Полный текст (265 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها].
فمن معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ يوم القيامة وينظرون إليه، ورؤية المؤمنين لربهم ثابتة في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة، أما في القرآن العزيز فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وإذا ذكر الوجه مع حرف الجر دل على أن المراد النظر بالعين التي في الرأس إلى الرب ﷻ ، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقد استدل الشافعي بهذه الآية على إثبات الرؤية للمؤمنين؛ لأن الله حجب الكفار فلما حجب الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرونه، وإلا لو كان المؤمنون محجوبون لكانوا مثل الكفار، ولتساووهم، فلما حجب الله الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرون ربهم، قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] جاء في صحيح مسلم في تفسير الزيادة: بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والزيادة هي النظر إلى وجه الله.
وأما السنة فإن الأخبار متواترة رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد ساقها العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وعقب عليها وقال: فكأنك تشاهد النبي ﷺ وهو يقول هذه الأحاديث وأهل السنة لا شيء أقر لأعينهم من ذلك، وشهدت الفرعونية والجهمية والفلاسفة وأفراخ اليونان بكفر من اعتقد ذلك.
فالجهمية والمعتزلة كفروا من أثبت رؤية الله وقالوا: من أثبت رؤية الله فهو كافر، لأنه تنقص الله، وقالوا الذي يرى هو الجسم المحسوس، والله ليس بجسم وليس بمحسوس فلا يرى، مع أن الأخبار بلغت حد التواتر.
ولهذا قال العلماء والأئمة: من أنكر رؤية الله فهو كافر، فكفر بعض الأئمة من أنكر رؤية الله في الآخرة.
وأما أهل البدع من المعتزلة والجهمية والخوارج فإنهم أنكروا الرؤية وكفروا من أثبت الرؤية لأنهم يزعمون أن من أثبت الرؤية فقد تنقص الله وقالوا: الشيء الذي يرى لا بد أن يكون جسم، ومن أثبت الرؤية لله فقد جعل الله جسماً وإذا كان جسماً صار مشابهاً للمخلوقات وكذلك يكون محدوداً، ومتحيزاً.
فنقول: إن الله أثبت رؤية المؤمنين لربهم فكذلك رسوله ﷺ أثبت ذلك، وكل موجود يمكن رؤيته، والله تعالى أظهر من كل موجود وأحق بأن يرى، لكن رؤية الله في الدنيا ممتنعة شرعاً فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا ولا يستطيع بصره أن ينظر إلى الله في الدنيا لضعفه، لكن في يوم القيامة ينشئ الله الناس تنشئة قوية يستطيعون من خلالها رؤية الله، ولهذا لما سأل موسى ﵊ ربه الرؤيا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أخبر الله أنه لن يستطيع قال الله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لن تستطيع ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فالجبل الصلب ما استطاع أن يثبت لرؤية الله له بل اندك ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣].
والرؤية أيضاً نعيم خاص بأهل الجنة، يقول المؤلف ﵀: هذا الخبر: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، في لفظ: (لا تضامون في رؤيته)، في لفظ: (لا تضارون في رؤيته)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة أربع عشرة)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)، وفي لفظ: (إنهم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في رؤية الشمس صحواً ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
يقول المؤلف ﵀: والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.
والمعنى: أن رسول الله شبه رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة برؤية الناس للقمر في الدنيا، هل هذا فيه تشبيه لله بالقمر؟ لا، بل التشبيه للرؤية بالرؤية.
يعني: كما أننا في الدنيا نرى القمر واضحاً لا لبس فيه، فكذلك نرى الله يوم القيامة رؤية واضحة لا إشكال فيها، وليس المراد تشبيه الله بالقمر تعالى الله، فالله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، وهذا هو معنى قول المؤلف: التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فالله تعالى لا يماثل أحداً من خلقه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] يقول المؤلف: والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها، وكتاب الانتصار هو للمؤلف وقد ساق فيه الأدلة والأحاديث التي فيها الرؤية، فإذا أردت أن تتوسع ارجع إلى كتاب المؤلف كتاب الانتصار حتى ترى هذه النصوص.
стр. 142
الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبداً، ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ].
فقوله: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً معناه: أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، دائمتان لا تفنيان، خلافاً للمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: الجنة والنار ليستا مخلوقتان الآن، ولن تخلقان إلا يوم القيامة: وهذا باطل فقد قال الله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] وشبهة المعتزلة أننا لو قلنا: إن الجنة والنار مخلوقتان الآن وليس فيهما أحد، لصار هذا عبث، والعبث محال على الله، ففراراً من ذلك قالوا: لم تخلق جنة ولا نار الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة وهو قول باطل، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.
أولاً: هناك نصوص تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان: قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] أعدت شيء مضى.
وثانياً: قول المعتزلة وجودهما الآن وليس فيهما أحد عبث والعبث محال عن الله قول باطل أيضاً، فمن قال إنه لا توجد الآن حاجة للجنة والنار؟ ومن قال إن وجودهما عبث؟ فالجنة فيها الحور العين، وفيها أرواح المؤمنين تتنعم فيها، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة وترد أنهارها، والكافر إذا مات نقلت روحه إلى النار تعذب في النار نعوذ بالله، وجاء في الحديث: (أن المؤمن إذا مات فتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها) وهذا دليل على أن النار موجودة الآن، والجنة موجودة الآن، والله تعالى قال في كتابه العظيم عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعرض غدواً وعشياً في الدنيا، إذاً النار موجودة الآن وقول المعتزلة من أبطل الباطل، ثم أيضاً ثبت أن النبي ﷺ في حديث الإسراء قال: (وأدخلت الجنة).
وفي حديث الكسوف: أن النبي ﷺ قال: (كشف له عن الجنة وتقدم وتقدمت الصفوف قال: حتى كأني رأيت دلي عنقود كأني آخذ منها).
(وكشف له عن النار، وتأخر وتأخرت الصفوف حتى خاف ﵊، فقول المعتزلة: إن الجنة والنار غير مخلوقتان الآن من أبطل الباطل، والصواب أنهما موجدتان الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان أبد الآباد خلافاً للجهمية الذين يقولون: إن الجنة والنار تفنيان، وهذا من أبطل الباطل، ولهذا كفرهم أهل السنة والجماعة.
وقول المؤلف ﵀: وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً.
معناه: أن الجنة لا تفنى، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون منها أبداً، أما العصاة فيخرجون؛ لأن العصاة ليسوا من أهل النار؛ ولأن المعصية شيء عارض، فهم موحدون مؤمنون، والمعصية تحتاج إلى تطهير، مثل الثوب إذا أصابته نجاسة فإنه يغسل بالماء، فالعصاة إن عفا الله عنهم طهروا، وإن لم يعف الله عنهم فلا بد أن يطهروا بالنار حتى تنتهي المعصية، فإذا طهروا من المعاصي أخرجهم الله إلى الجنة فليسوا من أهل النار وإنما أهل النار هم الكفرة الذين يبقون فيها أبد الآباد، نسأل السلامة والعافية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧] كما قال سبحانه.
قال المؤلف: ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: ٍ (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) كما جاء في الحديث.
والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالموت على صورة كبش أملح) وهذا بعد خروج العصاة الموحدين من النار ودخولهم الجنة، (فيجعل بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، ويقال يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيماً إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم).
نسأل الله السلامة العافية.
стр. 143
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان؟ فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر القطني عن أبيه عن جده عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه].
فمن مذهب أهل الحديث وأهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وعقيدة الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء: أن الإيمان قول باللسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ويذكر الله، ويقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، كل هذا من الإيمان.
وتصديق بالقلب أي: فأعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان مثل النية، والإخلاص، والرغبة، والرهبة، والمحبة، والخشية، وأعمال الجوارح: مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج.
كل هذه داخلة في مسمى الإيمان، فالإيمان مكون من أربعة أشياء: الأمر الأول: قول اللسان وهو الإقرار والنطق.
والثاني: قول القلب وهو التصديق والإقرار.
والثالث: عمل القلب وهو النية والإخلاص.
والرابع: عمل الجوارح، ولهذا قال المؤلف ﵀: ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، قول: قول اللسان وقول القلب، عمل القلب وعمل اللسان، والمعرفة هي تصديق القلب.
وقوله: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
إذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا قال بعضهم: الإيمان قول وعمل، وبعضهم يقول: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، أي: بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن العلماء من قال: قول وعمل ونية، فالإيمان قول وعمل، والقول شيئان: قول القلب وقول اللسان، والعمل شيئان: عمل القلب، وعمل الجوارح، وهذا هو قول أهل السنة قاطبة خلافاً للمرجئة، الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهم أربع طوائف: الطائفة الأولى: المرجئة الجهمية، وهم المرجئة المحضة ويقولون: الإيمان مجرد معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ومن جهل ربه بقلبه فهو كافر، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان هو تعريف الجهم، وعلى قول الجهم يكون إبليس مؤمناً؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، يكون اليهود مؤمنين لأنهم يعرفون ربهم بقلوبهم، ويكون أبو طالب عم الرسول ﷺ الذي مات على الشرك مؤمناً؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً الطائفة الثانية: الكرامية الذين يقولون: الإيمان الإقرار باللسان فقط، فعند الكرامية من نطق بالشهادتين بلسانه فهو مؤمن، وإن كان مكذباً بقلبه يكون مخلداً في النار، فيلزم على قولهم: أن المؤمن كامل الإيمان يخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل.
