنها أخته في الإسلام لما مر بملك مصر الظالم في ذلك الوقت، ولما نظر في النجوم وقال: إني سقيم يجادل به عن دين الله، ومع ذلك يعتذر فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فإنه كليم الرحمن، فيذهبون إلى موسى، فيقولون: يا موسى أنت كليم الرحمن، اصطفاك الله برسالته وبكلامه، اشفع لنا إلى ربك، فيعتذر موسى ويقول: لست أهلاً لها، إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها -وكان هذا قبل النبوة حينما قتل القبطي- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فإنه روح الله وكلمته فيذهبون إلى عيسى، فيعتذر ﵊ ولا يذكر ذنباً، إلا أنه يقول: اتخذت أنا وأمي إلهين من دون الله، ولكن نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فإنه خاتم النبيين، فيذهبون إلى نبينا محمد ﷺ فيطلبون منه الشفاعة، فيقول: أنا لها، أنا لها ﵊، فيذهب فيسجد تحت العرش فيفتح الله عليه محامد لا يحسنها وهو في دار الدنيا، فيأتيه الإذن من الله فيقول الله : يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، هذا الإذن ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لا أحد يستطيع أن يشفع عند الله إلا بعد الإذن حتى ولو كان وجيهاً عند الله، فمحمد ﵊ أعظم الناس وجاهة عند الله ومع ذلك لا يشفع حتى يأتيه الإذن، فإذا جاء الإذن رفع رأسه، وسأل ربه الشفاعة، فيقول الرب : أنا آت لأقضي بينكم، فيقضي الله تعالى بين الخلائق، ويفرغ من محاسبتهم جميعاً في وقت واحد، لا شيء يشغله عن شيء.
كما أنه يخلقهم في وقت واحد ويرزقهم ويعافيهم كذلك يحاسبهم في وقت واحد، بخلاف المخلوق الضعيف، فلو تكلم معك اثنان أو ثلاثة لما استطعت أن تكلمهم جميعاً في وقت واحد، لكن الرب يخاطبهم في وقت واحد، والخلائق كلهم يحاسبهم في وقت واحد، ويفرغ من حسابهم في مقدار منتصف النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة، فالقيلولة تدرك المؤمنين في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤].
هذه هي الشفاعة العظمى التي يغبطه فيها الأولون والآخرون، فهذه ما أنكرها أحد، وهي شفاعة خاصة بنبينا ﷺ ، وهناك شفاعة أخرى خاصة بنبينا ﷺ وهي الشفاعة لأهل الجنة بإذنه لهم في دخولها، وهناك شفاعة ثالثة خاصة بعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه.
هذه الشفاعات خاصة بنبينا ﷺ .
وكذلك هناك شفاعة رابعة في رفع درجات قوم من أهل الجنة، هذه الشفاعات الأربع ما أنكرها أحد، أقر بها أهل السنة وأهل البدعة، وهناك شفاعة أخرى أنكرها أهل البدع هي الشفاعة لمن استحق النار من العصاة ألا يدخلها، والشفاعة فيمن دخل النار من العصاة أن يخرج منها، والشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة ولا يدخلوا النار.
هذه الشفاعات أنكرها أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج وغيرهم، فأنكر عليهم أهل السنة وضللوهم وبدعوهم، والنصوص التي فيها الشفاعة بإخراج العصاة الموحدين من النار بلغت حد التواتر؛ لأن نبينا ﷺ يشفع أربع شفاعات في كل مرة يحد الله له حداً ويشفعه الله فيمن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي بعضها: (أدنى مثقال ذرة)، وفي بعضها: (أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من حبة من إيمان) وكذلك الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأفراد يشفعون، والصالحون يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته.
فهذه الشفاعة في إخراج العصاة من النار، أو من استحق دخول النار ألا يدخلها أنكرها أهل البدع، مع أنها متواترة، والأحاديث التي بلغت حد التواتر قليلة تقارب أربعة عشر حديثاً منها حديث الشفاعة، ومنها حديث الحوض، ومنها حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ومنها حديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومنها حديث الشفاعة، فأنكرها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، يقولون: العاصي إذا زنا كفر وخلد في النار، إذا سرق يكفر ويخلد في النار، ولا يخرج منها أبد الآباد مثل الكفرة.
وهذا من أبطل الباطل، فإن النصوص في إخراج العصاة من الموحدين متواترة، والذي لا يخرج من النار هم الكفرة، أما المؤمن العاصي لو مات على التوحيد لكنه مات على كبائر من غير توبة فقد تواتر في الأخبار بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، مؤمنون موحدون مصلون، ولا تأكل النار من وجوههم مواضع الصلاة، لكنهم دخلوا بكبائر من غير توبة، هذا مات على الزنا من غير توبة فدخل النار، وهذا مات على شرب الخمر بغير توبة فدخل النار، وهذا مات على التعامل بالربا، وهذا مات على عقوق الوالدين، وهذا مات على الغيبة والنميمة، وهذا مات على أكل حقوق وأموال الناس وهكذا.
هؤلاء حكم عليهم أهل البدع بالكفر، بالخلود في النار، مع أن النصوص بلغت حد التواتر في دخولهم الجنة بعد خروجهم من النار.
ومن ذلك هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهو حديث صحيح.
فأهل الكبائر الموحدون لهم شفاعة ولا يخلدون في النار، وهناك بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته ويقول: (شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، أما من مات على الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر، فهذا لا شفاعة له، ولا يدفع عنه عذاب الله أحد ولو افتدى بملء الأرض ذهباً لم ينفعه كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
وقال سبحانه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
وقال سبحانه: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] والأحقاب هي المدد المتطاولة كلما انتهى حقب يعقبه حقب إلى ما لا نهاية.
نسأل الله السلامة العافية.
فالمعتزلة والخوارج جعلوا عصاة الموحدين مثل الكفار، يخلدون في النار، وهذا من أبطل الباطل والنصوص الواردة في الكفار حملوها على العصاة كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] فإنها في الكفار ﴿يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤].
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] وهذه في الكفار أيضاً، أما العصاة فلهم شفاعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن المسيب الأرغياني قال: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى أترونها للمؤمنين المتقين لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].
وهذا الحديث فيه إثبات الشفاعة للعصاة الموحدين، وفيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا الشفاعة للموحدين العصاة، والحديث لا بأس به، وهو حديث صحيح مروي في كتب السنة، فقد رواه الإمام أحمد والطبراني وابن أبي عاصم في السنة دون قوله: (لأنها أعم وأكفى).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو العباس السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا
стр. 118
الأسئلة
стр. 119
موضع قبر حمزة بن عبد المطلب
السؤال
ذكر أحد الدعاة في أحد الأشرطة قال: عندما غرقت مقابر البقيع بالسيل على المدينة النبوية قبل عشرات السنين وجدوا قبر حمزة بن عبد المطلب ﵁، ووجدوا أنه قد بقر بطنه، وذلك حين اجتماع العلماء لإعادة دفن مقابر البقيع، فما صحة ذلك؟
الجواب
قبر حمزة بن عبد المطلب ليس بالبقيع، إنما هو في أحد، وهذه مسألة لا يترتب عليها شيء، سواء حصل هذا أو لم يحصل، وهو بقر بطنه في زمانه من قبل هند قبل إسلامها.
وهذا ما يضره.
стр. 120
رؤية النبي لربه
السؤال
كيف الجمع بين أثر ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] قال: رآه بفؤاده.
وبين حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وأنها سألت النبي ﷺ عن قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] فقال: (إنما هو جبريل ﵊، فما صحة ذلك؟
الجواب
مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج فيها خلاف بين أهل العلم على قولين: من العلماء من أثبت رؤية النبي ﷺ لربه، وأنه رآه بعيني رأسه في المعراج، وهذا روي عن ابن خزيمة والنووي والقاضي عياض وجماعة.
والقول الثاني الذي عليه جماهير الصحابة والتابعين والأئمة: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعين رأسه، وإنما رآه بفؤاده، وروي هذا أيضاً عن الإمام أحمد أنه قال: رآه، وروي عن ابن عباس أنه قال: رآه.
والقول الثاني هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، وأن النبي لم ير ربه بعين رأسه، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا.
قال الله تعالى لموسى لما قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فلما تجلى الله للجبل تدكدك وخر موسى صعقاً: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات، فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، ويدل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، فالله تعالى كلم نبينا من وراء حجاب ولم يره النبي ﷺ ، ولكن كلمه بدون واسطة، ويدل هذا على ما في صحيح مسلم الذي عن أبي ذر لما قيل له: هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه) يعني: الحجاب نور يمنعني من رؤيته، وفي حديث أبي موسى: (حجابه النور -وفي لفظ آخر- النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا لا النبي ﷺ ولا غيره؛ ولأن الرؤية نعيم خاصة بأهل الجنة وليست لأهل الدنيا، هذا هو الصواب.
والجمع بينما وروي عن بعض الصحابة أنه قال: رآه، وبين من قال: ما رآه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ﵀: أن من أثبت الرؤية من الصحابة ومن العلماء فهي محمولة على رؤية الفؤاد، ومن نفى الرؤية فهي محمولة على رؤية العين.
فما روي عن الصحابة أو عن التابعين أو عن الأئمة بأن النبي رأى ربه فهو محمول على أنه رآه بفؤاده، وما جاء عن الصحابة وعن التابعين أن النبي لم ير ربه يعني: لم ير ربه بعين رأسه، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تختلف.
فالصواب أن النبي لم ير ربه بعين رأسه وإنما رآه بفؤاده، وهذا خاص بالنبي ﷺ ليلة المعراج، وأما غير النبي ﷺ فلا، وأجمعت الأمة على أن النبي ما رأى ربه في الأرض، وإنما الخلاف في رؤيته ليلة المعراج، أما ما يزعمه بعض الصوفية وبعض الملاحدة من أنهم يرون ربهم في الأرض، أو أنه كلما رأوا خضرة قالوا: هذا الله، هذا كفر وضلال نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 121
حكم استعمال وسائل منع الحمل
السؤال
ما حكم استعمال حبوب منع الحمل وهل فيها محظور، وكذلك ما يسمى باللولب لمنع الحمل؟
الجواب
نحن لا ننصح باستعمال الحبوب؛ لأنه ثبت أن حبوب الحمل ضارة بالصحة، وعلى هذا فلا ينبغي للمرأة أن تستعمل حبوب الحمل لضررها، لكن لو اضطرت إلى استعمالها وصار إما أن تستعملها وإما أن يحصل لها ضرر أكبر فإنه يجوز لها في هذه الحالة بشرط ألا تضر بصحتها ضرراً أكثر من الضرر الذي تريد أن تستعملها لأجله، وبشرط ألا تؤدي إلى قطع النسل، فإذا اضطرت إلى هذا وقرر الطبيب أو الطبيبة أنها ليست ضارة، وأنها لا تؤدي إلى قطع النسل فلا بأس.
أما إذا كانت تؤدي إلى قطع النسل أو تضر بصحتها فلا يجوز لها استعمالها.
كذلك اللولب لا ينبغي استعماله إلا للضرورة.
стр. 122
حكم استخدام الكريمات المحسنة للبشرة
السؤال
ما حكم استخدام المرأة للكريمات بغرض إزالة النمش، وكذلك من أجل تبييض البشرة؟
الجواب
ينظر في الكريمات التي تستعملها، إن كانت ضارة بصحتها، فلا ينبغي لها أن تستعملها، أما إذا كانت تستعملها وهي ليست مخطوبة تريد أن تدلس، أو إذا كانت مخطوبة وتريد أن تستعمل الكريمات حتى تبيض وجهها فلا يجوز، لكن لو كانت عند زوجها خاصة ولا تضر بصحتها، فلا أعلم في هذا حرجاً.
стр. 123
ضابط البدعة المكفرة وغير المكفرة
السؤال
ما الضابط بين البدعة المكفرة وغير المكفرة مع التمثيل؟
الجواب
البدعة المكفرة هي التي تخرج صاحبها عن ملة الإسلام، مثالها: بدعة القدرية الغلاة، ومراتب القدر أربعة: المرتبة الأولى: العلم، إثبات علم الله الشامل، المرتبة الثانية: إثبات الكتابة، وأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، المرتبة الثالثة: الإرادة، وأن الله أراد كل شيء في هذا الوجود، المرتبة الرابعة: الخلق.
فالقدرية الأولى أنكروا المرتبتين الأوليين قالوا: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، ولا كتبها في اللوح المحفوظ، وهذه بدعة مكفرة؛ لأنهم نسبوا الله للجهل، قال العلماء: إنهم خرجوا من الثنتين والسبعين فرقة الذي قال فيهم النبي ﷺ : (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فهم خرجوا لكفرهم وضلالهم، أما الثنتان وسبعون فرقة فهم مبتدعة، هذه القدرية الأولى.