الطائفة الثالثة من المرجئة: الماتريدية والأشاعرة يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
الطائفة الرابعة: مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه الذين يقولون: الإيمان شيئان: إقرار اللسان، وتصديق القلب، أما الأعمال فليست داخلة في مسمى الإيمان وإن كانت واجبة لكن ليست من الإيمان، فالصلاة، والصوم والزكاة، والحج، بر وتقوى وهي مطلوبة، والفرق بينهم وبين الجهمية، أن الجهمية يقولون: ليست مطلوبة، وهؤلاء يقولون: مطلوبة، وأما أهل السنة والجماعة وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وهو الذي عليه الصحابة والتابعون والأئمة: أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ومرجئة الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه يقولون: من ارتكب الكبيرة عليه الوعيد ويقام عليه الحد، ومن فعل الطاعات يمدح وله الثواب لكن لا يسميها إيمان، أما الجهمية الأولى: فيقولون: الأعمال ليست مطلوبة، فلو فعل الإنسان جميع الكبائر والمنكرات لا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، وهذا من أبطل الباطل.
وعلى هذا فيكون المرجئة أربع طوائف: الجهمية، والكرامية، والماتريدية والأشاعرة، ومرجئة الفقهاء، وجماهير أهل السنة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وقد نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد إذا فعل الإنسان الطاعات وينقص إذا فعل المعصية، أما المرجئة فيقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو شيء واحد بالقلب، وإيمان أهل الأرض وإيمان أهل السماء واحد وهو التصديق، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن، ولا يزيد إيمانه ولا ينقص، وهذا من أبطل الباطل، بل إن الإيمان يزيد وينقص فإذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد إلى قوله عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه زاد الإيمان فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه، ولهذا كان يقول بعض السلف: اجلس بنا نؤمن ساعة يعني: يزيد إيماننا فيجلسون يذكرون الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكى قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو عمرو الحيري قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن إدريس المكي وأحمد بن شداد الترمذي قالوا: حدثنا الحميدي قال: حدثنا يحيى بن سليم سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا: قول وعمل سألت هشام بن حسان؟ فقال: قول وعمل، وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل، وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل، وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل، وسألت فضيل بن عياض فقال: قول وعمل، وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل].
وهذا كله يدل على أن الإيمان قول وعمل وهو الذي عليه جماهير أهل السنة والجماعة يقول: خلافاً للمرجئة الذين يقولون: العمل ليس من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا أبو الكيري قال: حدثنا محمد ومحمد بن إدريس وسمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، تقول ينقص فقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء].
وهذا يؤيد مذهب أهل السنة والجماعة وكنية سفيان هي أبو محمد فالإيمان ينقص ولكنه لا ينتهي على الصحيح إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، لكن المعاصي تضعفه ولهذا جاء في الحديث (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)، ولا ينتهي الإيمان بالمعاصي أبداً ولو كثرت.
فإذا جاء الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر انتهى الإيمان، فلا يجتمع كفر وإيمان بل إذا جاء الكفر الأكبر ذهب الإيمان، وإذا جاء الإيمان ذهب الكفر، لكن المعاصي يكون معها إيمان، فإذا كثرت أضعفت الإيمان حتى لا يبقى إلا أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعي ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل].
وقول: أبي محمد أسكت بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء فيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يبقى منه شيء، ويكون لا يبقى منه شيء بالنسبة للكافر، لأن الكافر ينتهي الإيمان منه، أما العاصي فلابد أن يبقى من إيمانه شيء وفيه قول: الوليد بن مسلم أنه سمع الأوزاعي ومالكاً وسعيد ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، أي: أنهم ينكرون على المرجئة، لأنهم يقولون: الإيمان إقرار بلا عمل، وهذا ليس بصحيح، ولهذا قال نقلاً عن هؤلاء الأئمة: لا إيمان إلا بعمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيماناً ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة].
قوله: قلت: يعني: الإمام الصابوني فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكثر إيماناً، ومن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة فإيمانه ناقص هذا صحيح، كلما كثرت الطاعات والحسنات زاد الإيمان، وإذا قلت الطاعات وكثرت المعاصي والغفلة والإعراض نقص الإيمان وهذا قول أهل السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكريه الجلاد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلاً، وأنا أبغضهم عن معرفة.
إن أول أمرهم أنهم لا يرون للسلطان طاعة.
والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر.
والله لا أستجيز أن أقول إيماني كإيمان يحيى بن يحيى ولا كإيمان أحمد ب
стр. 144
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١٠]
أهل السنة والجماعة لا يكفرون المؤمن بالذنوب والمعاصي صغائرها وكبائرها، فإن مات ولم يتب منها وكان موحداً فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر معاصيه ويدخله الجنة برحمته.
واختلف أهل العلم في تارك الصلاة عامداً متعمداً مع إقراره بوجوبها فمنهم من كفره وجعل فعله كفراً أكبر مخرجاً من الملة ومنهم من ذهب إلى عدم تكفيره وإنما يقتل حداً، ومنهم من حكم عليه بالحبس والتعزير حتى يتوب.
стр. 145
لا يكفر المؤمن بكل ذنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار].
هذا فيه بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب الذنوب وأصحاب الكبائر من المسلمين، فقد بين المؤلف ﵀ أن عقيدة أهل السنة والجماعة في الموحدين الذين يرتكبون الكبائر ويموتون عليها من غير توبة أنهم تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنهم وغفر لهم بتوحيدهم وإسلامهم وأدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبهم بذنوبهم على قدر جرائمهم ثم يخرجون منها إلى الجنة كما قال الله في كتابه المبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإذا عذب العاصي في النار فإنه لا بد أن يخرج منها، إما بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر مؤمنون، موحدون، مصلون، فلا تأكل النار أثر السجود فيعذبهم الله مدة ثم يخرجهم، وقد ثبت أن النبي ﷺ يشفع أربع شفاعات، وكذلك بقية الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والصالحون يشفعون، والشهداء يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فيقول الرب : (شفعت الملائكة وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين فيخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط) أي: زيادة على التوحيد والإيمان، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد في النار وهذا مذهب باطل أنكره عليهم أهل السنة وبدعوهم وضللوهم؛ لأن النصوص في إخراج العصاة من النار متواترة، ومع ذلك أنكرها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، فالواجب على المسلم أن يعتني بهذا الأمر، وأن يعتقد ما يعتقده أهل السنة والجماعة، فالخوارج عندهم أن الزاني يكفر ويخلد في النار، ومن شرب الخمر كفر وخلد في النار، وكذلك المعتزلة يخرجونه من الإيمان ولا يدخلونه في الكفر لكن يخلدونه في النار كالخوارج، ومن تعامل بالربا عند الخوارج والمعتزلة كفر وخلد في النار فهو عندهم كالكافر سواء بسواء نعوذ بالله، ومن عق والديه كفر وخلد في النار وهذا مذهب باطل، عند أهل السنة والجماعة، وضعيف الإيمان لا يكفر ولكن يكون ناقص الإيمان ولا يخلد في النار بل هو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ثم أخرجه، كما قال المؤلف ﵀ هنا.
ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ومحل النزاع هو إذا خرج من الدنيا غير تائب منها، أما من فعل الكبيرة ثم تاب، تاب الله عليه بالاتفاق، فمن تاب قبل الموت من الشرك والذنوب تاب الله عليه، والله تعالى قد عرض التوبة على المثلثة النصارى الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٤] فالتوبة تجب ما قبلها وليس هناك ذنب لا يغفر أبداً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] يعني: لمن تاب، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين فمن تاب تاب الله عليه حتى عند الخوارج المعتزلة، لكن محل النزاع: من مات على كبيرة من غير توبة هذا هو محل النزاع، فأهل السنة يقولون: هو ناقص الإيمان، أو ضعيف الإيمان، وتحت المشيئة قد يعفى عنه وقد يعذب، قد يعذب في قبره، وقد تصيبه شدائد وأهوال في موقف القيامة، وقد يعذب في النار.
أما الخوارج والمعتزلة فيقولون: هو كافر مخلد في النار نسأل الله السلامة والعافية.
ويجب على طالب العلم أن يعتني بهذا الأمر حتى لا يقع في معتقد أهل البدع.
وقول المؤلف ﵀: وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار وإن شاء عفا عنه، وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار والدليل على هذا هو الآية الشريفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه الآية في غير التائبين؛ لأن الله خص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفر، وعلق ما دونه بالمشيئة، فدل على أنها ليست في التائبين، أما آية الزمر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] فهي في التائبين فإن الله عمم وأطلق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] يعني: لمن تاب، فمن تاب توبة نصوحاً بأن أقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على ألا يعود إليه، ورد المظلمة إلى أهلها، وكان قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها، فإن الله تعالى يغفر ذنبه مهما كان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان شيخنا سهل بن محمد ﵀ يقول: المؤمن المذنب وإن عذب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار، ومعنى ذلك: أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوساً في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلي بالنار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس ومعنى قوله: لا يلقى في النار إلقاء الكفار أن الكافر يحرق بدنه كله كلما نضج جلده بدل جلداً غيره ليذوق العذاب كما بينه الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم إذ حرم الله على النار أعضاء سجوده، ومعنى قوله: لا يبقى في النار بقاء الكفار.
أن الكافر يخلد فيها ولا يخرج منها أبداً، ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين في النار أحداً، ومعنى قوله: ولا يشقى في النار شقاء الكفار: أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله ولا يرجون راحة بال].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال وعاقبة المؤمنين كلهم الجنة؛ لأنهم خلقوا لها وخلقت لهم فضلاً من الله ومنة].