أما القدرية الثانية المتأخرون فقد أثبتوا علم الله، وأثبتوا الكتابة في اللوح المحفوظ، لكن أنكروا عموم الإرادة وعموم الخلق، فقالوا: إن الله ما أراد كل شيء حتى يشمل أفعال العباد، ولا خلق كل شيء، بل هناك شيء ما أراده الله ولا خلقه وهي أفعال العباد؛ لشبهة حصلت لهم، وهؤلاء مبتدعة.
إذاً: الطائفة الأولى بدعتهم مكفرة، والطائفة الثانية بدعتهم غير مكفرة.
وكذلك من البدع المكفرة: بدعة الجهمية الذين أنكروا أسماء الله وصفاته، فهذه تخرج من الملة، وكذلك بدعة الرافضة الذين يكفرون الصحابة ويعبدون آل البيت، مع أن الله تعالى زكى الصحابة وعدلهم ووعدهم بالجنة وهؤلاء يكفرونهم ويفسقونهم، وهذا تكذيب لله، ومن كذب الله كفر.
وكذلك يعبدون آل البيت ويتوسلون بهم، وكذبوا الله في أن القرآن محفوظ، وقالوا: إن القرآن ما بقي منه إلا الثلث، هذا كفر وغلاء، وهذه بدعة مكفرة.
стр. 124
حكم قراءة خطبة الجمعة بالأعجمية
السؤال
هل يجوز قراءة خطبة الجمعة بلغة غير العربية في بلاد العجم؟
الجواب
إذا لم يكن في المسجد إلا عجم فلا بأس أن تكون الخطبة بلغتهم، والمقصود منها الموعظة، أما إذا كان المسجد فيه عرب وعجم تكون الخطبة باللغة العربية، وتترجم لهم بعد الصلاة.
стр. 125
حكم قراءة الكتب بالترتيل
السؤال
ما رأيكم فيمن يقول: إن القراءة بالترتيل لكتب العلم بدعة محدثة في الدين؟
الجواب
لا نعلم هذا، لكن يمنع قراءة الكتب مثل قراءة القرآن.
فالقرآن له قراءة خاصة به، أما إذا قرأ بالترتيل فلا حرج، لكن لا تكون قراءته مثل قراءة القرآن.
стр. 126
حكم مقولة: (وجه الله عليك)
السؤال
ما حكم عبارة: وجه الله عليك أن تفعل كذا وكذا؟
الجواب
لا يجوز.
هذا من مناداة الصفة، وجه الله يعني: يا وجه الله، حتى قال شيخ الإسلام: إن مناداة الصفة كفر وضلال مثل: يا قدرة الله أنقذيني.
يا رحمة الله ارحميني.
يا وجه الله، فمناداة الصفة لا تجوز.
لكن أعوذ بعزة الله وقدرته لا بأس بها، وكذلك التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، أما أن تنادي الصفة فهذا لا يجوز؛ لأنك بهذا تجعل الصفة منفصلة عن الله.
стр. 127
حكم كشف الوجه للمرأة
السؤال
أشكل علي وصفكم بأن من استدل بحديث ابن عباس على كشف الوجه بأنه من أهل الزيغ، مع أن الأئمة الثلاثة وبعض العلماء المعاصرين يستدلون بهذا الحديث على جواز كشف الوجه؟
الجواب
ليس صحيحاً أن الأئمة الثلاثة يستدلون به، والأئمة الثلاثة كلهم يرون ستر الوجه، وهذا قاله بعض المتأخرين من أتباعهم من الفقهاء وليس هو قول الأئمة الثلاثة، والأئمة كلهم والتابعون على ستر الوجه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن ابن عباس يفسر قوله: (إلا ما ظهر منها) أي: الوجه والكفان.
وابن مسعود يفسر ذلك بأنه الملاءة والثياب التي تخرجها الريح أو تضرب بها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجمع بينهما: يقصد ابن عباس روى أول الأمر، وابن مسعود روى آخر الأمر، فـ ابن عباس روى أول الأمرين قبل الحجاب، وابن مسعود روى بعد الحجاب وقال: (إلا ما ظهر منها) يعني: الثياب من الوجه والكفان، فهذه دعوى من السائل أن الأئمة يقولون بكشف الوجه، وهم لا يقولون بهذا، إنما يقول هذا بعض الأتباع المتأخرين، وهو غلط منهم.
стр. 128
القول الصواب في مسألة خلو العرش
السؤال
ألا يقال: إن اختلاف العلماء في مسألة خلو العرش عند النزول إلى السماء الدنيا أنه تدخل في الكيفية؟
الجواب
الصواب مثلما قال شيخ الإسلام: أن نقول: الله تعالى فوق العرش، وينزل كيف يشاء .
стр. 129
حكم قتل حيات المنازل
السؤال
ماذا يفعل الإنسان عندما يرى حية في المنزل وهو يصلي؟
الجواب
الحية في المنزل لا تقتل حتى تعوذ كما جاء في الحديث؛ لأنها قد تكون من الجن، فهو يعوذها ثلاثاً فيقول: اخرجي ليس لك أن تبقي، إن بقيتي سوف أقتلك، وهكذا يحرج عليها ثلاثاً، فإذا وجدت بعد ذلك فإنه يقتلها، كما جاء في الحديث في قصة الرجل الأنصاري الذي قتل حية ثم بعد ذلك قتله الجن.
فقال النبي ﷺ : (إن هذه البيوت لها جنان) فإذا كان في البيت حية فلابد أن تعوذ وتنذر ثلاث مرات، ثم بعد ذلك إذا رئيت تقتل.
стр. 130
فرقة الإباضية
السؤال
يقول: هل الإباضية كفار؟
الجواب
الإباضية من الخوارج، والخوارج فيهم خلاف، جمهور الصحابة على أنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، ولهذا سئل علي ﵁: هل هم كفار؟ قال: من الكفر فروا، فالجمهور والصحابة عاملوهم معاملة أهل البدع، وبعض العلماء كفرهم، واستدل بالأحاديث التي فيها: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد).
شبههم بعاد وهم قوم كفار، وهي رواية عن الإمام أحمد، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة والصحابة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عاملوهم معاملة المبتدعة؛ لأنهم متأولون.
стр. 131
الأثر المترتب على القول بخلق القرآن
السؤال
ما الذي يترتب على القول بخلق القرآن؟
الجواب
القول بخلق القرآن معناه أن القائل جعله صفة من صفات الله المخلوقة، وهذا كفر وضلال، القرآن كلام الله وصفة من صفاته، والله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق، وما سواه مخلوق، فمن قال: إن صفة من صفات الله مخلوقة فقد كفر.
стр. 132
تفسير قوله تعالى (إلى ربها ناظرة)
السؤال
ما الرد على من قال: إن معنى قوله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] أي: منتظرة تنتظر الحساب وليست تنظر إلى وجه الله ﵎؟
الجواب
هذا تأويل، وهو قول المعتزلة وغيرهم، بعضهم يقول: ناظرة إلى ثواب ربها، قال العلماء: إذا ذكر الوجه وعدي بحرف الجر فهذا صريح في أن المراد النظر بالعين التي في الرأس إلى الرب ﷻ ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
стр. 133
معنى قوله: (وكلتا يديه يمين)
السؤال
كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (وكلتا يديه يمين)، وقوله: (إن الله يطوي السموات بيمينه والأرض بشماله)؟
الجواب
هذه مسألة فيها اختلاف بين أهل العلم، بعض أهل العلم أثبت الشمال؛ لأنه جاء في رواية في صحيح مسلم: (بشماله) وقالوا أيضاً: هو معنى قول الحديث الآخر: (يأخذ بيده اليمنى وبيده الأخرى) ولأن اليمين يقابلها الشمال، وأما قوله: (وكلتا يدين يمين) يعني: يمين في الشرف والفضل والكرم وعدم النقص، بخلاف المخلوق فإن إحدى يديه ضعيفة، وهي اليد الشمال، أما الخالق فلا يلحقه نقص، فكلتا يديه يمين في الشرف والفضل والكرم وعدم النقص وإلا فله يمين وشمال.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس لله شمال، وطعنوا في الرواية وإن كانت في صحيح مسلم قالوا: تفرد بها بعض الرواة، فقالوا: إنها شاذة فطعنوا فيها.
والأقرب: ثبوت اليمين والشمال لله عز جل، وهو ما يقتضيه قوله: (يأخذ بيده اليمنى، وبيده الأخرى القبض والخير) وقوله: (وكلتا يديه يمين) يعني: كلتا يديه في الشرف والفضل والكرم وعدم النقص، وإن كان له يمين وشمال.
стр. 134
حكم أبوال مأكولة اللحم
السؤال
ما حكم بول الأرنب من حيث الطهارة؟
الجواب
مأكول اللحم طاهر، وكل مأكول اللحم فبوله وروثه طاهر على الصحيح، كالإبل والبقر والغنم، هذه طاهرة أبوالها وأرواثها ومنيها، ولهذا أمر النبي ﷺ العرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها.
فالأرنب يؤكل، وإذا كان يؤكل فبوله طاهر، وكل ما يؤكل لحمه فهو طاهر، بوله وروثه ومنيه، وما لا يؤكل لحمه فهو نجس.
стр. 135
تخلق طلبة العلم بالآداب الإسلامية
السؤال
ما تعليقكم على ما يحصل بين طلاب العلم من الجفاء وعدم التبسم والتقصير في السلام؟
الجواب
لا شك أن طلاب العلم ينبغي أن يتخلقوا بالأخلاق الكريمة، ويتأدبوا بالآداب الإسلامية، ويكونوا أسبق الناس إلى العمل بالسنة، والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
فإفشاء السلام ينبغي أن يكون بين المسلمين ولاسيما طلبة العلم، وطالب العلم ينبغي أن يتخلق بالأخلاق الإسلامية، يسلم على أخيه، ويصافحه، ويبش في وجهه، والنبي ﷺ يقول: (المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وجاء في الأثر (تبسمك في وجه أخيك صدقة).
ينبغي لطلبة العلم أن يكونوا أسبق الناس للعمل بالسنن والآداب، ويعملوا بما يكون سبباً في الألفة والمحبة ونشر الوئام بين الإخوان، والزملاء، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا كلهم إخوة متحابين متآلفين، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فكيف بطلبة العلم؟ طالب العلم يكون أسبق الناس إلى العمل بالسنن، ويعمل بما علمهم الله.
وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 136
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٩]
أهل السنة والجماعة يؤمنون بالحوض والكوثر، كما يؤمنون بدخول الموحدين الجنة ولو كانوا من أصحاب الكبائر وذلك بعد أن يعذبهم الله أو يعفو عنهم.
وأهل الجنة متفاوتون في المنازل.
كما أن المؤمنين متفاوتون في الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
стр. 137
الإيمان بالحوض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤمنون بالحوض، والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم، وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة ولا يخلدون في النار، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً].
أي: إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالحوض والكوثر.
стр. 138
تعريف الحوض ووصفه
والحوض في اللغة معناه: مجمع الماء، والمراد به شرعاً: حوض لنبينا ﷺ في موقف القيامة ترد عليه أمته ﵊.
وهذا الحوض جاءت الأحاديث بوصفه بأنه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأن طوله مسافة شهر، وأن عرضه مسافة شهر، وأوانيه التي يشرب به عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين عليه.
ويصب فيه ميزابان من نهر الكوثر من الجنة، والأحاديث في إثبات الحوض بلغت حد التواتر، والأحاديث التي بلغت حد التواتر ليست كثيرة، فأكثر الأحاديث أخبار آحاد لكن خبر الآحاد إذا صح، وكان الرواة عدول ضابطون، ولم يكن خبراً شاذاً ولا معللاً؛ فهو مقبول صحيح يعمل به في العقائد، وفي الأعمال، وفي كل شيء، ولكن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر وكذلك وأحاديث المسح على الخفين وأحاديث الشفاعة، وحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وحديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فهذه بلغت حد التواتر، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أنه يرد على حوض النبي ﷺ أمته وأن النبي يتقدمه قال: (أنا فرطكم على الحوض).
والفرط: هو السابق الذي يسبق ويتقدم القوم، وأنه يرد على النبي ﷺ على الحوض أناس قد غيروا وبدلوا فيطردون ويذادون كما تذاد الإبل العطاش فيقول النبي ﷺ : (أصحابي أصحابي) ولهذا جاء في الحديث يقول النبي ﷺ : (ليردن علي أناس من أمتي أعرفهم ويعرفوني فإذا جاءوا اختلجوا دوني).