هذا الكلام الذي نقله المؤلف ﵀ عن شيخه سهل بن محمد ﵀ يبين فيه الفرق بين المؤمن العاصي الذي يعذب بالنار والكافر، وقال: بينهما فروق ثلاثة: الفرق الأول: أن الكافر يؤتى به ويقذف في النار على أم رأسه ويدخل في سلسلة من النار ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢].
أما المؤمن فيدخلها على رجليه مثل المجرم الذي يدخل السجن في الدنيا.
الفرق الثاني: أن الكافر تغمره النار من جميع الجهات وتحرق بدنه، أما المؤمن فلا تغمره من جميع الجهات، بل تلهبه النار على حسب أعماله، فقد تصل النار إلى ركبتيه، أو إلى كعبيه أو إلى حقويه على حسب المعاصي.
الأمر الثالث: أن الكافر ييأس من رحمة الله فليس له طمع بأن يخرج من النار بل هو يائس والعياذ بالله أبد الآباد، وأما المؤمن فإنه لا ييأس بل يرجو رحمة الله ويرجو الخروج من النار؛ لأن دخوله مؤقت؛ لأن المؤمن الموحد الأصل أنه من أهل الجنة فهو خلق للجنة لكن هذه المعاصي خبث لا بد أن يطهر منه، فمنهم من يطهر منها بعفو الله فإذا عفا الله عنها طهر منها، وإذا لم يعفو عنه فلا بد أن يطهر بالنار، مثل النجاسة التي تصيب الثوب والبدن لا بد من غسلها، فنجاسة المعاصي تغسل بالنار إذا لم يعف الله عنها حتى تزول، فإذا طهر صاحبها أخرج منها بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين.
وقول الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] معنى التبديل: أي التجديد وليس معناه أنه يؤتى بجلود أخرى، وإنما معناه أنه كلما نضجت جدد من جديد حتى يستمر في العذاب نسأل الله السلامة والعافية، والكافر تلفح وجهه النار، أما المؤمن فلا تلفح وجهه النار، والمؤمن المصلي لا تأكل النار مواضع السجود منه، وهي: الجبهة، واليدين، والركبتين، وإنما تأكل بقية جسده، أما الكافر، فتلفحه النار من جميع الجهات نعوذ بالله.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: (وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود)، وفي اللفظ الآخر: (كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود).
ومعنى قوله: (لا يبقى في النار بقاء الكفار) أن الكافر يخلد فيها، ولا يخرج منها أبداً.
(ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين
стр. 146
حكم ترك الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [اختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمداً، فكفره بذلك أحمد بن حنبل ﵀ وجماعة من علماء السلف، وأخرجوه به من الإسلام؛ لقوله ﷺ في الخبر الصحيح: (بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقداً لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام.
وتأولوا الخبر السابق أن معناه: من ترك الصلاة جاحداً لها، كما أخبر سبحانه عن يوسف ﵊ أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧] ولم يكن قد تلبس بكفر ففارقه، ولكن تركه جاحداً له].
هذه المسألة مسألة عظيمة، وهي مسألة حكم تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً، وهي مسألة عظيمة وجديرة بالعناية والبحث؛ ولهذا اعتنى بها العلماء.
فأما من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها فهذا كافر بإجماع المسلمين حتى ولو صلى، وليس هذا محل النزاع، ولو جحد الزكاة فهو كافر ولو زكى، ولو جحد الصوم وقال: الصوم ليس واجباً، فمن شاء صام ومن شام أفطر، فهذا كافر بإجماع المسلمين، وكذلك لو جحد تحريم الزنا فهو كافر ولو لم يزن، أو جحد تحريم الربا فهو كافر ولو لم يراب، أو جحد شرب الخمر فهو كافر ولو لم يشرب الخمر، وهذا ليس محل النزاع.
فمن جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وجوبه، أو أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، فهو كافر بالإجماع، وليس في ذلك خلاف بين المسلمين، فمن جحد وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج أو غير ذلك مما هو من الدين بالضرورة وجوبه فهذا يكفر بالإجماع، وكذلك لو جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، كأن جحد تحريم الزنا، أو الربا، أو الخمر، أو عقوق الوالدين، وأما لو جحد شيئاً مختلفاً فيه فلا يكفر، كأن يجحد الوضوء من أكل لحوم الإبل فلا يكفر؛ لأن المسألة خلافية، فبعض أهل العلم يرى الوجوب، وبعضهم لا يرى الوجوب، ولو جحد تحريم الدخان فإنه لا يكفر؛ لأن المسألة فيها شبهة، وإن كان الصواب أن الدخان حرام، لكن قد يكون عند بعض الناس شبهة، فقد يجد من يفتيه من غير هذه البلاد بأن الدخان ليس بحرام، فهذا لا يكفر لأجل الشبهة التي عنده، وأما من جحد تحريم الخمر فإنه يكفر؛ لأنه مجمع على تحريمه.
إن محل النزاع الذي ذكره المؤلف هو في رجل ترك الصلاة وهو يؤمن بوجوبها وأنها فريضة ولكنه تركها كسلاً وتهاوناً، فما حكمه؟ هل يكفر أو لا يكفر؟
الجواب
في هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه يكفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وهذا هو الذي أجمع عليه الصحابة، وقد نقل الإجماع على هذا التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي، فقد قال ﵀: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة.
إذاً فهذا إجماع نقله عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل عن الصحابة على أن تارك الصلاة كافر، ونقله أيضاً إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، وهو قرين الإمام أحمد ﵀، ونقل الإجماع أيضاً أبو محمد بن حزم ﵀.
إذاً فالصحابة مجمعون على أن من ترك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً فهو كافر كفراً مخرجاً من الملة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي، ومذهب جماعة كبيرة من السلف كـ إسحاق بن راهويه وعامر الشعبي وأبي عمرو الأوزاعي وجماعة من التابعين والأئمة.
وهذا المذهب تدل عليه النصوص.
من تلك النصوص الصريحة: ما ثبت في صحيح مسلم ﵀ عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة).
وجه الدلالة فيه من وجهين: الوجه الأول: أنه أتى بأل في الكفر، وهذه تفيد الاستغراق، ولو كان كفراً أصغر لأتى بالكفر منكراً، مثل حديث: (اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب)، فأل إذا دخلت على الكفر دلت على الاستغراق وأن المراد هو الكفر الأكبر.
ثانياً: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر وبين الإيمان، فالبينية تفصل بين الشيء وغيره، أي: بين كذا وبين كذا، وبين الرجل وبين الكفر.
ثالثاً: عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) أخرجه أهل السنن وأحمد بسند جيد، فجعل الصلاة حداً فاصلاً بين المسلم والكافر.
رابعاً: في صحيح البخاري عن بريدة بن الحصيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر، وأما المؤمن فلا يحبط عمله بالمعصية، فلما عبر النبي ﷺ بحبوط العمل دل على أنه كافر، والدليل على أن الذي يحبط عمله إنما هو الكافر: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
خامساً: أن النبي ﷺ قال: (من ترك صلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله).
سادساً: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال: من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف)، وهؤلاء هم رءوس الكفر، فكونه يحشر مع هؤلاء الكفرة دليل على أنه كافر مثلهم.
قال بعض العلماء: إنما يحشر مع هؤلاء الأربعة لأنه إن اشتغل عن الصلاة برئاسته وملكه حشر مع فرعون ملك مصر الذي ادعى الربوبية، وإن اشتغل عن الصلاة بوزارته حشر مع هامان وزير فرعون، وإن اشتغل عن الصلاة بأمواله فإنه يحشر مع قارون صاحب الأموال من بني إسرائيل، وإن اشتغل عن الصلاة بتجارته وشهواته ووظائفه حشر مع أبي بن خلف، فهذا يدل على كفر تارك الصلاة.
سابعاً: حديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم -المراد بالأئمة هنا: ولاة الأمور- وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.
قلنا: يا رسول الله! أفلا نبادرهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، يعني: لا تقاتلونهم ما داموا يقيمون الصلاة.
وهذه الجملة لها مفهوم ومنطوق، فمنطوقها أنهم إذا أقاموا الصلاة فهم مسلمون لا يقاتلون، ومفهومها: أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يقاتلون.
ثامناً: ويدل على هذا أيضاً الحديث الذي في صحيح مسلم في المنع من الخروج على الأمراء، وهو أن النبي ﷺ منع من الخروج على ولاة الأمور فقال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) وقال في الحديث السابق: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، فإذا جمعت بين حديث: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) وحديث: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) دل على أن ترك الصلاة كفر بواح، فهذه الأدلة واضحة صريحة، وهناك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك.
وأما المتأخرون فقد ذهبوا إلى أن ترك الصلاة كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهذا مشهور عن الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة والشافعي.
واستدلوا على ذلك بأنه مؤمن مصدق، وما دام أنه مصدق فلا نجعله كالكافر.
واستدلوا أيضاً بنصوص فضل التوحيد، وأن الموحد لا يخلد في النار إذا قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، فقد جاء أن الصحابة قالوا: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟! قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي لفظ: (مخلصاً)، وفي لفظ: (غير شاك).
وجاء في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)، وهناك أحاديث ضعيفة استدلوا بها.
والجواب عن هذه الأحاديث: أن هذه الأحاديث التي فيها فضل التوحيد مقيدة بعدم ترك الصلاة؛ لأن أداء الصلاة شرط في صحة التوحيد، فمن ترك الصلاة فهو ليس بموحد.
وقوله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) لا يمكن أن يوجد إنسان يترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.