وفي لفظ: (فيذادون كما تذاد الإبل العطاش فيقول النبي ﷺ : أصحابي أصحابي).
وفي رواية: (أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فيقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) سحقاً أي: بعداً.
قال العلماء: مثل الأعراب الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم آمنوا وارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم أعمال أمته، ولهذا قال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وفيه الرد على من قال إن النبي ﷺ يعلم الغيب، أو أن أعمال أمته تعرض عليه فكل هذا ليس بصحيح.
فيجب على المؤمن أن يؤمن بالحوض، والحوض على الصحيح قبل الميزان وقبل الصراط، وقوله رحمه الله تعالى: ويؤمنون بالحوض والكوثر، الحوض في موقف القيامة، والكوثر: نهر في الجنة يصب منه ميزابان في الحوض.
وقوله: وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب)، ووصفهم النبي ﷺ بقوله: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله منهم -وفي لفظ- أنت منهم فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ : سبقك بها عكاشة).
وجاء في الحديث الآخر: أن النبي قال: (أعطاني مع كل ألف سبعين ألفاً بغير حساب).
وجاء في حديث آخر: (مع كل واحد سبعون ألفاً) لكنه حديث ضعيف.
وقوله: وكذلك فأهل السنة يؤمنون بإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، معناه: أن هناك قسم من الأمة يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وهناك قسم آخر: يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، والمراد بالحساب اليسير: هو العرض، وقد استشكلت عائشة ﵂ لما قال النبي ﷺ : (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت: عائشة قلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب).
فالنبي ﷺ فسر الحساب في الآية بأنه العرض: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] المراد بالحساب: العرض تعرض عليه أعماله ولا يناقش، أما من نوقش الحساب فإنه يعذب، وأما الذي تعرض عليه الأعمال عرضاً فإنه لا يعذب، فيكون الجمع بين الآية والحديث هو هذا، فالحديث: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك).
والآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، المراد بالحساب في الآية: العرض، والمراد بالحساب في الحديث: المناقشة، فمن نوقش الحساب عذب، وأما في الآية فإنه ليس فيه مناقشة وإنما فيه عرض.
стр. 139
تفاوت أهل الجنة في المنازل
وقوله: وإدخال فريق من مذنبيهم النار ثم إعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها.
معناه: أن أهل الجنة طبقات: الطبقة الأولى: يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ولا عرض نسأل الله الكريم من فضله.
الطبقة الثانية: من يحاسب حساباً يسيراً فيدخل الجنة بغير سوء ولا عذاب أيضاً، بمعنى أنها تعرض عليه أعماله.
الطبقة الثالثة: من يناقش الحساب ثم يعذب وهم موحدون، ولا بد أن يخرجوا من النار، ولهذا قال المؤلف: وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم وإخراجهم منها وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ويعلمون حقاً يقيناً أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبداً.
يعني: هؤلاء الذين يناقشون ويعذبون في النار لا يخلدون إذا ماتوا على التوحيد، فمن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة، لكن من مات على توحيد خالص سالم من الكبائر فإنه يدخل الجنة من أول يوم فضلاً من الله تعالى وومنة منه سبحانه.
ومن مات على توحيد ملطخ بالكبائر فهو على خطر فقد يعفو الله عنه بتوحيده وإيمانه وإسلامه فيدخل الجنة من أول وهلة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقد يعذب، ولكن إذا عذب فلن يخلد في النار، وإنما يعذب على قدر جرائمه، ومن كثرت جرائمه واشتد فحشه فإنه يطول مكثه في النار مثل القاتل، فقد أخبر الله أنه يخلد في النار والخلود هو المكث الطويل.
стр. 140
أقسام الخلود في النار
الخلود في النار خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهو خلود العصاة.
وخلود مؤبد لا نهاية له، وهو خلود الكفار.
نسأل الله السلامة والعافية.
ولهذا قال المؤلف: ويعلمون حقاً يقيناً أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبداً، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، والدليل: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هؤلاء هم الكفار نعوذ بالله، ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ثم قال المؤلف: ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً.
فعصاة أهل الإيمان لا بد أن يخرجوا من النار ولو طال مكثهم خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وهذا من أبطل الباطل وهو من اعتقاد أهل البدع، فهم يقولون: إن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 141
رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها].
فمن معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ يوم القيامة وينظرون إليه، ورؤية المؤمنين لربهم ثابتة في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة، أما في القرآن العزيز فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وإذا ذكر الوجه مع حرف الجر دل على أن المراد النظر بالعين التي في الرأس إلى الرب ﷻ ، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقد استدل الشافعي بهذه الآية على إثبات الرؤية للمؤمنين؛ لأن الله حجب الكفار فلما حجب الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرونه، وإلا لو كان المؤمنون محجوبون لكانوا مثل الكفار، ولتساووهم، فلما حجب الله الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرون ربهم، قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] جاء في صحيح مسلم في تفسير الزيادة: بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والزيادة هي النظر إلى وجه الله.
وأما السنة فإن الأخبار متواترة رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد ساقها العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وعقب عليها وقال: فكأنك تشاهد النبي ﷺ وهو يقول هذه الأحاديث وأهل السنة لا شيء أقر لأعينهم من ذلك، وشهدت الفرعونية والجهمية والفلاسفة وأفراخ اليونان بكفر من اعتقد ذلك.
فالجهمية والمعتزلة كفروا من أثبت رؤية الله وقالوا: من أثبت رؤية الله فهو كافر، لأنه تنقص الله، وقالوا الذي يرى هو الجسم المحسوس، والله ليس بجسم وليس بمحسوس فلا يرى، مع أن الأخبار بلغت حد التواتر.
ولهذا قال العلماء والأئمة: من أنكر رؤية الله فهو كافر، فكفر بعض الأئمة من أنكر رؤية الله في الآخرة.
وأما أهل البدع من المعتزلة والجهمية والخوارج فإنهم أنكروا الرؤية وكفروا من أثبت الرؤية لأنهم يزعمون أن من أثبت الرؤية فقد تنقص الله وقالوا: الشيء الذي يرى لا بد أن يكون جسم، ومن أثبت الرؤية لله فقد جعل الله جسماً وإذا كان جسماً صار مشابهاً للمخلوقات وكذلك يكون محدوداً، ومتحيزاً.
فنقول: إن الله أثبت رؤية المؤمنين لربهم فكذلك رسوله ﷺ أثبت ذلك، وكل موجود يمكن رؤيته، والله تعالى أظهر من كل موجود وأحق بأن يرى، لكن رؤية الله في الدنيا ممتنعة شرعاً فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا ولا يستطيع بصره أن ينظر إلى الله في الدنيا لضعفه، لكن في يوم القيامة ينشئ الله الناس تنشئة قوية يستطيعون من خلالها رؤية الله، ولهذا لما سأل موسى ﵊ ربه الرؤيا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أخبر الله أنه لن يستطيع قال الله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لن تستطيع ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فالجبل الصلب ما استطاع أن يثبت لرؤية الله له بل اندك ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣].
والرؤية أيضاً نعيم خاص بأهل الجنة، يقول المؤلف ﵀: هذا الخبر: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، في لفظ: (لا تضامون في رؤيته)، في لفظ: (لا تضارون في رؤيته)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة أربع عشرة)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)، وفي لفظ: (إنهم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
يقول المؤلف ﵀: والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.
والمعنى: أن رسول الله شبه رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة برؤية الناس للقمر في الدنيا، هل هذا فيه تشبيه لله بالقمر؟ لا، بل التشبيه للرؤية بالرؤية.
يعني: كما أننا في الدنيا نرى القمر واضحاً لا لبس فيه، فكذلك نرى الله يوم القيامة رؤية واضحة لا إشكال فيها، وليس المراد تشبيه الله بالقمر تعالى الله، فالله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، وهذا هو معنى قول المؤلف: التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فالله تعالى لا يماثل أحداً من خلقه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] يقول المؤلف: والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها، وكتاب الانتصار هو للمؤلف وقد ساق فيه الأدلة والأحاديث التي فيها الرؤية، فإذا أردت أن تتوسع ارجع إلى كتاب المؤلف كتاب الانتصار حتى ترى هذه النصوص.
стр. 142
الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبداً، ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ].
فقوله: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً معناه: أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، دائمتان لا تفنيان، خلافاً للمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: الجنة والنار ليستا مخلوقتان الآن، ولن تخلقان إلا يوم القيامة: وهذا باطل فقد قال الله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] وشبهة المعتزلة أننا لو قلنا: إن الجنة والنار مخلوقتان الآن وليس فيهما أحد، لصار هذا عبث، والعبث محال على الله، ففراراً من ذلك قالوا: لم تخلق جنة ولا نار الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة وهو قول باطل، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.
أولاً: هناك نصوص تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان: قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] أعدت شيء مضى.
وثانياً: قول المعتزلة وجودهما الآن وليس فيهما أحد عبث والعبث محال عن الله قول باطل أيضاً، فمن قال إنه لا توجد الآن حاجة للجنة والنار؟ ومن قال إن وجودهما عبث؟ فالجنة فيها الحور العين، وفيها أرواح المؤمنين تتنعم فيها، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة وترد أنهارها، والكافر إذا مات نقلت روحه إلى النار تعذب في النار نعوذ بالله، وجاء في الحديث: (أن المؤمن إذا مات فتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها) وهذا دليل على أن النار موجودة الآن، والجنة موجودة الآن، والله تعالى قال في كتابه العظيم عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعرض غدواً وعشياً في الدنيا، إذاً النار موجودة الآن وقول المعتزلة من أبطل الباطل، ثم أيضاً ثبت أن النبي ﷺ في حديث الإسراء قال: (وأدخلت الجنة).
وفي حديث الكسوف: أن النبي ﷺ قال: (كشف له عن الجنة وتقدم وتقدمت الصفوف قال: حتى كأني رأيت دلي عنقود كأني آخذ منها).
(وكشف له عن النار، وتأخر وتأخرت الصفوف حتى خاف ﵊، فقول المعتزلة: إن الجنة والنار غير مخلوقتان الآن من أبطل الباطل، والصواب أنهما موجدتان الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان أبد الآباد خلافاً للجهمية الذين يقولون: إن الجنة والنار تفنيان، وهذا من أبطل الباطل، ولهذا كفرهم أهل السنة والجماعة.
وقول المؤلف ﵀: وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً.
معناه: أن الجنة لا تفنى، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون منها أبداً، أما العصاة فيخرجون؛ لأن العصاة ليسوا من أهل النار؛ ولأن المعصية شيء عارض، فهم موحدون مؤمنون، والمعصية تحتاج إلى تطهير، مثل الثوب إذا أصابته نجاسة فإنه يغسل بالماء، فالعصاة إن عفا الله عنهم طهروا، وإن لم يعف الله عنهم فلا بد أن يطهروا بالنار حتى تنتهي المعصية، فإذا طهروا من المعاصي أخرجهم الله إلى الجنة فليسوا من أهل النار وإنما أهل النار هم الكفرة الذين يبقون فيها أبد الآباد، نسأل السلامة والعافية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧] كما قال سبحانه.
قال المؤلف: ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: ٍ (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) كما جاء في الحديث.
والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالموت على صورة كبش أملح) وهذا بعد خروج العصاة الموحدين من النار ودخولهم الجنة، (فيجعل بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، ويقال يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيماً إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم).
نسأل الله السلامة العافية.
стр. 143
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان؟ فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر القطني عن أبيه عن جده عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه].
فمن مذهب أهل الحديث وأهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وعقيدة الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء: أن الإيمان قول باللسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ويذكر الله، ويقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، كل هذا من الإيمان.
وتصديق بالقلب أي: فأعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان مثل النية، والإخلاص، والرغبة، والرهبة، والمحبة، والخشية، وأعمال الجوارح: مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج.
كل هذه داخلة في مسمى الإيمان، فالإيمان مكون من أربعة أشياء: الأمر الأول: قول اللسان وهو الإقرار والنطق.
والثاني: قول القلب وهو التصديق والإقرار.
والثالث: عمل القلب وهو النية والإخلاص.
والرابع: عمل الجوارح، ولهذا قال المؤلف ﵀: ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، قول: قول اللسان وقول القلب، عمل القلب وعمل اللسان، والمعرفة هي تصديق القلب.