إذاً: فالصلاة شرط في صحة التوحيد والإيمان، وهو ممن لم يصل فليس بموحد ولا مؤمن، وتنتقض عليه كلمة لا إله إلا الله، ولو قال: لا إله إلا الله ولم يصل بطلت صلاته، وذلك مثل أن تقول: لا إله إلا الله ثم يسب الله، أو يسب الدين، أو يسب الإسلام، فإنه ينتقض توحيده، فكذلك من قال: لا إله إلا الله ولم يصل فإن توحيده ينتقض؛ لأنه ترك شرطاً فيها، كالذي يصلي ولم يتوضأ فإن صلاته لا تصح؛ لأن الطهارة شرط في الصلاة، وكذلك الصلاة شرط في صحة التوحيد، فمن قال: لا إله إلا الله ولم يصل لم يصح توحيده ولا إيمانه، وبهذا يتبين لنا أن القول بكفر
стр. 147
حكم تأخير الصلاة عن وقتها عمداً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: حكم تارك الصلاة.
وإنما تكلمت -يعني: في هذه المثل- لأن هذه المسألة قد عمت بها البلوى، فهناك كثير من الناس -والعياذ بالله- صاروا لا يبالون بالصلاة، فمنهم من يتركها حتى يخرج وقتها، وحديث بريدة في البخاري يدل على هذا، قال ﷺ : (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) فدل على أنه يكفر، ومن ذلك الشخص الذي لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس، وقد حدد وقتها بطلوع الشمس، فلو صلى الإنسان قبل دخول الوقت لما صحت صلاته، وإذا صلى بعد خروجها فلا تصح إلا من عذر وهذا لا عذر له، فليس نائماً أو متأولاً أو ناسياً، ولو كان كذلك لكان معذوراً، فمن نام عن صلاة فإنه يصليها إذا ذكرها، لكن إذا كان الإنسان لا يصلي الفجر يومياً متعمداً إلا بعد طلوع الشمس، كأن يرتب الصلاة على العمل، فيستيقظ مرة واحدة لعمله وصلاته وفطوره، فقد أفتى جمع من أهل العلم بأنه يكون مرتداً؛ لأنه لم يؤد الصلاة في وقتها، وممن أفتى بهذا: سماحة شيخنا الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمة الله عليه وجمعنا وإياه في جنته- فإنه يفتي بأن الشخص الذي لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس دائماً أنه كافر؛ لأنه لم يؤد الصلاة في وقتها.
أما الذي تفوته الصلاة مع الحرص عليها وبدون اختياره فهذا معذور، لكن الذي ينام عنها باستمرار، أو جعل المنبه يوقظه بعد الفجر فقد تعمد التأخير، وهذا أمر جد خطير.
стр. 148
حكم ترك الصلاة تعمداً
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمداً، فكفره بذلك أحمد بن حنبل].
يعني: في أحد الروايتين، وإلا فالمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنه كفر أصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكفره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف وأخرجوه به من الإسلام للخبر الصحيح المروي عن النبي ﷺ أنه قال: (بين العبد والشرك ترك الصلاة؛ فمن ترك الصلاة فقد كفر).
وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر بذلك -يعني: لا يكون كفراً أكبر، لكنه يكفر كفراً أصغر- ما دام معتقداً لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام].
يعني: أن طائفة قالت: يقتل حداً مثلما يقتل الزاني المحصن والقاتل.
وتأولوا الخبر في أن المقصود من قوله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، هو قوله: (من ترك الصلاة جاحداً لها).
ويقولون: لو أراد الرسول كفره لقال جاحداً، والرسول لم يقل جاحداً، وهذا من التأويل السائغ، وهو تأويل أصحاب القول الأول.
وقالت طائفة ثانية: عندنا دليل، وهو أن الله سبحانه أخبر عن يوسف ﵊ أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧] قالوا: إن المراد بقوله: ((تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ)) يعني: تركتها جاحداً لها، ولا يلزم من ذلك أن يكون تلبس بالكفر، فكذلك قوله: من ترك الصلاة يعني: من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها لكن هذا التأويل ليس بظاهر، والصواب القول الأول.
стр. 149
الأسئلة
стр. 150
الجمع بين حديث: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء) وحديث محاسبة الله الخلائق في وقت واحد
السؤال
كيف نجمع بين الحديث الذي فيه: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة) وبين قوله: فإن الله يحاسب الخلائق في وقت واحد؟
الجواب
لا يوجد منافاة فهو يحاسبهم ويفرغ منهم في وقت واحد فيتأخر دخول الأغنياء ويتقدم دخول الفقراء.
стр. 151
حكم من قال: إن المبتدعة يخلدون في النار
السؤال
يسأل عن الفرق المبتدعة كالخوارج والمعتزلة ونحوهم هل يخلدون في النار؟
الجواب
الخوارج سبق الكلام فيهم، وجمهور العلماء على أنهم مبتدعة، والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة، كما بين ذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومن العلماء من كفرهم وهو رواية عن الإمام أحمد أخذاً بالنصوص التي فيها: (أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمي)، وفي لفظ: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد) فقد شبههم بعاد وهم قوم كفار، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة، والمعتزلة كذلك مبتدعة، فمن العلماء من كفرهم، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون.
стр. 152
الخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء
السؤال
الخلاف بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء هل هو خلاف لفظي أم حقيقي يترتب عليه أشياء في مسألة الإيمان؟
الجواب
ليس لفظياً من جميع الوجوه، وشارح الطحاوية يقول: إنه لفظي، والصواب أنه ليس لفظياً من جميع الوجوه، صحيح أنه لا يترتب عليه فساد في الاعتقاد لكن له آثار تترتب عليه، من آثاره: أن جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى، ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة في المعنى وخالفوهما في اللفظ، ولا يجوز للإنسان أن يخالف النصوص لا في اللفظ ولا في المعنى، بل الواجب على المسلم أن يتأدب وأن يوافق النصوص في اللفظ والمعنى.
ومن الآثار التي ترتبت على الخلاف: فتح الباب للمرجئة المحضة، فمرجئة الفقهاء في اختلافهم مع جمهور أهل السنة فتحوا الباب للمرجئة المحضة، فلما قال مرجئة الفقهاء: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان فتحوا الباب للمرجئة المحضة وهم الجهمية فقالوا: الأعمال ليست مطلوبة، فالواجبات ليست واجبات والمحرمات ليست محرمات.
ومن آثار الخلاف: أنهم فتحوا الباب للفسقة والعصاة، فلما قال مرجئة الفقهاء: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان سيأتي السكير العربيد فيقول: أنا مؤمن كامل الإيمان كإيمان أبي بكر وعمر، فإذا قيل له: أبو بكر وعمر عنده أعمال عظيمة، قال: الأعمال شيء آخر، لكن تصديقي وتصديق أبي بكر واحد، الإيمان هو التصديق، فالذي فتح هذا الباب للفسقة هم مرجئة الفقهاء.
ومن ثمرة الخلاف مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فمرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء ويقولون: لا تقل إن شاء الله، ومن قال: إن شاء الله فهو شاك في إيمانه؛ لأن الإيمان تصديق القلب وأنت تعلم أنك مصدق فهل تشك أنك مصدق؟ لا تشك، كما أنك لا تشك بأنك قرأت الفاتحة، أو أنك تحب الرسول وتبغض اليهود فلا تشك في تصديقك.
أما جمهور أهل السنة فيقولون: المسألة فيها تفصيل: إن قصد الشك في أصل إيمانه فهذا ممنوع، وأما إن قصد أن الإيمان شعب متعددة وأنها تدخل فيه الأعمال كلها والأقوال، ولا يذكر الإنسان نفسه، ولا يجزم بأنه أدى ما عليه، بل يتهم نفسه ويزري على نفسه فلا بأس، فإنه في هذه الحالة يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فيكون الاستثناء راجع إلى الأعمال، وكذلك أيضاً إذا أراد عدم علمه بالعاقبة فله أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
فجمهور أهل السنة يجيزون الاستثناء باعتبار ويمنعونه باعتبار، أما مرجئة الفقهاء فيمنعوه، وبهذا يتبين أن الخلاف ليس لفظياً كما يقول شارح الطحاوية، وإنما له آثار تترتب عليه، وإن لم يترتب عليه فساد في العقيدة.
стр. 153
الجمع بين قول الله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً) والقول بأن أهل الجنة لا ينامون
السؤال
أهل الجنة لا ينامون فكيف الجمع بين هذا وبين قول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]؟
الجواب
لا يلزم من القيلولة النوم.
стр. 154
حكم القول بأن شفاعة النبي خاصة بأهل الكبائر
السؤال
هل شفاعة النبي ﷺ خاصة بأهل الكبائر؟
الجواب
هذا شرط في قصة الشفاعة، والنبي ﵊ له عدة شفاعات: الشفاعة العظمى في أهل الموقف حتى يقضى بينهم وهذه خاصة به ﵊، وشفاعة لأهل الجنة في الأذن لهم في دخولها وهي خاصة به، وشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب وهي خاصة به، وشفاعة في رفع درجة قوم من أهل الجنة وهذه للصالحين، وهناك شفاعات مشتركة: كالشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها مشتركة له ولغيره ﵊، وشفاعة فيما من استحق دخول النار ألا يدخلها، وشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وهذه مشتركة.
стр. 155
الفرق بين حساب النقاش وحساب العرض
السؤال
ما الفرق بين حساب النقاش وحساب العرض؟
الجواب
كما سبق: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] المراد به: العرض، تعرض عليه أعماله ولا يناقش، أما: (من نوقش الحساب عذب) فإنه يناقش ويحاسب ويعذب.