وقوله: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
إذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا قال بعضهم: الإيمان قول وعمل، وبعضهم يقول: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، أي: بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن العلماء من قال: قول وعمل ونية، فالإيمان قول وعمل، والقول شيئان: قول القلب وقول اللسان، والعمل شيئان: عمل القلب، وعمل الجوارح، وهذا هو قول أهل السنة قاطبة خلافاً للمرجئة، الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهم أربع طوائف: الطائفة الأولى: المرجئة الجهمية، وهم المرجئة المحضة ويقولون: الإيمان مجرد معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ومن جهل ربه بقلبه فهو كافر، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان هو تعريف الجهم، وعلى قول الجهم يكون إبليس مؤمناً؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، يكون اليهود مؤمنين لأنهم يعرفون ربهم بقلوبهم، ويكون أبو طالب عم الرسول ﷺ الذي مات على الشرك مؤمناً؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً الطائفة الثانية: الكرامية الذين يقولون: الإيمان الإقرار باللسان فقط، فعند الكرامية من نطق بالشهادتين بلسانه فهو مؤمن، وإن كان مكذباً بقلبه يكون مخلداً في النار، فيلزم على قولهم: أن المؤمن كامل الإيمان يخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل.
الطائفة الثالثة من المرجئة: الماتريدية والأشاعرة يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
الطائفة الرابعة: مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه الذين يقولون: الإيمان شيئان: إقرار اللسان، وتصديق القلب، أما الأعمال فليست داخلة في مسمى الإيمان وإن كانت واجبة لكن ليست من الإيمان، فالصلاة، والصوم والزكاة، والحج، بر وتقوى وهي مطلوبة، والفرق بينهم وبين الجهمية، أن الجهمية يقولون: ليست مطلوبة، وهؤلاء يقولون: مطلوبة، وأما أهل السنة والجماعة وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وهو الذي عليه الصحابة والتابعون والأئمة: أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ومرجئة الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه يقولون: من ارتكب الكبيرة عليه الوعيد ويقام عليه الحد، ومن فعل الطاعات يمدح وله الثواب لكن لا يسميها إيمان، أما الجهمية الأولى: فيقولون: الأعمال ليست مطلوبة، فلو فعل الإنسان جميع الكبائر والمنكرات لا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، وهذا من أبطل الباطل.
وعلى هذا فيكون المرجئة أربع طوائف: الجهمية، والكرامية، والماتريدية والأشاعرة، ومرجئة الفقهاء، وجماهير أهل السنة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وقد نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد إذا فعل الإنسان الطاعات وينقص إذا فعل المعصية، أما المرجئة فيقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو شيء واحد بالقلب، وإيمان أهل الأرض وإيمان أهل السماء واحد وهو التصديق، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن، ولا يزيد إيمانه ولا ينقص، وهذا من أبطل الباطل، بل إن الإيمان يزيد وينقص فإذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد إلى قوله عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه زاد الإيمان فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه، ولهذا كان يقول بعض السلف: اجلس بنا نؤمن ساعة يعني: يزيد إيماننا فيجلسون يذكرون الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكى قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو عمرو الحيري قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن إدريس المكي وأحمد بن شداد الترمذي قالوا: حدثنا الحميدي قال: حدثنا يحيى بن سليم سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا: قول وعمل سألت هشام بن حسان؟ فقال: قول وعمل، وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل، وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل، وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل، وسألت فضيل بن عياض فقال: قول وعمل، وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل].
وهذا كله يدل على أن الإيمان قول وعمل وهو الذي عليه جماهير أهل السنة والجماعة يقول: خلافاً للمرجئة الذين يقولون: العمل ليس من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا أبو الكيري قال: حدثنا محمد ومحمد بن إدريس وسمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، تقول ينقص فقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء].
وهذا يؤيد مذهب أهل السنة والجماعة وكنية سفيان هي أبو محمد فالإيمان ينقص ولكنه لا ينتهي على الصحيح إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، لكن المعاصي تضعفه ولهذا جاء في الحديث (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)، ولا ينتهي الإيمان بالمعاصي أبداً ولو كثرت.
فإذا جاء الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر انتهى الإيمان، فلا يجتمع كفر وإيمان بل إذا جاء الكفر الأكبر ذهب الإيمان، وإذا جاء الإيمان ذهب الكفر، لكن المعاصي يكون معها إيمان، فإذا كثرت أضعفت الإيمان حتى لا يبقى إلا أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعي ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل].
وقول: أبي محمد أسكت بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء فيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يبقى منه شيء، ويكون لا يبقى منه شيء بالنسبة للكافر، لأن الكافر ينتهي الإيمان منه، أما العاصي فلابد أن يبقى من إيمانه شيء وفيه قول: الوليد بن مسلم أنه سمع الأوزاعي ومالكاً وسعيد ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، أي: أنهم ينكرون على المرجئة، لأنهم يقولون: الإيمان إقرار بلا عمل، وهذا ليس بصحيح، ولهذا قال نقلاً عن هؤلاء الأئمة: لا إيمان إلا بعمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيماناً ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة].
قوله: قلت: يعني: الإمام الصابوني فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكثر إيماناً، ومن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة فإيمانه ناقص هذا صحيح، كلما كثرت الطاعات والحسنات زاد الإيمان، وإذا قلت الطاعات وكثرت المعاصي والغفلة والإعراض نقص الإيمان وهذا قول أهل السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكريه الجلاد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلاً، وأنا أبغضهم عن معرفة.
إن أول أمرهم أنهم لا يرون للسلطان طاعة.
والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر.
والله لا أستجيز أن أقول إيماني كإيمان يحيى بن يحيى ولا كإيمان أحمد ب
стр. 144
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١٠]
أهل السنة والجماعة لا يكفرون المؤمن بالذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، فإن مات ولم يتب منها وكان موحداً فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر معاصيه ويدخله الجنة برحمته.
واختلف أهل العلم في تارك الصلاة عامداً متعمداً مع إقراره بوجوبها فمنهم من كفره وجعل فعله كفراً أكبر مخرجاً من الملة ومنهم من ذهب إلى عدم تكفيره وإنما يقتل حداً، ومنهم من حكم عليه بالحبس والتعزير حتى يتوب.
стр. 145
لا يكفر المؤمن بكل ذنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار].