стр. 156
أقوال العلماء في الحوض والكوثر
السؤال
هل الحوض غير الكوثر؟
الجواب
من العلماء من قال: إنه هو الكوثر، والصواب أن الحوض في موقف النبي ﷺ ، والكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان في حوض النبي ﷺ والحوض في موقف القيامة.
стр. 157
حكم القول بأن الشفاعة لرفع درجات أهل الجنة خاصة بالنبي ﷺ
السؤال
هل القسم الرابع من الشفاعة وهو الشفاعة لرفع درجات أهل الجنة خاصة بالنبي ﷺ ؟
الجواب
الشفاعات المشتركة هي الشفاعة في خروج العصاة من النار، أما هذه فتحتاج إلى تأمل ومراجعة.
стр. 158
قول أبي حنيفة في الإيمان
السؤال
ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة في قوله: في الإيمان، هل رجع عنه أم لا؟
الجواب
لم يرجع عنه فـ أبو حنيفة له روايتان الرواية الأولى: أن الإيمان -وهو الذي عليه جمهور أصحابه- شيئان: قول باللسان وتصديق بالقلب فقط وأما الأعمال فليست من الإيمان.
والرواية الثانية: أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأما الإقرار باللسان فهو ركن زائد مطلوب ولكن ليس من الإيمان، وهذه الرواية الثانية توافق مذهب الأشاعرة والماتريدية.
وأول من قال بالإرجاء حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة.
стр. 159
وقت أذكار المساء
السؤال
أذكار المساء هل تقال بعد العصر أم بعد المغرب؟
الجواب
الأفضل بعد العصر، قال : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠] بعد العصر وبعد الفجر، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وإذا لم يتيسر للإنسان بعد العصر وقالها بعد المغرب فلا حرج إن شاء الله.
стр. 160
حكم أحاديث المهدي المنتظر
السؤال
ما مدى صحة أخبار المهدي المنتظر؟
الجواب
الأحاديث التي وردت في المهدي أنواع منها: ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو موضوع، لكن الأحاديث في خروج المهدي ثابتة لا شك فيها، ويوجد أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها، وأحاديث صحيحة وأحاديث حسنة.
والمهدي هو أول علامات الساعة الكبرى وهو محمد بن عبد الله المهدي كما جاء في الحديث: (رجل اسمه كاسم النبي ﷺ وكنيته كنيته من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويبايع له بين الركن والمقام في وقت ليس للناس فيه إمام) وهو لا يقاتل الناس وإنما يبايع له في وقت ليس للناس فيه إمام كما جاء في الأحاديث.
стр. 161
لكل نبي حوض
السؤال
هل لكل نبي حوض أم هو خاص بنبينا؟
الجواب
في بعض الأحاديث: (أنه لكل نبي حوض ولكن حوض نبينا ﷺ أعظمها وأكثرها وأحلاها وأكثرها واردة) جعلنا الله وإياكم من الواردين لها.
стр. 162
مكان خروج يأجوج ومأجوج
السؤال
من أين يخرج يأجوج ومأجوج؟
الجواب
من جهة الشرق يخرج يأجوج ومأجوج والدجال، كلها خارجة من بين الشام والعراق.
стр. 163
التوفيق بين أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر والأحاديث المكفرة لتارك بعض الواجبات
السؤال
كيف نوفق بين أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر والأحاديث المكفرة لتارك بعض الواجبات كالصلاة وغيرها؟
الجواب
لا يوجد منافاة فالأحاديث التي فيها تكفير تارك الصلاة معناها: أن ترك الصلاة ليس معصية بل هو كفر، والشفاعة تكون لمن فعل المعاصي دون الكفر، أما من فعل الكفر فليس له شفاعة، من سب الله أو سب الرسول ﵊ ومات على ذلك، أو استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسله، ليس له شفاعة إذا مات على ذلك، ومن اعتقد شريكاً لله في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات أو اعتقد أنه يستحق أحد العبادة غير الله هذا لا شفاعة له إذا مات على ذلك، ومن أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ومن أنكر ملكاً من الملائكة أو نبياً من الأنبياء، أو قال: إن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب، أو قال إن بعده نبي، أو أنكر البعث أو الجنة أو النار هذا لا شفاعة له، أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وجوبه، كأن أنكر وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، أو أنكر أمراً محرماً معلوماً من الدين بالضرورة، كأن أنكر تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين فهذا كافر، وكذلك من ترك الصلاة فقد فعل الكفر فلا شفاعة له، لكن من مات على المعاصي التي دون الكفر فله شفاعة إذا مات على التوحيد والإيمان.
стр. 164
حكم من قال: إن العمل ليس ركنا في الإيمان
يقول السائل فيه: حفظكم وأثابكم يا شيخ، ما ردكم على من قال: إن العمل ليس ركناً في الإيمان واحتج بحديث: (يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولم يذكر العمل؟
الجواب
( يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) إذا مات على التوحيد والإيمان لابد أنه عمل، والصلاة شرط في صحة الإيمان، ومن ترك الصلاة فليس بمؤمن، وعلى هذا من ترك الصلاة وهو قادر فلا يكون مؤمناً لأنه لابد من العمل مع النطق بالشهادتين، ولا بد من عمل القلوب وعمل الجوارح، والأحاديث فيها تقييد: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي بعضها: (مخلصاً)، وفي بعضها: (غير شاك)، وفي بعضها: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله).
стр. 165
حكم إثبات صفة الهبوط لله
السؤال
هل يثبت لله صفة الهبوط، فقد جاء في الحديث أنه يهبط إلى السماء الدنيا؟
الجواب
إن صحت اللفظة أثبتنا وإن لم تصح يثبت النزول فقط.
стр. 166
حكم القول بأن الإيمان في القلب
السؤال
بعض الناس إذا أنكرت عليه في معصية من المعاصي يقول: الإيمان بالقلب فكيف نرد عليه، وهل يعتبر قائل هذه العبارة من المرجئة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
هذه كلمة حق أريد بها باطل، فإذا قال: الإيمان في القلب نقول: والكفر في القلب أيضاً، والنفاق في القلب، فإذا وجد الإيمان في القلب انبعثت الجوارح على العمل، والواجب على الإنسان أن لا يقول هذا بل يقول: جزاك الله خيراً، وأنا إن شاء الله سوف أعمل ويقبل الحق ولا يعارض ويقول: الإيمان بالقلب، وفي الحديث: (إن في الجسد مضغة فإذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) فإذا وقر الإيمان في القلب انبعثت الجوارح على العمل، والمعصية دليل على ضعف الإيمان في القلب فإذا ضعف الإيمان في القلب جاءت المعاصي، وإذا قوي الإيمان وقوي الإخلاص وقوي الصدق في القلب أحرق الشبهات والشهوات جميعاً.
стр. 167
بعض الكتب التي يستفاد منها
السؤال
نرجو منكم حفظكم الله توجيهنا إلى بعض كتب السلف لدراستها والنهل منها؟
الجواب
كتب السلف كثيرة والحمد لله، لكن المبتدئ يبتدئ من رسائل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كرسالة الأصول الثلاثة، ورسالة كشف الشبهات، والقواعد الأربع، ثم كتاب التوحيد، ورسالة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهي رسالة عظيمة في باب الأسماء والصفات وكذلك في الصحابة وفي الأعمال، في باب الدين والأسماء، وهي رسالة تكتب بماء الذهب أوصي طالب العلم أن يحفظها أولاً، وكذلك الحموية لـ شيخ الإسلام والتدمرية والطحاوية، وكتب السنة كثيرة، منها كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب الإيمان لـ ابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لـ أبي عبيد القاسم بن سلام والرسالة التي معنا للصابوني: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، والإيمان لـ ابن بطة، ويترقى طالب العلم شيئاً بعد شيء.
وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع، والعمل الصالح.
стр. 168
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١١]
إن من معتقدات أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى وأن العبد له اختيار ومشيئة إلا أن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى، كما يعتقد أهل السنة أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويعتقدون كذلك أن الضر والنفع بيده سبحانه، ولله إرادتان: إرادة كونية قدرية وإرادة شرعية.
стр. 169
مسألة خلق أفعال العباد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد: أنها مخلوقة لله تعالى لا ينكرون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه].
أهل السنة يقولون: إن الله تعالى خلق العباد وخلق أفعالهم، فأفعال العباد مخلوقة لله، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] لكن العبد له اختيار ومشيئة وفعل إلا أن مشيئته تابعة لمشيئة الله، أنت الآن موجود مثلاً، تأتي إلى المسجد، وتستطيع أن تجلس في البيت، فلك اختيار ولا أحد يمنعك، فالإنسان يفعل باختياره وليس مجبوراً، إلا أن مشيئته واختياره تابعة لمشيئة الله، وهو مخلوق لله بذاته وأفعاله كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
وهناك طائفتان منحرفتان في هذه المسألة: الطائفة الأولى: القدرية الجبرية، قالوا: إن العبد مجبور على أفعاله وليس له اختيار، كالريشة في الهواء، وقالوا: بأن الأفعال أفعال الله، فإذا صليت فهذا فعل الله، والله هو المصلي والصائم، فالأفعال التي تفعلها إنما هي وعاء للأفعال وإلا فالله هو الفعال، فالعباد بمثابة وعاء للأفعال والله تعالى هو الذي يفعل بهم ذلك، وقالوا: مثل الله في ذلك مثل إنسان عنده كوب يصب فيه الماء، فالعباد كأنهم كوب والله كصباب الماء فيه، تعالى الله عما يقولون.