هذا فيه بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الذنوب وأصحاب الكبائر من المسلمين، فقد بين المؤلف ﵀ أن عقيدة أهل السنة والجماعة في الموحدين الذين يرتكبون الكبائر ويموتون عليها من غير توبة أنهم تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنهم وغفر لهم بتوحيدهم وإسلامهم وأدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبهم بذنوبهم على قدر جرائمهم ثم يخرجون منها إلى الجنة كما قال الله في كتابه المبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإذا عذب العاصي في النار فإنه لا بد أن يخرج منها، إما بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر مؤمنون، موحدون، مصلون، فلا تأكل النار أثر السجود فيعذبهم الله مدة ثم يخرجهم، وقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع أربع شفاعات، وكذلك بقية الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والصالحون يشفعون، والشهداء يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فيقول الرب : (شفعت الملائكة وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط) أي: زيادة على التوحيد والإيمان، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد في النار وهذا مذهب باطل أنكره عليهم أهل السنة وبدعوهم وضللوهم؛ لأن النصوص في إخراج العصاة من النار متواترة، ومع ذلك أنكرها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فالواجب على المسلم أن يعتني بهذا الأمر، وأن يعتقد ما يعتقده أهل السنة والجماعة، فالخوارج عندهم أن الزاني يكفر ويخلد في النار، ومن شرب الخمر كفر وخلد في النار، وكذلك المعتزلة يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر لكن يخلدونه في النار كالخوارج، ومن تعامل بالربا عند الخوارج والمعتزلة كفر وخلد في النار فهو عندهم كالكافر سواء بسواء نعوذ بالله، ومن عق والديه كفر وخلد في النار وهذا مذهب باطل، عند أهل السنة والجماعة، وضعيف الإيمان لا يكفر ولكن يكون ناقص الإيمان ولا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ثم أخرجه، كما قال المؤلف ﵀ هنا.
ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ومحل النزاع هو إذا خرج من الدنيا غير تائب منها، أما من فعل الكبيرة ثم تاب، تاب الله عليه بالاتفاق، فمن تاب قبل الموت من الشرك والذنوب تاب الله عليه، والله تعالى قد عرض التوبة على المثلثة النصارى الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤] فالتوبة تجب ما قبلها وليس هناك ذنب لا يغفر أبداً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] يعني: لمن تاب، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين فمن تاب تاب الله عليه حتى عند الخوارج المعتزلة، لكن محل النزاع: من مات على كبيرة من غير توبة هذا هو محل النزاع، فأهل السنة يقولون: هو ناقص الإيمان، أو ضعيف الإيمان، وتحت المشيئة قد يعفى عنه وقد يعذب، قد يعذب في قبره، وقد تصيبه شدائد وأهوال في موقف القيامة، وقد يعذب في النار.
أما الخوارج والمعتزلة فيقولون: هو كافر مخلد في النار نسأل الله السلامة والعافية.
ويجب على طالب العلم أن يعتني بهذا الأمر حتى لا يقع في معتقد أهل البدع.
وقول المؤلف ﵀: وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار وإن شاء عفا عنه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار والدليل على هذا هو الآية الشريفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه الآية في غير التائبين؛ لأن الله خص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة، فدل على أنها ليست في التائبين، أما آية الزمر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] فهي في التائبين فإن الله عمم وأطلق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] يعني: لمن تاب، فمن تاب توبة نصوحاً بأن أقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على ألا يعود إليه، ورد المظلمة إلى أهلها، وكان قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها، فإن الله تعالى يغفر ذنبه مهما كان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان شيخنا سهل بن محمد ﵀ يقول: المؤمن المذنب وإن عذب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار، ومعنى ذلك: أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوساً في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلي بالنار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس ومعنى قوله: لا يلقى في النار إلقاء الكفار أن الكافر يحرق بدنه كله كلما نضج جلده بدل جلداً غيره ليذوق العذاب كما بينه الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده، ومعنى قوله: لا يبقى في النار بقاء الكفار.
أن الكافر يخلد فيها ولا يخرج منها أبداً، ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين في النار أحداً، ومعنى قوله: ولا يشقى في النار شقاء الكفار: أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله ولا يرجون راحة بال].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال وعاقبة المؤمنين كلهم الجنة؛ لأنهم خلقوا لها وخلقت لهم فضلاً من الله ومنة].
هذا الكلام الذي نقله المؤلف ﵀ عن شيخه سهل بن محمد ﵀ يبين فيه الفرق بين المؤمن العاصي الذي يعذب بالنار والكافر، وقال: بينهما فروق ثلاثة: الفرق الأول: أن الكافر يؤتى به ويقذف في النار على أم رأسه ويدخل في سلسلة من النار ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢].
أما المؤمن فيدخلها على رجليه مثل المجرم الذي يدخل السجن في الدنيا.
الفرق الثاني: أن الكافر تغمره النار من جميع الجهات وتحرق بدنه، أما المؤمن فلا تغمره من جميع الجهات، بل تلهبه النار على حسب أعماله، فقد تصل النار إلى ركبتيه، أو إلى كعبيه أو إلى حقويه على حسب المعاصي.
الأمر الثالث: أن الكافر ييأس من رحمة الله فليس له طمع بأن يخرج من النار بل هو يائس والعياذ بالله أبد الآباد، وأما المؤمن فإنه لا ييأس بل يرجو رحمة الله ويرجو الخروج من النار؛ لأن دخوله مؤقت؛ لأن المؤمن الموحد الأصل أنه من أهل الجنة فهو خلق للجنة لكن هذه المعاصي خبث لا بد أن يطهر منه، فمنهم من يطهر منها بعفو الله فإذا عفا الله عنها طهر منها، وإذا لم يعفو عنه فلا بد أن يطهر بالنار، مثل النجاسة التي تصيب الثوب والبدن لا بد من غسلها، فنجاسة المعاصي تغسل بالنار إذا لم يعف الله عنها حتى تزول، فإذا طهر صاحبها أخرج منها بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين.
وقول الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] معنى التبديل: أي التجديد وليس معناه أنه يؤتى بجلود أخرى، وإنما معناه أنه كلما نضجت جدد من جديد حتى يستمر في العذاب نسأل الله السلامة والعافية، والكافر تلفح وجهه النار، أما المؤمن فلا تلفح وجهه النار، والمؤمن المصلي لا تأكل النار مواضع السجود منه، وهي: الجبهة، واليدين، والركبتين، وإنما تأكل بقية جسده، أما الكافر، فتلفحه النار من جميع الجهات نعوذ بالله.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: (وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود)، وفي اللفظ الآخر: (كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود).
ومعنى قوله: (لا يبقى في النار بقاء الكفار) أن الكافر يخلد فيها، ولا يخرج منها أبداً.
(ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين
следующие страницы →