والطائفة الثانية: القدرية النفاة، قالوا: إن العباد خالقون لأفعالهم الطاعات والمعاصي، فما خلقها الله ولا أرادها ولا شاءها، والعبد هو الذي يخلق فعل نفسه استقلالاً.
فهاتان طائفتان منحرفتان، وتوسط أهل السنة والجماعة فلم يقولوا بقول القدرية النفاة ولا بقول الجبرية، فلم يقولوا: بأن العباد خالقون لأفعالهم، بل قالوا: إن الله خالق العبد وخالق فعله، ولم يقولوا: إن العبد مجبور كما قالت الجبرية، بل قالوا: إن العبد له اختيار ومشيئة فهو يفعل باختياره ومشيئته؛ لأن الله أعطاه القدرة على الفعل لكن الله خلقه وخلق قدرته.
والخلاصة: أن المذاهب في أفعال العباد ثلاثة: مذهب القدرية: وهو أن الأفعال خلقها العباد من الطاعات والمعاصي لأنفسهم استقلالاً من دون الله.
ومذهب الجبرية: وهو أن العبد مجبور على أفعاله، والأفعال أفعال الله والعبد مجبور كالريشة في الهواء، وكحركة المرتعش والنائم، وكنبض العروق، وكحركة الرياح للأشجار.
ومذهب أهل السنة: وهو أن الله تعالى خلق العباد وخلق أفعالهم، وأعطاهم القدرة على الأفعال، فالأفعال أفعالهم تنسب إليهم، والعبد هو المصلي والصائم والبر والفاجر، فالأفعال أفعال العبد، والله تعالى خلق العبد بذاته وصفاته وأفعاله، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
стр. 170
مسألة المشيئة واختلاف الطوائف فيها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] الآية، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] الآية.
سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فريقين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]].
وهذه مسألة الهداية من الله .
فأهل السنة والجماعة يشهدون أن الله تعالى هو الهادي وهو المضل، كما قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، فمن هداه الله فبفضله، ومن أضله الله فبعدله سبحانه، كما قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨].
والهداية ملك لله يعطيها من يشاء، فإذا أعطى العبد الهداية فهذا فضله، وإذا منع العبد من الهداية وأضله فله الحكمة ولا يعتبر هذا ظلماً؛ لأنه ما منعه شيئاً يملكه، فالظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والذي حرمه الله على نفسه هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يمنع أحداً من ثواب عمله أو يحمله سيئات غيره، ولهذا تنزه الله عنه وحرمه على نفسه، فالخلاصة أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الهداية من الله، فالله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وقالت المعتزلة القدرية: إن الله لا يهدي من يشاء ولا يضل من يشاء، فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه - نعوذ بالله - وقالوا: لا فرق بين المؤمن المطيع وبين العاصي، فالمؤمن يختار الهداية بنفسه، والكافر يختار الضلال بنفسه، وما هدى الله هذا ولا أضل هذا، ولا اختار هذا الإيمان بنفسه ثم لم يقدر الله له الهداية، فهو الذي اختار الضلال بنفسه، وقالوا: مثل الله في ذلك -وهم ممثلة يمثلون الله بخلقه- مثل رجل له ابنان أعطاهما سيفين، وأمرهما أن يجاهدا به في سبيل الله، فالأول جاهد به في سبيل الله وامتثل أمر أبيه، والآخر جعل يستعرض رقاب المسلمين ويقطع رقابهم، فهذا اختار الضلال وهذا اختار الهداية، وهذا من أبطل الباطل.
والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، والله تعالى خص العبد المؤمن بنعمة دينية، كما قال في كتابه العظيم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
فلله نعمة دينية على المؤمن خصه بها دون الكافر، وخذل الكافر حكمة منه وعدلاً، وله الحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل، وليس هذا ظلماً وإنما هو عدل منه ، ولهذا قال المؤلف ﵀: ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء إلى دينه، ويضل من يشاء عنه لا حاجة لمن أضله الله عليه ولا عذر له لديه؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان السمع والبصر والفؤاد والعقل، وميزه عن الحيوانات؛ ولهذا فإنه إذا فقد العقل ارتفع عنه التكليف، فالصغير الذي لم يبلغ، والمجنون، والشيخ الكبير الهرم الذي زال عقله لا تكليف عليهم، فإذا فقد العقل زال التكليف.
стр. 171
الهداية والضلال واختلاف الطوائف فيهما
وقوله: (ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء إلى دينه، ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] والشاهد من الآية: ((فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)).
إذاً: لو شاء لهدى الناس أجمعين، لكن اقتضت حكمته أن يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وقال : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] والشاهد أن الهداية بيد الله.
وقال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فقد أضلهم الله حكمة منه وعدلاً، فهو سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فريقين: فريقاً للنعيم وهم المؤمنون الذين من الله عليهم بالهداية للإسلام، وفريقاً للجحيم وهم الذين أضلهم الله عدلاً منه، وجعل منهم غوياً شقياً وهو الكافر، ورشيداً سعيداً وهو المؤمن، وقريباً من رحمته وبعيداً، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وهذا لكمال حكمته.
فالطوائف هنا في مسألة الهداية ثلاث طوائف: أهل السنة والقدرية والجبرية، فالقدرية قالوا: إن الله لا يهدي من يشاء ولا يضل من يشاء، بل المؤمن يهدي نفسه والكافر يضل نفسه، ويقولون في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] إن معناها: أنه يسميه هادياً أو يسميه ضالاً.
والجبرية قالوا: بأن الله تعالى يتصرف في ملكه بما يشاء، ولا يسمى هذا ظلماً، فلو عذب الأنبياء والأبرار، وحملهم أوزار الكفرة والفسقة ما كان هذا ظلماً؛ لأنه يتصرف في ملكه، والظلم: هو تصرف المالك في غير ملكه، والرب يتصرف في ملكه فلا يكون ظالماً، ويجوز أن يعطيهم شيئاً من التشجيعات والجزاءات، ويجوز على الله أن يحمل الأبرار والأنبياء أوزار الكفار والفجرة، وينعم الكفار والفسقة؛ لأنه يتصرف في ملكه، وهذا من أبطل الباطل.
وأهل السنة والجماعة يقولون: بأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كأن يمنع أحداً من ثواب عمله أو يحمله أوزار غيره، وهذا الظلم الذي تنزه الله عنه وهو قادر عليه، ولهذا قال سبحانه في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي).
وقال: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧]، وقال: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
والظلم عند الجبرية لا وجود له، ولا يقدر الله عليه بل الظلم ممتنع؛ لأن الظلم تصرف المالك في غير ملكه والله يتصرف في ملكه، ولا شيء خارج عن ملكه، وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال جل وعلا: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال : ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠]].
والشاهد: أن الله جعلهم فريقين، ففريقاً هداه الله وفريقاً أضله، فالله هو الهادي والمضل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠].
وقال جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧].
قال ابن عباس ﵄: هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة، وأخبرنا أبو محمد المخلدي أخبرنا أبو العباس السواد حدثنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﵌، أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فو الذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)].
وهذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد والطيالسي وابن أبي عاصم في السنة، ورواه جمع غيرهم.
وهذا الحديث فيه إثبات القدر، وأن كل أمر واقع بقضاء الله وقدره خيرها وشرها.
وفيه: دليل على أن كل إنسان صائر لما قدره الله، وأن الإنسان بعد مضي أربعة أشهر يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته، وهذا لا ينافي ما كتب في اللوح المحفوظ بل هو تفصيل منه يوافق ما في اللوح المحفوظ، فكل إنسان بعد أن تمضي عليه أربعون وأربعون وأربعون نطفة وعلقة، فبعد أربعة أشهر يأتيه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتابة رزقه، يقول: يا رب ما الرزق؟ فيكتب، ما الأجل؟ هل يموت صغيراً؟ هل يموت في بطن أمه أو يموت طفلاً؟ أو يموت شاباً أو شيخاً أو كهلاً أو هرماً؟ وما هو الرزق؟ وما العمل؟ فكل هذا يكتب وهو في بطن أمه، وهذا دليل على أن الله قدر كل الأشياء، وفيه رد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يهدي نفسه، فالشقاوة والسعادة مكتوبة له وهو في بطن أمه، ولكن الإنسان لا بد أن يصير إلى ما قدره الله، ولهذا سأل الصحابة النبي ﷺ فقالوا: (هل نحن الآن نعمل في شيء مستأنف أو في شيء فرغ منه؟ قال: في شيء فرغ منه.
قالوا: يا رسول الله، ما العمل؟ قال ﵊: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا أبو محمد المخلدي أخبرنا أبو العباس السواد حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو ابن راهويه - أنبأنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته عمل بعمل أهل الجنة فمات فدخل الجنة)].
هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره.
وهو دليل أيضاً على إثبات القدر، وأن الهداية والإضلال والشقاء والسعادة بيد الله، وأن الإنسان لا بد أن يصير إلى ما كتب له، فالمؤمن لا بد أن يموت على التوحيد ثم يدخل الجنة، والكافر لا بد أن يموت على الكفر فيدخل النار، نسأل الله السلامة والعافية.
وفيه الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان يهدي ويضل نفسه، ويشقي ويسعد نفسه، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 172
مذهب أهل السنة في الخير والشر والنفع والضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة ويعتقدون: أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا عليه، لما ورد به خبر عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، قال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]].
هذا مذهب أهل السنة والجماعة في الخير والشر، فيشهد أهل السنة والجماعة ويعتقدون: أن الخير والشر والنفع والضر والحلو والمر كله بقضاء الله وقدره، فكل شيء مقدر، حتى العجز والكيس، والعجز: هو الشيء الذي تعجز عنه، والكيس هو: النشاط والقوة فكل شيء مكتوب، مثلاً: يريد الإنسان أن يفعل خيراً ثم يقول: لا، أنا كسلان اليوم فهذا مكتوب، فالعجز الكسل مكتوبان، وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وكل شيء قدره الله، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
فالشر والخير والنفع والضر كله بقضاء الله وقدره ولا مرد لهما ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتب له ربه، كل ما يصيب الإنسان من أوجاع وأمراض، والموت الذي يصيبه، والهم والغم والحزن، وإيذاء الناس له، والنقص الذي يحصل عليه في ماله وبدنه، فكل هذا مكتوب، ولا يصيب المرء إلا ما كتب له ربه.
قوله: (ولو جهد الخلق)، يعني: لو اجتهدوا أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو عملوا جهدهم في أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يقدروا.
فلو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم في أن يوصلوا إليك خيراً ما أراده الله لما استطاعوا، ولو اجتمع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم إنسهم وجنهم على أن يضروك بشيء ما كتبه الله عليك لم يقدروا، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
وكما ورد بذلك الخبر عن عبد الله بن عباس: وهو حديث صحيح لا بأس به، وقال الترمذي: حسن صحيح، يقول: (كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يعني: انتهى الأمر فكل شيء مكتوب.
وقال الله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧].
يعني: إذا مسك ضر فلن يستطيع الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم أن يرفعوا هذا الضر عنك إلا إذا أراده الله، وإذا أصابك خير قدره الله لك فلن يستطيع الخلق كلهم أن يمنعوا هذا الخير إلا إذا أراد الله.
стр. 173
معنى قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه: أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فيقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله ﵌ في دعاء الاستفتاح: (تباركت وتعاليت والشر ليس إليك).
ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر! ويا مقدر الشر! وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعاً، لذلك أضاف الخضر ﵊ إرادة العجز إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله عنه في قوله جل وعلا: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه].
يقول المؤلف ﵀: إن من عقيدة أهل السنة والجماعة مع كونهم مؤمنين بأن الخير والشر والضر والنفع من الله لا يضيفون الشر إلى الله تنزيهاً له، وإنما يضاف الخير إلى الله ولا يضاف الشر إليه، فلا يقال: إن الله تعالى مقدر الشر، لكن الشر يدخل في العموم، ويؤتى بصيغة المبني للمجهول، كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] فأضاف الشر إلى الخلق ولم يضفه إلى الله تنزيهاً له، وإلا فالله خالق الخير والشر.
قال ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ولم يقل: من الشر الذي خلقه الله، أضاف الشر إلى الخلق، فقال: (من شر ما خلق).
ومثله قول الله تعالى حكاية عن مؤمني الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فانظر إلى مؤمني الجن، فإنهم لم يضيفوا الشر إلى الله، بل قالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ [الجن:١٠] وهذه صيغة المبني للمجهول، ولما جاء الخير أضافوه إليه، فقالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، فأضافوا الخير إلى الله وجاء بالشر بصيغة المبني للمجهول.
ومثله ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (والشر ليس إليك).
ومثله قصة الخضر، فـ الخضر أضاف العيب إلى نفسه ولم يضفه إلى الله، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، ولما جاء بالخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
يقول المؤلف ﵀: ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم -مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه- أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد، تنزيهاً لله، فلا يضاف إليه الشر، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان الله خالق كل شيء، بل يقال: إن الله خالق كل شيء، كما قال الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] لكن لا تخصص تنزيهاً لله، فالله خالق كل شيء، تقول: الله خالق كل شيء وخلق كل شيء، أما أن تخصص فتضيف خلق الأشياء التي لا تليق إلى الله، فهذا لا يجوز، بل ينزه الله عن ذلك، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والكلاب والخنافس والجعلان، وهذه كلها خلقها الله ولا شك، لكن لا تضفها إلى الله تنزيهاً له بل أضفها مع جهة العموم ولا تخصصها.
وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله ﷺ في دعاء الاستفتاح: (تباركت وتعاليت، والخير في يديك، والشر ليس إليك).
يقول المؤلف: ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر، أو يا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لها جميعاً، هذا القول الأول.
والقول الثاني: أن معنى قوله في الحديث: (والشر ليس إليك) الشر المحض الذي لا حكمة في تقديره وإيجاده ولا خير فيه، فالشر المحض: هو الذي لا حكمة في تقديره، والشرور الموجودة في الدنيا شرور بالنسبة للعبد، فالكفر مثلاً شر نسبي بالنسبة للمخلوق، والمعصية شر نسبي، فهي شر بالنسبة إلى العبد الذي فعل الكفر فضره هذا الكفر وساءه، لكن بالنسبة إلى الله فإنه يضاف إليه إضافة خلق، فالله تعالى خلق الكفر لحكمة، فهي بالنسبة إلى الله خير، وبالنسبة إلى العبد شر، فالكفر الذي صدر من العبد بالنسبة إلى الله يضاف إليه إضافة الخلق، فقد خلقه لحكمة عظيمة يترتب عليها انقسام الناس إلى شقي وسعيد، ويترتب عليها قدرة الله على إيجاد المتضادات، ويترتب على الكفر أيضاً التوبة والمعصية، فالتوبة يترتب عليها عبودية الولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله والبغض في الله، فهذه مصالح عظيمة.
والله تعالى خلق الكفر لحكمة؛ فيكون خلق الكفر بالنسبة لله خير؛ لأنه مبني على الحكمة، وبالنسبة إلى العبد شر، فإذاً قوله: والشر ليس إليك، يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره.
إذاً: كل الشرور الموجودة الآن في الدنيا نسبية فليس يوجد شر محض أبداً، ولهذا قال النبي ﷺ : (والشر ليس إليك)، يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره فهذا لا يوجد، وهذا هو الصواب، والمؤلف أتى بمعنى آخر، قال: (الشر ليس إليك)، أي: ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، لكن يضاف إلى الله مع غيره، أما أن يفرد الشر فهذا ممنوع وهما معنيان.
يقول المؤلف ﵀: ولذلك أضاف الخضر ﵊ إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله تعالى عنه في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، والشاهد أنه أضاف العيب إلى نفسه، فقال: ((أَعِيبَهَا)) ولم يضفه إلى الله.
ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فالشاهد قوله: ((فَأَرَادَ رَبُّكَ)) فأضاف الرحمة إليه، ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] فأضاف المرض إلى نفسه، فقال: ((مَرِضْتُ))، وأضاف الشفاء إلى الله بقوله: ((فَهُوَ يَشْفِينِ)) وإن كان الجميع من الله.
إذاً: فالشر لا يضاف إلى الله، وإن كان الله خالق الخير والشر، ولكن يدخل في جملة المخلوقات التي قدرها الله.
стр. 174
أنواع الإرادة والفرق التي خالفت فيها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة ويسخط الكفر والمعصية، قال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]].
هذه مسألة المشيئة والإرادة.
وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الإرادة نوعان: إرادة قدرية خلقية كونية ترادف المشيئة، وإرادة دينية شرعية أمرية ترادف الرضا والمحبة.
إذاً: الإرادة عند أهل السنة والجماعة نوعان: النوع الأول: إرادة كونية خلقية قدرية.
هذه عامة تشمل جميع الأشياء، وترادف المشيئة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
والنوع الثاني: إرادة دينية شرعية أمرية ترادف المحبة والرضا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه إرادة دينية شرعية، والفرق بين الإرادتين: أن الإرادة الكونية الخلقية لا يتخلف مقتضاها، وأما الإرادة الدينية الشرعية فقد تحصل وقد لا تحصل، فإذا أراد الله كوناً وقدراً من هذا العبد هذا الفعل فلا بد أن يفعله، وإذا أراد منه أن يموت فلابد أن يموت فلا يتخلف مراده.
أما الإرادة الدينية الشرعية فقد تحصل وقد لا تحصل، فالله تعالى أراد من العباد كلهم الإيمان والصلاح، لكن منهم من آمن ومنهم من لم يؤمن، فالدينية الشرعية قد يتخلف مرادها والكونية لا يتخلف مرادها.
هذا الفرق الأول.
والفرق الثاني بين الإرادتين: أن الإرادة الكونية الخلقية والإرادة الدينية تجتمعان في حق المؤمن، وتنفرد الكونية في حق الكافر، فالله تعالى أراد الإيمان من أبي بكر كوناً وقدراً وديناً وشرعاً فوقع.
وأراد الإيمان من أبي لهب ديناً وشرعاً ولكنه لم يرده كوناً وقدراً، فوقعت الإرادة الكونية، فاجتمعت الإرادتان في حق المؤمن المطيع، وانفردت الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
أما أهل البدع فلهم مذهبان: المذهب الأول: الجبرية من الأشاعرة والجهمية، قالوا: ليس هناك إلا إرادة واحدة، وهي إرادة كونية قدرية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية، والمعتزلة والقدرية أثبتوا الإرادة الدينية والشرعية، وأنكروا الإرادة الكونية، فكان كل من الجبرية والقدرية يثبتون نوعاً واحداً من الإرادتين، وأهل السنة قسموا الإرادة إلى قسمين على حسب النصوص: إرادة كونية قدرية خلقية ترادف المشيئة، وإرادة دينية شرعية أمرية ترادف المحبة والرضا.
يقول المؤلف ﵀: وكذلك من مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، فلم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة لكن له الحكمة البالغة، فقسمهم إلى شقي وسعيد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، ولو شاء أن لا يعصى لما خلق إبليس، لكنه خلقه لحكمة يعلمها.
فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، وإلحاد الملحدين، وتوحيد الموحدين، وطاعة المطيعين، ومعصية العاصين؛ كلها بقضائه سبحانه وقدره وإرادته ومشيئته وله الحكمة البالغة، فقد أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، وقال الله : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧].
стр. 175
الاستثناء في الإيمان والشهادة على المعين بأنه في الجنة أو النار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث: أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بم يختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، ولذا يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله، أي: من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله.
ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة؛ فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة بذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها؛ فإنهم يردون أخيراً إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين فضلاً من الله ومنة، ومن مات والعياذ بالله على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى].
مرتبة عواقب العباد مبهمة، فلا أحد يدري ما يختم به له، ولهذا فإن أهل السنة والجماعة لا يشهدون لأحد بعينه أنه من أهل الجنة، أو من أهل النار إلا من شهدت له النصوص كالعشرة المبشرين بالجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، فهؤلاء العشرة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فنشهد لهم بالجنة، وكذلك الحسن والحسين وابن عمر كذلك وعبد الله بن سلام وعكاشة بن محصن وغيره، وأهل بيعة الرضوان، لقوله ﷺ : (لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة).
فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة نشهد له بالجنة، ومن شهدت له النصوص بالنار نشهد له بالنار كـ أبي لهب وأبي جهل ونشهد لعموم المؤمنين بأنهم في الجنة، ونشهد لعموم الكفار بأنهم في النار، أما الشخص المعين من المسلمين فلا نشهد له بالجنة، لكن نشهد له بالعموم، فالمؤمنون جميعاً في الجنة والكفار جميعاً في النار، أما فلان ابن فلان من أهل القبلة فلا نشهد له بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص، وفلان ابن فلان لا نشهد عليه بالنار إلا إذا علمنا أنه مات على الكفر، كأن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً يعبد الأصنام والأوثان والحجة قائمة عليه، ومات على ذلك فإنا نشهد له بالكفر وبالنار، أما من لم تقم عليه الحجة، أو لم نعلم حاله فإننا نشهد عليه بالعموم، فنقول: كل كافر أو كل يهودي أو كل نصراني أو كل وثني أو كل منافق في النار، أما فلان ابن فلان فلا نشهد عليه إلا إذا علمنا أنه مات على الكفر، وقامت عليه الحجة، وكذلك كل مؤمن في الجنة، أما فلان ابن فلان فلا نشهد له بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، ولهذا قال المؤلف ﵀: ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، يعني: لا يدري أحد ما يختم لهذا، هل يختم له بالخير أو بالشر؟ ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، وينبغي أن يقيد كلام المؤلف هنا بقيد: إلا لمن شهدت له النصوص.
فنقول: ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل الجنة إلا لمن شهدت له النصوص؛ لأن ذلك مغيب عنهم فلا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان، أعلى الإسلام أم على الكفر؟ ولذلك يقول -يعني: المؤمن-: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: من المؤمنين الذين يختم لهم بالخير إن شاء الله.
وكذلك أيضاً يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله.
إذا أراد أنه لا يزكي نفسه، وأنه لا يدري أنه أدى ما عليه؛ لأن شعب الإيمان متعددة، فلا يجزم بأنه أدى الواجبات وترك المحرمات، ولا يزكي نفسه بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه لا يدري ما يختم له.
ويشهد أهل السنة والجماعة لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة.
يعني: على العموم.
فنقول: كل من مات على الإسلام فهو من أهل الجنة، وكل مؤمن فهو من أهل الجنة.
أما شخص بعينه فلا يشهد له إلا لمن شهدت له النصوص.
قال المؤلف: فإن الذي سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة بذنوبهم التي اكتسبوها ولم يتوبوا منها فإنهم يردون أخيراً إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين فضلاً منه ومنة.
يعني: من مات على التوحيد ثم عذب بالنار فإنه يعذب فيها مدة ويخرج منها كما سبق إلى الجنة؛ لأنه مات على التوحيد والإسلام.
ثم قال: ومن مات -والعياذ بالله- على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى.
لا تنفع فيه الشفاعة، ولا يدفع عنه عذاب الله أحد ولو أتى بملئ الأرض ذهباً، ولو اجتمع الخلق كلهم على أن ينقذوه من عذاب الله ما استطاعوا، ومن مات على الكفر فلا حيلة فيه، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، وقال سبحانه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
فمن مات على الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو الظلم الأكبر وهو ظلم الكفر، أو الفسق الكبر وهو فسق الكفر، فلا حيلة فيه، وليس له شفاعة، ولا نصيب له في الرحمة، وهو آيس من رحمة الله، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يتوفنا على الإسلام وعلى التوحيد والإيمان غير مغيرين ولا مبدلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 176
الأسئلة
стр. 177
سبب العمل للهداية وقد سبقت في علم الله
السؤال
إذا كان الله جل وعلا قد أراد الهداية وشاءها، فلماذا يعمل العباد بالدعوة إلى الله مع أن الله يعلم أن هذا الإنسان سوف يهديه، وأن هذا سوف يضله؟
الجواب
الصحابة استشكلوا هذا، وقالوا: (يا رسول الله! ما يكدح الناس فيه ويعملون؟ هل في شيء مستقبل مستأنف أو في شيء فرغ منه؟ قال: في شي فرغ منه، ثم قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
فهذا مغيب عنك والقدر إلى الله، وهو ليس من شئونك، أنت عبد مأمور، أما القدر فهو إلى الله فلا تنظر إليه، وعليك أن تجتهد في أداء الواجبات وترك المحرمات، وامتثل أوامر الله واجتنب نواهيه، وخل القدر، فالقدر من شئون الله وليس من شئونك.
стр. 178
المراد بإقامة الحجة
السؤال
من المعلوم أن من شروط التكفير إقامة الحجة، فما المراد بها؟ وهل كون الإنسان يفهم القرآن ويقرأه تكون الحجة عليه قائمة؟
الجواب
المراد ببلوغ الحجة: أن يعلم أن هذا حجة على هذا الشيء، فإنه تقوم عليه الحجة ولا يشترط فهمها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فقد بعث الرسول، وقامت الحجة على من بلغته نبوة النبي ﷺ ، قال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥] ولم يقل: حتى يتبين، فإذا بينت له الحجة وظهرت له، وعلم أن هذا حجة على هذا الشيء؛ فقد قامت عليه الحجة ولو لم يفهمها، قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، فالكفار قامت عليهم الحجة، ومع ذلك فقد شبههم الله بالغنم التي ينعق لها الراعي، فلا تسمع إلا نعيقه.
فإن علموا الحجة بأن بلغهم القرآن وبلغتهم السنة فقد قامت عليهم الحجة ولا يشترط أن يفهموها.
стр. 179
إنما الأعمال بالخواتيم
السؤال
قول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فمن كان مكتوباً عليه أنه من أهل النار، لكنه يعمل بعمل أهل الجنة ومات على هذا، هل هناك تعارض بينه وبين الحديث؟
الجواب
لابد أن يصير الإنسان إلى القدر كما سمعتم الأحاديث، ولابد أن يسبق عليه الكتاب، فإذا كتب الله أنه من أهل الجنة فلابد أن يموت على عمل من عمل أهل الجنة، ويسبق عليه الكتاب، وإذا كان مكتوباً من أهل النار فلابد أن يموت على الكفر والعياذ بالله، وهذا من شئون الله وليس إليك، وما عليك أنت إلا أن تجتهد في أداء ما أوجب الله عليك وترك ما حرم الله عليك.
стр. 180
حكم الزيادة في ركعات الصلاة
السؤال
رجل صلى إماماً في جماعة، وقام إلى خامسة، ونبهه المأمومون ولم يرجع، لكنهم تابعوه إلا رجلاً واحداً جلس حتى سلم الإمام، فما حكم صلاة المأمومين الذين فتحوا على الإمام وتابعوه في الخامسة؟ وكذلك حكم صلاة الرجل الذي جلس ولم يتابع الإمام؟
الجواب
إذا قام الإمام إلى خامسة في الرباعية، أو قام إلى رابعة في الثلاثية كالمغرب، أو قام إلى ثالثة في الثنائية كالفجر والجمعة؛ فإن على المأمومين أن ينبهوه ويقولوا: سبحان الله! سبحان الله! فإذا نبهه ثقتان وجب عليه أن يرجع إلى قولهما؛ لأن النبي ﷺ لما نبهه ذو اليدين لم يرجع إلى قوله حتى سئل الصحابة، وقال: (حق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم).
فإذا نبهه ثقتان وجب عليه أن يرجع، إلا أن يتيقن صواب نفسه، فإن تيقن أنه مصيب فلا يرجع عملاً باعتقاده، ثم المأمومون لهم أحوال أيضاً، فمن كان متيقناً أن هذه خامسة فلا يجوز له أن يتابع الإمام، بل يجلس حتى يسلم فيسلم معه.
ومن كان شاكاً فعليه أن يتابع الإمام، والمتيقن أنها خامسة لا يجوز له متابعة الإمام، فالمأموم له يقينه والإمام له يقينه، وقد يكون الإمام متيقناً أنها رابعة وأنت متيقن أنها خامسة، فالمأموم له يقينه وأنت لك يقينك، فأنت تجلس والمأموم يقوم، ومن كان شاكاً لا يدري فإنه يتابع الإمام، ومن كان عنده يقين أنها خامسة فلا يتابع الإمام في الخامسة، فإن تابعه عالماً متعمداً بطلت صلاته، أما إذا تابعه جاهلاً يظن أنه يجب متابعته فصلاته صحيحة.
следующие страницы →